Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Bölüm V02/P083–V02/P084

وعن مجاهد أن مريم عليها السلام مرت في طلبها لعيسى عليه السلام بحاكة فطلبت الطريق فأرشدوها غير الطريق فقالت اللهم انزع البركة من كسبهم وأمتهم فقراء وحقرهم في أعين الناس فاستجيب دعاؤها وكره السلف أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات كغسل الموتى ودفنهم وكذا الأذان وصلاة التراويح وإن حكم بصحة الاستئجار عليه وكذا تعليم القرآن وتعليم علم الشرع فإن هذه أعمال حقها أن يتجر فيها للآخرة وأخذ الأجرة عليها استبدال بالدنيا عن الآخرة ولا يستحب ذلك الثالث أن يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة وأسواق الآخرة المساجد قال الله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقال الله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته فيلازم المسجد ويواظب على الأوراد كان عمر رضي الله عنه يقول للتجار اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم وكان صالحو السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة والوسط للتجارة ولم يكن يبيع الهريسة والرءوس بكرة إلا الصبيان وأهل الذمة لأنهم كانوا في المساجد بعد وفي الخبر إن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي آخره ذكر الله وخير كفر الله عنهما ما بينهما من سيئ الأعمال وفي الخبر تلتقي ملائكة الليل والنهار عند طلوع الفجر وعند صلاة العصر فيقول الله تعالى وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهو يصلون وجئناهم وهم يصلون فيقول الله سبحانه وتعالى أشهدكم أني قد غفرت لهم ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأولى والعصر فينبغي أن لا يعرج على شغل وينزعج عن مكانه ويدع كل ما كان فيه فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا بما فيها ومهما لم يحضر الجماعة عصى عند بعض العلماء وقد كان السلف يبتدرون عند الأذان ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمة وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات وكان ذلك معيشة لهم وقد جاء في تفسير قوله تعالى {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} أنهم كانوا حدادين وخرازين فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع الأذان لم يخرج الإشفى من المغرز ولم يوقع المطرقة ورمى بها وقام إلى الصلاة الرابع أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ويشتغل بالتهليل والتسبيح فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل قال صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين وكالحي بين الأموات وفي لفظ آخر كالشجرة الخضراء بين الهشيم وقال صلى الله عليه وسلم من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة وكان ابن عمر وسالم بن عبد الله ومحمد بن واسع وغيرهم يدخلون السوق قاصدين لنيل فضيلة هذا الذكر وقال الحسن ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوء كضوء القمر وبرهان كبرهان الشمس ومن استغفر الله في السوق غفر الله له بعدد أهلها وكان عمر رضي الله عنه إذا دخل السوق قال اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفسوق ومن شر ما أحاطت به السوق اللهم إني أعوذ بك من يمين فاجرة وصفقة خاسرة وقال أبو جعفر الفرغاني كنا يوما عند الجنيد فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد ويتشبهون بالصوفية ويقصرون عما يجب عليهم من حق الجلوس ويعيبون من يدخل السوق فقال الجنيد كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد ويأخذ بإذن بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه وإني لأعرف رجلا يدخل السوق ورده كل يوم ثلثمائة ركعة وثلاثون ألف تسبيحة

Bölüm V02/P084–V02/P086

قال فسبق إلى وهمي أنه يعني نفسه فهكذا كانت تجارة من يتجر لطلب الكفاية لا للتنعم في الدنيا فإن من يطلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة كيف يدع ربح الآخرة والسوق والمسجد والبيت له حكم واحد وإنما النجاة بالتقوى قال صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما كنت فوظيفة التقوى لا تنقطع عن المتجردين للدين كيفما تقلبت بهم الأحوال وبه تكون حياتهم وعيشتهم إذ فيه يرون تجارتهم وربحهم وقد قيل من أحب الآخرة عاش ومن أحب الدنيا طاش والأحمق يغدو ويروح في لاش والعاقل عن عيوب نفسه فتاش الخامس أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة وذلك بأن يكون أول داخل وآخر خارج وبأن يركب البحر في التجارة فهما مكروهان يقال إن من ركب البحر فقد استقصى في طلب الرزق وفي الخبر لا يركب البحر إلا لحج أو عمرة أو غزو وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول لا تكن أول داخل في السوق ولا آخر خارج منها فإن بها باض الشيطان وفرخ روي عن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر إن إبليس يقول لولده زلنبور سر بكتائبك فأت أصحاب الأسواق زين لهم الكذب والحلف والخديعة والمكر والخيانة وكن مع أول داخل وآخر خارج منها وفي الخبر شر البقاع الأسواق وشر أهلها أولهم دخولا وآخرهم خروجا وتمام هذا الاحتراز أن يراقب وقت كفايته فإذا حصل كفاية وقته انصرف واشتغل بتجارة الآخرة هكذا كان صالحو السلف فقد كان منهم من إذا ربح دانقا انصرف قناعة به وكان حماد بن سلمة يبيع الخز في سفط بين يديه فكان إذا ربح حبتين رفع سفطه وانصرف وقال إبراهيم بن بشار قلت لإبراهيم بن أدهم رحمه الله أمر اليوم أعمل في الطين فقال يا ابن بشار إنك طالب ومطلوب يطلبك من لا تفوته وتطلب ما قد كفيته أما رأيت حريصا محروما وضعيفا مرزوقا فقلت إن لي دانقا عند البقال فقال عز علي بك تملك دانقا وتطلب العمل وقد كان فيهم من ينصرف بعد الظهر ومنهم بعد العصر ومنهم من لا يعمل في الأسبوع إلا يوما أو يومين وكانوا يكتفون به السادس أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات ومظان الريب ولا ينظر إلى الفتاوى بل يستفتي قلبه فإذا وجد فيه حزازة اجتنبه وإذا حمل إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها حتى يعرف وإلا أكل الشبهة وقد حمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لبن فقال من أين لكم هذا فقالوا من الشاة فقال ومن أين لكم هذه الشاة فقيل من موضع كذا فشرب منه ثم قال إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلا طيبا ولا نعمل إلا صالحا وقال إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة حديث كان لا يسأل عن كل ما يحمل إليه رواه أحمد من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مروا بامرأة فذبحت لهم شاة الحديث فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمة فلم يستطع أن يسيغها فقال هذه شاة ذبحت بغير إذن أهلهاالحديث وله من حديث أبي هريرة كان إذا أتى بطعام من غير أهله سأل عنهالحديث وإسنادهما جيد وفي هذا أنه كان لا يسأل عما أتي به من عند أهله والله أعلم // وإنما الواجب أن ينظر التاجر إلى من يعامله فكل منسوب إلى ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا يعامله وكذا الأجناد والظلمة لا يعاملهم البتة ولا يعامل أصحابهم وأعوانهم لأنه معين بذلك على الظلم وحكي عن رجل أنه تولى عمارة سور لثغر من الثغور قال فوقع في نفسي من ذلك شيء وإن كان ذلك العمل من الخيرات بل من فرائض الإسلام ولكن كان الأمير الذي تولى في محلته من الظلمة قال فسألت سفيان رضي الله

