Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Bölüm V02/P081

ذكر أحكام المحبة ووصف أهلها وهو المقام التاسع من مقامات اليقين

Bölüm V02/P081–V02/P082

المحبة من أعلى مقامات العارفين ، وهي إيثار من الله تعالى لعباده المخلصين ومعها نهاية الفضل العظيم ، قال الله جلت قدرته : ( يحبهم ويحبونه ) المائدة : 54 ثم قال تعالى : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) الحديد : 21 وهذا الخبر متصل بالابتداء في المعنى لأن الله تعالى وصف المؤمنين المحبين بفضله عليهم ، وما اعترض بينهما من الكلام فهو نعت المحبوبين ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما كان الله ليعذب حبيبه بالنار ، وقال الله عز وجل مصداق قول نبيه عليه السلام ، ردا على من ادعى محبته واحتجاجا عليهم : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ) المائدة : 18 وقال زيد بن أسلم : إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول : اصنع ماشئت فقد غفرت لك ، وروينا عن إسماعيل بن أبان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، ثم تلا : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وقد اشترط الله للمحبة غفران الذنوب بقوله تعالى : ( يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) آل عمران : 31 فكل مؤمن بالله فهو محب لله ، ولكن محبته على قدر إيمانه ، وكشف مشاهدته وتجلي المحبوب له على وصف من أوصافه ، دليل ذلك استجابتهم له بالتوحيد والتزام أمره وتسليم حكمه ، ثم تفاوتهم في مشاهدات التوحيد ، وفي دوام الالتزام للأوامر وفي تسليم الأحكام ، فليس ذلك يكون إلا عن محبة ، وإن تفاوت المحبون على حسب أقسامهم من المحبوب ، وليس يقصر عن المحبة صغير كما لا يصغر عن المعرفة من عرف ، ولا يكبر عن التوبة كبير ولو كان على كل العلوم قد أوقف ، لأن الله تعالى وصف المؤمنين بشدة الحب له فقال تعالى : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) البقرة : 165 وفي قوله أشد دليل على تفاوتهم في المحبة لأن المعنى أشد فأشد ولم يقل شديد ، والحب لله ، فأشبه هذا الخطاب قوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 فدل على تفاوتهم في الإكرام على قدر تفاضلهم في التقوى ولم يقل : إن الكرام المتقون .

Bölüm V02/P082–V02/P083

وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب ، فالمؤمنون متزايدون في الحب لله عز وجل عن تزايدهم في المعرفة به والمشاهدة له ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحب لله من شرط الإيمان قال : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وفي حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وفي خبر آخر أشد توكيدا وأبلغ من هذين قوله : والله ، لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ، وفي خبر آخر : ومن نفسك ، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالمحبة لله فيما شرعه من الأحكام فقال أحبوا الله لما أسدى إليكم من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، فدل ذلك على فرض الحب لله وإن تفاضل المؤمنون في نهايات فضائله ، ومن أفضل ما أسدى إلينا من نعمه المعرفة به ، فأفضل الحب له ما كان عن المشاهدة ، والمحبون لله على مراتب من المحبة ؛ بعضها أعلى من بعض ، فأشدهم حبا لله أحسنهم تخلقا بأخلاقه مثل العلم والحلم والعفو وحسن الخلق ، والستر على الخلق ، وأعرفهم بمعاني صفاته وأتركهم منازعة له في معاني الصفات كي لا يشركوه فيها ، مثل الكبر والحمد وحب المدح وحب الغنى والعز وطلب الذكر ، ثم أشدهم حبا لرسوله إذ كان حبيب الحبيب وأتبعهم لآثاره أشبعهم هديا لشمائله ، وقد روي أن رجلا قال : يا رسول الله إني أحبك فقال : استعد للفقر فقال : إني أحب الله فقال : استعد للبلاء ، والفرق بينهما أن البلاء من أخلاق المبلي وهو الله تعالى المبتلي ، فلما ذكر محبته أخبره بالبلاء ليصبر على أخلاقه ، كما قال تعالى : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 فدل على أحكامه وبلائه ، والفقر من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما ذكر محبته دله على اتباع أوصافه ليقتفي آثاره لقوله عليه السلام : أحيني مسكينا وأتني مسكينا واحشرني في جملة المساكين ، ومن علامة المحبة كثرة ذكر الحبيب ، وهو دليل محبة المولى لعبده وهو من أفضل مننه على خلقه ، وفي الخبر أن لله في كل يوم صدقة يمن بها على خلقه ، وما تصدق على عبد بصدقة أفضل من أن يلهمه ذكره . وفي حديث سفيان عن مالك بن معول قيل : يارسول الله ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : احتناب المحارم ، ولا يزال فوك رطبا من ذكر الله ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الذكر لله كما أمر بمحبة الله ، لأن الذكر مقتضى المحبة فقال : أكثر من ذكر الله حتى يقول الناس إنك مجنون ، وقد روينا : أكثروا من ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون ، وفي حديث أبي سلمة المدني عن أبيه عن جده : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى مسجد قباء ، فذكر حديثا فيه طول قال في آخر : من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه ، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله ، وقد أخبر أن الذاكرين هم السابقون المفردون ، ورفعهم إلى مقام النبوة في وضع الوزر ، ورفع الذكر إن كان الذكر موجب الحب في قوله : سيروا سبق المفردون ، قيل : من المفردون ؟

Bölüm V02/P083–V02/P085

قال : المستهترون بذكر الله ، وضع الذكر عنهم أوزارهم يردون القيامة خفافا ، ومن أعلام المحبة : حب لقاء الحبيب على العيان ، والكشف في دار السلام ومحل القرب وهو الاشتياق إلى الموت ، لأنه مفتاح اللقاء وباب الدخول إلى المعاينة ، وفي الحديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، وقال حذيفة عند الموت : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ، وقال بعض السلف ما من خصلة أحب إلى الله تكون في لعبد بعد حب لقائه من كثرة السجود ، فقدم حب لقاء الله وقد شرط الله لحقيقة الصدق القتل في سبيله ، وأخبر أنه يحب قتل محبوبه في قوله تعالى : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) الصف : 4 ، بعد قوله تقريرا لهم : لم تقولون ما لا تفعلون ؟ حيث قالوا : إنا نحب الله ، فجعل القتل محنة محبته وعلامة أخذ مال محبوبه ونفسه ، إذ يقول تعالى : ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) التوبة : 111 ، وفي وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما : الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء ، والباطل خفيف وهو مع خفته وبيء ؛ فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت وهو مدرك ، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه ، وكان الثوري وبشر بن الحرث يقولان : لا يكره الموت إلا مريب ، وهو كما قالا : لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء الحبيب ، وهذا لا يجده إلا عبد يحب الله بكل قلبه ، عندها يشتاق إليه مولاه فينزعج القلب لشوق الغيب ، فيحب لقاءه ، وروي أن أبا حذيفة بن عتبة بن زمعة لما تبنى سالما مولاه ، عاتبته قريش في ذلك وقالوا : أنكحت عقيلة من عقائل قريش بمولى فقال : والله ، لقد أنكحته إياها وأني لأعلم أنه خير منها ، فكان قوله أشد عليهم قالوا : وكيف ؟ وهي أختك وهو مولاك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم ، فمن الدليل أن من المؤمنين من يحب الله ببعض قلبه فيؤثره بعض الإيثار ، ويوجد فيه محبة الاعتبار ، ومنهم من يحبه بكل قلبه فيؤثره على ما سواه ، فهذا عابده ومألوهه الذي لا معبود له ولا إله إياه ، وفيه دليل على أنهم على مقامات المحبة عن معاني مشاهدات الصفات ما بين البعض في القلوب والكلية ، وقد كان نعيمان يؤتي به رسوله الله صلى الله عليه وسلم فيجده في معصية يرتكبها إلى أن أتى به يوما فحده فلعنه رجل وقال : ماأكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفتعل فإنه يحب الله ورسوله ، فلم يخرجه من المحبة مع المخالفة ، وقد قال بعض العارفين : إذا كان الإيمان في ظاهر القلب يعني على الفؤاد كان المؤمن يحب الله حبا متوسطا ، فإذا دخل الإيمان باطن القلب فكان في سويدائه أحبه الحب البالغ ، ومحبة ذلك أن ينظر ؛ فإن كان يؤثر الله على جميع هواه ويغلب محبته على هوى العبد ، حتى تصير محبة الله هي محبة العبد من كل شيء ، فهو محب لله حقا ، كما أنه مؤمن به حقا ، وإن رأيت قلبك دون ذلك فلك من المحبة بقدر ذلك ، فأدل علامات المحبة الإيثار للمحبوب على ذخائر القلوب ، ولذلك وصف الله المحبين بالإيثار ، ووصفه العارفون بذلك ، فقال تعالى في وصفه المحبين : ( يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة ) الحشر : 9 ، ثم قال تعالى : ( ويؤثرون على أنفسهم ) الحشر : 9 ، وقال في وصفه : تالله لقد آثرك الله علينا ، وقال بعض العلماء : إن ظاهر القلب محل الإسلام ، وإن باطنه مكان الإيمان ، فمن ههنا تفاوت المحبون في المحبة لفضل الإيمان على الإسلام ، وفضل الباطن على الظاهر ، وفرق بعض علمائنا البصريين بين القلب والفؤاد ، فقال : الفؤاد مقدم القلب وما استدق منه ، والقلب أصله وما اتسع منه ، وقال مرة : في القلب تجويفان ، فالتجويف الظاهر هو الفؤاد وهو مكان العقل ، والتجويف الباطن هو القلب وفيه السمع والبصر وعنه يكون الفهم والمشاهدة ، وهو محل الإيمان ، وقد قال الله : ( كتب في قلوبهم الإيمان ) المجادلة : 22 وقال : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فمحبة الإسلام مفترضة على الخلق وهي متصلة بأداء الفرائض واجتناب المحارم طاعة لله ومحبة له ، فأما محبة المقربين فعن مشاهدة معاني الصفات وبعد معرفة أخلاق الذات ، وهي مخصوصة بمخصوصين ، والأصل في هذا أن المحبة ، إذا كانت عن المعرفة فإن المعرفة عموم وخصوص ؛ فلخصوص العارفين خاصة المحبة ، ولعمومهم عموم المحبة .

