Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
فرع : قال أصحابنا رحمهم الله : إذا لم يعلم كون الشراب مسكرا أو كون الدواء مزيلا للعقل لم يحرم تناوله ، ولا قضاء عليه كالإغماء ، فإن علم أن جنسه مسكر وظن أن ذلك القدر لا يسكر وجب القضاء لتقصيره وتعاطيه الحرام ، وأما ما يزيل العقل من غير الأشربة والأدوية كالبنج وهذه الحشيشة المعروفة فحكمه حكم الخمر في التحريم ووجوب قضاء الصلوات ، ويجب فيه التعزير دون الحد ، والله أعلم . فرع : لو وثب من موضع فزال عقله فإن فعله لحاجة فلا قضاء وإن فعله عبثا لزمه القضاء . هكذا نص عليه الشافعي ، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص ، واتفق الأصحاب عليه ، ولو وثب لغير حاجة فانكسرت رجله فصلى قاعدا فلا قضاء على أصح الوجهين ، وستأتي المسألة مبسوطة في صفة الصلاة مع نظائرها إن شاء الله تعالى .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما فعل الصلاة لما ذكرناه في باب الحيض ، وإن جن في حال الردة ففاته صلوات لزمه قضاؤها ، وإن حاضت المرأة في حال الردة ففاتها صلوات لم يزلمها قضاؤها ، لأن سقوط الصلاة عن المجنون للتخفيف ، والمرتد لا يستحق التخفيف ، وسقوط القضاء عن الحائض عزيمة ، وليس لأجل التخفيف ، والمرتد من أهل العزائم . + الشرح : أما الحائض والنفساء فلا صلاة عليهما ولا قضاء بالاجماع ، وقد سبق إيضاحه في كتاب الحيض مع ما يتعلق به . وأما قوله : أن الصلاة الفائتة في حال جنون المرتد يجب قضاؤها إذا أسلم بعد الإفاقة والفائتة في حال ردة الحائض والنفساء لا يجب قضاؤها فمتفق عليه . وقوله : لأن سقوط القضاء عنه للتخفيف وسقوطه عنها عزيمة هكذا قاله أصحابنا وهو ظاهر وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أن الغزالي رحمه الله قال في درسه : الفرق بينهما عسر ، وأورد عليه وجوب قضاء الصوم عليها . قال الشيخ : ونحن نقرر الفرق فنقول : العزيمة الحكم الثابت على وفق الدليل ، والرخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح ، وإنما كان سقوط قضاء الصلاة عن الحائض عزيمة لأنها مكلفة بترك الصلاة ، فإذا تركتها فقد امتثلت ما أمرت به من الترك فلم تكلف مع ذلك بالقضاء . ولا نقول الفرق بين الصوم والصلاة كثرتها وندوره فيكون إسقاط قضائها تخفيفا ورخصة ، بل سبب إسقاط قضائها ما ذكرناه ، وهذا يقتضي إسقاط قضاء الصوم أيضا ، لكن للشرع زيادة اعتناء بصوم رمضان ، فأوجب قضاءه بأمر محدود في وقت ثان ، وتسميته قضاء مجاز ، وهو في الحقيقة فرض مبتدأ ، فمخالفة الدليل إن حصلت فهي وجوب قضاء الصوم ، لا في عدم قضاء الصلاة ، فثبت أن عدم قضاء الصلاة ليس رخصة ، وأن المرتدة ساوت المسلمة في مستنده فتساويا في الحكم فيه . وأما كون سقوط القضاء عن المجنون رخصة فلأن الدليل يقتضي أن من فاته صلاة في وقتها من غير أن يكون مكلفا بتركها في وقتها يؤمر بقضاتها في وقت آخر لئلا يخلو من وظيفتها ( ولهذا وجب قضاؤها على النائم وإنما سقط ذلك عن المجنون رخصة وتخفيفا ) ، والمرتد ليس أهلا لذلك فلزمه القضاء . هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو وأما قول المصنف : لأجل التخفيف فهو مما أنكر على الفقهاء من الألفاظ . وقيل إن صوابه من أجل قال الله تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل وهذا هو المعروف في استعمال العرب وكتب اللغة ، وفيه لغتان فتح الهمزة وكسرها ، حكاهما الجوهري وغيره ، الفتح أفصح وأشهر وبه جاء القرآن . فرع : لو سكر ثم جن ثم أفاق وجب قضاء المدة التي قبل الجنون ، وفي مدة الجنون وجهان مشهوران الأصح : لا يجب ، صححه المتولي وآخرون ، وقطع به البغوي وغيره ، لأنه ليس سكران في مدة الجنون بخلاف الردة فإنها إذا تعقبها الجنون كان مرتدا في مدة الجنون . قال المتولي : فإذا لم يعرف وقت الجنون وجب قضاء الصلوات التي يمتد إليها السكر غالبا ، ولو سكرت ثم حاضت لم تقض أيام الحيض كما لو ارتدت ثم حاضت ، ولو شربت دواء للحيض فحاضت لم يلزمها القضاء ، وكذا لو شربت دواء لتلقي الجنين فألقته ونفست لم يلزمها قضاء صلوات مدة النفاس على الصحيح من الوجهين ، لأن سقوط القضاء من الحائض والنفساء عزيمة كما سبق . وفي النفاس وجه مشهور وإن كان ضعيفا حكاه صاحبا التتمة والتهذيب . قال الرافعي : فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء ، فإذا لم يؤمر كان تخفيفا ، ومن أمر بالترك فامتثل الأمر لا يؤمر بالقضاء إلا الحائض والنفساء في الصوم فإنهما يؤمران بتركه وبقضائه ، وهو خارج عن القياس للنص والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يؤمر أحد ممن لا يجب عليه فعل الصلاة بفعلها إلا الصبي فإنه يؤمر بفعلها لسبع سنين ويضرب على تركها لعشر ، لما روى سبرة الجهني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر سنين . + الشرح : حديث سبرة صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة . قال الترمذي : هو حديث حسن ، ولفظ أبي داود : مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها ولفظ الترمذي كلفظ المصنف ، وسبرة بفتح السين المهملة وإسكان الباء الموحدة ، وهو سبرة بن معبد ، قال الترمذي وغيره : ويقال سبرة بن عوسجة الجهني أبو ثربة ( بضم الثاء المثلثة وفتح الراء ) وقيل كنيته أبو الربيع ، حكاه الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي المعروف بابن عساكر رحمه الله ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع رواه أبو داود بإسناد حسن والاستدلال به واضح لأنه يتناول بمنطوقه الصبي والصبية في الأمر بالصلاة والضرب عليها ، وفيه زيادة أخرى وهي التفريق في المضاجع . واعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم : مروا أولادكم بالصلاة ليس أمرا منه صلى الله عليه وسلم للصبي ، وإنما هو أمر للولي ، فأوجب على الولي أن يأمر الصبي ، وهذه قاعدة معروفة في الأصول أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بالشيء ما لم يدل عليه دليل كقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة . أما حكم المسألة : فمن لا تلزمه الصلاة لا يؤمر بفعلها لا إيجابا ولا ندبا إلا الصبي والصبية فيؤمران بها ندبا إذا بلغ سبع سنين وهما مميزان ، ويضربان على تركها إذا بلغا عشر سنين ، فإن لم يكونا مميزين لم يؤمرا لأنها لا تصح من غير مميز ، وقد اقتصر المصنف على الصبي ، ولو قال : الصبي والصبية لكان أولى ، وأنه لا فرق بينهما بلا خلاف ، صرح به أصحابنا لحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرناه ، وهذا الأمر والضرب واجب على الولي سواء كان أبا أو جدا أو وصيا أو قيما من جهة القاضي ، صرح به أصحابنا منهم صاحبا الشامل والعدة وآخرون ذكره صاحب العدة في آخر باب موقف الإمام والمأموم هناك ، وذكره المزني عن الشافعي في المختصر ، ودليل هذه القاعدة قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة وقوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقوله صلى الله عليه وسلم : وإن لولدك عليك حقا رواه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام من رواية ابن عمرو بن العاص ، وقوله صلى الله عليه وسلم : كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته رواه البخاري ومسلم . قال الشافعي في المختصر : وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذ عقلوا قال أصحابنا : ويأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة ، وبالسواك وسائر الوظائف الدينية ، ويعرفه تحريم الزنا واللواط والخمر والكذب والغيبة وشبهها . قال الرافعي : قال الأئمة : يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع بعد سبع سنين وضربهم على تركها بعد عشر سنين ، وأجرة تعليم الفرائض في مال الصبي ، فإن لم يكن له مال فعلى الأب فإن لم يكن فعلى الأم . وهل يجوز أن يعطي أجرة تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من مال الصبي فيه وجهان أصحهما يجوز ، وقد سبق بيان هذا مع ما يتعلق به في مقدمة الكتاب في بيان أقسام العلم . والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن دخل في الصلاة ثم بلغ في أثنائها قال الشافعي رحمه الله : أحببت أن يتم ويعيد ولا يبين لي أن عليه الإعادة قال أبو إسحاق : يلزمه الإتمام ويستحب له أن يعيد ، وقوله : أحببت يرجع إلى الجمع بين الإتمام والإعادة وهو الظاهر من المنصوص ، والدليل عليه أن صلاته صحيحة ، وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلزمه الإتمام ، ولا يلزمه أن يعيد لأنه صلى الواجب بشروطه فلا يلزمه الإعادة وعلى هذا لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره أجزأه ذلك عن الفرض لأنه صلى صلاة الوقت بشروطها فلا يلزمه الإعادة . وحكي عن أبي العباس بن سريج مثل قول أبي إسحاق ، وحكي عنه أنه قال : يستحب الإتمام وتجب الإعادة فعلى هذا لو صلى في أول الوقت وبلغ في آخره لزمه أن يعيد ، لأن ما صلى قبل البلوغ نفل فاستحب إتمامه فيلزمه أن يعيد ، لأنه أدرك وقت الفرض ولم يأت به ، فيلزمه أن يأتي به ، ومن أصحابنا من قال : ان خرج منها ثم بلغ ولم يبق من وقتها ما يمكن قضاؤها فيه لم تلزمه الإعادة ، وأن بقي من وقتها ما يمكنه القضاء فيه لزمه ، وهذا غير صحيح لأنه لو وجبت الإعادة إذا بقي من الوقت قدر الصلاة لوجبت الإعادة إذا أدرك مقدار ركعة . + الشرح : حاصل ما ذكره مسألتان إحداهما : إذا بلغ في أثناء الصلاة بالسن فثلاثة أوجه الصحيح الذي عليه الجمهور وهو ظاهر النص أنه يلزمه اتمام الصلاة ، ويستحب إعادتها ولا يجب . والثاني : يستحب الإتمام وتجب الإعادة . والثالث قاله الاصطخري ولم يذكره المصنف : إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة وجبت الإعادة وإلا فلا . المسألة الثانية : صلى وفرغ منها وهو صبي ثم بلغ في الوقت فثلاثة أوجه الصحيح : تستحب الإعادة ولا تجب . والثاني : تجب سواء قل الباقي من الوقت أم كثر والثالث قاله الاصطخري : إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة بعد بلوغه وجبت الإعادة وإلا فلا . وقد ذكر المصنف توجيه الجميع ، هذا كله في غير الجمعة أما إذا صلى الظهر يوم الجمعة ثم بلغ وأمكنه إدراك الجمعة فإن قلنا في سائر الأيام تجب الإعادة وجبت الجمعة وإلا فوجهان مشهوران حكاهما المصنف في باب صلاة الجمعة ، أحدهما : وبه قال ابن الحداد : يجب أيضا ، لأنه كان مأمورا بالجمعة والصحيح : لا تجب كالمسافر والعبد إذا صليا الظهر ثم زال عذرهما وأمكنهما لا يلزمهما بلا خلاف والله أعلم . فرع : مذهبنا المشهور المنصوص أن الصبي إذا بلغ في أثناء الوقت وقد صلى لا يلزمه الإعادة . وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يلزمه إعادة الصلاة دون الطهارة ، وقال داود : يلزمه إعادة الطهارة والصلاة ، واحتج لأبي حنيفة بأن صلاته وقعت نفلا فلا تنقلب فرضا ، وقياسا على المصلي قبل الوقت . واحتج أصحابنا بأنه أدى وظيفة يومه ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : وقولهم لا تنقلب فرضا نوافقهم عليه فنقول : قد صلى صلاة مثله ووقعت نفلا وامتنع به وجوب الفرض عليه ، لا أنه انقلب فرضا . والجواب عن المصلي قبل الوقت أنه غير مأمور به ولا مندوب إليه ، ولا مأذون فيه بخلاف مسألتنا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فإن كان جاحدا لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لأنه كذب الله تعالى في خبره ، وإن تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل ، وقال المزني يضرب ولا يقتل ، والدليل على أنه يقتل قوله صلى الله عليه وسلم : نهيت عن قتل المصلين ولأنه إحدى دعائم الإسلام لا تدخله النيابة بنفس ولا مال فيقتل بتركها كالشهادتين ، ومتى يقتل فيه وجهان قال أبو سعيد الاصطخري : يقتل بترك الصلاة الرابعة إذا ضاق وقتها فيقال له : إن صليت وإلا قتلناك ، لأنه يجوز أن يكون ما دون ذلك تركها لعذر . وقال أبو إسحاق : يقتل بترك الصلاة الثانية إذا ضاق وقتها ، ويقال له : إن صليت وإلا قتلناك ويستتاب كما يستتاب المرتد لأنه ليس بأكثر من المرتد ، وفي استتابة المرتد قولان ، أحدهما : ثلاثة أيام ، والثاني : يستتاب في الحال فإن تاب وإلا قتل وكيف يقتل المنصوص أنه يقتل ضربا بالسيف . وقال أبو العباس : لا يقصد قتله لكن يضرب بالخشب وينخس بالسيف حتى يصلي أو يموت كما يفعل بمن قصد النفس أو المال ، ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد ، واعتقاده صحيح ، فلم يحكم بكفره ، ومن أصحابنا من قال يكفر بتركها لقوله صلى الله عليه وسلم : بين الكفر والعبد ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر والمذهب الأول والخبر متأول . + الشرح : أما حديث نهيت عن قتل المصلين فرواه أبو داود في سننه في كتاب الأدب في باب حكم المخنثين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال هذا فقالوا : يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع فقالوا : يا رسول الله ألا تقتله فقال : إني نهيت عن قتل المصلين وإسناده ضعيف فيه مجهول والنقيع بالنون وهو الحمى المذكور في باب إحياء الموات ، وروى هذا الحديث البيهقي من رواية عبد الله بن عدي بن الخيار عن عبد الله بن عدي الأنصاري الصحابي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه ، ورواه مرسلا عن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما حديث بين الكفر والعبد ترك الصلاة فصحيح رواه مسلم من رواية جابر بمعناه كما سنذكره في فرع مذاهب العلماء . وأما قول المصنف : ( لأنه إحدى دعائم الإسلام لا تدخله النيابة بنفس ولا مال فيقتل بتركها كالشهادتين ) فالضمير في قوله : ( لأنه ) يعود إلى فرض الصلاة المعلوم من سياق الكلام وإن لم يذكره بلفظه ، والدعائم : القواعد واحدتها : دعامة بكسر الدال وقوله : لا تدخله النيابة بنفس ولا مال احتراز من الزكاة والصوم والحج فإنه لا يقتل بترك واحد منها ولا بتركها كلها . أما حكم الفصل : ففيه مسائل إحداها : إذا ترك الصلاة جاحدا لوجوبها أو جحد وجوبها ولم يترك فعلها في الصورة فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين ويجب على الإمام قتله بالردة إلا أن يسلم ويترتب عليه جميع أحكام المرتدين ، وسواء كان هذا الجاحد رجلا أو امرأة ، هذا إذا كان قد نشأ بين المسلمين ، فأما من كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة من المسلمين بحيث يجوز أن يخفى عليه وجوبها فلا يكفر بمجرد الجحد ، بل نعرفه وجوبها فإن جحد بعد ذلك كان مرتدا فإن قيل : كيف أهمل المصنف هذا القيد وهو كونه نشأ بين المسلمين مع أنه شرط بلا خلاف فالجواب أن في لفظه ما يقتضي اشتراطه ، وهو قوله : ( فإن كان جاحدا ) لأن الجاحد عند أهل اللغة من أنكر شيئا سبق اعترافه به . هكذا صرح به صاحب المجمل وغيره ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء .
