İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
لأن الأم إن كانت حرة الأصل فالولد يتبعه فيما إذا كان عليه ولاء بحيث يصير الولاء عليه لمولى أبيه يتبعه في سقوط الولاء عنه أولى وهذا قول أكثر أهل العلم وسواء كان الأب عربيا أو أعجميا وقال أبو حنيفة إن كان أعجميا والأم مولاة ثبت الولاء على ولده وليس بصحيح لأنه حر الأصل فلم يثبت الولاء على ولده كما لو كان عربيا وسواء كان مسلما أو ذميا أو حربيا أو مجهول النسب أو معلومه وهذا قول أبي يوسف ومالك وشريح وقال القاضي إن كان مجهول النسب ثبت الولاء على ولده لمولى الأم إن كانت مولاة قال ابن اللبان وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال الخبري وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد لأن مقتضى ثبوته لمولى الأم موجود وإنما امتنع في محل الوفاق بحرية الأب فإذا لم يكن معلومه فقد وقع الشك في المنافع فيبقى الأصل ولا يزول عن اليقين بالشك ولا يترك العمل بالمقتضي مع الشك في المانع ولنا إن الأب حرم محكوم بحريته فأشبه معروف النسب ولأن الأصل في الآدميين الحرية وعدم الولاء فلا يترك هذا الأصل بالوهم في حق الولد كما لم يترك في حق الأب وقولهم مقتضى ثبوته لمولى الأم موجود ممنوع فإنه إنما ثبت لمولى الأم بشرط رق الأب وهذا الشرط منتف حكما وظاهرا وإن سلمنا وجود المقتضي فقد ثبت المانع حكما فإن الأب حريته ثابتة حكما فلا تعويل على ما قالوه وإن كان الأب مولى والأم مجهولة النسب فلا ولاء عليه في قولنا وقياس قول القاضي والشافعي أن يثبت الولاء عليه لمولى ابنه لأنا شككنا في المانع من ثبوته ولنا ما ذكرنا في التي قبلها ولأن الأم لا تخلو من أن تكون حرة الأصل فلا ولاء على ولدها أو أمة فيكون ولدها عبدا أو مولاة فيكون على ولدها الولاء لمولى أبيه والاحتمال الأول راجح لوجهين أحدهما أنه محكوم به في الأم فيجب الحكم به في ولدها الثاني أنه معتضد بالأصل فإن الأصل الحرية ثم لو لم يترجح هذا الاحتمال لكان الاحتمال الذي صاروا إليه معارضا باحتمالين كل واحد منهما مساو له فترجيحه عليهم تحكم لا يجوز المصير إليه بغير دليل وهذا وارد عليهم في المسألة الأولى أيضا فصل إذا تزوج معتق بمعتقة فأولدها ولدين فولاؤهما لمولى أبيها فإن نفاهما باللعان عاد ولاؤهما إلى مولى أمها فإن مات أحدهما فميراثه لأمه ومواليهما فإن أكذب أبوهما نفسه لحقه نسبهما واسترجع الميراث من موالي الأم ولو كان أبوهما عبدا ولم ينفهما وورث موالي الأم الميت منهما ثم أعتق الأب انجر الولاء إلى موالي الأب ولم يكن لهم ولاء وللأب استرجاع الميراث لأن الولاء إنما ثبت لهم عند إعتاق الأب ويفارق الأب إذا أكذب نفسه لأن النسب ثبت من حين خلق الولد فصل إذا تزوج عبد بمعتقة فأولدها ولدا فتزوج الولد بمعتقة رجل فأولدها ولدا فولاء اشترى أحدهم أباه عتق عليه وله ولاؤه ويجر إليه ولاء أولاده كلهم ويبقى ولاء المشتري لمولى أمه لأنه لا يكون مولى نفسه وهذا قول جمهور الفقهاء مالك في أهل المدينة وأبو حنيفة في أهل العراق والشافعي وشذ عمرو بن دينار المدني فقال يجر ولاء نفسه فيصير حرا لا ولاء عليه
قال ابن سريج ويحتمله قول الشافعي ولا يعول على هذا القول لشذوذه ولأنه يؤدي إلى أن يكون الولاء ثابتا على أبويه دونه مع كونه مولودا لهما في حال رقهما أو في حال ثبوت الولاء عليهما وليس لنا مثل هذا في الأصول ولا يمكن أن يكون مولى نفسه يعقل عنها ويرثها ويزوجها لكن لو اشترى هذا الولد عبدا فأعتقه ثم اشترى العبد أبا معتقه فأعتقه فإنه ينجر إليه ولاء سيده فيكون لهذا الولد على معتقه الولاء بإعتاقه إياه وللعتيق ولاء معتقه بولائه على أبيه وجره ولاءه بإعتاقه إياه ولا يمتنع مثل هذا كما لو أعتق الحربي عبدا فأسلم ثم أسر سيده وأعتقه صار كل واحد منهما مولى الآخر من فوق ومن أسفل ويرث كل واحد منهما الآخر بالولاء وكما جاز أن يشتركا في النسب فيرث كل واحد منهما صاحبه به كذلك الولاء وإن تزوج ولد المعتقة معتقة فأولدها ولدا فاشترى جدة عتق عليه وله ولاؤه ويجر إليه ولاء أبيه وسائر أولاد جده وهم عمومته وعماته وولاء جميع معتقيهم ويبقى ولاء المشتري لمولى أم أبيه وعلى قول عمرو بن دينار يبقى حرا لا ولاء عليه فصل إذا تزوج عبد بمعتقه فأولدها ولدا فتزوج الولد بمعتقة رجل فأولدها ولدا فولاء هذا الولد الآخر لمولى أم أبيه في أحد الوجهين لأن له الولاء على أبيه فكان الولاء له عليه كما لو كان مولى جده ولأن الولاء الثابت على الأب يمنع ثبوت الولاء لمولى الأم والوجه الثاني ولاؤه لمولى أمه لأن الولاء الثابت على ابنه من جهة أمه ومثل ذلك ثابت في حق نفسه وما ثبت في حقه أولى مما ثبت في حق أبيه ألا ترى أنه لو كان له مولى ولأبيه مولى كان مولاه أحق به من مولى أبيه فإن كان له أم ومولى أم أب ومولى أم جد وجدة مملوك فعلى الوجه الأول يكون لمولى أم الجد وعلى الثاني يكون لمولى الأم فصل وإن تزوج معتق بمعتقة فأولدها بنتا وتزوج عبد بمعتقة فأولدها ابنا فتزوج هذا الابن بنت المعتقين فأولدها ولدا فولاء هذا الولد لمولى أم أبيه لأن له الولاء على أبيه وإن تزوجت بنت بمملوك فولاء ولدها لمولى أبيها لأن ولاءها له فإن كان أبوها ابن مملوك ومعتقة فالولاء لمولى أم أبي الأم على الوجه الأولى لأن مولى أبي الأم يثبت له الولاء على أبي الأم فكان مقدما على المعتقين أمها ويثبت له الولاء عليها فصل في دور الولاء إذا تزوج عبد معتقة فأولدها بنتين فاشترتا أباهما عتق عليهما ولهما عليه الولاء وتجر كل واحدة منهما نصف ولاء أختها إليها لأنها أعتقت نصف الأب ولا ينجر الولاء الذي عليها ويبقى نصف ولاء كل واحدة منهما لمولى أمها فإن مات الأب فماله لهما ثلثاه بالبنوة وباقيه بالولاء فإن ماتت إحداهما بعد ذلك فلأختيها النصف بالنسب ونصف الباقي بأنها مولاة نصفها فصار لها ثلاثة أرباع مالها والربع الباقي لمولى أمها فإن كانت إحداهما ماتت قبل أبيها فمالها لأبيها ثم إذا مات الأب فللباقية نصف ميراث أبيها فمالها لأبيها ثم إذا مات الأب فللباقية نصف ميراث أبيها لكونها بنته ونصف الباقي وهو الربع لكونها مولاة نصفه يبقى الربع لموالي البنت التي ماتت قبله فنصفه لهذه البنت لأنها مولاة نصف أختها صار لها سبعة أثمان ميراثه ولمولى أم الميتة الثمن فإن ماتت البنت الباقية بعدهما فمالها لمواليها نصفه لمولى أمها ونصفه لمولى أختها الميتة وهم أختها وموالي أمها فنصفه لمولى أمها وهو الربع والربع الباقي يرجع إلى هذه الميتة فهذا الجزء دائر لأنه خرج من هذه الميتة ثم دار إليها فقال القاضي يجعل في بيت المال لأنه لا مستحق له نعلمه وهذا قول محمد بن الحسن وقياس قول مالك والشافعي
وقال بعض الشافعية وبعض المدنيين هو لمولى أم الميتة وهذا قول الجمهور وهاتان المسألتان أصل في دور الولاء وفيها أقوال شاذة سوى ما ذكرناه وهذا أصح ما قيل فيها إن شاء الله فإن ماتت الابنتان قبل الأب ورث مالهما بالنسب فإن مات بعدهما فماله يقسم على ثمانية أسهم لكل واحدة من ابنتيه أربعة أسهم سهمان لمولى أمها وسهمان لمولى أختها يقسمان أيضا لموالي أمها سهم وسهم دائر يرجع إلى بيت المال فيحصل لبيت المال الربع ولمولى أمها ثلاثة أرباع فإن كن ثلاثا ماتت إحداهن قبل الأب والأخرى بعده فمال الأب على سبعة وعشرين لابنتيه ثلثاها بالنسب وثلثا الباقي بولائهما عليه وثلث الباقي بولائهما على أختهما ويبقى لمولى الأم سهم ومال الثانية على ثمانية عشر للحية تسعة بالنسب وثلاثة بولائها عليها ولمولى أمها ثلاثة ويبقى ثلاثة لموالي الميتة الأولى للحية سهم ولمولى أمها سهم ويبقى سهم دائر فمن جعله لبيت المال دفعه إليه ومن جعله لمولى الأم فهو له ومن لم يدفعه قسمه بين الحية ومولى الأم نصفين وترجع بالاختصار إلى أربعة فإن كانت أمهاتهن شتى فمن اثني عشر فإن اشترى الابنتان أباهما ثم اشترى أبوهما هو والكبرى جدهما ثم مات الأب فماله بينهم أثلاثا ثم إذا مات الجد وخلف ابنتي ابنه فلهما الثلثان وللكبرى نصف الباقي لكونها مولاة نصف يبقى السدس لموالي الأب لأنه مولى نصف الجد وهم ابنتاه فيحصل للكبرى ثلث المال وربعه وللصغرى ربعه وسدسه فإن كانت بحالها فاشترت الكبرى وأبوها أخاهما لأبيهما فالجواب فيها كالتي قبلها باب ميراث الولاء يعني والله أعلم بالميراث بالولاء وأضاف الميراث إليه لأنه سببه فإن الشيء يضاف إلى سببه كما يقال دية الخطأ ودية العمد وإنما قلنا ذلك لأن الولاء لا يورث وإنما يورث به وهذا قول الجمهور روي نحو ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وأبي مسعود البدري وأبي بن كعب وبه قال عطاء وطاوس وسالم والزهري والحسن وابن سيرين وقتادة والشعبي وإبراهيم ومالك والشافعي وأهل العراق وداود وجعل شريح الولاء