Bölüm V02/P086–V02/P087

عنه فقال لا تكن عونا لهم على قليل ولا كثير فقلت هذا سور في سبيل الله للمسلمين فقال نعم ولكن أقل ما يدخل عليك أن تحب بقاءهم ليوفوك أجرك فتكون قد أحببت بقاء من يعصي الله وقد جاء في الخبر من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه وفي الحديث إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق وفي حديث آخر من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام ودخل سفيان على المهدي وبيده درج أبيض فقال يا سفيان أعطني الدواة حتى أكتب فقال أخبرني أي شيء تكتب فإن كان حقا أعطيتك وطلب بعض الأمراء من بعض العلماء المحبوسين عنده أن يناوله طينا ليختم به الكتاب فقال ناولني الكتاب أولا حتى أنظر ما فيه فهكذا كانوا يحترزون عن معاونة الظلمة ومعاملتهم أشد أنواع الإعانة فينبغي أن يجتنبها ذوو الدين ما وجدوا إليه سبيلا وبالجملة فينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يعامل ومن لا يعامل وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمان قال بعضهم أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق ويقول من ترون لي أن أعامل من الناس فيقال له عامل من شئت ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون عامل من شئت إلا فلانا وفلانا ثم أتى زمان آخر فكان يقال لا تعامل أحدا إلا فلانا وفلانا وأخشى أن يأتي زمان يذهب هذا أيضا وكأنه قد كان الذي كان يحذر أن يكون إنا لله وإنا إليه راجعون السابع ينبغي أن يراقب جميع مجاري معاملته مع واحد من معامليه فإنه مراقب ومحاسب فليعد الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلة وقولة إنه لم أقدم عليها ولأجل ماذا فإنه يقال إنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجل كان باعه شيئا وقفة ويحاسب عن كل واحد فهو محاسب على عدد من عامله قال بعضهم رأيت بعض التجار في النوم فقلت ماذا فعل الله بك فقال نشر علي خمسين ألف صحيفة فقلت هذه كلها ذنوب فقال هذه معاملات الناس بعدد كل إنسان عاملته في الدنيا لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بيني وبينه من أول معاملته إلى آخرها فهذا ما على المكتسب في عمله من العدل والإحسان والشفقة على الدين فإن اقتصر على العدل كان من الصالحين وإن أضاف إليه الإحسان كان من المقربين وإن راعى مع ذلك وظائف الدين كما ذكر في الباب الخامس كان من الصديقين والله أعلم بالصواب تم كتاب الكسب والمعيشة بحمد الله ومنه كتاب الحلال والحرام وهو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين لازب وصلصال ثم ركب صورته في أحسن تقويم وأتم اعتدال ثم غذاه في أول نشوه بلبن استصفاه من بين فرث ودم سائغا كالماء الزلال ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف والانحلال ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة والصيال وقهرها بما افترضه عليه من طلب القوت الحلال وهزم بكسرها جند الشيطان المتشمر للإضلال ولقد كان يجري من ابن آدم مجرى الدم السيال فضيق عليه عزة الحلال المجرى والمجال إذ كان لا يبذرقه إلى أعماق العروق إلا الشهوة الماثلة إلى الغلبة والاسترسال فبقي لما زمت بزمام الحلال خائبا خاسرا ما له من ناصر ولا وال والصلاة على محمد الهادي من الضلال وعلى آله خير آل وسلم تسليما كثيرا أما بعد فقد قال صلى الله عليه وسلم طلب الحلال فريضة على كل مسلم

Bölüm V02/P087–V02/P089

رواه ابن مسعود رضي الله عنه وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض أعصاها على العقول فهما وأثقلها على الجوارح فعلا ولذلك اندرس بالكلية علما وعملا وصار غموض علمه سببا لاندراس عمله إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود وانه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات والحشيش النابت في الموات وما عداه فقد أخبثته الأيدي العادية وأفسدته المعاملات الفاسدة وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا ولم يدركوا بين الأموال فرقا وفصلا وهيهات هيهات فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ولا تزال هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات ولما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها واستطار في الخلق شررها وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والحرام والشبهة على وجه التحقيق والبيان ولا يخرجه التضييق عن حيز الإمكان ونحن نوضح ذلك في سبعة أبواب الباب الأول في فضيلة طلب الحلال ومذمة الحرام ودرجات الحلال والحرام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها في الحلال والحرام الباب الرابع في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم الباب السادس في الدخول على السلاطين ومخالطتهم الباب السابع في مسائل متفرقة الباب الأول في فضيلة الحلال ومذمة الحرام وبيان أصناف الحلال ودرجاته وأصناف الحرام ودرجات الورع فيه فضيلة الحلال ومذمة الحرام قال الله تعالى كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أمر بالأكل من الطيبات قبل العمل وقيل إن المراد به الحلال وقال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين {ثم قال} فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله {ثم قال} وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم {ثم قال} ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون جعل آكل الربا أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله وفي آخره متعرضا للنار والآيات الواردة في الحلال والحرام لا تحصى وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلب الحلال فريضة على كل مسلم ولما قال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم قال بعض العلماء أراد به طلب علم الحلال والحرام وجعل المراد بالحديثين واحدا وقال صلى الله عليه وسلم من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء وقال صلى الله عليه وسلم من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وفي رواية زهده الله في الدنيا وروي أن سعدا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله تعالى أن يجعله مجاب الدعوة فقال له أطب طعمتك تستجب دعوتك ولما ذكر صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا قال رب أشعث أغبر مشرد في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه فيقول يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل فقيل الصرف النافلة والعدل الفريضة وقال صلى الله عليه وسلم من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه منه شيء وقال صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به وقال صلى الله عليه وسلم من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النار وقال صلى الله عليه وسلم العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال روي هذا مرفوعا وموقوفا على بعض الصحابة أيضا

Bölüm V02/P089–V02/P090

وقال صلى الله عليه وسلم من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له وأصبح والله عنه راض وقال صلى الله عليه وسلم من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحما أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعا ثم قذفه في النار وقال عليه السلام خير دينكم الورع وقال صلى الله عليه وسلم من لقي الله ورعا أعطاه الله ثواب الإسلام كله ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه وأما الورعون فأنا أستحي أن أحاسبهم وقال صلى الله عليه وسلم درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في الإسلام وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت صدرت بالسقم ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البنيان وارتفع وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع وقال الله عز وجل أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله الآية وفي الحديث من اكتسب مالا من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار وقد ذكرنا جملة من الأخبار في كتاب آداب الكسب تكشف عن فضيلة الكسب الحلال وأما الآثار فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده ثم سأل عبده فقال تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظننت أن نفسه ستخرج ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال أو علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطا فأدخل إصبعه وتقيأ وقالت عائشة رضي الله عنها إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة هو الورع وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه وقال الفضيل من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقا فانظر عند من تفطر يا مسكين وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله لم لا تشرب من ماء زمزم فقال لو كان لي دلو شربت منه وقال سفيان الثوري رضي الله عنه من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول والثوب النجس لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال وقال يحيى بن معاذ الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء وأسنانه لقم الحلال وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام وقال سهل التستري لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي من الظاهر والباطن والصبر على ذلك إلى الموت وقال من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا حلالا ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة ويقال من أكل الشبهة أربعين يوما أظلم قلبه وهو تأويل قوله تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} وقال ابن المبارك رد درهم من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ إلى ستمائة ألف وقال بعض السلف إن العبد يأكل أكله فيتقلب قلبه فينغل كما ينغل الأديم ولا يعود إلى حاله أبدا وقال سهل رضي الله عنه من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم يعلم ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات وقال بعض السلف إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر

Bölüm V02/P090–V02/P091

وروي في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء تفقدوا منه ثلاثا فإن كان معتقدا لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق وإن كان سيء الطعمة فعن الهوى ينطق فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه وفي الأخبار المشهورة عن على عليه السلام وغيره إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب وزاد آخرون وشبهتها عتاب وروي أن بعض الصالحين دفع طعاما إلى بعض الأبدال فلم يأكل فسأله عن ذلك فقال نحن لا نأكل إلا حلالا فلذلك تستقيم قلوبنا ويدوم حالنا ونكاشف الملكوت ونشاهد الآخرة ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء من علم اليقين ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا فقال له الرجل فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة فقال له البدل هذه الشربة التي رأيتني شربتها من الليل أحب إلى من ثلاثين ختمة في ثلثمائة ركعة من أعمالك وكانت شربته من لبن ظبية وحشية وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة فهجره أحمد إذ سمعه يقول إني لا أسأل أحدا شيئا ولو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته حتى اعتذر يحيى وقال كنت أمزح فقال تمزح بالدين أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله تعالى على العمل الصالح فقال {كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} وفي الخبر أنه مكتوب في التوراة من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله من أي أبواب النيران أدخله وعن علي رضي الله عنه أنه لم يأكل بعد قد قتل عثمان ونهب الدار طعاما إلا مختوما حذرا من الشبهة واجتمع الفضيل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك عند وهيب بن الورد بمكة فذكروا الرطب فقال وهيب هو من أحب الطعام إلي إلا أني لا آكله لاختلاط رطب مكة ببساتين زبيدة وغيرها فقال له ابن المبارك إن نظرت في مثل هذا ضاق عليك الخبز قال وما سببه قال إن أصول الضياع قد اختلط بالصوافي فغشي على وهيب فقال سفيان قتلت الرجل فقال ابن المبارك ما أردت إلا أن أهون عليه فلما أفاق قال لله على أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه قال فكان يشرب اللبن قال فأتته أمه بلبن فسألها فقالت هو من شاة بني فلان فسأل عن ثمنها وأنه من أين كان لهم فذكرت فلما أدناه من فيه قال بقي أنها من أين كانت ترعى فسكتت فلم يشرب لأنها كانت ترعى من موضع فيه حق للمسلمين فقالت أمه اشرب فإن الله يغفر لك فقال ما أحب أن يغفر لي وقد شربته فأنال مغفرته بمعصيته وكان بشر الحافي رحمه الله من الورعين فقيل له من أين تأكل فقال من حيث تأكلون ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك وقال يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات أصناف الحلال ومداخله اعلم أن تفصيل الحلال والحرام إنما يتولى بيانه كتب الفقه ويستغني المريد عن تطويله بأن يكون له طعمة معينة يعرف بالفتوى حلها لا يأكل من غيرها فأما من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة فيفتقر إلى علم الحلال والحرام كله كما فصلناه في كتب الفقه ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق تقسيم وهو أن المال إنما يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه القسم الأول الحرام لصفة في عينه كالخمر والخنزير وغيرهما وتفصيله أن الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام فإنها إما أن تكون من المعادن كالملح والطين وغيرهما أو من النبات أو من الحيوانات أما المعادن فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها فلا يحرم أكله إلا من حيث أنه يضر بالآكل وفي بعضها ما يجري مجرى السم والخبز لو كان مضرا لحرم أكله والطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر وفائدة قولنا إنه لا يحرم مع أنه لا يؤكل أنه لو وقع شيء منها في مرقة أو طعام مائع لم يصر به محرما

