Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

Bölüm V06/P310–V06/P311

فصل وإذا ضمن الوديعة بالاستعمال أو بالجحد ثم ردها إلى صاحبها زال عنه الضمان فإن ردها صاحبها إليه كان ابتداء استئمان وإن لم يردها إليه ولكن جدد له الاستئمان أو أبرأه من الضمان برىء من الضمان في ظاهر المذهب لأن الضمان حقه فإذا أبرأه منه برىء كما لو أبرأه من دين في ذمته وإذا جدد له استئمانا فقد انتهى القبض المضمون به فزال الضمان وقد قال أصحابنا إذا رهن المغصوب عند الغاصب أو أودعه عنده زال عنه ضمان الغصب فها هنا أولى فصل ولو تعدى فلبس الثوب وركب الدابة أو أخذ الوديعة ليستعملها أو ليخزن فيها ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة لم يبرأ من الضمان وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبرأ لأنه ممسك لها بإذن مالكها فأشبه ما قبل التعدي ولنا إنه ضمنها بعدوان فبطل الاستئمان كما لو جحدها ثم أقر بها وبهذا يبطل ما ذكروه فصل ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف فإن أودع طفل أو معتوه إنسانا وديعة ضمنها بقبضها ولا يزول الضمان عنه بردها إليه وإنما يزول بدفعها إلى وليه الناظر له في ماله أوالحاكم فإن كان الصبي مميزا صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه لأنه كالبالغ بالنسبة إلى ذلك فإن أودع رجل عند صبي أو معتوه وديعة فتلفت لم يضمنها سواء حفظها أو فرط في حفظها فإن أتلفها أو أكلها ضمنها في قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي ومن أصحابنا من قال لا ضمان عليه وهو قول أبي حنيفة لأنه سلطه على إتلافها بدفعها إليه فلا يلزمه ضمانها ألا ترى أنه لو دفع إلى صغير سكينا فوقع عليها كان ضمانه على عاقلته ولنا إن ما ضمنه بإتلافه قبل الإيداع ضمنه بعد الإيداع كالبالغ ولا يصح قولهم إنه سلطه على إتلافها وإنما استحفظه إياها وفارق دفع السكين فإنه سبب للإتلاف ودفع الوديعة بخلافه فصل وإن أودع عبدا وديعة خرج على الوجهين في الصغير إن قلنا لا يضمن الصبي فأتلفها العبد كانت في ذمته وإن قلنا يضمن كانت في رقبته فصل وإن غصبت الوديعة من المودع قهرا فلا ضمان عليه سواء أخذت من يده أو أكره على تسليمها فسلمها بنفسه لأن الإكراه عذر لها يبيح له دفعها فلم يضمنها كما لو أخذت من يده قهرا باب قسمة الفيء والغنيمة والصدقة الفيء هو الراجع إلى المسلمين من مال الكفار بغير قتال يقال فاء الفيء إذا رجع نحو المشرق والغنيمة ما أخذ منهم قهرا بالقتال واشتقاقها من الغنم وهو الفائدة وكل واحد منهما في الحقيقة فيء وغنيمة وإنما خص كل واحد منهما باسم ميز به عن الآخر والأصل فيهما قول الله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الحشر 7 وقوله سبحانه واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 مسألة قال ( والأموال ثلاثة فيء وغنيمة وصدقة ) يعني والله أعلم أن الأموال التي تليها الولاة من أموال المسلمين فإنها ثلاثة أقسام قسمان يؤخذان من مال المشركين أحدهما الفيء وهو ما أخذ من مال مشرك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب كالذي تركوه فزعا من المسلمين وهربوا والجزية عشر أموال أهل دار الحرب إذا دخلوا إلينا تجارا ونصف عشر تجارات أهل الذمة وخراج الأرضين ومال من مات من المشركين ولا وارث له والغنيمة ما أخذ بالقهر والقتال من الكفار والقسم الثالث الصدقة وهو ما أخذ من مال مسل تطهيرا له وهو الزكاة وقد ذكرناها يروى أن عمر رضي الله عنه قرأ قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين حتى بلغ عليم حكيم التوبة 60 ثم قال هذه لهؤلاء ثم قرأ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه حتى بلغ وابن السبيل الأنفال 41 ثم قال هذه لهؤلاء ثم قرأ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى حتى بلغ والذين جاؤوا من بعدهم الحشر 7 ثم قال هذه استوعبت المسلمين عامة ولئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق به جبينه

Bölüm V06/P311–V06/P312

فصل ولم تكن الغنائم تحل لمن مضى من الأمم وإنما علم الله ضعفنا فطيبها لنا رحمة لنا ورأفة بنا وكرامة لنبينا صلى الله عليه وسلم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي فذكر فيها أحلت لي الغنائم متفق عليه وقال سعيد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس غيركم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها ثم كانت في أول الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قول الله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الأنفال 1 ثم صار أربعة أخماسها للغانمين والخمس لغيرهم بدليل قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 فأضاف الغنيمة إليهم وجعل الخمس لغيرهم فيدل ذلك على أن سائرها لهم وجرى ذلك مجرى قوله تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث النساء 11 أضاف ميراثه إليهما ثم جعل للأم منه الثلث فدل على أن الباقي للأب وقال تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا الأنفال 69 فأحلها لهم مسألة قال ( فالفيء ما أخذ من مال مشرك بحال ولم يوجف عليه بخيل ولا ركاب والغنيمة ما أوجف عليها ) الركاب الإبل خاصة والإيجاف أصله التحريك والمراد هاهنا الحركة في السير إليه قال قتادة فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب الحشر 6 ما قطعتم واديا ولا سيرتم إليها دابة إنما كانت حوائط بني النضير أطعمها الله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيد الإيجاف الإيضاع يعني الإسرع وقال الزجاج الوجيف دون التقريب من السير يقال وجف الفرس وأوجفت أنا قال الله تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب الحشر 6 فكل ما أخذ من مال مشرك بغير إيجاف مثل الأموال التي يتركونها فزعا من المسلمين ونحو ذلك هو فيء وما أجلب عليه المسلمون وساروا إليه وقاتلوهم عليه فهو غنيمة سواء أخذ عنوة أو استنزلوا أهله بأمان فإن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح حصون خيبر بعضها عنوة وبعضها استنزل أهله بالأمان فكانت غنيمة كلها مسألة قال ( فخمس الفيء والغنيمة مقسوم على خمسة أسهم ) في هذه المسألة فصول أربعة الفصل الأول أن الفيء مخموس كما تخمس الغنيمة في إحدى الروايتين وهو مذهب الشافعي والرواية الثانية لا يخمس نقلها أبو طالب فقال إنما تخمس الغنيمة قال القاضي لم أجد بما قال الخرقي من أن الفيء مخموس نصا فأحكيه وإنما نص على أنه غير مخموس وهذا قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر ولا تحفظ عن ما قاله الشافعي في الفيء خمس كخمس الغنيمة وأخبار عمر تدل على ما قاله الشافعي ولأن الله تعالى قال ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى إلى قوله والذين جاؤوا من بعدهم الحشر 7 فجعله كله لهم ولم يذكر خمسا ولما قرأ عمر هذه الآية قال هذه استوعبت المسلمين ووجه الأول قول الله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم الحشر 7 فظاهر هذا أن جميعه لهؤلاء وهم أهل الخمس وجاءت الأخبار عن عمر دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه فوجب الجمع بينهما كيلا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض وفي إيجاب الخمس فيه جمع بينهما وتوفيق فإن خمسه للذي سي في الآية وسائره ينصرف إلى من في الخبر كالغنيمة ولأنه مال مشترك مظهور عليه فوجب أن يخمس كالغنيمة والركاز وروى البراء بن عازب قال لقيت خالي ومعه الراية قلت إلى أين فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن أضرب عنقه وأخمس ماله