موروثا كالمال ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق وقوله الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب يورث به ولا يورث فكذلك الولاء ولأن الولاء إنما يحصل بإنعام السيد على المعتق وهذا المعنى لا ينتقل عن المعتق فكذلك الولاء مسألة قال ( ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن ) وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله في بنت المعتق خاصة أنها ترث لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ورث بنت حمزة من الذي أعتقه حمزة قوله ولا يرث النساء من الولاء لما قدمنا من أن الولاء لا يورث ولهذا قال إلا ما أعتقن ومعتقهن ولاؤه لهن فكيف يرثنه والظاهر من المذهب أن النساء لا يرثن بالولاء إلا ما أعتقن أو عتق من أعتقن وجر الولاء إليهن من أعتقن والكتابة كذلك فإنها إعتاق قال القاضي هذا ظاهر كلام أحمد والرواية التي ذكرها الخرقي في ابنه المعتق ما وجدتها منصوصة عنه وقد قال في رواية ابن القاسم وقد سأله علي كان لمولى حمزة أو لابنته فقال فقد نص على أن ابنة حمزة ورثت بولاء نفسها لأنها هي المعتقة وهذا قول الجمهور وهو قول من سمينا في أول الباب من الصحابة والتابعين ومن بعدهم غير شريح والصحيح الأول لإجماع الصحابة ومن بعدهم عليه ولأن الولاء لحمة كلحمة النسب والمولى كالنسيب من الأخ والعم ونحوهما فولده من العتيق بمنزلة ولد أخيه وعمه ولا يرث منهم إلا الذكور خاصة فأما رواية الخرقي في بنت المعتق فوجهها ما روى إبراهيم النخعي أن مولى لحمزة مات وخلف بنتا فورث النبي صلى الله عليه وسلم بنته النصف وجعل لبنت حمزة النصف والصحيح أن المولى كان لبنت حمزة
قال عبد الله بن شداد كان لبنت حمزة مولى أعتقته فمات وترك ابنته ومولاته بنت حمزة فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطى ابنته النصف وأعطى مولاته بنت حمزة النصف قال عبد الله بن شداد أنا أعلم بها لأنها أختي من أمي أمنا سلمى رواه ابن اللبان بإسناده وقال هذا أصح مما روى إبراهيم ولأن البنت من النساء فلا ترث بالولاء كسائر النساء فأما توريث المرأة من معتقها ومعتق معتقها ومن جر ولاء معتقها فليس فيه اختلاف بين أهل العلم وقد نص النبي على ذلك فإن عائشة أرادت شراء بريرة لتعتقها ويكون ولاؤها لها فأراد أهلها اشتراط ولائها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق متفق عليه وقال عليه السلام تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه قال الترمذي هذا حديث حسن ولأن المعتقة منعمة بالإعتاق كالرجل فوجب أن تساويه في الميراث وفي حديث مولى بنت حمزة الذي ذكرناه تنصيص على توريث المعتقة وأما معتق أبيها فهو بمنزلة عمها أو عم أبيها فلا ترثه ويرثه أخوها كالنسب ومن مسائل ذلك رجل مات وخلف ابن معتقه وبنت معتقه فالميراث لابن معتقه خاصة وعلى الرواية الأخرى يكون الميراث بينهما أثلاثا فإن لم يخلف إلا بنت معتقه فلا شيء لها وماله لبيت المال على الرواية الأخرى فإن الميراث لها وإن خلف أخت معتقه فلا شيء لها رواية واحد وكذلك وإن خلف أم معتقه أو جدة معتقه أو غيرهما وإن خلف أخا معتقه وأخت معتقه فالميراث للأخ ولو خلف بنت معتقه وابن عم معتقه أو معتق معتقه أو ابن معتق معتقه فالمال له دون البنت إلا على الرواية الأخرى فإن لها النصف والباقي للعصبة وإن خلف بنته ومعتقه فلبنته النصف والباقي لمعتقه كما في قصة مولى بنت حمزة فإنه مات وخلف بنته وبنت حمزة التي أعتقته فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم بنته النصف والباقي لمولاته وإن خلف ذا فرض سوى البنت كالأم أو الجدة أو الأخت أو الأخ من الأم أو الزوج أو الزوجة أو من لا يستغرق فرضه المال أو مولاه أو مولاته فإن لذي الفرض فرضه والباقي لمولاه أو مولاته في قول جمهور العلماء وقد سبق ذكر ذلك رجل وابنته أعتقا عبدا ثم مات الأب وخلف ابنه وبنته فماله بينهما أثلاثا ثم مات العبد فللبنت النصف لأنها مولاة نصفه والباقي لابن المعتق خاصة إلا على الرواية الضعيفة فإن الباقي يكون بينهما على ثلاثة فيكون للبنت الثلثان ولأخيها الثلث وإن ماتت البنت قبل العبد وخلفت ابنا ثم مات العبد فلابنها النصف والباقي لأخيها ولو لم تخلف البنت إلا بنتا كان الولاء كله لأخيها دون بنتها إلا على الرواية الأخرى فإن لبنتها النصف والباقي لأخيها وإن مات الالبن قبل العبد وخلف بنتا ثم مات العبد وخلف معتقة وبنت أخيها فللمعتقة نصف ماله وباقيه لبيت المال وعلى الرواية الأخرى لها النصف بإعتاقها ونصف الباقي لأنها بنت معتق النصف والباقي لعصبة ابنها ولو كانت البنت ماتت أيضا قبل العبد وخلفت ابنها ثم مات العبد فلابنها النص ولا شيء لبنت أخيها امرأة أعتقت أباها ثم أعتق أبوها عبدا ثم مات الأب ثم للعبد فمالهما لها فإن كان أبوها خلف بنتا أخرى معها فلهما ثلثا مال الأب بالنسب والباقي للمعتقة بالولاء ومال العبد جميعه للمعتقة دون أخيها ويتخرج على الرواية الأخرى أن يكون لهما ثلثا مال العبد أيضا وباقيه للمعتقة ولو كان الأب خلف مع المعتقة ابنا فمال الأب بينهما أثلاثا بالبنوة ومال العبد كله للابن دون أخته المعتقة لأنه يرث بالنسب والنسب مقدم على الولاء ولو خلف الأب أخا أو عما أو ابن عم مع البنت فللبنت نصف ميراث أبيها وباقيه لعصبته ومال العبد لعصبته ولا شيء لبنته فيه لأن العصبة من النسب مقدم على المعتق في الميراث إلا على رواية الخرقي فإن للبنت نصف ميراث العبد لكونها بنت المعتق وباقيه لعصبته
امرأة وأخوها أعتقا أباهما ثم أعتق أبوهما عبدا ثم مات الأب فماله بينهما أثلاثا ثم إذا مات العبد فميراثه للابن دون أخته لأنه ابن المعتق يرثه بالنسب وهي مولاة المعتق ولأن المعتق يقدم على مولاه فإن مات أخوها قبل أبيه وخلف بنتا فماله بين ابنته وابنه نصفين ثم إذا مات الأب فقد خلف بنته وبنت ابنه وبنته مولاة نصفه فلبنته النصف ولبنت ابنه السدس ويبقى الثلث لبنته نصفه وهو السدس لأنها مولاة نصفه يبقى السدس لموالي الأخ إن كان ابن معتقه وهم أخته وموالي أمه فلأخته نصف السدس والنصف الباقي لمولى أمه فحصل لأخيه النصف والربع والسدس وإن لم يكن ابن معتقه بل كانت أمه حرة الأصل فلا ولاء عليه وتأخذ أخته الباقي كله بالرد إن لم يخلف الأب عصبة فإن خلف الأب عصبة من نسبه كأخ أو عم أو ابن عم أو عم أب فلبنته النصف والباقي لعصبته ولو اشترى رجل وأخته أخاهما ثم اشترى أخوهما عبدا فأعتقه ثم مات أخوهما فماله بينهما أثلاثا ثم إذا مات عتيقه فميراثه لأخيه دون أخته ولو مات الأخ المعتق قبل موت العبد وخلف ابنه ثم مات العبد فميراثه لابن أخيها دونها لأنه ابن أخي المعتق وإن لم يخلف الأخ إلا بنته فنصف مال العبد للأخت لأنها معتقة نصف معتقه ولا شيء لبنت الأخ رواية واحدة والباقي لبيت المال فصل إذا خلف الميت بنت مولاه ومولى أبيه فماله لبيت المال لأنه إذا ثبت عليه الولاء من جهة مباشرته بالعتق لم يثبت عليه بإعتاق أبيه وإذا لم يكن لمولاه إلا ابنة لم ترث لأنها ليست عصبة وإنما يرث عصبات المولى فإذا لم يكن له عصبة لم يرجع إلى معتق أبيه وكذلك إن كان له معتق أب أو معتق جد ولم يكن هو معتقا فميراثه لمعتق أبيه إن كان ابن معتقه ثم لعصبة معتق أبيه ثم لمعتق أبيه فإن لم يكن له أحد منهم فلبيت المال ولا يرجع إلى معتق جده وإن كانت أمه حرة الأصل فلا ولاء عليه وليس لمعتق أبيه شيء فصل امرأة حرة ولا ولاء عليها وأبواها رقيقان أعتق إنسان أباها ويتصور هذا في موضعين أحدهما أن يكون جميعهم كفارا فتسلم هي ويسبى أبواها فيسترقان والثاني أن يكون أبوها عبدا تزوج أمة على أنها حرة فولدتها ثم ماتت وخلفت معتق أبيها لم يرثها لأنه إنما يرث بالولاء وهذه لا ولاء عليها وهكذا الحكم فيما إذا تزوج عبد حرة الأصل فأولدها ولدا ثم أعتق العبد ومات ثم مات الولد فلا ميراث لمعتق أبيه لأنه لا ولاء عليه ولو كان ابنتان على هذه الصفة اشترت إحداهما أباها فعتق عليها فلها ولاؤه وليس لها ولاء على أختها فإذا مات أبوهما فلهما الثلثان بالنسب ولها الباقي بالولاء فإذا ماتت أختها فلها نصف ميراثه بالنسب وباقيه لعصبتها فإن لم يكن لها عصبة فالباقي لأختها بالرد ولا ميراث لها منها بالولاء لأنها لا ولاء عليها فصل ولا يرث من أقارب المعتق ذو فرض منفرد كالأخ من الأم والزوج لأن الولاء للعصبات وليس هؤلاء عصبات فحكمهم حكم النساء وقد روي عن أحمد أنه قال لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن إلا أن الملاعنة ترث من أعتق ابنها وهذا يخرج على الرواية التي تقول إن الملاعنة عصبة ابنها وهي أحق بالميراث من عصبتها فترث لكونها عصبة قائمة مقام أبيه فأما على الرواية الأخرى فإن الولاء يكون لعصبتها مسألة قال ( والولاء لأقرب عصبة المعتق )