فرع : من جحد وجوب صوم رمضان أو الزكاة أو الحج أو نحوها من واجبات الإسلام أو جحد تحريم الزنا أو الخمر ونحوهما من المحرمات المجمع عليها فإن كان مما اشتهر واشترك الخواص والعوام في معرفته كالخمر والزنا فهو مرتد ، وإن كان مجمعا عليه لكن لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ، وتحريم نكاح المعتدة ، وكإجماع أهل عصر على حكم حادثة لم يكفر بجحده لأنه معذور بل نعرفه الصواب ليعتقده ، هذا هو الصحيح في المسألة وفيها زيادة سنوضحها في كتاب الردة إن شاء الله تعالى . المسألة الثانية : من ترك الصلاة غير جاحد قسمان : أحدهما تركها لعذر كنوم ونسيان ونحوهما فعليه القضاء فقط ، ووقته موسع ولا إثم عليه . والثاني : تركها بلا عذر تكاسلا وتهاونا فيأثم بلا شك ويجب قتله إذا أصر وهل يكفر فيه وجهان حكاهما المصنف وغيره ، أحدهما يكفر ، قال العبدري : وهو قول منصور الفقيه من أصحابنا وحكاه المصنف في كتابه في الخلاف عن أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا والثاني : لا يكفر وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور ، وقد ذكر المصنف دليلهما وسنوضحه في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وقال المزني : يحبس ويؤدب ولا يقتل ، وإذا قلنا يقتل فمتى يقتل فيه خمسة أوجه الصحيح يقتل بترك صلاة واحدة إذا ضاق وقتها ، وهذا هو الذي اختاره المصنف في التنبيه ، ولم يذكره هنا . والثاني : إذا ضاق وقت الثانية . والثالث : إذا ضاق وقت الرابعة ، والرابع إذا ترك أربع صلوات . والخامس : إذا ترك من الصلوات قدرا يظهر لنا به اعتياده الترك وتهاونه بالصلاة . والمذهب الأول ، وعلى هذا قال أصحابنا : الاعتبار بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة ، فإذا ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشمس ، وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر . قال الرافعي : هكذا حكاه الصيدلاني ، وتابعه عليه الأئمة . المسألة الثالثة : قال أصحابنا : على الأوجه كلها لا يقتل حتى يستتاب ، وهل تكفي الاستتابة في الحال أم يجب استتابته ثلاثة أيام فيه قولان ، قال صاحب العدة وغيره الأصح أنه في الحال ، والقولان في استحباب الاستتابة على الأصح وقيل في وجوبها . المسألة الرابعة : الصحيح المنصوص عليه في البويطي أنه يقتل بالسيف ضربا للرقبة كما يقتل المرتد وفيه وجه أنه ينخس بحديدة أو يضرب بخشبة ، ويقال له : صل وإلا قتلناك ولا يزال يكرر عليه حتى يصلي أو يموت ، وهذا قول ابن سريج كما حكاه المصنف والأصحاب . فرع : إذا قتل فالصحيح أنه يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويرفع قبره كغيره ، وفيه خلاف سنذكره في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى . فرع : إذا أراد السلطان قتله فقال : صليت في بيتي تركه ، لأنه أمين على صلاته ، صرح به صاحب التهذيب وغيره ، ولو ترك الصلاة وقال : تركتها ناسيا أو للبرد أو لعدم الماء أو لنجاسة كانت علي ونحو ذلك من الأعذار صحيحة كانت الأعذار أم باطلة قال صاحب التتمة : يقال له : صل فإن امتنع لم يقتل على المذهب لأن القتل يستحق بسبب تعمد تأخيرها عن الوقت ، ولم يتحقق ذلك . وفيه وجه أنه يقتل لعناده ، ولو قال : تعمدت تركها ولا أريد فعلها قتل بلا خلاف ، وإن قال : تعمدت تركها بلا عذر ولم يقل ولا أصليها قتل أيضا على الصحيح لتحقق جنايته وفيه وجه أنه لا يقتل ما لم يصرح بترك القضاء . فرع : لو امتنع من فعل الوضوء قتل على الصحيح لأن الصلاة لا تصح إلا به وفيه وجه حكاه الرافعي أنه لا يقتل .
فرع : لو امتنع من صلاة الجمعة وقال : أصليها ظهرا بلا عذر فقد جزم الغزالي في الفتاوى بأنه لا يقتل لأنه لا يقتل بترك الصوم ، فالجمعة أولى لأن لها بدلا وتسقط بأعذار كثيرة ، وتابع الرافعي والغزالي على هذا فحكاه عنه ، واقتصر عليه وجزم الشاشي في فتاويه بأنه يقتل بترك الجمعة وإن كان يصليها ظهرا لأنه لا يتصور قضاؤها ، وليست الظهر قضاء عنها . واختار الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ما قاله الشاشي وبسط القول في أدلته وقرره تقريرا حسنا في فتاويه . فرع : لو امتنع من فعل الصلاة المنذورة لم يقتل . ذكره صاحب البيان أنه يأثم ولا ضمان عليه كقاتل المرتد ، وكذا قال القفال في الفتاوى : أنه لا قصاص فيه قال الرافعي : وليكن هذا جوابا على الصحيح المنصوص في الزاني المحصن أنه لا قصاص في قتله ، قال القفال : فلو جن قبل فعلها لم يقتل في حال الجنون ، فلو قتله إنسان لزمه القصاص ، قال : وكذا لو سكر ، ولو جن المرتد أو سكر فقتله رجل فلا قصاص لقيام الكفر . فرع : في مذاهب العلماء فيمن ترك الصلاة تكاسلا مع اعتقاده وجوبها فمذهبنا المشهور ما سبق أنه يقتل حدا ولا يكفر ، وبه قال مالك والأكثرون من السلف والخلف : وقالت طائفة : يكفر ويجري عليه أحكام المرتدين في كل شيء ، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ، وبه قال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وهو أصح الروايتين عن أحمد ، وبه قال منصور الفقيه من أصحابنا كما سبق . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة والمزني . لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي واحتج لمن قال بكفره بحديث جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ان بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة رواه مسلم بهذا اللفظ ، وهكذا الرواية الشرك والكفر بالواو ، وفي غير مسلم الشرك أو الكفر وأما الزيادة التي ذكرها المصنف وهي قوله : فمن تركها فقد كفر فليست في صحيح مسلم وغيره من الأصول . وعن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه الترمذي والنسائي . قال الترمذي : حديث حسن صحيح وعن شقيق بن عبد الله العقيلي التابعي المتفق على جلالته قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة رواه الترمذي في كتاب الإيمان بإسناد صحيح واحتجوا بالقياس على كلمة التوحيد . واحتج لأبي حنيفة وموافقيه بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزان والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه البخاري ومسلم وهكذا الرواية الزان وهي لغة واللغة الفاشية الزاني بالياء ، وبالقياس عى ترك الصوم والزكاة والحج وسائر المعاصي واحتج أصحابنا على قتله بقول الله تعالى : فاقتلوا المشركين إلى قوله تعالى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم رواه البخاري ومسلم وبحديث نهيت عن قتل المصلين وبالقياس على كلمة التوحيد .
