Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Bölüm V02/P245–V02/P246

ورحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى مصر مع عشرة من الصحابة فساروا شهرا في حديث بلغهم عن عبد الله أنيس الأنصاري يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعوه وكل مذكور في العلم محصل له من زمان الصحابة إلى زماننا هذا لم يحصل العلم إلا بالسفر وسافر لأجله وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك أيضا مهم فإن طريق الآخرة لا يمكن سلوكها إلا بتحسين الخلق وتهذيبه ومن لا يطلع على أسرار باطنه وخبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منها وإنما السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال وبه يخرج الله الخبء في السماوات والأرض وإنما سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق ولذلك قال عمر رضي الله عنه للذي زكى عنده بعض الشهود هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم أخلاقه فقال لا فقال ما أراك تعرفه وكان بشر يقول يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب وإذا طال مقامه في موضع تغير وبالجملة فإن النفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة فإذا حملت وعثاء السفر وصرفت عن مألوفاتها المعتادة وامتحنت بمشاق الغربة انكشفت غوائلها ووقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها وقد ذكرنا في كتاب العزلة فوائد المخالطة والسفر مخالطة مع زيادة اشتغال واحتمال مشاق وأما آيات الله في أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ففيها قطع متجاورات وفيها الجبال والبراري والبحار وأنواع الحيوان والنبات وما من شيء منها إلا وهو شاهد لله بالوحدانية ومسبح له بلسان ذلق لا يدركه إلا من ألقى السمع وهو شهيد وأما الجاحدون والغافلون والمغترون بلامع السراب من زهرة الدنيا فإنهم لا يبصرون ولا يسمعون لأنهم عن السمع معزولون وعن آيات ربهم محجوبون {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} وما أريد بالسمع السمع الظاهر فإن الذينأريدوا به ما كانوا معزولين عنه وإنما أريد به السمع الباطن ولا يدرك بالسمع الظاهر إلا الأصوات ويشارك الإنسان فيه سائر الحيوانات فأما السمع الباطن فيدرك به لسان الحال الذي هو نطق وراء نطق المقال يشبه قول القائل حكاية لكلام الوتد والحائط قال الجدار للوتد لم تشقني فقال سل من يدقنى ولم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي وما من ذرة في السماوات والأرض إلا ولها أنواع شاهدات لله تعالى بالوحدانية هي توحيدها وأنواع شاهدات لصانعها بالتقدس هي تسبيحها ولكن لا يفقهون تسبيحها لأنهم لم يسافروا من مضيق سمع الظاهر إلى فضاء سمع الباطن ومن ركاكة لسان المقال إلى فصاحة لسان الحال ولو قدر كل عاجز على مثل هذا السير لما كان سليمان عليه السلام مختصا بفهم منطق الطير ولما كان موسى عليه السلام مختصا بسماع كلام الله تعالى الذي يجب تقديسه عن مشابهة الحروف والأصوات ومن يسافر ليستقرئ هذه الشهادات من الأسطر المكتوبة بالخطوط الإلهية على صفحات الجمادات لم يطل سفره بالبدن بل يستقر في موضع ويفرغ قلبه للتمتع بسماع نغمات التسبيحات من آحاد الذرات فماله وللتردد في الفلوات وله غنية في ملكوت السماوات فالشمس والقمر والنجوم بأمره مسخرات وهي إلى أبصار ذوى البصائر مسافرات في الشهر والسنة مرات بل هي دائبة في الحركة على توالى الأوقات فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد من أمرت الكعبة أن تطوف به ومن الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض من يطوف به أقطار السماء ثم ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر فهو بعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى الله والمسافرين إلى حضرته وكأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به المسير إلى متسع الفضاء ولا سبب لطول المقام في هذا المنزل إلا الجبن والقصور

Bölüm V02/P246–V02/P247

ولذلك قال بعض أرباب القلوب إن الناس ليقولون افتحوا أعينكم حتى تبصروا وأنا أقول غمضوا أعينكم حتى تبصروا وكل واحد من القولين حق إلا أن الأول خبر عن المنزل الأول القريب من الوطن والثاني خبر عما بعده من المنازل البعيدة عن الوطن التي لا يطؤها إلا مخاطر بنفسه والمجاوز إليها ربما يتيه فيها سنين وربما يأخذ التوفيق بيده فيرشده الى سواء السبيل والهالكون في التيه هم الأكثرون من ركاب هذه الطريق ولكن السائحون بنور التوفيق فازوا بالنعيم والملك المقيم وهم الذين سبقت لهم من الله الحسنى واعتبر هذا الملك بملك الدنيا فإنه يقل بالإضافة الى كثرة الخلق طلابه ومهما عظم المطلوب قل المساعد ثم الذي يهلك أكثر من الذي يملك ولا يتصدى لطلب الملك العاجز الجبان لعظيم الخطر وطول التعب وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام وما أودع الله العز والملك في الدين والدنيا إلا في حيز الخطر وقد يسمى الجبان الجبن والقصور باسم الحزم والحذر كما قيل ترى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم فهذا حكم السفر الظاهر إذا أريد به السفر الباطن بمطالعة آيات الله في الأرض فلنرجع الى الغرض الذي كنا نقصده ولنبين القسم الثاني وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لحج أو جهاد وقد ذكرنا فضل ذلك وآدابه وأعماله الظاهرة والباطنة في كتاب أسرار الحج ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ولا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى لأن ذلك في المساجد فإنها متماثلة بعد هذه المساجد وإلا فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتا عظيما بحسب اختلاف درجاتهم عند الله وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء وبركة النظر إليهم فإن النظر الى وجوه العلماء والصلحاء عبادة وفيه أيضا حركة للرغبة في الإقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم وآدابهم هذا سوى ما ينتظر من الفوائد العلمية المستفادة من أنفاسهم وأفعالهم كيف ومجرد زيارة الأخوان في الله فيه فضل كما ذكرناه في كتاب الصحبة وفي التوراة سر أربعة أميال زر أخا في الله وأما البقاع فلا معنى لزيارتها سوى المساجد الثلاثة وسوى الثغور للرباط بها فالحديث ظاهر في أنه لا تشد الرحال لطلب بركة البقاع إلا الى المساجد الثلاثة وقد ذكرنا فضائل الحرمين في كتاب الحج وبيت المقدس أيضا له فضل كبير خرج ابن عمر من المدينة قاصدا بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوات الخمس ثم كرراجعا من الغد الى المدينة وقد سأل سليمان عليه السلام ربه عز وجل أن من قصد هذا المسجد لا يعنيه إلا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله ذلك القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين وذلك أيضا حسن فالفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء والمرسلين ومما يجب الهرب منه الولاية والجاه وكثرة العلائق والأسباب فإن كل ذلك يشوش فراغ القلب والدين لا يتم إلا بقلب فارغ عن غير الله فإن لم يتم فراغه فلا يتصور أن يشتغل بالدين ولا يتصور فراغ القلب في الدنيا عن مهمات الدنيا والحاجات الضرورية ولكن يتصور تخفيفها وتثقيلها وقد نجا المخفون وهلك المثقلون والحمد لله الذي لم يعلق النجاة بالفراغ المطلق عن جميع الأوزار والأعباء بل قبل المخف بفضله وشمله بسعة رحمته والمخف هو الذي ليست الدنيا أكبر همه وذلك لا يتيسر في الوطن لمن اتسع جاهه وكثرت علائقه فلا يتم مقصوده إلا بالغربة والخمول وقطع العلائق التي لا بد عنها حتى يروض نفسه مدة مديدة

Bölüm V02/P247–V02/P248

ثم ربما يمده الله بمعونته فينعم عليه بما يقوي به يقينه ويطمئن به قلبه فيستوي عنده الحضر والسفر ويتقارب عنده وجود الأسباب والعلائق وعدمها فلا يصده شيء منها عما هو بصدده من ذكر الله وذلك مما يعز وجوده جدا بل الغالب على القلوب الضعف والقصور عن الاتساع للخلق والخالق وإنما يسعد بهذه القوة الأنبياء والأولياء والوصول اليها بالكسب شديد وإن كان للاجتهاد والكسب فيها مدخل أيضا ومثال تفاوت القوة الباطنة فيه كتفاوت القوة الظاهرة في الاعضاء فرب رجل قوى ذى مرة سوى شديد الأعصاب محكم البنية يستقل بحمل ما وزنه ألف رطل مثلا فلو أراد الضعيف المريض أن ينال رتبته بممارسة الحمل والتدريج فيه قليلا قليلا لم يقدر عليه ولكن الممارسة والجهد يزيد في قوته زيادة ما وإن كان ذلك لا يبلغه درجته فلا ينبغي أن يترك الجهد عند اليأس عن الرتبة العليا فإن ذلك غاية الجهل ونهاية الضلال وقد كان من عادة السلف رضي الله عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن وقال سفيان الثوري هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل فكيف على المشتهرين هذا زمان رجل ينتقل من بلد الى بلد كلما عرف في موضع تحول الى غيره وقال أبو نعيم رأيت سفيان الثوري وقد علق قلته بيده ووضع جرابه على ظهره فقلت إلى أين يا أبا عبد الله قال بلغني عن قرية فيها رخص أريد أن أقيم بها فقلت له وتفعل هذا قال نعم إذا بلغك أن قرية فيها رخص فأقم بها فإنه أسلم لدينك وأقل لهمك وهذا هرب من غلاء السعر وكان سرى السقطي يقول للصوفية إذا خرج الشتاء فقد خرج أذار وأورقت الأشجار وطاب الإنتشار فانتشروا وقد كان الخواص لا يقيم ببلد أكثر من أربعين يوما وكان من المتوكلين ويرى الإقامة اعتمادا على الأسباب قادحا في التوكل وسيأتي أسرار الإعتماد على الأسباب في كتاب التوكل إن شاء الله تعالى القسم الرابع السفر هربا مما يقدح في البدن كالطاعون أو في المال كغلاء السعر أو ما يجري مجراه ولا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع وربما يستحب في بعض بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد واستحبابه ولكن يستثنى منه الطاعون فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه قال أسامة بن زيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم ثم بقي بعد في الأرض منه وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فناء أمتي بالطعن والطاعون فقلت هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال غدة كعدة البعير تأخذهم في مراقهم المسلم الميت منه شهيد والمقيم عليه المحتسب كالمرابط في سبيل الله والفار منه كالفار من الزحف وعن مكحول عن أم أيمن قالت أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه لا تشرك بالله شيئا وإن عذبت أو حرقت وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء هو لك فاخرج منه ولا تترك الصلاة عمدا فإن من ترك الصلاة عمدا فقد برئت ذمة الله منه وإياك والخمر فإنها مفتاح كل شر وإياك والمعصية فإنها تسخط الله ولا تفر من الزحف وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت فيهم أنفق من طولك على أهل بيتك ولا ترفع عصاك عنهم أخفهم بالله فهذه الأحاديث تدل على أن الفرار من الطاعون منهي عنه وكذلك القدوم عليه وسيأتي شرح ذلك في كتاب التوكل فهذه أقسام الأسفار وقد خرج منه أن السفر ينقسم الى مذموم والى محمود والى مباح والمذموم ينقسم الى حرام كإباق العبد وسفر العاق والى مكروه كالخروج من بلد الطاعون والمحمود ينقسم الى واجب كالحج وطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم والى مندوب اليه كزيارة العلماء وزيارة مشاهدهم ومن هذه الأسباب تتبين النية في السفر فإن معنى النية الانبعاث للسبب الباعث والانتهاض لاجابة الداعية ولتكن نيته الآخرة في جميع أسفاره وذلك ظاهر في الواجب والمندوب ومحال في المكروه والمحظور