وجملة ذلك أن المولى العتيق إذا لم يخلف من نسبه من يرث ماله كان ماله لمولاه على ما أسلفناه فإن كان مولاه ميتا فهو لأقرب عصبته سواء كان ولدا أو أبا أو أخا أو عما أو ابن عم أو عم أب وسواء كان المعتق ذكرا أو أنثى فإن لم يكن له عصبة من نسبه كان الميراث لمولاه ثم لعصباته الأقرب فالأقرب ثم لمولاه وكذلك أبدا روي هذا عن عمر رضي الله عنه وبه قال الشعبي والزهري وقتادة ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه وقد روي عن علي ما يدل على أنه مذهبه في امرأة ماتت وخلفت ابنها وأخاها أو ابن أخيها أن ميراث مواليها لأخيها وابن أخيها دون ابنها وروي عنه إلى مثل قول الجماعة فروي عن إبراهيم أنه قال اختصم علي والزبير في موالي صفية بنت عبد المطلب فقال علي أنا أحق بهم أنا أرثهم وأعقل عنهم وقال الزبير هم موالى أمي وأنا أرثهم فقضى عمر للزبير بالميراث والعقل على علي رواه سعيد قال حدثنا أبو معاوية حدثنا عبيدة الضبي عن إبراهيم وقال ثنا هشيم ثنا الشيباني عن الشعبي قال قضى بولاء موالي صفية للزبير دون العباس وقضى عمر في موالي أم هانىء بنت أبي طالب لأبيها جعدة بن هبيرة دون علي وروى الإمام أحمد بإسناده عن زياد بن أبي مريم أن امرأة أعتقت عبدا لها ثم توفيت وتركت ابنا لها وأخاها ثم توفي مولاها من بعدها فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميراثه فقال عليه السلام ميراثه لابن المرأة فقال أخوها يا رسول الله لو جر جريرة كانت علي ويكون ميراثه لهذا قال نعم وروى بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المولى أخ في الدين ومولى النعمة يرثه أولى الناس بالمعتق إذا ثبت هذا فإن المعتقة إذا ماتت وخلفت ابنها وأخاها أو ابن أخيها ثم مات مولاها فميراثه لابنها وإن مات ابنها بعدها وقبل مولاها وتركت عصبة كأعمامه وبني أعمامه ثم مات العبد وترك أخا مولاته وعصبة ابنها فميراثه لأخي مولاته لأنه أقرب عصبة المعتق فإن المرأة لو كانت هي الميتة لورثها أخوها وعصبتها فإن انقرض عصبتها كان بيت المال أحق به من عصبة أبيها يروى نحو هذا عن علي وبه قال أبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب وعطاء وطاوس والزهري وقتادة ومالك والشافعي وأهل العراق وروي عن علي رواية أخرى أنه لعصبة الابن وروي نحو ذلك عن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وبه قال شريح وهذا يرجع إلى أن الولاء لا يورث كما يورث المال وقد روي عن أحمد نحو هذا واحتجوا بأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده أن رئاب بن حذيفة تزوج امرأة فولدت له ثلاثة غلمة فماتت أمهم فورثوا عنها ولاء مواليها وكان عمرو بن العاص عصبة بنيها فأخرجهم إلى الشام فماتوا فقدم عمرو بن العاص ومات مولاها وترك مالا فخاصمه إخوتها إلى عمر فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحرز الوالد والولد فهو لعصبته من كان قال وكتب له كتابا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت ورجل آخر قال فنحن فيه إلى الساعة رواه أبو داود وابن ماجه في سننهما والصحيح الأول فإن الولاء لا يورث على ما ذكرنا من قبل وإنما يورث به وهو باق للمعتق يرث به أقرب عصباته ومن لم يكن من عصباته لم يرث شيئا وعصبات الابن غير عصبات أمه فلا يرث الأجانب منها بولائها دون عصباتها وحديث عمرو بن شعيب غلط قال حميد الناس يغلطون عمرو بن شعيب في هذا الحديث فعلى هذا لا يرث المولى العتيق من أقارب معتقه إلا عصباته الأقرب منهم فالأقرب على ما ذكرنا في ترتيب العصبات ولا يرث ذو فرض بفرضه ولا ذو رحم فإن اجتمع لرجل منهم فرض وتعصيب كالأب والجد والزوج والأخ من الأم إذا كانا ابني عم ورث بما فيه من التعصيب ولم يرث بفرضه شيئا وإن كان عصبات في درجة واحدة كالبنين وبنيهم والإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم اقتسموا الميراث بينهم بالسوية وهذا كله لا خلاف فيه سوى ما ذكرنا من الأقوال الشاذة والله أعلم
مسألة قال ( وإذا مات المعتق وخلف أبا معتقه وابن فلأبي معتقه السدس وما بقي فللابن ) نص أحد على هذا في رواية جماعة من أصحابه وكذلك قال في جد المعتق وابنه وقال ليس الجد والأخ والابن من الكبر في شيء يجزيهم على الميراث وهذا قول شريح والنخعي والأوزاعي والعنبري وإسحاق وأبي يوسف ويروى عن زيد أن المال للابن وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي والحسن والحكم وقتادة وحماد والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة ومحمد والشافعي وأكثر الفقهاء لأن الابن أقرب العصبة والأب والجد يرثان معه بالفرض ولا يرث بالولاء ذو فرض بحال ولنا إنه عصبة وارث فاستحق من الولاء كالأخوين ولا نسلم أن الابن أقرب من الأب بل هما في القرب سواء وكلاهما عصبة لا يسقط أحدهما صاحبه وإنما هما يتفاضلان في الميراث فكذلك في الإرث بالولاء ولذلك يقدم الأب على الابن في الولاية والصلاة على الميت وغيرهما وحكم الأب مع ابن الابن وإن سفل حكم الجد وإن علا مع الابن وابنه سواء مسألة قال ( وإن خلف أخا معتقه وجد معتقه فالولاء بينهما نصفين ) وبهذا قال عطاء والليث ويحيى الأنصاري ومال إليه الأوزاعي وهو قول الشافعي وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد والذين نزلوا الجد أبا جعلوا الجد أولى وورثوه وحده وروي عن زيد أن المال للأخ وهو قول مالك والشافعي لأن الأخ ابن الأب والجد وأبوه والابن أحق من الأب ولنا إنهما عصبتان يرثان المال نصفين فكان الولاء بينهما نصفين كالأخوين وإن ترك جد مولاه وابني أخي مولاه فالمال لجده في قولهم جميعا إلا مالك جعل الميراث لابن الأخ وإن سفل وقال الشافعي أيضا لأن ابن الابن وإن سفل يقدم على الأب وليس هذا بصواب فإن ابن الأخ محجوب عن الميراث بالجد فكيف يقدم عليه ولأن الجد أولى بالمعتق من ابن الأخ فيرث مولاه لقول النبي صلى الله عليه وسلم المولى أخ في الدين وولي نعمة يرثه أحق الناس بالمعتق والدليل على أن الجد أولى أنه يرث ابن ابنه دون ابن الأخ فيكون أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها وما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر وفي لفظ فلأولى عصبة ذكر ولأن الجد أب فيقدم على ابن الأخ كالأب الحقيقي ولأنه يقدم في ميراث المال فقدم في الميراث بالولاء كسائر العصبات فصل فإن اجتمع إخوة وجد فميراث المولى بينهم كمال سيده وإن اجتمع إخوة من أبوين وإخوة من أب عاد الإخوة من الأبوين الجد بالإخوة من الأب ثم ما حصل لهم أخذه ولد الأبوين وقال ابن سريج يحتمل أنه بينهم على عددهم ولا يعاد ولد الأبوين الجد بولد الأب ولنا إنه ميراث من الجد والإخوة فأشبه الميراث بالنسب فإن كان مع الإخوة أخوات لم يعتد بهن لأنهن لا يرثن منفردات فلا يعتد بهن كالإخوة من الأم وإن انفرد الإخوة من الأب مع الجد فحكمهم حكم الإخوة من الأبوين فصل وإن ترك جد مولاه وعم مولاه فهو للجد وكذلك إن ترك جد أبي مولاه وبه يقول الثوري والأوزاعي وأهل العراق وقال الشافعي هو للعم وبنيه وإن سفلوا دون جد ا لأب وهو قياس قول مالك قال الشافعي ومن جعل الجد والأخ سواء فجد الأب والعم سواء وهو أولى من ابن العم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يرثه أولى الناس بالمعتق والجد أولى بالمعتق بدليل أنه أولى الناس بماله وولايته ويقدم في تزويجه والصلاة عليه وغير ذلك والعجب أن الشافعي رحمة الله عليه نزل الجد أبا في ولاية المال وولاية الإجبار على النكاح ووافق اغيره وجوب الإنفاق عليه وعتقه على ابن ابنه وعتق ابن ابنه عليه وانتفاء القصاص عنه بقتل ابن ابنه والحد بقذفه وغير ذلك من أحكام الأب ثم جعل أبعد العصبات أولى منه بالولاء