Bölüm V06/P312–V06/P313

الفصل الثاني أن الغنيمة مخموسة ولا اختلاف في هذا بين أهل العلم بحمد الله وقد نطق به الكتاب العزيز فقال الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 لكن اختلف في أشياء منها سلب القاتل وأكثر أهل العلم على أنه لا يخمس فإن عمر رضي الله عنه قال كنا لا نخمس السلب وقول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه يقتضي أنه له كله ولو خمس لم يكن جميعه له وعن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله سلب رجل قتله يوم حنين ولم يخمس رواه سعيد في سننه ومنها إذا قال الإمام من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن طلع الحصن فله كذا من النفل فالظاهر أن هذا غير مخموس لأنه في معنى السلب ومنها إذا قال الإمام من أخذ شيئا فهو له وقلنا يجوز ذلك فقد قيل لا خمس فيه لأنه في معنى الذي قبله والصحيح أن الخمس لا يسقط لأنه يدخل في عموم الآية ولا يدخل في معنى السلب والنفل لأن ترك تخميسهما لا يسقط خمس الغنيمة بالكلية وهذا يسقطه فلا يكون تخصيصا بل نسخا لحكمها ونسخها بالقياس غير جائز اتفاقا ومنها إذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام فقد قيل إن ما غنموه لهم من غير أن يخمس والصحيح أنه يخمس ويدفع إليهم أربعة أخماسه لدخوله في عموم الآية وعدم دليل يوجب تخصيصه الفصل الثالث أن الخمس مما يجب خمسه من الفيء والغنيمة شيء واحد في مصرفهما وحكمهما ولا اختلاف في هذا بين القائلين بوجوب الخمس فيهما فإن القائل بوجوب الخمس في الفيء غير من قاله من أصحابنا الشافعي وقد وافق على هذا فإنه قال في الفيء والغنيمة يجتمعان في أن فيهما الخمس لمن سماه الله تعالى يعني في سورة الأنفال في قوله سبحانه وتعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 وفي سورة الحشر في قوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الحشر 7 والمسمون في الآيتين شيء واحد الفصل الرابع أن الخمس يقسم إلى خمسة أسهم وبهذا قال عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة وابن جريج والشافعي وقيل يقسم على ستة سهم لله وسهم لرسوله لظاهر قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الأنفال 41 فعد ستة وجعل الله تعالى لنفسه سهما سادسا وهو مردود على عباد الله أهل الحاجة وقال أبو العالية سهم الله عز وجل هو أنه إذا عزل الخمس ضرب بيده فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة فهو الذي سمي لله لا تجعلوا له نصيبا فإن لله الدنيا والآخرة ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة أسهم وروي عن الحسن وقتادة في سهم ذي القربى كانت طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله وروى ابن عباس أن أبا بكر وعمر قسما الخمس على ثلاثة أسهم ونحوه حكي عن الحسن بن محمد ابن الحنفية وهو قول أصحاب الرأي قالوا يقسم الخمس على ثلاثة اليتامى والمساكين وابن السبيل وأسقطوا سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته وسهم قرابته أيضا وقال مالك الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال قال ابن القاسم وبلغني عمن أثق به أن مالكا قال يعطي الإمام أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى وقال الثوري والحسن يضعه الإمام حيث أراه الله عز وجل

Bölüm V06/P313–V06/P314

ولنا قول الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الأنفال 41 وسهم الله والرسول واحد كذا قال عطاء والشعبي وقال الحسن بن محمد ابن الحنفية وغيره قوله فأن لله خمسه افتتاح كلام يعني أن ذكر الله تعالى لافتتاح الكلام باسمه تبركا به لا لإفراده بسهم فإن لله تعالى الدنيا والآخرة وقد روي عن ابن عمر وابن عباس قالا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الخمس على خمسة وما ذكره أبو العالية فشيء لا يدل عليه رأي ولا يقتضيه قياس ولا يصار إليه إلا بنص صحيح يجب التسليم له ولا نعلم في ذلك أثرا صحيحا سوى قوله فلا يترك ظاهر النص وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله من أجل قول أبي العالية وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية فإن الله تعالى سمى لرسوله وقرابته شيئا وجعل لهما في الخمس حقا كما سمى للثلاثة الأصناف الباقية فمن خالف ذلك فقد خالف نص الكتاب وأما حمل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على سهم ذي القربى في سبيل الله فقد ذكر لأحمد فسكت وحرك رأسه ولم يذهب إليه ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه أولى لموافقته كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فأن ابن عباس لما سئل عن سهم ذي القربى قال إنا كنا نزعم أنه لنا فأبى ذلك علينا قومنا ولعله أراد بقوله أبى ذلك علينا قومنا فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حملهما عليه في سبيل الله ومن تبعهما على ذلك ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسنة كان أولى وقول ابن عباس موافق للكتاب والسنة فإن جبير بن مطعم روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبني عبد شمس ولا بني نوفل من الخمس شيئا كما كان يقسم لبني هاشم ولبني المطلب وأن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يعطيهم وكان عمر يعطيهم وعثمان من بعده رواه أحمد في مسنده وقد تكلم في رواية ابن عباس عن أبي بكر وعمر أنهما حملا على سهم ذي القربى في سبيل الله فقيل إنه يرويه محمد بن مروان وهو ضعيف عن الكلبي وهو ضعيف أيضا ولا يصح عند أهل النقل فإن قالوا فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس بباق فكيف يبقى سهمه قلنا جهة صرفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة المسلمين والمصالح باقية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس وهو مردود عليكم رواه سعيد مسألة قال ( وسهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين ) وهذا قول الشافعي فإنه قال اختار أن يضعه الإمام في كل أمر خص به الإسلام وأهله من سد ثغر وإعداد كراع أو سلاح أو إعطائه أهل البلاء في الإسلام نفلا عند الحرب وغير الحرب وهذا نحو ما قال الخرقي وهذا السهم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة حضر أو لم يحضر كما أن سهم بقية أصحاب الخمس لهم حضروا أو لم يحضروا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء فلما توفي وليه أبو بكر ولم يسقط بموته وقد قيل إنما أضافه الله تعالى إلى نفسه وإلى رسوله ليعلم أن جهته جهة المصلحة وأنه ليس بمختص بالنبي صلى الله عليه وسلم فيسقط بموته وزعم قوم أنه سقط بموته ويرد على أنصباء الباقين من أهل الخمس لأنهم شركاؤه وقال آخرون بل يرد على الغانمين لأنهم استحلوها بقتالهم وخرجت منها سهام منها سهم النبي صلى الله عليه وسلم ما دام حيا فإذا مات وجب رده إلى من وجد سبب الاستحقاق فيه كما أن تركة الميت إذا خرج منها سهم بوصية ثم بطلت الوصية رد إلى التركة

Bölüm V06/P314–V06/P316

وقالت طائفة هو للخليفة بعده لأن أبا بكر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أطعم الله نبيا طعمة ثم قبضه فهو للذي يقوم بها من بعده وقد رأيت أن أرده على المسلمين والصحيح أنه باق وأنه يصرف في مصالح المسلمين لكن الإمام يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في صرفه فيما يرى فإن أبا بكر قال لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته متفق عليه وروي عن الحسن بن محمد ابن الحنفية أنه قال اختلفوا في هذين السهمين يعني سهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسهم ذي القربى فأجمع رأيهم على أن يجعلوهما في الخيل والعدة في سبيل الله فكانا في خلافة أبي بكر وعمر في الخيل والعدة في سبيل الله فصل وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المغنم الصفي وهو شيء يختاره من المغنم قبل القسمة كالجارية والعبد والثوب والسيف ونحوه وهذا قول محمد بن سيرين والشعبي وقتادة وغيرهم من أهل العلم وقال أكثرهم إن ذلك انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد الصفي إنما كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لم يبق بعده ولانعلم مخالفا لهذا إلا أبا ثور فإنه قال إن كان الصفي ثابتا للنبي صلى الله عليه وسلم فللإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ويجعله مجعل سهم النبي من خمس الخمس فجمع بين الشك فيه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة الإجماع في إبقائه بعد موته قال ابن المنذر لا أعلم أحدا سبق أبا ثور إلى هذا القول وقد أنكر قوم كون الصفي للنبي صلى الله عليه وسلم واحتجوا بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع وبرة من ظهر بعيرة فقال ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس وهو مردود عليكم رواه سعيد ورواه أبو داود بإسناده عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الله تعالى قال واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 فمفهومه أن باقيها للغانمين ولنا ما روى أبو داود بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأديتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم الصفي إنكم آمنون بأمان الله ورسوله وفي حديث وفد عبد القيس الذي رواه ابن عباس وأن يعطوا سهم النبي صلى الله عليه وسلم والصفي وقالت عائشة كانت صفية من الصفي رواه أبو داود وأما انقطاعه بعد النبي صلى الله عليه وسلم فثابت بإجماع الأمة قبل أبي ثور وبعده عليه وكون أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم لم يأخذوه ولا ذكره أحد منهم ولا يجمعون على ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم مسألة قال ( وخمس مقسوم في صليبة بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف حيث كانوا للذكر مثل حظ الأنثيين ) يعني بقوله في صليبة بني هاشم أولاده دون من يعد معهم من مواليهم وحلفائهم وفي هذه المسألة فصول خمسة الفصل الأول أن سهم ذي القربى ثابت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى ذكر ذلك والخلاف فيه وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه من ذوي السهام وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ان يعطيهم فروى جبير بن مطعم قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس وذكر الحديث رواه أبو داود ولم يأت لذلك نسخ ولا تغيير