Bölüm V02/P248–V02/P249

وأما المباح فمرجعه إلى النية فمهما كان قصده بطلب المال مثلا التعفف عن السؤال ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية من أعمال الآخرة ولو خرج إلى الحج وباعثه الرياء والسمعة لخرج عن كونه من أعمال الآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات فقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات عام في الواجبات والمندوبات والمباحات دون المحظورات فإن النية لا تؤثر في إخراجها عن كونها من المحظورات وقد قال بعض السلف إن الله تعالى قد وكل بالمسافرين ملائكة ينظرون الى مقاصدهم فيعطي كل واحد على قدر نيته فمن كانت نيته الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر بالحرص والرغبة شغله ومن كانت نيته الآخرة أعطي من البصيرة والحكمة والفطنة وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته وجمع له همه ودعت له الملائكة واستغفرت له وأما النظر في أن السفر هو الأفضل أو الإقامة فذلك يضاهي النظر في أن الأفضل هو العزلة أو المخالطة وقد ذكر منهاجه في كتاب العزلة فليفهم هذا منه فإن السفر نوع مخالطة مع زيادة تعب ومشقة تفرق الهم وتشتت القلب في حق الأكثرين والأفضل في هذا ما هو الأعون على الدين ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة الله تعالى وتحصيل الأنس بذكر الله تعالى والأنس يحصل بدوام الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر ومن لم يتعلم طريق الفكر والذكر لم يتمكن منهما والسفر هو المعين على التعلم في الابتداء والإقامة هي المعينة على العمل بالعلم في الانتهاء وأما السياحة في الأرض على الدوام فمن المشوشات للقلب إلا في حق الأقوياء فإن المسافر وماله لعلى قلق إلا ما وقى الله فلا يزال المسافر مشغول القلب تارة بالخوف على نفسه وماله وتارة بمفارقة ما ألفه واعتاده في إقامته وإن لم يكن معه مال يخاف عليه فلا يخلو عن الطمع والاستشراف الى الخلق فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر وتارة يقوى باستحكام أسباب الطمع ثم الشغل بالحط والترحال مشوش لجميع الأحوال فلا ينبغي أن يسافر المريد إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته وتستفاد الرغبة في الخير من مشاهدته فان اشتغل بنفسه واستبصر وانفتح له طريق الفكر أو العمل فالسكون أولى به إلا أن أكثر متصوفة هذه الأعصار لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس بالله تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا بطالين غير محترفين ولا مشغولين قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم واستخفوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللا بكثرة الأتباع فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم ناقذ ولا تأديب للمريد بن نافع ولا حجر عليهم قاهر فبسوا المرقعات واتخذوا في الخانقاهات متنزهات وربما تلقفوا ألفاظا مزخرفة من أهل الطامات فينظرون الى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم فيظنون بأنفسهم خيرا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ويعتقدون أن كل سوداء تمرة ويتوهمون أن المشاركة في الظاهر توجب المساهمة في الحقائق وهيهات فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم فهؤلاء بغضاء الله فإن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت البلاد عنه الآن والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوف فإنه قد انمحق بالكلية وبطل لأن العلوم لم تندرس بعد والعالم وإن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه فيبقى عالما غير عامل بعلمه والعمل غير العلم وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب لله تعالى واستحقار ما سوى الله وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح ومهما فسد العمل فات الأصل

Bölüm V02/P249–V02/P250

وفي أسفار هؤلاء نظر للفقهاء من حيث أنه إتعاب للنفس بلا فائدة وقد يقال إن ذلك ممنوع ولكن الصواب عندنا أن نحكم بالإباحة فإن حظوظهم التفرج عن كرب البطالة بمشاهدة البلاد المختلفة وهذه الحظوظ وإن كانت خسيسة فنفوس المتحركين لهذه الحظوظ أيضا خسيسة ولا بأس بإتعاب حيوان خسيس لحظ خسيس يليق به ويعود إليه فهو المتأذي والمتلذذ والفتوى تقتضي تشتيت العوام في المباحات التي لا نفع فيها ولا ضرر فالسابحون في غير مهم في الدين والدنيا بل لمحض التفرج في البلاد كالبهائم المترددة في الصحارى فلا بأس بسياحتهم ما كفوا عن الناس شرهم ولم يلبسوا على الخلق حالهم وإنما عصيانهم في التلبيس والسؤال على اسم التصوف والأكل من الأوقاف التي وقفت على الصوفية لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح عدل في دينه مع صفات أخر وراء الصلاح ومن أقل صفات أحوال هؤلاء أكلهم أموال السلاطين وأكل الحرام من الكبائر فلا تبقى معه العدالة والصلاح ولو تصور صوفي فاسق لتصور صوفي كافر وفقيه يهودي وكما أن الفقيه عبارة عن مسلم مخصوص فالصوفي عبارة عن عدل مخصوص لا يقتصر في دينه على القدر الذي يحصل به العدالة وكذلك من نظر الى ظواهرهم ولم يعرف بواطنهم وأعطاهم من ماله على سبيل التقرب إلى الله تعالى حرم عليهم الأخذ وكان ما أكلوه سحتا وأعني به إذا كان المعطي بحيث لو عرف بواطن أحوالهم ما أعطاهم فأخذ المال بإظهار التصوف من غير اتصاف بحقيقته كأخذه بإظهار نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الدعوى ومن زعم أنه علوى وهو كاذب وأعطاه مسلم مالا لحبه أهل البيت ولو علم أنه كاذب لم يعطه شيئا فأخذه على ذلك حرام وكذلك الصوفي ولهذا احترز المحتاطون عن الأكل بالدين فإن المبالغ في الاحتياط لدينه لا ينفك في باطنه عن عورات لو انكشفت للراغب في مواساته لفترت رغبته عن المواساة فلا جرم كانوا لا يشترون شيئا بأنفسهم مخافة أن يسامحوا لأجل دينهم فيكونوا قد أكلوا بالدين وكانوا يوكلون من يشتري لهم ويشترطون على الوكيل أن لا يظهر أنه لمن يشتري نعم إنما يحل أخذ ما يعطي لأجل الدين إذا كان الأخذ بحيث لو علم المعطي من باطنه ما يعلمه الله تعالى لم يقتض ذلك فتورا في رأيه فيه والعاقل المنصف يعلم من نفسه أن ذلك ممتنع أو عزيز والمغرور الجاهل بنفسه أحرى بأن يكون جاهلا بأمر دينه فإن أقرب الأشياء الى قالبه قلبه فإذا التبس عليه أمر قلبه فكيف ينكشف له غيره ومنعرف هذه الحقيقة لزمه لا محالة أن لا يأكل إلا من كسبه ليأمن من هذه الغائلة أو لا يأكل إلا من مال من يعلم قطعا أنه لو انكسف له عورات باطنه لم يمنعه ذلك عن مواساته فإن اضطر طالب الحلال ومريد طريق الآخرة الى أخذ مال غيره فليصرح له وليقل إنك إن كنت تعطيني لما تعتقده في من الدين فلست مستحقا لذلك ولو كشف الله تعالى ستري لم ترني بعين التوقير بل اعتقدت أبي شر الخلق أو من شرارهم فإن أعطاه مع ذلك فليأخذ فإنه ربما يرضى منه هذه الخصلة وهو اعترافه على نفسه بركاكة الدين وعدم استحقاقه لما يأخذه ولكن ههنا مكيدة للنفس بينة ومخادعة فليتفطن لها وهو أنه قد يقول ذلك مظهرا أنه متشبه بالصالحين في ذمهم نفوسهم واستحقارهم لها ونظرهم اليها بعين المقت والازدراء فتكون صورة الكلام صورة القدح والإزدراء وباطنه وروحه هو عين المدح والإطراء فكم من ذام نفسه وهو لها مادح بعين ذمه فذم النفس في الخلوة مع النفس هو المحمود وأما الذم في الملأ فهو عين الرياء إلا إذا أورده إيرادا يحصل للمستمع يقينا بأنه مقترف للذنوب ومعترف بها وذلك مما يمكن تفهيمه بقرائن الأحوال ويمكن تلبيسه بقرائن الأحوال والصادق بينه وبين الله تعالى يعلم أن مخادعته لله عز وجل أو مخادعته لنفسه محال فلا يتعذر عليه الاحتراز عن أمثال ذلك فهذا هو القول في أقسام السفر ونية المسافر وفضيلته