Bölüm V02/P085–V02/P086

صفه : تالله لقد آثرك الله علينا ، وقال بعض العلماء : إن ظاهر القلب محل الإسلام ، وإن باطنه مكان الإيمان ، فمن ههنا تفاوت المحبون في المحبة لفضل الإيمان على الإسلام ، وفضل الباطن على الظاهر ، وفرق بعض علمائنا البصريين بين القلب والفؤاد ، فقال : الفؤاد مقدم القلب وما استدق منه ، والقلب أصله وما اتسع منه ، وقال مرة : في القلب تجويفان ، فالتجويف الظاهر هو الفؤاد وهو مكان العقل ، والتجويف الباطن هو القلب وفيه السمع والبصر وعنه يكون الفهم والمشاهدة ، وهو محل الإيمان ، وقد قال الله : ( كتب في قلوبهم الإيمان ) المجادلة : 22 وقال : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فمحبة الإسلام مفترضة على الخلق وهي متصلة بأداء الفرائض واجتناب المحارم طاعة لله ومحبة له ، فأما محبة المقربين فعن مشاهدة معاني الصفات وبعد معرفة أخلاق الذات ، وهي مخصوصة بمخصوصين ، والأصل في هذا أن المحبة ، إذا كانت عن المعرفة فإن المعرفة عموم وخصوص ؛ فلخصوص العارفين خاصة المحبة ، ولعمومهم عموم المحبة . ويروى في الأخبار السالفة : أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه السلام ، انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت ، فكان يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل ، فإذا دعاها ليلا سوفته نهارا فقالت : يا يوسف إنما كنت أحبك قبل أن أعرفه ، فأما إذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه ، وما أريد به بدلا حتى قال لها : فإن الله أمرني بذلك ، وأخبرني أنه مخرج منك ولدين وجاعلهما نبيين فقالت : أما إذا كان الله أمرك بذلك وجعلني طريقا إليه فطاعة لأمر الله ، فعندها سكنت إليه ، وقال بعض العلماء بالله : إذا تم التوحيد تمت المحبة ، وإذا جاءت المحبة تم التوكل ، فتم إيمانه وخلص فرضه وسمي ذلك يقينا ، وقال الفضيل بن عياض في فرض المحبة : إذا قيل لك : تحب الله ؟ فاسكت فإن قلت : لا ، كفرت وإن قلت : نعم ، فلس وصفك وصف المحبين ، فاحذر المقت ، وقال بعض علمائنا : ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ، ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ، ولم يتحقق بشيء من ذلك ، وقال عالم فوقه : كل أهل المقامات يرجى أن يعفى عنهم ويسمح لهم إلا من ادعى المعرفة والمحبة ، فإنهم يطالبون بكل شعرة مطالبة ، وبكل حركة وسكون وكل نظرة وخطرة لله وفي الله ومع الله ، واعلم أن المحبة من الله لعبده ليست كمحبة الخلق ، إذ محبة الخلق تكون حادثة لأحد سبع معان ؛ لطبع أو لجنس أو لنفع أو لوصف أو لهوى أو لرحم ماسة أو لتقرب بذلك إلى الله ، فهذه حدود الشيء الذي يشبهه الشيء ، والله يتعالى عن جميع ذلك لا يوصف بشيء منه إذ ليس كمثله شيء في كل شيء ولأن هذه أسباب محدثة في الخلق لمعان حادثة ومتولدة من المحبين لأسباب عليهم داخلة ، وقد تتغير الأوقات وتنقلب لانقلاب الأوصاف ، ومحبة الله سابقة للأسباب عن كلمته الحسنى ، قديمة قبل الحادثات عن عنايته العليا ، لا تتغير أبدا ولا تنقلب لأجل مابدا لقوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ، يعني الكلمة الحسنى ، وقيل المنزلة الحسنى فلا يجوز أن يسبقها سابق منهم بل قد سبقت كل سابقة ، تكون : كقوله تعالى : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) الأنبياء 51 فكذلك قال : هو سماكم المسلمين من قبل ، وقال تعالى : ( لهم قدم صدق عند ربهم ) يونس : 2 ، وقال تعالى في آخر آياتهم : ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) القمر : 55 ، ولا يصلح أن يكون قبل قدمه الصدق منهم قدم ، كما لا يصلح أن يكون قبل علمه بهم منهم عمل بهم منهم ، لأن عمله سبق المعلوم ومحبته لأوليائه سبقت محبتهم إياه ومعاملتهم له ، ثم هي مع ذلك خاصية حكم من أحكامه ومزيد من فضل أقسامه وتتمة من سابغ إنعامه ، خالصة لمخلصين ، ومؤثرة لمؤثرين بقدم صدق سابق لخالصين ، يؤول لي مقعد صدق عند صادق لسابقين ، ليس لذلك سبب معقول ولا لأجل عمل معمول ، بل يجري مجرى سر القدر ولطف القادر ، وإفشاء سر القدر كفر ، ولا يعلمه إلا نبي أو صديق ولا يطلع عليه إلا من يظهره ، وما ظهر في الأخبار من الأسباب ، فإنما هو طريق الأحباب ومقامات أهل القرب من أولي الألباب ، وإنما تستبين المحبة وتظهر للعبد لحسن توفيقه وكلاءة عصمته ، ولطائف تعليمه من غرائب علمه وخفايا لطفه ، في سرعة ردهم إليه في كل شيء ووقوفهم عنده ، ونظرهم إليه دون كل شيء وقربه منهم أقرب من كل شيء ، وكثرة استعمالهم لحسن مرضاته وكشف اطلاعهم على معاني صفاته ، ولطيف تعريفه لهم مكنون أسراره وفتوحه لأفكارهم من بواطن إنعامه واستخراجه منهم خالص شكره وحقيقة ذكره ، فهذه طريقات المحبين له عن كشوف اطلاعه لهم من عين اليقين ، يقال : إذا أحب الله عبدا استخدمه ؛ فإذا استخدمه اقتطعه ، وقيل إذا أحب الله عبدا نظر إليه ، وإذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه ، وروي بعض هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

