Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Bölüm V01/P187

ذكر المقام الخامس من مراقبة الموقنين من المقربين

Bölüm V01/P187–V01/P189

قال الله تعالى مخوفا للكافة : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) ثم أجابه فقال : كلا وحقق قوله تعالى فقال : ( إنها كلمة هو قائلها ) المؤمنون : 100 ثم نهى المؤمنين نهيا صريحا عن مثل هذه الحال وأخبر بنقصان من فعل ذلك فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) المنافقون : 9 أي لا تشغلكم عن الطاعة الله تعالى ثم قال : ( ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) المنافقون : 17 أي المغبونون المنقوصون في الآخرة لأنهم آثروا المال والولد على الخالق الرازق ثم أمر بالإنفاق مما رزق وقرنه بالإيمان وأخبر أنه استخلفنا في ملكه اختبارا لنا فقال : ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) الحديد : 7 فيه فسمع الغافلون نصف الكلام فآمنوا ولم ينفقواوعقل العاملون كل الكلام فآمنوا وأنفقوا ومايعقلها إلا العالمون ، وقال سبحانه : ( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ) المنافقون : 10 أي بالأعمال وكان ابن عباس يقول : هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد لأنه لا يتمنى التأخير والرجوع إلى الدنيا أحد له عند الله خير في الآخرة ، ومثل هذا قوله سبحانه : ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) الزمر : 56 الحسرة هي أعظم الندامة وهي اسم لفوت شيء لا تدارك فيه فرطت أي ضيعت وونيت وفرط مني أي ذهب وفات وجنب الله قيل : على ما فاتني من الجزاء منه في الآخرة وقيل : ما فات من النصيب في أيام الدنيا إلى قوله أو تقول حين ترى العذاب : ( لو أن لي كرة ) الزمر : 58 يعني إلى الدنيا عودة أخرى ( فأكون من المحسنين ) الزمر : 58 ، وقوله أن تقول نفس من الكلام المضمر المعطوف ومضمره من قبل أن تقول أو خشية أن تقول ومعطوفه هو قوله : ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ) الزمر : 54 ، أي اقبلوا إليه وتوبوا واستسلموا وسلموا قلوبكم ونفوسكم وأموالكم في طاعته وعبادته ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) الزمر : 55 ، أي اتبعوا العزائم من الأمور والفواضل من الأعمال فهو أحسن من الرخص والمباحات مثل الزهد والورع والخوف والإيقان فهذا من أحسن ما أنزل إلينا من ربنا ثم قال تعالى : ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) الزمر : 56 ، فلما طال الكلام وأضمر معطوفه وبعد عاطفه للاختصار أشكل فهمه ، وفي القرآن ما هو أشد اختصارا وأبعد من هذا إضمارا كقوله تعالى : ( فما يكذبك بعد بالدين ) التين : 7 ، المعنى : فما الذي يحملك على التكذيب أيها الإنسان الذي خلقناه في أحسن تقويم بعد هذا البيان والبرهان بالدين بالغائبات والكائنات من أمور الدين والحسنات والجزاء ثم أحكم ذلك برده إليه فقال : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) التين : 8 وكذلك قوله : ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) القصص : 77 ، المعنى : لا تترك أن تعمل في الدنيا بأيامك هذه فتدرك نصيبك غدا من الآخرة في الدنيا فإنك لا تدكه إلا فيها ثم أحكمه بقوله : ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) القصص : 77 ، أي أحسن إلى نفسك وإلى إخوانك الفقراء كالذي أحسن إليك به من المال والغنى ، فبذلك تدرك نصيبك من الدنيا في الآخرة ، ثم أخبر الله سبحانه الكل وحذرهم فقال : ( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ) الأنعام : 31 ، أي : يا ندامتنا على ما ضيعنا في الدنيا وفاتنا في الآخرة ، وفي الخبر : لا يموت أحد إلا بحسرة وندامة إن كان مسيئا كيف لم يحسن وإن كان محسنا كيف لم يزدد وذلك أن الله تعالى جعل أهل السلامة والنجاة طبقتين بعضهم أعلى من بعض وجعل أهل الهلكة طبقة واحدة بعضهم أسفل من بعض فكان صاحب الشمال يتحسر كيف لم يكن من أصحاب اليمين لقوله تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة ) ( إلا أصحاب اليمين ) المدثر : 38 - 39 وصاحب اليمين يتحسر كيف لم يكن من المقربين والصالح من المقربين يتمنى أن يكون من الشهداء والشهيد يود أنه من الصديقين فهو يوم الحسرة الذي أنذر به أهل الغفلة فكيف بهم في ذلك اليوم إذا كانوا اليوم أمواتا ولم يكن له حسنة فإني لهم النذارة والتذكرة كما قال : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 93 ، وقد قال : ( لينذر من كان حيا ) يس : 07 ، كما قال : ( إنما أنت منذر من يخشاها ) النازعات : 54 ( إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ) ، وقال تعالى : ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، يعني إلى ماقدمت وقيل حديد إلى لسان الميزان تخاف النقصان وقال تعالى : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) ق : 91 قيل بالسابقة لهم وعليهم فهو الحق سبقت لهم منا الحسنى حقت عليهم كلمة ربك لايؤمنون وسقط ما دونها وقد قيل إنما يوزن من الأعمال خواتيمها والخواتم من السوابق وما بينهما زاهق والوزن يومئذ الحق ما سبق من العدل والصدق وتمت كلمة ربك صدقا لأوليائه وعدلا على أعدائه ألا له الخلق والأمر .