Bölüm V02/P250–V02/P252

الفصل الثاني في آداب المسافر من أول نهوضه إلى آخر رجوعه وهي أحد عشر آدبا الأول أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته وبرد الودائع إن كانت عنده ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب وليأخذ قدرا يوسع به على رفقائه قال ابن عمر رضي الله عنهما من كرم الرجل طيب زاده في سفره ولا بد في السفر من طيب الكلام وإطعام الطعام وإظهار مكارم الأخلاق في السفر فإنه يخرج خبايا الباطن ومن صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر وقد يصلح في الحضر من لا يصلح في السفر ولذلك قيل إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه والسفر من أسباب الضجر ومن أحسن خلقه في الضجر فهو الحسن الخلق وإلا فعند مساعدة الأمور على وفق الغرض قلما يظهر سوء الخلق وقد قيل ثلاثة لا يلامون على الضجر الصائم والمريض والمسافر وتمام حسن خلق المسافر الإحسان الى المكاري ومعاونة الرفقة بكل ممكن والرفق بكل منقطع بأن لا يجاوزه إلا بالإعانة بمركوب أو زاد أو توقف لأجله وتمام ذلك مع الرفقاء بمزاح ومطايبة في بعض الأوقات من غير فحش ولا معصية ليكون ذلك شفاء لضجر السفر ومشاقه الثاني أن يختار رفيقا فلا يخرج وحده فالرفيق ثم الطريق وليكن رفيقه ممن يعينه على الدين فيذكره إذا نسي ويعينه ويساعده إذا ذكر فإن المرء على دين خليله ولا يعرف الرجل إلا برفيقه وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن أن يسافر الرجل وحده وقال الثلاثة نفر وقال أيضا إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم وكانوا يفعلون ذلك ويقولون هذا أميرنا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وليؤمروا أحسنهم أخلاقا وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب الموافقة وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ومصالح السفر ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا في الكثرة وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ومهما كان المدبر واحدا انتظم أمر التدبير وإذا كثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام كأمير البلد وأمير خاص كرب الدار وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء ثم على الأمير أن لا ينظر إلا لمصلحة القوم وأن يجعل نفسه وقاية لهم كما نقل عن عبد الله المروزي أنه صحبه أبو على الرباطي فقال على أن تكون أنت الأمير أو أنا فقال بل أنت فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد الله طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كسا يمنع عنه المطر فكلما قال له عبد الله لا تفعل يقول ألم تقل إن الإمارة مسلمة لي فلا تتحكم علي ولا ترجع عن قولك حتى قال أبو علي وددت أني مت ولم أقل له أنت الأمير فهكذا ينبغي أن يكون الأمير وقد قال صلى الله عليه وسلم خير الأصحاب أربعة وتخصيص الأربعة من بين سائر الأعداد لا بد أن يكون له فائدة والذي ينقدح فيه أن المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج الى حفظه وعن حاجة يحتاج الى التردد فيها ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد في الحاجة واحدا فيبقى في السفر بلا رفيق فلا يخلو عن خطر وعن ضيق قلب لفقد أنس الرفيق ولو تردد في الحاجة اثنان لكان الحافظ للرحل واحدا فلا يخلو أيضا عن الخطر وعن ضيق الصدر فإذن ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود وما فوق الأربعة يزيد فلا تجمعهم رابطة واحدة فلا ينعقد بينهم الترافق لأن الخامس زيادة بعد الحاجة ومن يستغني عنه لا تنصرف الهمة اليه فلا تتم المرافقة معه نعم في كثرة الرفقاء فائدة للأمن من المخاوف ولكن الأربعة خير للرفاقة الخاصة لا للرفاقة العامة وكم من رفيق في الطريق عند كثرة الرفاق لا يكلم ولا يخالط الى آخر الطريق للاستغناء عنه

Bölüm V02/P252–V02/P253

الثالث أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء وليدع عند الوداع بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم صحبت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من مكة الى المدينة حرسها الله فلما أردت أن افارقه شيعني وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال لقمان إن الله تعالى إذا استودع شيئا حفظه وإني أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وروى زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أراد أحدكم سفرا فليودع أخوانه فإن الله تعالى جاعل له في دعائهم البركة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ودع رجلا قال زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك الى الخير حيث توجهت فهذا دعاء المقيم للمودع وقال موسى بن وردان أتيت أبا هريرة رضي الله عنه أودعه لسفر أردته فقال ألا أعلمك يا ابن أخي شيئا علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الوداع فقلت بلى قال قل أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أريد سفرا فأوصني فقال له في حفظ الله وفي كنفه زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث كنت أو أينما كنت شك فيه الراوي وينبغي إذا استودع الله تعالى ما يخلفه أن يستودع الجمع ولا يخصص فقد روي أن عمر رضي الله عنه كان يعطي الناس عطاياهم إذ جاءه رجل معه ابن له فقال له عمر ما رأيت أشبه بأحد من هذا بك فقال له الرجل أحدثك عنه يا أمير المؤمنين بأمر إني أردت أن أخرج الى سفر وأمه حامل به فقالت تخرج وتدعني على هذه الحالة فقلت أستودع الله ما في بطنك فخرجت ثم قدمت فإذا هي قد ماتت فجلسنا نتحدث فإذا نار على قبرها فقلت للقوم ما هذه النار فقالوا هذه النار من قبر فلانة نراها كل ليلة فقلت والله إنها كانت لصوامة قوامة فأخذت المعول حتى انتهينا الى القبر فحفرنا فإذا سراج وإذا هذا الغلام يدب فقيل لي أن هذه وديعتك ولو كنت استودعت أمه لوجدتها فقال عمر رضي الله عنه لهو أشبه بك من الغراب بالغراب الرابع أن يصلي قبل سفره صلاة الإستخارة كما وصفناها في كتاب الصلاة ووقت الخروج يصلي لأجل السفر فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نذرت سفرا وقد كتبت وصيتي فالى أي الثلاثة أدفعها الى ابني أم أخي أم أبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما استخلف عبد في أهله من خليفة أحب إلى الله من أربع ركعات يصليهن في بيته إذا شد عليه ثياب سفره يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثم يقول اللهم إني أتقرب بهن إليك فاخلفني بهن في أهلي ومالي فهي خليفته في أهله وماله وحرز حول داره حتى يرجع الى أهله الخامس إذا حصل على باب الدار فليقل بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي فإذا مشى قال اللهم بك انتشرت وعليك توكلت وبك اعتصمت وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي فاكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت وليدع بهذا الدعاء في كل منزل يرحل عنه فإذا ركب الدابة فليقل بسم الله وبالله والله أكبر توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاءالله كان وما لم يشأ لم يكن سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون

Bölüm V02/P253–V02/P254

فإذا استوت الدابة تحته فليقل {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} اللهم أنت الحامل على الظهر وأنت المستعان على الأمور السادس أن يرحل عن المنزل بكرة روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رحل يوم الخميس وهو يريد تبوك وقال اللهم بارك لأمتي في بكورها ويستحب أن يبتدئ بالخروج يوم الخميس فقد روى عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج الى سفر إلا يوم الخميس وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم السبت وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية بعثها أول النهار وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها وقال عبد الله بن عباس إذا كان لك الى رجل حاجة فاطلبها منه نهارا ولا تطلبها ليلا واطلبها بكرة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم بارك لأمتي في بكورها ولا ينبغي أن يسافر بعد طلوع الفجر من يوم الجمعة فيكون عاصيا بترك الجمعة واليوم منسوب اليها فكان أوله من أسباب وجوبها والتشييع للوداع مستحب وهو سنة قال صلى الله عليه وسلم لأن أشيع مجاهدا في سبيل الله فأكتنفه على رحله غدوة أو روحه أحب الى من الدنيا وما فيها السابع أن لا ينزل حتى يحمى النهار فهي السنة ويكون أكثر سيره بالليل قال صلى الله عليه وسلم عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار ومهما أشرف على المنزل فليقل اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين ورب البحار وما جرين أسالك خير هذا المنزل وخير أهله وأعوذ بك من شر هذا المنزل وشر ما فيه اصرف عني شر شرارهم فإذا نزل المنزل فليصل فيه ركعتين ثم ليقل اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق فإذا جن عليه الليل فليقل يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما دب عليك أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن شر ساكني البلد ووالد وما ولد {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم} ومهما علا شرفا من الأرض في وقت السير فينبغي أن يقول اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال ومهما هبط سبح ومهما خاف الوحشة في سفره قال سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت السماوات بالعزة والجبروت الثامن أن يحتاط بالنهار فلا يمشي منفردا خارج القافلة لأنه ربما يغتال أو ينقطع ويكون بالليل متحفظا عند النوم كان صلى الله عليه وسلم إذا نام في ابتداء الليل في السفر افترش ذراعيه وإن نام في آخر الليل نصب ذراعيه نصبا وجعل رأسه في كفه والغرض من ذلك أن لا يستثقل في النوم فتطلع الشمس وهو نائم لا يدري فيكون ما يفوته من الصلاة أفضل مما يطلبه بسفره والمستحب بالليل أن يتناوب الرفقاء في الحراسة فإذا نام واحد حرس آخر فهذه السنة ومهما قصده عدو أو سبع في ليل أو نهار فليقرأ آية الكرسي وشهد الله وسور الإخلاص والمعوذتين وليقل بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله حسبي الله توكلت على الله ما شاء الله لا يأتي بالخيرات إلا الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى ولا دون الله ملجأ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي القيوم الذي لا يموت اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بركنك الذي لا يرام اللهم ارحمنا بقدرتك علينا فلا تهلك وانت ثقتنا ورجاؤنا اللهم أعطف علينا قلوب عبادك وإمائك برأفة ورحمة إنك أنت أرحم الراحمين