مسألة قال ( وإذا هلك رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المولى فالولاء لابن معتقه لأن الولاء للكبر ولو هلك الابنان بعده وقبل المولى وخلف أحدهما ابنا والآخر تسعة كان الولاء بينهم على عددهم لكل واحد منهم عشرة ) هذا قول أكثر أهل العلم قال الإمام أحمد روي هذا عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود وروى سعيد ثنا هشيم ثنا أشعث بن سوار عن الشعبي أن عمرا وعليا وابن مسعود وزيدا كانوا يجعلون الولاء للكبر وروي ذلك عن ابن عمر وأبي بن كعب وأبي مسعود البدري وأسامة بن زيد وبه قال عطاء وطاوس وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي والزهري وقتادة وابن قسيط ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وداود كلهم قالوا الولاء للكبر وتفسيره أنه يرث المولى المعتق من عصبات سيده أقربهم إليه وأولاهم بميراثه يوم موت العبد قال ابن سيرين إذا مات المعتق نظر إلى أقرب الناس إلا الذي أعتقه فيجعل ميراثه له وإذا مات السيد قبل مولاه لم ينتقل إلى عصبته لأن الولاء كالنسب لا ينتقل ولا يورث وإنما يورث به فهو باق للمعتق أبدا لا يزول عنه بدليل قوله عليه السلام إنما الولاء لمن أعتق وقوله الولاء لحمة كلحمة النسب وإنما يرث عصبة السيد مال مولاه بولاء معتقه لا نفس الولاء ويتضح معنى هذا القول بمسألتي الخرقي اللتين ذكرناهما هاهنا وهما إذا مات رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المولى ورثه ابن معتقه دون ابن ابن معتقه لأن ابن ابن المعتق أقرب عصبة سيده ولو مات السيد وخلف ابنه وابن ابنه لكان ميراثه لابنه دون ابن ابنه فكذلك إذا مات المولى والمسألة الأخرى إذا هلك الابنان بعده وقبل مولاه وخلف أحدهما ابنا والآخر تسعة ثم مات المولى كان ميراثه بينهم على عددهم لكل واحد منهم عشره لأن السيد لو مات كان ميراثه بينهم كذلك فكذلك ميراث مولاه ولو كان الولاء موروثا لانعكس الحكم في المسألتين وكان الميراث في المسألة الأولى بين الابن وابن الابن كأن الابنين ورثا الولاء عن أبيهما ثم ما صار للابن الذي مات انتقل إلى ابنه فصار ميراث الولي بينه وبين عمه نصفين وفي المسألة الثانية يصير لابن الابن المنفرد نصف الولاء بميراثه ذلك عن ابنه ولبني الابن الآخر النصف بينهم على عددهم وشذ شريح فقال الولاء بمنزلة المال يورث عن المعتق فمن ملك شيئا حياته فهو لورثته وقد حكي عن عمر وعلي وابن عباس وابن المسيب نحو هذا وروي عن حنبل ومحمد بن الحكم عن أحمد نحوه وغلطهما أبو بكر في روايتهما فإن الجماعة رووا عن أحمد مثل قول الجمهور قال أب الحارث سألت أبا عبد الله عن الولاء للكبر فقال كذا روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود أنهم قالوا الولاء للكبر إلى هذا القول أذهب وتفسير ذلك أن يعتق الرجل عبدا ثم يموت ويخلف ابنين فيموت أحد الابنين ويخلف ابنا فولاء هذا العبد المعتق لابن المعتق وليس لابن الابن شيء مع الابن وحجة شريح حديث عمر وبن المسيب الذي ذكرناه والقياس على المال
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم المولى أخ في الدين وولي نعمة وأولى الناس به أقرب من المعتق وقوله عليه السلام الولاء لمن أعتق وقوله الولاء لحمة كلحمة النسب ولأنه من أسباب التوارث فلم يورث كالقرابة والنكاح ولأنه إجماع من الصحابة ولم يظهر عنهم خلافه فلا يجوز مخالفته وحديث عمرو بن شعيب قد غلطه العلماء فيه ولم يصح عن أحد من الصحابة خلاف هذا القول وحكاه الشعبي والأئمة عن عمر ومن ذكرنا قولهم ولا يصح اعتبار الولاء بالمال لأن الولاء لا يورث بدليل أنه لا يرث منه ذوو الفروض وإنما يورث به فينظر أقرب الناس إلى سيده من عصباته يوم موت العبد والمعتق فيكون هو الوارث المولى دون غيره كما أن السيد لو مات في تلك الحال ورثه وحده فإذا خلف ابن مولاه وابن ابن مولاه فماله لابن مولاه وإن خلف ابن ابن مولاه وتسعة بني ابن آخر لمولاه فماله بينهم على عددهم لكل واحد عشره لأنهم يرثون جدهم كذلك ولو خلف السيد ابنه وابن ابنه فمات ابنه بعده عن ابن ثم مات عتيقه فميراثه بين ابني الابن نصفين وفي قول شريح هو لابن الابن الذي كان حيا عند موت ابنه وإن مات السيد عن أخ من أب وابن أخ من أبوين فمات الأخ من الأب عن ابن ثم مات العتيق فماله لابن الأخ من الأبوين وفي قول شريح هو لابن الأخ من الأب وإن لم يخلف عصبة من نسب مولاه فماله لمولى مولاه ثم لأقرب عصباته ثم لمولى مولاه فإذا انقرض عصباته وموالي الموالي وعصباتهم فماله لبيت المال مسألة قال ( ومن أعتق عبدا فولاؤه لابنه وعقله على عصبته ) هذه المسألة محمولة على أن المعتق لم يخلف عصبة من نسبه ولا وارثا منهم إذ لو خلف وارثا من نسبه أو عصبته كانوا أحق بميراثه وعقله من عصبات مولاه وولده فليس في ذلك إشكال وإذا لم يخلف إلا ابن مولاه وعصبة مولاه فماله لابن مولاه لأنه أقرب عصبات المعتق وعقله إن جنى جناية على عصبة مولاه إن كان المعتق امرأة لما روى إبراهيم قال اختصم علي والزبير في مولى صفية فقال علي مولى عمتي وأنا أعقل منه وقال الزبير مولى أمي وأنا أرثه فقضى عمر للزبير بالميراث وقضى على علي بالعقل ذكر هذا الإمام أحمد ورواه سعيد في السنن وغيره وهي قضية مشهورة وعن الشعبي قال قضى بولاء صفية للزبير دون العباس وقضى بولاء أم هانىء لجعدة بن هبيرة دون علي ولا يمتنع كون العقل على العصبة والميراث لغيره كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم بميراث التي قتلت هي وجنينها لبنيها وعقلها على العصبة وقد روى زياد بن أبي مريم أن امرأة أعتقت عبدا لها ثم توفيت وتركت ابنا لها وأخاها ثم توفي مولاها من بعدها فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميراثه فقال عليه السلام ) ميراثه لابن المرأة فقال أخوها لو جريرة كانت علي ويكون ميراثه لهذا قال نعم وإنما حملنا مسألة الخرقي على ما إذا كان المعتق امرأة لأن الأخبار التي رويناها إنما وردت فيها ولأن المرأة لا تعقل وابنها ليس من عشيرتها فلا تعقل عن معتقها وعقل عنها عصباتها من عشيرتها أما الرجل المعتق فإنه يعقل عن معتقه لأنه عصبة من أهل العقل ويعقل ابنه وأبوه لأنهما من عصباته وعشيرته فلا يلحق ابنه في نفي العقل عنه بابن المرأة والله أعلم فصل فإن كان المولى حيا وهو رجل عاقل موسر فعليه من العقل وله الميراث لأنه عصبة معتقه وإن كان صبيا أو امرأة أو معتوها فالعقل على عصباته والميراث له لأنه ليس من أهل العقل فأشبه ما لو جنوا جناية خطأ كان العقل على عصباتهم ولو جنى عليهم كان الأرش لهم
فصل ولا يرث المولى من أسفل معتقه في قول عامة أهل العلم وحكي عن شريح وطاوس أنهما ورثاه لما روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس له وارث إلا غلام له هو أعتقه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه قال الترمذي هذا حديث حسن وروي عن عمر نحو هذا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولأنه لم ينعم عليه فلم يرثه كالأجنبي وإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم له قضية في عين يحتمل أن يكون وارثا بجهة غير الإعتاق وتكون فائدة الحديث أن إعتاقه له لم يمنعه ميراثه ويحتمل أنه أعطاه وصلة وتفضلا إذا ثبت أنه لا يرثه فلا يعقل عنه وقال الشافعي في القديم يعقل عنه لأن سيده أنعم عليه فجاز أن يغرم عنه ولنا إن العقل على العصبات وليس هذا منهم وما ذكره لا أصل له وينعكس كسائر العاقلة فإنه لم ينعم عليه ويعقلون عنه وينتقض بما إذا قضى إنسان دين آخر فقد غرم عنه ولا يعقل فصل فإن أسلم الرجل على يدي الرجل لم يرثه بذلك في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقد روي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه يرثه وهو قول إسحاق وحكي عن إبراهيم أن له ولاءه ويعقل عنه وعن ابن المسيب إن عقل عنه ورثه وإن لم يعقل عنه لم يرثه وعن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما أنه يرثه وإن لم يواله لما روى راشد بن سعد قال قال رضي الله عنه من أسلم على يديه رجل فهو مولاه يرثه ويدي عنه رواه سعيد وقال أيضا حدثنا عيسى بن يونس ثنا معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم السامي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم على يديه رجل فله ولاؤه وروي بإسناده عن تميم الداري أنه قال يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين فقال هو أولى الناس بمحياه ومماته رواه أبو داود والترمذي وقال لا أظنه متصلا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولأن أسباب التوارث غير موجودة فيه وحديث راشد مرسل وحديث معاوية فيه أمامة بن يحيى الصدفي وهو ضعيف وحديث تميم تكلم الترمذي فيه فصل وإن عاقد رجل رجلا فقال عاقدتك على أن ترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك فلا حكم لهذا العقد ولا يتعلق به إرث ولا عقل وبه قال الشافعي وقال الحكم وحماد وأبو حنيفة هو عقد صحيح ولكل واحد منهما أن يرجع عنه ما لم يعقل واحد عن الآخر فإذا عقل عنه لزم ويرثه إذا لم يخلف عنه ما لم يعقل واحد عن الآخر فإذا عقل عنه لزم ويرثه إذا لم يخلف ذا رحم لقوله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم النساء 33 ولأن هذا كالوصية ووصية الذي لا وارث له بجميع ماله جائزة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولأن أسباب التوارث محصورة في رحم ونكاح وولاء وليس هذا منها والآية منسوخة بآية الميراث ولذلك لا يرث مع ذي رحم شيئا قال الحسن نسختها وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله الأنفال 75 وقال مجاهد فآتوهم نصيبهم من العقل والنصرة والرفادة وليس هذا بوصلة لأن الوصي لا يعقل فله الرجوع وهذا عندهم بخلافه فصل واللقيط حر لا ولاء عليه في قول الجمهور وفقهاء الأمصار وروي عن عمر أن ولاءه لملتقطه وبه قال الليث وإسحاق وعن إبراهيم إن نوى أن يرث منه فذلك وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم المرأة تحوز ثلاثة مواريث لقيطها وعتيقها وولدها الذي لاعنت عليه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولأنه ليس بقرابة ولا عتيق ولا ذي نكاح فلا يرث كالأجنبي والحديث فيه كلام