واحتجوا على أنه لا يكفر لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة ، وبالأحاديث الصحيحة العامة كقول صلى الله عليه وسلم : من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة رواه مسلم وأشباهه كثيرة ، ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ، ولو كان كافرا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث . وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه ، وهو وجوب القتل . وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها ، وأما قياسهم فمتروك بالنصوص التي ذكرناها ، والجواب عما احتج به أبو حنيفة أنه عام مخصوص بما ذكرناه ، وقياسهم لا يقبل مع النصوص ، فهذا مختصر ما يتعلق بالمسألة والله أعلم بالصواب . فرع : في الإشارة إلى بعض ما جاء في فضل الصلوات الخمس ، فمن ذلك ما ذكرناه في الفرع قبله ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا : لا يبقى من درنه شيء ، قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا رواه البخاري ومسلم . وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل الصلوات الخمس كمثل نهر غمر على باب أحدكم يغسل منه كل يوم خمس مرات رواه مسلم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم يغش الكبائر رواه مسلم ، وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من صلى البردين دخل الجنة رواه البخاري ومسلم : البردان الصبح والعصر وستأتي جملة من الأحاديث في نحو هذا في أول باب صلاة الجماعة إن شاء الله تعالى . & باب مواقيت الصلاة &
قال المصنف رحمه الله تعالى : أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون للشخص عند الزوال ، والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمني جبريل عليه السلام عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك ، ثم صلى ( بي ) المرة الأخيرة حين كان ظل كل شيء مثليه . + الشرح : حديث ابن عباس رضي الله عنهما أصل في المواقيت وقد ذكره المصنف مقطعا ، والوجه أن نذكره هنا بكماله ونضم إليه الأحاديث التي هي أصول المواقيت . عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى الظهر في المرة الأولى حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظليه ، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم ، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس ، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه ، ثم صلى المغرب لوقته الأول ، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض ، ثم التفت إلي جبريل فقال : يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك ، والوقت فيما بين هذين الوقتين رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من أصحاب السنن والحاكم أبو عبد الله في المستدرك ، وقال : هو حديث صحيح ، وقال الترمذي : حديث حسن وهذا المذكور لفظ رواية الترمذي ، ولفظ الباقين بمعناه . وروى حديث امامة جبريل جماعة من الصحابة غير ابن عباس وليس في هذه الكتب المشهور قوله في المهذب : عبد باب البيت إنما فيها عند البيت ثم رواه الترمذي من رواية جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمني جبريل قال فذكر نحو حديث ابن عباس بمعناه ، قال الترمذي : حديث ابن عباس حسن ، قال : وقال محمد يعني البخاري أصح شيء في المواقيت حديث جابر . وعن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال : صل معنا هذين يعني اليومين ، فلما زالت الشمس أمر بلالا رضي الله عنه فأذن ثم أمره فأقام الظهر ، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر ، فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد الظهر فأبرد بها فأنعم أن يبرد بها ، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ، ثم قال : أين السائل عن وقت الصلاة فقال الرجل : أنا يا رسول الله قال : وقت صلاتكم بين ما رأيتم رواه مسلم ، وفي رواية له قال في المغرب في اليوم الثاني ثم أمره بالإقامة للمغرب قبل أن يرتفع الشفق .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا ، قال : فأقام الفجر حين انشق الفجر ، والناس لا يكادون يعرف بعضهم بعضا ، ثم أمره فأقام بالظهر حتى زالت الشمس ، والقائل يقول : قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم ، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها ، والقائل يقول : قد طلعت الشمس أو كادت ، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس ، ثم أخر العصر حتى انصرف منها ، والقائل يقول : قد احمرت الشمس ، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ، ثم أصبح فدعا السائل فقال : الوقت ما بين هذين رواه مسلم ، والأحاديث في الباب كثيرة سنذكرها في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى . وقوله صلى الله عليه وسلم : أمني جبريل هو الملك الكريم رسول الله تعالى إلى رسله الآدميين صلوات الله وسلامه عليهم ، وفيه تسع لغات حكاها ابن الأنباري وحكاها عنه أيضا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي في كتاب المعرب ، وهي جبريل وجبريل بكسر الجيم وفتحها ، وجبرئيل بفتح الجيم وهمزة بعد الراء وتشديد اللام وجبرائيل بهمزة ثم ياء مع الألف وجبراييل بياءين بعد الألف وجبرئيل بهمزة بعد الراء وياء وجبرئيل بكسر الهمزة وتخفيف اللام وجبرين وجبرين بكسر الجيم وفتحها . قال جماعات من المفسرين : وحكاه صاحب المحكم والجوهري وغيرهما من أهل اللغة في جبريل وميكائيل : أن جبر وميك اسمان أضيفا إلى إيل وال ، قالوا : وايل وال اسمان لله تعالى ، قالوا : ومعنى جبر وميك بالسريانية عبد ، فتقديره عبد الله . قال أبو علي الفارسي : هذا خطأ من وجهين : أحدهما : أن ايل وال لا يعرفان في أسماء الله في اللغة العربية . والثاني : أنه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية ، ولكان آخره مجرورا أبدا كعبد الله . قال الواحدي : هذا الذي قاله أبو علي أراد به أنه ليس هذا في العربية . قال : وقد قال بالأول جماعة من العلماء قلت : الصواب قول أبي علي فإن ما أدعوه لا أصل له والله أعلم . وأما لفظ الظهر فمشتق من الظهور لأنها ظاهرة في وسط النهار ، وقوله صلى الله عليه وسلم : والفيء مثل الشراك هو بكسر الشين وهو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها ، وليس الشراك هنا للتحديد والاشتراط ، بل لأن الزوال لا يبين بأقل منه ، وأما الظل والفيء فقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في أوائل أدب الكاتب : يتوهم الناس أن الظل والفيء بمعنى ، وليس كذلك ، بل الظل يكون غدوة وعشية ومن أول النهار إلى آخره . ومعنى الظل الستر . ومنه قولهم : أنا في ظلك ومنه : ظل الجنة وظل شجرها إنما سترها ونواحيها ، وظل الليل سواده لأنه يستر كل شيء ، وظل الشمس ما سترته الشخوص من مسقطها . قال : وأما الفيء فلا يكون إلا بعد الزوال ، ولا يقال له قبل الزوال فيء ، وإنما سمي بعد الزوال فيئا لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب ، أي رجع والفيء الرجوع . هذا كلام ابن قتيبة ، وهو كلام نفيس ، وقد أوضحت هذه الألفاظ في تهذيب الأسماء واللغات وبالله التوفيق .