Bölüm V02/P254–V02/P255

التاسع أن يرفق بالدابة إن كان راكبا فلا يحملها ما لا تطيق ولا يضربها في وجهها فإنه منهي عنه ولا ينام عليها فإنه يثقل بالنوم وتتأذى به الدابة كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة وقال صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي ويستحب أن ينزل عن الدابة غدوة وعشية يروحها بذلك فهو سنة وفيه آثار عن السلف وكان بعض السلف يكتري بشرط أن لا ينزل ويوفي الأجرة ثم كان ينزل ليكون بذلك محسنا إلى الدابة فيوضع في ميزان حسناته لا في ميزان حسنات المكارى ومن آذى بهيمة بضرب أو حمل ما لا تطيق طولب به يوم القيامة إذ في كل كبد حراء أجر قال أبو الدرداء رضي الله عنه لبعير له عند الموت أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أك أحملك فوق طاقتك وفي النزول ساعة صدقتان إحداهما ترويح الدابة والثانية إدخال السرور على قلب المكاري وفي فائدة أخرى وهي رياضة البدن وتحريك الرجلين والحذر من خدر الأعضاء بطول الركوب وينبغي أن يقرر مع المكاري ما يحمله عليها شيئا شيئا ويعرضه عليه ويستأجر الدابة بعقد صحيح لئلا يثور بينهما نزاع يؤذي القلب ويحمل على الزيادة في الكلام فما يلفظ العبد من قول إلا لديه رقيب عتيد فليحترز عن كثرة الكلام واللجاج مع المكارى فلا ينبغي أن يحمل فوق المشروط شيئا وإن خف فإن القليل يجر الكثير ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه قال رجل لابن المبارك وهو على دابة احمل لي هذه الرقعة إلى فلان فقال حتى أستأذن المكاري فإني لم أشارطه على هذه الرقعة فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء إن هذا مما يتسامح فيه ولكن سلك طريق الورع العاشر ينبغي أن يستصحب ستة أشياء قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر حمل معه خمسة أشياء المرآة والمكحلة والمقراض والسواك والمشط وفي رواية أخرى عنها ستة أشياء المرآة والقارورة والمقراض والسواك والمكحلة والمشط وقالت أم سعد الأنصارية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفارقه في السفر المرآة والمكحلة وقال صهيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالإثمد عند مضجعكم فإنه مما يزيد في البصر وينبت الشعر وروي أنه كان يكتحل ثلاثا ثلاثا وفي رواية أنه اكتحل لليمنى ثلاثا ولليسرى ثنتين وقد زاد الصوفية الركوة والحبل وقال بعض الصوفية إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دل على نقصان دينه وإنما زادوا هذا لما رأوه من الإحتياط في طهارة الماء وغسل الثياب فالركوة لحفظ الماء الطاهر والحبل لتجفيف الثوب المغسول ولنزع الماء من الآبار وكان الأولون يكتفون بالتيمم ويغنون أنفسهم عن نقل الماء ولا يبالون بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها ما لم يتيقنوا نجاستها حتى توضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية وكانوا يكتفون بالأرض والجبال عن الحبل فيفرشون الثياب المغسولة عليها فهذه بدعة إلا أنها بدعة حسنة وإنما البدعة المذمومة ما تضاد السنن الثابتة وأما ما يعين على الإحتياط في الدين فمستحسن وقد ذكرنا أحكام المبالغة في الطهارات في كتاب الطهارة وأن المتجرد لأمر الدين لا ينبغي أن يؤثر طريق الرخصة بل يحتاط في الطهارة ما لم يمنعه ذلك عن عمل أفضل منه وقيل كان الخواص من المتوكلين وكان لا يفارقه أربعة أشياء في السفر والحضر الركوة والحبل والإبرة بخيوطها والمقراض وكان يقول هذه ليست من الدنيا الحادي عشر في آداب الرجوع من السفر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة أو غيره يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وإذا أشرف على مدينته فليقل اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا

Bölüm V02/P255–V02/P257

ثم ليرسل الى أهله من يبشرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه ولا ينبغي له أن يطرقهم ليلا فقد ورد النهي عنه وكان صلى الله عليه وسلم إذا قدم دخل المسجد أولا وصلى ركعتين ثم دخل البيت وإذا دخل قال توبا توبا لربنا أوبا أوبا لا يغادر علينا حوبا وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر إمكانه فهو سنة فقد روي أنه إن لم يجد شيئا فليضع في مخلاته حجرا وكأن هذا مبالغة في الإستحثاث على هذه المكرمة لأن الأعين تمتد إلى القادم من السفر والقلوب تفرح به فيتأكد الاستحباب في تأكيد فرحهم وإظهار التفات القلب في السفر إلى ذكرهم بما يستصحبه في الطريق لهم فهذه جملة من الآداب الظاهرة وأما الآداب الباطنة ففي الفصل الأول بيان جملة منها وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة دينه في السفر ومهما وجد قلبه متغيرا الى نقصان فيقف ولينصرف ولا ينبغي أن يجاوز همه منزله بل ينزل حيث ينزل قلبه وينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها ويجتهد أن يستفيد من كل واحد منهم أدبا أو كلمة لينتفع بها لا ليحكي ذلك ويظهر أنه لقى المشايخ ولا يقيم ببلدة أكثر من أسبوع أو عشرة أيام إلا أن يأمره الشيخ المقصود بذلك ولا يجالس في مدة الإقامة إلا الفقراء الصادقين وإن كان قصده زيارة أخ فلا يزيد على ثلاثة أيام فهو حد الضيافة إلا إذا شق على أخيه مفارقته وإذا قصد زيارة شيخ فلا يقيم عنده أكثر من يوم وليلة ولا يشغل نفسه بالعشرة فإن ذلك يقطع بركة سفره وكلما دخل بلدا لا يشتغل بشيء سوى زيارة الشيخ بزيارة منزله فإن كان في بيته فلا يدق عليه بابه ولا يستأذن عليه إلى أن يخرج فإذا خرج تقدم إليه بأدب فسلم عليه ولا يتكلم بين يديه إلا أن يسأله فإن سأله أجاب بقدر السؤال ولا يسأله عن مسألة ما لم يستأذن أولا وإذا كان في السفر فلا يكثر ذكر أطعمة البلدان وأسخيائها ولا ذكر أصدقائه فيها وليذكر مشايخها وفقراءها ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين بل يتفقدها في كل قرية وبلدة ولا يظهر حاجته إلا بقدر الضرورة ومع من يقدر على إزالتها ويلازم في الطريق الذكر وقراءة القرآن بحيث لا يسمع غيره وإذا كلمه إنسان فليترك الذكر وليجبه ما دام يحدثه ثم ليرجع إلى ما كان عليه فإن تبرمت نفسه بالسفر أو بالإقامة فليخالفها فالبركة في مخالفة النفس وإذا تيسرت له خدمة قوم صالحين فلا ينبغي له أن يسافر تبرما بالخدمة فذلك كفران نعمة ومهما وجد نفسه في نقصان عما كان عليه في الحضر فليعلم أن سفره معلول وليرجع إذ لو كان لحق لظهر أثره قال رجل لأبي عثمان المغربي خرج فلان مسافرا فقال السفر غربة والغربة ذلة وليس للمؤمن أن يذل نفسه وأشار به إلى أن من ليس له في السفر زيادة دين فقد أذل نفسه وإلا فعز الدين لا ينال إلا بذلة الغربة فليكن سفر المريد من وطن هواه ومراده وطبعه حتى يعز في هذه الغربة ولا يذل فإن من اتبع هواه في سفره ذل لا محالة إما عاجلا وإما آجلا الباب الثاني فيما لا بد للمسافر من تعلمه من رخص السفر وأدلة القبلة والأوقات اعلم أن المسافر يحتاج في أول سفره الى أن يتزود لدنياه ولآخرته أما زاد الدنيا فالطعام والشراب وما يحتاج إليه من نفقة فإن خرج متوكلا من غير زاد فلا بأس به إذا كان سفره في قافلة أو بين قرى متصلة وإن ركب البادية وحده أو مع قوم لا طعام معهم ولا شراب فإن كان ممن يصبر على الجوع أسبوعا أو عشرا مثلا أو يقدر على أن يكتفي بالحشيش فله ذلك وإن لم يكن له قوة الصبر على الجوع ولا القدرة على الاجتزاء بالحشيش فخروجه منغير زاد معصية فإنه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة ولهذا سر سيأتي في كتاب التوكل