Bölüm V02/P091–V02/P092

وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل أو يزيل الحياة أو الصحة فمزيل العقل البنج والخمر وسائر المسكرات ومزيل الحياة السموم ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة وأما السم فإذا خرج عن كونه مضرا لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل وتفصيله في كتاب الأطعمة والنظر يطول في تفصيله لا سيما في الطيور الغريبة وحيوانات البر والبحر وما يحل أكله منها فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا روعي فيه شروط الذابح والآلة والذبح وذلك مذكور في كتاب الصيد والذبائح وما لم يذبح ذبحا شرعيا أو مات فهو حرام ولا يحل إلا ميتتان السمك والجراد وفي معناهما ما يستحيل من الأطعمة كدود التفاح والخل والجبن فإن الاحتراز منهما غير ممكن فأما إذا أفردت وأكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة لا سبب في تحريمها إلا الاستقذار ولو لم يكن لكان لا يكره فإن وجد شخص لا يستقذره لم يلتفت إلى خصوص طبعه فإنه التحق بالخبائث لعموم الاستقذار فيكره أكله كما لو جمع المخاط وشربه كره ذلك وليست الكراهة لنجاستها فإن الصحيح أنها لا تنجس بالموت إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يمقل الذباب في الطعام إذا وقع فيه وربما يكون حارا ويكون ذلك سبب موته ولم تهرت نملة أو ذبابة في قدر لم يجب إراقتها إذ المستقذر هو جرمه إذا بقي له جرم ولم ينجس حتى يحرم بالنجاسة وهذا يدل على أن تحريمه للاستقذار ولذلك نقول لو وقع جزء من آدمي ميت في قدر ولو وزن دانق حرم الكل لا لنجاسته فإن الصحيح أن الآدمي لا ينجس بالموت ولكن لأن أكله محرم احتراما لا استقذارا وأما الحيوانات المأكولة إذا ذبحت بشرط الشرع فلا تحل جميع أجزائها بل يحرم منها الدم والفرث وكل ما يقضى بنجاسته منها بل تناول النجاسة مطلقا محرم ولكن ليس في الأعيان شيء محرم نجس إلا من الحيوانات وأما من النبات فالمسكرات فقط دون ما يزيل العقل ولا يسكر كالبنج فإن نجاسة المسكر تغليظ للذجر عنه لكونه في مظنة التشوف ومهما وقعت قطرة من النجاسة أو جزء من نجاسة جامدة في مرقة أو طعام أو دهن حرم أكل جميعه ولا يحرم الانتفاع به لغير الأكل فيجوز الاستصباح بالدهن النجس وكذا طلاء السفن والحيوانات وغيرها فهذه مجامع ما يحرم لصفة في ذاته القسم الثاني ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه وفيه يتسع النظر فنقول أخذ المال إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره فالذي يكون بغير اختياره كالإرث والذي يكون باختياره إما أن لا يكون من مالك كنيل المعادن أو يكون من مالك والذي أخذ من مالك فإما أن يؤخذ قهرا أو يؤخذ تراضيا والمأخوذ قهرا إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم أو لاستحقاق الأخذ كزكاة الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم والمأخوذ تراضيا إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا السياق ستة أقسام الأول ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين فإذا انفك من الاختصاصات ملكها آخذها وتفصيل ذلك في كتاب إحياء الموات الثاني المأخوذة قهرا ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أموال الكفار والمحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منها الخمس وقسموها بين المستحقين بالعدل ولم يأخذوها من كافر له حرمة وأمان وعهد وتفصيل هذه الشروط في كتاب السير من كتاب الفيء والغنيمة وكتاب الجزية

Bölüm V02/P092–V02/P094

الثالث ما يؤخذ قهرا باستحقاق عند امتناع من وجب عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق الذي به استحقاقه واقتصر على القدر المستحق واستوفاه ممن يملك الاستيفاء من قاض أو سلطان أو مستحق وتفصيل ذلك في كتاب تفريق الصدقات وكتاب الوقف وكتاب النفقات إذ فيها النظر في صفة المستحقين للزكاة والوقف والنفقة وغيرها من الحقوق فإذا استوفيت شرائطها كان المأخوذ حلالا الرابع ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين أعني الإيجاب والقبول مع ما تعبد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة وبيان ذلك في كتاب البيع والسلم والإجارة والحوالة والضمان والقراض والشركة والمساقاة والشفعة والصلح والخلع والكتابة والصداق وسائر المعاوضات الخامس ما يؤخذ عن رضا من غير عوض وهو حلال إذا روعي فيه شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره وذلك مذكور في كتاب الهبات والوصايا والصدقات السادس ما يحصل بغير اختيار كالميراث وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كان واجبا وذلك مذكور في كتاب الوصايا والفرائض فهذه مجامع مداخل الحلال والحرام أومأنا إلى جملتها ليعلم المريد أنه إن كانت طعمته متفرقة لا من جهة معينة فلا يستغني عن علم هذه الأمور فكل ما يأكله من جهة من الجهات ينبغي أن يستفتي فيه أهل العلم ولا يقدم عليه بالجهل فإنه كما يقال للعالم لم خالفت علمك يقال للجاهل لم لازمت جهلك ولم تتعلم بعد أن قبل لك طلب فريضة على كل مسلم درجات الحلال والحرام اعلم أن الحرام كله خبيث لكن بعضه أخبث من بعض والحلال كله طيب ولكن بعضه أطيب من بعض وأصفى من بعض وكما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة ولكن يقول بعضها حار في الدرجة الأولى كالسكر وبعضها حار في الثانية كالفانيذ وبعضها حار في الثالثة كالدبس وبعضها حار في الرابعة كالعسل كذلك الحرام بعضه خبيث حار في الدرجة الأولى وبعضه الثانية أو الثالثة أو الرابعة وكذا الحلال تتفاوت درجات صفاته وطيبه فلنقتد بأهل الطب في الاصطلاح على أربع درجات تقريبا وإن كان التحقيق لا يوجب هذا الحصر إذ يتطرق إلى كل درجة من الدرجات أيضا تفاوت لا ينحصر فإن من السكر ما هو أشد حرارة من سكر آخر وكذا غيره فلذلك نقول الورع عن الحرام على أربع درجات الأولى ورع العدول وهو الذي يجب الفسق باقتحامه وتسقط العدالة به ويثبت اسم العصيان والتعرض للنار بسببه وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء الثانية ورع الصالحين وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ولكن المفتي يرخص في التناول بناء على الظاهر فهو من مواقع الشبهة على الجملة فلنسم التحرج عن ذلك ورع الصالحين وهو في الدرجة الثانية الثالثة مالا تحرمه الفتوى ولا شبهة في حله ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم وهو ترك ما لا بأس به مخافة مما به باس وهذا ورع المتيقن قال صلى الله عليه وسلم لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس الرابعة ما لا بأس به أصلا ولا يخاف منه أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يتناول لغير الله وعلى غير نية التقوي به على عبادة الله أو تتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية والامتناع منه ورع الصديقين فهذه درجات الحلال جملة إلى أن نفصلها بالأمثلة والشواهد وأما الحرام الذي ذكرناه في الدرجة الأولى هو الذي يشترط التورع عنه في العدالة وإطراح سمة الفسق فهو أيضا على درجات في الخبث فالمأخوذ بعقد فاسد كالمعاطاة مثلا فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام ولكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر بل المغصوب أغلظ إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب وإيذاء الغير