كتاب الوديعة والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 وقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته البقرة 283 وأما السنة فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وروي عنه عليه السلام أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن وأمر عليا أن يردها على أهلها وأما الإجماع فأجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع والعبرة تقتضيها فإن بالناس إليها حاجة فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم ويحتاجون إلى من يحفظ لهم والوديعة فعيلة من ودع الشيء إذا تركه أي هي متروكة عند المودع واشتقاقها من ا لسكون يقول ودع يدع فكأنها ساكنة عند المودع مستقرة وقيل هي مشتقة من الخفض والدعة فكأنها في دعة عند المودع وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة لأن فيه قضاء حاجة أخيه المؤمن ومعاونته وهي عقد جائز من الطرفين متى أراد المودع أخذ وديعته لزم المستودع ردها لقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 فإن أراد المستودع ردها على صاحبها لزمه قبولها لأن المستودع متبرع بإمساكها فلا يلزمه التبرع في المستقبل مسألة قال ( وليس على المودع ضمان إذا لم يتعد ) وجملته أن الوديعة أمانة فإذا تلفت بغير تفريط من المودع فليس عليه ضمان سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب هذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن أبي بكر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال شريح والنخعي ومالك وأبو الزناد والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله قال القاضي والأول أصح لأن الله تعالى سماها أمانة والضمان ينافي الأمانة ويروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على المستودع ضمان ويروى عن الصحابة الذين ذكرناهم ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعدية وتفريطه كالذي ذهب مع ماله ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا من غير نفع يرجع عليه فلو لزمه للضمان لامتنع الناس من قبول الودائع وذلك مضر لما بيناه من الحاجة إليها وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها فلا ينافي ما ذكرنا فأما إن تعدى المستودع فيها أو فرط في حفظها فتلفت ضمن بغير خلاف نعلمه لأنه متلف لمال غيره فضمنه كما لو أتلفه من غير استيداع فصل إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله أو قال أنا ضامن لها لم يضمن قال أحمد في المودع إذا قال أنا ضامن لها فسرقت فلا شيء عليه وكذلك كل ما أصله الأمانة كالمضاربة ومال الشركة والرهن والوكالة وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر وذلك لأنه شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه كما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه مسألة قال ( فإن خلطها بماله وهي لا تتميز أو لم يحفظها كما يحفظ ماله أو أودعها غيره فهو ضامن ) في هذه المسألة ثلاث مسائل المسألة الأولى أن المستودع إذا خلط الوديعة بما لم تتميز منه من ماله أو مال غيره ضمنها سواء خلطها بمثلها أو دونها أو أجود من جنسها أو غير جنسها مثل أن يخلط دراهم بدارهم أو دهنا بدهن كالزيت بالزيت أو السمن أو بغيره وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن القاسم إن خلط دراهم بدراهم على وجه الحرز لم يضمن وحكي عن مالك لا يضمن إلا أن يكون دونها لأنه لا يمكنه ردها إلا ناقصة
ولنا إنه خلطها بماله خلطا لا يتميز فوجب أن يضمنها كما لو خلطها بدونها ولأنه إذا خلطها بما لا يتميز فقد فوت على نفسه إمكان ردها فلزمه ضمانها كما لو ألقاها في لجة بحر وإن أمره صاحبها بخلطها بماله أو بغيره ففعل ذلك فلا ضمان عليه لأنه فعل ما أمر به فكان نائبا عن المالك فيه وقد نقل مهنا عن أحمد في رجل استودع عشرة دراهم واستودعه آخر عشرة وأمره أن يخلطها فخلطها فضاعت الدراهم فلا شيء عليه فإن أمره أحدهما بخلط دراهمه ولم يأمره الآخر فعليه ضمان دراهم من لم يأمره دون الأخرى وإناختلطت هي بغير تفريط منه فلا ضمان عليه لأنها لو تلفت بذلك لم يضمن فخلطها أولى وإن خلطها غيره فالضمان على من خلطها لأن العدوان منه فالضمان عليه كما لو أتلفها المسألة الثانية إذا لم يحفظها كما يحفظ ماله وهو أن يحرزها بحرز مثلها فإنه يضمنها وحرز مثلها يذكر في باب القطع في السرقة وهذا إذا لم يعين له المودع ما يحفظها فيه فإن عين له لزمه حفظها فيما أمره به سواء كان حرز مثلها أو لم يكن وإن أحرزها بمثله أو أعلى منه لم يضمنها ويتخرج أن يضمنها إذا فعل ذلك من غير حاجة المسألة الثالثة إذا أودعها غيره ولها صورتان إحداهما أن يودعها غيره لغير عذر فعليه الضمان بغير خلاف في المذهب وهو قول شريح ومالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق وقال ابن أبي ليلى لا ضمان عليه لأن عليه حفظها وإحرازها وقد أحرزها عند غيره وحفظها به ولأنه يحفظ ماله بإيداعه فإذا أودعها فقد حفظها بما يحفظ به ماله فلم يضمنها كما لو حفظها في حرزه ولنا إنه خالف المودع فضمنها كما لو نهاه عن إيداعها وهذا صحيح فإنه أمره بحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره فإذا ثبت هذا فإن له تضمين الأول وليس للأولا الرجوع على الثاني لأنه دخل معه في العقد في أنه أمين له لا ضمان عليه وإن أحب 0 تضمين الثاني فذكر القاضي أنه ليس له تضمينه في ظاهر كلام أحمد لأنه ذكر الضمان على الأول فقط وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه قبض قبضا موجبا للضمان على الأول فلم يوجب ضمانا آخر وفارق القبض من الغاصب فإنه لم يوجب الضمان على الغاصب إنما لزمه الضمان بالغصب ويحتمل أن له تضمين الثاني أيضا لأنه قبض مال غيره على وجه لم يكن له قبضه ولم يأذن له مالكه فضمنه كالقابض من الغاصب وهذا مذهب الشافعي وذكر أحمد الضمان على الأول لا ينفي الضمان عن الثاني كما أن الضمان يلزم الغاصب ولا ينفي وجوبه على القابض منه فعلى هذا يستقر الضمان على الأول فإن ضمنه لم يرجع على أحد وإن ضمن الثاني يرجع على الأول وهذا القول أشبه بالصواب وما ذكرنا للقول الأول لا أصل له ثم هو منتقض بما إذا دفع الوديعة إلى إنسان عارية أو هبة أو وديعة لنفسه فإما إن دفع الوديعة إلى من جرت عادته بحفظها له من أهله كامرأته وغلامه لم يضمن نص عليه أحمد وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي يضمن لأنه سلم الوديعة إلى من لم يرض به صاحبها فضمنها كما لو سلمها إلى أجنبي ولنا إنه حفظها بما يحفظ به ماله فأشبه ما لو حفظها بنفسه وكما لو دفع الماشية إلى الراعي أو دفع البهيمة إلى غلامه ليسقيها ويفارق الأجنبي فإن دفعها إليه لا يعد حفظا منه إذا كان له عذر مثل إن أراد سفرا أو خاف عليها عند نفسه من حرق أو غرق أو غيره
فهذا إن قدر على ردها على صاحبها أو وكيله في قبضها لم يجز له دفعها إلى غيره فإن فعل ضمنها لأنه دفعها إلى غير مالكها بغير إذن منه من غير عذر فضمنها كما لو أودعها في الصورة الأولى وإن لم يقدر على صاحبها ولا وكيله فله دفعها إلى الحاكم سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن لأنه متبرع بإمساكها فلا يلزمه استدامته والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته وإن أودعها مع قدرته على الحاكم ضمنها لأن غير الحاكم لا ولاية له ويحتمل أن يجوز له إيداعها لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها وإن لم يقدر على الحاكم فأودعها ثقة لم يضمنها لأنه موضع حاجة وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أنه يضمنها ثم تأول كلامه على أنه أودعها من غير حاجة أو مع قدرته على الحاكم وإن دفنها في موضع وأعلم بها ثقة يده على الموضع وكانت مما لا يضرها الدفن فهو كإيداعها عنده وإن لم يعلم بها أحدا ضمنها لأنه فرط في حفظها فإنه لا يأمن أن يموت في سفره فلا تصل إلى صاحبها وربما نسي مكانها أو أصابه آفة من هدم أو حرق أو غرق فتضيع وإن أعلم بها غير ثقة ضمنها لأنه ربما أخذها وإن أعلم بها ثقة لا يدله على المكان فقد فرط لأنه لم يودعها إياه ولا يقدر على