Bölüm V02/P257–V02/P258

وليس معنى التوكل التباعد عن الأسباب بالكلية ولو كان كذلك لبطل التوكل بطلب الدلو والحبل ونزع الماء من البئر ولوجب أن يصبر حتى يسخر الله له ملكا أو شخصا آخر حتى يصب الماء في فيه فإن كان حفظ الدلو والحبل لا يقدح في التوكل وهو آلة الوصول إلى المشروب فحمل عين المطعوم والمشروب حيث لا ينتظر له وجود أولى بأن لا يقدح فيه وستأتي حقيقة التوكل في موضعها فإنه يلتبس إلا على المحققين من علماء الدين وأما زاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته وعبادته فلا بد وأن يتزود منه إذ السفر تارة يخفف عنه أمورا فيحتاج الى معرفة القدر الذي يخففه السفر كالقصر والجمع والفطر وتارة يشدد عليه أمورا كان مستغنيا عنها في الحضر كالعلم بالقبلة وأوقات الصلوات فإنه في البلد يكتفي بغيره من محاريب المساجد وأذان المؤذنين وفي السفر قد يحتاج الى أن يتعرف بنفسه فإذن ما يفتقر الى تعلمه ينقسم الى قسمين القسم الأول العلم برخص السفر والسفر يفيد في الطهارة رخصتين مسح الخفين والتيمم وفي صلاة الفرض رخصتين القصر والجمع وفي النفل رخصتين أداؤه على الراحلة وأداؤه ماشيا وفي الصوم رخصة واحدة وهي الفطر فهذه سبع رخص الرخصة الأولى المسح على الخفين قال صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفر أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن فكل من لبس الخف على طهارة مبيحة للصلاة ثم أحدث فله أن يمسح على خفه من وقت حدثه ثلاثة أيام ولياليهن إن كان مسافرا أو يوما وليلة إن كان مقيما ولكن بخمسة شروط الأول أن يكون اللبس بعد كمال الطهارة فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها في الخف ثم غسل اليسرى فأدخلها في الخف لم يجز له المسح عند الشافعي رحمه الله حتى ينزع اليمنى ويعيد لبسه الثاني أن يكون الخف قويا يمكن المشي فيه ويجوز المسح على الخف وإن لم يكن منعلا إذ العادة جارية بالتردد فيه في المنازل لأن فيه قوة على الجملة بخلاف جورب الصوفية فإنه لا يجوز المسح عليه وكذا الجرموق الضعيف الثالث أن لا يكون في موضع فرض الغسل خرق فإن تخرق بحيث انكشف محل الفرض لم يجز المسح عليه وللشافعي قول قديم إنه يجوز ما دام يستمسك على الرجل وهو مذهب مالك رضي الله عنه ولا بأس به لمسيس الحاجة إليه وتعذر الخرز في السفر في كل وقت والمداس المنسوج يجوز المسح عليه مهما كان ساترا لا تبدو بشرة القدم من خلاله وكذا المشقوق الذي يرد على محل الشق بشرج لأن الحاجة تمس الى جميع ذلك فلا يعتبر إلا أن يكون ساتراإلى ما فوق الكعبين كيفما كان فأما إذا ستر بعض ظهر القدم وستر الباقي باللفافة لم يجز المسح عليه الرابع أن لا ينزع الخف بعد المسح عليه فإن نزع فالأولى له استئناف الوضوء فإن اقتصر على غسل القدمين جاز الخامس أن يمسح على الموضع المحاذي لمحل فرض الغسل لا على الساق وأقله ما يسمى مسحا على ظهر القدم من الخف وإذا مسح بثلاث أصابع أجزأه والأولى أن يخرج من شبهة الخلاف وأكمله أن يمسح أعلاه وأسفله دفعة واحدة من غير تكرار كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه أن يبل اليدين ويضع رءوس أصابع اليمنى من يده على رءوس أصابع اليمنى من رجله ويمسحه بأن يجر أصابعه الى جهة نفسه ويضع رءوس أصابع يده اليسرى على عقبه من أسفل الخف ويمرها الى رأس القدم ومهما مسح مقيما ثم سافر أو مسافرا ثم أقام غلب حكم الإقامة فليقتصر على يوم وليلة

Bölüm V02/P258–V02/P259

وعدد الأيام الثلاثة محسوب من وقت حدثه بعد المسح على الخف فلو لبس الخف في الحضر ومسح في الحضر ثم خرج وأحدث في السفر وقت الزوال مثلا مسح ثلاثة أيام ولياليهن من وقت الزوال الى الزوال من اليوم الرابع فإذا زالت الشمس من اليوم الرابع لم يكن له أن يصلي إلا بعد غسل الرجلين فيغسل رجليه ويعيد لبس الخف ويراعي وقت الحدث ويستأنف الحساب من وقت الحدث ولو أحدث بعد لبس الخف في الحضر ثم خرج بعد الحدث فله أن يمسح ثلاثة أيام لأن العادة قد تقتضي اللبس قبل الخروج ثم لا يمكن الاحتراز من الحدث فأما إذا مسح في الحضر ثم سافر اقتصر على مدة المقيمين ويستحب لكل من يريد لبس الخف في حضر أو سفر أن ينكس الخف وينفض ما فيه حذرا من حية أو عقرب أو شوكة فقد روي عن أبي أمامة أنه قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخفيه فلبس أحدهما فجاء غراب فاحتمل الآخر ثم رمى به فخرجت منه حية فقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما الرخصة الثانية التيمم بالتراب بدلا عن الماء عند العذر إنما يتعذر الماء بأن يكون بعيدا عن المنزل بعدا لو مشى إليه لم يلحقه غوث القافلة إن صاح أو استغاث وهو البعد الذي لا يعتاده أهل المنزل في تردادهم لقضاء الحاجة التردد إليه وكذا إن نزل على الماء عدو أو سبع فيجوز التيمم وإن كان الماء قريبا وكذا إن احتاج إليه لعطشه في يومه أو بعد يومه لفقد الماء بين يديه فله التيمم وكذا إن احتاج إليه لعطش أحد رفقائه فلا يجوز له الوضوء ويلزمه بذله إما بثمن أو بغير ثمن ولو كان يحتاج إليه لطبخ مرقة أو لحم أو لبل فتيت يجمعه به لم يجز له التيمم بل عليه أن يجتزي بالفتيت اليابس ويترك تناول المرقة ومهما وهب له الماء وجب قبوله وإن وهب له ثمنه لم يجب قبوله لما فيه من المنة وإن بيع بثمن المثل لزمه الشراء وإن بيع بغبن لم يلزمه فإذا لم يكن معه ماء وأراد أن يتيمم فأول ما يلزمه طلب الماء مهما جوز الوصول إليه بالطلب وذلك بالتردد حوالي المنزل وتفتيش الرحل وطلب البقايا من الأواني والمطاهر فإن نسي الماء في رحله أو نسي بئرا بالقرب منه لزمه إعادة الصلاة لتقصيره في الطلب وإن علم أنه سيجد الماء في آخر الوقت فالأولى أن يصلي بالتيمم في أول الوقت فإن العمر لا يوثق به وأول الوقت رضوان الله تيمم ابن عمر رضي الله عنهما فقيل له أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك فقال أو أبقى الى أن أدخلها ومهما وجد الماء بعد الشروع في الصلاة لم تبطل صلاته ولم يلزمه الوضوء وإذا وجده قبل الشروع في الصلاة لزمه الوضوء ومهما طلب فلم يجد فليقصد صعيدا طيبا عليه تراب يثور منه غبار وليضرب عليه كفيه بعد ضم أصابعهما ضربة فيمسح بها وجهه ويضرب ضربة أخرى بعد نزع الخاتم ويفرج الأصابع ويمسح بها يديه الى مرفقيه فإن لم يستوعب بضربة واحدة جميع يديه ضرب ضربة أخرى وكيفية التلطف فيه ما ذكرناه في كتاب الطهارة فلا نعيده ثم اذا صلى به فريضة واحدة فله ان يتنفل ما شاء بذلك التيمم وان اراد الجمع بين فريضتين فعليه أن يعيد التيمم للصلاة الثانية فلا يصلى فريضتين الا بتيممين ولا ينبغي ان يتيمم لصلاة قبل دخول وقتها فإن فعل وجب عليه اعادة التيمم ولينو عند مسح الوجه استباحة الصلاة ولو وجد من الماء ما يكفيه لبعض طهارته فيستعمله ثم ليتيمم بعده تيمما تاما الرخصة الثالثة في الصلاة المفروضة القصر وله أن يقتصر في كل واحدة من الظهر والعصر والعشاء على ركعتين ولكن بشروط ثلاثة الأول أن يؤديها في أوقاتها فلو صارت قضاء فالأظهر لزوم الاتمام الثاني أى ينوي القصر فلو نوى الإتمام لزمه الإتمام ولو شك في أنه نوى القصر أو الإتمام لزمه الإتمام

Bölüm V02/P259–V02/P260

الثالث أي لا يقتدي بمقيم ولا بمسافر متم فإن فعل لزمه الإتمام بل إن شك في ان إمامه مقيم أو مسافر لزمه الإتمام وان تيقن بعده أنه مسافر لان شعار المسافر لا تخفى فليكن متحققا عند النية وان شك في أن إمامه هل نوى القصر أم لا بعد أن عرف أنه مسافر لم يضره ذلك لان النيات لا يطلع عليها وهذا كله إذا كان في سفر طويل مباح وحد السفر من جهة البداية والنهاية فيه إشكال فلا بد من معرفته والسفر هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم فالهائم وراكب التعاسيف ليس له الترخص وهو الذي لا يقصد موضعا معينا ولا يصير مسافرا ما لم يفارق عمران البلد ولا يشترط أن يجاوز خراب البلدة وبساتينها التى يخرج أهل البلدة إليها للتنزه وأما القرية فالمسافر منها ينبغي أن يجاوز البساتين المحوطة دون التى ليست بمحوطة ولو رجع المسافر إلى البلد لأخذ شىء نسيه لم يترخص إن كان ذلك وطنه ما لم يجاوز العمران وإن لم يكن ذلك هو الوطن فله الترخص إذ صار مسافرا بالانزعاج والخروج منه وأما نهاية السفر فبأحد أمور ثلاثة الاول الوصول إلى العمران من البلد الذي عزم على الإقامة به الثاني العزم على الإقامة ثلاثة أيام فصاعدا إما في بلد أو في صحراء الثالث صورة الاقامة وأن لم يعزم كما إذا أقام على موضع واحد ثلاثة أيام سوى يوم الدخول لم يكن له الترخص بعده وإن لم يعزم على الإقامة وكان له شغل وهو يتوقع كل يوم إنجازه ولكنه يتعوق عليه ويتاخر فله أن يترخص وإن طالت المدة على أقيس القولين لأنه منزعج بلقبه ومسافر عن الوطن بصورته ولا مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ولا فرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره ولا بين أن تطول المدة أو تقصر ولا بين أن يتأخر الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره إذ ترخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصر فى بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد وظاهر الأمر أنه لو تمادى القتال لتمادى ترخصه إذ لا معنى للتقدير بثمانية عشر يوما والظاهر أن قصره كان لكونه مسافرا لا لكونه غازيا مقاتلا هذا معنى القصر وأما معنى التطويل فهو أن يكون مرحلتين كل مرحلة ثمانية فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة آلاف خطوة وكل خطوة ثلاثة أقدام ومعنى المباح أن لا يكون عاقا لوالديه هاربا منهما ولا هاربا من مالكه ولا تكون المرأة هاربة من زوجها ولا أن يكون من عليه الدين هاربا من المستحق مع اليسار ولا يكون متوجها في قطع طريق إو قتل إنسان أو طلب إدرار حرام من سلطان ظالم أو سعى بالفساد بين المسلمين وبالجملة فلا يسافر الإنسان إلا فى غرض والغرض هو المحرك فإن كان تحصيل ذلك الغرض حراما ولولا ذلك الغرض لكان لا ينبعث لسفره فسفره معصية ولا يجوز فيه الترخص واما الفسق في السفر بشرب الخمر وغيره فلا يمنع الرخصة بل كل سفر ينهى الشرع عنه فلا يعين عليه بالرخصة ولو كان له باعثان أحدهما مباح والاخر محظور وكان بحيث لو لم يكن الباعث له المحظور لكان المباح مستقلا بتحريكه ولكان لا محالة يسافر لأجله فله الترخص والمتصوفة الطوافون في البلاد من غير غرض صحيح سوى التفرج لمشاهدة البقاع المختلفة في ترخصهم خلاف والمختار أن لهم الترخص الرخصة الرابعة الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما وبين المغرب والعشاء في وقتيهما فذلك أيضا جائز في كل سفر طويل مباح وفي جوازه في السفر القصير قولان