Bölüm V01/P189

ذكر المقام السادس من مشاهدة المقربين

Bölüm V01/P189–V01/P190

الخيرات هي من ثمرات الإيمان ، والصالحات هي مقتضى اليقين ، واللعب مقتضى الشك ، والسمع والبصر وصفان للمتقين ، والعمى والصمم وصفان للشك ، تنتظم هذه المعاني في قول الله تعالى : ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) البقرة : 93 فدل أن الإيمان يأمر المؤمنين بالبر والتقوى وقوله تعالى مخبرا عمن أيقن فسمع وأبصر فينال العمل الصالح : ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) السجدة : 12 قوله تعالى في وصف اللاعبين : ( بل هم في شك يلعبون ) الدخان : 9 ، ثم ذكر حالهم لعدم اليقين فقال تعالى : ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) هود : 20 لأنهم لم يكونوا موقنين ، فلما جاءهم اليقين وهو المعاينة أبصروا وسمعوا فقالوا : وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فوصفهم بشدة السمع والبصر حينئذ لما أيقنوا فقال عز وجل : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) مريم : 38 أي ما أسمعهم وأبصرهم اليوم لما جاؤونا فرأوا ما عندنا وهذا للمبالغة في الوصف كما تقول : أكرم وأعظم به أي : ما أكرمه وأعظمه ، فكذلك إذا أتيته اليوم وأنت موقن سمعت مالم تسمع وأبصرت ما لم تر قبل ذلك ولكن شغلتك الأزواج التي خلق والأشكال والأشباه التي أظهر فتألهت إليها ووقفت معها ولو فررت منها إلى الله تعالى لفررت إلى خير مفر ولأواك عنده في أحسن مقر وقد أمرك بالفرار منها إليه لو قبلت ونهاك عن التأله إليها لو سمعت وبين لك النذارة لو فهمت وجعل ما خلق من الأزواج تذكرة به ولو عرفت ورادة إليه لو أنك للذكر اتبعت ومشوقة إليه لوكنت لقربه أحببت أما سمعته يقول : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 أي مثلين وشكلين لكي تذكروا الله بها وتشتاقوا إليه منها ثم قال : ( ففروا إلى الله ) الذاريات : 50 أي عنها بالزهد ثم قال : ( ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 أي لا تؤلهوا معه إلها ولا تشركوا بتألهكم إليه إياها فهذا فهم المقربين عن سمعهم بشهادة أبصار قلوبهم فعندها كان استجابتهم له كما قال : إنما يستجيب الذين يسمعون وقال : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ) الشورى : 26 ولكن كيف يسمع من ينادي من مكان بعيد وكيف يبصر من القفل على قلبه عتيد وكيف يستجيب من لا يسمع وكيف يشهد من لا يبصر وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : حبك للشيء يعمي ويصم ، فالهوى يعمي عن الحق والشهوة تصم عن النصح والصدق ، وكذلك لو أحببته لنظرت إليه ولو نظرت إليه لعميت عمن سواه ولو أقبلت عليه لاستمعت إليه ولو سمعت لصممت عن غيره ولو أحبك لكان سمعك وبصرك وقلبك ويدك وناصرك ومؤيدك تدعوه فيجيبك وتسأله فيعطيك وتنصح له فينصح لك ، كذلك جاء الخبر بذلك فشغلك به عنك وفرغك له منك فكيف تسمع عنه وتنظر إليه وتتقلب عنده وتتحرك به لا بنفسك وهواك ولا بشهوتك ودنياك فهذا وصف حبيب عن تقلب حبيب وخبر محبوب عن تثبيت محبوب فإذا تيقن العبد يقين عين لا يقين ظن وسمع بما ذكرناه من سرعة فوت الوقت وفوت دركه شغله الغم والحزن على مافات عن مثل ما سلف مما ندم عليه في مستقبل الأوقات فلم يضم إلى الفوت الأول فوتا ثانيا لحزنه وندمه عليه فكيف يردفه في الحال بما يشبه ما ندم عليه من سوء الأعمال وما لا يحمد عاقبته ولا يغتبط به في المال ، فمثل العبد المتيقظ في آخر غفلته مثل عبد كان عليه عمل لا بد أن يعمله في يومه ذلك إلا أنه لهي عنه لغفلة ملهية أو نومة منسية فلم يفق لعمله ذلك الذي لا بد منه إلا بعد العصر فلا يسأل عن حرصه وانكماشه وتشهيره وبداره في بقية نهاره ليدرك به ما فاته من أول النهار فهو يود أن وقته ذلك إلى الليل مد له أضعافه أو رد إلى أول النهار ليدرك ما فاته فهذا حال التائب المتيقظ من رقدته وهذا لا يستبين له إلا بعد الموت لمعاينة تقضي الأوقات ولليقين بعدم درك مافات ، فهناك وقعت الندامة الكبرى وحينئذ حلت الحسرة العظمى ، فالحزم عند العقلاء الموقنين هو الانكماش والتشمير فيما بقي من العمر القصير لأن الاشتغال بما فات في وقت درك مثله في المستقبل هو إضاعة ثانية لما هو آت ، فحرص هذا المتيقظ واجتهاده أن يكون له في كل وقت وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته التي هي خزائن أعماله شيئا فشيئا لئلا يرى خزائنه فارغة غدا فيتحسر على فراغه منها وهذا طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في طول البقاء بحسن خدمة المولى وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ما فرط منه من الغفلة في القديم ، فهذا هو الحزم والاحتياط عند العلماء فإن يكن الأمر صعبا شديدا كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق الله تعالى من صعوبته وإن كان الأمر سهلا قريبا كما يرجوه كانت الأعمال درجات والفضائل مقامات .

Bölüm V01/P190

يكون له في كل وقت وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته التي هي خزائن أعماله شيئا فشيئا لئلا يرى خزائنه فارغة غدا فيتحسر على فراغه منها وهذا طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في طول البقاء بحسن خدمة المولى وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ما فرط منه من الغفلة في القديم ، فهذا هو الحزم والاحتياط عند العلماء فإن يكن الأمر صعبا شديدا كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق الله تعالى من صعوبته وإن كان الأمر سهلا قريبا كما يرجوه كانت الأعمال درجات والفضائل مقامات .