Bölüm V06/P316–V06/P317

فوجب القول به والعمل بحكمه قال أحمد ثنا وكيع ثنا أبو معشر عن المقبري قال كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى فكتب ابن عباس إنا كنا نزعم أنه لنا فأبى ذلك علينا قومنا قال أحمد أنا أذهب إلى أنه لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم على ما قال ابن عباس هو لنا الفصل الثاني أن ذا القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب بن عبد مناف دون غيرهم بدليل ما روى جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب أتيت أنا وعثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة فقال إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه وفي رواية إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام رواه أحمد والبخاري فرعى لهم النبي صلى الله عليه وسلم نصرتهم وموافقتهم بني هاشم ومن كانت أمه منهم وأبوه من غيرهم لم يستحق شيئا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفع إلى أقارب أمه وهم بنو زهرة شيئا وإنما دفع إلى أقارب أبيه ولو دفع إلى أقارب أمه لدفع إلى بني زهرة وخبر جبير يدل على أنه لم يعطهم شيئا ولم يدفع أيضا إلى بني عماته وهم الزبير بن العوام وعبد الله والمهاجر ابنا أبي أمية وبنو جحش الفصل الثالث أنه يشترك فيه الذكر والأنثى لدخولهم في اسم القرابة واختلفت الرواية في قسمته بينهم فعن أحمد أنه يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وهو اختيار الخرقي ومذهب الشافعي لأنه سهم استحق بقرابة الأب شرعا ففضل فيه الذكر على الأنثى كالميراث ويفارق الوصية وميراث ولد الأم فإن الوصية استحقت بقول الموصي وميراث ولد الأم استحق بقرابة الأم والرواية الثانية يسوى بين الذكر والأنثى وهو قول أبي ثور والمزني وابن المنذر لأنهم أعطوا باسم القرابة والذكر والأنثى فيها سواء فأشبه ما لو وصى لقرابة فلان أو وقف عليهم ألا ترى أن الجد يأخذ مع الأب وابن الابن يأخذ مع الابن وهذا يدل على مخالفة المواريث ولأنه سهم من خمس الخمس لجماعة فيستوي فيه الذكر والأنثى كسائر سهامه ويسوى بين الصغير والكبير على الروايتين لاستوائهم في القرابة فأشبه الميراث الفصل الرابع أنه يفرق بينهم حيث كانوا من الأمصار ويجب تعميمهم به حسب الإمكان وهذا قول الشافعي وقال بعضهم يخص أهل كل ناحية بخمس مغزاها الذي ليس لهم مغزى سواه فما يؤخذ من مغزى الروم لأهل الشام والعراق وما يؤخذ من مغزى الترك لمن في خراسان من ذوي القربى لما يلحق من المشقة في نقله من المشرق إلى المغرب ولأنه يتعذر تعميمهم به فلم يجب كسائر أهل السهم ووجه الأول أنه سهم مستحق بقرابة الأب فوجب دفعه إلى جميع المستحقين كالميراث فعلى هذا يبعث الإمام إلى عماله في الأقاليم وينظر كم حصل من ذلك فإن استوت فيه فرق كل خمس فيمن قاربه وإن اختلفت أمر بحمل الفضل ليدفع إلى مستحقه كالميراث وفارق الصدقة حيث لا تنقل لأن كل بلد يكاد لا يخلو من صدقة تفرق على فقراء أهله والخمس يؤخذ من بعض الأقاليم فلو لم ينقل لأدى إلى إعطاء البعض وحرمان البعض والصحيح إن شاء الله أنه لا يجب التعميم لأنه يتعذر فلم يجب كتعميم المساكين وما ذكر من بعث الإمام عماله وسعاته فهو متعذر في زماننا لأن الإمام لم يبق له حكم إلا في قليل من بلاد الإسلام ولم يبق له جهة في الغزو ولا له فيه أمر ولأن هذا سهم من سهام الخمس فلم يجب تعميمه كسائر سهامه فعلى هذا يفرقه كل سلطان فيما أمكن من بلاده

Bölüm V06/P317–V06/P318

الفصل الخامس أن غنيهم وفقيرهم فيه سواء وهذا قول الشافعي وأبي ثور وقيل لا حق فيه لغني قياسا له على بقية السهام ولنا عموم قوله تعالى ولذي القربى الأنفال 41 وهذا عام لا يجوز تخصيصه بغير دليل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي أقاربه كلهم وفيهم الأغنياء كالعباس وغيره ولم ينقل تخصيص الفقراء منهم وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير سهما وأمه سهما وفرسه سهمين وإنما أعطى أمه من سهم ذي القربى وقد كانت موسرة ولها موال ومال ولأنه مال مستحق بالقرابة فاستوى فيه الغني والفقير كالميراث والوصية للأقارب ولأن عثمان وجبيرا طلبا حقهما منه وسألا عن علة منعهما ومنع قرابتهما وهما موسران فعلله النبي صلى الله عليه وسلم بنصرة بني المطلب دونهم وكونهم مع بني هاشم كالشيء الواحد ولو كان اليسار مانعا والفقر شرطا لم يطلبا مع عدمه ولعلل النبي صلى الله عليه وسلم منعهما بيسارهما وانتفاء فقرهما مسألة قال ( والخمس الثالث لليتامى ) وهم الذين لا آباء لهم ولم يبلغوا الحلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتم بعد احتلام قال بعض أصحابنا لا يستحقون إلا مع الفقر وهو المشهور من مذهب الشافعي لأن ذا الأب لا يستحق والمال أنفع من وجود الأب ولأنه صرف إليهم لحاجتهم فإن اسم اليتم يطلق عليهم في العرف للرحمة ومن كان إعطاؤه لذلك اعتبرت الحاجة فيه وفارق ذوي القربى فإنهم استحقوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرمة لهم والغني والفقير في القرب سواء فاستويا في الاستحقاق ولم أعلم في هذا نصفا عن أحمد وعموم الآية يقتضي تعميمهم وقال بعض أصحاب الشافعي له قول آخر أنه للغني والفقير لعموم النص في كل يتيم وقياسا له على سهم ذي القربى ولأنه لو خص به الفقير لكان داخلا في جملة المساكين الذين هم أصحاب السهم الرابع فكان يستغني عن ذكرهم وتسميتهم قال أصحابنا ويفرق على الأيتام في جميع الأقطار ولا يخص به أهل ذلك المغزى والقول فيه كالقول في سهم ذي القربى وقد تقدم القول فيه مسألة قال ( والخمس الرابع للمساكين ) وهم أهل الحاجة ويدخل فيهم الفقراء والفقراء والمساكين صنفان في الزكاة وصنف واحد هاهنا وفي سائر الأحكام وإنما يقع التمييز بينهما إذا جمع بينهما بلفظين ولم يرد ذلك إلا في الزكاة وسنذكرهم في أصنافها قال أصحابنا ويعم بها جميعهم في جميع البلاد كقولهم في سهم ذي القربى واليتامى وقد تقدم قولنا في ذلك مسألة قال ( والخمس الخامس لابن السبيل ) وسنذكره أيضا في أصناف الصدقة ويعطى كل واحد منهم قدر ما يوصله إلى بلده لأن دفعنا إليه لأجل الحاجة فأعطي بقدرها فإن اجتمع في واحد أسباب كالمسكين إذا كان يتيما وابن سبيل استحق بكل واحد منهما لأنها أسباب لأحكام فوجب أن نثبت أحكامها كما لو انفردت فإن أعطاه ليتمه فزال فقره لم يعطه لفقره شيئا مسألة قال ( وأربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين غنيهم وفقيرهم فيه سواء إلا العبيد ) لا نعلم خلافا بين أهل العلم اليوم في أن العبيد لا حق لهم في الفيء وظاهر كلام أحمد والخرقي أن سائر الناس لهم حق في الفيء غنيهم وفقيرهم ذكر أحمد الفيء فقال فيه حق لكل المسلمين وهو بين الغني والفقير وقال عمر رضي الله عنه ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد فليس لهم فيه شيء وقرأ عمر ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى حتى بلغ والذين جاؤوا من بعدهم الحشر ثم قال هذه استوعبت المسلمين عامة ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه ولأنه مال مخموس فلم يختص به من فيه منفعة كأربعة أخماس الغنيمة