Bölüm V02/P094–V02/P095

وليس في المعاطاة إيذاء وإنما فيه ترك طريق التعبد فقط ثم ترك طريق التعبد بالمعاطاة أهون من تركه بالربا وهذا التفاوت يدرك بتشديد الشرع ووعيده وتأكيده في بعض المناهى على ما سيأتي في كتاب التوبة عند ذكر الفرق بين الكبيرة والصغيرة بل المأخوذ ظلما من فقير أو صالح أو من يتيم أخبث وأعظم من المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق لأن درجات الإيذاء تختلف باختلاف درجات المؤذي فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها فلولا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت درجات النار وإذا عرفت مثارات التغليظ فلا حاجة إلى حصره في ثلاث درجات أو أربعة فإن ذلك جار مجرى التحكم والتشهي وهو طلب حصر فيما لا حاصر له ويدلك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي في تعارض المحذورات وترجيح بعضها على بعض حتى إذا اضطر إلى أكل ميتة أو أكل طعام الغير أو أكل صيد الحرم فإنا نقدم بعض هذا على بعض أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها أما الدرجة الأولى وهي ورع العدول فكل ما اقتضى الفتوى تحريمه مما يدخل في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام لفقد شرط من الشروط فهو الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق والمعصية وهو الذي نريده بالحرام المطلق ولا يحتاج إلى أمثلة وشواهد وأما الدرجة الثانية فأمثلتها كل شبهة لا توجب اجتنابها ولكن يستجب اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام ومنها ما يكره اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين كمن يمتنع من الاصطياد خوفا من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه وهذا وسواس ومنها ما يستحب اجتنابها ولا يجب وهو الذي ينزل عليه قوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى مالا يريبك ونحمله على نهي التنزيه وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم كل ما أصميت ودع ما أنميت والإنماء أن يجري الصيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتا إذ يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر والذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام ولكن تركه من ورع الصالحين وقوله دع ما يريبك أمر تنزيه إذ ورد في بعض الروايات كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في الكلب المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه على سبيل التنزيه لأجل الخوف إذ قال لأبي ثعلبة الخشني كل منه فقال وإن أكل منه فقال وإن أكل وذلك لأن حالة أبي ثعلبة وهو فقير مكتسب لا تحتمل هذا الورع وحال عدي كان يحتمله يحكى عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أربعة آلاف درهم لأنه حاك في قلبه شيء مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به فأمثلة هذه الدرجة نذكرها في التعرض لدرجات الشبهة فكل ما هو شبهة لا يجب اجتنابه فهو مثال هذه الدرجة أما الدرجة الثالثة وهي ورع المتقين فيشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس وقال عمر رضي الله عنه كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام وقيل إن هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال أبو الدرداء إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما حتى يكون حجابا بينه وبين النار ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة

Bölüm V02/P095–V02/P096

وكان بعضهم يتحرز فكل ما يستوفيه يأخذه ينقصان حبة وما يعطيه يوفيه بزيادة حبة ليكون ذلك حاجزا من النار ومن هذه الدرجة الاحتراز عما يتسامح به الناس فإن ذلك حلال في الفتوى ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجر إلى غيره وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع فمن ذلك ما روي عن علي بن معبد أنه قال كنت ساكنا في بيت بكراء فكتبت كتابا وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه ثم قلت الحائط ليس لي فقالت لي نفسي وما قدر تراب من حائط فأخذت من التراب حاجتي فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول يا علي بن معبد سيعلم غدا الذي يقول وما قدر تراب من حائط ولعل معنى ذلك انه يرى كيف يحط من منزلته فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين وليس المراد به أن يستحق عقوبة على فعله ومن ذلك ما روي أن عمر رضي الله عنه وصله مسك من البحرين فقال وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين فقالت امرأته عاتكة أنا أجيد الوزن فسكت عنها ثم أعاد القول فأعادت الجواب فقال لا أحببت أن تضعيه بكفة ثم تقولين فيها أثر الغبار فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلا على المسلمين وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال وهل ينتفع منه إلا بريحه لما استعبد ذلك منه وأخذ الحسن رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة وكان صغيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ // حديث أخذ الحسن بن علي تمرة من الصدقة وكان ضغيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ ألقها أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة أي ألقها ومن ذلك ما روي بعضهم أنه كان عند محتضر فمات ليلا فقال أطفئوا السراج قد حدث للورثة حق في الدهن وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت كان عمر رضي الله عنه يدفع إلى امرأته طيبا من طيب المسلمين لتبيعه فباعتني طيبا فجعلت تقوم وتزيد وتنقص وتكسر بأسنانها فتعلق بإصبعها شيء منه فقالت به هكذا بإصبعها ثم مسحت به خمارها فدخل عمر رضي الله عنه فقال ما هذه الرائحة فأخبرته فقال طيب المسلمين تأخذينه فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرة من الماء فجعل يصب على الخمار ثم يدلكه في التراب ثم يشمه ثم يصب الماء ثم يدلكه في التراب ويشمه حتى لم يبق له ريح قالت ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت علق منه شيء بإصبعها فأدخلت إصبعها في فيها ثم مسحت به التراب فهذا من عمر رضي الله عنه ورع التقوى لخوف أداء ذلك إلى غيره وإلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطبيب إلى المسلمين ولكن أتلفه عليها زجرا وردعا واتقاء من أن يتعدى الأمر إلى غيره ومن ذلك ما سئل أحمد بن حنبل رحمة الله عن رجل يكون في المسجد يحمل مجمرة لبعض السلاطين ويبخر المسجد بالعود فقال ينبغي أن يخرج من المسجد فإنه لا ينتفع من العود إلا برائحته وهذا قد يقارب الحرام فإن القدر الذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد وقد يبخل به فلان يدري أنه يتسامح به أم لا وسئل أحمد بن حنبل عمن سقطت منه ورقة فيها أحاديث فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها فقال لا بل يستأذن ثم يكتب وهذا أيضا قد يشك في أن صاحبها هل يرضى به أم لا فما هو في محل الشك والأصل تحريمه فهو حرام وتركه من الدرجة الأولى ومن ذلك التورع عن الزينة لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها وإن كانت الزينة مباحة في نفسها وقد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية فقال أما أنا فلا استعملها ولكن إن كان للطين فأرجو وأما من أراد الزينة فلا ومن ذلك أن عمر

Bölüm V02/P096–V02/P097

رضي الله عنه لما ولى الخلافة له زوجة يحبها فطلقها خفية أن تشير عليه بشفاعة في باطل فيعطيها ويطلب رضاها وهذا من ترك مالا بأس به مخافة مما به البأس أي مخافة من أن يفضي إليه وأكثر المباحات داعية إلى المحظورات حتى استكثار الأكل واستعمال الطيب للمتعزب فإنه يحرك الشهوة ثم الشهوة تدعو إلى الفكر والفكر يدعو إلى النظر والنظر يدعو إلى غيره وكذلك النظر إلى دور الأغنياء وتجملهم مباح في نفسه ولكن يهيج الحرص ويدعوا إلى طلب مثله ويلزم منه ارتكاب ما لا يحل في تحصيله وهكذا المباحات كلها إذا لم تؤخذ بقدر الحاجة في وقت الحاجة مع التحرز من غوائها بالمعرفة أولا ثم ثانيا فقلما تخلو عاقبتها عن خطر وكذا كل ما أخذ بالشهوة فقلما يخلو عن خطر حتى كره احمد بن حنبل تجصيص الحيطان وقال أما تجصيص الأرض فيمنع التراب وأما تجصيص الحيطان فزينة لا فائدة فيه حتى أنكر تجصيص المساجد وتزيينها واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أن يكحل المسجد فقال لاعريش كعريش موسى وإنما هو شيء مثل الكحل يطلى به فلم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وكره السلف الثوب الرقيق وقالوا من رق ثوبه رق دينه وكل ذلك خوفا من سريان اتباع الشهوات في المباحات إلى غيرها فإن المحظور والمباح تشتهيهما النفس بشهوة واحدة وإذا تعودت الشهوة المسامحة استرسلت فاقتضى خوف التقوى الورع عن هذا كله فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة أما الدرجة الرابعة وهو ورع الصديقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابه معصية ولا يستعان به على معصية ولا يقصد منه في الحال والمال قضاء وطر بل يتناول لله تعالى فقد وللتقوي على عبادته واستبقاء الحياة لأجله وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس لله حراما امتثالا لقوله تعالى {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} وهذه رتبة الموحدين المتجردين عن حظوظ أنفسهم المنفردين لله تعالى بالقصد ولا شك في أن من يتورع عما يوصل إليه أو يستعان عليه بمعصية ليتورع عما يقترن بسبب اكتسابه معصية أو كراهية فمن ذلك ما روي عن يحيى بن كثير أنه شرب الدواء فقالت له امرأته لو تمشيت في الدار قليلا حتى يعمل الدواء فقال هذه مشية لا أعرفها وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة فكأنه لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق بالدين فلم يجز الإقدام عليها وعن سري رحمه الله أنه قال انتهيت إلى حشيش في جبل وماء يخرج منه فتناولت من الحشيش وشربت من الماء وقلت في نفسي إن كنت قد أكلت يوما حلالا طيبا فهو هذا اليوم فهتف بي هاتف إن القوة التي أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هي فرجعت وندمت ومن هذا ما روي عن ذي النون المصري أنه كان جائعا محبوسا فبعثت إليه امرأة صالحة طعاما على يد السجان فلم يأكل ثم اعتذر وقال جاءني على طبق ظالم يعني أن القوة التي أوصلت الطعام إلي لم تكن طيبة وهذه الغاية القصوى في الورع ومن ذلك أن بشرا رحمه الله كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها الأمراء فإن النهر سبب لجريان الماء ووصوله إليه وإن كان الماء مباحا في نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الأجراء وقد أعطوا الأجرة من الحرام ولذلك امتنع بعضهم من العنب الحلال من كرم حلال وقال لصاحبه أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجري في النهر الذي حفرته الظلمة وهذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء وكان بعضهم إذا مر في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملتها الظلمة مع أن الماء مباح ولكنه بقي محفوظا بالمصنع الذي عمل به بمال حرام فكأنه انتفاع به