أما أحكام المسألة : فأجمعت الأمة على أن وقت الظهر زوال الشمس ، نقل الإجماع فيه خلائق ، ودليله الأحاديث السابقة ، والمراد بالزوال ما يظهر لنا لا الزوال في نفس الأمر ، فإن ذلك يتقدم على ما يظهر ، ولكن لا اعتبار بذلك وإنما يتعلق التكليف ويدخل الوقت بالزوال الذي يظهر لنا ، فلو شرع في تكبيرة الإحرام بالظهر قبل ظهور الزوال ، ثم ظهر عقبها أو في أثنائها لم تصح الظهر ، وإن كانت التكبيرة حاصلة بعد الزوال في نفس الأمر لكن قبل ظهوره لنا . ذكره إمام الحرمين وغيره . قالوا : وأما قبل ظهور الظل فهو معدود من وقت الاستواء . قال : وكذا الصبح ولو اجتهد فيها وطلع الفجر بحيث علم وقوعها بعد طلوعه لكن في وقت لا يتصور أن يبين الفجر للناظر لم تصح الصبح ، والله أعلم . وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون له عند الزوال ، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلا به ولا اشتراك بينهما ، هذا مذهبنا وبه قال الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد . وقال عطاء وطاوس : إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر وما بعده وقت للظهر والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس وقال إسحاق بن راهويه وأبو ثور المزني و ابن جرير : إذا صار ظله مثله فقدر أربع ركعات بعده وقت للظهر والعصر ، ثم يتمحض الوقت للعصر . وقال مالك : إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر بالاشتراك ، فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر . وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس . وقال أبو حنيفة : يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين ، فإذا زاد على ذلك يسيرا كان أول وقت العصر . قال القاضي أبو الطيب : قال ابن المنذر : لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة ، واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس المذكور قالوا : فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في الأول وعن ابن عباس أيضا قال : جمع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من غير خوف ولا سفر رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم : من غير خوف ولا مطر فدل على اشتراكهما قالوا : ولأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني وللاختيار فينبغي أن يزاد وقت الظهر . واحتج أصحابنا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول ، ثم إذا صليتم الظهر فإنه وقت إلى أن تحضر العصر ، فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس ، فإذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أنه يسقط الشفق ، فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل رواه مسلم من طرق كثيرة وفي بعضها : وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر . واحتجوا أيضا بحديث أبي موسى السابق عن صحيح مسلم قال فيه في صلاة الظهر في اليوم الثاني : ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس ، ثم قال في آخره : الوقت ما بين هذين وهذا نص في أن وقت الظهر لا يمتد وراء ذلك فيلزم منه عدم الاشتراك ، وبحديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى رواه مسلم في جملة حديث طويل واحتجوا بأحاديث كثيرة منها ما لا يحتج به وبأقيسة لا حاجة إليها مع هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة .
وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : صلى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل الشيء مثله وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله فمعناه بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله ، وبهذا التفسير يحصل بيان أول وقت العصر وآخر وقت الظهر ولو حمل على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر وقت الظهر ولفات بيانه وقد قال في آخر الحديث : الوقت بين هذين قال الشيخ أبو حامد : ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في العصر فتأولناها على أنه ابتدأ حينئذ وبقيت الظهر على حقيقته ، ونظير ما تأولنا عليه لفظ الحديث قول الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن وقال تعالى : فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن المراد بالبلوغ الأول مقارنته وبالتالي حقيقة انقضاء الأجل ، ويقال : بلغ المسافر البلد إذا انتهى إليه وإن لم يدخله وبلغه إذا دخله . وأما الجواب عن الجمع بالمدينة فمن وجهين أحدهما : أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها ، وقدم العصر في أول وقتها فصار صورته صورة جمع وليس بجمع ، وعلى هذا التأويل حمله إمامان تابعيان من رواته وهما : أبو الشعثاء جابر بن زيد راويه عن ابن عباس ، والآخر عمرو بن دينار ثبت ذلك عنهما في صحيح مسلم وغيره والثاني : أنه جمع بعذر : إما بمطر وإما مرض عند من يقول به كما سنوضحه في باب صلاة المسافر إن شاء الله تعالى ، وأما قولهم : زيد في الصلاة على بيان جبريل فتلك الزيادات ثبتت بنصوص ولا نص هنا في الزيادة ولا مدخل للقياس . واحتج لأبي حنيفة بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر فعجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين فقال أهل الكتاب : أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن أكثر عملا قال الله تعالى : هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا : لا . قال : فهو فضلي أوتيه من أشاء رواه البخاري ومسلم قالوا : فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر . ومن حيث يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار وليس بأقل من وقت الظهر ، بل هو مثله ، واحتجوا بأقيسة ومناسبات لا أصل لها ولا مدخل لها في الأوقات . واحتج أصحابنا عليهم بحديث ابن عباس وهو صحيح كما سبق واحتجوا بأحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما في دلالة بعضها نظر ويغني عنها حديث ابن عباس . وأوجز إمام الحرمين في الأساليب فقال : عمدتنا حديث جبريل ، ولا حجة للمخالف إلا حديث ساقه النبي صلى الله عليه وسلم مساق ضرب الأمثال ، والأمثال مظنة التوسعات والمجاز ، ثم التأويل متطرق إلى حديثهم ولا يتطرق إلى ما اعتمدناه تأويل ولا مطمع في القياس من الجانبين . هذا كلام الإمام ، وأجاب الأصحاب عن حديث ابن عمر بأربعة أجوبة أحدها : جواب إمام الحرمين المذكور الثاني : أن المراد بقولهم : أكثر عملا أن مجموع عمل الفريقين أكثر والثالث : أن ما بعد صلاة العصر مع التأهب لها بالأذان والإقامة والطهارة وصلاة السنة أقل مما بين العصر ونصف النهار الرابع : حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه عن أبي سعيد الاصطخري قال : كثرة العمل لا يلزم منها كثرة الزمان فقد يعمل الإنسان في زمن قصير أكثر مما يعمل غيره في زمن مثله أو أطول منه .