Bölüm V06/P318–V06/P319

وذكر القاضي أن أهل الفيء هم من أهل الجهاد من المرابطين في الثغور وجند المسلمين ومن يقوم بمصالحهم لأن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته لحصول النصرة والمصلحة به فلما مات صارت للجند ومن يحتاج إليه المسلمون فصار ذلك لهم دون غيرهم وأما الأعراب ونحوهم ممن لا يعد نفسه للجهاد فلا حق لهم فيه والذين يغزون إذا نشطوا يعطون من سهم سبيل الله من الصدقة قال ومعنى كلام أحمد أنه بين الغني والفقير يعني الغني الذي فيه مصلحة المسلمين من المجاهدين والقضاة والفقهاء ويحتمل أن يكون معنى كلامه أن لجميع المسلمين الانتفاع بذلك المال لكونه يصرف إلى من يعود نفعه على جميع المسلمين وكذلك ينتفعون بالعبور على القناطر والجسور المعقودة بذلك المال وبالأنهار والطرقات التي أصلحت به وسياق كلامه يدل على أنه ليس مختصا بالجند وإنما هو مصروف في مصالح المسلمين لكن يبدأ بجند المسلمين لأنهم أهم المصالح لكونهم يحفظون المسلمين فيعطون كفاياتهم فما فضل قدم الأهم فالأهم من عمارة الثغور وكفايتها فالأسلحة والكراع وما يحتاج إليه ثم الأهم فالأهم من عمارة المساجد والقناطر وإصلاح الطرق وكراء الأنهار وسد بثوقها وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين والفقهاء ونحو ذلك مما للمسلمين فيه نفع وللشافعي قولان كنحو مما ذكرنا واحتجوا على أن أربعة أخماس الفيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بما روى مالك ابن أوس بن الحدثان قال سمعت عمر بن الخطاب والعباس وعلي يختصمان إليه في أموال النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنته فما فضل جعله في الكراع والسلاح ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فوليها أبو بكر بمثل ما وليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وليتها بمثل ما وليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر متفق عليه إلا أن فيه يجعل ما بقي أسوة المال وظاهر أخبار عمر تدل على أن لجميع المسلمين في الفيء حقا فإنه لما قرأ الآية التي في سورة الحشر قال هذه الآية استوعبت المسلمين وجعل للراعي بسرو حمير منه نصيبا وقال ما أحد إلا له في هذا المال نصيب وأما أموال بني النضير فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفق منه على أهله لأن ذلك من أهم المصالح فبدأ بهم ثم جعل باقيه أسوة المال ويحتمل أن تكون أموال بني النضير اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم من الفيء وترك سائره لمن سمي في الآية وهذا مبين في قول عمر وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين فصل واختلف الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في قسم الفيء بين أهله فذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى التسوية بينهم فيه وهو المشهور عن علي رضي الله عنه فروي أن أبا بكر رضي الله عنه سوى بين الناس في العطاء وأدخل فيه العبيد فقال له عمر يا خليفة رسول الله أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم كمن إنما دخلوا في الإسلام كرها فقال أبو بكر إنما عملوا لله وإنما أجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ فلما ولي عمر رضي الله عنه فاضل بينهم وأخرج العبيد فلما ولي علي سوى بينهم وأخرج العبيد وذكر عن عثمان أنه فضل بينهم في القسمة فعلى هذا يكون مذهب اثنين منهم أبي بكر وعلي التسوية ومذهب اثنين عمر وعثمان التفضيل وروي عن أحمد رحمة الله عليه أنه أجاز الأمرين جميعا على ما يراه الإمام ومؤدى اجتهاده إليه فروي عن الحسن بن علي بن الحسن أنه قال للإمام أن يفضل قوما على قوم وقال أبو بكر اختيار أبي عبد الله أن لا يفضلوا وهذا اختيار الشافعي

Bölüm V06/P319–V06/P320

وقال أبي رأيت قسم الله المواريث على العدد بكون الإخوة متفاضلين في الغناء عن الميت والصلة في الحياة والحفظ بعد الموت فلا يفضلون وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأربعة الأخماس على العدد ومنهم من يعطى غاية الغناء ويكون الفتح على يديه ومنهم من يكون محضره إما غير نافع وإما ضرر بالجبن والهزيمة وذلك أنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو انتصابهم للجهاد فصاروا كالغانمين والصحيح إن شاء الله أن ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام يفعل ما يراه من تسوية وتفضيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي الأنفال فيفضل قوما على قدر غنائمهم وهذا في معناه والمشهور عن عمر رضي الله عنه أنه حين كثر عنده المال فرض للمسلمين أعطياتهم ففرض للمهاجرين من أهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف وللأنصار من أهل بدر أربعة آلاف أربعة آلاف وفرض لأهل الحديبية ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ولأهل الفتح ألفين وقال بمن أبدأ قيل له بنفسك قال لا ولكن أبدأ بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ ببني هاشم ثم ببني المطلب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ثم ببني عبد شمس لأنه أخو هاشم لأبويه ثم ببني نوفل لأنه أخوهما لأبيهما ثم الأقرب فالأقرب قال أصحابنا ينبغي أن يتخذ الإمام ديوانا وهو دفتر فيه أسماء أهل الديوان وذكر أعطياتهم ويجعل لكل قبيلة عريفا فقد روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف عام حنين على كل عشرة عريفا وإذا أراد إعطاءهم بدأ بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي عن عمر رضي الله عنه ويقدم الأقرب فالأقرب ويقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار لأن فيهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن خديجة منهم حتى تنقضي قريش وهم بنو النضر بن كنانة ثم من بعد قريش الأنصار ثم سائر العرب ثم العجم والموالي ثم تفرض الأرزاق لمن يحتاج المسلمين إليهم من القضاة والمؤذنين والأئمة والفقهاء والقراء والبرد والعيون ومن لا غنى للمسلمين عنه ثم في إصلاح الحصون والكراع والسلاح ثم بمصالح المسلمين من بناء القناطر والجسور وإصلاح الطرق وكري الأنهار وسد بثوقها وعمارة المساجد ثم ما فضل قسمه على سائر المسلمين ويخص ذا الحاجة فصل قال القاضي ويعرف قدر حاجتهم يعني أهل العطاء وكفايتهم ويزداد ذو الولد من أجل ولده وذو الفرس من أجل فرسه وإن كان له عبيد لمصالح الحرب حسب مؤونتهم في كفايته وإن كانوا لزينة أو تجارة لم يدخلوا في مؤونته وينظر في أسعارهم في بلدانهم لأن أسعار البلدان تختلف والغرض الكفاية ولهذا تعتبر الذرية والولد فيختلف عطاؤهم لاختلاف ذلك وإن كانوا سواء في الكفاية لا يفضل بعضهم على بعض وإنما تتفاضل كفايتهم ويعطون قدر كفايتهم في كل عام مرة وهذا والله أعلم على قول من رأى التسوية فأما من يرى التفضيل فإنه يفضل أهل السوابق والغنى في الإسلام على غيرهم بحسب ما يراه كما أن عمر فضل أهل السوابق فقسم لقوم خمسة آلاف ولآخرين أربعة آلاف ولآخرين ثلاثة آلاف ولآخرين ألفين ألفين ولم يقدر ذلك بالكفاية

Bölüm V06/P320–V06/P321

فصل والعطاء الواجب لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال ويكون عاقلا حرا بصيرا صحيحا ليس به مرض يمنعه القتال فإن مرض الصحيح مرضا غير مرجو الزوال كالزمانة ونحوها خرج من المقاتلة وسقط سهمه وإن كان مرضا مرجو الزوال كالحمى والصداع والبرسام لم يسقط عطاؤه لأنه في حكم الصحيح ألا ترى أنه لا يستنيب في الحج كالصحيح وإن مات بعد خلول وقت العطاء دفع حقه إلى ورثته ومن مات من أجناد المسلمين دفع إلى زوجته وأولاده الصغار قدر كفايتهم لأنه لو لم تعط ذريته بعده لم يجرد نفسه للقتال لأنه يخاف على ذريته الضياع فإذا علم أنهم يكفون بعد موته سهل عليه ذلك ولهذا قال أبو خالد الهنائي لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي إنهن من الضعاف مخافة أن يرين الفقر بعدي وأن يشربن رنقا بعد صاف وأن يعرين إن كسي الجواري فيثنوا العين عن كوم عجاف ولولا ذاك قد سومت مهري وفي الرحمن للضعفاء كاف وإذا بلغ ذكور أولادهم واختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم وإن لم يختاروا تركوا ومن خرج من المقاتلة سقط حقه من العطاء مسألة قال ( وأربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الواقعة للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم إلا أن يكون الفارس على هجين فيكون له سهمان سهم له وسهم لهجينه ) أجمع أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الأنفال 41 يفهم منه أن أربعة أخماسها لهم لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهما لغيرهم فبقي سائرها لهم كقوله تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث النساء 11 وقال عمر رضي الله عنه الغنيمة لمن شهد الوقعة وذهب جمهور أهل العلم إلى أن للراجل سهما وللفارس ثلاثة أسهم وقال أبو حنيفة للفارس سهمان وخالفه أصحابه فوافقوا سائر العلماء وقد ثبت عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه متفق عليه وقال خالد الحذاء إنه لا يختلف فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما وللراجل سهما والهجين من الخيل هو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية والمقرف عكس ذلك وهو الذي أبوه غير عربي وأمه عربية ومنه قول هند بنت النعمان بن بشير وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل فإن ولدت مهرا كريما فبالحرى وإن يك إقراف فما أنجب الفحل وأراد الخرقي بالهجين هاهنا ما عدا العربي من الخيل من البراذين وغيرها وقد روي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أن البراذين إذا أدركت مثل العراب فلها مثل سهمها وذكر القاضي رواية أخرى فيما عدا العراب من الخيل لا يسهم لها وفي هذه المسألة اختلاف كثير وأدلة على كل قول أخرنا ذكرها إلى باب الجهاد فإن المسألة مذكورة فيه وهو أليق بها إن شاء الله تعالى مسألة قال ( والصدقة لا يجاوز بها الثمانية الأصناف التي سمى الله عز وجل )