Bölüm V02/P097–V02/P098

وامتناع ذي النون من تناول الطعام من يد السجان أعظم من هذا كله لأن يد السجان لا توصف بأنها حرام بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه ولكنه وصل إليه بقوة اكتسبت بالغذاء الحرام ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه من اللبن خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة مع أنه شربه عن جهل وكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين ومن ذلك التورع من كسب حلال اكتسبه خياط يخيط في المسجد فإن أحمد رحمه الله كره جلوس الخياط في المسجد وسئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر وفي وقت يخاف من المطر فقال إنما هي من أمر الآخرة وكره جلوسه فيها وأطفأ بعضهم سراجا أسرجه غلامه من قوم يكره ما لهم وامتنع من تسجير تنور للخبز وقد بقي فيه جمر من حطب مكروه وامتنع بعضهم من أن يحكم شسع نعله في مشعل السلطان فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع العدول وله غاية وهو ورع الصديقين وذلك هو الامتناع من كل ما ليس له مما أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه أو اتصل بسببه مكروه وبينهما درجات في الاحتياط فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة وأسرع جوازا على الصراط وأبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع كما تتفاوت درجات النار في حق الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث وإذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيار فإن شئت فاستكثر من الاحتياط وإن شئت فرخص فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخص والسلام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات واقع الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو الشبهة فلا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرف القليل فنقول الحلال المطلق هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه وانحل عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد يكون هو واقفا عند جمعه وأخذه من الهواء في ملك نفسه أو في أرض مباحة والحرام المحض هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالشدة المطربة في الخمر والنجاسة في البول أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصل بالظلم والربا ونظائره فهذان طرفان ظاهران ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه فإن صيد البر والبحر حلال ومن أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه وكذلك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء ولكنه في معنى ماء المطر والاحتراز منه وسواس ولنسم هذا الفن ورع الموسوسين حتى تلتحق به أمثاله وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه نعم لو دل عليه دليل فإن كان قاطعا كما لو وجد حلقة في أذن السمكة أو كان محتملا كما لو وجد على الظبية جراحة يحتمل أن يكون كيا لا يقدر عليه إلا بعد الضبط

Bölüm V02/P098–V02/P099

ويحتمل أن يكون جرحا فهذا موضع الورع وإذا انتفت الدلالة من كل وجه فالاحتمال المعدوم دلالته كإحتمال المعدوم في نفسه ومن هذا الجنس من يستعير دارا فيغيب عنه المعير فيخرج ويقول لعله مات وصار الحق للوارث فهذا وسواس إذ لم يدل على موته سبب قاطع أو مشكك إذ الشبهة المحذورة ما تنشأ من الشك والشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين فما لا سبب له لا يثبت عقده في النفس حتى يساوي العقد المقابل له فيصير شكا ولهذا نقول من شك أنه صلى ثلاثا أو أربعا أخذ بالثلاث إذ الأصل عدم الزيادة ولو سئل إنسان أن صلاة الظهر التي أداها قبل هذا بعشر سنين كانت ثلاثا أو أربعا لم يتحقق قطعا أنها أربعة وإذا لم يقطع جوز أن تكون ثلاثة وهذا التجويز لا يكون شكا إذ لم يحضره سبب أوجب اعتقاد كونها ثلاثا فلتفهم حقيقة الشك حتى لا يشتبه الوهم والتجويز بغير سبب فهذا يلتحق بالحلال المطلق ويلتحق بالحرام المحض ما تحقق تحريمه وإن أمكن طريان محلل ولكن لم يدل عليه سبب كمن في يدل طعام لمورثه الذي لا وارث له سواه فغاب عنه فقال يحتمل أنه مات وقد انتقل الملك إلي فآكله فإقدامه عليه إقدام على حرام محض لأنه احتمال لا مستند له فلا ينبغي أن يعد هذا النمط من أقسام الشبهات وإنما الشبهة نعني بها ما اشتبه علينا أمره بأن تعارض لنا فيه اعتقادان صدرا عن سببين مقتضيين للاعتقادين ومثارات الشبهة خمسة المثار الأول الشك في السبب المحلل والمحرم وذلك لا يخلو إما أن يكون متعادلا أو غلب أحد الاحتمالين فإن تعادل الاحتمالان كان الحكم لما عرف قبله فيستصحب ولا يترك بالشك وإن غلب أحد الاحتمالين عليه بأن صدر عن دلالة معتبرة كان الحكم للغالب ولا يتبين هذا إلا بالأمثال والشواهد فلنقسمه إلى أقسام أربعة القسم الأول أن يكون التحريم معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحل فهذه شبهة يجب اجتنابها ويحرم الإقدام عليها مثاله أن يرمي إلى صيد فيجرحه ويقع في الماء فيصادفه ميتا ولا يدري أنه مات بالغرق أو بالجرح فهذا حرام لأن الأصل التحريم إلا إذ مات بطريق معين وقد وقع الشك في الطريق فلا يترك اليقين بالشك كما في الأحداث والنجاسات وركعات الصلاة وغيرها وعلى هذا ينزل قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لا تأكله فلعله قتله غير كلبك فلذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا أتي بشيء اشتبه عليه أنه صدقة أو هدية سأل عنه حتى يعلم أيهما هو وروي أنه صلى الله عليه وسلم أرق ليلة فقالت له بعض نسائه أرقت يا رسول الله فقال أجل وجدت تمرة فخشيت أن تكون من الصدقة وفي رواية فأكلتها فخشيت أن تكون من الصدقة ومن ذلك ما روي عن بعضهم أنه قال كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابنا الجوع فنزلنا منزلا كثير الضباب فبينا القدور تغلي بها إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمة مسخت من بني إسرائيل أخشى أن تكون هذه فأكفأنا القدور ثم أعمله الله بعد ذلك أنه لم يمسخ الله خلقا فجعل له نسلا وكان امتناعه أولا لأن الأصل عدم الحل وشك في كون الذبح محللا القسم الثاني أن يعرف الحل ويشك في المحرم فالأصل الحل وله الحكم كما إذا نكح امرأتين رجلان وطار طائر فقال أحدهما إن كان هذا غرابا فامرأتي طالق وقال الآخر إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق

Bölüm V02/P099–V02/P100

والتبس أمر الطائر فلا يقضى بالتحريم في واحدة منهما ولا يلزمهما اجتنابهما ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما حتى يحلا لسائر الأزواج وقد أمر مكحول بالاجتناب في هذه المسئلة وأفتى الشعبي بالاجتناب في رجلين كانا قد تنازعا فقال أحدهما للآخر أنت حسود فقال الآخر أحسدنا زوجته طالق ثلاثا فقال الآخر نعم وأشكل الأمر وهذا إن أراد به اجتناب الورع فصحيح وإن أراد التحريم المحقق فلا وجه له إذ ثبت في المياه والنجاسات والأحداث والصلوات أن اليقين لا يجب تركه بالشك وهذا في معناه فإن قلت وأي مناسبة بين هذا وبين ذلك فاعلم أنه لا يحتاج إلى المناسبة فإنه لازم من غير ذلك في بعض الصور فإنه مهما تيقن طهارة الماء ثم شك في نجاسته جاز له أن يتوضأ به فكيف لا يجوز أن يشربه وإذا جوز الشرب فقد سلم أن اليقين لا يزال بالشك إلا أن ههنا دقيقة وهو أن وزان الماء أن يشك في أنه طلق زوجته أم لا فيقال الأصل أنه ما طلق ووزان مسئلة الطائر أن يتحقق نجاسة أحد الإناءين ويشتبه عينه فلا يجوز أن يستعمل أحدهما بغير اجتهاد لأنه قابل يقين النجاسة بيقين الطهارة فيبطل الاستصحاب فكذلك ههنا قد وقع الطلاق على إحدى الزوجين قطعا والتبس عين المطلقة بغير المطلقة فنقول اختلف أصحاب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه فقال قوم يستصحب بغير اجتهاد وقال قوم بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب ولا يغني الاجتهاد وقال المقتصدون يجتهد وهو الصحيح ولكن وزانه أن تكون له زوجتان فيقول إن كان غرابا فزينب طلق وإن لم يكن فعمرة طالق فلا جرم لا يجوز له غشيانهما بالاستصحاب ولا يجوز الاجتهاد إذ لا علامة ونحرمهما عليه لأنه لو وطئهما كان مقتحما للحرام قطعا وإن وطيء إحداهما وقال أقتصر على هذه كان متحكما بتعيينها من غير ترجيح ففي هذا افترق حكم شخص واحد أو شخصين لأن التحريم على شخص واحد متحقق بخلاف الشخصين إذ كل واحد شك في التحريم في حق نفسه فإن قيل فلو كان الإناء أن لشخصين فينبغي أن يستغني عن الاجتهاد ويتوضأ كل واحد بإنائه لأنه تيقن طهارته وقد شك الآن فيه فنقول هذا محتمل في الفقه والأرجح في ظني المنع وأن تعدد الشخصين ههنا كاتحاده لأن صحة الوضوء لا تستدعي ملكا بل وضوء الإنسان بماء غيره في رفع الحدث كوضوئه بماء نفسه فلا يتبين لاختلاف الملك واتحاده أثر بخلاف الوطء لزوجة الغير فإنه لا يحل ولأن للعلامات مدخلا في النجاسات والاجتهاد فيه ممكن بخلاف الطلاق فوجب تقوية الاستصحاب بعلامة ليدفع بها قوة يقين النجاسة المقابلة ليقين الطهارة وأبواب الاستصحاب والترجيحات من غوامض الفقه ودقائقه وقد استقصيناه في كتب الفقه ولسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها القسم الثالث أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب فهو مشكوك فيه والغالب حله فهذا ينظر فيه فإن استند غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعا فالذي نختاره فيه أنه يحل واجتنابه من الورع مثاله أن يرمي إلى صيد فيغيب ثم يدركه ميتا وليس عليه أثر سوى سهمه ولكن يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى التحق بالقسم الأول وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في هذا القسم والمختار أنه حلال لأن الجرح سبب ظاهر وقد تحقق والأصل أنه لم يطرأ غيره عليه فطريانه مشكوك فيه فلا يدع اليقين بالشك فإن قيل فقد قال ابن عباس كل ما أصميت ودع ما أنميت وروت عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب فقال رميتى فعرفت فيها سمهي فقال أصميت أو أنميت فقال بل أنميت قال إن الليل خلق من خلق الله لا يقدر قدره إلا الذي خلقه فلعله أعان على قتله شيء وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في كلبه المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه

Bölüm V02/P100–V02/P101

والغالب أن الكلب المعلم لا يسئ خلقه ولا يمسك إلا على صاحبه ومع ذلك نهى عنه وهذا التحقيق وهو أن الحل إنما يتحقق إذا تحقق تمام السبب وتمام السبب بأن يفضي إلى الموت سليما من طريان غيره عليه وقد شك فيه فهو شك في تمام السبب حتى اشتبه أن موته على الحل أو على الحرمة فلا يكون هذا في معنى ما تحقق موته على الحل في ساعته ثم شك فيما يطرأ عليه فالجواب أن نهي ابن عباس ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمول على الورع والتنزيه بدليل ما روي في بعض الروايات أنه قال كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك وهذا تنبيه على المعنى الذي ذكرناه وهو أنه إن وجد أثرا آخر فقد تعارض السببان بتعارض الظن وإن لم يجد سوى جرحه حصل غلبة الظن فيحكم به على الاستصحاب كما يحكم على الاستصحاب بخبر الواحد والقياس المظنون والعمومات المظنونة وغيرها وأما قول القائل إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة فيكون شكا في السبب فليس كذلك بل السبب قد تحقق إذ الجرح سبب الموت فطربان الغير شك فيه ويدل على صحة هذا الإجماع على أن من جرح وغاب فوجد ميتا فيجب القصاص على جارحه بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بيهجان خلط في باطنه كما يموت الإنسان فجأة فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة والجرح المذفف لأن العلل القاتلة في الباطن لا تؤمن ولأجلها يموت الصحيح فجأة ولا قائل بذلك مع أن القصاص مبناه على الشبهة وكذلك جنين المذكاة حلال ولعله مات قبل ذبح الأصل لا بسبب ذبحه أو لم ينفخ فيه الروح وغرة الجنين تجب ولعل الروح لم ينفخ فيه أو كان قد مات قبل الجناية بسبب آخر ولكن يبني على الأسباب الظاهرة فإن الاحتمال الآخر إذا لم يستند إلى دلالة تدل عليه التحق بالوهم والوسواس كما ذكرناه فكذلك هذا وأما قوله صلى الله عليه وسلم أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه فللشافعي رحمه الله في هذه الصورة قولان والذي نختاره الحكم بالتحريم لأن السبب قد تعارض إذ الكلب المعلم كالآلة والوكيل يمسك على صاحبه فيحل ولو استرسل المعلم بنفسه فأخذ لم يحل لأنه يتصور منه أن يصطاد لنفسه ومهما انبعث بإشارته ثم أكل دل ابتداء انبعاثه على أنه نازل منزلة آلته وأنه يسعى في وكالته ونيابته ودل أكله آخرا على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه فقد تعارض السبب الدال فيتعارض الاحتمال والأصل التحريم فيستصحب ولا يزال بالشك وهو كما لو وكل رجلا بأن يشتري له جارية فاشترى له جارية ومات قبل أن يبين أنه اشتراها لنفسه أو لموكله يحل للموكل وطؤها لأن للوكيل قدرة على الشراء لنفسه ولموكله جميعا ولا دليل مرجح والأصل التحريم فهذا يلتحق بالقسم الأول لا بالقسم الثالث

Bölüm V02/P101–V02/P102

القسم الرابع أن يكون الحل معلوما ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا فيرفع الاستصحاب ويقضي بالتحريم إذ بان لنا أن الاستصحاب ضعيف ولا يبقى له حكم مع غالب الظن ومثاله أن يؤدي اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن فتوجب تحريم شربه كما أوجبت منع الوضوء به وكذا إذا قال إن قتل زيد عمرا أو قتل زيد صيدا منفردا بقتله فامرأتي طالق فجرحه وغاب عنه فوجد ميتا حرمت زوجته لأن الظاهر أنه منفرد بقتله كما سبق وقد نص الشافعي رحمه الله أن من وجد في الغدران ماء متغيرا احتمل أن يكون تغيره بطول المكث أو بالنجاسة فيستعمله ولو رأى ظبية بالت فيه ثم وجده متغيرا واحتمل أن يكون بالبول أو بطول المكث لم يجز استعماله إذ صار البول المشاهد دلالة مغلبة لاحتمال النجاسة وهو مثال ما ذكرناه وهذا في غلبة ظن استند إلى علامة متعلقة بعين الشيء فأما غلبة الظن لا من جهة علامة تتعلق بعين الشيء فقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في أن أصل الحل هل يزال به إذا اختلف قوله في التوضؤ من أواني المشركين ومدمن الخمر والصلاة في المقابر المنبوشة والصلاة مع طين الشوارع أعنى المقدار الزائد على ما يتعذر الاحتراز عنه وعبر الأصحاب عنه بأنه إذا تعارض الأصل والغالب فأيهما يعتبر وهذا جار في حل الشرب من أواني مدمن الخمر والمشركين لأن النجس لا يحل شربه فإذن مأخذ النجاسة والحل واحد فالتردد في أحدهما يوجب التردد في الآخر والذي أختاره أن الأصل هو المعتبر وأن العلامة إذا لم تتعلق بعين المتناول لم توجب رفع الأصل وسيأتي بيان ذلك وبرهانه في المثار الثاني للشبهة وهي شبهة الخلط فقد اتضح من هذا حكم حلال شك في طريان محرم عليه أو ظن وحكم حرام شك في طريان محلل عليه أو ظن وبان الفرق بين ظن يستند إلى علامة في عين الشيء وبين ما لا يستند إليه وكل ما حكمنا في هذه الأقسام الأربعة بحله فهو حلال في الدرجة الأولى والاحتياط تركه فالمقدم عليه لا يكون من زمرة المتقين والصالحين بل من زمرة العدول الذين لا يقضى في فتوى الشرع بفسقهم وعصيانهم واستحقاقهم العقوبة إلا ما ألحقناه برتبة الوسواس فإن الاحتراز عنه ليس من الورع أصلا المثار الثاني للشبهة شك منشؤه الاختلاط وذلك بأن يختلط الحرام بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز والخلط لا يخلو إما أن يقع بعدد لا يحصر من الجانبين أو من أحدهما أو بعدد محصور فإن اختلط بمحصور فلا يخلو إما أن يكون اختلاط امتزاج بحيث لا يتميز بالإشارة كاختلاط المائعات أو يكون اختلاط استبهام مع التميز للأعيان كاختلاط الأعبد والدور والأفراس والذي يختلط بالاستيهام فلا يخلو إما أن يكون مما يقصد عينه كالعروض أو لا يقصد كالنقود فيخرج من هذا التقسيم ثلاثة أقسام القسم الأول أن تستبهم العين بعدد محصور كما لو اختلطت الميتة بمذكاة أو بعشر مذكيات أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة أو يتزوج إحدى الأختين ثم تلتبس فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع لأنه لا مجال للاجتهاد والعلامات في هذا وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشيء الواحد فتقابل فيه يقين التحريم والتحليل ولا فرق في هذا بين أن يثبت حل فيطرأ اختلاط بمحرم كما لو أوقع الطلاق على إحدى زوجتين في مسئلة الطائر أو يختلط قبل الاستحلال كما لو اختلطت رضيعة بأجنبية فأراد استحلال واحدة وهذا قد يشكل في طريان التحريم كطلاق إحدى الزوجتين لما سبق من الاستصحاب وقد نبهنا على وجه الجواب وهو أن يقين التحريم قابل يقين الحل فضعف الاستصحاب وجانب الحظر أغلب في نظر الشرع فلذلك ترجح وهذا إذا اختلط حلال محصور بحرام محصور فإن اختلط حلال محصور بحرام غير محصور فلا يخفى أن وجوب الاجتناب أولى

