Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
فإن قيل هب أنه أخذ باليقين لكن الذي يخرجه ليس يدري أنه عين الحرام فلعل الحرام ما بقي في يده فكيف يقدم عليه ولو جاز هذا لجاز أن يقال إذا اختلطت ميتة بتسع مذكاة فهي العشر فله أن يطرح واحدة أي واحدة كانت ويأخذ الباقي ويستحله ولكن يقال لعل الميتة فيما استبقاه بل لو طرح التسع واستبقى واحدة لم تحل لاحتمال أنها الحرام فنقول هذه الموازنة كانت تصح لولا أن المال يحل بإخراج البدل لتطرق المعاوضة إليه وأما الميتة فلا تتطرق المعاوضة إليها فليكشف الغطاء عن هذا الأشكال بالفرض في درهم معين اشتبه بدرهم آخر فيمن له درهمان أحدهما حرام قد اشتبه عينه وقد سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن مثل هذا فقال يدع الكل حتى يتبين وكان قد رهن آنية فلما قضى الدين حمل إليه المرتهن آنيتين وقال لا أدري أيتهما آنيتك فتركهما فقال المرتهن هذا الذي هو لك وإنما كنت أختبرك فقضى دينه ولم يأخذ الرهن وهذا ورع ولكنا نقول إنه غير واجب فلنفرض المسألة في درهم له مالك معين حاضر فنقول إذا رد أحد الدرهمين عليه ورضي به مع العلم بحقيقة الحال حل له الدرهم الآخر لأنه لا يخلو إما أن يكون المردود في علم الله هو المأخوذ فقد حصل المقصود وإن كان غير ذلك فقد حصل لكل واحد درهم في يد صاحبه فالاحتياط أن يتبايعا باللفظ فإن لم يفعلا وقع التقاص والتبادل بمجرد المعاطاة وإن كان المغصوب منه قد فات له درهم في يد الغاصب وعسر الوصول إلى عينه واستحق ضمانه فلما أخذه وقع عن الضمان بمجرد القبض وهذا في جانبه واضح فإن المضمون له يملك الضمان بمجرد القبض من غير لفظ والإشكال في الجانب الآخر أنه لم يدخل في ملكه فنقول لأنه أيضا إن كان قد تسلم درهم نفسه فقد فات له أيضا درهم في يد الآخر فليس يمكن الوصول إليه فهو كالغائب فيقع هذا بدلا عنه في علم الله إن كان الأمر كذلك ويقع هذا التبادل في علم الله كما يقع التقاص لو أتلف رجلان كل واحد منهما درهما على صاحبه بل في عين مسألتنا لو ألقى كل واحد ما في يده في البحر أو أحرقه كأن قد أتلفه ولم يكن عليه عهدة للآخر بطريق التاقص فكذا إذا لم يتلف فإن القول بهذا أولى من المصير إلى ان من يأخذ درهما حراما ويطرحه في ألف ألف درهم لرجل آخر يصير كل المال محجورا عليه لا يجوز التصرف فيه وهذا المذهب يؤدي إليه فانظر ما في هذا من البعد وليس فيما ذكرناه إلا ترك اللفظ والمعاطاة بيع ومن لا يجعلها بيعا فحيث يتطرق إليها احتمال إذ الفعل يضعف دلالته وحيث يمكن التلفظ وههنا هذا التسليم والتسلم للمبادلة قطعا والبيع غير ممكن لأن المبيع غير مشار إليه ولا معلوم في عينه وقد يكون مما لا يقبل البيع كما لو خلط رطل دقيق بألف رطل دقيق لغيره وكذا الدبس والرطب وكل ما لا يباع البعض منه بالبعض فإن قيل فأنتم جوزتم تسليم قدر حقه في مثل هذه الصورة وجعلتموه بيعا قلنا لا نجعله بيعا بل نقول هو بدل عما فات في يده فيملكه كما يملك المتلف عليه من الرطب إذا أخذ مثله هذا إذا ساعده صاحب المال فإن لم يساعده واضر به وقال لا آخذ درهما أصلا إلا عين ملكي فإن استهم فأتركه ولا أهبه وأعطل عليك مالك فأقول على القاضي أن ينوب عنه في القبض حتى يطيب للرجل ماله فإن هذا محض التعنت والتضييق والشرع لم يرد به فإن عجز عن القاضي ولم يجده فليحكم رجلا متدينا ليقبض عنه فإن عجز فيتولى هو بنفسه ويفرد على نية الصرف إليه درهما ويتعين ذلك له ويطيب له الباقي وهذا في خلط المائعات أظهر وألزم
فإن قيل فينبغي أن يحل له الأخذ وينتقل الحق إلى ذمته فأي حاجة إلى الإخراج أولا ثم التصرف في الباقي قلنا قال قائلون يحل له أن يأخذ ما دام يبقى قدر الحرام ولا يجوز أن يأخذ الكل ولو أخذ لم يجز له ذلك وقال آخرون ليس له أن يأخذ ما لم يخرج قدر الحرام بالتوبة وقصد الإبدال وقال آخرون يجوز للآخذ في التصرف أن يأخذ منه وأما هو فلا يعطي فإن أعطى عصى هو دون الآخذ منه وما جوز أحد أخذ الكل وذلك لأن المالك لو ظهر فله أن يأخذ حقه من هذه الجملة إذ يقول لعل المصروف إلي يقع عين حقي وبالتعيين وإخراج حق الغير وتمييزه يندفع هذا الاحتمال فهذا المال يترجح بهذا الاحتمال على غيره وما هو أقرب إلى الحق مقدم كما يقدم المثل على القيمة والعين على المثل فكذلك ما يحتمل فيه رجوع المثل مقدم على ما يحتمل فيه رجوع القيمة وما يحتمل فيه رجوع العين يقدم على ما يحتمل فيه رجوع المثل ولو جاز لهذا أن يقول ذلك لجاز لصاحب الدرهم الآخر أن يأخذ الدرهمين ويتصرف فيهما ويقول على قضاء حقك من موضع آخر إذ الاختلاط من الجانبين وليس ملك أحدهما بأن يقدر فائتا بأولى من الآخر إلا أن ينظر إلى الأقل فيقدر أنه فائت فيه أو ينظر إلى الذي خلط فيجعل بفعله متلفا لحق غيره وكلاهما بعيدان جدا وهذا واضح في ذوات الأمثال فإنها تقع عوضا في الإتلافات من غير عقد فأما إذا اشتبه دار بدور أو عبد بعبيد فلا سبيل إلى المصالحة والتراضي فإن أبى أن يأخذ إلا عين حقه ولم يقدر عليه وأراد الآخر أن يعوق عليه جميع ملكه فإن كانت متماثلة القيم فالطريق أن يبيع القاضي جميع الدور ويوزع عليهم الثمن بقدر النسبة وإن كانت متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل ويوقف قدر التفاوت إلى البيان أو الإصلاح لأنه مشكل وإن لم يوجد القاضي فللذي يريد الخلاص وفي يده الكل أن يتولى ذلك بنفسه هذه هي المصلحة وما عداها من الاحتمالات ضعيفة لا نختارها وفيما سبق تنبيه على العلة وهذا في الحنطة ظاهر وفي النقود دونه وفي العروض أغمض إذ لا يقع البعض بدلا عن البعض فذلك احتيج إلى البيع ولترسم مسائل يتم بها البيان هذا الأصل مسألة إذا ورث مع جماعة وكان السلطان قد غصب ضيعة لمورثهم فرد عليه قطعة معينة فهي لجميع الورثة ولو رد من الضيعة نصفا وهو قدر حقه ساهمه الورثة فإن النصف الذي له لا يتميز حتى يقال هو المردود والباقي هو المغصوب ولا يصير مميزا بنية السلطان وقصده حصر الغصب في نصيب الآخرين مسألة إذا وقع في يده مال أخذه من سلطان ظالم ثم تاب والمال عقار وكان قد حصل منه انتفاع فينبغي أن يحسب أجر مثله لطول تلك المدة وكذلك كل مغصوب له منفعة أو حصل منه زيادة فلا تصح توبته مالم يخرج أجرة المغصوب وكذلك كل زيادة حصلت منه وتقدير أجرة العبيد والثياب والأواني وأمثال ذلك مما لا يعتاد إجارتها مما يعسر ولا يدرك ذلك إلا باجتهاد وتخمين وهكذا كل التقويمات تقع بالاجتهاد وطريق الورع الأخذ بالأقصى وما ربحه على المال المغصوب في عقود عقدها على الذمة وقضى الثمن منه فهو ملك له ولكن فيه شبهة إذ كان ثمنه حراما كما سبق حكمه وإن كان بأعيان تلك الأموال فالعقود كانت فاسدة وقد قيل تنفذ بإجازة المغصوب منه للمصلحة فيكون المغصوب منه أولى به والقياس أن تلك العقود تفسخ وتسترد الثمن وترد الأعواض فإن عجز عنه لكثرته فهي أموال حرام حصلت في يده فللمغصوب منه قدر رأس ماله والفضل حرام يجب إخراجه لتتصدق به ولا يحل للغاصب ولا للمغصوب منه بل حكمه حكم كل حرام يقع في يده
مسألة من ورث مالا ولم يدر أن مورثه من أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ولم يكن ثم علامة فهو حلال باتفاق العلماء وإن علم أن فيه حراما وشك في قدره أخرج مقدار الحرام بالتحري فإن لم يعلم ذلك ولكن علم أن مورثه كان يتولى أعمالا للسلاطين واحتمل انه لم يكن] خذ في عمله شيئا أو كان قد أخذ ولم يبق في يده منه شيء لطول المدة فهذه شبهة يحسن التورع عنها ولا يجب وإن علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد وقال بعض العلماء لا يلزمه والإثم على المورث واستدل بما روي أن رجلا ممن ولي عمل السلطان مات فقال صحابي الآن طاب ماله أي لوارثه وهذا ضعيف لأنه لم يذكر اسم الصحابي ولعله صدر من متساهل فقد كان في الصحابة من يتساهل ولكن لا نذكره لحرمة الصحبة وكيف يكون موت الرجل مبيحا للحرام المتيقن المختلط ومن أين يؤخذ هذا نعم إذا لم يتيقن يجوز أن يقال هو غير مأخوذ بما لا يدري فيطيب لوارث لا يدري أن فيه حراما يقينا النظر الثاني في المصرف فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال إما أن يكون له مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه وإن كان غائبا فينتظر حضوره أو الإيصال إليه وإن كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره وإما أن يكون لمالك غير معين وقع اليأس من الوقوف على عيبه ولا يدري أنه مات عن وارث أم لا فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه وربما لا يمكن الرد لكثرة الملاك كغلول الغنيمة فإنها بعد تفرق الغزاة كيف يقدر على جمعهم وإن قدر فكيف يفرق دينارا واحد مثلا على ألف أو ألفين فهذا ينبغي أن يتصدق به وإما من مال الفئ والأموال المرصدة لمصالح