فرع : للظهر ثلاثة أوقات وقت فضيلة ووقت اختيار ووقت عذر . فوقت الفضيلة أوله وسيأتي بيان الخلاف فيما تحصل به فضيلة أول الوقت إن شاء الله تعالى حيث تعرض له المصنف ، ووقت الاختيار ما بعد وقت الفضيلة إلى آخر الوقت ، ووقت العذر وقت العصر في حق من يجمع بسفر أو مطر ، هكذا قال الأكثرون : إن أوقات الظهر ثلاثة كما ذكرنا ، وقال القاضي حسين : لها أربعة أوقات وقت فضيلة ووقت اختيار ووقت جواز ووقت عذر . فوقت الفضيلة إذا صار ظل الشيء مثل ربعه والاختيار إذا صار مثل نصفه والجواز إذا صار ظله مثله وهو آخر الوقت والعذر وقت العصر لمن جمع بسفر أو مطر . فرع : بدأ المصنف بصلاة الظهر كما بدأ الشافعي والأصحاب تأسيا بإمامة جبريل عليه السلام فإنه بدأ بالظهر كما سبق . وقال البندنيجي : بدأ الشافعي في الجديد بالظهر وفي القديم بالصبح ، قال : وعليه كل الفقهاء ، فإن قيل : كيف بدأ بالظهر والإسراء كان في الليل ووجبت الصلوات الخمس في الليل فأول صلاة تحضر بعد ذلك هي الصبح ، فالجواب أن ذلك محمول على أنه نص على أن أول وجوب الخمس من الظهر والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : إذا زالت الشمس وجبت الظهر ، ويستحب فعلها حينئذ ، ولا ينتظر بها مصير الفيء مثل الشراك . وحكى الساجي عن الشافعي رحمه الله أنه يستحب ذلك ولا يجب ، وليس بشيء ، قال : ومن الناس من قال : لا يجوز أن يصلي حتى يصير الفيء مثل الشراك ، لحديث جبريل عليه السلام . وحكى القاضي أبو الطيب هذا في تعليقه عن بعض الناس قال : وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء وخلاف الأحاديث دليلنا حديث أبي موسى السابق وحديث ابن عمرو بن العاص السابق قريبا وقت الظهر إذا زالت الشمس وأما حديث جبريل فالمراد به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك من ورائه لا أنه أخر إلى أن صار مثل الشراك . فرع في معرفة الزوال قال أصحابنا رحمهم الله : الزوال هو ميل الشمس عن كبد السماء بعد انتصاف النهار ، وعلامته زيادة الظل بعد تناهي نقصانه ، وذلك أن ظل الشخص يكون في أول النهار طويلا ممتدا ، فكلما ارتفعت الشمس نقص ، فإذا انتصف النهار وقف الظل ، فإذا زالت الشمس عاد الظل إلى الزيادة فإذا أردت أن تعلم هل زالت فانصب عصا أو غيرها في الشمس على أرض مستوية وعلم على طرف ظلها ثم راقبه فإن نقص الظل علمت أن الشمس لم تزل ، ولا تزال تراقبه حتى يزيد فمتى زاد علمت الزوال حينئذ . قال أصحابنا : ويختلف قدر ما يزول عليه الشمس من الظل باختلاف الأزمان والبلاد ، فأقصر ما يكون الظل عند الزوال في الصيف عند تناهي طول النهار ، وأطول ما يكون في الشتاء عند تناهي قصر النهار . ونقل القاضي أبو الطيب أن أبا جعفر الراسبي قال في كتاب المواقيت : إن عند انتهاء طول النهار في الصيف لا يكون بمكة ظل لشيء من الأشخاص عند الزوال لستة وعشرين يوما قبل انتهاء الطول وستة وعشرين يوما بعد انتهائه وفي هذه الأيام متى لم ير للشخص ظل فإن الشمس لم تزل فإذا رأى الظل بعد ذلك فإن الشمس قد زالت وباقي أيام السنة معرفة الزوال بمكة كمعرفتها بغيرها ونقل الشيخ أبو حامد في تعليقه أنه إنما لا يكون للإنسان فيء بمكة عند الزوال في يوم واحد في السنة لا غير والله أعلم . قال أصحابنا : قامة الإنسان ستة أقدام ونصف بقدم نفسه . فرع : في قوله الله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل أما غسق الليل فظلامه . وأما الدلوك فاختلف فيه أهل التفسير والفقه واللغة ، فقال الشافعي في البويطي وأصحابنا : هو زوال الشمس .
وهو قول ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبي بردة وعائشة والحسن البصري . وقال أبو حنيفة : هو الغروب ، وهو مروي عن علي وابن مسعود وابن زيد ، وهما قولان مشهوران في كتب أهل التفسير واللغة وممن حكاهما من أهل اللغة ابن قتيبة والأزهري والجوهري وآخرون ، وجزم الزبيدي في مختصر العين وابن فارس بأنه الزوال واختاره الأزهري والجوهري ، واختار ابن قتيبة الغروب والله أعلم ، وفائدة الخلاف أن الظهر هل تجب بأول الوقت أم لا ومذهبنا الوجوب وأبو حنيفة بخلافه وسيأتي مبسوطا إن شاء الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأول وقت العصر إذا صار صار ظل كل شيء مثله وزاد أدنى زيادة وآخره إذا صار ظل كل شيء مثليه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وصلى ( بي ) جبريل العصر حين صار ظل كل شيء مثل ظله ثم صلى ( بي ) المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثليه ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز والأداء إلى غروب الشمس . وقال أبو سعيد الاصطخري : إذا صار ظل كل شيء مثليه فأتت الصلاة ، ويكون ما بعده وقت القضاء ، والمذهب الأول لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس التفريط في النوم ، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى . + الشرح : حديث ابن عباس صحيح سبق بيانه ، وحديث أبي قتادة صحيح أيضا رواه أبو داود بهذا اللفظ بإسناد صحيح على شرط مسلم ، وروى مسلم في صحيحه بمعناه قال : ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى واليقظة بفتح الياء والقاف ، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي وقيل النعمان بن ربعي ، وقيل عمرو بن ربعي والصحيح الأول ، وهو أنصاري سلمى بفتح السين واللام مدني ، يقال له : فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف في شهوده بدرا . توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنة رضي الله عنه . أما حكم المسألة : فمذهبنا أنه يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون له عند الزوال ، وهو إذا انقضى وقت الظهر ولا اشتراك بينهما ولا فاصل بينهما هذا مذهبنا وسبق بيان مذاهب العلماء في ذلك . وأما قول المصنف وزاد أدنى زيادة فكذا نص عليه الشافعي في مختصر المزني ، وكذا ذكره الشيخ أبو حامد و الماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وجماهير العراقيين و المتولي وآخرون من الخراسانيين . وقال صاحب الذخائر : اختلف أصحابنا في هذه الزيادة على ثلاثة أوجه : أحدها : أنها لبيان انتهاء الظل إلى المثل وإلا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول المثل ، فعلى هذا تكون الزيادة من وقت العصر والثاني : أنها من وقت الظهر وإنما تدخل العصر عقبها قال وهذا ظاهر كلام الشافعي والعراقيين وعليه كثير من الأصحاب ، والثالث : أنها ليست من وقت الظهر ولا من وقت العصر بل هي فاصل بين الوقتين ، هذا ما حكاه في الذخائر وهذا الثالث ليس بشيء لقوله صلى الله عليه وسلم : وقت العصر ما لم تحضر العصر فدل على أنه لا فاصل بينهما والأصح أنها من وقت العصر وبه قطع القاضي حسين وآخرون ونقل الرافعي الاتفاق عليه . . وآما آخر وقت العصر فهو غروب الشمس ، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب ، وقال أبو سعيد الاصطخري : آخره إذا صار ظل الشيء مثليه ، فإن أخر عن ذلك أثم وكانت قضاء ، قال الشيخ أبو حامد : هذا الذي قاله الاصطخري لم يخرجه على أصل الشافعي ، لأن الشافعي نص في القديم والجديد أن وقتها يمتد حتى تغرب الشمس ، إنما هو اختيار لنفسه وهو خلاف نص الشافعي والأصحاب ، واستدل بحديث جبريل ، ودليل المذهب حديث أبي قتادة السابق وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر رواه البخاري ومسلم .