Bölüm V02/P260–V02/P261

ثم إن قدم العصر إلى الظهر فلينو الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما قبل الفراغ من الظهر وليؤذن للظهر وليقم وعند الفراغ يقيم للعصر ويجدد التيمم أولا ان كان فرضه التيمم ولا يفرق بينهما بأكثر من تيمم واقامة فان قدم العصر لم يجز وان نوى الجمع عند التحرم بصلاة العصر جاز عند المزنى وله وجه فى القياس إذ لا مستند لا لايجاب تقديم النية بل الشرع جوز الجمع وهذا جمع وإنما الرخصة فى العصر فتكفى النية فيها وأما الظهر فجار على القانون ثم إذا فرغ من الصلاتين فينبغي أن يجمع بين سنن الصلاتين أما العصر فلا سنة بعدها ولكن السنة التى بعد الظهر يصليها بعد الفراغ من العصر إما راكبا أو مقيما لأنه لو صلى راتبة الظهر قبل العصر لانقطعت الموالاة وهي واجبة على وجه ولو أراد أن يقيم الأربع المسنونة قبل الظهر والأربع المسنونة قبل العصر فليجمع بينهن قبل الفريضتين فيصلى سنة الظهر أولا ثم سنة العصر ثم فريضة الظهر ثم فريضة العصر ثم سنة الظهر الركعتان اللتان هما بعد الفرض ولا ينبغي أن يهمل النوافل فى السفر فما يفوته من أبوابها أكثر مما يناله من الربح لا سيما وقد خفف الشرع عليه وجوز له أداءها على الراحلة كي لا يتعوق عن الرفقة بسببها وإن أخر الظهر إلى العصر فيجري على هذا الترتيب ولا يبالي بوقوع راتبة الظهر بعد العصر فى الوقت المكروه لأن ما له سبب لا يكره فى هذا الوقت وكذلك يفعل في المغرب والعشاء والوتر وإذا قدم أو أخر فبعد الفراغ من الفرض يشتغل بجميع الرواتب ويختم الجميع بالوتر وإن خطر له ذكر الظهر قبل خروج وقته فليعزم على أدائه مع العصر جميعا فهو نية الجمع لأنه إنما يخلو عن هذه النية إما بنية الترك أو بنية التأخير عن وقت العصر وذلك حرام والعزم عليه حرام وإن لم يتذكر الظهر حتى خرج وقته إما لنوم أو لشغل فله أن يؤدى الظهر مع العصر ولا يكون عاصيا لأن السفر كما يشغل عن فعل الصلاة فقد يشغل عن ذكرها ويحتمل أن يقال إن الظهر إنما تقع أداء إذا عزم على فعلها قبل خروج وقتها ولكن الأظهر أن وقت الظهر والعصر صار مشتركا فى السفر بين الصلاتين ولذلك يجب على الحائض قضاء الظهر إذا طهرت قبل الغروب ولذلك ينقدح أن لا تشترط الموالاة ولا الترتيب بين الظهر والعصر عند تأخير الظهر أما إذا قدم العصر على الظهر لم يجز لأن ما بعد الفراغ من الظهر هو الذى جعل وقتا للعصر إذ يبعد أن يشتغل بالعصر من هو عازم على ترك الظهر أو على تأخيره وعذر المطر مجوز للجمع كعذر السفر وترك الجمعة أيضا من رخص السفر وهي متعلقة أيضا بفرائض الصلوات ولو نوى الإقامة بعد أن صلى العصر فأدرك وقت العصر في الحضر فعليه أداء العصر وما مضى إنما كان مجزئا بشرط أن يبقى العذر إلى خروج وقت العصر الرخصة الخامسة التنفل راكبا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته أينما توجهت به دابته وأوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الراحلة وليس على المتنفل الراكب في الركوع والسجود إلا الايماء وينبغي أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه ولا يلزمه الانحناء إلى حد يتعرض به لخطر بسبب الدابة فإن كان في مرقد فليتم الركوع والسجود فإنه قادر عليه وأما استقبال القبلة فلا يجب لا في ابتداء الصلاة ولا في دوامها ولكن صوب الطريق يدل عن القبلة فليكن في جميع صلاته إما مستقبلا للقبلة أو متوجها في صوب الطريق لتكون له جهة يثبت فيها فلو حرف دابته عن الطريق قصدا بطلت صلاته إلا إذا حرفها إلى القبلة ولو حرفها ناسيا وقصر الزمان لم تبطل صلاته وإن طال ففيه خلاف وإن جمحت به الدابة فانحرفت لم تبطل صلاته لأن ذلك مما يكثر وقوعه وليس عليه سجود سهو إذ الجماح غير منسوب إليه بخلاف ما لو حرف ناسيا فإنه يسجد للسهو بالايماء

Bölüm V02/P261–V02/P262

الرخصة السادسة التنفل للماشى جائز في السفر ويومئ بالركوع والسجود ولا يقعد للتشهد لأن ذلك يبطل فائدة الرخصة وحكمه حكم الراكب لكن ينبغي أن يتحرم بالصلاة مستقبلا للقبلة لأن الانحراف في لحظة لا عسر عليه فيه بخلاف الراكب فان في تحريف الدابة وإن كان العنان بيده نوع عسر وربما تكثر الصلاة فيطول عليه ذلك ولا ينبغي أن يمشى في نجاسة رطبة عمدا فإن فعل بطلت صلاته بخلاف ما لو وطئت دابة الراكب نجاسة وليس عليه أن يشوش المشي على نفسه بالاحتراز من النجاسات التي لا تخلو الطريق عنها غالبا وكل هارب من عدو أو سيل أو سبع فله أن يصلي الفريضة راكبا أو ماشيا كما ذكرناه في التنفل الرخصة السابعة الفطر وهو في الصوم فللمسافر أن يفطر إلا إذا أصبح مقيما ثم سافر فعليه إتمام ذلك اليوم وإن أصبح مسافرا صائما ثم أقام فعليه الإتمام وإن أقام مفطر فليس عليه الإمساك بقية النهار وإن أصبح مسافرا على عزم الصوم لم يلزمه بل له أن يفطر إذا أراد والصوم أفضل من الفطر والقصر أفضل من الإتمام للخروج عن شبهة الخلاف ولأنه ليس فى عهدة القضاء بخلاف المفطر فإنه في عهدة القضاء وربما يتعذر عليه ذلك بعائق فيبقى في ذمته إلا إذا كان الصوم يضر به فالإفطار أفضل فهذه سبع رخص تتعلق ثلاث منها بالسفر الطويل وهى القصر والفطر والمسح ثلاثة أيام وتتعلق اثنتان منها بالسفر طويلا كان أو قصيرا وهما سقوط الجمعة وسقوط القضاء عند أداء الصلاة بالتيمم وأما صلاة النافلة ماشيا وراكبا ففيه خلاف والأصح جوازه في القصير والجمع بين الصلاتين فيه خلاف والأظهر اختصاصه بالطويل وأما صلاة الفرض راكبا وماشيا للخوف فلا تتعلق بالسفر وكذا أكل الميتة وكذا أداء الصلاة في الحال بالتيمم عند فقد الماء بل يشترك فيها الحضر والسفر مهما وجدت أسبابها فإن قلت فالعلم بهذه الرخص هل يجب على المسافر تعلمه قبل السفر أم يستحب له ذلك فاعلم أنه إن كان عازما على ترك المسح والقصر والجمع والفطر وترك التنفل راكبا وماشيا لم يلزمه علم شروط الترخص في ذلك لآن الترخص ليس بواجب عليه وأما علم رخصة التيمم فيلزمه لآن فقد الماء ليس إليه إلا أن يسافر على شاطىء نهر يوثق ببقاء مائه أو يكون معه في الطريق عالم يقدر على استفتائه عند الحاجة فله أن يؤخر إلى وقت الحاجة إما إذا كان يظن عدم الماء ولم يكن معه فيلزمه التعلم لا محالة فإن قلت التيمم يحتاج إليه لصلاة لم يدخل بعد وقتها فكيف يجب علم الطهارة لصلاة بعد لم تجب وربما لا تجب فأقول من بينه وبين الكعبة مسافة لا تقطع إلا في سنة فيلزمه قبل أشهر الحج إبتداء السفر ويلزمه تعلم المناسك لا محالة إذا كان يظن أنه لا يجد في الطريق من يتعلم منه لأن الأصل الحياة واستمرارها وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب وكل ما يتوقع وجوبه توقعا ظاهرا على الظن وله شرط لا يتوصل إليه إلا بتقديم ذلك الشرط على وقت الوجوب فيحب تقديم تعلم الشرط لا محالة كعلم المناسك قبل وقت الحج وقبل مباشرته فلا يحل إذن للمسافر أن ينشىء السفر ما لم يتعلم هذا القدر من علم التيمم وإن كان عازما على سائر الرخص فعليه أن يتعلم أيضا القدر الذي ذكرناه من علم التيمم وسائر الرخص فإنه إذا لم يعلم القدر الجائز لرخصة السفر لم يمكنه الاقتصار عليه فإن قلت إنه إن لم يتعلم كيفية التنفل راكبا وماشيا ماذا يضره وغايته إن صلى أن تكون صلاته فاسدة وهي غير واجبة فكيف يكون علمها واجبا فأقول من الواجب أن لا يصلى النفل على نعت الفساد فالتنفل مع الحدث والنجاسة وإلى غير القبلة ومن غير إتمام شروط الصلاة وأركانها حرام فعليه أن يتعلم ما يحترز به عن النافلة الفاسدة حذرا عن الوقوع في المحظورات فهذا بيان علم ما خفف عن المسافر في سفره القسم الثاني ما يتجدد من الوظيفة بسبب السفر