Bölüm V06/P321–V06/P322

يعني قول الله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم التوبة 60 وروي أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطني من هذه الصدقات فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك والمراد بالصدقة هاهنا الزكاة المفروضة دون غيرها من صدقة التطوع والكفارات والنذور والوصايا ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى غير هذه الأصناف إلا ما روي عن عطاء والحسن أنهما قالا ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية والأول أصح وذلك لأن الله تعالى قال إنما الصدقات وإنما للحصر تثبت المذكور حتى وتنفي ما عداه لأنها مركبة من حرفي نفي وإثبات فجرى مجرى قوله تعالى إنما الله إله واحد أي لا إله إلا الله وقوله تعالى إنما أنت منذر أي ما أنت إلا نذير وقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق مسألة قال ( الفقراء وهم الزمنى والمكافيف الذين لا حرفة لهم والحرفة الصناعة ولا يملكون خمسين درهما ولا قيمتها من الذهب والمساكين وهم السؤال وغير السؤال ومن لهم الحرفة إلا أنهم لا يملكون خمسين درهما ولا قيمتها من الذهب الفقراء والمساكين صنفان في الزكاة وصنف واحد في سائر الأحكام لأن كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما فأما إذا جمع بين الاسمين وميز بين المسميين تميزا وكلاهما يشعر بالحاجة والفاقة وعدم الغنى إلا أن الفقير أشد حاجة من المسكين من قبل أن الله تعالى بدأ به وإنما يبدأ بالأهم فالأهم وبهذا قال الشافعي والأصمعي وذهب أبو حنيفة إلى أن المسكين أشد حاجة وبه قال الفراء وثعلب وابن قتيبة لقول الله تعالى أو مسكينا ذا متربة البلد 16 وهو المطروح على التراب لشدة حاجته وأنشدوا أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سيد فأخبر أن الفقير حلوبته وفق عياله ولنا إن الله تعالى بدأ بالفقراء فيدل على أنهم أهم وقال تعالى أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر الكهف 79 فأخبر أن المساكين لهم سفينة يعملون بها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين وكان يستعيذ من الفقر ولا يجوز أن يسأل الله تعالى شدة الحاجة ويستعيذ من حالة أصلح منها ولأن الفقر مشتق من فقر الظهر فعيل بمعنى مفعول أي مفقور وهو الذي يرعب فقره ظهره فانقطع صاحبه

Bölüm V06/P322–V06/P324

قال الشاعر لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل أي لم يطق الطيران كالذي انقطع صلبه والمسكين مفعيل من السكون وهو الذي أسكنته الحاجة ومن كسر صلبه أشد حالا من الساكن فأما الآية فهي حجة لنا فإن نعت الله تعالى للمسكين بكونه ذا متربة يدل على أن هذا النعت لا يستحقه بإطلاق اسم المسكنة كما يقال ثوب ذو علم ويجوز التعبير بالمسكين عن الفقير بقرينة وبغير قرينة والشعر أيضا حجة لنا فإنه أخبر أن الذي كانت حلوبته وفق العيال لم يترك لهم سبد فصار فقيرا لا شيء له إذا تقرر هذا فالفقير الذي لا يقدر على كسب ما يقع موقعا من كفايته ولا له من الأجرة أو من المال الدائم ما يقع موقعا من كفايته ولا له خمسون درهما ولا قيمتها من الذهب مثل الزمنى والمكافيف وهم العميان سموا بذلك لكف أبصارهم لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعا من كفايتهم وربما لا يقدرون على شيء أصلا قال الله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا البقرة 273 ومعنى قولهم يقع موقعا من كفايتهم أنه يحصل به معظم الكفاية أو نصف الكفاية مثل من يكفيه عشرة فيحصل له من مكسبه أو غيره خمسة فما زاد والذي لا يحصل له إلا ما لا يقع موقعا من كفايته كالذي لا يحصل له إلا ثلاثة أو دونها فهذا هو الفقير والأول هو المسكين فيعطى كل واحد منهما ما يتم به كفايته وتنسد به حاجته لأن المقصود دفعها وإغناء صاحبها ولا يحصل إلا بذلك والذي يسأل ويحصل الكفاية أو معظمها من مسألته فهو من المساكين لكنه يعطى جميع كفايته ويغنى عن السؤال إن قيل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه قلنا هذا تجوز وإنما نفي المسكنة عنه مع وجودها فيه حقيقة مبالغة في إثباتها في الذي لا يسأل الناس كما قال عليه السلام ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب وقال ما تعدون الرقوب فيكم قالوا الذي لا يعيش له ولد قال لا ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا وقال وما تعدون المفلس فيكم قالوا الذي لا درهم له ولا متاع قال لا ولكن المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ويأتي وقد ظلم هذا ولطم هذا وأخذ من عرض هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا نفدت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم يصك له صك إلى النار فصل ومن كان ذا مكسب يغني به نفسه وعياله إن كان له عيال أو كان له قدر كفايته في كل يوم من أجر عقار أو غلة مملوك أو سائمة فهو غني لا حق له في الزكاة وبهذا قال ابن عمر والشافعي وقال أبو حنيفة إن لم يملك نصابا فله الأخذ منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فجعل الغني من تؤخذ منه الصدقة ولا تؤخذ إلا من النصاف ولأن هذا لا يملك نصابا ولا قيمته فجاز له الأخذ كالذي لا كفاية له ولنا ما روى عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئا منها فصعد بصره فيهما وقال لهما إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب رواه أبو داود ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله وقال هذا أجودهما إسنادا ما أجوده من حديث ما أعلم روي في هذا أجود من هذا قيل له فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي قال لا أعلم فيه شيئا يصح

Bölüm V06/P324–V06/P325

قيل له يرويه سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سالم لم يسمع من أبي هريرة والغنى يختلف فمنه غنى يوجب الزكاة وغنى يمنع أخذها وغنى يمنع المسألة ويخالف ما قاسوا عليه هذا فإنه محتاج إليها والصدقة أوساخ الناس فلا تباح إلا عند الحاجة إليها وهذا المختلف فيه لا حاجة به إليها فلا تباح له فصل وإن كان الرجل صحيحا جلدا وذكر أنه لا كسب له أعطي منها وقبل قوله بغير يمين إذا لم يعلم يقين كذبه ولا يحلفه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجلين اللذين سألاه ولم يحلفهما وفي بعض رواياته أنه قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه من الصدقة فصعد فينا البصر وصوبه فرآنا جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما وذكر الحديث فصل وإن ادعى أن له عيالا فقال القاضي وأبو الخطاب يقلد ويعطي لهم كما يقلد في دعوى حاجته قال ابن عقيل عندي لا يقبل قوله إلا ببينة لأن الأصل عدم العيال ولا تتعذر إقامة البينة عليه وفارق ما إذا ادعى أنه لا كسب له فإنه يدعي ما يوافق الأصل لأن الأصل عدم الكسب والمال وتتعذر عليه إقامة البينة عليه ولو ادعى الفقر من عرف بالغنى لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد بأن ماله تلف أو نفد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحل المسألة إلا لثلاثة رجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقه فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش وهل يعتبر في البينة على الفقر ثلاثة أو يكتفى باثنين فيه وجهان أحدهما لا يكفي إلا ثلاثة لظاهر الخبر والثاني يقبل قول اثنين لأن قولهما يقبل في الفقر بالنسبة إلى حقوق الآدميين المبنية على الشح والضيق ففي حق الله تعالى أولى والخبر إنما ورد في حل المسألة فيقتصر عليه وإن لم يعرف له مال قبله ولم يستحلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستحلف الرجلين اللذين رآهما جلدين فإن رآه متجملا قبل قوله أيضا لأنه لا يلزم من ذلك الغنى بدليل قول الله تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف البقرة 273 لكن ينبغي أن يخبره أن ما يعطيه من الزكاة لئلا يكون ممن لا تحل له الزكاة وإن رآه ظاهر المسكنة أعطاه منها ولم يحتج أن يبين له شرط جواز الأخذ ولا أن ما يدفعه إليه زكاة قال أحمد رحمه الله وقد سئل عن الرجل يدفع زكاته إلى رجل هل يقول له هذه زكاة فقال يعطيه ويسكت ولا يقرعه فاكتفى بظاهر حاله عن سؤاله وتعريفه فصل وإذا كان للرجل بضاعة يتجر بها أو ضيعة يستغلها تكفيه غلتها له ولعياله فهو غني لا يعطى من الصدقة شيئا وإن لم تكفه جاز له الأخذ منها قدر ما يتم به الكفاية وإن كثرت قيمة ذلك وقد تقدم ذكر ذلك في الزكاة مسألة قال ( والعاملين على الزكاة وهم الجباة لها والحافظون لها ) يعني العاملين على الزكاة وهم الصنف الثالث من أصناف الزكاة وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها وجمعها وحفظها ونقلها ومن يعينهم ممن يسوقها ويرعاها ويحملها وكذلك الحاسب والكاتب والكيال والوزان والعداد وكل من يحتاج إليه فيها فإنه يعطي أجرته منها لأن ذلك من مؤنتها فهو كعلفها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم فبعث عمر ومعاذا وأبا موسى ورجلا من بني مخزوم وابن اللتبية واغيرهم وطلب منه ابنا عمه الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أن يبعثهما فقالا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بعثتنا على هذه الصدقة فنصيب ما يصيب الناس ونؤدي إليك ما يؤدي الناس فأبى أن يبعثهما وقال إن هذه الصدقة أوساخ الناس وهذه قصص اشتهرت فصارت كالمتواتر وليس فيه اختلاف مع ما ورد من نشر الكتاب فيه فأغنى عن التطويل فصل ومن شرط العامل أن يكون بالغا عاقلا أمينا