المسلمين كافة فيصرف ذلك إلى القناطر والمساجد والرباطات ومصانع طريق مكة وأمثال هذه الأمور التي يشترك في الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين ليكون عاما للمسلمين وحكم القسم الأول لا شبهة فيه أما التصدق وبناء القناطر فينبغي أن يتولاه القاضي فيسلم إليه المال إن وجد قاضيا متدينا وإن كان القاضي مستحلا فهو بالتسليم إليه ضامن لو ابتدأ به فيما لا يضمنه فكيف يسقط عنه به ضمان قد استقر عليه بل يحكم من أهل البلد عالما متدينا فإن التحكيم أولى من الانفراد فإن عجز فليتول ذلك بنفسه فإن المقصود الصرف وأما عين الصارف فإنما نطلبه لمصارف دقيقة في المصالح فلا يترك أصل الصرف بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه فإن قيل ما دليل جواز التصدق بما هو حرام وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام وحكي عن الفضيل أنه وقع في يده درهمان فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضى لغيري مالا أرضاه لنفسي فنقول نعم ذلك له وجه واحتمال وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس أما الخير فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام إذ قال صلى الله عليه وسلم أطعموها الأسارى ولما نزل قوله تعالى {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} كذبه المشركون وقالوا للصحابة ألا ترون ما يقول صاحبكم يزعم أن الروم ستغلب فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر رضي الله عنه بما قامرهم به قال عليه الصلاة والسلام هذا سحت فتصدق به وفرح المؤمنون بنصر الله وكان قد نزل تحريم القمار بعد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في المخاطرة مع الكفار وأما الأثر فإن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن فطلبه كثيرا فلم يجده فتصدق بالثمن وقال اللهم هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي
وسئل الحسن رضي الله عنه عن توبة الغال وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش فقال يتصدق به وروي أن رجلا سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له تفرق الناس فأتى معاوية فأبى أن يقبض فأتى بعض النساك فقال ادفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما يبقى فبلغ معاوية قوله فتلهف إذا لم يخطر له ذلك وقد ذهب أحمد بن حنبل والحارس المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك وأما القياس فهو أن يقال إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير إذ قد وقع اليأس من مالكه وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر فإنا إن رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه وحصل للفقير سد حاجته وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر فإن في الخبر الصحيح إن للزارع والغارس أجرا في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه وذلك بغير اختياره وأما قول القائل لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر وترددنا بين التضييع وبين التصدق ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع وقول القائل لا نرضى لغيرنا مالا نرضاه لأنفسنا فهو كذلك ولكنه علينا حرام لاستغنائنا عنه وللفقير حلال إذ أحله دليل الشرع وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل وإذا حل فقد رضينا له الحلال ونقول إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيرا أما عياله وأهله فلا يخفى لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله بل هم أولى من يتصدق عليهم وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضا فقير ولو تصدق به على فقير لجاز وكذا إذا كان هو الفقير ولنرسم في بيان هذا الأصل أيضا مسائل مسألة إذا وقع في يده مال من يد سلطان قال قوم يرد إلى السلطان فهو أعلم بما تولاه فيقلده ما تقلده وهو خير من أن يتصدق به واختار المحاسبي ذلك وقال كيف يتصدق به فلعل له مالكا معينا ولو جاز ذلك لجاز أن يسرق من السلطان ويتصدق به وقال قوم يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى المالك لأن ذلك إعانة للظالم وتكثير لأسباب ظلمه فالرد إليه تضييع لحق المالك والمختار أنه إذا علم من عادة السلطان انه لا يرده إلى مالكه فيتصدق به عن مالكه فهو خير للمالك إن كان له مالك معين من أن يرد على السلطان لأنه ربما لا يكون له مالك معين ويكون حق المسلمين فرده على السلطان تضييع فإن كان له مالك معين فالرد على السلطان تضييع وإعانة للسلطان الظالم وتفويت لبركة دعاء الفقير على المالك وهذا ظاهر فإذا وقع في يده من ميراث ولم يتعد هو بالأخذ من للسلطان فإنه شبيه باللقطة التي أيس عن معرفة صاحبها إذا لم يكن له أن يتصرف فيها بالتصدق عن المالك ولكن له أن يتملكها ثم وإن كان غنيا من حيث إنه اكتسبه من وجه مباح وهو الالتقاط وههنا لم يحصل المال من وجه مباح فيؤثر في منعه من التملك ولا يؤثر في المنع من التصدق
مسألة إذا حصل في يده مال لا مالك له وجوزنا له أن يأخذ قدر حاجته لفقره ففي قدر حاجته نظر ذكرناه في كتاب أسرار الزكاة فقد قال قوم يأخذ كفاية سنة لنفسه وعياله وإن قدر على شراء ضيعة أو تجارة يكتسب بها للعائلة فعل وهذا ما اختاره المحاسبي ولكنه قال الأولى أن يتصدق بالكل إن وجد من نفسه قوة التوكل وينتظر لطف الله تعالى في الحلال فإن لم يقدر فله أن يشتري ضيعة أو يتخذ رأس مال يتعيش بالمعروف منه وكل يوم وجد فيه حلالا أمسك ذلك اليوم عنه فإذا فني عاد إليه فإذا وجد حلالا معينا تصدق بمثل ما أنفقه من قبل ويكون ذلك قرضا عنده ثم إنه يأكل الخبز ويترك اللحم إن قوي عليه وإلا أكل اللحم من غير تنعم وتوسع وما ذكره لا مزيد عليه ولكن جعل ما أنفقه قرضا عنده فيه نظر ولا شك في أن الورع ان يجعله قرضا فإذا وجد حلالا تصدق بمثله ولكن مهما لم يجب ذلك على الفقير الذي يتصدق به عليه فلا يبعد ان لا يجب عليه أيضا إذا أخذه لفقره لا سيما إذا وقع في يده من ميراث ولم يكن متعديا بغصبه وكسبه حتى يغلظ الأمر عليه فيه مسألة إذا كان في يده حلال وحرام أو شبهة وليس يفضل الكل عن حاجته فإذا كان له عيال فليخص نفسه بالحلال لأن الحجة عليه أوكد في نفسه منه في عبده وعياله وأولاده الصغار والكبار من الأولاد يحرسهم من الحرام إن كان لا يفضي بهم إلى ما هو أشد منه فإن أفضى فيطعمهم بقدر الحاجة وبالجملة ما يحذره في غيره فهو محذور في نفسه وزيادة وهو أنه يتناول مع العلم والعيال ربما تعذر إذا لم تعلم إذ لم تتول الأمر بنفسها فليبدأ بالحلال بنفسه ثم بمن يعول وإذا تردد في حق نفسه بين ما يخص قوته وكسوته وبين غيره من المؤن كأجرة الحجام والصباغ والقصار والحمال والاطلاء بالنورة والدهن وعمارة المنزل وتعهد الدابة وتسجير التنور وثمن الحطب ودهن السراج فليخص بالحلال قوته ولباسه فإن ما يتعلق ببدنه ولا غنى به عنه هو أولى بأن يكون طيبا وإذا دار الأمر بين القوت واللباس فيحتمل أن يقال يخص القوت بالحلال لأنه ممتزج بلحمه ودمه وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به وأما الكسوة ففائدتها ستر عورته ودفع الحر والبرد والأبصار عن بشرته وهذا هو الأظهر عندي وقال الحارث المحاسبي يقدم اللباس لأنه يبقى عليه مدة والطعام لا يبقى عليه لما روي أنه لا يقبل الله صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام وهذا محتمل ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرام ونبت لحمه من حرام فمراعاة اللحم والعظم أن ينبته من الحلال أولى ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه ما شربه مع الجهل حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى فإن قيل فإذا كان الكل منصرفا إلى أغراضه فأي فرق بين نفسه وغيره وبين جهة وجهة وما مدرك هذا الفرق قلنا عرف ذلك بما روي أن رافع بن خديج رحمه الله مات وخلف ناضحا وعبدا حجاما فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنهى عن كسب الحجام فروجع مرات فمنع منه فقيل إن له أيتاما فقال أعلفوه الناضح فهذا يدل على الفرق بين مايأكله هو أو دابته فإذا انفتح سبيل الفرق فقس عليه التفصيل الذي ذكرناه