Bölüm V02/P102–V02/P103

القسم الثاني حرام محصور بحلال غير محصور كما لو اختلطت رضيعة أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أهل البلد بل له أن ينكح من شاء منهن وهذا لا يجوز أن يعلل بكثرة الحلال إذ يلزم عليه أن يجوز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ولا قائل به بل العلة الغلبة والحاجة جميعا إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب أو محرم بمصاهرة أو سبب من الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب النكاح وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعا لا يلزمه ترك الشراء والأكل فإن ذلك حرج وما في الدين من حرج ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجن وغل واحد في الغنيمة عباءة لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء في الدنيا وكذلك كل ما سرق وكذلك كان يعرف أن في الناس من يربي في الدراهم والدنانير وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية وبالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي وهو محال وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد إلا إذا وقع بين جماعة محصورين بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين إذا لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة ولا يتصور الوفاء به في ملة من الملل ولا في عصر من الأعصار فإن قلت فكل عدد محصور في علم الله فما حد المحصور ولو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضا إن تمكن منه فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن وإنما يضبط بالتقريب فنقول كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر كالألف والألفين فهو غير محصور وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور وبين الطرفين أوساط متشابهة تحلق بأحد الطرفين بالظن وما وقع الشك فيه استفتى فيه القلب فإن الإثم حزاز القلوب وفي مثل هذا المقام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك وكذا الأقسام الأربعة التي ذكرناها في المثال الأول يقع فيها أطراف متقابلة واضحة في النفي والإثبات وأوساط متشابهة فالمفتي يفتي بالظن وعلى المستفتي أن يستفتي قلبه فإن حاك في صدره شيء فهو الآثم بينه وبين الله فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي فإنه يفتي بالظاهر والله يتولى السرائر القسم الثالث أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر كحكم الأموال في زماننا هذا فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور إلى غير المحصور كنسبة المحصور إلى المحصور وقد حكمنا ثم بالتحريم فلنحكم هنا به والذي نختاره خلاف ذلك وهو أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام فإن لم يكن في العين علامة تدل على أنه من الحرام فتركه ورع وأخذه حلال لا يفسق به آكله ومن العلامات أن يأخذه من يد سلطان ظالم إلى غير ذلك من العلامات التي سيأتي ذكرها ويدل عليه الأثر والقياس فأما الأثر فما علم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده إذ كانت أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدي أهل الذمة مختلطة بالأموال وكذا غلول الأموال وكذا غلول الغنيمة ومن الوقت الذي نهى صلى الله عليه وسلم عن الربا إذ قال أول ربا أضعه ربا العباس ما ترك الناس الربا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمور وسائر المعاصي حتى روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باع الخمر فقال عمر رضي الله عنه لعن الله فلاناهو أول من سن بيع الخمر إذ لم يكن قد فهم أن تحريم الخمر تحريم لثمنها وقال صلى الله عليه وسلم إن فلانا يجر في النار عباءة قد غلها

Bölüm V02/P103–V02/P104

وقتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزات من خرز اليهود لا تساوي درهمين قد غلها وكذلك أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيام وكان من يمتنع من تلك الأموال مشارا إليه في الورع والأكثرون لم يمتنعوا مع الاخلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشر ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم كقولهم إن الجدة كالأم في التحريم وابن الابن كالابن وشعر الخنزير وشحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرآن والربا جار فيما عدا الأشياء الستة وذلك محال فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم وأما القياس فهو أنه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط فإن قيل قد نقلتم أنه صلى الله عليه وسلم امتنع من الضب وقال أخشى أن يكون مما مسخه الله وهو في اختلاط غير المحصور قلنا يحمل ذلك على التنزه والورع أو نقول الضب شكل غريب ربما يدل على أنه من المسخ فهي دلالة في عين المتناول فإن قيل هذا معلوم في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة بسبب الربا والسرقة والنهب وغلوك الغنيمة وغيرها ولكن كانت هي الأقل بالإضافة إلى الحلال فما تقول في زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الربا وأموال السلاطين الظلمة فمن أخذ مالا لم يشهد عليه علامة معينة في عينة للتحريم فهل هو حرام أم لا فأقول ليس ذلك حراما وإنما الورع تركه وهذا الورع أهم من الورع إذا كان قليلا ولكن الجواب عن هذا أن قول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط محض ومنشؤه الغفلة عن الفرق بين الكثير والأكثر فأكثر الناس بل أكثر الفقهاء يظنون أن ما ليس بنادر فهو الأكثر ويتوهمون أنهما قسمان متقابلان ليس بينهما ثالث وليس كذلك بل الأقسام ثلاثة قليل وهو النادر وكثير وأكثر ومثاله أن الخنثى فيما بين الخلق نادر وإذا أضيف إليه المريض وجد كثيرا وكذا السفر حتى يقال المرض والسفر من الأعذار العامة والاستحاضة من الأعذار النادرة ومعلوم أن المرض ليس بنادر وليس بالأكثر أيضابل هو كثير والفقيه إذا تساهل وقال المرض والسفر غالب وهو عذر عام أراد به أنه ليس بنادر فإن لم يرد هذا فهو غلط والصحيح والمقيم هو الأكثر والمسافر والمريض كثير والمستحاضة والخنثى نادر فإذا فهم هذا فنقول: قول القائل الحرام أكثر باطل لأن مستند هذا القائل إما أن يكون كثرة الظلمة والجندية أو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة أو كثرة الأيدي التي تكررت من أول الإسلام إلى زماننا هذا على أصول الأموال الموجودة اليوم أما المستند الأول فباطل فإن الظالم كثير وليس هو بالأكثر فإنهم الجندية إذ لا يظلم إلا ذو غلبة وشوكة وهم إذا أضيفوا إلى كل العالم لم يبلغوا عشر عشيرهم فكل سلطان يجتمع عليه من الجنود مائة ألف مثلا فيملك إقليمايجمع ألف ألف وزيادة ولعل بلدة واحدة من بلاد مملكته يزيد عددها على جميع عسكره ولو كان عدد السلاطين أكثر من عدد الرعايا لهلك الكل إذ كان يجب على كل واحد من الرعية أن يقوم بعشرة منهم مثلا مع تنعمهم في المعيشة ولا يتصور ذلك بل كفاية الواحد كان منهم تجمع من ألف من الرعية وزيادة وكذا القول في السراق فإن البلدة الكبيرة تشتمل منهم على قدر قليل