Bölüm V01/P190

ذكر المقام السابع من مشاهدة الموقنين

Bölüm V01/P190–V01/P192

اعلم أن ما ذكرناه من تدارك الأوقات خوف فوتها ليس هو بتمني مكان دون مكان ولا هو بانتظار وقت ثان الذي هو في الأصل فكر الوقت الذي هو فيه ولا توقع حال سوى الحال الذي هو يليه إنما هو صوم يوم أو قيام ليلة أو ذكر في ساعة أو جمع هم عن شتات قلب أو قطع لأثر في خطر ويكون ذلك أيضا غض طرفه وصون سمعه وكف يده وحبس قدمه وصمتا عن كلمة دنية وترك لقمة شهية ونقصانا من قوت وزيادة جوع للمقيت وأمرا بكلمة رشيدة ونهيا عن فعلة دنية وعقد نية حميدة وحل نية ذميمة وتجديد توبة وإعمال قلب في فكرة وإخراج سوء ظن واعتقاد حسن ظن واستقامة وصحة عزم في قصد وتسببا إلى ما يقوي العزم ومعونة على بر وتقوى ؛ وهذا كله يكون في الوقت ويحدثه في الحال لا يسوف به ولا ينتظر منه ولا يتوقعه في وقت ثان ولا يؤخر إلى زمان دون وقته ولا يتربص به في مكان دون مكان فهذا هو التدارك للأوقات في وقتك الذي أنت فيه خشية فوت الوقت فيحصل على التسويف والتمني أو في الانتظار والتراخي ؛ فهذه من جنود إبليس يقطع بها المريدين وهو مقام المغترين وأحوال البطالين الذين وكلوا إلى أنفسهم وتركوا مع هواهم ولم يتداركوا في أحوالهم ولم يقدموا لغدهم نسوا الله فنسيهم والوقت إذا انقضى فقد ، ولم يوجد إلى يوم القضاء والساعة إذا مرت طويت فلم تنشر إلى يوم النشور وإنما ينشر مثلها ويخلق شبهها فإذا أيقن العقد علم أن عمره كله يوم وأن يومه كله ساعة وأن ساعته كلها وقته الآن وأن وقته حاله وأن حاله قلبه فأخذ من حاله لقلبه ما يقربه إلى مقلبه بنهاية عمله ، فعمل أفضل ما دل علمه عليه وما ندبه مولاه إليه ومما يجب أن يفجأه عليه فيكون ذلك خاتمة عمله الذي يلقى مولاه به ثم أخذ من وقته لحاله ما يصلح حاله لقلبه ويقوي قلبه ويخلصه لربه وأخذ من ساعته لوقته ما يزين به حاله عند ربه وأخذ من يومه لساعته صلاحه فيها وحاجته إليها وأخذ من شهره ليومه فكان شهره يومه وكان يومه ساعته فشغله وقته عن ساعته وشغله حاله عن وقته فكان على هذا مراعيا لوقته محافظا على حاله قائما على نفسه جامعا لهمه محصيا لأنفاسه مراقبا لرقيبه مجالسا لحبيبه لا يخرج عنه نفس في أدنى وقت إلافي ذكر لمذكور أو شكر على نعمة لمنعم أو صبر في محبة عتيدة أو رضا عند شدة شديدة ويكون في ذلك كله ناظرا إلى الرقيب مصغيا إلى القريب سائحا إلى الحبيب لا ينظر إلا إليه ولا يعكف إلا عليه وقد جعل العمر يوما واليوم ساعة والساعة وقتا والوقت حالا والحال نفسا والنفس مراقبة والمراقبة مواجهة فتوجه في وجهته فلم ينثن وساح في قربه فلم ين فكان من الإيمان على مزيد ومن اليقين في تجديد وأعطي من الحياة الطيبة بغير حساب وكشف له عن قلبه الحجاب فكانت المعرفة مقامه وقصرت عليه أيامه فكان وقته وقتا واحدا لواحد وكان قلبه واحدا لواحد وهمه منفردا لمنفرد ، وهذا حال الأبدال الذين هم من الرسل أمثال ، وعددهم في الموقنين قليل ونصيبهم من اليقين وافر جليل ، وهم المقربون والصديقون ومن علم ما ذكرناه على يقين فهو من الصالحين ومن آمن به ولم يشك فيه لأهله إيمان تصديق فهو من الموقنين ومن شهد منه شهادة يكون له منها مطالعات وزيادة فهو من الشاهدين وجميع ماذكرناه من مراقبة المؤمنين وشهادة المقربين يدرك بأحد مقامين : من أقيم في أحدهما جمع له ذلك استقامة في توبة وعمل بعلم فمن كان مقامه التوبة وحاله الاستقامة رفع إلى شهادة المحبين ومن كان مقامه العلم وحاله العمل بعلمه تحقق بنعت الخائفين وهما حالا العارف الدائم الوجد بقرب القائم بالشهادة بحضور الشهيد فأنفاسه وطرفاته صالحات وتصرفاته وآثاره حسنات وأفكاره وأذكاره مشاهدات فهو حاضر في تصريفه متيقظ في تقلبه وبهذا وصف العارف والدائم الوجد وحدثت عن بعض هذه الطائفة أنه دخل على بعض المنقطعين إلى الله تعالى من أهل المراقبة فقال له : أحصيت من نعم الله تعالى علي في نوع واحد أربعة وعشرين ألف نعمة ، قلت : وكيف ذلك ؟

Bölüm V01/P192–V01/P193

قال : حسبت أنفاسي في اليوم والليلة فوجدتها أربعة وعشرين ألف نفس ، ويقال : أن الطرفات ضعف ذلك لأن كل نفس طرفتان وسمعت أن الله عز وجل أوحى إلى بعض الأنبياء كيف تؤدي شكر نعمتي عليك ولي في كل شعرة نعمتان إن لينت أصلها وإن طمنت رأسها ، وقال بعض العلماء : روي ذلك أيضا عن علي عليه السلام : ليس شيء أعز من الكبريت الأحمر إلا ما بقي من عمر العبد ، قال : ولا يعرف مقدار مابقي من عمره إلا نبي أو صديق . يء أعز من الكبريت الأحمر إلا ما بقي من عمر العبد ، قال : ولا يعرف مقدار مابقي من عمره إلا نبي أو صديق . وقال بعضهم : لا يعرف قدر ما بقي من عمره في العزة إلا من عرف ينبوع الكبريت الأحمر فإنه يقال : إنه عيون تنبع في الظلمات لا يعرفها إلا الأبدال والكبريت الأحمر هو كيمياء الذهب الذي يعمل منه الذهب الخالص واذا ألقى منه اليسير على كيمياء الذهب المستعمل ثبت على حاله وإلا استحال وتغير بعد سنين ولا أعلم ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم الكبريت الأحمر إلا في حديث علي عليه السلام الذي وصف فيه الأبدال فذكر عدتهم ونعمتهم وقال في آخر وصفهم : هم في أمتي أعز من الكبريت الأحمر ولا ذكر الذهب الإبريز إلا في حديث الابتلاء ، إن الله تعالى يجرب عبده بالبلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز ومنهم من يخرج أسود محترقا ومنهم من يخرج بين ذلك .

Bölüm V01/P193

الفصل التاسع والعشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين وتمييز أهل الغفلة المبعدين