Bölüm V02/P086–V02/P087

وروينا في الخبر : إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، وإذا أحبه الحب البالغ اقتناه ، قيل : وما اقتناؤه ؟ قيل : لم يترك له أهلا ولا مالا ، فالمحبة مزيد إيثار من المحب الأول وهو الله ، لعبده وأحكام تظهر من المحبوب وهو العبد ، في حسن معاملته ، أوحقيقة علم يهبه له ، كما قال إخوة يوسف عرفوا محبة الله ليوسف عليهم : تالله ، لقد آثرك الله علينا ، ثم قالوا : وإن كنا لخاطئين ؟ فذكروا سالف خطاياهم وأنه آثره بما لم يؤثرهم به ، فقال الله تعالى في وصفه إياه : ( قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) يوسف : 55 ، وقال في موهبته له : آتيناه حكما وعلما ، وكذلك نجزي المحسنين ، فذكر ما سلف من إحسانه لما آثره به ، وقالت الرسل : إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ، وقال تعالى : ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) الحج : 75 وفي الخبر : إذا أحب الله عبدا ابتلاه يعني اختبره ؛ فإن صبر اجتباه ، وإن رضي اصطفاه ، وقال بعض العلماء : إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك ، وقال بعض المريدين لأستاذه : قد طولعت بشيء من المحبة فقال : يا بني هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إياه ؟ فقال : لا فقال : فلا تطمع في المحبة ، فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبلوه ، ومن دلائل المحبة حب : كلام الحبيب وتكريره على الأسماع والقلوب ، وحدثونا عن بعض المريدين قال : كنت وجدت حلاوة المناجاة في سوء الإرادة ، فأدمنت على قراءة القرآن ليلا ونهارا ، ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة ، قال : فسمعت قائلا يقول لي في المنام : إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي ، أما ترى ما فيه من لطيف عتابي ، قال : فانتبهت ، وقد أشرب في قلبي محبة القرآن فعاودت إلى حالي الأول ، وقد قال بعض العارفين : لا يكون العبد مريدا حتى يجد في القرآن كل مايريد ، وقد كان ابن مسعود يقول : لا على أحدكم أن يسأل على نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ، وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله ، ومن علامة حب القرآن حب أهل القرآن وكثرة تلاوته آناء الليل وأطراف النهار ، وقال سهل بن عبد الله : علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب القرآن وحب الله حب النبي عليه السلام وعلامة حب النبي عليه السلام حب السنة ، وعلامة حب السنة حب الآخرة ، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا ، وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرةوقال تعالى وهو أحسن القائلين : ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) المائدة : 54 أي لا يرتدون لأنهم أبدال المرتدين ، ولا ينبغي أن يكونوا أمثالهم ، كما قال : يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ، ومن علامة محبة المولى تقديم أمور الآخرة من كل ما يقرب من الحبيب على أمور الدنيا من كل ما تهوى النفس ، والمبادرة بأوامر المحبوب وبواديه قبل عاجل حظوظ النفس ، ثم إيثار محبته على هواك واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرك به ونهاك ، والذل لأوليائه من العلماء به والعاملين ، ثم التعزز على أبناء الدنيا الموصوفين بها المؤثرين لها ، كما قيل لابن المبارك : ما التوضع ؟

Bölüm V02/P087–V02/P088

فقال : التكبر على المتكبرين ، وقال الفتح بن شحرف ، رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم فقلت : أنبئني بحرف خير فقال : ماأحسن تواضع الأغنياء للفقراء رجاء ثواب الله ، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله ، وإنما وصف الله أحباءه بالذل للأولياء والعز على الأعداء لأنه يصف من يحبه بأحسن الأوصاف ، فالذل للحبيب حسن ، والعز على العدو في حسنه مثل العز على الذليل ، فلذلك وصف الله محبه بالذل للولي وبالعز على العدو ، وقبح العز على الحبيب كقبح الذل للعدو ، والله لا يصف أولياءه بقبيح ، ومن علامات الحب : المجاهدة في طريق المحبوب بالمال والنفس ، ليقرب منه ويبلغ مرضاته ويقطع كل قاطع يقطعه عنه بالمسارعة إلى قربه ، كما قال تعالى : ( وعجلت إليك رب لترضى ) طه 84 وكما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم في قوله : وتبتل إليه تبتيلا فيه معنيان : أحدهما انقطع إليه انقطاعا عما سواه بالإخلاص له والأثرة على غيره ، والأخرى : اقطع كل ما قطعك عنه إليه أي اقطع كل قاطع حتى تصل إليه ، فهذان من أدل الدليل على المحبة ، ثم أن لا يخاف في حبه لومة لائم كمن الخلق لأمه على محبته أو على السلوك إليه بشق النفس وهجران الدار ورفض المال ، ولا يرجو في محبته مدح مادح ولا يرغب في حسن ثناء العباد بإيثارك له على الأهل والمال ، ثم وجود الأنس في الوحدة والروح بالخلوة ، ولطف التملق في المناجاة والتنعم بكلامه والتنعم بمر أحكامه ووجد حلاوة الخدمة ورؤية البلاء منه نعمة ، وقال ثابت البناني : كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة ، ومن المحبة ترك السكون إلى غير محبوبه إذ هو السكن ، وقال أبو محمد : خيانة المحب عند الله أشد من معصية العامة ، وهو أن يسكن إلى غير الله ويستأنس بسواه ، وفي قصة برخ ، العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام أن الله تعالى قال لموسى : إن برخا نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيبا ، قال : يارب ، وما عيبه ؟ قال : يعجبه نسيم السحر فيسكن إليه ، ومن أحبني لم يسكن إلى شيء ، فالسكون في هذا الموضع الاستراحة إلى الشيء والأنس به ، والسكون في غير هذا الموضع النظر إلى الشيء والإدلال به والطمأنينة والقطع به ، ذكرت هذه الحكاية لبعض أهل المعرفة فقال : لم يرد بهذا برخا إنما أراد به موسى ، لأنه أقامه مقام المحبة فاستحى أن يواجهه بذلك ، فعرض له ببرخ وكان هذا جوابا منه : إني سألته ، لم أخبر موسى بعيبه وهو يحبه دون أن يخبره هو بعيب نفسه ، فأجاب بهذا : فالمقربون من المحبين إنما نعيمهم بالله وروحهم وراحتهم إليه من حيث كان بلاؤهم منه ، فإذا وجدوا ذلك في سواه كانت ذنوبا لهم عن غفلة أدخلت عليهم ليتوبوا منها إليه فيغفر لهم ، وروينا أن عابدا عبد الله في غيضة دهرا ، فنظر إلى طير قد عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال : لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال : ففعل فأوحى الله إلى النبي عليه السلام : قل لفلان العابد : استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا فمن صدق المحبة وخالصها الانقطاع إلى الحبيب بوجود الأنس به ، ومصادفة الاستراحة والروح عنده بمحادثة في المجالسة ، ومناجاة في الخلوة وذوق حلاوة النعيم في ترك المخالفة لغلبة حب الموافقة ، كما أنشدني بعضهم عن بعض المحبين : إليه أي اقطع كل قاطع حتى تصل إليه ، فهذان من أدل الدليل على المحبة ، ثم أن لا يخاف في حبه لومة لائم كمن الخلق لأمه على محبته أو على السلوك إليه بشق النفس وهجران الدار ورفض المال ، ولا يرجو في محبته مدح مادح ولا يرغب في حسن ثناء العباد بإيثارك له على الأهل والمال ، ثم وجود الأنس في الوحدة والروح بالخلوة ، ولطف التملق في المناجاة والتنعم بكلامه والتنعم بمر أحكامه ووجد حلاوة الخدمة ورؤية البلاء منه نعمة ، وقال ثابت البناني : كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة ، ومن المحبة ترك السكون إلى غير محبوبه إذ هو السكن ، وقال أبو محمد : خيانة المحب عند الله أشد من معصية العامة ، وهو أن يسكن إلى غير الله ويستأنس بسواه ، وفي قصة برخ ، العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام أن الله تعالى قال لموسى : إن برخا نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيبا ، قال : يارب ، وما عيبه ؟