Bölüm V06/P325–V06/P326

لأن ذلك ضرب من الولاية والولاية تشترط فيها هذه الخصال ولأن الصبي والمجنون لا قبض لهما والخائن يذهب بمال الزكاة ويضيعه على أربابه ويشترط إسلامه واختار هذا القاضي وذكر أبو الخطاب وغيره أنه لا يشترط إسلامه لأنه إجارة على عمل فجاز أن يتولاه الكافر كجباية الخراج وقيل عن أحمد في ذلك روايتان ولنا إنه يشترط له الأمانة فاشترط له الإسلام كالشهادة ولأنه ولاية على المسلمين فلم يجز أن يتولاها الكافر كسائر الولايات ولأن من ليس من أهل الزكاة لا يجوز أن يتولى العمالة كالحربي ولأن الكافر ليس بأمين ولهذا قال عمر لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى وقد أنكر عمر على أبي موسى توليته الكتابة نصرانيا فالزكاة التي هي ركن الإسلام أولى ويشترط كونه من غير ذوي القربى إلا أن يدفع إليه أجرته من غير الزكاة وقال أصحابنا يجوز له الأخذ منها لأنها أجرة على عمل تجوز للغني فجازت لذوي القربى كأجرة النقال والحفاظ وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ولنا حديث الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حين سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعثهما على الصدقة فأبى أن يبعثهما وقال إنما هذه الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وحديث أبي رافع أيضا وهذا ظاهر في تحريم أخذهم العمالة فلا تجوز مخالفته ويفارق النقال والحمال والراعي فإنه يأخذه أجرة لحمله لا لعمالته ولا يشترط كونه حرا لأن العبد يحصل منه المقصود كالحر فجاز أن يكون عاملا كالحر ولا كونه فقيها إذا كتب له ما يأخذه وحد له كما كتب النبي صلى الله عليه وسلم لعماله فرائض الصدقة وكما كتب أبو بكر لعماله أو بعث معه من يعرفه ذلك ولا كونه فقيرا لأن الله تعالى جعل العامل صنفا غير الفقراء والمساكين فلا يشترط وجود معناهما فيه كما لا يشترط معناه فيهما وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لرجل ابتاعها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إلى الغني رواه أبو داود وذكر أصحاب الشافعي أنه تشترط الحرية لأن العمالة ولاية فنافاها الرق كالقضاء ويشترط الفقه ليعلم قدر الواجب وصفته ولنا ما ذكرناه ولا نسلم منافاة الرق للولايات الدينية فإنه يجوز أن يكون إماما في الصلاة ومفتيا وراويا للحديث وشاهدا وهذه هي الولايات الدينية وأما الفقه فإنما يحتاج إليه لمعرفة ما يأخذه ويتركه ويحصل ذلك بالكتاب له كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه رضي الله عنهما فصل والإمام مخير بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة بأجر معلوم إما على مدة معلومة وإما على عمل معلوم وبين أن يجعل له جعلا معلوما على عمله فإذا عمله استحق المشروط وإن شاء بعثه من غير تسمية ثم أعطاه فإن عمر رضي الله عنه قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فلما رجعت عملني فقلت أعطه من هو أحوج مني وذكر الحديث فإن تلفت الصدقة في يده قبل وصولها إلى أربابها من غير تفريط فلا ضمان عليه ويستحق أجرة من بيت المال وإن لم تتلف أعطي أجر عمله منها وإن كان أكثر من ثمنها أو أقل ثم قسم الباقي على أربابه لأن ذلك من مؤنتها فجرى مجرى علفها ومداواتها وإن رأى الإمام أعطاه أجرة من بيت المال أو يجعل له رزقا في بيت المال ولا يعطيه منها شيئا فعل وإن تولى الإمام أو الوالي من قبله أخذ الصدقة وقسمتها لم يستحق منها شيئا لأنه يأخذ رزقه من بيت المال فصل ويجوز للإمام أن يولي الساعي جبايتها دون تفرقتها ويجوز أن يوليه جبايتها وتفريقها فإن النبي صلى الله عليه وسلم ولى ابن اللتبية فقدم بصدقته على النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا لكم وهذا أهدي إلي وقال لقبيصة أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها وأمر معاذا أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها في فقرائهم

Bölüm V06/P326–V06/P327

ويروى أن زيادا ولى عمران بن حصين الصدقة فلما جاء قيل له أين المال قال أو للمال بعثتني أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وعن أبي حنيفة قال أتانا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ الصدقة من أغنيائنا فوضعها في فقرائنا وكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا أخرجه الترمذي مسألة قال ( وللمؤلفة قلوبهم وهم المشركون المتألفون على الإسلام ) هذا الصنف الرابع من أصناف الزكاة والمستحقون لها وقال أبو حنيفة انقطع سهمهم وهو أحد أقوال الشافعي لما روي أن مشركا جاء يلتمس من عمر مالا فلم يعطه وقال فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولم ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم أعطوا شيئا من ذلك ولأن الله تعالى أظهر الإسلام وقمع المشركين فلا حاجة بنا إلى التأليف وحكى حنبل عن أحمد أنه قال المؤلفة قد انقطع حكمهم اليوم والمذهب على خلاف ما حكاه حنبل ولعل معنى قول أحمد انقطع حكمهم أي لا يحتاج إليهم في الغالب أو أراد أن الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئا فأما إن احتاج إليهم جاز الدفع إليهم فلا يجوز الدفع إليهم إلا مع الحاجة ولنا على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى والمؤلفة قلوبهم التوبة اليوم 60 وهذه الآية في سورة براءة وهي آخر ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة من المشركين والمسلمين وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة وثلاثين بعيرا ومخالفة كتاب الله وسنة رسوله واطراحها بلا حجة لا يجوز ولا يثبت النسخ بترك عمر وعثمان إعطاء المؤلفة ولعلهم لم يحتاجوا إلى إعطائهم فتركوا ذلك لعدم الحاجة إليه لا لسقوطه فصل والمؤلفة قلوبهم ضربان كفار ومسلمون وهم جميعا للسادة المطاعون في قومهم وعشائرهم فالكفار ضربان أحدهما من يرجى إسلامه فيعطى لتقوى نيته في الإسلام وتميل نفسه إليه فيسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أعطى صفوان بن أمية الأمان واستنظره صفوان أربعة أشهر لينظر في أمره وخرج معه إلى حنين فلما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم العطايا قال صفوان ما لي فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى واد فيه إبل محملة فقال هذا لك فقال صفوان إن هذا عطاء من لا يخشى الفقر والضرب الثاني من يخشى شره ويرجى بعطيته كف شره وكف غيره معه وروي عن ابن عباس أن قوما كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وقالوا هذا دين حسن وإن منعهم ذموا وعابوا وأما المسلمون فأربعة أضرب قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار ومن المسلمين الذين لهم نية حسنة في الإسلام فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم وحسن نياتهم فيجوز إعطاؤهم لأن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حسن نياتهما وإسلامهما الضرب الثاني سادات مطاعون في قومهم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد فإنهم يعطون لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعلقمة بن علاثة والطلقاء من أهل مكة وقال للأنصار يا معشر الأنصار علام تأسون على لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما لا إيمان لهم ووكلتكم إلى إيمانكم وروى البخاري بإسناده عن عمرو بن تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى ناسا وترك ناسا فبلغه عن الذين ترك أنهم عتبوا فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إني أعطي ناسا وأدع ناسا والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي أعطي ناسا لما في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل ناسا إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب وعن أنس قال حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش مائة من الإبل