Bölüm V01/P193–V01/P194

فإذا كان العبد يوصف ما ذكرنا كان كما قال الله تعالى : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) ( والذين هم بشهاداتهم قائمون ) المعارج 32 - 33 وقال بعض العارفين : عمر العبد أمانة الله تعالى عنده يسأله عند موته ، فإن كان فرط فيه ضيع أمانة الله تعالى وترك عهده ، وإن راعى أوقاته فلم تخرج ساعة إلا في طاعة الله حفظ أمانته ووفى بعهده فله الوفاء من الله على الوفاء ، كما قال سبحانه وتعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ) البقرة : 40 أي في تضييع العهد وفي ترك الوفاء وكما قال تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) هود : 17 أي شهد مقام الله تعالى منه بالبيان فقام بشهادة الإيقان فليس هذا كمن زين له سوء عمله واتبع هواه فآثره على طاعة مولاه بل هذا قائم بشهادته متبع لشهيده مستقيم على محبة معبوده وكان كمن وصف في قوله تعالى : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) وكمن مدحه بحقيقة الإيمان في قوله تعالى : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 أي علامته ودلائله ( وعلى ربهم يتوكلون ) أي به يثقون وإليه ينظرون وعليه في كل حال يعتمدون ولديه من كل شيء يطمئنون وعنده دون كل شيء يوجدون ثم قال سبحانه : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ) الأنفال : 4 الآية ، وليس أهل الحقائق من المتوكلين الذين مدحهم الحق بالحق وأعد لهم الدرجات العلى ، والكريم من الرزق كمن ذكره بعدهم فقال : وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم مع قوله ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ، فجعل حال هؤلاء وصفا مشبها لمقام أعدائه لما بقي عليهم من أهوائهم وجعل مقام الصالحين بمعنى من وصفهم في الآية بحقيقة زهدهم فقال تعالى : ( ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) طه 75 فهو العلي وأحباؤه الأعلون وإنما كانو أعلين لأن الأعلى معهم وكنا نحن الأدنين لأن الدنيا عندنا ، قال الله سبحانه في وصف من أعرض عن ذكره ولم يرد إلا الحياة الدنيا إذا أمر الحبيب بالإعراض عنه لأنه طلب الأدنى عاجلا أو سوف بالمغفرة آجلا لقوة جهله وضعف يقينه فقال تعالى : ( يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) الاعراف : 169 وقال : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) النجم : 29 ، وقال في وصف الصادقين المؤمنين : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) الأحزاب : 23 وقال في نعت غيرهم : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) الصف : 2 ، كبر مقتا عند الله فشتان بين من وصف بصدق العهد وبين من ذكر بالخلف وعرض للمقت ، وقال في وصف طائفة : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) سبأ : 20 فخص أولياءه بترك أتباعه وأدخل بعض المؤمنين في تصديق ظنه واتباعه إلا فريقا فهم الصديقون والشهداء ولاصالحون وحسن أولئك رفيقا وهم المتوكلون المؤمنون حقا الذين قال إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وليس من باع ماله ونفسه محبة لمولاه كمن لم يسأله مولاه دون نفسه لئلا يحفيه فيخرج ضغنه عليه كما قال لطائفة من المؤمنين : ( يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) محمد : 36 ، إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم الأحفاء الاستقصاء أي سألكم سأل الجملة كلها وأحب منكم الزهد في نفوسكم بعدها ؛ والأضغان جمع ضغن وهو الحقد تقول : فلستم في مكان سؤال إذ لا يكون البخيل زاهدا لأن أول الزهد الجود ، فمن لم يجد لم يزهد ومن لم يزهد في الدنيا لم يحبه المولى لأنه محب لما يبغض ومريد لما لا يحب فلم يعامل مولاه بأخلاقه ولم يوافقه في مرضاته فباعده وحجبه عن مشاهدة أوصافه كما قال تعالى : ( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) الأنفال : 67 ، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : المبلغ عن المآل إذا أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا ولا تقدر أن تصف حشو قلوب هذه الطائفة من المؤمنين الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم من الله في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراما له ممن يعلم أنه يسارع إليه بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل الكلية وهو المال والنفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى لم يكن على العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض الفاني وهو ضغين لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا ولا من ماله ملكا كان الجواد عوضا له من ماله وكان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله سبحانه لم يذكر إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن المال لئلا يدخل تحت حكم وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا وهو الفرد فأخفى نفسه وهو الدليل وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه .

Bölüm V01/P194–V01/P195

طائفة من المؤمنين الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم من الله في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراما له ممن يعلم أنه يسارع إليه بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل الكلية وهو المال والنفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى لم يكن على العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض الفاني وهو ضغين لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا ولا من ماله ملكا كان الجواد عوضا له من ماله وكان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله سبحانه لم يذكر إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن المال لئلا يدخل تحت حكم وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا وهو الفرد فأخفى نفسه وهو الدليل وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه . وهذه علامة المحبة الخالصة التي لاشرك فيها لسواه ولا دخل عليها من غيره إياه ولا يصلح أيضا أن يكشف عن وصف هؤلاء المحبين لأن حالهم يجل عن الوصف ومقامهم يجاوز علوم العقل والوقت ، إلا أن الله تعالى أحكم ذلك بقوله عز وجل : ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) الزخرف : 17 وبقوله : ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) الأحزاب : 44 مع قوله : ( ولكم فيها ما تدعون ) ( نزلا من غفور رحيم ) فصلت 31 - 32 وقوله : ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ) الواقعة : 88 - 89 ، وأحكم ذلك بقوله تعالى : ( وهو وليهم بما كانوا يعملون ) الأنعام : 127 وبقوله تعالى : ( هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ) آل عمران : 163 ففيه وصف لأهل الولايات والحب ومدح لأهل الدرجات والقرب بقوله : بصير بما يعملون أي لذلك جعلهم درجات عنده ، ولقوله : وليهم بما كانوا يعملون بما تولاهم به قربهم منه وفيه أيضا ذم المنافقين على القراءة الأخرى والله بصير بما تعلمون فقد أبصر أعمالكم أنتم فلم يجعلكم مثلهم إذ لم تكن أعمالكم كأعمالهم فهذا كما قال : ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) الفتح : 18 ثم قال في وصف قلوبنا : ( والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما ) الأحزاب : 15 ثم قال في فصل من القول : ليس بهزل سوى بين هؤلاء وهؤلاء : ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ) ثم قال في ضد أولئك كلاما فاصلا لمفصل مفسر للمجمل : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) الأنفال 23 أي ليس لهم فيه شيء ولا لهم منه نصيب لأنه لم يجعل عندهم مكانا لخير فيوجد فيه خيرا فكان هذا فصل الخطاب وبلاغا لأولي الألباب شهد لهم بذلك إذ قال : ( أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) الرعد : 13 .