Bölüm V02/P104–V02/P105

وأما المستند الثاني وهو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة فهي أيضا كثيرة وليست بالأكثر إذ أكثر المسلمين يتعاملون بشروط الشرع فعدد هؤلاء أكثر والذي يعامل بالربا أو غيره فلو عددت معاملاته وحده لكان عدد الصحيح منها يزيد على الفاسد إلا أن يطلب الإنسان بوهمه في البلد مخصوصا بالمجانة والخبث وقلة الدين حتى يتصور أن يقال معاملاته الفاسدة أكثر ومثل ذلك المخصوص نادر وإن كان كثيرا فليس بالأكثر لو كان كل معاملاته فاسدة كيف ولا يخلو هو أيضا عن معاملات صحيحة تساوي الفاسدة أو تزيد عليها وهذا مقطوع به لمن تأمله وإنما غلب هذا على النفوس لاستكثار النفوس الفساد واستبعادها إياه واستعظامها له وإن كان نادراحتى ربما يظن أن الربا وشرب الخمر قد شاع كما شاع الحرام فيتخيل أنهم الأكثرون وهو خطأ فإنهم الأقلون وإن كان فيهم كثرة وأما المستند الثالث وهو أخيلها أن يقال الأموال إنما تحصل من المعادن والنبات والحيوان والنبات والحيوان حاصلان بالتوالد فإذا نظرنا إلى شاة مثلا وهي تلد في كل سنة فيكون عدد أصولها إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من خمسمائة ولا يخلو هذا أن يتطرق إلى أصل من تلك الأصول غصب أو معاملة فاسدة فكيف يقدر أن تسلم أصولها عن تصرف باطل إلى زماننا هذا وكذا بذور الحبوب والفواكه تحتاج إلى خمسمائة أصل أو ألف أصل مثلا إلى أول زمان الشرع ولا يكون هذا حلالا ما لم يكن أصله وأصل أصله كذلك إلى أول زمان النبوة حلالا وأما المعادن فهي التي يمكن نيلها على سبيل الابتداء وهي أقل الأموال وأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير ولا تخرج إلا من دار الضرب وهي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم يمنعون الناس منها ويلزمون الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة ثم يأخذونها منهم غصبا فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد ولا ظلم وقت النيل ولا وقت الضرب في دار الضرب ولا بعده في معاملات الصرف والربا بعيد نادر أو محال فلا يبقى إذن حلال إلا الصيد والحشيش في الصحاري الموات والمفاوز والحطب المباح ثم من يحصله لا يقدر على أكله فيفتقر إلى أن يشتري به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات والتوالد فيكون قد بذل حلالا في مقابلة حرام فهذا هو أشد الطرق تخيلا والجواب أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال فخرج عن النمط الذي نحن فيه والتحق بما ذكرناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات وجواز التراضي عليها وقد عارضه سبب غالب يخرجه عن الصلاح له فيصاهي هذا محل القولين للشافعي رضي الله عنه في حكم النجاسات والصحيح عندنا أنه تجوز الصلاة في الشوارع إذا لم يجد فيها نجاسة فإن طين الشوارع طاهر وأن الوضوء من أواني المشركين جائز وأن الصلاة في المقابر المنبوشة جائزة فثبت هذا أولاثم نقيس ما نحن فيه عليه ويدل على ذلك توضؤ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة وتوضؤ عمر رضي الله عنه من جرة نصرانية مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ولا يحترزون عما نجسه شرعنا فكيف تسلم أوانيهم من أيديهم بل نقول نعلم قطعا أنهم كانوا يلبسون الفراء المدبوغة والثياب المصبوغة والمقصورة ومن تأمل أحول الدباغين والقصارين والصباغين علم أن الغالب عليهم النجاسة وأن الطهارة في تلك الثياب محال أو نادر بل نقول نعلم أنهم كانوا يأكلون خبز البر والشعير ولا يغسلونه مع أنه يداس بالبقر والحيوانات وهي تبول عليه وتروث وقلما يخلص منها وكانوا يركبون الدواب وهي تعرق وما كانوا يغسلون ظهورها مع كثرة تمرغها في النجاسات بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة قد تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها وما كان يحترز عنها وكانوا يمشون حفاة في الطرق وبالنعال ويصلون معها ويجلسون على التراب ويمشون في الطين من غير حاجة وكانوا لا يمشون في البول والعذرة ولا يجلسون عليهما ويستنزهون منه ومتى تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب وأرواثها ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يظن أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم أو كانت تحرس من الدواب هيهات فذلك معلوم استحالته بالعادة قطعا فدل على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة أو علامة على النجاسة دالة على العين

Bölüm V02/P105–V02/P106

فأما الظن الغالب الذي يستثار من رد الدراهم إلى مجاري الأحوال فلم يعتبروه وهذا عند الشافعي رحمه الله وهو يرى أن الماء القليل ينجس من غير تغير واقع إذ لم يزل الصحابة يدخلون الحمامات ويتوضئون من الحياض وفيها المياه القليلة والأيدي المختلفة تغمس فيها على الدوام وهذا قاطع في هذا الغرض ومهما ثبت جواز التوضؤ من جرة نصرانية ثبت جواز شربه والتحق حكم الحل بحكم النجاسة فإن قيل لا يجوز قياس الحل على النجاسة إذ كانوا يتوسعون في أمور الطهارات ويحترزون من شبهات الحرام غاية التحرز فكيف يقاس عليها قلنا إن أريد به أنهم صلوا معها مع النجاسة والصلاة معصية وهي عماد الدين فبئس الظن بل يجب أن نعتقد فيهم أنهم احترزوا عن كل نجاسة وجب اجتنابها وإنما تسامحوا حيث لم يجب وكان في محل تسامحهم هذه الصورة التي تعارض فيها الأصل والغالب فبان أن الغالب الذي لا يستند إلى علامة تتعلق بعين ما فيه النظر مطرح وأما تورعهم في الحلال فكان بطريق التقوى وهو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس لأن أمر الأموال مخوف والنفس تميل إليها إن لم تضبط عنها وأمر الطهارة ليس كذلك فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال المحض خيفة أن يشغل قلبه وقد حكي عن واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء البحر وهو الطهور المحض فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا فيه على أنا نجري في هذا المستند على الجواب الذي قدمنا في المستندين السابقين ولا نسلم ما ذكروه من أن الأكثر هو الحرام لأن المال وإن كثرت أصوله فليس بواجب أن يكون في أصوله حرام بل الأموال الموجودة اليوم مما تطرق الظلم إلى أصول بعضها دون بعض وكما أن الذي يبتدأ غصبه اليوم هو الأقل بالإضافة إلى ما لا يغصب ولا يسرق فهكذا كل مال في كل عصر وفي كل أصل فالمغصوب من مال الدنيا والمتناول في كل زمان بالفساد بالإضافة إلى غيره أقل ولسنا ندري أن هذا الفرع بعينه من أي القسمين فلا نسلم أن الغالب تحريمه فإنه كما يزيد المغصوب بالتوالد يزيد غير المغصوب بالتوالد فيكون فرع الأكثر لا محالة في كل عصر وزمان أكثر بل الغالب أن الحبوب المغصوبة تغصب للأكل لا للبذر وكذا الحيوانات المغصوبة أكثرها يؤكل ولا يقتنى للتوالد فكيف يقال إن فروع الحرام أكثر ولم تزل أصول الحلال أكثر من أصول الحرام وليتفهم المسترشد من هذا طريق معرفة الأكثر فإنه مزلة قدم وأكثر العلماء يغلطون فيه فكيف العوام هذا في المتولدات من الحيوانات والحبوب فأما المعادن فإنها مخلاة مسبلة يأخذها في بلاد الترك وغيرها من شاء ولكن قد يأخذ السلاطين بعضها منهم أو يأخذون الأقل لا محالة لا الأكثر ومن حاز من السلاطين معدنا فظلمه يمنع الناس منه فأما ما يأخذه الآخذ منه فيأخذه من السلطان بأجرة والصحيح أنه يجوز الاستنابة في إثبات اليد على المباحات والاستئجار عليها فالمستأجر على الاستقاء إذا حاز الماء دخل في ملك المستقي له واستحق الأجرة فكذلك النيل فإذا فرعنا على هذا لم تحرم عين الذهب إلا أن يقدر ظلمه بنقصان أجرة العمل وذلك قليل بالإضافة ثم لا يوجب تحريم عين الذهب بل يكون ظالما ببقاء الأجرة في ذمته وأما دار الضرب فليس الذهب الخارج منها من أعيان ذهب السلطان الذي غصبه وظلم به الناس بل التجار يحملون إليهم الذهب المسبوك أو النقد الرديء ويستأجرونهم على السبك والضرب ويأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم إلا شيئا قليلا يتركونه أجرة لهم على العمل وذلك جائز وإن فرض دنانير مضروبة من دنانير السلطان فهو بالإضافة إلى مال التجار أقل لا محالة نعم السلطان يظلم أجراء دار الضرب بأن يأخذ منهم ضريبة لأنه خصصهم بها من بين سائر الناس حتى توفر عليهم مال بحشمة السلطان فما يأخذه السلطان عوض من حشمته وذلك من باب الظلم وهو قليل بالإضافة إلى ما يخرج من دار الضرب فلا يسلم لأهل دار الضرب والسلطان من جملة ما يخرج منه من المائة واحد وهو عشر العشير فكيف يكون هو الأكثر فهذه أغاليط سبقت إلى القلوب بالوهم وتشمر لتزيينها جماعة ممن رق دينهم حتى قبحوا الورع وسدوا بابه واستقبحوا تمييز من يميز بين مال ومال وذلك عين البدعة والضلال

Sorular