وحديث أبي موسى الذي ذكرته في أول الباب عن صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول : قد احمرت الشمس . وأما حديث جبريل فإنما ذكر في وقت الاختيار لا وقت الجواز . بدليل الأحاديث الصحيح التي ذكرتها . وهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث ، ولأن هذه الأحاديث متأخرة عن حديث جبريل ، فيكون العمل عليها ، ولأنها أصح منه بلا خلاف بين أهل الحديث ، وإن كان هو أيضا صحيحا ، ولأن الحائض وغيرها من أهل الأعذار إذا زال عذرهم قبل غروب الشمس بركعة لزمتهم العصر بلا خلاف ، ولو كان الوقت قد خرج لم يلزمهم وهذا الإلزام حسن ذكره إمام الحرمين وغيره . وقد قال الغزالي في درسه : أن الاصطخري يحمل حديث من أدرك ركعة من العصر على أصحاب الأعذار . فرع : قال القاضي حسين والصيدلاني وإمام الحرمين و الروياني وغيرهم : للعصر خمسة أوقات : وقت فضيلة ، ووقت اختيار ، ووقت جواز بلا كراهة ، ووقت جواز وكراهة ، ووقت عذر . فالفضيلة من أول الوقت إلى أن يصير ظل الشخص مثله ونصف مثله ، ووقت الاختيار إلى أن يصير مثلين . والجواز بلا ركاهة إلى اصفرار الشمس ، والجواز مع الكراهة حال الاصفرار حتى تغرب والعذر وقت الظهر لمن جمع بسفر أو مطر . وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن الشافعي وغيره من العلماء كراهة تأخير العصر . ودليل الكراهة حديث أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تلك صلاة المنافقين ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا رواه مسلم ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن وقت الاختيار للعصر يمتد إلى مصير ظل كل شيء مثليه . وبه قال جماهير العلماء . وقال أبو حنيفة : يمتد إلى اصفرار الشمس .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس ، لما روي : ان جبريل عليه السلام صلى المغرب حين غابت ( الشمس ) وأفطر الصائم وليس لها إلا وقت واحد ، وهو بقدر ما يتطهر ويستر العورة ويؤذن ويقيم الصلاة ويدخل فيها فإن أخر الدخول عن هذا الوقت أثم لما روى ابن عباس أن جبريل عليه السلام صلى المغرب في المرة الأخيرة كما صلاها في المرة الأولى ولم يغير . ولو كان لها وقت آخر لبين كما بين سائر الصلوات ، فإن دخل فيها في وقتها ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أن له أن يستديمها إلى غيبوية الشفق ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الأعراف في صلاة المغرب والثاني لا يجوز ( له ) أن يستديمها أكثر من قدر ثلاث ركعات لأن جبريل صلى ثلاث ركعات والثالث : ( أن ) له أن يصلي مقدار أول الوقت في سائر الصلوات لأنه لا يكون مؤخرا في هذا القدر ويكون مؤخرا فيما زاد عليه ويكره أن يسمي صلاة المغرب في العشاء لما روى عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاة المغرب وتقول الأعراب هي العشاء . + الشرح : حديث جبريل عليه السلام صحيح سبق بيانه ، وحديثه الآخر هو تمام الأول ، وحديث عبد الله بن مغفل صحيح أيضا رواه البخاري ، والأعراب سكان البادية ، وحديث قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالأعراف في المغرب صحيح رواه البخاري بمعناه ، فرواه عن مروان بن الحكم قال : قال لي زيد بن ثابت : ما لك تقرأ في المغرب بقصار وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بأطول الطوليين هذا لفظ البخاري ، وفي رواية النسائي وإسنادها صحيح عن زيد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بأطول الطولين ، ألمص . وأما مغفل فبضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء ، وكنية عبد الله بن مغفل أبو سعيد ، وقيل أبو عبد الرحمن ، وقيل أبو زياد المزني ممن بايع بيعة الرضوان سكن المدينة ثم البصرة وبها توفي سنة ستين ، وكان من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم . أما حكم المسألة : فأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وتكامل غروبها وهذا لا خلاف فيه ، نقل ابن المنذر وخلائق لا يحصون الاجماع فيه . قال أصحابنا : والاعتبار سقوط قرصها بكماله ، وذلك ظاهر في الصحراء ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : ولا نظر بعد تكامل الغروب إلى بقاء شعاعها بل يدخل وقتها مع بقائه ، وأما في العمران وقلل الجبال فالاعتبار بألا يرى شيء من شعاعها على الجدران وقلل الجبال ، ويقبل الظلام من المشرق . وأما آخر وقت المغرب نص الشافعي رحمه الله في كتبه المشهورة الجديدة والقديمة أنه ليس لها إلا وقت واحد وهو أول الوقت ، ونقل أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين ، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق ، هكذا نقله عنه القاضي أبو الطيب وغيره . قال القاضي : والذي نص عليه الشافعي في كتبه أنه ليس لها إلا وقت واحد وهو أول الوقت ، وقال صاحب الحاوي : حكى أبو ثور عن الشافعي في القديم أن لها وقتين يمتد ثانيهما إلى مغيب الشفق . وقال فمن أصحابنا من جعله قولا ثانيا ، قال : وأنكره جمهورهم لأن الزعفراني وهو أثبت أصحاب القديم حكى عن الشافعي أن للمغرب وقتا واحدا .
واختلف أصحابنا المصنفون في المسألة على طريقين ، أحدهما : القطع بأن لها وقتا فقط ، وبهذا قطع المصنف هنا والمحاملي وآخرون من العراقيين ، ونقله صاحب الحاوي عن الجمهور كما سبق والطريق الثاني : على قولين ، أحدهما هذا ، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق وله أن يبدأ بالصلاة في كل وقت من هذا الزمان ، وبهذا الطريق قطع المصنف في التنبيه وجماعات من العراقيين وجماهير الخراسانيين وهو الصحيح ، لأن أبا ثور ثقة امام ، ونقل الثقة مقبول ولا يضره كون غيره لم ينقله ، ولا كونه لم يوجد في كتب الشافعي ، وهذا مما لا شك فيه ، فعلى هذا الطريق اختلف في أصح القولين ، فصحح جمهور الأصحاب القول الجديد ، وهو أنه ليس لها إلا وقت واحد ، وصحح جماعة القديم ، وهو أن لها وقتين ، ممن صححه من أصحابنا أبو بكر بن خزيمة وأبو سليمان الخطابي وأبو بكر البيهقي والغزالي في إحياء علوم الدين وفي درسه والبغوي في التهذيب ، ونقله الروياني في الحلية عن أبي ثور والمزني وابن المنذر وأبي عبد الله الزبيري ، قال : وهو المختار ، وصححه أيضا العجلي والشيخ أبو عمرو بن الصلاح . قلت : هذا القول هو الصحيح لأحاديث صحيحة ، منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وقت المغرب ما لم يغب الشفق وفي رواية وقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق وفي رواية وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق رواه مسلم بهذه الألفاظ كلها ، وقوله : ثور الشفق هو بالثاء المثلثة أي ثورانه وفي رواية أبي داود فور الشفق بالفاء وهو بمعنى ثوره . وعن أبي موسى الأشعري في بيان النبي صلى الله عليه وسلم للسائل عن مواقيت الصلاة قال : ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق رواه مسلم ، وقد سبق بطوله ، وعن بريدة : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق رواه مسلم ، وقد سبق بطوله . وعن أبي قتادة في حديثه السابق ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى رواه مسلم وسبق بيانه فإذا عرفت الأحاديث الصحيحة تعين القول به جزما لأن الشافعي نص عليه في القديم كما نقله أبو ثور وعلق الشافعي القول به في الإملاء على ثبوت الحديث ، وقد ثبت الحديث بل أحاديث ، الإملاء من كتب الشافعي الجديدة ، فيكون منصوصا عليه في القديم والجديد ، وهذا كله مع القاعدة العامة التي أوصى بها الشافعي رحمه الله أنه إذا صح الحديث خلاف قوله يترك قوله ويعمل بالحديث ، وأن مذهبه ما صح فيه الحديث ، وقد صح الحديث ولا معارض له ، ولم يتركه الشافعي إلا لعدم ثبوته عنده ، ولهذا علق القول به في الإملاء على ثبوت الحديث وبالله التوفيق . وأما حديث صلاة جبريل عليه السلام في اليومين في وقت فجوابه من ثلاثة أوجه أحسنها وأصحها : أنه إنما أراد بيان وقت الاختيار لا وقت الجواز فهكذا هو في أكثر الصلوات وهي العصر والعشاء والصبح وكذا المغرب . والثاني : أن حديث جبريل مقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث متأخرة بالمدينة فوجب تقديمها في العمل .