Bölüm V01/P195–V01/P196

فأيس المؤمنون من هداية هؤلاء فلم يرجو منهم مجاهدة فيه أبدا لأن الله تعالى لا يهدي من يضل وقيل ييأس لغة بمعنى يعلم أي فقد علموا مما أعلمهم الله تعالى ، ويشهد لهذا المعنى الحرف الآخر لأنه بمعناه أفلم يتبين الذين آمنوا فبين لهم بما بين المبين فسلموا له وأقبلوا عليه وأعرضوا عنهم فسلموا منهم فكذلك قال الولي الحميد ، وكذلك تولى بعض الظالمين بعضا وقال : ( تشابهت قلوبهم ) البقرة : 118 ، فيتبعون ما تشابه منه فكم بين من ثبت قلبه فرسخ العلم فيه وبين من أزاغه فمال إلى فتنة التأويل يبتغيه وشتان بين من تولاه بنفسه إذ صلح له وبين من ولاه إذا أعرض عنه فهذه مقامات المبعدين كما تلك مقامات المقربين فقد دخلوا تحت حكمين لم يخرجوا منهما أعلاهم دخل تحت فضله وأدناهم لم يخرج من عدله وقد أجمل سبحانه وصفهم بقوله : ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ) الروم : 45 وقال في ذكر العموم : ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) يونس : 4 ، بالقسط فخص أولياءه بالفضل وعم خلقه بالعدل ، فكم من قلب لا يشهد إلا الله ولا يسمع إلا منه ولا إليه والله هو الأغلب على همه والأقرب إلى قلبه وبين قلب حشوه الخلق وهمه الرزق لا ينظر إلا إليهم ولا يطمع إلا فيهم ولا ينظر إلا هم الخلق أغلب شيء عليه والخلق أقرب شيء إليه ، فهذا من المبعدين بهم لأن البعد صفتهم وظهور النفس عليه وتحكم سلطانها فيه مكان البعد الذي يوجد البعد معه والأول من المقربين به لأن القرب صفته وخنوس نفسه عنه وتسخيرها له مكان القرب الذي يوجد القرب عنده فذلك من السابقين إلى ربه والمبعد مثبط بنفسه عن ربه وقد قال تعالى : ( فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ) الشعراء : 213 ، فالبعد حجاب والمبعد في عذاب والقرب نعيم والمقرب على مزيد ، ألم تسمع قوله تعالى في تعذيب المحجوب : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) المطففين : 15 ، ثم إنهم لصالوا لجحيم وقال في ترويح المقربين : ( فأما إن كان من المقربين ) ( فروح وريحان وجنة نعيم ) الواقعة : 88 - 89 روح بقريب وريحان من حبيب وجنة نعيم بقرب منعم وقال المروح بالقرب المحيا بالحضور : فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا . . . وإن غبت فالدنيا على محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر . . . عليك ففيمن ليت شعري أنافس وقال المكروب بالبعد المغصص بالفقد : فكيف يصنع من أقصاه مالكه . . . فليس ينفعه طب الأطباء من غص داوى بشرب الماء غصته . . .

Bölüm V01/P196–V01/P198

فكيف يصنع من قد غص بالماء وشتان بين عبد منقطع إلى ربه يخدمه وآخر منقطع لخدمة الخلق يعبدهم وكم بين عبد منقطع عن الناس وبين عبد موصول به الوسواس وشتان بين عبد منقطع بالشوق إلى المولى وبين عبد منقطع بالهوى معانق للدنيا فهذه مقامات المقربين بالحسنى وأضدادها مقامات المبعدين بالسوء فإذا كان العبد على وصف من الحقيقة وفي مقام من التقوى استحق الثناء من مولاه لتحققه بالوصف ونال القرب من القريب لتبعده عن حظوظ النفس ، وفي حسن الثناء من العظيم الأعظم غاية الطالبين ونهاية رغبة الراغبين ولا يكون ذلك إلا لأوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين وهم أهل القلوب السليمة الطاهرة وذوو الجوارح الخاشعة الذاكرة وأولو الألباب الراجحة الفاخرة وهم ثلاث طبقات من مقربي أصحاب اليمين ؛ أهل العلم بالله تعالى ، وأهل الحب لله تعالى ، وأهل الخوف من الله تعالى فهؤلاء خصوص أوليائه المقربين استحضرهم فحضروا واستحفظهم العلم فحفظوا واستشهدهم عليه فشهدوا فهم الأدلة منه عليه وهو دليلهم إليه وهم جامعو العباد به وهو جامعهم عنده لديه أبدال الأنبياء والربانيون من العلماء أئمة المتقين وأركان الدين أو القوة والتمكين الذين كشف لهم الكتاب المستبين وهداهم إليه الطريق المستقيم عليه وهم المنظور إلى قلوبهم كفاحا والمقصودون بالمزيد والتحف مساء وصباحا ومن سواهم من عموم المؤمنين من القراء والعباد وأهل المجاهدة والزهد والأوراد قد أعطاهم الولايات وفرقهم في الأعمال والسياحات وأظهر لهم الآيات تسكينا لقلوبهم بها وطمأنينة منهم إليها لئلا تدخل عليهم الشبهات فيهلكوا ولا تجذبهم الشهوات فيرجعوا فشغلوا بالإظهار عن الظاهر وحجبوا بالظواهر عن الباطن واغتبطوا بالحجاب وسكنوا إلى الأسباب وعكفوا على المقامات واستتروا بالملكوت والآيات فهم مغبوطو الأموات من أهل الدنيا وهم مرحومو الأحياء من أهل الأعلى لأن قربهم بعد عند المقربين وكشفهم حجب عند المشاهدين وعطاءهم رد عند المواجهين إلا أن الله تعالى نظر إليهم لما نظروا لنفوسهم حكمة ورحمة منه لهم فسكنهم في حالهم ورضاهم بمقامهم كيلا تشتت قلوبهم ولا تتحير عقولهم والسابقون الأولون هم الوجهة العليا والمتمسكون بالعروة الوثقى نظروا إليه سبحانه وتعالى به فنظر إليهم منه فهم كما وصفهم : ( ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) لايرجعون إلى مال ولا ينظرون إلى حال يحبهم ويحبون رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه فهم كما وصفوا في الكتب السالفة ، قال الحواريون : ياروح الله صف لنا أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون فقال : هم الذين نطق بهم الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه علموا وبهم قام الكتاب وبه قاموا نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها وعاينوا أجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ماخشوا أن يميتهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم فصار دركهم منها فواتا وفرحهم بها حرمانا ما عارضهم منها رفضوه وما أشرف لهم بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها وخربت فيما بينهم فلم يعمروها وماتت في صدورهم فلم يحيوها قدموها فبنوا بها آخرهم أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب وعندهم أعجب الخبر العجيب ، وقال عز وجل في وصفهم : ( ومن أحسن من الله ) المائدة : 50 حديثا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء وقال تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) آل عمران : 18 وفيها مقرأ غريب بمعنى الجمع للشهداء وكأنه جعل وصفا لما تقدم من ذكرهم في قوله تعالى : ( الصابرين والصادقين ) آل عمران : 17 ، إلى قوله : ( والمستغفرين بالأسحار ) آل عمران : 17 شهد الله أنه لا إله إلا هو وقال : ( كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) الرعد 43 ، فهذا وصف يزيد على كل وصف ويستغرق نعت الواصفين ويجمع هذه المقامات السبعة من المراقبة والمشاهدة حالان عن مقامين مدار المقامات كلها عليهما ومستخرج المزيد من الكرامات منهما ؛ فأحدهما الخوف عن مقام العلم والحال الثاني الرجاء عن مقام العمل ، فمن كان مقامه العلم بالله كان حاله الخوف منه ومن كان مقامه الرجاء لله تعالى كانت حاله المعاملة له ، ألم تسمع إلى قوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 وقوله : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) الكهف 110 .