Bölüm V02/P088–V02/P089

قال : يعجبه نسيم السحر فيسكن إليه ، ومن أحبني لم يسكن إلى شيء ، فالسكون في هذا الموضع الاستراحة إلى الشيء والأنس به ، والسكون في غير هذا الموضع النظر إلى الشيء والإدلال به والطمأنينة والقطع به ، ذكرت هذه الحكاية لبعض أهل المعرفة فقال : لم يرد بهذا برخا إنما أراد به موسى ، لأنه أقامه مقام المحبة فاستحى أن يواجهه بذلك ، فعرض له ببرخ وكان هذا جوابا منه : إني سألته ، لم أخبر موسى بعيبه وهو يحبه دون أن يخبره هو بعيب نفسه ، فأجاب بهذا : فالمقربون من المحبين إنما نعيمهم بالله وروحهم وراحتهم إليه من حيث كان بلاؤهم منه ، فإذا وجدوا ذلك في سواه كانت ذنوبا لهم عن غفلة أدخلت عليهم ليتوبوا منها إليه فيغفر لهم ، وروينا أن عابدا عبد الله في غيضة دهرا ، فنظر إلى طير قد عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال : لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال : ففعل فأوحى الله إلى النبي عليه السلام : قل لفلان العابد : استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا فمن صدق المحبة وخالصها الانقطاع إلى الحبيب بوجود الأنس به ، ومصادفة الاستراحة والروح عنده بمحادثة في المجالسة ، ومناجاة في الخلوة وذوق حلاوة النعيم في ترك المخالفة لغلبة حب الموافقة ، كما أنشدني بعضهم عن بعض المحبين : ألذ جميل الصبر عما ألذه . . . وأهوى لما أهواه تركا فاتركه وقال نظيره في مثله : وأترك ما أهوى لمن قد هويته ، وأرضى بما يرضى وإن سخطت نفسي ، ثم الطمأنينة إلى الحبيب وعكوف الهم على القريب ودوام النظر ، وسياحة الفكر لأن من عرفه أحبه ، ومن أحبه نظر إليه ، ومن نظر إليه عكف عليه ، أما فهمت هذا من قوله تعالى : ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) طه : 97 ومن فرائض المحبة وفضائلها ؛ موافقة الحبيب فيما أحب حب الله ، كما قال عمر رضي الله عنه لصهيب رحم الله صهيبا : لو لم يخف الله لم يعصه ؛ أي أن محبته له تمنعه من مخالفته عن غير خيفة ، فهو يطيعه حبا له ، وكان صهيب يقول إنه يستخرج من حبي لربي شيئا لا يستخرجه غيره ؛ يعني من معاني الصفات المخوفة والأفعال المرجوة ، وقال بعض علمائنا : الإيثار يشهد للحب ، فعلامة حبه إيثاره على نفسك ، وقال : ليس كل من عمل بطاعة الله صار حبيبا لله ، ولكن كل من اجتنب ما نهاه صار حبيبا وهذا كما قال : إن المحبة تستبين بترك المخالفة ، ولا تبين بكثرة الأعمال ، كما قيل : أعمال البر يعملها البر والفاجر والمعاصي لا يتركها إلا صديق ، وقيل : أفضل منازل الطاعات الصبر على الطاعات ، وإن الصبر على الطاعة يضاعف إلى سبعين ، والصبر عن المعصية يضاعف إلى سبعمائة كأنه أقيم مقام المجاهد في سبيل الله ، لأنه يقع اختبارا من الله وضرورة من كلية النفس ، فإذا ترك هواه فقد ترك نفسه ، فأقل ما له في ذلك الزهد في الدنيا والجهاد في سبيل الله ، ومن أجل ذلك ضوعفت حسناته إلى سبعمائة ، ومن أجله ثبتت له المحبة بترك المخالفة ، قال الله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) الرحمن : 46 تفضله على غيره بحبه ، وأعجب ما سمعت في هذا أن موسى سأل الخضر : بأي شيء بلغت هذه المنزلة ؟

Bölüm V02/P089–V02/P090

فقال : بترك المعاصي كلها ، وقد كان أبو محمد يقول في قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) التوبة : 111 ، قال : عيش نفوسهم الفاني وهو عاجل حظوظهم من الشهوات ، ومن المحبة وجود الروح بالشكوى إليه والاستراحة إلى علمه به وحده ، وإخلاص المعاملة لوجهه وحسن الأدب فيها ، وهو الإخفاء لها وكتم ما يحكم به من الضيق والشدائد ، وإظهار ما ينعم به من الإلطاف والفوائد وكثرة التفكر في نعمائه وخفي ألطافه ، وغرائب صنعه وعجائب قدرته وحسن الثناء عليه في كل حال ، ونشر الآلاء منه والأفضال والصبر على بلائه ، لأنه قد صار من أهله وأوليائه ، وقد يعسف بأوليائه ويعنف بأحبابه لتمكنه منهم ومكانتهم عنده ، ولعلمه أنهم لا يريدون له بدلا ولا يبغون عنه حولا ، إذ ليست لهم راحة لسواه ولا بغية في سواه ولا لهم همة إلا إياه ، كما قال بعض المحبين : ويلي منك وويلي عليك ، أفزع منك وأشتاق إليك ، إن طلبتك أتعبتني وإن هربت منك طلبتني ، فليس لي معك راحة ولا لي في غيرك استراحة ، ثم المسارعة إلى ما ندب إليه من أنواع البر بوجود الحلاوة وبشرح الصدر كما جاء في الأثر ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، ثم الرضا بقضائه لأنه مستحسن لأفعاله ، ثم اللهج بذكره ومحبة من يذكره ومجالسة من يذكره ، ودوام التشكي والحنين إليه وخلو القلب من الخلق ، وسبق النظر إلى الخالق في كل شيء ، وسرعة الرجوع إليه بكل شيء ، ووجد الأنس به عند كل شيء ، وكثرة الذكر له والتذكر بكل شيء ، ومن علامة المحبة طول التهجد ، وروي عن الله سبحانه : كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني ، إلا أن بعضهم جعل سهر الليل في مقام بعينه ، ذكر له هذا الخبر فقال : ذاك إذا أقامه مقام الشوق فأما إذا أنزل عليه السكينة وأواه بالأنس في القرب ، استوى نومه وسهره ، ثم قال : رأيت جماعة من المحبين ، نومهم بالليل أكثر من سهرهم ، وإمام المحبين وسيد المحبوبين رسوله الله صلى الله عليه وسلم كان ينام مثل ما يقوم ، وقد يكون نومه أكثر من قيامه ولم يكن تأتي عليه ليلة حتى ينام فيها ، ومن المحبة الخروج إلى الحبيب من المال بالزهد في الدنيا ، والخروج إليه من النفس بإيثار الحق على جميع الأهواء ، وقال الجنيد : علامة المحبة دوام النشاط والدؤوب بشهوة يفتر بدنه ولا يفتر قلبه ، وقد قال بعض السلف : العمل عن المحبة لا يداخله الفتور ، وقال بعض العلماء : والله ما استسقي محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل ، ومن المحبة التناصح بالحق والتواصي به والصبر على ذلك ، كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين ، فقال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر : 2 - 3 ، لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى : ( يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه . على ذلك ، كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين ، فقال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر : 2 - 3 ، لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى : ( يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه .

Bölüm V02/P090–V02/P091

وروينا في مقرأ ابن عباس : ويخرج أضغانكم ؛ يعني الأموال ، فلو لم يدخل على هؤلاء الضعفاء إلا الشرك في محبة الأموال والشغل بها عن ذكر ذي الجلال ، فخسروا ما ربح المخلصون من الأحباب ، وفاتهم ما أدرك الصالحون من طوبى وحسن مآب ، فالله تعالى يسأل أحبابه أموالهم وأنفسهم حتى لا يبقى لهم محبوب سواه ولئلا يعبدوا إلا إياه محبة منه وكشفا لمحبتهم واختبارا لأخبارهم في صدقهم وصبرهم ، ولأنه جواد ملك لايسأل إلا كلية الشيء وجملته ، وهو غيور لا يحب أن يشركه سواه في محبته ، فلا يصبر عليه إلا من عرفه ولا يحبه إلا من صبر عليه ، ولا يرضى بحكمه فيه إلا من أيقن به ، إلا أنه لا يسأل الجملة كلها إلا لمن أحبه المحبة الخاصة ، وذلك كله من نظام حكمته ، وقيل لبعض المحبوبين وكان قد بذل المجهود في بذل ماله ونفسه ، حتي لم يبق عليه منها بقية : ما كان سبب حالك هذه من المحبة ؟ فقال : كلمة سمعتها من خلق لخلق عملت بي هذا البلاء ، قيل : وما هي ؟ قال : سمعت محبا قد خلا بمحبوبه وهو يقول : أنا والله أحبك بقلبي كله ، وأنت معرض عني بوجهك كله ، فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأي شيء تنفق علي فقال : ياسيدي ، أملكك ما أملك ، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك ، فقلت : هذا خلق لخلق وعبد لعبد ، فكيف بخلق لخالق وعبد لمعبود ، فكان ذلك سببه فقد دخلت الأموال في الأنفس تحت الشراء ، وقد باعوه نفوسهم فما دونها لمحبتهم إياه ، وقد اشتراها منهم لنفاستها عنده ، فعلامة محبته لها اشتراؤها منهم ، وعلامة شرائها طيها عنهم ؛ فإذا طواها فلم يكن عليهم منها بقية هوى في سواه ، فقد اشتراها ، واعلم أن آفات النفوس هي أدواؤها ، وطهرة النفوس من الأدواء هو داؤها ، كما قال تعالى : ( قد أفلح من زكاها ) الشمس : 9 ، فإذا صفاها من الآفات فقد صافاها ، وإذا امتحنها بالتمحيص من الشهوات للتقوى فقد اشتراها ، ولكل داء من النفس دواء على قدر صغره وعظمه ، فضع الدواء على الداء من حيث دخل عليك ، بإدخال ضده عليه وبقطع أصله عنه ، فعلامة النفوس المشتراة وهي المحبوبة المجتباة ، التوبة إلى الحبيب بالخدمة له وكثرة الحمد له بالسياحة إليه ودوام الصلاة ، بحسن الأدب بين يديه والأمر بما يحب والنهي عما يكره والحفظ بحدوده التي حدها وترتيب العلم على مدارج العقل ، بإخفاء علم التوحيد وأسرار قيومية القدرة من المحافظة ، لأن العقل حد ، وذلك من كتمان علم المحبة ، فهو عند المحبين كحفظ حدوده على الجوارح التي شرعها بألسنة الرسل ، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، والله يحب المتقين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أراد أن يحبه الله فليزهد في الدنيا ، فلا يطمعن طامع في محبة الله قبل الزهد في الدنيا ، فهذه جمل أوصاف المحبين ، ومن المحبة أن لا يطلب خدمة سواه وأن يجتمع في محبته همه وهواه ، ولا يهوي إلا ما فيه رضا المولى ، ولا يقضي عليه مولاه إلا بما يهواه .

