Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Bölüm V04/P260–V04/P261

من استعز بالعبيد أذله الله تعالى // حدديث من اعتز بالعبيد أذلة الله أخرجه العقيلى في الضعفاء وأبو نعيم في الحلية من حديث عمر أورده العقيلي في ترجمة عبد الله بن عبد الله الأموي وقال لا يتابع على حديثه وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال يخالف في روايته وإذا انكشف لك معنى التوكل وعلمت الحالة التي سميت توكلا فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات الدرجة الأولى ما ذكرناه وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل الثانية وهي أقوى أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى أحد سواها ولا يعتمد إلا إياها فإذا رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلها وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه يا أماه وأول خاطر يخطر في قلبه أمه فإنها مفزعة فإنه قد وثق بكفالتها وكفايتها وشفقتها ثقة ليست خالية عن نوع إدراك بالتمييز الذي له ويظن أنه طبع من حيث إن الصبي لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلقين لفظه ولا على إحضاره مفصلا في ذهنه ولكن كل ذلك وراء الإدراك فمن كان باله إلى الله عز وجل ونظره إليه واعتماده عليه كلف به كما يكلف الصبي بأمه فيكون متوكلا حقا فإن الطفل متوكل على أمه والفرق بين هذا وبين الأول أن هذا متوكل وقد فني في توكله عن توكله إذ ليس يلتفت قلبه إلى التوكل وحقيقته بل إلى المتوكل عليه فقط فلا مجال في قلبه لغير المتوكل عليه وأما الأول فيتوكل بالتكلف والكسب وليس فانيا عن توكله لأن له التفاتا إلى توكله وشعورا به وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده وإلى هذه الدرجة أشار سهل حيث سئل عن التوكل ما أدناه قال ترك الأماني قيل وأوسطه قال ترك الاختيار وهو إشارة إلى الدرجة الثانية وسئل عن أعلاه فلم يذكره وقال لا يعرفه إلا من بلغ أوسطه الثالثة وهي أعلاها أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه إلا في أنه يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت وهو الذي قوي يقينه بأنه مجري للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصفات وأن كلا يحدث جبرا فيكون بائنا عن الانتظار لما يجري عليه ويفارق الصبي فإن الصبي يفزع إلى أمه ويصيح ويتعلق بذيلها ويعدو خلفها بل هو مثل صبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه فالأم تطلبه وأنه وإن لم يتعلق بذيل أمه فالأم تحمله وإن لم يسألها اللبن فالأم تفاتحه وتسقيه وهذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته وأنه يعطي ابتداء أفضل مما يسئل فكم من نعمة ابتدأها قبل السؤال والدعاء وبغير الاستحقاق والمقام الثاني لا يقتضي ترك الدعاء والسؤال منه وإنما يقتضي ترك السؤال من غيره فقط فإن قلت فهذه الأحوال هل يتصور وجودها فاعلم أن ذلك ليس بمحال ولكنه عزيز نادر والمقام الثاني والثالث أعزها والأول أقرب إلى الإمكان ثم إذا وجد الثالث والثاني فداومه أبعد منه بل يكاد لا يكون المقام الثالث في دوامه إلا كصفرة الوجل فإن انبساط القلب إلى ملاحظة الحول والقوة والأسباب طبع وانقباضه عارض كما إن انبساط الدم إلى جميع الأطراف طبع وانقباضه عارض والوجل عبارة عن انقباض الدم عن ظاهر البشرة إلى الباطن حتى تنمحي عن ظاهر البشرة الحمرة التي كانت ترى من وراء الرقيق من ستر البشرة فإن البشرة ستر رقيق تتراءى من ورائه حمرة الدم وانقباضه يوجب الصفرة وذلك لا يدوم وكذا انقباض القلب بالكلية عن ملاحظة الحول والقوة وسائر الأسباب الظاهرة لا يدوم وأما المقام الثاني فيشبه صفرة المحموم فإنه قد يدوم يوما ويومين والأول يشبه صفرة مريض استحكم مرضه فلا يبعد أن يدوم ولا يبعد أن يزول