مسألة الحرام الذي في يده لو تصدق به على الفقراء فله يوسع عليهم وإذا أنفق على نفسه فليضيق ما قدر وما أنفق على عياله فليقتصد وليكن وسطا بين التوسيع والتضييق فيكون الأمر على ثلاث مراتب فإن أنفق على ضيف قدم عليه وهو فقير فليوسع عليه وإن كان غنيا فلا يطعمه إلا إذا كان في برية أو قدم ليلا ولم يجد شيئا فإنه في ذلك الوقت فقير وإن كان الفقير الذي حضر ضيفا تقيا لو علم ذلك لتورع عنه فليعرض الطعام وليخبره جمعا بين حق الضيافة وترك الخداع فلا ينبغي أن يكرم أخاه بما يكره ولا ينبغي أن يعول على أنه لا يدري فلا يضره فإن الحرام إذا حصل في المعدة أثر في قساوة القلب وإن لم يعرفه صاحبه ولذلك تقيأ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا قد شربا على جهل وهذا وإن أفتينا بإنه حلال للفقراء أحللناه بحكم الحاجة إليه فهو كالخنزير والخمر إذا أحللناهما بالضرورة فلا يلتحق بالطيبات مسألة إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع فهذا قد عارضه أن الورع طلب رضاهما بل هو واجب فليتلطف في الامتناع فإن لم يقدر فليوافق وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان والأخ والأخت قريبان من ذلك لأن حقهما أيضا مؤكد وكذلك إذا ألبسته أمه ثوبا من شبهة وكانت تسخط برده فليقبل وليلبس بين يديها ولينزع في غيبتها وليجتهد أن لا يصلي فيه إلا عند حضورها فيصلي فيه صلاة المضطر وعند تعارض أسباب الورع ينبغي أن يتفقد هذه الدقائق وقد حكي عن بشر رحمه الله أنه سلمت إليه أمه رطبة وقالت بحقي عليك أن تأكلها وكان يكرهه فأكل ثم صعد غرفة فصعدت أمه وراءه فرأته يتقيأ وإنما فعل ذلك لأنه أراد أن يجمع بين رضاها وبين صيانة المعدة وقد قيل لأحمد بن حنبل سئل بشر هل للوالدين طاعة في الشبهة فقال لا فقال أحمد هذا شديد فقيل له سئل محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال بر والديك فماذا تقول فقال للسائل أحب أن تعفيني فقد سمعت ما قالا ثم قال ما أحسن أن تداريهما مسألة من في يده مال حرام محض فلا حج عليه ولا يلزمه كفارة مالية لأنه مفلس ولا تجب عليه الزكاة إذ معنى الزكاة وجوب إخراج ربع العشر مثلا وهذا يجب عليه إخراج الكل إما ردا على المالك إن عرفه أو صرفا إلى الفقراء إن لم يعرف المالك وأما إذا كان مال شبهة يحتمل أنه حلال فإذا لم يخرجه من يده لزمه الحج لأن كونه حلالا ممكن ولا يسقط الحج إلا بالفقر ولم يتحقق فقره وقد قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وإذا وجب عليه التصدق بما يزيد على حاجته حيث يغلب على ظنه تحريمه فالزكاة أولى بالوجوب وإن لزمته كفارة فليجمع بين الصوم والإعتاق ليتخلص بيقين وقد قال قوم يلزمه الصوم دون الإطعام إذ ليس له يسار معلوم وقال المحاسبي يكفيه الإطعام والذي نختاره أن كل شبهة حكمنا بوجوب اجتنابها وألزمناه إخراجها من يده لكون احتمال الحرام أغلب على ما ذكرناه فعليه الجمع بين الصوم والإطعام أما الصوم فلأنه مفلس حكما وأما الإطعام فلأنه قد وجب عليه التصدق بالجميع ويحتمل أن يكون له فيكون اللزوم من جهة الكفارة مسألة من في يده مال حرام امسكه للحاجة فأراد أن يتطوع بالحج فإن كان ماشيا فلا بأس له لأنه سيأكل هذا المال في غير عبادة فأكله في عبادة أولى وإن كان لا يقدر على أن يمشي ويحتاج إلى زيادة للمركوب فلا يجوز الأخذ لمثل هذه الحاجة في الطريق كما لا يجوز شراء المركوب في البلد وإن كان يتوقع القدرة على حلال لو أقام بحيث يستغني به عن بقية الحرام فالإقامة في انتظاره أولى من الحج ماشيا بالمال الحرام
مسألة من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيب فإن لم يقدر في قوت الإحرام إلى التحلل فإن لم يقدر فليجتهد يوم عرفة أن لا يكون قيامه بين يدي الله ودعاؤه في وقت مطعمه حرام وملبسه حرام فليجتهد أن لا يكون في بطنه حرام ولا على ظهره حرام فإنا وإن جوزنا هذا بالحاجة فهو نوع ضرورة وما ألحقناه بالطيبات فإن لم يقدر فليلازم قلبه الخوف والغم لما هو مضطر إليه من تناول ما ليس بطيب فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهته مسألة سئل أحمد بن حنبل رحمة الله فقال له قائل مات أبي وترك مالا وكان يعامل من تكره معاملته فقال تدع من ماله بقدر ما ربح فقال له دين وعليه دين فقال تقضي وتقتضى فقال افترى ذلك فقال أفتدعه محتبسا بدينه وما ذكره صحيح وهو يدل على أنه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام إذ قال يخرج قدر الربح وائه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلا عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق التقاص والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد وعول في قضاء دينه على أنه يقين فلا يترك بسبب الشبهة الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم اعلم أن من أخذ مالا من سلطان فلا بد له من النظر في ثلاثة أمور في مدخل ذلك إلى يد السلطان من أين هو وفي صفته التي بها يستحق الأخذ وفي المقدار الذي يأخذه هل يستحقه إذا أضيف إلى حاله وحال شركائه في الاستحقاق النظر الأول في جهات الدخل للسلطان وكل ما يحل للسلطان سوى الإحياء وما يشترك فيه الرعية قسمان مأخوذ من الكفار وهو الغنيمة المأخوذة بالقهر والفيء وهو الذي حصل من مالهم في يده من غير قتال والجزية وأموال المصالحة وهي التي تؤخذ بالشروط والمعاقدة والقسم الثاني المأخوذ من المسلمين فلا يحل منه إلا قسمان المواريث وسائر الأمور الضائعة التي لا يتعين لها مالك والأوقاف التي لا متولي لها أما الصدقات فليست توجد في هذا الزمان وما عدا ذلك من الخراج المضروب على المسلمين والمصادرات وأنواع الرشوة كلها حرام فإذا كتب لفقيه أو غيره إدرار أو صلة أو خلعة على جهة فلا يخلو من أحوال ثمانية فإنه إما أن يكتب له ذلك على الجزية أو على المواريث أو على الأوقاف أو على ملك أحياء السلطان أو على ملك اشتراه أو على عامل خراج المسلمين أو على بياع من جملة التجار أو على الخزانة فالأول هو الجزية وأربعة أخماسها للمصالح وخمسها لجهات معينة فما يكتب على الخمس من تلك الجهات أو على الأخماس الأربعة لما فيه مصلحة وروعي فيه الاحتياط في القدر فهو حلال بشرط أن لا تكون الجزية إلا مضروبة على وجه شرعي ليس فيها زيادة على دينار أو على أربعة دنانير فإنه أيضا في محل الاجتهاد وللسلطان أن يفعل ما هو في محل الاجتهاد وبشرط أن يكون الذمي الذي تؤخذ الجزية منه مكتسبا من وجه لا يعلم تحريمه فلا يكون عامل سلطان ظالما ولا بياع خمر ولا صبيا ولا امرأة إذ لا جزية عليهما فهذه أمور تراعى في كيفية ضرب الجزية ومقدارها وصفة من تصرف أليه ومقدار ما يصرف فيجب النظر في جميع ذلك الثاني المواريث والأموال الضائعة فهي للمصالح والنظر أن الذي خلفه هل كان ماله كله حراما أو أكثره أو أقله وقد سبق حكمه فإن لم يكن حراما بقي النظر في صفة من يصرف إليه بأن يكون في الصرف إليه مصلحة ثم في المقدار المصروف الثالث الأوقاف وكذا يجري النظر فيها كما يجري في الميراث مع زيادة أمر وهو شرط المواقف حتى يكون المأخوذ موافقا له في جميع شرائطه الرابع ما أحياه السلطان وهذا لا يعتبر فيه شرط إذ له أن يعطى من ملكه لمن شاء أي قدر شاء وإنما النظر في أن الغالب أنه أحياه بإكراه الأجراء أو بأداء أجرتهم من حرام
فإن الإحياء يحصل بحفر القناة والأنهار وبناء الجدران وتسوية الأرض ولا يتولاه السلطان بنفسه فإن كانوا مكرهين على الفعل لم يملكه السلطان وهو حرام وإن كانوا مستأجرين ثم قضيت أجورهم من الحرام فهذا يورث شبهة قد نبهنا عليها في تعلق الكرامة بالأعواض الخامس ما اشتراه السلطان في الذمة من أرض أو ثياب خلعة أو فرس أو غيره فهو ملكه وله أن يتصرف فيه ولكنه سيقضي ثمنه من حرام وذلك يوجب التحريم تارة والشبهة أخرى وقد سبق تفصيله السادس أن يكتب على عامل خراج المسلمين أو من يجمع أمواله القسمة والمصادرة وهو الحرام السحت الذي لا شبهة فيه وهو أكثر الإدرارات في هذا الزمان إلا ما على أراضي العراق فإنها وقف عند الشافعي رحمه الله على مصالح المسلمين السابع ما يكتب على بياع يعامل السلطان فإن كان لا يعامل غيره فماله له كمال خزانة السلطان وإن كان يعامل غير السلاطين أكثر فما يعطيه قرض على السلطان وسيأخذ بدله من الخزانة فالخلل يتطرق إلى العوض وقد سبق حكم الثمن الحرام الثامن ما يكتب على الخزانة أو على عامل يجتمع عنده من الحلال والحرام فإن لم يعرف للسلطان دخل إلا من الحرام فهو سحت محض وإن عرف يقينا أن الخزانة تشتمل على مال حلال ومال حرام واحتمل ان يكون ما يسلم إليه بعينه من الحلال احتمالا قريبا له وقع في النفس واحتمل أن يكون من الحرام وهو الأغلب لأن أغلب أموال السلاطين حرام في هذه الأعصار والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز فقد اختلف الناس في هذا فقال قوم كل ما لا أتيقن أنه حرام فلي أن آخذه وقال آخرون لا يحل أن يؤخذ مالم يتحقق أنه حلال فلا تحل شبهة أصلا وكلاهما إسراف والاعتدال ما قدمنا ذكره وهو الحكم بأن الأغلب إذا كان حراما حرم وإن كان الأغلب حلالا وفيه يقين حرام فهو موضع توقفنا فيه كما سبق لقد احتج من جوز اخذ أموال السلاطين إذا كان فيها حرام وحلال مهما لم يتحقق أن عين المأخوذ حرام بما روي عن