Bölüm V02/P091–V02/P092

وروي عن بعض العلماء إذا رأيته يوحشك من خلقه ، فاعمل أنه يريد أن يؤنسك به وفي أخبار داود عليه السلام أن الله تعالى أوحى إليه : إن أود الأوداء إلي من عبدني لغير نوال ، لكن ليعطي الربوبية حقها ، وفيما نقل وهب من الزبور ، ومن أظلم ممن عبدني لجنة أونار لو لم أخلق جنة ولا نارا لم أكن أهلا أن أطاع ، أو كما قال ، وفي أخبار عيسى : إذا رأيت التقي مشغوفا في طلب الرب فقد ألهاه ذلك عما سواه ، وعن عيسى عليه السلام : المحب لله يحب النصب ، وروي عنه أنه مر على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان البالية فقال : ماأنتم ؟ فقالوا : نحن عباد قال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : خوفنا الله من النار فخفنا منها فقال : وحق على الله أن يؤمنكم ما خفتم ، ثم جاوزهم فمر بآخرين أشد عبادة منهم فقال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : شوقنا الله إلى الجنان وما أعد فيها لأوليائه فنحن نرجو ذلك ، فقال : حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم ، ثم جاوزهم فمر بآخرين يتعبدون فقال : ما أنتم ؟ قالوا : نحن المحبون لله ، لم نعبده خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنة ولكن حبا له وتعظيما لجلاله فقال : أنتم أولياء الله حقا ، معكم أمرت أن أقيم فأقام بين أظهرهم ، وفي لفظ آخر أنه قال للأولين : مخلوقا خفتم ومخلوقا أحببتم ، وقال لهؤلاء : أنتم المقربون ، وممن روى عنه هذا القول وأقيم في هذا المقام جماعة من التابعين بإحسان منهم : أبو حازم المدني كان يقول إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفا من العقاب ، فأكون مثل العبد السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل ، ولكن أعبده محبة له ، وقد روينا معنى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يكون أحدكم كالعبد السوء ؛ إن خاف عمل ، ولا كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل ، وقال بعض إخوان معروف له : أخبرني عنك أي شيء أحاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق ؟ فسكت فقلت : ذكر الموت ؟ فقال : وأي شيء الموت ؟ قلت : ذكر القبر والبرزخ فقال : وأي شيء القبر ؟ فقلت : خوف النار ورجاء الجنة فقال : وأي شيء هذا ؟ إن واحدا بيده هذا كله إن أحببته أنساك جميع ذلك ، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا . وحدثت عن علي بن الموفق قال : رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة ، فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل ، ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه قوم ، فيدخل بعضا ويرد بعضا ، قال : ثم جاوزتها إلى حظيرة القدس ، فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى الله عز وجل لا يطرف ، فقلت لرضوان : من هذا ؟

Bölüm V02/P092–V02/P093

فقال : معروف الكرخي عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبا له ، فقد أباحه النظر إليه إلى يوم القيامة ، قلت : فمن الآخران قال : أخواك بشر بن الحرث وأحمد بن حنبل ، وهذا مقام الأبدال من الصديقين ، لا يقامون مقام أبدال الأنبياء ولا يعطون منازل الشهداء ، حتى تغلب محبة الله على قلوبهم في كل حال فيتألهون إليه ، ويذهلون به عن غيره وينسون في ذكره من سواه ، فيعبدونه لأجله صرفا ، وهم ، المقربون ونعيمهم في الجنان صرف ، ويمزج لأهل المزج وهم أصحاب اليمين ، كما قال تعالى في وصف نعيمهم : ( إن الأبرار لفي نعيم ) ( على الأرائك ينظرون ) ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) ( يسقون من رحيق مختوم ) المطففين : 22 - 23 - 24 - 25 ثم قال في نعت شراب المقربين ومزاجه ، يعني مزاج شراب الأبرار : من تسنيم عينا يشرب بها المقربون ؛ أي يشربها المقربون صرفا ، ويمزج لأصحاب اليمين ، فما طال شراب الأبرار إلا بمزاج شراب المقربين ، فعبر عن جمع نعيم الجنان بالشراب ، كما عبر عن العلوم والأعمال بالكتاب ، فقال في نعت الأبرار مثله ؛ إن كتاب الأبرار لفي عليين ، ثم قال : يشهده المقربون ؛ فما حسن علمهم ولا صفت أعمالهم ، ولا علا كتابهم إلا بشهادة المقربين لما قرب منهم وحضروه ، كذلك كانوا في الدنيا تحسن علومهم بعلمهم وترتفع أعمالهم بمشاهدتهم ، ويجدون المزيد في نفوسهم بقربهم منهم ، كما بدأنا أول خلق نعيده ، وقلا تعالى : ( جزاء وفاقا ) النبأ : 26 أي وافق أعمالهم ، وقال تعالى : ( سيجزيهم وصفهم ) الأنعام : 139 أي كوصفهم في الدنيا إنه حكيم عليم ؛ فمن كان في هذه الدار نعيمه طيبات الملك ، فكذلك غدا يكون الملك نعيمه ، ومن كان فيها نعيمه وروحه بالطيب الملك ، فهو غدا في مقعد صدق عند مليكه ، كما قال أبو سليمان الداراني : من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو غدا مشغول بربه ، وقد روينا عن رابعة العدوية وكانت إحدى المحبين ، وكان الثوري يقعد بين يديها ويقول : علمينا مما أفادك الله من ظرائف الحكمة ، وكانت تقول : نعم الرجل أنت لولا أنك تحب الدنيا ، وقد كان رحمه الله زاهدا في الدنيا عالما ، إلا إنها كانت تجعل إيثار كتب الحديث والإقبال على الناس من أبواب الدنيا ، وقال لها الثوري يوما : لكل عبد شريطة ولكل إيمان حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ فقالت : ماعبدت الله خوفا من الله ، فأكون كالأمة السوء إن خافت عملت ، ولا حبا للجنة فأكون كأمة السوء إن أعطيت عملت ، ولكني عبدته حبا له وشوقا إليه ، وروى عنهاحماد بن زيد أنها قالت : إني لأستحي إن أسأل الدنيا من يملكها ، فكيف أسألها من لا يملكها ، وكان هذا جوابا لأنه قال لها : اذكري لي حوائجك حتى أقضيها ، وخطبها عبد الواحد بن زيد فقالت : يا شهواني اطلب شهوانية مثلك ، أي شيء رأيت في من آلة الشهوة ؟ وخطبها محمد بن سليمان أمير البصرة على مائة ألف وقال لي : غلة عشرة آلاف في كل شهر أدفعها إليك ، فكتبت إليه : ما يسرني أنك لي عبد وأن كل ما تملكه لي وأنك شغلتني عن الله طرفة عين ، وقدقالت : في معنى المحبة أبياتا تحتاج إلى شرح ، حملها عنها أهل البصرة وغيرهم ، منهم جعفر بن سليمان الضبعي وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد الواحد بن زيد : أحبك حبين : حب الهوى . . . وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى . . . فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له .