Bölüm V02/P262–V02/P263

وهو علم القبلة والأوقات وذلك أيضا واجب في الحضر ولكن في الحضر من يكفيه من محراب متفق عليه يغنيه عن طلب القبلة ومؤذن يراعي الوقت فيغنيه عن طلب علم الوقت والمسافر قد تشتبه عليه القبلة وقد يلتبس عليه الوقت فلا بد له من العلم بأدلة القبلة والمواقيت أما أدلة القبلة فهي ثلاثة أقسام أرضية كالاستدلال بالجبال والقرى والأنهار وهوائية كالاستدلال بالرياح شمالها وجنوبها وصباها ودبورها وسماوية وهي النجوم فأما الأرضية والهوائية فتخلف باختلاف البلاد فرب طريق فيه جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو ورائه أو قدامه فليعلم ذلك وليفهمه وكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد فليفهم ذلك ولسنا نقدر على استقصاء ذلك إذ لكل بلد وإقليم حكم آخر وأما السماوية فأدلتها تنقسم إلى نهارية وإلى ليلية أما النهارية فالشمس فلا بد أن يراعى قبل الخروج من البلد أن الشمس عند الزوال أين تقع منه أهي بين الحاجبين او على العين اليمنى او اليسرى أو تميل إلى الجبين ميلاأكثر من ذلك فإن الشمس لا تعدو في البلاد الشمالية هذه المواقع فإذا حفظ ذلك فمهما عرف الزوال بدليله الذي سنذكره عرف القبلة به وكذلك يراعي مواقع الشمس منه وقت العصر فإنه في هذين الوقتين يحتاج إلى القبلة بالضرورة وهذا أيضا لما كان يختلف بالبلاد فليس يمكن إستقصاؤه وأما القبلة وقت المغرب فإنها تدرك بموضع الغروب وذلك بأن يحفظ أن الشمس تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه وبالشفق أيضا تعرف القبلة للعشاء الأخيرة وبمشرق الشمس تعرف القبلة لصلاة الصبح فكأن الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس ولكن يختلف ذلك بالشتاء والصيف فإن المشارق والمغارب كثيرة وإن كانت محصورة في جهتين فلا بد من تعلم ذلك أيضا ولكن قد يصلى المغرب والعشاء بعد غيبوبة الشفق فلا يمكنه أن يستدل على القبلة به فعليه أن يراعي موضع القطب وهو الكوكب الذي يقال له الجدى فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته عن موضعه وذلك إما أن يكون على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن من ظهره أو منكبه الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية كاليمن وما والاها فيقع فى مقابلة المستقبل فيتعلم ذلك وما عرفه في بلده فليعول عليه في الطريق كله إلا إذا طال السفر فإن المسافة إذ بعدت اختلف موقع الشمس وموقع القطب وموقع المشارق والمغارب إلا أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلاد فينبغي أن يسأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو مستقبل محراب جامع البلد حتى يتضح له ذلك فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعول عليها فإن بان له أنه أخطأ من جهة القبلة إلى جهة أخرى من الجهات الأربع فينبغي أن يقضي وإن انحرف عن حقيقة محاذاة القبلة ولكن لم يخرج عن جهتها لم يلزمه القضاء وقد أورد الفقهاء خلافا في أن المطلوب جهة الكعبة أو عينها وأشكل معنى ذلك على قوم إذ قالوا إن قلنا إن المطلوب العين فمتى يتصور هذا مع بعد الديار وإن قلنا إن المطلوب الجهة فالواقف في المسجد إن استقبل جهة الكعبة وهو خارج ببدنه عن موازاة الكعبة لا خلاف في أنه لا تصح صلاته وقد طولوا في تأويل معنى الخلاف في الجهة والعين ولا بد أولا من فهم معنى مقابلة العين ومقابلة الجهة فمعنى مقابلة العين أن يقف موقفا لو خرج خط مستقيم من بين عينيه إلى جدار الكعبة لا تصل به وحصل من جانبي الخط زاويتان متساويتان وهذه صورته والخط الخارج من موقف المصلى يقدر أنه خارج من بين عينيه فهذه صورة مقابلة العين وأما مقابلة الجهة فيجوز فيها أن يتصل طرف الخط الخارجي من بين العينين إلى الكعبة من غير أن يتساوى الزاويتان عن جهتى الخط بل لا يتساوى الزاويتان إلا إذا انتهى الخط إلى نقطة معينة هي واحدة

Bölüm V02/P263–V02/P265

فلو مد هذا الخط على الاستقامة إلى سائر النقط من يمينها أو شمالها كانت إحدى الزاويتان أضيق فيخرج عن مقابلة العين ولكن لا يخرج عن مقابلة الجهة كالخط الذي كتبنا عليه مقابلة الجهة فإنه لو قدر الكعبة على طرف ذلك الخط لكان الواقف مستقبلا لجهة الكعبة لا لعينها وحد تلك الجهة ما يقع بين خطين يتوهمهما الواقف مستقبلا لجهة خارجين من العينين فيلتقي طرفاهما في داخل الرأس بين العينين على زاوية قائمة فما يقع بين الخطين الخارجين من العينين فهو داخل في الجهة وسعة ما بين الخطين تتزايد بطول الخطين وبالبعد عن الكعبة وهذه صورته عليه السلام فإذا فهم معنى العين والجهة فأقول الذى يصح عندنا في الفتوى أن المطلوب العين إن كانت الكعبة مما يمكن رؤيتها وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها لتعذر رؤيتها فيكفي استقبال الجهة فأما طلب العين عند المشاهدة فمجمع عليه وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذر المعاينة فيدل عليه الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضي الله عنهم والقياس أما الكتاب فقوله تعالى وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره أي نحوه ومن قابل جهة الكعبة يقال قد ولى وجهه شطرها وأما السنة فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأهل المدينة ما بين المغرب والمشرق قبلة والمغرب يقع على يمين أهل المدينة والمشرق على يسارهم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ما يقع بينهما قبلة ومساحة الكعبة لا تفي بما بين المشرق والمغرب وإنما يفى بذلك جهتها وروى هذا اللفظ أيضا عن عمر وابنه رضى الله عنهما وأما فعل الصحابة رضي الله عنهم فما روى أن مسجد قباء كانوا فى صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس مستدبرين الكعبة لأن المدينة بينهما فقيل لهم الآن قد حولت القبلة إلى الكعبة فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة ولم ينكر عليهم وسمي مسجدهم ذا القبلتين ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ويدل أيضا من فعلهم أنهم بنوا المساجد حوالي مكة وفي سائر بلاد الإسلام ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحاريب ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق النظر الهندسي وأما القياس فهو أن الحاجة تمس إلى الاستقبال وبناء المساجد في جميع أقطار الأرض ولا يمكن مقابلة العين إلا بعلوم هندسية لم يرد الشرع بالنظر فيها بل ربما يزجر عن التعمق في علمها فكيف ينبنى أمر الشرع عليها فيجب الاكتفاء بالجهة للضرورة وأما دليل صحة الصورة التى صورناها وهو حصر جهات العالم في أربع جهات فقوله صلى الله عليه وسلم فى آداب قضاء الحاجة لا تستقبلوا بها القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا وقال هذا بالمدينة والمشرق على يسار المستقبل بها والمغرب على يمينه فنهى عن جهتين ورخص فى جهتين ومجموع ذلك أربع جهات ولم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض في ست أو سبع أو عشر وكيفما كان فما حكم الباقي بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناء على خلقه الإنسان وليس له إلا أربع جهات قدام وخلف ويمين وشمال فكانت الجهات بالإضافة الى الإنسان في ظاهر النظر أربعا والشرع لا يبنى إلا على مثل هذه الإعتقادات فظهر أن المطلوب الجهة وذلك يسهل أمر الإجتهاد فيها وتعلم به أداة القبلة فأما مقابلة العين فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الإستواء ومقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق ثم يعرف ذلك أيضا في موقف المصلي ثم يقابل أحدهما بالآخر ويحتاج فيه الى آلات وأسباب طويلة والشرع غير مبني عليها قطعا فإذن القدر الذي عليه السلام لا بد من تعلمه من أدلة القبلة موقع المشرق والمغرب في الزوال وموقع الشمس وقت العصر فبهذا يسقط الوجوب