الاحتفاظ بها فصل وإن أراد السفر بها وقد نهاه المالك عن ذلك ضمنها لأنه مخالف لصاحبها وإن لم يكن نهاه لكن الطريق مخوف أو البلد الذي يسافر إليه مخوف ضمنها لأنه فرط في حفظها وإن لم يكن كذلك فله السفر بها نص عليه أحمد سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي إن سافر بها مع القدرة على صاحبها أو وكيله أو الحاكم أو أمين ضمنها لأنه يسافر بها من غير ضرورة أشبه ما لو كان السفر مخوفا ولنا إنه نقلها إلى موضع مأمون فلم يضمنها كما لو نقلها في البلد ولأنه سافر بها سفرا غير مخوف أشبه ما لو لم يجد أحدا يتركها عنده ويقوى عندي أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها أو نائبه بغير إذنه فهو مفرط عليه الضمان لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها ويخاطر بها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المسافر وماله لعلي قلت إلا ما وقي والله أي على هلاك ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يضمن هذا الخطر ولا يفوت إمكان ردها على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك فأما مع غيبة المالك ووكيله فله السفر بها إذا كان أحفظ لها لأنه وضع حاجته فيختار فعل ما فيه الحظ فصل وإن حضره الموت فحكمه حكم السفر على ما مضى من أحكامه إلا في أخذها معه لأن كل واحد منهما سبب لخروج الوديعة عن يده مسألة قال ( وإن كانت غلة فخلطها في صحاح أو صحاحا فخلطها في غلة فلا ضمان عليه ) يعني بالغلة المكسرة إذا خلطها بصحاح من ماله أو خلط الصحاح بالمكسرة لم يضمنها لأنها تتميز منها فلا يعجز بذلك عن ردها على صاحبها فلم يضمنها كما لو تركها في صندوق وفيه أكياس له وبهذا قال الشافعي ومالك ولا نعلم فيه اختلافا وكذلك الحكم إذا خلط دراهم بدنانير وبيضا بسود وقد حكي عن أحمد فيمن خلط دراهم بيضا بسود يضمنها ولعله قال ذلك لكونها تكتسب منها سوادا أو يتغير لونها فتنقص قيمتها فإن لم يكن فيها ضرر فلا ضمان عليه والله تعالى أعلم مسألة قال ( ولو أمره أن يجعلها في منزل فأخرجها عن المنزل لغشيان نار أو سيل أو شيء الغالب منه البوار فلا ضمان عليه )
وجملة ذلك أن رب الوديعة إذا أمر المستودع بحفظها في مكان عينه فحفظ فيه ولم يخش عليها فلا ضمان عليه بغير خلاف لأنه ممتثل لأمره غير مفرط في ماله وإن خاف عليها سيلا وتوى يعني هلاكا فأخرجها منه إلى حرزها فتلفت فلا ضمان عليه بغير خلاف أيضا لأن نقلها في هذه الحال تعين حفظا لها وهو مأمور بحفظها وإن تركها مع الخوف فتلفت ضمنها سواء تلفت بالأمر المخوف أو بغيره لأنه فرط في حفظها لأن حفظها نقلها وتركها تضييع لها وإن لم يخف عليها فنقلها عن الحرز إلى دونه ضمنها لأنه خالفه في الحفظ المأمور به وإن نقلها إلى دونه عند الخوف عليها نظرنا فإن أمكنه إحرازها بمثله أو أعلى منه ضمنها أيضا لتفريطه وإن لم يمكنه إحرازها إلا بما دونه لم يضمنها لأن إحرازها بذلك أحفظ لها من تركه وليس في وسعه سواه وإن نقلها إلى مثل ذلك الحرز لغير عذر فقال القاضي لا يضمنها وهو مذهب الشافعي لأن تقيده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله كمن اكترى أرضا لزرع حنطة فله زرعها وزرع مثلها في الضرر ويحتمل كلام الخرقي لزوم الضمان لأن الأمر بشيء يقتضي تعيينه فلا يعدل عنه إلا بدليل وإن نقلها إلى أحرز من كان حكمه حكم ما لو أخرجها إلى مثله فإن نهاه عن إخراجها من ذلك المكان فالحكم فيه كما لو أمره بتركها فيه ولم ينهه عن إخراجه منه إلا في أنه إذا خاف عليها فلم يخرجها حتى تلتف ففيه وجهان أحدهما يضمن لما ذكرنا في التي قبلها والثاني لا يضمن لأنه ممتثل لقول صاحبها وفي أنه إذا أخرجها لغير عذر ضمنها سواء أخرجها إلى مثله أو دونه أو فوقه لأنه خالف صاحبها لغير فائدة وهذا ظاهر كلام الشافعي وقال أبو حنيفة إن نهاه عن نقلها من بين فنقلها إلى بيت آخر من الدار لم يضمن لأن البيتين من دار واحدة حرز واحد وطريق أحدهما طريق الآخر فأشبه ما لو نقلها من زاوية إلى زاوية وإن نقلها من دار إلى دار أخرى ضمن ولنا إنه خالف أمر صاحبها بما لا مصلحة فيه فيضمن كما لو نقلها من دار إلى دار وليس ما فرق به صحيحا لأن ثبوت الدار يختلف فمنها ما هو أقرب إلى الطريق أو إلى موضع الوقود أو إلى الانهدام أو أسهل فتحا أو بابه أسهل كسرا أو أضعف حائطا أو أسهل نقبا أو لكون المالك يسكن به أو يسكن في غيره وأشباه هذا مما يؤثر في الحفظ أو في عدمه فلا يجوز تفويت غرض رب الوديعة من تعيينه من غير ضرورة وإن خاف عليها في موضعها فعليه نقلها فإن تركها فتلفت ضمنها لأن نهي صاحبها عن إخراجها إنما كان لحفظها وحفظها هاهنا في إخراجها فأشبه ما لو ينهه عن إخراجها فإن قال لا تخرجها وإن خفت عليها فأخرجها من غير خوف ضمنها وإن أخرجها عند خوفه عليها أو تركه لتلفت لم يضمنها لأن نهيه مع خوف الهلاك نص فيه وتصريح به فيكون مأذونا في تركها في تلك الحال فلم يضمنها لامتثاله أمر صاحبها كما لو قال له أتلفها فأتلفها ولا يضمن إذا أخرجها لأنه زيادة خير وحفظ فلم يضمن به كما لو قال له أتلفها فلم يتلفها حتى تلفت
فصل وإن أودعه وديعة ولم يعين له موضع إحرازها فإن المودع يحفظها في حرز مثلها أي موضع شاء فإن وضعها في حرز ثم نقلها عنه إلى حرز مثلها لم يضمنها سواء نقلها إلى مثل الأول أو دونه لأن ربها رد حفظها إلى رأيه واجتهاده وأذن له في إحرازها بما شاء من إحراز مثلها ولهذا لو تركها في هذا الثاني أولا لم يضمنها فكذلك إذا نقلها إليه ولو كانت العين في بيت صاحبها لرجل أحفظها في موضعها فنقلها عنه من غير خوف ضمنها لأنه ليس بمودع إنما هو وكيل في حفظها وليس له إخراجها من ملك صاحبها ولا من موضع استأجره لها إلا أن يخاف عليها فعليه إخراجها لأنه مأمور وبحفظها وقد تعين حفظها في إخراجها ويعلم أن صاحبها لو حضر في هذه الأحوال لأخرجها ولأنه مأمور بحفظها على صفة فإذا تعذرت الصفة لزمه حفظها بدونه كالمستودع إذا خاف عليها فصل إذا أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها فتلفت وادعى أنه أخرجها لغشيان نار أو سيل أو شيء ظاهر فأنكر صاحبها وجوده فعلى المستودع البينة إنه كان في ذلك الموضع ما ادعاه لأن هذا مما لا تتعذر إقامة البينة عليه لأنه أمر ظاهر فإذا ثبت ذلك كان القول قوله في التلف مع يمينه ولا يحتاج إلى بينة لأنه تتعذر إقامة البينة فلم يطالب بها كما لو ادعى التلف بأمر خفي وهذا قول الشافعي والحكم في إخراجها من الخريطة والصندوق حكم إخراجها من البيت على مضي من التفصيل فيه فصل ولو أمره أن يجعلها في منزله فتركها في ثيابه وخرج بها ضمنها لأن البيت أحرز لها وإن جاءه بها في السوق فقال احفظها في بيتك فقام بها في الحال فتلفت فلا ضمان عليه وإن تركها في دكانه أو ثيابه ولم يحملها إلى بيته مع إمكانه فتلفت ضمنها لأن بيته أحرز لها هكذا قال أصحابنا ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيه إلى منزله في العادة فتلفت لم يضمنها لأن العادة أن الإنسان إذا أودع شيئا وهو في دكانه أمسكه في دكانه أو في ثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله فيستصحبه معه والمودع عالم بهذه الحالة راض بها ولو لم يرض لها الشرط عليه خلافها وأمره بتعجيل حملها فإما أن يقبلها بهذا الشرط أو يردها وإن قال اجعلها في كمك فجعلها في جيبه لم يضمنها لأن الجيب أحرز لها لأنه إنما ربما نسي فيسقط الشيء من كمه بخلاف الجيب وإن قال اجعلها في جيبك فتركها في كمه ضمنها لذلك وإن جعلها في يده ضمن أيضا كذلك وإن قال اجعلها في كمك فتركها في يده ففيه وجهان أحدهما يضمن لأن سقوط الشيء من اليد مع النسيان أكثر من سقوطه من الكم والثاني لا يضمن لأن اليد لا يتسلط عليها الطرار بالبط والحكم بخلافه ولأن كل واحد منهما أحرز من وجه فيتساويان ولمن نصر الوجه الأول أن يقول متى كان كل واحد منهما أحرز من وجه وجب أن يضمن لأنه فوت الوجه المأمور بالحفظ به وأتى بما لم يؤمر به فضمن لمخالفته وعلى هذا لو أمر بتركها في يده فجعلها في كمه ضمن لذلك وقال القاضي اليد أحرز عند المغالبة فعلى هذا إن أمر بتركها في يده فشدها في كمه عند غير المغالبة فلا ضمان عليه وإن فعل ذلك عند المغالبة ضمن وإن أمره بشدها في كمه فأمسكها في يده عند المغالبة لم يضمن وإن فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن وإن أمره بحفظها مطلقا فتركها في جيبه أو شدها في كمه لم يضمنها