Bölüm V02/P093–V02/P094

. . فكشفك للحجب حتى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي . . . ولكن لك الحمد في ذا وذاكا فأما قولها : حب لهوى وقولها حب أنت أهل له ، وتفريقها بين الحبين فإنه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه ، ويخبره من لم يشهده ، وفي تسميته ونعت وصفه إنكار من ذوي العقول ، ممن لا ذوق له ولا قدم فيه ، ولكنا نحمل ذلك وندل عليه من عرفه يعني حب الهوى ، إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين ، لا عن خبر وسمع تصديق من طريق النعم والإحسان ، فتختلف محبتي إذا تغيرت الأفعال لاختلاف ذلك علي ، ولكن محبتي من طريق العيان ، فقربت منك وهربت إليك واشتغلت بك وانقطعت عمن سواك ، وقد كانت لي قبل ذلك أهواء متفرقة فلما رأيتك اجتمعت كلها فصرت أنت كلية القلب وجملة المحبة فأنسيتني ما سواك ثم إني مع ذلك لا أستحق على هذا الحب ، ولا أستأهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف والعيان في محل الرضوان ، لأن حبي لك لا يوجب عليك جزاء عليه بل يوجب على كل شيء لك مني كل شيء مما لا أطيقه ولا أقوم بحقك فيه أبدا ، إذ كنت قد أحببتك فلزمني خوف التقصير ، ووجب علي الحياء من قلة الوفاء ، فتفضلت علي بفضل كرمك ، وما أنت له أهل من تفضلك ، فأريتني وجهك عندك آخرا كما أريتنيه اليوم عندي أولا ، فلك الحمد على ما تفضلت به ذا عندي في الدنيا ولك الحمد على ما تفضلت به في ذاك عندك في الآخرة ، ولا حمد لي في ذا ههنا ولا حمد لي في ذاك هناك ، إذ كنت وصلت إليهما بك فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما ، فهذا الذي فسرناه هو وجد المحبين المحقين ظنا بقولها ذلك ، إذا كان لها في المحبة قدم صدق ، والله أعلم ولايسعنا أن نشرح في كتاب كشف حقيقة ما أجملناه ولا أن نفصل وصف ما ذكرناه ومن لم يكن من المحبين كذلك حتى يدل بمحبته ويقتضي الجزاء عليها من محبوبه ويوجب على حبيبه شيئا لأجل محبته ، فهو مخدوع بالمحبة ومحجوب بالنظر إليها ، وإنما ذاك مقام الرجاء الذي ضده الخوف ، وليس من المحبة في شيء ولا تصح المحبة إلا بخوف المقت في المحبة ، وقال بعض العارفين : ماعرفه من ظن أنه عرفه ، ولا أحبه من توهم أنه أحبه .

Bölüm V02/P094

ذكر مخاوف المحبين ومقاماتهم في الخوف

Bölüm V02/P094–V02/P096

وللمحب سبع مخاوف ليست بشيء من أهل المقامات ، بعضها أشد من بعض : أولها خوف الإعراض ، وأشد منه خوف الحجاب ، وأعظم من هذا خوف البعد ، وهذا المعنى في سورة هود هو الذي شيب الحبيب إذ سمع المحبوب يقول : ألا بعدا لثمود ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود فذكر البعد في البعد ، يشيب أهل القرب في القرب ، ثم خوف السلب للمريد والإيقاف مع التحديد ، وهذا يكون للخصوص في الإظهار والاختيار منهم ، فيسلبونه حقيقة ذلك عقوبة لهم ، وقد يكون عند الدعوى للمحبة ووصف النفس لحقيقتها ، وينقصون معه ولا يقنطون لذلك وهو لطيف من المكر الخفي ، ثم خوف الفوت الذي لا درك له ، سمع إبراهيم بن أدهم وهو أحد المحبين قائلا يقول في سياحته نظما : كل شيء لك مغفور . . . سوى الإعراض عني قد وهبنا منك ما فا . . . ت بقي ما فات مني فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة ، وهذا في قصة طويلة كانت له بعد مقامات أقيم نقل عنها إلى هذا المكان ، حتى قال في آخر ذلك : فسمعت النداء من الجب : يا إبراهيم كن عبدا قال : فكنت عبدا ، فاسترحت ، معناه لا يملكك إلا واحد تكون عبدا له حرا مما سواه ، ولا تملك شيئا فإن الأشياء في خزانة مليكها فلا تتملكها فتحجبك عن مالك ، وتأسرك بمقدار ما ملكتها ، وقد ضرب الله مثلا بينه وبين خلقه أن رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون علىه من أهل ومال وشهوات ، وآخر مسالما خالصا لواحد ، إنهما لا يستويان في قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) الزمر : 29 ، أي الأكثر ليسوا علماء ، هكذا الواحد وأشد من الفوت خوف السلو وهذا أخوف ما يخافون ، لأن حبا له كان به لا بهم وهو نعمة عظيمة لا يعرف قدرها ، فكيف يشكره عليها ولا يقوم لها شيء ؟ فكذلك سلوهم عنه يكون به كما حبهم له به ، فيدخل عليهم السلو عنه من حيث لا يشعرون ، من مكان ما دخل عليهم الحب له من حيث لا يعلمو ، فتجد السلو به كماوجدت الحب له ، فتكون به قد سلوت عنه وأنت لا تدري كيف سلوت ، لأنه يدرجك في ذلك إدراجا بلطائف الحكمة ، كما أنك أحببته وأنت لا تدري لأنه أشهدك وصفه باطلاع القدرة عن جنان الرحمة ، فوجدت نفسك محبا له ، كذلك ترجع المحبة كما جاءت تحجبك عنه عن وصف المكر والجبرية ، فتجد قلبك ساليا عنه بلا حول منه ولا قوة ولا اجتلاب ولا حيلة ، وهذا لا يصفه إلا عارف بدقيق بلائه ، ولا يحذره إلا خائف من خفي مكره وابتلائه فإذا سلوت عنه به كان ذلك دليلا منه أنه قد رفضك وأطرحك كما أنت إذا كنت تحبه إنما أحببته به ، وهذا هو تحقيق المكر السريع بسرعة تقليب القدرة لقلوب الذي تحقق بالمكور ، وهو درك الشقاء الذي أدرك المغرور بما لا يدركه الطرف لسرعته ، ولا يحول في الوهم لخفيته ، كقوله تعالى : ( إذا لهم مكر في آياتنا ) يونس : 21 ، أي معصية بالنعم ، قل الله أسرع مكرا أي أخفى تقليبا قد أظهر لهم نعما أحبوها ، وكانت عقوبة ونقاما باطنة في لبس النعم الظاهرة يدر جوابها إلى درجة درجة من حيث لا يعلمون ، وأشد من هذا كله خوف الاستبدال لأنه لا مشوبة فيه ، وهذا حقيقة الاستدارج يقع عن نهاية المقت من المحبوب ، وغاية البغض منه والبعد ، والسلو مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب بداية ذلك كله ، والقبض عن الذكر وضيق الصدر بالبر أسباب هذه المعاني المبعدة والمدارج المدرجة ، إذا قويت وتزايدت أخرجت إلى هذا كله ، وإذا تناقصت وبدل بها الصالحات والحسنات أدخلت في مقامات المحبة والقربات ، كما جاء في الأثر الثابت عن حبيب الله ، وكذلك في تدبر الخطاب أن العاكف على هواه مقيت الله ، فوجد هذه الأوصاف منك دلائل ما عاد عنك من الاستبدال بك والإسقاط لك ، والخوف من هذه المعاني علامة المعرفة بأخلاقه الملوئة ، ولا يصلح شرح هذه المقامات في كتاب ولا تفصيلها برسم خطاب ، إنما يشرح في قلبه بيقينه قد شرح وبفضل العبد من نفسه قد فصل ، فأما قلبه مشترك وعبد في هواه مرتبك ، فليس لذلك أهلا والله المستعان ، وثم خوف ثامن عن شهادة حب عال يغرب اسمه فيلتبس ، ويخفي وصفه لقلة اشتهاره في الاستماع فيجهل ، لم نسمه لأنه خوف عن مقام له اسم من المحبة ، فيشتبه على كثير من سامعيه فينكرونه ويتشنج في أوهام غير مشاهديه بالخلق فيمثلونه ، لأن أسماء صفات الخلق ملتبسة بمعنى صفات الخالق ، وإنما لهم من ذلك مايعلمون وهم بعلومهم محجوبون ، فكيف بها يشهدون ، فإن ذكرنا خوفه ثم على ذكر مقامه فظهر بإظهاره ، فكان طيه أفضل من نشره إلى أن يسأل عنه من ابتلي بمصدره عنه ، بعد أن نشرت منه لأن مقامات المحبة كلها إلى جنب مقامه ، كنهر ضيف إلى بحر مثله ، كمثل مشاهدات اليقين كلها إلى جنب شهادة التوحيد بالتوحيد ، وهو وصف من المحبة يعرف لأنه من شوق الحبيب إلى المحب ، وهو من معنى قول رابعة آنفا : حب الهوى ، ومن معنى قول عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : أرى ربك يسارع إلى هواك ، ومن صدر عن مقام محب بعد وروده رفع إلى هذا المقام لأنه في مقام محبوب لجميل مشاهدات اليقين ، وقد كان الجنيد رحمه الله ينشد هذين البيتين كثيرا : تين كثيرا : ومن بعد هذا ما تدق صفاته .