Bölüm V01/P198

الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب وصفة القلب وتمثيله بالأنوار والجواهر

Bölüm V01/P198–V01/P199

قال الله سبحانه وتعالى : ( ونفس وما سواها ) ( فألهمها فجورها وتقواها ) الشمس : 7 - 8 أي ألقي فيها وقذف فيها ، وقال عز وجل : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) ق : 16 وقال : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله ) المائدة : 30 وقال تعالى : ( من شر الوسواس الخناس ) الناس : 4 الآية ، وقال : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ) فاطر : 6 وقال تعالى : ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ) المجادلة : 19 وقال عز وجل : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ) البقرة : 268 وقال سبحانه مخبرا عن العدو : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الأعراف : 16 ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) الأعراف : 17 إلى آخر الآية ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر فتذر أرضك وسماءك فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : أتجاهد وهو جهد النفس والمال فتقاتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه فجاهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فعل ذلك فمات كان حقا على الله تعالى أن يدخله الجنة وقد أخبر الله تعالى عنه أنه قال : ( و لأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم ) النساء : 119 إلى آخر الآية . وروينا أن عثمان بن أبي العاص قال : يارسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي فقال ذلك الشيطان يقال له خنزب إذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني ، وفي الخبر : أن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاستعيذوا بالله منه ، وقد روينا أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم والحديث المشهور : ما منكم من أحد إلا وله شيطان قالوا : وأنت يا رسول الله : قال : وأنا ، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : وقد روينا من طريق مسند في القلب لمتان ؛ لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير ، وروينا عن الحسن رحمه الله أنه قال : هما همان يجولان في القلب هم من الله تعالى وهم من عدوه فرحم الله عبدا وقف عند همه فما كان الله أمضاه وما كان عدوه يجاهد ، وقال مجاهد في قوله تعالى : ( من شر الوسواس الخناس ) الناس : 4 قال : هو منبسط على قلب الإنسان ، فإذا ذكر الله تعالى خنس وانقبض وإذا غفل انبسط على قلبه وقال عكرمة الوسواس محله في الرجل في فؤاده وعينيه ومحله في المرأة في عينيها إذا أقبلت وفي عجيزتها إذا أدبرت ، وقال جرير بن عبدة العدوي : شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة فقال : إنما مثل ذلك مثل النقب الذي تمر به اللصوص فإن كان فيه شيء عالجوه وإلا مضوا وتركوه ، وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكره الله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين : 14 .

Bölüm V01/P199–V01/P201

وروينا عن جعفر بن برقان قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه بذلك نكتة سوداء فإن تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجلوا مثل المرآة ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره ، وأما الذي يتتابع في الذنوب كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فلا يزال ينكت في قلبه حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من حيث يأتيه وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر في تقسيمه القلوب . روينا عن أبي سعيد الخدري وأبي كبشة الأنماري وبعضه أيضا عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : القلوب أربعة ، قلب فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن ، وقلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه فذلك قلب المنافق وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه مثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد ، فأي المدتين غلبت عليه حكم له بها ، وفي لفظ بعضهم : غلبت عليه ذهبت به ، وقال الله تعالى : ( ومن أحسن من الله ) المائدة : 50 وقال تعالى : ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) الأعراف : 201 فأخبر أن جلاء القلوب الذكر به يبصر القلب وأن باب الذكر التقوى به يذكر العبد ، فالتقوى باب الآخرة كما أن الهوى باب الدنيا ، وأمر الله تعالى بالذكر وأخبر أنه مفتاح التقوى لأنه سبب الاتقاء وهو الاجتناب والورع فقال تعالى : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) الأعراف : 171 وأخبر أنه أظهر البيان للتقوى في قوله : ( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) البقرة : 187 وقال تعالى : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) ( الذي خلقك فسواك فعدلك ) الانفطار : 6 - 7 وقال تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) التين : 4 وقال : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 فمن السواء والتعديل والازدواج والتقويم أدوات الظاهر وأعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب . فأدوات الجسم هي الصفات الظاهرة وأعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها الله تعالى بحكمته وسواها على مشيئته وقومها إتقانا بصنعته وأحكاما بصنعه ، أولها النفس والروح وهما مكانان للقاء العدو والملك وهما شخصان ملقيان للفجور والتقوى ، ومنها غرضان متمكنان في مكانين وهما العقل والهوى عن حكمين في مشيئة حاكم وهما التوفيق والإغواء ، ومنها نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة راحم وهما العلم والإيمان ، فهذه أدوات القلب وحواسه ومعانيه الغائبة وآلاته ، والقلب في وسط هذه الأدوات كالملك ، وهذه جنوده تؤدي إليه أو كالمرآة المجلوة وهذه الآلة حوله تظهر فيراها ويقدح فيه فيجدها ، فتفصيل ذلك على الإيجاز أن جمل الخواطر ستة : هي حدود القلب وقوادحه من ورائها خزائن الغيب وملكوت القدرة وهي جنود الله تعالى عتيدة وسلطان منه مبين والقلب خزانة من خزائن الملكوت قد أودعه مقلبه من لطائف الرغبوت والرهبوت وشعشع فيه من أنوار العظمة والجبروت ما شاء لأهل الرفيق الأعلى وذوي الملكوت الأدنى فأول التفصيل خاطر النفس وخاطر العدو وهذان لا يعدمهما عموم المؤمنين وهما مذمومان محكوم لهما بالسوء لا يردان إلا بالهوى وضد العلم وخاطر الروح وخاطر الملك وهذان لا يعدمهما خصوص المؤمنين وهما محمودان لا يردان إلا بحق وبما دل عليه العلم وخاطر العقل وهومتوسط بين هذه الأربعة يصلح للمذمومين فيكون حجة على العبد لمكان تمييز العقل وتقسيم المعقول لأن العبد يدخل في هواه بشهوة جعلت له واختيار لا يعسر عليه من حيث لا يعقل ولا إجبار ويصلح أيضا للمحمودين فيكون شاهدا للملك ومؤيدا لخاطر الروح ويثاب العبد في حسن النية وصدق المقصد وإنما كان خاطر العقل تارة مع النفس والعدو وتارة مع الروح والملك حكمة من الله تعالى لصنعته وإتقانا لصنعه ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول وصحة شهود وتمييز فيكون عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدا له وعليه إذ قد جعل سبحانه هذا الجسم مكانا لجريان أحكامه ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته كذلك جعل العقل مطية للخير والشر يجري معهما في خزانة الجسم إذ كان مكانا للتكليف وموضعا للتصريف وسببا للتعريف العائد من معاني ذلك على صورة العبد من لذة النعيم أو عذاب أليم فلم يكن العقل غائبا فيكون العبد عن العقل ذاهبا ولم تكن الشهوة عازبة فتكون النفس مفقودة إذ في ذلك تضعيف لحجة الله تعالى عليه ووهن لبرهانه لأن العقل شاهد الحجة والشهوة في النفس مكان البلوى والنية في القلب طريق الججة وذلك أصل سبب عود جزاء الأمر والنهي فالعقل مطبوع على التمييز مجبول على التحسين والتقبيح والنفس مجبولة على الشهوة مطبوعة على الأمر بالهوى وهذا نصيبهما من عطائه وهداه لهما إلى رشاده وإغوائه وخطهما من الكتاب وقسمهما من ولي الأسباب ، كما قال تعالى في أحكام ما ذكرناه تكملة لما أخبرنا عما سبق في علمه : ( أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) وقال تعالى : ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) الأعراف : 37 وقال تعالى : ( كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) الحج : 4 والخاطر السادس هو خاطر اليقين وهو روح الإيمان ومزيد العلم يردان إليه ويصدران عنه وهذا الخاطر مخصوص بخصوص لا يجده إلا الموقنون وهم الشهداء والصديقون لا يرد إلا بحق وإن خفي وروده ودق ولايقدح إلا بعلم اختيار لمراد مختار وإن لطفت أدلته وبطن وجه الاستدلال به ولكن ليس يخفى هذا إلا الخاطر على مقصود به ومراد له وهم الذين وصفهم الله تعالى بالذكرى .