وإن تركها في كمه غير مشدودة وكانت خفيفة لا يشعر بها إذا سقطت ضمنها لأنه مفرط وإن كانت قيلة يشعر بها لم يضمنها لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم فإن شدها على عضده لم يضمنها لأن ذلك أحفظ لها وقال القاضي إن شدها من جانب الجيب لم يضمن وإن شدها من الجانب الآخر ضمنها لأن الطرار يقدر على بطها بخلاف ما إذا شدها مما يلي الجيب وهذا يبطل بما إذا تركها في جيبه أو شدها في كمه فإن الطرار يقدر على بطها ولا يضمن وليس إمكان إحرازها بأحفظ الحرزين مانعا من إحرازها بما دونه إذا كان حرزا بمثلها وشدها على العضد حرز لها كيفما كان لأن الناس يحرزون به أموالهم فأشبه شدها في الكم وتركها في الجيب ولكن لو أمره بشدها مما يلي الجيب فشدها من الجانب الآخر ضمن وإن أمره بشدها مما يلي الجانب الآخر فشدها مما يلي الجيب لم يضمن لأنه أحرز وإن أمره بشدها على عضده مطلقا أو أمره بحفظها معه فشدها من أي الجانبين كان لم يضمن لأنه ممتثل أمر مالكها محرز لها بحرز مثلها وإن شدها على وسطه فهو أحرز لها وكذلك إن تركها في بيته في حرزها فصل وإن أمره أن يجعلها في صندوق وقال لا تقفل عليها ولا تنم فوقها فخالفه في ذلك أو قال لا تقفل عليها إلا قفلا واحدا فجعل عليها قفلين فلا ضمان عليه ذكره القاضي وهو ظاهر مذهب الشافعي وحكي عن مالك أنه يضمن لأنه خالف ربها في شيء له فيه غرض يتعلق بحفظها فأشبه ما لو نهاه عن إخراجها عن منزله فأخرجها لغير حاجة وذلك لأن النوم عليها وترك قفلين عليها وزيادة الاحتفاظ بها ينبه اللص عليها ويحثه على الجد في سرقتها والاحتيال لأخذها ولنا إن ذلك أحرز لها فلا يضمن بفعله كما لو أمره بتركها في صحن الدار فتركها في البيت وبهذا ينتقض ما ذكروه فصل إذا قال اجعلها في هذا البيت ولا تدخله أحدا فأدخل إليه قوما فسرقها أحدهم ضمنها لأنها ذهبت بتعديه ومخالفته وسواء سرقها حال إدخالهم أو بعده لأنه ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت وعلم موضعها وطريق الوصول إليها وإن سرقها من لم يدخل البيت فقال القاضي لا يضمن لأن فعله لم يكن سببا لإتلافها ويحتمل أن يلزمه الضمان لأن الداخل ربما دل عليها من لم يدخل ولأنها مخالفة فوجب الضمان إذا كانت سببا لإتلافها فأوجبته وإن لم تكن سببا كما لو نهاه عن إخراجها فأخرجها لغير حاجة فصل إذا قال ضع هذا الخاتم في الخنصر فوضعه في البنصر لم يضمنه لأنها أغلظ وأحفظ له إلا أن لا يدخل فيها فيضعه في أنملتها العليا فيضمنه أو ينكسر بها لغلظها عليه فيضمنه أيضا لأن مخالفته سبب لتفه مسألة قال ( وإذا أودعه شيئا ثم سأله دفعه إليه في وقت أمكنه ذلك فلم يفعل حتى تلف فهو ضامن ) لا خلاف في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها فأمكن أداؤها إليه بغير ضرورة وقد أمر الله تعالى بذلك فقال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك يعني عند طلبها ولأنها حق لمالكها لم يتعلق بها حق غيره فلزم أداؤها إليه كالمغصوب والدين الحال فإن امتنع من دفعها في هذه الحال فتلفت ضمنها لأنه صار غاصبا لكونه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم فأشبه الغاصب فأما إن طلبها في وقت لم يكن دفعها إليه لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عن حملها أو غير ذلك لم يكن متعديا بترك تسليمها لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها وإن تلف لم يضمنها لعدم عدوانه وإن قال أمهلوني حتى أقضي صلاتي أو آكل فإني جائع أو أنام فإني ناعس أو ينهضم عني الطعام فإني ممتلىء أمهل بقدر ذلك
فصل وليس على المستودع مؤونة الرد وحملها إلى ربها إذا كانت مما لحمله مؤونة قلت المؤونة أو كثرت لأنه قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص فلم تلزمه الغرامة عليها كما لو وكله في حفظها في ملك صاحبها وإنما عليه التمكين من أخذها وإن سافر بها بغير إذن ربها فعليه ردها إلى بلدها لأنه بعدها بغير إذن ربها فلزمه ردها كالغاصب مسألة قال ( وإذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله فصاحبها غريم بها ) وجملته أن الرجل إذا مات وثبت أن عنده وديعة لم توجد بعينها فهي دين عليه يغرم من تركته فإن كان عليه دين سواها فهي والدين ساء فإن وفت تركته بهما وإلا اقتسماها بالحصص وبهذا قال الشعبي والنخعي وداود بن أبي هند ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وروي ذلك عن شريح ومسروق وعطاء وطاوس والزهري وأبي جعفر محمد بن علي وروي عن النخعي الأمانة قبل الدين وقال الحارث العكلي الدين قبل الأمانة ولنا إنهما حقان وجبا في ذمته فتساويا كالدينين وسواء وجد في تركته من جنس الوديعة أو لم يوجد وهذا إذا أقر المودع أن عندي وديعة أو علي وديعة لفلان أو ثبت ببينة أنه مات وعنده وديعة فأما إن كانت عنده وديعة في حياته ولم توجد بعينها ولم يعلم هل هي باقية عنده أو تلفت ففيه وجهان أحدهما وجوب ضمانها لأن الوديعة يجب ردها إلا أن يثبت سقوط الرد بالتلف من غير تعد ولم يثبت ذلك ولأن الجهل بعينها كالجهل بها وذلك لا يسقط الرد والثاني لا ضمان عليه لأن الوديعة أمانة والأصل عدم إتلافها والتعدي فيها فلم يجب ضمانها وهذا قول ابن أبي ليلى وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وظاهر المذهب الأول لأن الأصل وجوب الرد فيبقى عليه ما لم يوجد ما يزيله فصل وإن مات وعنده وديعة معلومة بعينها فعلى ورثته تمكين صاحبها من أخذها فإن لم يعلم بموت صاحبها من أخذها وجب عليهم إعلامه بها وليس لهم إمساكها قبل أن يعلم بها ربها لأنه لم يأتمنهم عليها وإنما حصل مال غيرهم في أيديهم بمنزلة من أطارت الريح إلى داره ثوبا وعلم به فعليه إعلام صاحبه به فإن أخر ذلك مع الإمكان ضمن كذا هاهنا ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار من الميت أو ورثته أو ببينة تشهد بها وإن وجد عليها مكتوبا وديعة لم يكن حجة عليهم لجواز أن يكون الظرف كانت فيه وديعة قبل هذا أو كان وديعة لموروثهم عند غيره أو كانت وديعة فابتاعها وكذلك لو وجد في رزمانج أبيه أن لفلان عندي وديعة لم يلزمه بذلك لجواز أن يكون قد ردها ونسي الضرب على ما كتب أو غير ذلك مسألة قال ( وإذا طالبه بالوديعة فقال ما أودعتني ثم قال ضاعت من حرز كان ضامنا لأنه خرج من حال الأمانة ولو قال ما لك عندي شيء ثم قال ضاعت من حرز كان القول قوله ولا ضمان عليه ) وجملة ذلك أنه إذا ادعى على رجل وديعة فقال ما أودعتني ثم ثبت أنه أودعه فقال أودعتني وهلكت من حرزي لم يقبل قوله ولزمه ضمانها وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة وإن أقر له بتلفها من حرزة قبل جحده فلا ضمان عليه وإن أقر أنها تلفت بعد جحوده لم يسقط عنه الضمان لأنه خرج بالجحود عن الأمانة فصار ضامنا كمن طولب بالوديعة فامتنع من ردها وإن أقام البينة بتلفها بعد الجحود لم يسقط عنه الضمان لذلك وإن شهدت بتلفها قبل الجحود من الحرز فهل تسمع بينته ففيه وجهان أحدهما لا تسمع لأنه مكذب لها بإنكاره الإيداعه
والثاني تسمع بينته لأن المودع لو اعترف بذلك سقط حقه فتسمع البينة به فإن شهدت بالتلف من الحرز ولم تعين قبل الجحود ولا بعده واحتمل الأمرين لم يسقط الضمان لأن الأصل وجوبه فلا ينتفي بأمر متردد وأما إذا ادعى الوديعة فقال ما لك عندي شيء أو لا تستحق علي شيئا فقالت البينة بالإيداع أو أقر به المودع ثم قال ضاعت من حرز كان القول قوله مع يمينه ولا ضمان عليه لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة ولا يكذبهما فإن من تلفت الوديعة من حرزه بغير تفريطه فلا شيء لمالكها عنده ولا يستحق عليه شيئا لكن إن ادعى تلفها بعد جحوده أو قامت بينة بتلفها بعد الجحود وأنها كانت عنده حال جحوده فعليه ضمانها لأن جحوده أوجب الضمان عليه فصار كالغاصب فصل إذا نوى الخيانة في الوديعة بالجحود أو الاستعمال ولم يفعل لم يصر ضامنا لأنه لم يحدث في الوديعة قولا ولا فعلا فلا يضمن كما لو لم ينو وقال شريح يضمنها لأنه أمسكها بنية الخيانة فيضمنها كالملتقط بقصد التمليك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به ولأنه لم يخن فيها بقول ولا فعل فلم يضمنها كالذي لم ينو وفارق الملتقط بقصد التملك فإنه عمل فيها بأخذها ناويا للخيانة فيها فوجب الضمان بفعله المنوي لا بمجرد النية ولو التقطها قاصدا لتعريفها ثم نوى بعد ذلك إمساكها لنفسه كانت كمسألتنا ولو أخرجها بنية الاستعمال ولم يستعملها ضمنها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يضمنها إلا بالاستعمال لأنه لو أخرجها لنقلها لم يضمنها ولنا إنه تعدي بإخراجها أشبه ما لو استعملها بخلاف ما إذا نقلها فصل والمودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة بغير خلاف قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله وقال أكثرهم مع يمينه وإن ادعى ردها على صاحبها فالقول قوله مع يمينه أيضا وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقال مالك إن كان دفعها إليه بغير بينة وإن كان أودعه