Bölüm V02/P096–V02/P097

. . وما كتمه أحظى لديه وأعدل ألا أن للرحمن سرا يسره . . . إلى أهله في السر والستر أجمل وقد ذكرنا معناه بعض المحبوبين في كلام منظوم في بيتين وهما : فمنك بدا حب بعز تمازجا . . . بماء وصال كنت أنت وصلته ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه . . . فكان بلا كون لأنك كنته وقال بعض العلماء : من عرف الله من طريق المحبة بغير خوف هلك بالبسط والإدلال ، ومن عرفه من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش ، ومن عرف الله من طريق المحبة والخوف أحبه الله فقربه وعلمه ومكنه ، وليس العجب من خوف الخائفين إذ لا يعرفون إلا الصفات المخوفات والأفعال القاصمات ، وإنما العجب من خوف المحبين مع ما عرفوا من أخلاقه وحنانه وشهدوا من تعطفه وألطافه مالم يعرف الخائفون ، ثم هم مع حبهم يهابونه وعلى أنفسهم به يحابونه ، وفي فزعهم منه يشتاقون إليه ، وفي بسطه لهم ينقبضون بين يديه ، وفي إعزازه لهم يذلون له ، لأن من قبض فانقبض فليس بعجب ، ولكن من أعز وأكرم فتواضع وذل فهو العجب ، فللمحبين الانقباض في البسط ، وللخائفين الانقباض في القبض ، وللمحبين الذل مع العز والكرامة ، وللخائفين الذلة مع الهيبة والمهنة ، فهذا يدل على أن معرفة المحبين به أعظم المعارف إذ كانت أوائل أحوالهم المخاوف ، فكل محب لله خائف وليس كل خائف محبا يعني محبة المقربين ، لأنه لم يذق طعم الحب لأن طعم محبة المسلمين المفترضة لا يقع بها اعتبار في مقامات الخصوص ، لأنه لا يوجد عنها مواجيد الأحوال ، ولا يعلى بها في مشاهدات الأنتفال ، لأنها قوت الإيمان ، منوطة بصحته وموجودة بوجوده ، والمحبة لا ترفع الهيبة ، فلذلك كان محبا خائفا لأن المحبوب مهوب ، والخوف قد يقبض عن المحبة لشغل الخائف بوصفه السالف ، وهذا كشف الأبرار وهو حجاب المقرب من المحبة قوت ، وهذا كما يقول في الرجاء والخوف لأنهما وصفا الإيمان ، إلا إن الخائف يتدرج الرجاء في حاله والراجي ينطوي الخوف في رجائه ، وفي سبق ترتيب المقامات من الله تعالى حكم غريب وحكمة لطيفة لا يعرفها إلا من أعطى يقين شهادتها ، إن سبق إلى العبد بمقام الخوف كان محبا حب المقربين العارفين ، وإن سبق إليه بمقام المحبة كان محبا محبة أصحاب اليمين ، ولم يكن له مقامات المحبين المستأنسين ولا المشتاقين في مقامات المقربين ، وكل هؤلاء موقنون صالحون وإن خرجت أحوالهم عن ترتيب علوم أهل الظاهر ، لأن المنكر له أكثر من المقر ، والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ، وربما كانت المحبة ثوابا للخوف ومزيدا له وهذا في مقام العاملين ، وربما كان الخوف مزيد المحبة وثوابها وهذا في مقام العالمين ، فمن كانت المحبة مزيده بعد الخوف فهو من المقربين المحبوبين ، ومن كان الخوف مزيد محبته فهذا من الأبرار المحبين ، وهم أصحاب اليمين . وسئل بعض علمائنا البصريين : الحب أفضل أو الحياء ؟

Bölüm V02/P097–V02/P098

فقال : الحب الذي يورث منه الخوف ، الحياء أفضل من ، والحب الذي يورث الحياء منه أفضل من الحياء وهو الشوق ، وقال الجنيد : المحبة نفسها قرب القلب من الله بالاستنارة والفرح ، فأما حب تجلي الصفات عن الأسماء الباطنة فإنا لم نذكر منها شيئا ، وإنما ذكرنا محبة الأخلاق عن الأسماء الظاهرة ، ولا أحسب أنه يحل رسمه في كتاب ولا كشفه لعموم الناس لأنه من سر المحبة لا يكاشف به إلا من اطلع عليه ولا يتحدث به إلا من أعطيه ، وما رأيت أحدا رسمه في كتاب لأنه لا يؤخذ من كتاب ، وإنما يتلقى من أفواه العلماء ، وينسخ من قلب إلى قلب ، وهو يشبه ماكتبنا عنه آنفا من الخوف الثامن الذي لم نصفه لمن لا يعرفه ، ومما نقل في الأثر من وصف من أذيق منه ولم يفصح بذكر وصفه أنا روينا في الأخبار : أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله أن يرزقه ذرة من محبته ففعل ذلك ، فهام في الجبال وحار عقله ، ووله قلبه ، وبقي شاخصا سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء ، فسأل له الصديق ربه فقال : يارب انقصه من الذرة نصفها ، فأوحى الله إليه إنما أعطنياه جزءا من مائة ألف جزء من ذرة من المعرفة ، وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي سألني هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا ، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته ، فقسمت ذرة من المحبة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه من ذلك ، فقلت : سبحانك أحكم الحاكمين انقصه مما أعطيته ، قال : فأذهب الله عنه جملة ذلك الجزء وبقي فيه عشر معشاره وهو جزء من ألف جزء ، فاعتدل خوفه وحبه وعلمه ورجاؤه ، وصار كسائر العارفين ، ومن علم المحبة سهر الليل بمناجاة الجليل ، والحنين إلى الغروب شوقا إلى الخلوة بالمحبوب ، ومناجاة القلب سرائر الوجد ، ومطالعة الغيب والمناجاة عند أهل المصافاة ، إنما هي بالقلوب وهي مطالعاتها بواطن الغيوب ، وجولانها في سر الملكوت وعلوها في معاني الجبروت بأنوار أرواحها ، يحملها شعاع أنواره فيوقعها على خزائن أسراره ، والمناجاة دليل رؤية القرب وشاهد وجود الأنس ، وفيما أخبرنا عن الله تعالى أنه قال : كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني ، أليس كل حبيب يحب الخلوة بحبيبه ، فها أنا ذا قريب من أحبابي أسمع سرهم ونجواهم وأشهد حنينهم وشكواهم . وروينا عن بعض العلماء القدماء أن الله عز وجل أوحى إلى بعض الصديقين : أن لي عبادا من عبادي يحبوني وأحبهم ، ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ، يذكروني وأذكرهم ، وينظرون إلي وأنظر إليهم ، فإن حذوت طريقهم أحببتك ، وإن عدلت عنهم مقتك ، قال : يارب : وماعلامتهم ؟

Bölüm V02/P098–V02/P099

قال : يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب ، فإذا جنهم الليل ، واختلط الظلام ، وفرشت الفرش ، ونصبت الأسرة ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، نصبوا لي أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجوني بكلامي ، وتملقوا لي بأنعامي ، فبين صارخ وباك ، وبين متأوه وشاك ، وبين قائم وقاعد ، وبين راكع وساجد ، بعيني ما يتحملون من أجلي ، وبسمعي ما يشتكون من حبي ، فأول ما أعطيهم ثلاثا أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم ، والثانية لو كانت السموات والأرض ومافيهما في موازينهم لاستقللتها لهم ، والثالثة أقبل بوجهي عليهم فترى من أقبلت بوجهي عليه لا يعلم أحد ما أريد أن أعطيه ، وأما الشوق فإنه مقام رفيع من مقامات المحبة ، وليس يبقى الشوق للعبد راحة ولا نعيما في غير مشوقه ، والمشتاقون مقربون بما أشهدوا من الشوق إليه ، وهم المأمور بطلبهم ، الموجود الحبيب عندهم مثوبة منه لهم لما شوقهم إليه في قوله لموسى عليه السلام : اطلبني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ، هم المشتاقون من المحبين والله أعلم ، وذلك أن الحبيب قرب منهم بوصفه تكرما ، ففرحوا بقربه ، وعاشوا بمشاهدته ، ونعموا لحضورهم عنده ، ثم احتجب عنهم غيرة على نفسه لعزه فانكسرت قلوبهم لأجله ، فاشتاقوا إلى ما عودهم منه ، فثبتت لديه حرمتهم ، فأمر أولياءه بطلبهم ، وأوجد نفسه عندهم لمكانتهم عنده ، ففرح هؤلاء من المحبين بقربه لا يوصف ، وانكسارهم ، وحزنهم لأجله لا يعرف ، والله سبحانه قد يعرض عن محبيه تعززا ليزعجهم الشوق إليه ، ويقلقهم الأسف عليه ، وينظر إليه في إعراضه عنهم من حيث لا يعلمون لينظروا إليه من حيث يعلمون ، فسيكنون بالأدب بين يديه ، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم ، وكان أحد المشتاقين وهو من أبدال هؤلاء الذين نتكلم في علمهم ونكشف طريقهم ، وكانت له رحمه الله أماكن من المحبة رفيعة ، وكاشفات في القرب عليه ، قال : قلت ذات يوم يا رب إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك ، فقد أضر بي القلق ، قال : فرأيت في المنام أنه أوقفني بين يديه ، فقال : يا إبراهيم ، أما استحيت مني أن تسألني ما يسكن به قلبك قبل لقائي ، وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه أم هل يستروح المحب إلى غير مشوقه ؟ قال : قلت : يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني كيف أقول ، فقال : قل اللهم رضني بقضائك ، وصبرني على بلائك ، وأوزعني شكر نعمائك . وقد حدثونا بمعنى ذلك عن أحمد بن عيسى الخراز ، وكان مشتهرا بالسماع كثير الحركة والصعق عنده ، ذكر بعض أصحاب سهل قال : رأيته في المنام بعد موته فقلت : ما فعل الله بك فقال : أوقفني بين يديه ، فقال لي : يا أحمد حملت وصفي على ليلي وسعدي لولا أني نظرت إليك في مقام واحد أردتني به خالصا لعذبتك ، قال : وأقامني من وراء حجاب الخوف فأرعدت وفزعت ما شاء الله ، ثم أقامني من وراء حجاب الرضا فقلت : يا سيدي لم أجد من يحملني غيرك ، فطرحت نفسي فقال : فقل : صدقت من أين تجد من يحملك غيري ؟