جماعة من الصحابة أنهم أدركوا أيام الأئمة الظلمة وأخذوا الأموال منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وجرير بن عبد الله وجابر وأنس بن مالك والمسور بن مخرمة فأخذ أبو سعيد وأبو هريرة من مروان ويزيد بن عبد الملك وأخذ ابن عمر وابن عباس من الحجاج وأخذ كثير من التابعين منهم كالشعبي وإبراهيم والحسن وابن أبي ليلى وأخذ الشافعي من هرون الرشيد ألف دينار في دفعة وأخذ مالك من الخلفاء أموالا جمة وقال علي رضي الله عنه خذ ما يعطيك السلطان فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر وإنما ترك من ترك العطاء منهم تورعا مخافة على دينه أن يحمل على مالا يحل ألا ترى قول أبي ذر للأحنف بن قيس خذ العطاء ما كان نحلة فإذا كان أثمان دينكم فدعوه وقال أبو هريرة رضي الله عنه إذا أعطينا قبلنا وإذا منعنا لم نسأل وعن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أعطاه معاوية سكت وإن منعه وقع فيه وعن الشعبي عن مسروق لا يزال العطاء بأهل العطاء حتى يدخلهم النار أي يحمله ذلك على الحرام لا انه في نفسه حرام وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن المختار كان يبعث إليه المال فيقبله ثم يقول لا أسأل أحدا ولا أرد ما رزقني الله وأهدى إليه ناقة فقبلها وكان يقال لها ناقة المختار ولكن هذا يعارضه ما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يرد هدية أحد إلا هدية المختار والإسناد في رده أثبت وعن نافع أنه قال بعث ابن معمر إلى ابن عمر بستين ألفا فقسمها على الناس ثم جاءه سائل فاستقرض له من بعض من أعطاه وأعطى السائل
ولما قدم الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه فقال لأجيزك بجائزة لم أجزها أحدا قبلك من العرب ولا أجيزها أحدا بعدك من العرب قال فأعطاه أربعمائة ألف درهم فأخذها وعن حبيب ابن أبي ثابت قال لقد رأيت جائزة المختار لابن عمر وابن عباس فقبلاها فقيل ما هي قال مال وكسوة وعن الزبير بن عدي أنه قال قال سلمان إذا كان لك صديق عامل أو تاجر يقارف الربا فدعاك إلى طعام أو نحوه أو أعطاك شيئا فاقبل فإن المهنأ لك وعليه الوزر فإن ثبت هذا في المربي فالظالم في معناه وعن جعفر عن أبيه أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاوية وقال حكيم بن جبير مررنا على سعيد بن جبير وقد جعل عاملا على أسفل الفرات فأرسل إلى العشارين أطعمونا مما عندكم فأرسلوا بطعام فأكل وأكلنا معه وقال العلاء بن زهير الأزدي أتى إبراهيم أبي وهو عامل على حلوان فأجازه فقبل وقال إبراهيم لا بأس بجائزة العمال إن للعمال مؤنة ورزقا ويدخل بيت ماله الخبيث والطيب فما أعطاك فهو من طيب ماله فقد أخذ هؤلاء كلهم جوائز السلاطين الظلمة وكلهم طعنوا على من أطاعهم في معصية الله تعالى وزعمت هذه الفرقة أن ما ينقل من امتناع جماعة من السلف لا يدل على التحريم بل على الورع كالخلفاء الراشدين وأبي ذر وغيرهم من الزهاد فإنهم امتنعوا من الحلال المطلق زهدا ومن الحلال الذي يخاف إفضاؤه إلى محذور ورعا وتقوى فإقدام هؤلاء يدل على الجواز وامتناع أولئك لا يدل على التحريم وما نقل عن سعيد بن المسيب أنه ترك عطاءه في بيت المال حتى اجتمع بضعة وثلاثين ألفا وما نقل عن الحسن من قوله لا أتوضأ من ماء صيرفي ولو ضاق وقت الصلاة لأني لا أدري أصل ماله كل ذلك ورع لا ينكر واتباعهم عليه أحسن من اتباعهم على الاتساع ولكن لا يحرم اتباعهم على الاتساع أيضا فهذه هي شبهة من يجوز أخذ مال السلطان الظالم والجواب أن ما نقل من أخذ هؤلاء محصور قليل بالإضافة إلى ما نقل من ردهم وإنكارهم وإن كان يتطرق إلى امتناعهم احتمال الورع فيتطرق إلى أخذ من أخذ ثلاثة احتمالات متفاوتة في الدرجة بتفاوتهم في الورع فإن للورع في حق السلاطين أربع درجات الدرجة الأولى أن لا يأخذ من أموالهم شيئا أصلا كما فعله الورعون منهم وكما كان يفعله الخلفاء الراشدون حتى أن أبا بكر رضي الله عنه حسب جميع ما كان أخذه من بيت المال فبلغ ستة آلاف درهم فغرمها لبيت المال وحتى أن عمر رضي الله عنه كان يقسم مال بيت المال يوما فدخلت ابنة له وأخذت درهما من المال فنهض عمر في طلبها حتى سقطت الملحفة من أحد منكبيه ودخلت الصبية إلى بيت أهلها تبكي وجعلت الدرهم في فيها فأدخل عمر إصبعه فأخرجه من فيها وطرحه على الخراج وقال أيها الناس ليس لعمر ولا لآل عمر إلا ما للمسلمين قريبهم وبعيدهم وكسح أبو موسى الأشعري بيت المال فوجد درهما فمر بني لعمر رضي الله عنه فأعطاه إياه فرأى عمر ذلك في يد الغلام فسأله عنه فقال أعطانيه أبو موسى فقال يا أبا موسى ما كان في أهل المدينة بيت أهون عليك من آل عمر أردت أن لا يبقى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحد إلا طلبنا بمظلمة ورد الدرهم إلى بيت المال هذا مع أن المال كان حلالا ولكن خاف أن لا يستحق هو ذلك القدر فكان يستبريء لدينه ويقتصر على الأقل امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ولقوله ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه ولما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من التشديدات في الأموال السلطانية حتى قال صلى الله عليه وسلم حين
بعث عبادة بن الصامت إلى الصدقة اتق الله يا أبا الوليد لا تجيء يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها تؤاج فقال يا رسول الله أهكذا يكون قال نعم والذي نفسي بيده إلا من رحم الله قال فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على شيء أبدا وقال صلى الله عليه وسلم إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي إنما أخاف عليكم أن تنافسوا وإنما خاف التنافس في المآل ولذلك قال عمر رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه مال بيت المال إني لم أجد نفسي فيه إلا كالوالى مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف وروي أن ابنا لطاوس افتعل كتابا عن لسانه إلى عمر بن عبد العزيز فأعطاه ثلثمائة دينار فباع طاوس ضيعة له وبعث من ثمنها إلى عمر بثلثمائة دينار هذا مع أن السلطان ليس مثل عمر بن عبد العزيز فهذه الدرجة العليا في الورع الدرجة الثانية هو أن يأخذ مال السلطان ولكن إنما يأخذ إذا علم أن ما يأخذه من جهة حلال فاشتمال يد السلطان على حرام آخر لا يضره وعلى هذا ينزل جميع ما نقل من الآثار أو أكثرها أو ما اختص منها بأكابر الصحابة والورعين منهم مثل ابن عمر فإنه كان من المبالغين في الورع فكيف يتوسع في مال السلطان وقد كان من أشدهم إنكارا عليهم وأشدهم ذما لأموالهم وذلك أنهم اجتمعوا عند ابن عامر وهو في مرضه وأشفق على نفسه من ولايته وكونه مأخوذا عند الله تعالى بها فقالوا له إنا لنرجو لك الخير حفرت الآبار وسقيت الحاج وصنعت وصنعت وابن عمر ساكت فقال ماذا تقول يا ابن عمر فقال أقول ذلك إذا طاب المكسب وزكت النفقة وسترد فترى وفي حديث آخر أنه قال إن الخبيث لا يكفر الخبيث وإنك قد وليت البصرة ولا أحسبك إلا قد أصبت منها شرا فقال له ابن عامر ألا تدعو لي فقال ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقبل الله صلاة بغير طهورا ولا صدقة من غلول وقد وليت البصرة فهذا قوله فيما صرفه إلى الخيرات وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال في أيام الحجاج ما شبعت من الطعام منذ انتهبت الدار إلى يومي هذا وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان له سويق في إناء مختوم يشرب منه فقيل أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه فقال أما إني لا أختمه بخلابه ولكن أكره أن يجعل فيه ما ليس منه وأكره أن يدخل بطني غير طيب فهذا هو المألوف منهم وكان ابن عمر لا يعجبه شيء إلا خرج عنه فطلب منه نافع بثلاثين ألفا فقال إني أخاف أن تقتنى دراهم ابن عامر وكان هو الطالب اذهب فأنت حر وقال أبو سعيد الخدري ما منا أحد إلا مالت به الدنيا إلا ابن عمر فبهذا يتضح أنه لا يظن به وبمن كان في منصبه أنه أخذ مالا يدري أنه حلال الدرجة الثالثة أن يأخذ ما أخذه من السلطان ليتصدق به على الفقراء أو يفرقه على المستحقين فإن ما لا يتعين مالكه هذا حكم الشرع فيه فإذا كان السلطان إن لم يأخذ منه لم يفرقه واستعان به على ظلم فقد نقول أخذه منه وتفرقته أولى من تركه في يده وهذا قد رآه بعض العلماء وسيأتي وجهه وعلى هذا ينزل ما أخذه أكثرهم ولذلك قال ابن المبارك إن الذين يأخذون الجوائز اليوم ويحتجون بابن عمر وعائشة ما يقتدون بهما لأن ابن عمر فرق ما أخذ حتى استقرض في مجلسه بعد تفرقته ستين ألفا وعائشة فعلت مثل ذلك وجابر بن زيد جاءه مال فتصدق به وقال رأيت أن آخذه منهم وأتصدق أحب إلي من أن أدعها في أيديهم وهكذا فعل الشافعي رحمه الله بما قبله من هرون الرشيد فإنه فرقه على قرب حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة
الدرجة الرابعة أن لا يتحقق انه حلال ولا يفرق بل يستبقي ولكن يأخذ من سلطان أكثر ماله حلال وهكذا كان الخلفاء في زمان الصحابة رضي الله عنهم والتابعين بعد الخلفاء الراشدين ولم يكن أكثر مالهم حراما ويدل عليه تعليل علي رضي الله عنه حيث قال فإن ما يأخذه من الحلال أكثر فهذا مما قد جوزه جماعة من العلماء تعويلا على الأكثر ونحن إنما توقفنا فيه في حق آحاد الناس ومال السلطان أشبه بالخروج عن الحصر فلا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى جواز أخذ ما لم يعلم أنه حرام اعتمادا على الأغلب وإنما منعناه إذا كان الأكثر حراما فإذا فهمت هذه الدرجات تحققت أن ادرارات الظلمة في زماننا لا تجري مجرى ذلك وأنها تفارقه من وجهين قاطعين أحدهما أن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها وكيف لا والحلال هو الصدقات والفيء والغنيمة لا وجود لها وليس يدخل منها شيء في يد السلطان ولم يبق إلا الجزية وأنها تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ والمأخوذ منه والوفاء له بالشرط ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين ومن المصادرات والرشا وصنوف الظلم لم يبلغ عشر معشار عشيره والوجه الثاني أن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين كانوا مستشعرين من ظلمهم ومتشوفين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال وإذلال بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ويفرحون به وكانوا يأخذون منهم ويفرقون ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم ولا يكثرون جمعهم ولا يحبون بقاءهم بل يدعون عليهم ويطلقون اللسان فيهم وينكرون المنكرات منهم عليهم فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم ولم يكن يأخذهم بأس فأما الآن فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم والتكثر بهم والاستعانة بهم على أغراضهم والتجمل بغشيان مجالسهم وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولا وبالتردد في الخدمة ثانيا وبالثناء والدعاء ثالثا وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعا وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامسا وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة له على أعدائه سادسا وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوي أعماله سابعا لم ينعم عليه بدرهم واحد ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلا فإذا لا يجوز أن يؤخذ منهم في هذا الزمان ما يعلم أنه حلال لإفضائه إلى هذه المعاني فكيف ما يعلم أنه حرام أو يشك فيه فمن استجرأ على أموالهم وشبه نفسه بالصحابة والتابعين فقد قاس الملائكة بالحدادين ففي أخذ الأموال منهم حاجة إلى مخالطتهم ومراعاتهم وخدمة عمالهم واحتمال الذل منهم والثناء عليهم والتردد إلى أبوابهم وكل ذلك معصية على ما سنبين في الباب الذي يلي هذا فإذا قد تبين مما تقدم مداخل أموالهم وما يحل منها وما لا يحل فلو تصور أن يأخذ الإنسان منها ما يحل بقدر استحقاقه وهو جالس في بيته يساق إليه ذلك لا يحتاج فيه إلى تفقد عامل وخدمته ولا إلى الثناء عليهم وتزكيتهم ولا إلى مساعدتهم فلا يحرم الأخذ ولكن يكره لمعان وسننبه عليها في الباب الذي يلي هذا النظر الثاني من هذا الباب في قدر المأخوذ وصفة الآخذ ولنفرض المال من أموال المصالح كأربعة أخماس الفيء والمواريث فإن ما عداه مما قد تعين مستحقه إن كان من وقف أو صدقة أو خمس فيء أو خمس غنيمة وما كان من ملك السلطان مما أحياه أو اشتراه فله أن يعطي ما شاء لمن شاء وإنما النظر في الأموال الضائعة ومال المصالح فلا يجوز صرفه إلا إلى من فيه مصلحة عامة أو هو محتاج إليه عاجز عن الكسب فأما الغني الذي لا مصلحة فيه فلا يجوز صرف مال من بيت المال إليه هذا هو الصحيح وإن كان العلماء قد اختلفوا فيه
وفي كلام عمر رضي الله عنه ما يدل على أن لكل مسلم حقا في بيت المال لكونه مسلما مكثرا جمع الإسلام ولكنه مع هذا ما كان يقسم المال على المسلمين كافة بل على مخصوصين بصفات فإذا ثبت هذا فكل من يتولى أمرا يقوم به تتعدى مصلحته إلى المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه فله في بيت المال حق الكفاية ويدخل فيه العلماء كلهم أعني العلوم التي تتعلق بمصالح الدين من علم الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتى يدخل فيه المعلمون والمؤذنون وطلبة هذه العلوم أيضا يدخلون فيه فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب ويدخل فيه العمال وهم الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم وهم الأجناد المرتزقة الذين يحرسون المملكة بالسيوف عن أهل العداوة وأهل البغي وأعداء الإسلام ويدخل فيه الكتاب والحساب والوكلاء وكل من يحتاج إليه في ترتيب ديوان الخراج أعني العمال على الأموال الحلال لا على الحرام فإن هذا المال للمصالح والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا فبالعلماء حراسة الدين وبالأجناد حراسة الدنيا والدين والملك توأمان فلا يستغني أحدهما عن الآخر والطبيب وإن كان لا يرتبط بعلمه أمر ديني ولكن يرتبط به صحة الجسد والدين يتبعه فيجوز أن يكون له ولمن يجري مجراه في العلوم المحتاج إليها في مصلحة الأبدان أو مصلحة البلاد إدرار من هذه الأموال ليتفرغوا لمعالجة المسلمين أعني من يعالج منهم بغير أجرة وليس يشترط في هؤلاء الحاجة بل يجوز أن يعطوا مع من الغنى فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين والأنصار ولم يعرفوا بالحاجة وليس يتقدر أيضا بمقدار بل هو إلى اجتهاد الإمام وله أن يوسع ويغني وله أن يقتصر على الكفاية على ما يقتضيه الحال وسعة المال فقد أخذ الحسن عليه السلام من معاوية في دفعة واحدة أربعمائة ألف درهم وقد كان عمر رضي الله عنه يعطي لجماعة اثني عشر ألف درهم نقرة في السنة وأثبتت عائشة رضي الله عنها في هذه الجريدة ولجماعة عشرة آلاف ولجماعة ستة آلاف وهكذا فهذا مال هؤلاء فيوزع عليهم حتى لا يبقى منه شيء فإن خص واحدا منه بمال كثير فلا بأس وكذلك للسلطان أن يخص من هذا المال ذوي الخصائص بالخلع والجوائز فقد كان يفعل ذلك في السلف ولكن ينبغي أن يلتفت فيه إلى المصلحة ومهما خص عالم أو شجاع بصلة كان فيه بعث للناس وتحريض على الاشتغال والتشبه به فهذه فائدة الخلع والصلات وضروب التخصيصات وكل ذلك منوط باجتهاد السلطان وإنما النظر في السلاطين الظلمة في شيئين أحدهما أن السلطان الظالم عليه أن يكف عن ولايته وهو إما معزول أو واجب العزل فكيف يجوز أن يأخذ من يده وهو على التحقيق ليس بسلطان والثاني أنه ليس يعمم بماله جميع المستحقين فكيف يجوز للآحاد أن يأخذوا أفيجوز لهم الأخذ بقدر حصصهم أم لا يجوز أصلا أم يجوز أن يأخذ كل واحد ما أعطى أما الأول: فالذي نراه أنه لا يمنع أخذ الحق لأن السلطان الظالم الجاهل مهما ساعدته الشوكة وعسر خلعه وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق وجب تركه ووجبت الطاعة له كما تجب طاعة الأمراء إذ قد ورد في الأمر بطاعة الأمراء والمنع من سل اليد عن مساعدتهم // حديث المنع من سل اليد عن مساعدتهم أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية ولمسلم من حديث أبي هريرة من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية وله من حديث ابن عمر من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له أوامر وزواجر فالذي نراه أن الخلافة منعقدة للمتكفل بها من بني العباس رضي الله عنه وأن الولاية نافذة للسلاطين في أقطار البلاد والمبايعين للخليفة وقد ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه المصلحة فيه والقول الوجيز أنا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوفا إلى مزايا المصالح
ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأسا فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح بل الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الخليفة ومن استبد بالشوكة وهو مطيع للخليفة في أصل الخطبة والسكة فهو سلطان نافذ الحكم والقضاء في أقطار الأرض ولاية نافذة الأحكام وتحقيق هذا قد ذكرناه في أحكام الإمامة من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد فلسنا نطول الآن به وأما الإشكال الآخر وهو أن السلطان إذا لم يعمم بالعطاء كل مستحق فهل يجوز للواحد أن يأخذ منه فهذا مما اختلف العلماء فيه على أربع مراتب فغلا بعضهم وقال كل ما يأخذه فالمسلمون كلهم فيه شركاء ولا يدري أن حصته منه دانق أو حبة فليترك الكل وقال قوم له أن يأخذ قدر قوت يومه فقط فإن هذا القدر يستحقه لحاجته على المسلمين وقال قوم له قوت سنة فإن أخذ الكفاية كل يوم عسير وهو ذو حق في هذا المال فكيف يتركه وقال قوم وقال قوم إنه يأخذ ما يعطى والمظلوم هم الباقون وهذا هو القياس لأن المال ليس مشتركا بين المسلمين كالغنيمة بين الغانمين ولا كالميراث بين الورثة لأن ذلك صار ملكا لهم وهذا لو لم يتفق قسمه حتى مات هؤلاء لم يجب التوزيع على ورثتهم بحكم الميراث بل هذا الحق غير متعين وإنما يتعين بالقبض بل هو كالصدقات ومهما أعطي الفقراء حصتهم من الصدقات وقع ذلك ملكا لهم ولم يمتنع بظلم المالك بقية الأصناف بمنع حقهم هذا إذا لم يصرف إليه كل المال بل صرف إليه من المال ما لو صرف إليه بطريق الإيثار والتفضيل مع تعميم الآخرين لجاز له أن يأخذه والتفضيل جائز في العطاء سوى أبو بكر رضي الله عنه فراجعه عمر رضي الله عنه فقال إنما فضلهم عند الله وإنما الدنيا بلاغ وفضل عمر رضي الله عنه في زمانه فأعطى عائشة اثني عشر ألفا وزينب عشرة آلاف وجويرية ستة آلاف وكذا صفية وأقطع عمر لعلي خاصة رضي الله عنهما وأقطع عثمان أيضا من السواد خمس جنات وآثر عثمان عليا رضي الله عنهما بها فقبل ذلك منه ولم ينكر وكل ذلك جائز في محل الاجتهاد وهو من المجتهدات التي أقول فيها إن كل مجتهد مصيب وهي كل مسألة لا نص على عينها ولا على مسألة تقرب منها فتكون في معناها بقياس جلي كهذه المسألة ومسألة حد الشرب فإنهم جلدوا أربعين وثمانين والكل سنة وحق وأن كل واحد من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مصيب باتفاق الصحابة رضي الله عنهم إذ المفضول ما رد في زمان عمر شيئا إلى الفاضل مما قد كان أخذه في زمان أبي بكر ولا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر واشترك في ذلك كل الصحابة واعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق فليؤخذ هذا الجنس دستورا للخلافات التي يصوب فيها كل مجتهد فأما كل مسألة شذ عن مجتهد فيها نص أو قياس جلي بغفلة أو سوء رأي وكان في القوة بحيث ينقض حكم المجتهد فلا نقول فيها إن كل واحد مصيب بل المصيب من أصاب النص أو ما في معنى النص وقد تحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا وأخذ من السلطان خلعة أو إدرارا على التركات أو الجزية لم يصر فاسقا بمجرد أخذه وإنما يفسق بخدمته لهم ومعانته إياهم ودخوله عليهم وثنائه وإطرائه لهم إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال غالبا إلا بها كما سنبينه الباب السادس فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة وما يحرم وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام لهم اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة ثلاثة أحوال الحالة الأولى وهي شرها أن تدخل عليهم والثانية وهي دونها أن يدخلوا عليك والثالثة وهي الأسلم أن تعتزل عنهم فلا تراهم ولا يرونك
أما الحالة الأولى وهي الدخول عليهم فهو مذموم جدا في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار فننقلها لتعرف ذم الشرع له ثم نتعرض لما يحرم منه وما يباح وما يكره على ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم أما الأخبار فإنه لما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة قال فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم أو كاد أن يسلم ومن وقع معهم في دنياهم فهو منهم وذلك لأن من اعتزلهم سلم من إممهم ولكن لم يسلم من عذاب يعمه معهم إن نزل بهم لتركه المنابذة والمنازعة وقال صلى الله عليه وسلم سيكون من بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم يكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولم يرد علي الحوض وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء وفي الخبر خير الأمراء الذين يأتون العلماء وشر العلماء الذين يأتون الأمراء وفي الخبر العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم رواه أنس رضي الله عنه وأما الآثار فقد قال حذيفة إياكم ومواقف الفتن قيل وما هي قال أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه وقال أبو ذر لسلمة يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه وقال سفيان في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك وقال الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا وقال سمنون ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسأل عنه فيقال عند الأمير وكنت أسمع أنه يقال إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى جربت ذلك إذ ما دخلت قط على هذا السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج فأرى عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم وقال عبادة بن الصامت حب القاريء الناسك الأمراء نفاق وحبه الأغنياء رياء وقال أبو ذر من كثر سواد قوم فهو منهم أي من كثر سواد الظلمة وقال ابن مسعود رضي الله عنه إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين له قيل له ولم قال لأنه يرضيه بسخط الله واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلا فقيل كان عاملا للحجاج فعزله فقال الرجل إنما عملت له شيء يسير فقال له عمر حسبك بصحبته يوما أو بعض يوم شؤما وشرا وقال الفضيل ما ازداد رجل من ذي سلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين وقال وهيب هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين وقال محمد بن سلمة الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه
عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعوا لك الله ويرحمك أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله تعالى {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل البغي بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك قطبا تدور عليك رحى ظلمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالهم ويدخلون بك الشك على العلماء ويصادون بك قلوب الجهلاء فما أيسر ما عمروا في جنب ما خربوا عليك وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} الآية وإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله سقم وهيء رادك فقد حضر سفر بعيد {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} والسلام فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ولكن نفصل ذلك تفضيلا فقيها تميز فيه المحظور عن المكروه والمباح فنقول الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله تعالى إما بفعله أو بسكوته وإما بقوله وإما باعتقاده فلا ينفك عن أحد هذه الأمور أما الفعل فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة وتخطيها والدخول فيها بغير إذن الملاك حرام ولا يغرنك قول القائل إن ذلك مما يتسامح به الناس كتمرة أو فتات خبز ذلك صحيح في غير المغصوب أما المغصوب فلا لأنه إن قيل إن كل جلسة خفيفة لا تنقص الملك فهي في محل التسامح وكذلك الاجتياز فيجري هذا في كل واحد فيجري أيضا في المجموع والغصب إنما تم بفعل الجميع وإنما يتسامح به إذا انفرد إذ لو علم المالك به ربما لم يكرهه فأما إذا كان ذلك طريقا إلى الاستغراق بالاشتراك فحكم التحريم ينسحب على الكل فلا يجوز أن يؤخذ ملك الرجل طريقا اعتمادا على أن كل واحد من المارين إنما يخطو خطوة لا تنقص الملك لان المجموع مفتوت للملك وهو كضربة خفيفة في التعليم تباح ولكن بشرط الانفراد فلو اجتمع جماعة بضربات توجب القتل وجب القصاص على الجميع مع أن كل واحدة من الضربات لو انفردت لكانت لا توجب قصاصا فإن فرض كون الظالم في موضع غير مغصوب كالموات مثلا فإن كان تحت خيمة أو مظلة من ماله فهو حرام والدخول إليه غير جائز لأنه انتفاع بالحرام واستظلال به فإن فرض كل ذلك حلالا فلا يعصى بالدخول من حيث إنه دخول ولا بقوله السلام عليكم ولكن إن سجد أو ركع أو مثل قائما في سلامه وخدمته كان مكرما للظالم بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه والتواضع للظالم معصية بل من تواضع لغني ليس يظالم لأجل غناه لا لمعنى آخر اقتضى التواضع نقص ثلثا دينه فكيف إذا تواضع للظالم فلا يباح إلا مجرد السلام فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فهو معصية إلا عند الخوف أو الأمام عادل أو لعالم أو لمن يستحق ذلك بأمر ديني قبل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يد علي كرم الله وجهه لما أن لقيه بالشام فلم ينكر عليه وقد بالغ بعض السلف حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام والإعراض عنهم استحقارا لهم وعد ذلك من محاسن القربات فأما السكوت عن رد الجواب ففيه نظر لأن ذلك واجب فلا ينبغي أن يسقط بالظلم فإن ترك الداخل جميع ذلك واقتصر على السلام فلا يخلو من الجلوس على بساطهم وإذا كان أغلب أموالهم حراما فلا يجوز الجلوس على فرشهم هذا من حيث الفعل فأما السكوت فهو أنه سيرى في مجلسهم من الفرش الحرير وأواني الفضة والحرير الملبوس عليهم وعلى غلمانهم ما هو حرام وكل من رأى سيئة وسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة
بل يسمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء والسكوت على جميع لك حرام بل يراهم لابسين الثياب الحرام وآكلين الطعام الحرام وجميع ما في أيديهم حرام والسكوت على ذلك غير جائز فيجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلسانه إن لم يقدر بفعله فإن قلت إنه يخاف على نفسه فهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب مالا يباح إلا بعذر فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة حتى يسقط عنه بالعذر وعند هذا أقول من علم فسادا في موضع وعلم أنه لا يقدر على إزالته فلا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه وهو يشاهده ويسكت بل ينبغي أن يحترز عن مشاهدته وأما القول فهو أن يدعو للظالم أو يثني عليه أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله أو بتحريك رأسه أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب والموالاة والاشتياق إلى لقائه والحرص على طول عمره وبقائه فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذه الأقسام أما الدعاء له فلا يحل إلا أن يقول أصلحك الله أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته أو ما يجري هذا المجرى فأما الدعاء بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة مع الخطاب بالمولى وما في معناه فغير جائز قال صلى الله عليه وسلم من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فسيذكر ما ليس فيه فيكون به كاذبا ومنافقا ومكرما لظالم وهذه ثلاث معاص وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق وفي خبر آخر من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول والتزكية والثناء على ما يعمل كان عاصيا بالتصديق والإعانة فإن التزكية والثناء إعانة على المعصية وتحريك للرغبة فيه كما أن التكذيب والذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة ولقد سئل سفيان الثوري رضي الله عنه عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال لا دعه حتى يموت فإن ذلك إعانة له وقال غيره يسقى إلى أن تثوب إليه نفسه ثم يعرض عنه فإن جاوز ذلك إلى إظهار الحب والشوق إلى لقائه وطول بقائه فإن كان كاذبا عصى معصية الكذب والنفاق وإن كان صادقا عصى بحبه بقاء الظالم وحقه أن يبغضه في الله ويمقته فالبغض في الله واجب ومحب المعصية والراضي بها عاص ومن أحب ظالما فإن أحبه لظلمه فهو عاص لمحبته وإن احبه لسبب آخر فهو عاص من حيث إنه لم يبغضه وكان الواجب عليه أن يبغضه وإن اجتمع في شخص خير وشر وجب أن يحب لأجل ذلك الخير ويبغض لأجل ذلك الشر وسيأتي في كتاب الإخوة والمتحابين في الله وجه الجمع بين البغض والحب فإن سلم من ذلك كله وهيهات فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدري نعم الله عليه ويكون مقتحما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره به في الدخول ومن تكثيره سواد الظلمة بنفسه وتجميله إياهم إن كان ممن يتجمل به وكل ذلك إما مكروهات أو محظورات دعي سعيد بن المسيب إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان فقال لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين فقال ادخل من الباب واخرج من الباب الآخر فقال لا والله لا يتقدى بي أحد من الناس فجلد مائة وألبس المسوح
ولا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين أحدهما أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام وعلم أنه لو امتنع أوذى أو فسد عليهم طاعة الرعية واضطرب عليهم أمر السياسة فيجب عليه الإجابة لا طاعة لهم بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية والثاني أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه أو عن نفسه إما بطريق الحسبة أو بطريق التظلم فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب ولا يثني ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا فهذا حكم الدخول الحالة الثانية أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد منه وأما القيام والإكرام له فلا يحرم مقابلة له على إكرامه فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد فالإكرام بالإكرام والجواب بالسلام ولكن الأولى أن لا يقوم إن كان معه في خلوة ليظهر له بذلك عز الدين وحقارة الظلم ويظهر غضبه للدين وإعراضه عمن أعرض عن الله فأعرض الله تعالى عنه وإن كان الداخل عليه في جمع فمراعاة حشمة أرباب الولايات فيما بين الرعايا مهم فلا بأس بالقيام على هذه النية وإن علم أن ذلك لا يورث فسادا في الرعية ولا يناله أذى من غضبه فترك الإكرام بالقيام أولى ثم يجب عليه بعد أن وقع اللقاء أن ينصحه فإن كان قارف ما لا يعرف تحريمه وهو يتوقع أن يتركه إذا عرف فليعرفه فذلك واجب وأما ذكر تحريم ما يعلم تحريمه من السرف والظلم فلا فائدة فيه بل عليه أن يخوفه فيما يرتكبه من المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر فيه وعليه أن يرشده إلى طريق المصلحة إن كان يعرف طريقا على وفق الشرع بحيث يحصل بها غرض الظالم من غير معصية ليصده بذلك عن الوصول إلى غرضه بالظلم فإذا يجب عليه التعريف في محل جهله والتخويف فيما هو مستجرئ عليه والإرشاد إلى ما هو غافل عنه مما يغنيه عن الظلم فهذه ثلاثة أمور تلزمه إذا توقع للكلام فيه أثرا وذلك أيضا لازم على كل من اتفق له دخول على السلطان بعذر أو بغير عذر وعن محمد بن صالح قال كنت عند حماد بن سلمة وإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس عليه ومصحف يقرأ فيه وجراب فيه علمه ومطهرة يتوضأ منها فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب فإذا هو محمد بن سليمان فأذن له فدخل وجلس بين يديه ثم قال له مالى إذا رأيتك امتلأت منك رعبا قال حماد لأنه قال عليه السلام إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء وإن أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء ثم عرض عليه أربعين ألف درهم وقال تأخذها وتستعين بها قال ارددها على من ظلمته بها قال والله ما أعطيتك إلا مما ورثته قال لا حاجة لي بها فتأخذها فتقسمها قال لعلي إن عدلت في قسمتها أخاف أن يقول بعض من لم يرزق منها إنه لم يعدل في قسمتها فيأثم فازوها عني الحالة الثالثة أن يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه وهو الواجب إذ لا سلامة إلا فيه فعليه أن يعتقد بغضهم على ظلمهم ولا يحب بقاءهم ولا يثني عليهم ولا يستخبر عن أحوالهم ولا يتقرب إلى المتصلين بهم ولا يتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم وذلك إذا خطر بباله أمرهم وإن غفل عنهم فهو الأحسن وإذا خطر بباله تنعمهم فليذكر ما قاله حاتم الأصم إنما بيني وبين الملوك يوم واحد فأما أمس فلا يجدون لذته وإني وإياهم في غد لعلى وجل وإنما هو اليوم وما عسى أن يكون في اليوم وما قاله أبو الدرداء إذ قال أهل الأموال يأكلون ونأكل ويشربون ونشرب ويلبسون ونلبس ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر معهم إليها وعليهم حسابها ونحن منها براء وكل من أحاط علمه بظلم ظالم ومعصية عاص فينبغي أن يحط ذلك من درجته في قلبه فهذا واجب عليه لأن من صدر منه ما يكره نقص ذلك من رتبته في القلب لا محالة