Bölüm V06/P327–V06/P329

فقال ناس من الأنصار يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويمنعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أعطي رجالا حدثاء عهد بكفر أتألفهم متفق عليه الضرب الثالث قوم في طرف بلاد الإسلام إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين الضرب الرابع قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف وكل هؤلاء يجوز الدفع إليهم من الزكاة لأنهم من المؤلفة قلوبهم فيدخلون في عموم الآية مسألة قال ( وفي الرقاب وهم المكاتبون ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في ثبوت سهم الرقاب ولا يختلف المذهب في أن المكاتبين من الرقاب يجوز صرف الزكاة إليهم وهو قول الجمهور وخالفهم مالك فقال إنما يصرف سهم الرقاب في إعتاق العبيد ولا يعجبني أن يعان منها مكاتب وخالف أيضا ظاهر الآية لأن المكاتب من الرقاب لأنه عبد واللفظ عام فيدخل في عمومه إذا ثبت هذا فإنه يدفع إلى المكاتب جميع ما يحتاج إليه لوفاء كتابته فإن لم يكن معه شيء جاز أن يدفع إليه جميعها وإن كان معه شيء له يتم ما يتخلص به لأن حاجته لا تندفع إلا بذلك ولا يدفع إلى من معه وفاء كتابته شيء لأنه مستغن عنه في وفاء الكتابة قيل ولا يدفع إليه بحكم الفقر شيء لأنه عبد ويجوز أن يدفع إليه في كتابته قبل حلول النجم لئلا يحل النجم ولا شيء معه فتنفسخ الكتابة ولا يدفع إلى مكاتب كافر شيء لأنه ليس من مصارف الزكاة ولا يقبل قول المكاتب إنه مكاتب إلا ببينة لأن الأصل عدمها فإن صدقه السيد ففيه وجهان أحدهما يقبل لأن الحق في العبد لسيده فإذا أقر بانتقال حقه عنه قبل والثاني لا يقبل لأنه متهم في أنه يواطئه ليأخذ به المال فصل ويجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه لأنه صار معه في باب المعاملة كالأجنبي حتى يجري بينهما الربا فصار كالغريم يدفع زكاته إلى غريمه ويجوز للمكاتب ردها إلى سيده بحكم الوفاء لأنها رجعت إليه بحكم الإيفاء أشبه إيفاء الغريم دينه بها قال ابن عقيل ويجوز دفع الزكاة إلى سيد المكاتب وفاء عن الكتابة وهو الأولى لأنه أعجل لعتقه وأوصل إلى المقصود الذي كان الدفع من أجله فإنه إذا أخذه المكاتب قد يدفعه وقد لا يدفعه ونقل حنبل أنه قال قال سفيان لا تعط مكاتبا لك من الزكاة قال وسمعت أبا عبد الله يقول وأنا أرى مثل ذلك وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل أيعطى المكاتب من الزكاة قال المكاتب بمنزلة العبد فكيف يعطى ومعناه والله أعلم لا يعطي مكاتبه من الزكاة لأنه عبده وماله يرجع إليه إن عجز يرجع إليه وإن عتق فله ولاؤه ولا تقبل شهادته لمكاتبه ولا شهادة مكاتبه له مسألة قال ( وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى أنه يعتق منها ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في جواز الإعتاق من الزكاة فروي عنه جواز ذلك وهو قول ابن عباس والحسن والزهري ومالك وإسحاق وأبي عبيد والعنبري وأبي ثور لعموم قوله تعالى وفي الرقاب وهو متناول للقن بل هو ظاهر فيه فإن الرقبة إذا أطلقت انصرفت إليه كقوله تعالى فتحرير رقبة وتقدير الآية وفي إعتاق الرقاب ولأنه إعتاق للرقبة فجاز صرف الزكاة فيه كدفعه في الكتابة والرواية الأخرى لا يجوز وهو قول إبراهيم والشافعي لأن الآية تقتضي صرف الزكاة إلى الرقبا كقوله في سبيل الله يريد الدفع إلى المجاهدين كذلك هاهنا والعبد القن لا يدفع إليه شيء قال أحمد في رواية أبي طالب قد كنت أقول يعتق من زكاته ولكن أهابه اليوم ولأنه يجر الولاء وفي موضع آخر قيل له فما يعجبك من ذلك قال يعين من ثمنها فهو أسلم

Bölüm V06/P329–V06/P330

وقد روي نحو هذا عن النخعي وسعيد بن جبير فإنهما قالا لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطي منها في رقبة ويعين مكاتبا وبه قال أبو حنيفة وصاحباه لأنه إذا أعتق من زكاته انتفع بولاء من أعتقه فكأنه صرف الزكاة إلى نفسه وأخذ ابن عقيل من هذه الرواية أن أحمد رجع عن القول بالإعتاق من الزكاة وهذا والله أعلم من أحمد إنما كان على سبيل الورع فلا يقتضي رجوعا لأن العلة التي تملك بها جر الولاء ومذهبه أن ما رجع من الولاء رد في مثله فلا ينتفع إذا بإعتاقه من الزكاة فصل ولا يجوز أن يشتري من زكاته من يعتق عليه بالرحم وهو كل ذي رحم محرم فإن فعل عتق عليه ولم تسقط عنه الزكاة وقال الحسن لا بأس أن يعتق أباه من الزكاة لأن دفع الزكاة لم يحصل إلى أبيه وإنما دفع الثمن إلى بائعه ولنا إن نفع زكاته عاد إلى أبيه فلم يجز كما لو دفعها إليه ولأن عتقه حصل بنفس الشراء مجازاة وصلة للرحم فلم يجز أن يحتسب له به عن الزكاة كنفقة أقاربه ولو أعتق عبده المملوك له عن زكاته لم يجز لأن أداء الزكاة عن كل مال من جنسه والعبد ليس من جنس ما تجب الزكاة فيه ولو أعتق عبدا من عبيده للتجارة لم يجز لأن الواجب في قيمتهم لا في عينهم فصل ويجوز أن يشتري من زكاته أسيرا مسلما من أيدي المشركين لأنه فك رقبة من الأسر فهو كفك رقبة العبد من الرق ولأن فيه إعزازا للدين فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم ولأنه يدفعه إلى الأسير لفك رقبته فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك رقبته من الدين مسألة قال ( فما رجع من الولاء رد في مثله ) يعني يعتق به أيضا وبهذا قال الحسن وإسحاق وقال أبو عبيد الولاء للمعتق لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق وقال مالك ولاؤه لسائر المسلمين لأنه مال لا مستحق له أشبه مال من لا وارث له وقال العنبري يجعله في بيت المال للصدقات لأن عتقه من الصدقة فولاؤه يرجع إليها ولأن عتقه بمال هو لله والمعتق نائب عن الله تعالى في الشراء والإعتاق فلم يكن الولاء له كما لو توكل في الإعتاق وكالساعي إذا اشترى من الزكاة رقبة وأعتقها ولأن الولاء أثر الرق وفائدة من المعتق فلم يجز أن يرجع إلى المزكي لإفضائه إلى أن ينتفع بزكاته وقد روي عن أحمد ما يدل على أن الولاء له وقد سبق ذلك في باب الولاء فصل ولا يعقل عنه اختاره الخلال وعن أحمد رواية أخرى أنه يعقل عنه اختارها أبو بكر لأنه معتق فيعقل عنه كالذي أعتقه من ماله وإنما لم يأخذ ميراثه بالولاء لئلا ينتفع بزكاته والعقل عنه ليس بانتفاع فيبقى على الأصل ولنا إنه لا ولاء عليه فلم يعقل عنه كما لو كان وكيلا في العتق ولأنه لا يرثه فلم يعقل عنه كما لو اختلف دينهما وما ذكره يبطل بالوكيل والساعي إذا أعتق من الزكاة مسألة قال ( والغارمين ) وهم المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم هذا الصنف السادس من أصناف مصارف الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم وثبوت سهمهم وأن المدينين العاجزين عن وفاء ديونهم منهم لكن إن غرم في معصية مثل أن يشتري خمرا أو يصرفه في زنا أو قمار أو غناء ونحوه لم يدفع إليه قبل التوبة شيء لأنه أعانه على المعصية وإن تاب فقال القاضي يدفع إليه واختاره ابن عقيل لأن إبقاء الدين الذي في الذمة ليس من المعصية بل يجب تفريعها والإعانة على الواجب قربة لا معصية فأشبه من أتلف ماله في المعاصي حتى افتقر فإنه يدفع إليه من سهم الفقراء وفيه وجه آخر لا يدفع إليه لأنه استدانة للمعصية فلم يدفع إليه كما لو لم يتب ولأنه لا يؤمن أن يعود إلى الاستدانة للمعاصي ثقة منه بأن دينه يقضى بخلاف من أتلف ماله في المعاصي فإنه يعطى لفقره لا لمعصيته