Bölüm V02/P099–V02/P100

قال : وأمر بي إلى الجنة ، وفي هذا تخويف للسامعين على التشبيه ، الحائدين عن سمع أهل الفهم والتنبيه ، لأن السماع علم لا يصلح إلا لأهل الصفاء ، فمن سمعه على كدر فذاك له محنة وضرر ، ويدخل من الآفات على نقصان المشاهدات إذا سمع من قبل النغمة والصوت مايدخل على من نظر إلى الأيدي في العطاء ، لأن الصوت ظرف للمعاني بمنزلة اليد ظرفا للأرزاق ، فالنظر الموقن يأخذ رزقه من اليد ، ويترك النظر والسامع المحق ، يأخذ المعاني من الصوت ولا يلتفت إلى التنغيم بها ، فمن سمع على التشبيه والتمثيل ألحد ، ومن سمع على الهوى والشهوة فهو لعب ولها ، ومن سمع باستخراج الفهم ومشاهدة العلم على معاني صفات حق ونظر وتطرق ودليل على آيات صدق ، كان سامعا على مزيد ، وهذه طرائق أهل التوحيد ، وفي السماع حرام وحلال وشبهة ، فمن سمعه بنفس بمشاهدة هوى وشهوة فهو حرام ، ومن سمعه بمعقوله على صفة مباح من جارية وزوجة كان شبهة لدخول اللهو فيه ، وفعل هذا بعض السلف من التابعين ، ومن سمعه بقلب بمشاهدة معان تدله على الدليل وتشهده طرقات الجليل فهذا مباح ، لا يصح إلا لأهله ممن كان له نصيب منه ، ووجد في قلبه مكانا له لعبد أقيم مقام حزن ، أو شوق أو في مقام خوف ، أو محبة ، فيحركه السمع ويخرجه إلى الشهادة ، فيكون ذلك مزيده من السمع ، فأما من سمعه على نغمة ، أو لأجل صوت ، أو ليلهو به ، أو ليستروح إليه ، فهذا لاعب لاه لا يحل له إذ ليس مرادا به ، وكان الجنيد يقول : تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن ، عند الطعام لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند المذاكرة لأنهم يتذاكرون أحوال النبيين ، ومقامات الصديقين ، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا ، وكان بعض العارفين يقول : تعرف مواجيد أصحابنا في ثلاثة أشياء ، عند المسائل وعند الغضب ، وعند السماع ، وإنما ذكرنا هذا لأنه كان طريقا لبعض المحبين وحالا لبعض المشتاقين ، فإن أنكرناه مجملا فقد أنكرنا على تسعين صادقا من خيار الأمة ، وقد دخل فيه غير أهله فأحالوه عن وجهته ، وعدلوا به عن قصده ، وقد كان بعض السامعين يقتات السماع فيجعله قوته ، ويتقوى به على زيادة طيه ، وأحدهم يطوي اليومين والثلاثة ، فإذا تاقت نفسه إلى القوت عدل بها إلى السماع ، فأثار منه مواجيده ، وأهاج فيه أذكاره ، فحمله ذلك عن الطعام ، وأغناه عن الأنام ، فهذا لا يصلح إلا لقلب صاف من الأكدار ، نقي نظيف من الآثام ، ومن شهد فيه خلقا فذلك علامة كدر قلبه ، ومن أحدث فيه لعبا ولهوا فهو دليل نقص لبه . حدثني بعض الشيوخ عن شيخ له قال : رأيت أبا العباس الخضر فقلت : ماتقول في هذا السماع الذي يختلف فيه أصحابنا ؟

Bölüm V02/P100–V02/P101

فقال : هو الصفا الزلال لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء ، وقد صدق في قوله : لأنا روينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أخوف ما أخاف على أمتي الشهوة الخفية والنغمة الملهية ، وأن حماد روى عن إبراهيم : الغناء ينبت النفاق في القلب ، وعن مجاهد : ومن الناس من يشتري لهو الحدث ليضل عن سبيل الله قال : الغناء وهداكما ، قالاه : لأن سماع الغناء حرام وأجور المغنيات وأثمانهن حرام ، والفرق بين الأغاني والقصائد أن الأغاني ما شبب به النساء وذكر فيه الغزل ، ووصفن به ، وشهدن منه ، ودعا إلى الهوى ، وشوق إلى اللهو ، فمن سمع من حيث قال القائلون بهذه المعاني فالسماع عليه حرام ، والقصائد ماذكر بالله ، ودل عليه ، وشوق إليه ، وأهاج مواجيد الإيمان ، وأثار مشاهدات العلوم ، وذكر به طرقات الآخرة ومقامات الصادقين ، فمن سمع من حيث شهد بهذه الشهادة فهو من أهله إذ له نصيب منه ، وقال الله سبحانه : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ، فالكلام روحان ، منثور ومنظوم ، فالمنثور كلام العلامة ، والمنظوم كلام الشعراء ، فما ذكر به الله ويذكر منه فهو طريق إليه ، ولم يزل الحجازيون عندنا يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام التي أمر الله عباده أن يذكروه فيها ، أيام التشريق من وقت عطاء بن أبي رباح إلى يومنا ، هذا ما أنكره عالم ، وقد كان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما ، ويحمل القول في السماع أن من سمع فظهرت عليه صفات نفسه وذكرته حظوظ دنياه فالسماع عليه حرام ، ومن سمع فظهر له به ذكر ربه ، وتذكر به أجل ما شوقه الله إليه وأعده لأوليائه ، فهو له ذكر من الأذكار ، وسئل عالمنا رحمه الله فقيل له : بلغنا أنك تنكر السماع ، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون فقال : كيف أنكر السماع وقد سمعه عبد الله بن جعفر الطيار ، يعني ابن أبي طالب ، وإنما أنكر اللهو وأنكر اللعب في السماع ، ولعمري أن هؤلاء الأشياخ الذين ذكروا قد كانوا يسمعون ، ولكن كان منهم من سمع السر دون العلانية ، ومنهم من كان يسمع مع إخوانه ونظرائه دون الأتباع والأصحاب ، وكانوا يقولون : لا يصح السماع إلا لعارف مكين ، ولا يصلح لمريد مبتدىء وكان بعض العلماء قد ترك السماع فقيل له ، فقال : ممن ؟ فقيل له : فأنت ، فقال : مع من كانوا لا يسمعون إلا من أهله ومع أهله . وحدثونا عن يحيى بن معاذ قال : فقدنا ثلاثا فما نراها ولاأراها تزداد إلا عزة ، حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة ، وحسن الأخاء مع الوفاء ، وقد سمع من الصحابة غير عبد الله بن جعفر أربعة منهم : ابن الزبير والمغيرة بن شعبة وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم قال : طفت ذات ليلة بالبيت ، وكانت ليلة مظلمة ذات مطر ورعد ، فخلا الطواف ، فلما انتهيت إلى الباب قلت : اللهم اعصمني حتى لا أعصيك أبدا ، قال : فسمعت قائلا يقول : من جوف البيت يا إبراهيم أنت تسألني أن أعصمك وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر ؟ وفي خبر وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أنك تكثر مسألتي ولا تسألني أن أهب لك الشوق ، قال : يا رب وما الشوق ؟

Sorular

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb · 26 · Qur'an & Sunnah