إياها ببينة لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة ولنا إنه أمين لا منفعة له في قبضها فقبل قوله في الرد بغير بينة كما لو أودع بغير نية وإن قال دفعتها إلى فلان بأمرك فأنكر مالكها الإذن في دفعها فالقول قول المودع نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهو قول ابن أبي ليلى وقال مالك والثوري والعنبري وأصحاب الرأي القول قول المالك لأن الأصل عدم الإذن وله تضمينه ولنا إنه ادعى دفعا يبرأ به من الوديعة فكان القول قوله كما لو ادعى ردها على مالكها ولو اعترف المالك بالإذن ولكن قال لم يدفعها فالقول قول المستودع أيضا ثم ننظر في المدفوع إليه فإن أقر أنه قبضه وكان الدفع في دين فقد برىء الكل وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه وقد ذكر أصحابنا أن الدافع يضمن لكونه قضى الدين بغير نية ولا يجب اليمين على صاحب الوديعة لأن المودع مفرط لكونه أذن في قضاء يبرئه من الحق ولم يبرأ بدفعه فكان ضامنا سواء صدقه أو كذبه وإن أمره بدفعه وديعة لم يحتج إلى بينة لأن المودع يقبل قوله في التلف والرد فلا فائدة في الإشهاد عليه فعلى هذا يحلف المودع ويبرأ ويحلف الآخر ويبرأ أيضا ويكون ذهابها من مالكها فصل وإذا أودع بهيمة فأمره صاحبها بعلفها وسقيها لزمه ذلك لوجهين أحدهما لحرمة صاحبها لأنه أخذها منه على ذلك والثاني لحرمة البهيمة فإن الحيوان يجب إحياؤه بالعلف والسقي ويحتمل أن لا يلزمه علفها إلا أن يقبل ذلك لأن هذا تبرع منه فلا يلزمه بمجرد أمر صاحبها كغير الوديعة وإن أطلق ولم يأمره بعلفها لزمه ذلك أيضا
وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن لا يلزمه ذلك وبه قال أبو حنيفة لأنه استحفظه إياها ولم يأمر بعلفها والعلف على مالكها فإذا لم يعلفها كان هو المفرط في ماله ولنا إنه لا يجوز إتلافها ولا التفريط فيها فإذا أمره بحفظها تضمن ذلك علفها وسقيها ثم ننظر فإن قدر المستودع على صاحبها أو وكيله طالبه بالإنفاق عليها أو بردها عليه أو يأذن له في الإنفاق عليها ليرجع به فإذا عجز عن صاحبها أو وكيله دفع الأمر إلى الحاكم فإن وجد لصاحبها مالا أنفق عليها منه وإن لم يجد مالا فعل ما يرى لصاحبها الحظ فيه من بيعها أو بيع بعضها وإنفاقه عليها أو إجارتها أو الاستدانة على صاحبها من بيت المال أو من غيره ويدفع ذلك إلى المودع إن أراد ذلك لينفقه عليها وإن رأى دفعه إلى غيره ليتولى الإنفاق عليها جاز وإن استدان من المودع جاز أن يدفعه إليه ليتولى الإنفاق عليها لأنه أمين عليها ويجوز أن يأذن له الحاكم في أن ينفق عليها من ماله ويكون قابضا لنفسه من نفسه ويكل ذلك إلى اجتهاده في قدر ما ينفق ويرجع به على صاحبها فإن اختلفا في قدر النفقة فالقول قول المودع إذا ادعى النفقة بالمعروف وإن ادعى أكثر من ذلك لم يثبت له وإن اختلفا في قدر المدة التي أنفق فيها فالقول قول صاحبها لأن الأصل عدم ذلك فإن لم يقدر على الحاكم فأنفق عليها محتسبا بالرجوع على صاحبها وأشهد على الرجوع رجع بما أنفق رواية واحدة لأنه مأذون فيه عرفا ولا تفريط فيه إذا لم يجد حاكما وإن فعل ذلك مع إمكان استئذان الحاكم من غير إذنه فهل له الرجوع يخرج على روايتين نص عليهما فيما إذا أنفق على البهيمة المرهونة من غير إذن الراهن وفي الضامن إذا ضمن وأذن بغير إذن المضمون عنه هل يرجع به على روايتين إحداهما يرجع به لأنه مأذون فيه عرفا والثانية لا يرجع لأنه مفرط بترك استئذان الحاكم وإن أنفق من غير إشهاد مع العجز عن استئذان الحاكم أو مع إمكانه ففي الرجوع وجهان أيضا كذلك ومتى علف البهيمة أو سقاها في داره أو غيرها بنفسه أو أمر غلامه أو صاحبه ففعل ذلك كما يفعل في بهائمه على ما جرت به العادة فلا ضمان عليه لأن هذا مأذون فيه عرفا لجريان العادة به فأشبه المصرح به فصل وإن أودعه البهيمة وقال لا تعلفها ولا تسقها لم يجز له ترك علفها لأن للحيوان حرمة في نفسه يجب إحياؤه لحق الله تعالى فإن علفها وسقاها كان كالقسم الذي قبله وإن تركها حتى تلفت لم يضمنها وهذا قول عامة أصحاب الشافعي وقال بعضهم يضمن لأنه تعدى بترك علفها أشبه إذا لم ينهه وهذا قول ابن المنذر لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال فيصير أمر مالكها وسكوته سواء ولنا إنه ممتثل لأمر صاحبها فلم يضمنها كما لو قال اقتلها فقتلها وكما لو قال لا تخرج الوديعة وإن خفت عليها فخاف عليها ولم يخرجها أو أمره صاحبها بإلقائها في نار أو بحر وبهذا ينتقض ما ذكروه ومنع ابن المنذر الحكم فيما إذا أمره بإتلافها وأتلفها لما تقدم ولا يصح لأنه ثابت لصاحبها فلم يغرم له شيئا كما لو استنابه في مباح والتحريم أثره في بقاء حق الله تعالى وهو التأثيم أما حق الآدمي فلا يبقى مع إذنه في تفويته ولأنها لم تتلف بفعله وإنما تلفت بترك العلف المأذون فيه أشبه ما لو قال له لا تخرجها إذا خفت عليها فلم يخرجها مسألة قال رحمه الله ( ولو كان في يده وديعة فادعاها نفسان فقال أودعني أحدهما ولا أعرفه عينا أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنها له وسلمت إليه )
وجملته أن من كانت عنده وديعة لفادعاها نفسان فأقر بها لأحدهما سلمت إليه لأن يده دليل ملكه فلو ادعاها لنفسه كان القول قوله فإذا أقر بها لغيره وجب أن يقبل ويلزمه أن يحلف الآخر لأنه منكر لحقه فإن حلف برىء وإن نكل لزمه أن يغرم له قيمتها لأنه فوتها عليه وكذلك لو أقر للثاني بها بعد أن أقر بها للأول سلمت إلى الأول لأنه استحقها بإقراره وغرم قيمتها للثاني نص على هذا أحمد وإن أقر بها لهما جميعا فهي بينهما ويلزمه اليمين لكل واحد منهما في نصفها وإن قال هي لأحدهما لا أعرفه عينا فاعترفا له بجهله تعين المستحق لها فلا يمين عليه وإن ادعيا معرفته فعليه يمين واحدة أنه لا يعلم ذلك وقال أبو حنيفة يحلف يمينين كما لو أنكر أنها لهما ولنا إن الذي يدعي عليه أمر واحد وهو العلم بعين المالك فكفاه يمين واحدة كما لو ادعياها فأقر بها لأحدهما ويفارق ما إذا أنكرهما لأن كل واحد منهما يدعي أنها له فهما دعويان فإن حلف أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه وقال الشافعي يتحالفان ويوقف الشيء بينهما حتى يصطلحا وهو قول ابن أبي ليلى لأنه لا يعلم المالك منهما وللشافعي قول آخر إنها تقسم بينهما كما أقر بها لهما وهذا الذي حكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه فيما حكي عنهم قالوا ويضمن المستودع نصفها لكل واحد منهما لأنه فوت ما استودع بجهله ولنا إنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما فوجب أن يقرع بينهما كالعبدين إذا أعتقهما في مرضه فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما أو كما لو أراد السفر بإحدى نسائه وقول أبي حنيفة ليس بصحيح فإن العين لم تتلف ولو تلفت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه وليس في جهله تفريط إذ ليس في وسعه أن لا ينسى ولا يجهل مسألة قال ( ومن أودع شيئا فأخذ بعضه ثم رده أو مثله فضاع الكل لزمه مقدار ما أخذ ) وجملته أن من أودع شيئا فأخذ بعضه لزمه ضمان ما أخذ فإن رده أو مثله لم يزل الضمان عنه وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا ضمان عليه إذا رده أو مثله وقال أصحاب الرأي إن لم ينفق ما أخذه ورد لم يضمن وإن أنفقه ثم رده أو مثله ضمن ولنا إن الضمان تعلق بذمته بالأخذ بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه فلا يزول إلا برده إلى صاحبه كالمغصوب فأما سائر الوديعة فينظر فيه فإن كان في كيس مختوم أو مشدود فكسر الختم أو حل الشد ضمن سواء أخرج منه أو لم يخرج لأنه هتك الحرز بفعل تعدى به وإن خرق الكيس فوق الشد فعليه ضمان ما خرق خاصة لأنه ما هتك الحرز وإن لم تكن الدراهم في كيس أو كانت في كيس غير مشدود أو كانت ثيابا فأخذ منها واحدا ثم رده بعينه لم يضمن غيره لأنه لم يتعد في غيره وإن رد بدله وكان متميزا لم يضمن غيره لذلك وإن لم يكن متميزا فظاهر كلام الخرقي هاهنا أنه لا يضمن غيره لأن التعدي اختص به فيختص الضمان به وخلط المردود بغيره لا يقتضي الضمان لأنه يجب رده معها فلم يفوت على نفسه إمكان ردها بخلاف ما إذا خلطه بغيره ولو أذن له صاحب الوديعة في الأخذ منها ولم يأمره برد بدله فأخذ ثم رد بدل ما أخذ فهو كرد بدل ما لم يؤذن في أخذه وقال القاضي يضمن الكل وهو قول الشافعي لأنه خلط الوديعة بما لا يتميز منها فضمن الكل كما لو خلطها بغير البدل وقد ذكرنا فرقا بين البدل وغيره فلا يصح القياس وقال أبو حنيفة إذا كسر ختم الكيس لم يلزمه ضمان الوديعة لأنه لم يتعد في غيره ولنا إنه هتك حرزها فضمنها إذا تلفت كما لو أودعه إياها في صندوق مقفل ففتحه وتركه مفتوحا ولا نسلم أنه لم يتعد في غير الختم