الثالث : أن هذه الأحاديث أقوى من حديث جبريل لوجهين أحدهما : أن رواتها أكثر والثاني : أنها أصح إسنادا ، ولهذا خرجها مسلم في صحيحه دون حديث جبريل ، وهذا لا شك فيه ، فحصل أن الصحيح المختار أن للمغرب وقتين يمتد ما بينهما إلى مغيب الشفق ، ويجوز ابتداؤها في كل وقت من هذا ، فعلى هذا لها ثلاثة أوقات : وقت فضيلة واختيار وهو أول الوقت ، والثاني : وقت جواز وهو ما لم يغب الشفق ، والثالث : وقت عذر وهو وقت العشاء في حق من جمع لسفر أو مطر وهذا الذي ذكرناه من أن وقت الفضيلة ووقت الاختيار واحد وهو أول الوقت هو الصواب ، وبه قطع المحققون . وقال القاضي حسين والبغوي : على هذا يكون النصف الأول مما بين أول الوقت ومغيب الشفق وقت اختيار . والنصف الثاني : وقت جواز ، وهذا ليس بشيء ويكفي في رده حديث جبريل ، وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم كراهة تأخير المغرب . وأما إذا قلنا : ليس للمغرب إلا وقت واحد فهو إذا غربت الشمس ومضى قدر طهارة وستر العورة وأذان وإقامة وخمس ركعات ، هذا هو الصحيح ، وبه قطع الخراسانيون ، وقيل : يعتبر ثلاث ركعات للفرض فقط ، وبهذا قطع المصنف وآخرون من العراقيين ، وادعى الروياني أنه ظاهر المذهب ، وليس كما ادعى . وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه وجها أنه لا يتقدر بالصلاة بل بالعرف فمتى أخر عن المتعارف في العادة خرج الوقت ، وهذا قوي ، ولكن المشهور اعتبار خمس ركعات منها ركعتان للسنة فكيف يقال : إن السنة تكون مقضية فإذا مضى هذا القدر فقد انقضى الوقت وما يمكن تقديمه على الغروب كالطهارة ، والستر لا يجب تقديمه ولكن يستحب ، وفيه وجه أنه يجب تقديم ما يمكن تقديمه وهو الوضوء والستر دون التيمم والأذان والإقامة ووضوء المستحاضة ومن في معناها . حكاه القاضي حسين والمتولي وغيرهما وهو شاذ والصواب الأول ، والمعتبر في كل ذلك الوسط المعتدل بلا إطالة ولا استعجال ، هكذا أطلق الجمهور . قال القفال : تعتبر هذه الأمور متوسطة لا طويلة ولا قصيرة لكن يعتبر في حق كل إنسان فعل نفسه لأنهم يختلفون في ذلك فبعضهم خفيف الحركات والجسم والقراءة وبعضهم عكسه ، قال جماعة من الخراسانيين ويحتمل مع ذلك أيضا أكل لقم يكسر بها حدة الجوع ، هكذا قالوا . والصواب أنه لا ينحصر الجواز في لقم ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن عشائكم فإن أخر الدخول فيها عن هذا القدر المذكور أثم وصارت قضاء ، وإن لم يؤخر بل دخل فيها في هذا الوقت فهل له أن يمدها ويستديمها فيه ثلاثة أوجه مشهورة حكاها المصنف والمحاملي وآخرون قال البندنيجي : هذه الأوجه حكاها أبو إسحاق المروزي في الشرح ، وقد ذكر المصنف أدلتها أحدها : لا يجوز ، والثاني : يجوز استدامتها إلى القدر الذي يتمادى إليه فضيلة أول الوقت في سائر الصلوات ، والثالث : وهو الصحيح يجوز استدامتها إلى مغيب الشفق صححه أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد و المحاملي والجرجاني وآخرون وقطع به المصنف في التنبيه و المحاملي في المقنع ودليله حديث قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب الأعراف وهو صحيح كما سبق ، وفي رواية النسائي قرأ بالأعراف فرقها في الركعتين وهذا يمنع تأويل من قال : قرأ ببعضها والله أعلم .
فرع : أنكر الشيخ أبو حامد على أصحابنا المتقدمين وغيرهم قولهم : هل للمغرب وقت أم وقتان وقال : عبارتهم هذه غلط قال : بل للصلوات كلها وقت واحد ولكن المغرب يقصر وقتها وغيرها يطول ، وأجاب الشيخ أبو علي السنجي عن هذا الإنكار وقال في كتابه شرح التلخيص : ليس المراد بقولنا : للصبح وغيرها وقتان أن يكون وقتان منفردين ولكن وقت واحد له أول وآخر كالصبح وقتها : أول طلوع الفجر ، ووقتها الثاني ما لم تطلع الشمس ، وحينئذ لا إنكار على طائفة اصطلحت على هذا . فرع : قال القاضي حسين : إن قيل كيف قلتم للمغرب وقت واحد على الجديد مع أنه يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب بالسفر والمطر ، ومن شرط الجمع وقوع الصلاتين في إحداهما فالجواب من وجهين أحدهما : أنه لا يشترط وقوع الصلاتين في وقت إحداهما ، إنما يشترط وقوع إحداهما عقب الأخرى والثاني : أن وقت المغرب بعد الطهارة ونحوها قدر خمس ركعات للفريضة والسنة ، وهذا القدر يمكن فيه صلاة المغرب والعشاء مقصورة وكذا تامة تفريعا على الأصح أن الصلاة التي يقع بعضها خارج الوقت أداء ، هذا كلام القاضي والسؤال قوي ، والجوابان ضعيفان ، أما الأول فينتقض بمن جمع بين الظهر والعصر في آخر وقت العصر بحيث وقعت الظهر قبل غروب الشمس والعصر بعد الغروب . فإن قيل : المراد بالجمع جمع التقديم ، قلنا : إنما صحت الظهر والعصر في آخر وقت الظهر بحيث وقعت العصر في وقتها لأن الوقت قابل لها بخلاف المغرب والعشاء ، فإن بعد خروج وقت المغرب لا يصلح الوقت للعشاء على قوله الجديد فينبغي أن لا يصح ، وقد صحت بالاتفاق ، فدل على امتداد الوقت . وأما الجواب الثاني : فظاهر الفساد أيضا فإنه لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يجمعون بحيث يقع بعض الصلاة الثانية لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية ، ولأنه إذا جمع في وقت المغرب جاز القصر بلا خلاف ولو كان كما قال القاضي لكان في صحة القصر خلاف بناء على أن الصلاة التي يقع بعضها خارج الوقت أداء أم قضاء ، وبناء على المقضية في السفر ، فظهر بما قلناه أن الصحيح امتداد وقت المغرب والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في وقت المغرب : قد ذكرناه إجماعهم على أن أول وقتها غروب الشمس وبينا المراد بالغروب ، وحكى الماوردي وغيره عن الشيعة أنهم قالوا : لا يدخل وقتها حتى يشتبك النجوم والشيعة لا يعتد بخلافهم ، وأما آخر وقتها فقد ذكرنا أن المشهور في مذهبنا أن لها وقتا واحدا وهو أول الوقت وأن الصحيح أن لها وقتين يمتد ثانيهما إلى غروب الشفق . وممن قال بالوقتين أبو حنيفة والثوري وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود وابن المنذر ، وممن قال بوقت واحد الأوزاعي ، ونقله أبو علي السنجي في شرح التلخيص عن أبي يوسف ومحمد وأكثر العلماء ، وعن مالك ثلاث روايات الصحيحة منها وهي المشهور في كتب أصحابه وأصحابنا أنه ليس لها إلا وقت واحد ولم ينقل ابن المنذر عنه غيرها ، والثانية : وقتان إلى مغيب الشفق ، والثالثة : يبقى إلى طلوع الفجر ، ونقله ابن المنذر عن طاوس وعطاء ، وقد سبقت دلائل المسألة وقد يستدل للشيعة بحديث يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى المغرب عند اشتباك النجوم ودليلنا حديث جبريل عليه السلام ، وحديث أبي موسى وبريدة أنه صلى المغرب حين غربت الشمس ، وهي أحاديث صحيحة كما سبق .