Bölüm V06/P330–V06/P331

فصل ولا يدفع إلى غارم كافر لأنه ليس من أهل الزكاة ولذلك لا يدفع إلى فقيرهم ولا مكاتبهم وإن كان من ذوي القربى فقال أصحابنا يجوز الدفع إليه لأن علة منعه من الأخذ منها لفقره صيانة عن أكلها لكونها أوساخ الناس وإذا أخذها لغرمه حرفها إلى الغرماء فلا يناله دناءة وسخها ويحتمل أن لا يجوز لعموم النصوص في منعهم من أخذها وكونها لا تحل لهم ولأن دناءة أخذها تحصل سواء أكلها أو لم يأكلها ولا يدفع منها إلى غارم له بما يقضي به غرمه لأن الدفع إليه لحاجته وهو مستغن عنها فصل ومن الغارمين صنف يعطون مع الغنى وهو غرم لإصلاح ذات البين وهو أن يقع بين الحيين وأهل القريتين عداوة وضغائن يتلف فيها نفس أو مال ويتوقف صلحهم على من ويتحمل ذلك فيسعى إنسان في الإصلاح بينهم ويتحمل الدماء التي بينهم والأموال فيسمى ذلك حمالة بفتح الحاء وكانت العرب تعرف ذلك وكان الرجل منهم ويحتمل الحمالة ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى يؤديها فورد الشرع بإباحة المسألة فيها وجعل له نصيبا من الصدقة فروى قبيصة بن المخارق قال تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وسألته فيها فقال أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحملت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتا يوم القيامة أخرجه مسلم وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ذكر منها الغارم ولأنه إنما يقبل ضمانه وتحمله إذا كان مليا وبه حاجة إلى ذلك مع الغنى وإن أدى ذلك من ماله لم يكن له أن يأخذ لأنه قد سقط الغرم وإن استدان وأداها جاز له الأخذ لأن الغرم باق والمطالبة قائمة والفرق بين هذا الغرم والغرم لمصلحة نفسه أن هذا الغرم يأخذ لحاجتنا إليه لإطفاء الثائرة وإخماد الفتنة فجاز له الأخذ مع الغنى كالغازي والمؤلف والعامل والغارم لمصلحة نفسه يأخذ لحاجة نفسه فاعتبرت حاجته وعجزه كالفقير والمسكين والمكاتب وابن السبيل وإذا كان الرجل غنيا وعليه دين لمصلحة لا يطيق قضاءه جاز أن يدفع إليه ما يتم به قضاءه مع ما زاد عن حد الغنى فإذا قلنا الغنى يحصل بخمسين درهما وله مائة وعليه مائة جاز أن يدفع له خمسون ليتم قضاء المائة من غير أن ينقص غناه قال أحمد لا يعطى من عنده خمسون درهما أو حسابها من الذهب إلا مدينا فيعطى دينه وإن كان يمكنه قضاء الدين من غير نقص من الغناء لم يعط شيئا فصل وإذا أراد الرجل دفع زكاته إلى الغارم فله أن يسلمها إليه ليدفعها إلى غريمه وإن أحب أن يدفعها إلى غريمه قضاء عن دينه فعن أحمد فيه روايتان إحداهما يجوز ذلك نقل أبو الحارث قال قلت لأحمد رجل عليه ألف وكان على رجل زكاة ماله ألف فأداها عن هذا الذي عليه الدين يجوز هذا من زكاته قال نعم ما أرى بذلك بأسا وذلك لأنه دفع الزكاة في قضاء دينه فأشبه ما لو دفعها إليه يقضي بها دينه

Bölüm V06/P331–V06/P332

والثانية لا يجوز دفعها إلى الغريم قال أحمد أحب إلي أن يدفعه إليه حتى يقضي هو عن نفسه قيل هو محتاج يخاف أن يدفعه إليه فيأكله ولا يقضي دينه قال فقل له يوكله حتى يقضيه فظاهر هذا أنه لا يدفع الزكاة إلى الغارم إلا بوكالة الغارم لأن الدين إنما هو على الغارم فلا يصح قضاؤه إلا بتوكيله ويحتمل أن يحمل هذا على الاستحباب ويكون قضاؤه عنه جائزا وإن كان دافع الزكاة الإمام جاز أن يقضي بها دينه من غير توكيله لأن للإمام ولاية عليه في إبقاء الدين ولهذا يجبره عليه إذا امتنع منه وإذا ادعى الرجل أن عليه دينا فإن كان يدعيه من جهة إصلاح ذات البين فالأمر فيه ظاهر لا يكاد يخفى فإن خفي ذلك لم يقبل منه إلا ببينة وإن غرم لمصلحة نفسه لم يدفع إليه إلا ببينة أيضا لأن الأصل عدم الغرم وبراءة الذمة فإن صدقه الغريم فعلى وجهين كالمكاتب إذا صدقه سيده مسألة قال ( وسهم في سبيل الله وهم الغزاة يعطون ما يشترون به الدواب والسلاح وما ينفقون به على العدو وإن كانوا أغنياء ) هذا الصنف السابع من أهل الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو قال الله تعالى وقاتلوا في سبيل الله وقال وجاهدوا في سبيله وقال إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا الصف 4 وذكر ذلك في غير موضع من كتابه فإذا تقرر هذا فإنهم يعطون وإن كانوا أغنياء وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وقال أبو حنيفة وصاحباه لا تدفع إلا إلى فقير وكذلك قالوا في الغارم لإصلاح ذات البين لأن من تجب عليه الزكاة لا تحل له كسائر أصحاب السهمان ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فظاهر هذا أنها كلها ترد في الفقراء والفقير عندهم من لا يملك نصابا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لغارم وذكر بقيتهم ولأن الله تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين وعد بعدهما ستة أصناف فلا يلزم وجود صفة الصنفين في بقية الأصناف كما لا يلزم وجود صفة الأصناف فيها ولأن هذا يأخذ لحاجته إليها دون من يأخذ لحاجتنا إليه فأشبه العامل والمؤلف فأما أهل سائر السهمان فإنما يعتبر فقر من يأخذ لحاجته إليها دون من يأخذ لحاجتنا إليه فإذا تقرر هذا فمن قال إنه يريد الغزو قبل قوله لأنه لا يمكن إقامة البينة على بينته ويدفع إليه قدر كفايته لمؤونته وشراء السلاح والفرس وإن كان فارسا وحمولته ودرعه وأثاثه وسائر ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر ذلك ويدفع إليه دفعا مراعى فإن لم يغز رده لأنه أخذه كذلك وإن غزا وعاد فقد ملك ما أخذه لأننا دفعنا إليه قدر الكفاية وإنما ضيق على نفسه وإن مضى إلى الغزو فرجع من الطريق أو لم يتم الغزو الذي دفع إليه من أجله رد ما فضل معه لأن الذي أخذ لأجله لم يفعله كله فصل وإنما يستحق هذا السهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان وإنما يتطوعون بالغزو إذا نشطوا

Bölüm V06/P332–V06/P334

قال أحمد ويعطى ثمن الفرس ولا يتولى مخرج الزكاة شراء الفرس بنفسه لأن الواجب إيتاء الزكاة فإذا اشتراها بنفسه فما أعطى إلا فرسا وكذلك الحكم في شراء السلاح والمؤنة وقال في موضع آخر إن دفع ثمن الفرس وثمن السيف فهو أعجب إلي وإن اشتراه هو رجوت أن يجزئه وقال أيضا يشتري الرجل من زكاته الفرس ويحمل عليه والقناة ويجهز الرجل وذلك لأنه قد صرف الزكاة في سبيل الله فجاز كما لو دفعها إلى الغازي فاشترى بها قال ولا يشتري من الزكاة فرسا يصير حبيسا في سبيل الله ولا دارا ولا ضيعة يصيرها في سبيل الله للرباط ولا يقفها على المجاهدين لأنه لم يؤت الزكاة لأحد وهو مأمور بإتيانها قال ولا يغزو الرجل على الفرس الذي أخرجه من زكاة ماله لأنه لا يجوز أن يجعل نفسه مصرفا لزكاته كما لا يجوز أن يقضي بها دينه ومتى أخذ الفرس التي اشتريت بماله صار مصرفا لزكاته مسألة قال ( ويعطى أيضا في الحج وهو من سبيل الله ) يروى هذا عن ابن عباس وعن ابن عمر في سبيل الله وهو قول إسحاق لما روى أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم اركبيها فإن الحج في سبيل الله وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى لا يصرف منها في الحج وبه قال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وهذا أصح لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك لأن الظاهر إرادته به ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضا إليه لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها وخفف عنه إيجابها وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو دفعه في مصالح المسلمين أولى وأما الخبر لا يمنع أن يكون الحج من سبيل الله والمراد بالآية غيره لما ذكرنا وقال الشافعي يجوز الدفع إلى من أراد الحج لكونه ابن سبيل ولا يصح لأن ابن السبيل المسافر المنقطع به أو من هو محتاج إلى السفر ولا حاجة بهذا إلى هذا السفر فإن قلنا يدفع في الحج منها فلا يعطى إلا بشرطين أحدهما أن يكون ممن ليس له ما يحج به سواها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي وقال لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ولم يذكر الحاج منهم ولأنه يأخذ لحاجته لا لحاجة المسلمين إليه فاعتبرت فيه الحاجة كمن يأخذ لفقره والثاني أن يأخذه لحجة الفرض ذكره أبو الخطاب لأنه يحتاج إلى إسقاط فرضه وإبراء ذمته أما التطوع فله مندوحة عنه وقال القاضي ظاهر كلام أحمد جواز ذلك في الفرض والتطوع معا وهو ظاهر قول الخرقي لأن الكل من سبيل الله ولأن الفقير لا فرض عليه فالحجة منه كالتطوع فعلى هذا يجوز أن يدفع إليه ما يحج به حجة كاملة وما يغنيه في حجة ولا يجوز من زكاة نفسه كما لا يجوز أن يغزو بها مسألة قال ( وابن السبيل وهو المنقطع به وله اليسار في بلده فيعطى من الصدقة ما يبلغه ) ابن السبيل هو الصنف الثامن من أهل الزكاة ولا خلاف في استحقاقه وبقاء سهمه وابن السبيل هو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده وله اليسار في بلده فيعطى ما يرجع به وهذا قول قتادة ونحوه قال مالك وأصحاب الرأي وقال الشافعي هو المختار ومن يريد إنشاء السفر إلى بلد أيضا فيدفع إليهما ما يحتاجان إليه لذهابهما وعودهما لأنه يريد السفر لغير معصية فأشبه المجتاز

Sorular