والمعصية ينبغي أن تكره فإنه إما أن يغفل عنها أو يرضى بها أو يكره ولا غفلة مع العلم ولا وجه للرضا فلا بد من الكراهة فليكن جناية كل أحد على حق الله كجنايته على حقك فإن قلت الكراهة لا تدخل تحت الاختيار فكيف تجب قلنا ليس كذلك فإن المحب يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه ومخالف له فإن من لا يكره معصية الله لا يحب الله وإنما لا يحب الله من لا يعرفه والمعرفة واجبة والمحبة لله واجبة وإذا أحبه كره ما كرهه واحب ما أحبه وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة والرضا فإن قلت فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول نعم تعلم الدخول منهم ثم ادخل كما حكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال ائتوني برجل من الصحابة فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا فقال من التابعين فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ولكن قال السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه وقال كيف أنت يا هشام فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله فقيل له أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك فقال يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت قال وما الذي صنعت فازداد غضبا وغيظا قال خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت كيف أنت يا هشام قال أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال يا يحيى يا عيسى وكنى أعداءه فقال {تبت يدا أبي لهب} وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له هشام عظني فقال سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ثم قام وهرب وعن سفيان الثوري رضي الله عنه قال أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى فقال لي ارفع إلينا حاجتك فقلت له اتق الله فقد ملأت الأرض ظلما وجورا قال فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال ارفع إلينا حاجتك فقلت إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعا فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال ارفع إلينا حاجتك فقلت حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه كم أنفقت قال بضعة عشر درهما وأرى ههنا أموالا لا تطيق الجمال حملها وخرج فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا ألزموا وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم ودخل ابن أبي شميلة على عبد الملك بن مروان فقال له تكلم فقال له إن الناس لا ينجون في القيامة من غصصها ومراراتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه فبكى عبد الملك وقال لأجعلن هذه الكلمة مثالا نصب عيني ما عشت ولمال استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن عامر أتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأ عنه أبو ذر وكان له صديقا فعاتبه فقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن الرجل إذا ولى ولايته تباعد الله عنه
ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال أيها الأمير قرأت في بعض الكتب إن الله تعالى يقول ما أحمق من سلطان وما أجهل ممن عصاني ومن اعز ممن اعتز بي أيها الراعي السوء دفعت إليك غنما سمانا صحاحا فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركها عظاما تتقعقع فقال له والي البصرة أندري ما الذي يجرئك علينا ويجنبنا عنك قال لا قال قلة الطمع فينا وترك الإمساك لما في أيدينا وكان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان ابن عبد الملك فسمع سليمان صوت الرعد فجزع ووضع صدره على مقدمة لرحل فقال له عمر هذا صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه ثم نظر سليمان إلى الناس فقال ما أكثر الناس فقال عمر خصماؤك يا أمير المؤمنين فقال له سليمان ابتلاك الله بهم وحكي أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة فأرسل إلى أبي حازم فدعاه فلما دخل عليه قال له سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت فقال لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب فقال يا أبا حازم كيف القدوم على الله قال يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لي عند الله قال أبو حازم اعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} قال فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين ثم قال سليمان يا أبا حازم أي عباد الله أكرم قال أهل البر والتقوى قال فأي الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال فأي الكلام أسمع قال قول الحق عند من تخاف وترجوا قال فأي المؤمنين أكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودعا الناس إليها قال فأي المؤمنين أخسر قال رجل خطا في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان ما تقول فيما نحن فيه قال أو تعفيني قال لا بد فإنها نصيحة تلقيها إلي قال يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضا منهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة وقد ارتحلوا فلو شعرت مما قالوا وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه بئسما قلت قال أبو حازم إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد قال أن تأخذه من حله فتضعه في حقه فقال سليمان ومن يقدر على ذلك فقال من يطلب الجنة ويخاف من النار فقال سليمان ادع لي فقال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيري الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى فقال سليمان أوصني فقال أوصيك وأوجز عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك وقال عمر ابن عبد العزيز لأبي حازم عظني فقال اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم انظر إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ به الآن وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن فلعل تلك الساعة قريبة
ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال تكلم يا أعرابي فقال يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته فقال يا أعرابي إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا تأمن غشه فكيف بمن نأمن غشه ونرجو نصحه فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك رجال اساءوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله فيك حرب الآخرة سلم الدنيا فلا تأتمنهم على ما ائتمنك الله تعالى عليه فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعا وفي الأمة خسفا وعسفا وأنت مسؤل عما اجترحوا وليسوا بمسؤولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره فقال له سليمان يا أعرابي أما إنك قد سللت لسانك وهو أقطع سيفيك قال أجل يا أمير المؤمنين ولكن لك لا عليك وحكي أن أبا بكرة دخل على معاوية فقال اتق الله يا معاوية واعلم أنك في كل يوم يخرج عنك وفي كل ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ومن الآخرة إلا قربا وعلى أثرك طالب لا تفوته وقد نصب لك علما لا تجوزه فما أسرع ما تبلغ العلم وما أوشك ما يلحق بك الطالب وإنا وما نحن فيه زائل وفي الذي نحن إليه صائرون باق إن خيرا فخير وإن شرا فشر فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين أعني علماء الآخرة فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم فيدلونهم على الرخص ويستنبطون لهم بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم وإن تكلموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الإصلاح بل اكتساب الجاه والقبول عندهم وفي هذا غروران يغتر بهم الحمقى أحدهما أن يظهر أن قصدي في الدخول عليهم إصلاحهم بالوعظ وربما يلبسون على انفسهم بذلك وإنما الباعث لهم شهوة خفية للشهرة وتحصيل المعرفة عندهم وعلامة الصدق في طلب الإصلاح انه لو تولى ذلك الوعظ غيره ممن هو من أقرانه في العلم ووقع موقع القبول وظهر به أثر الصلاح فينبغي أن يفرح به ويشكر الله تعالى على كفايته هذا المهم كمن وجب عليه أن يعالج مريضا ضائعا فقام بمعاجلته غيره فإنه يعظم به فرحه فإن كان يصادف في قلبه ترجيحا لكلامه على كلام غيره فهو مغرور الثاني أن يزعم أني أقصد الشفاعة لمسلم في دفع ظلامة وهذا أيضا مظنة الغرور ومعياره ما تقدم ذكره وإذا ظهر طريق الدخول عليهم فلنرسم في الأحوال العارضة في مخالطة السلاطين ومباشرة أموالهم مسائل مسألة إذا بعث إليك السلطان مالا لتفرقه على الفقراء فإن كان له مالك معين فلا يحل أخذه وإن لم يكن بل كان حكمه انه يحب التصدق به على المساكين كما سبق فلك أن تأخذه وتتولى التفرقة ولا تعصى بأخذه ولكن من العلماء من امتنع عنه فعند هذا ينظر في الأولى فنقول الأولى أن تأخذه إن أمنت ثلاث غوائل الغائلة الأولى أن يظن السلطان بسبب أخذك أن ماله طيب ولولا أنه طيب لما كنت تمد يدك إليه ولا تدخله في ضمانك فإن كان كذلك فلا تأخذه فإن ذلك محذور ولا يفي الخير في مباشرتك التفرقة بما يحصل لك من الجراءة على كسب الحرام الغائلة الثانية أن ينظر إليك غيرك من العلماء والجهال فيعتقدون أنه حلال فيقتدون بك في الأخذ ويستدلون به على جوازه ثم لا يفرقون فهذا أعظم من الأول فإن جماعة يستدلون بأخذ الشافعي رضي الله عنه على جواز الأخذ ويغفلون عن تفرقته وأخذه على نية التفرقة فالمقتدي والمتشبه به ينبغي أن يحترز عن هذا غاية الاحتراز فإنه يكون فعله سبب ضلال خلق كثير وقد حكى وهب بن منبه إن رجلا أتي به إلى ملك بمشهد من الناس ليكرهه على أكل لحم الخنزير فلم يأكل فقدم إليه لحم غنم وأكره بالسيف فلم يأكل فقيل له في ذلك فقال إن الناس قد اعتقدوا أني طولبت بأكل لحم الخنزير فإذا خرجت سالما وقد أكلت فلا يعلمون ماذا أكلت فيضلون