Bölüm V01/P201–V01/P202

ورد الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم الفتيا فقال سبحانه : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) ق : 37 ، أي من تولى الله حفظ قلبه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حاك في صدرك فدعه والإثم حواز القلوب يعني ما يؤثر فيها فيحزها لرقتها وصفائها ولينها ولطفها وقال للرجل الذي سأله عن البر والإثم وهما أصلا أعمال الخير والشر استفت قلبك وان أفتاك المفتون أي أن المتقين يعلمون معاني التأويل والرخصة عن علمهم العلانية وأنت على علم فوقهم مطالب بالتحقيق والعزيمة عن علمك السر وأهل الظاهر أيضا يعلمون حكم الله تعالى الظاهر عن علم اللسان الظاهر الذي هو حجة على أهل العلم الظاهر وقلبك فقيه منور بالإيمان تنظر به أو ينطق به حكم الله تعالى الباطن عن علم القلب الباطن الذي هوحقيقة الإيمان ومنفعته لأهل العلم الباطن ولا يصلح أن يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم سائلا إلا إلى فقيه فلولا أن علم القلب هو حقيقة الفقه ما رد صاحبه من فتا أهل الظاهر إليه ولا حكم على المفتين به فقد صار علم القلب هو علم العلم إذ جعله الرسول صلى الله عليه وسلم قاضيا على المفتين بالحكم وصار عالم الباطن هوعالم العلماء إذ لم يسعه تقليد العلماء ، وفي الحديث الآخر : البر ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس وإن أفتوك وأفتوك فهذا وصف قلب مكاشف بالذكر ونعت نفس ساكنة بمزيد السكينة والبر كما وصف من قلوب المؤمنين في صريح الكلام وفي دليل الخطاب ، فأما صريحه فقوله تعالى : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) الرعد : 28 وقوله تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) الفتح : 4 وأما دليل الكلام الذي يشهد بالتدبر فقوله تعالى في وصف قلوب أعدائه المحجوبين : ( كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لايستطيعون سمعا ) الكهف : 101 ومثله : ( أعنده علم الغيب فهو يرى ) النجم : 35 ففي تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره ناظرون إلى غيبه ، وقال تعالي في مثله ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم ) هود : 24 هذا فريق المتبعين للسبل المتفرقة عن سواء السبيل بهم الضالين عن سواء الصراط ، ( و البصير والسميع ) هود : 24 هو فريق المهتدين المتبعين للصراط المستقيم ، وقال تعالى : ( ما كانوا يستطعون السمع وما كانوا يبصرون ) هود : 20 أو ألقي السمع وهو شهيد إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وقال صلى الله عليه وسلم في مجمل صفة القلب التقوى ههنا وأشار إلى القلب وقال الله سبحانه وتعالى في ذكر القلوب المقفلة بالذنوب : ( لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) الأعراف : 100 وقال تعالى في فض طابعها بالتقوى : ( واتقوا الله واسمعوا ) المائدة : 108 و ( اتقوا الله ويعلمكم الله ) البقرة : 282 وفي الخبر : إذا أراد الله بعبد خيرا جعل الله زاجرا من نفسه وواعظا من قلبه ، وفي الخبر الآخر : من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ .

Bölüm V01/P202–V01/P203

وروينا في تفسير قوله تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ) آل عمران : 193 قال سمعناه من قلوبنا وقال في ضده لأعدائه : ( أولئك ينادون من مكان بعيد ) فصلت : 44 عن قلوبهم ، وقال الله تعالى في التوبة من ميل القلوب وهمها : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) التحريم : 4 ، وبمعناه وهموا بما لم ينالوا فإن يتوبوا يك خيرا لهم ، وقال في تحقيق العمى للقلب : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) الحج : 46 فأهل القلوب يتعظون بلا واعظ من خلق ويزدجرون بلا زاجر في ظاهر وسائر ما ذكرناه من الخواطر لا تعدمه المؤمنون والقلب خزانة الله تعالى من خزائن الغيب وهذه المعاني جنود الله تعالى مقيمة حول القلب يخفي منها ما يشاء ويظهر ويبدي منها ما يريد ويعيد ويبسط القلب بما يشاء منها ويقبضه فيما شاء عنها وكل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين ، ولكن يضعف الخاطر ويخفي لضعف المعاني ودقتها ويقوي اليقين ويظهر بقوتها لأن هذه الثلاثة مكان اليقين أحدها الإيمان وموضعه من اليقين مكان حجر النار والثاني العلم ومكانه موضع الزناد والثالث العقل وهو مكان الحراق فإذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب ، ومثل القلب في قوته بقوة مدده وفي صفائه بجودة عدده مثل المصباح في القنديل إلى مكان العقل منه والزيت موضع العلم به وهو روح المصباح وبمدده يكون ظهور اليقين والفتيلة مكان الإيمان منه وهي أصله وقوامه الذي يظهر بها ، فعلى قدر قوة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين وهو مثل الإيمان في قوته بالورع وكماله بالخوف وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته واتساعه تضيء النار التي هو اليقين وهو مثل العلم في مدد الزهد وفقد الهوي فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان ، وقد قال الله تعالى : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) محمد : 19 وقال تعالى : ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) هود : 14 فقدم العلم علي التوحيد فصار أوله فكلما اتسع القلب بالعلم بالله وزهد في الدنيا ازداد إيمانا وعلا لأنه يرى في علوه ما لا يراه غيره ويعلم في اتساعه ما لا يعلمه سواه فيكبر المؤمن فيكون ذلك مزيد إيمانه وقوته ثم يشهد كل ما آمن به فيكون بذلك قوة نفسه وسعة مشاهدته وكلما قصر علم القلب بالله تعالى وبمعاني صفاته وأحكام ملكوته قل إيمان هذا العبد ثم أشهد ما آمن به من وراء حجاب لما غلب عليه من حب الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن المسارعة إلى البر فيضعف بذلك إيمانه ويتخيل مشاهدته ولا يتحقق فليس من علم من صفات الله سبحانه وتعالى وقدرة آياته مائة ألف معنى ثم شهدها كلها من قرب عن كشف مثل من علم منها عشرة معان ثم شهدها من بعد عن حجاب وهما مؤمنات معا لكن بين إيمانهما في القرب والعلو والزيادة والنقصان كما بين العشرة إلى مائة ألف فيكون إيمان قلب المسلم معشار معشار عشر إيمان قلب الموقن والمعشار هو عشر العشر جزء من مائة جزء ويكون إيمان قلب المؤمن فيما بين ذلك من الزيادة على العشر والنقصان من مائة ألف على قدر قسمه .