Bölüm V02/P265–V02/P266

فإن قلت فلو خرج المسافر من غير تعلم ذلك هل يعصى فأقول إن كان طريقه على قرى متصلة فيها محاريب أو كان معه في الطريق بصير بأدلة القبلة موثوق بعدالته وبصيرته ويقدر على تقليده فلا يعصى وإن لم يكن معه شيء من ذلك عصى لأنه سيتعرض لوجوب الاستقبال ولم يكن قد حصل علمه فصار ذلك كعلم التيمم وغيره فإن تعلم هذه الأدلة واستبهم عليه الأمر بغيم مظلم أو ترك التعلم ولم يجد في الطريق من يقلده فعليه أن يصلي في الوقت على حسب حاله ثم عليه القضاء سواء أصاب أم أخطأ والأعمى ليس له إلا التقليد فليقلد من يوثق بدينه وبصيرته إن كان مقلده مجتهدا في القبلة وإن كانت القبلة ظاهرة فله اعتماد قول كل عدل يخبره بذلك في حضر أو سفر وليس للأعمى ولا للجاهل أن يسافر في قافلة ليس فيها من يعرف أدلة القبلة حيث يحتاج الى الإستدلال كما ليس للعامي أن يقيم ببلدة ليس فيها فقيه عالم بتفصيل الشرع بل يلزمه الهجرة الى حيث يجد من يعلمه دينه وكذا إن لم يكن في البلد إلا فقيه فاسق فعليه الهجرة أيضا إذ لا يجوز له اعتماد فتوى الفاسق بل العدالة شرط لجواز قبول الفتوى كما في الرواية وإن كان معروفا بالفقه مستور الحال في العدالة والفسق فله القبول مهما لم يجد من له عدالة ظاهرة لأن المسافر في البلاد لا يقدر أن يبحث عن عدالة المفتين فإن رآه لابسا للحرير أو ما يغلب عليه الإبريسم أو راكبا لفرس عليه مركب ذهب فقد ظهر فسقه وامتنع عليه قبول قوله فليطلب غيره وكذلك إذا رآه يأكل على مائدة سلطان أغلب ماله حرام أو يأخذ منه إدرارا أو صلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذه من وجه حلال فكل ذلك فسق يقدح في العدالة ويمنع من قبول الفتوى والرواية والشهادة وأما معرفة أوقات الصلوات الخمس فلا بد منها فوقت الظهر يدخل بالزوال فإن كل شخص لا بد أن يقع له في ابتداء النهار ظل مستطيل في جانب المغرب ثم لا يزال ينقص إلى وقت الزوال ثم يأخذ في الزيادة في جهة المشرق ولا يزال يزيد الى الغروب فليقم المسافر في موضع أو لينصب عودا مستقيما وليعلم على رأس الظل ثم لينظر بعد ساعة فإن رآه في النقصان فلم يدخل بعد وقت الظهر وطريقه في معرفة ذلك أن ينظر في البلد وقت آذان المؤذن المعتمد ظل قامته فإن كان مثلا ثلاثة أقدام بقدمه فمهما صار كذلك في السفر وأخذ في الزيادة صلى فإن زاد عليه ستة أقدام ونصفا بقدمه دخل وقت العصر إذ ظل كل شخص بقدمه ستة أقدام ونصف بالتقريب ثم ظل الزوال يزيد كل يوم إن كان سفره من أول الصيف وإن كان من أول الشتاء فينقص كل يوم وأحسن ما يعرف به ظل الزوال الميزان فليستصحبه المسافر وليتعلم اختلاف الظل به في كل وقت وإن عرف موقع الشمس من مستقبل القبلة وقت الزوال وكان في السفر في موضع ظهرت القبلة فيه بدليل آخر فيمكنه أن يعرف الوقت بالشمس بأن تصير بين عينيه مثلا إن كانت كذلك في البلد وأما وقت المغرب فيدخل بالغروب ولكن قد تحجب الجبال المغرب عنه فينبغي أن ينظر الى جانب المشرق فمهما ظهر سواد في الأفق مرتفع من الأرض قدر رمح فقد دخل وقت المغرب وأما العشاء فيعرف بغيبوبة الشفق وهو الحمرة فإن كانت محجوبة عنه بجبال فيعرفه بظهور والكواكب الصغار وكثرتها فإن ذلك يكون بعد غيبوبة الحمرة وأما الصبح فيبدو في الأول مستطيلا كذنب السرحان فلا يحكم به الى أن ينقضي زمان ثم يظهر بياض معترض لا يعسر إدراكه بالعين لظهوره فهذا أول الوقت قال صلى الله عليه وسلم ليس الصبح هكذا وجمع بين كفيه وإنما الصبح هكذا ووضع أحدى سبابتيه على الأخرى وفتحهما وأشار به الى انه معترض

Bölüm V02/P266–V02/P267

وقد يستدل عليه بالمنازل وذلك تقريب لا تحقيق فيه بل الإعتماد على مشاهدة انتشار البياض عرضا لأن قوما ظنوا أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع منازل وهذا خطأ لأن ذلك هو الفجر الكاذب والذي ذكره المحققون أنه يتقدم على الشمس بمنزلتين وهذا تقريب ولكن لا اعتماد عليه فإن بعض المنازل تطلع معترضة منحرفة فيقصر زمان طلوعها وبعضها منتصبة فيطول زمان طلوعها ويختلف ذلك في البلد اختلافا يطول ذكره نعم تصلح المنازل لأن يعلم بها قرب وقت الصبح وبعده فأما حقيقة أول الصبح فلا يمكن ضبطه بمنزلتين أصلا وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل الى طلوع قرن الشمس بمقدار منزلة يتيقن أنه الصبح الكاذب وإذا بقي قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق ويبقى بين الصبحين قدر ثلثي منزلة بالتقريب يشك فيه أنه من وقت الصبح الصادق أو الكاذب وهو مبدأ ظهور البياض وانتشاره قبل اتساع عرضه فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور ويقدم القائم الوتر عليه ولا يصلي صلاة الصبح حتى تنقضي مدة الشك فإذا تحقق صلى ولو أراد مريد أن يقدر على التحقيق وقتا معينا يشرب فيه متسحرا ويقوم عقبيه ويصلي الصبح متصلا به لم يقدر على ذلك فليس معرفة ذلك في قوة البشر أصلا بل لا بد من مهلة للتوقف والشك ولا اعتماد إلا على العيان ولا اعتماد في العيان إلا على أن يصير الضوء منشرا في العرض حتى تبدو مبادي الصفرة وقد غلط في هذا جمع من الناس كثير يصلون قبل الوقت ويدل عليه ما روي ابو عيسى الترمذي في جامعه باسناده عن طلق بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كلوا واشربوا ولا يهيبنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر وهذا صريح في رعاية الحمرة قال أبو عيسى وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي ذر وسمرة بن جندب وهو حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم وقال ابن عباس رضي الله عنهما كلوا واشربوا ما دام الضوء ساطعا قال صاحب الغريبين أي مستطيلا فإذا لا ينبغي أن يعول إلا على ظهور الصفرة وكأنها مبادي الحمرة وإنما يحتاج المسافر الى معرفة الأوقات لأنه قد يبادر بالصلاة قبل الرحيل حتى لا يشق عليه النزول أو قبل النوم حتى يستريح فإن وطن نفسه على تأخير الصلاة الى أن يتيقن فتسمح نفسه بفوات فضيلة أول الوقت ويتجشم كلفة النزول وكلفة تأخير النوم الى التيقن استغنى عن تعلم علم الأوقات فإن المشكل أوائل الأوقات لا أوساطها كتاب آداب السماع والوجد وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أحرق قلوب أوليائه بنار محبته واسترق هممهم وأرواحهم بالشوق الى لقائه ومشاهدته ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة جمال حضرته حتى أصبحوا من تنسم روح الوصال سكرى وأصبحت قلوبهم من ملاحظة سبحات الجلال والهة حيرى فلم يروا في الكونين شيئا سواه ولم يذكروا في الدارين إلا إياه إن سنحت لأبصارهم صورة عبرت الى المصور بصائرهم وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت الى المحبوب سرائرهم وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو مهيج أو مشوق أو مهيج لم يكن انزعاجهم إلا إليه ولا طربهم إلا به ولا قلقهم إلا عليه ولا حزنهم إلا فيه ولا شوقهم إلا إلى ما لديه ولا انبعاثهم إلا له ولا ترددهم إلا حواليه فمنه سماعهم وإليه استماعهم فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم أولئك الذين اصطفاهم الله لولايته واستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته والصلاة على محمد المبعوث برسالته وعلى آله وأصحابه أئمة الحق وقادته وسلم كثيرا أما بعد فإن القلوب والسرائر خزائن الأسرار ومعادن الجواهر وقد طويت فيها جواهرها كما طويت النار في الحديد والحجر كما أخفى الماء تحت التراب والمدر ولا سبيل الى استثارة خفاياها إلا بقوادح السماع ولا منفذ الى القلوب الى من دهليز الأسماع فالنغمات الموزونة المستلذة تخرج ما فيها وتظهر محاسنها أو مساويها فلا يظهر من القلب عند التحريك إلا ما يحويه

Bölüm V02/P267–V02/P268

كما لا يرشح الإناء إلا بما فيه فالسماع للقلب محك صادق ومعيار ناطق فلا يصل نفس السماع إليه إلا وقد تحرك فيه ما هو الغالب عليه وإذا كانت القلوب بالطباع مطيعة للأسماع حتى أبدت بوارداتها مكامنها وكشفت بها عن مساويها وأظهرت محاسنها وجب شرح القول في السماع والوجد وبيان ما فيهما من الفوائد والآفات وما يستحب فيهما من الآداب والهيئات وما يتطرق إليهما من خلاف العلماء في أنهما من المحظورات أو المباحات ونحن نوضح ذلك في بابين الباب الأول في إباحة السماع الباب الثاني في آداب السماع وآثاره في القلب بالوجد وفي الجوارح بالرقص والزعق وتمزيق الثياب الباب الأول في ذكر اختلاف العلماء في إباحة السماع وكشف الحق فيه بيان أقاويل العلماء والمتصوفة في تحليله وتحريمه اعلم أن السماع هو أول الأمر ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الإضطراب وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص فلنبدأ بحكم السماع وهو الأول وننقل فيه الأقاويل المعربة عن المذاهب فيه ثم نذكر الدليل على إباحته ثم نردفه بالجواب عما تمسك به القائلون بتحريمه فأما نقل المذاهب فقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظا يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه وقال الشافعي رحمه الله في كتاب آداب القضاء إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته وقال القاضي أبو الطيب استماعة من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند أصحاب الشافعي رحمه الله بحال سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرة أو مملوكة وقال قال الشافعي رضي الله عنه صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته وقال وحكي عن الشافعي أنه كان يكره الطقطقة بالقضيب ويقول وضعته الزنادقة ليشتغلوا به عن القرآن وقال الشافعي رحمه الله ويكره من جهة الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي ولا أحب اللعب بالشطرنج وأكره كل ما يلعب به الناس لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة وأما مالك رحمه الله فقد نهى عن الغناء وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب وكذلك سائر أهل الكوفة سفيان الثوري وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري ونقل أبو طالب المكي إباحة السماع من جماعة فقال سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم وقال قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان وقال لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهى الايام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية قال وكان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما قال وقيل لأبي الحسن بن سالم كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسرى السقطى وذو النون يستمعون فقال وكيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني فقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلا قلة حسن الوجه مع الصيانة وحسن القول مع الديانة وحسن الإخاء مع الوفاء ورأيت في بعض الكتب هذا محكيا بعينه عن الحارث المحاسبي وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره قال وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيه سماع

Sorular