Bölüm V01/P203–V01/P204

ومثل ذلك فيما نعقله مثل رجل قال لك : إن عندي فلانا فقد حصل لك علم زنه عنده غير زن هذا العلم غير يقين لأنه يجوز أن يكون قد اشتبه عليه أو يكون قد كان عنده ثم خرج وليس هو الآن عنده وهذا مثل إيمان المسلم هو على علم خبر لا خبر ، ثم إنك تأتي إلي فتسمع كلامه من وراء حجاب فقد علمت الآن أنه عندي لأنك سمعت كلامه واستدللت به على كونه ، إلا أن هذا العلم أيضا غير تحقيق لأن الأصوات تشتبه والأجرام تتقارب ، و لو قلت لك بعد ذلك : لم يكن عندي وإنما كان ذلك غيره أشبه صوته تشككت فيه لاحتمال ذلك ولم يكن عندك يقين عين تدفع به قولي ولا شهادة نظر تنكر بها علي وهذا مثل لإيمان عموم المؤمنين فهو إيمان خبر لعمري وفيه يقين استدلال ممتزج بظنه إلا أنه غير مشاهدة العارفين لأنه قد يدخل عليهم التخييل والتشبيه فلا يدفعونه بشهادة يقين ثم إنك تدخل إلى الآن بعد أن قيل لك هو عندي أو بعد أن سمعت كلامه فتشهده جالسا لا حجاب بينك وبينه ، فهذا هو يقين المعرفة وهذه شهادة الموقن وعندها انتفى كل شك وتحقق خبر العلم وهذا مثل لعلم إيمان الموقنين الذي قد اندرج فيه إيمان عموم المؤمنين من علم الخبر المحتمل ومن سماع الكلام المشتبه من وراء حجاب واسم الإيمان واقع على جميعهم ولكن الأول علم أنه عندي بما قيل له فصدق والثاني علم بما سمع فاستدل ولم يشهد فيقطع والثالث هو الذي عاين فقطع وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالمزيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الخبر كالمعاينة وقال : وليس المخبر كالمعاين ، ومثل هذا أيضا أن ترى الشيء بالنهار فتعرفه معرفة عين وتعرف مكانه بنظر لا تخطئه ثم إنك تحتاج إليه ليلا فلست تعرف مكانه رأي عين وإنما تقصده بمعرفة استدلال عليه وبحسن ظن أنه موجود على حاله أو يعرف بشيء معهود أنه لا يتحول ، وكذلك الأدلة هي الغائبات وسقوطها مع المشاهدات وبمعناها رؤية الشيء بنور القمر فإنه يشبح ويلوح المشكلات ورؤيته في ضياء الشمس فإنها تكشف الأمر على ما هو به ، فهذا مثل نور اليقين إلى نور الإيمان ومثل رابع في تفاوت المؤمنين في حقيقة الكمال ودخولهم في الاسم والمعنى مثل صلاة رباعية أقيمت فجاء رجل فأدرك تكبيرة الإحرام ثم جاء آخر فأدرك الركوع ثم جاء آخر فأدرك الركعة الثانية ثم جاء ثالث فأدرك الركعة الثالثة ثم جاء رجل رابع فأدرك الركعة الآخرة فكلهم قد صلوا وأدركوا الصلاة في جماعة ونال فضلها لقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة ، ولكن ليس من أدرك الركعة الأولى في كمال الصلاة وإدراك حقيقتها كمن أدرك الثالثة والرابعة ولا يكون أيضا من أدرك التكبيرة للإحرام في الفضل كمن لم يدرك شيئا من القيام وهما مدركان معا فكذلك المؤمنون في كمال الإيمان وحقائقه لا يستوون وإن استووا في الاسم والمعنى وكذلك في تفاوتهم في الآخرة .

Bölüm V01/P204–V01/P205

فقد جاء في الخبر أنه يقال : أخرجوا من قلبه مثقال ذرة من إيمان ونصف مثقال وربع مثقال وشعيرة وذرة من إيمان فقد حصلوا متفاوتين في الإيمان ما بين الذرة إلى المثقال وكلهم قد دخل النار إلا أنهم على مقامات فيها وفيه دليل أن من كان في قلبه وزن دينار من إيمان لم يمنعه ذلك من دخول النار لعظم ما اقترف من الأوزار وأن من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان لم يحق عليه الخلود في دار الهوان لتعلقه بيسير الإيقان وأن من زاد إيمانه على وزن دينار لم يكن للنار عليه سلطان فكان من الأبرار وأن من نقص إيمانه عن ذرة لم يخرج من النار وإن كانت سيماه واسمه في الظاهر في المؤمنين لأنه في علم الله من المنافقين الفجار ، وقد قال الله تعالى في وصفهم : ( وإن الفجار لفي جحيم ) الانفطار : 14 ثم قال : ( وما هم عنها بغائبين ) الانفطار : 16 ثم صار صاحب المثقال والذرة في الجنة على تفاوت درجات وكان الزائد إيمانه على مثقال في أعلى عليين علا هؤلاء وترفع أهل الدرجات العلى على أهل عليين ارتفاع الكوكب الذي في أفق السماء وكلهم قد اجتمع في الجنة على تفاوت مقامات وتعالي درجات ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شيء خيرا من ألف مثله إلا الإنسان فلعمري إن قلب المؤقن خير من ألف قلب مسلم لأن إيمانه فوق مائة إيمان مؤمن وعلمه بالله تعالى أضعاف علم مائة مسلم ، ويقال إن واحدا من الأبدال الثلاثمائة قيمته قيمة ثلاثمائة مؤمن ، وكان أبو محمد يقول : يعطي الله تعالى بعض المؤمنين من الإيمان بوزن جبل أحد ويعطي بعضهم مثل ذرة ، وقد قال الله تعالى : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران : 139 ، بالعلو ولا نهاية لعلو الإيمان فصار علو كل قلب على قدر إيمانه ولذلك رفع العلماء على المؤمنين درجات في قوله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ، ففسرها ابن عباس رضي الله عنه فقال : ( الذين أوتوا العلم ) الروم : 56 فوق المؤمنين بسبعمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، وفي الخبر : أكثر أهل الجنة البله وعليون لأولي الألباب ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب .

Sorular