Bölüm V04/P261–V04/P262

فإن قلت فهل يبقى مع العبد تدبير وتعلق بالأسباب في هذه الأحوال فاعلم إن المقام الثالث ينفي التدبير رأسا ما دامت الحالة باقية بل يكون صاحبها كالمبهوت والمقام الثاني ينفي كل تدبير إلا من حيث الفزع إلى الله بالدعاء والابتهال كتدبير الطفل في التعلق بأمه فقط والمقام الأول لا ينفي أصل التدبير والاختيار ولكن ينفي بعض التدبيرات كالمتوكل على وكيله في الخصومة فإنه يترك تدبيره من جهة غير الوكيل ولكن لا يترك التدبير الذي أشار إليه وكيله به أو التدبير الذي عرفه من عادته وسننه دون صريح إشارته فأما الذي يعرفه بإشارته بأن يقول له لست أتكلم إلا في حضورك فيشتغل لا محالة بالتدبير للحضور ولا يكون هذا مناقضا توكله عليه إذ ليس هو فزعا منه إلى حول نفسه وقوته في إظهار الحجة ولا إلى حول غيره بل من تمام توكله عليه أن يفعل ما رسمه له إذ لو لم يكن متوكلا عليه ولا معتمدا عليه في قوله لما حضر فقوله وأما المعلوم من عادته واطراد سننه فهو أن يعلم من عادته أن لا يحاج الخصم إلا من السجل فتمام توكله إن كان متوكلا عليه أن يكون معولا على سنته وعادته ووافيا بمقتضاها وهو أن يحمل السجل مع نفسه إليه عند مخاصمته فإذن لا يستغني عن التدبير في الحضور وعن التدبير في إحضار السجل ولو ترك شيئا من ذلك كان نقصا في توكله فكيف يكون فعله نقصا فيه نعم بعد أن حضر وفاء بإشارته وأحضر السجل وفاء بسنته وعادته وقعد ناظرا إلى محاجته فقد ينتهي إلى المقام الثاني والثالث في حضوره حتى يبقى كالبهوت المنتظر لا يفزع إلى حوله وقوته إذ لم يبق له حول ولا قوة وقد كان فزعه إلى حوله وقوته في الحضور وإحضار السجل بإشارة الوكيل وسنته وقد انتهى نهايته فلم يبق إلا طمأنينة النفس والثقة بالوكيل والانتظار لما يجري وإذا تأملت هذا اندفع عنك كل إشكال في التوكل وفهمت أنه ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير وعمل وأن كل تدبير وعمل لا يجوز أيضا مع التوكل بل هو على الانقسام وسيأتي تفصيله في الأعمال فإذا فزع المتوكل إلى حوله وقوته في الحضور والإحضار لا يناقض التوكل لأنه يعلم أنه لولا الوكيل لكان حضوره وإحضاره باطلا وتعبا محضا بلا جدوى فإذن لا يصير مفيدا من حيث إنه حوله وقوته بل من حيث إن الوكيل جعله معتمدا لمحاجته وعرفه ذلك بإشارته وسنته فإذن لا حول ولا قوة إلا بالوكيل إلا أن هذه الكلمة لا يكمل معناها في حق الوكيل لأنه ليس خالقا حوله وقوته بل هو جاعل لهما مفيدين في أنفسهما ولم يكونا مفيدين لولا فعله وإنما يصدق ذلك في حق الوكيل وهو الله تعالى إذ هو خالق الحول والقوة كما سبق في التوحيد وهو الذي جعلهما مفيدين إذ جعلهما شرطا لما سيخلقه من بعدهما من الفوائد والمقاصد فإذن لا حول ولا قوة إلا بالله حقا وصدقا فمن شاهد هذا كله كان له الثواب العظيم الذي وردت به الأخبار فيمن يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وذلك قد يستبعد فيقال كيف يعطى هذا الثواب كله بهذه الكلمة مع سهولتها على اللسان وسهولة اعتقاد القلب بمفهوم لفظها وهيهات فإنما ذلك جزاء على هذه المشاهدة التي ذكرناها في التوحيد ونسبة هذه الكلمة وثوابها إلى كلمة {لا إله إلا الله} وثوابها كنسبة معنى إحداهما إلى الأخرى إذ في هذه الكلمة إضافة إلى شيئين إلى الله تعالى فقط وهما الحول والقوة وأما كلمة لا إله إلا الله فهو نسبة الكل إليه فانظر إلى التفاوت بين الكل وبين شيئين لتعرف به ثواب {لا إله إلا الله} بالإضافة إلى هذا وكما ذكرنا من قبل أن للتوحيد قشرين ولبين فكذلك لهذه الكلمة ولسائر الكلمات وأكثر الخلق قيدوا بالقشرين وما طرقوا إلى اللبين وإلى اللبين الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله

Bölüm V04/P262–V04/P263

صادقا من قلبه مخلصا وجبت له الجنة وحيث أطلق من غير الصدق والإخلاص أراد بالمطلق هذا المقيد كما أضاف المغفرة إلى الإيمان والعمل الصالح في بعض المواضع وأضافها إلى مجرد الإيمان في بعض المواضع والمراد به المقيد بالعمل الصالح فالملك لا ينال بالحديث وحركة اللسان حديث وعقد القلب أيضا حديث ولكنه حديث نفس وإنما الصدق والإخلاص وراءهما ولا ينصب سرير الملك إلا للمقربين وهم المخلصون نعم لمن يقرب منهم في الرتبة من أصحاب اليمين أيضا درجات عند الله تعالى وإن كانت لا تنتهي إلا بالملك أما ترى أن الله سبحانه لما ذكر في سورة الواقعة المقربين السابقين تعرض لسرير الملك فقال {على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين} ولما انتهى إلى أصحاب اليمين ما زاد في ذكر الماء والظل والفواكه والأشجار والحور العين وكل ذلك من لذات المنظور والمشروب والمأكول والمنكوح ويتصور ذلك للبهائم على الدوام وأين لذات البهائم من لذة الملك والنزول في أعلى عليين في جوار رب العالمين ولو كان لهذه اللذات قدر لما وسعت على البهائم ولما رفعت عليها درجة الملائكة أفترى أن أحوال البهائم وهي مسيبة في الرياض متنعمة بالماء والأشجار وأصناف المأكولات متمتعة بالنزوان والسفاد أعلى وألذ وأشرف وأجدر بأن تكون عند ذوي الكمال مغبوطة من أحوال الملائكة في سرورهم بالقرب من جوار رب العالمين في أعلى عليين هيهات هيهات ما أبعد عن التحصيل من إذا خير بين أن يكون حمارا أو يكون في درجة جبريل عليه السلام فيختار درجة الحمار على درجة جبريل عليه السلام وليس يخفى أن شبه كل شيء منجذب إليه وأن النفس التي نزوعها إلى صنعة الأساكفة أكثر من نزوعها إلى صنعة الكتابة فهو بالأساكفة أشبه في جوهره منه بالكتاب وكذلك من نزوع نفسه إلى نيل لذات البهائم أكثر من نزوعها إلى نيل لذات الملائكة فهو بالبهائم أشبه منه بالملائكة لا محالة وهؤلاء هم الذين يقال فيهم {أولئك كالأنعام بل هم أضل} وإنما كانوا أضل لأن الأنعام ليس في قوتها طلب درجة الملائكة فتركها الطلب للعجز وأما الإنسان ففي قوته ذلك والقادر على نيل الكمال أحرى بالذم وأجدر بالنسبة إلى الضلال مهما تقاعد عن طلب الكمال وإذا كان هذا كلاما معترضا فلنرجع إلى المقصود فقد بينا معنى قول {لا إله إلا الله} ومعنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله وإن من ليس قائلا بهما عن مشاهدة فلا يتصور منه حال التوكل فإن قلت ليس في قولك لا حول ولا قوة إلا بالله إلا نسبة شيئين إلى الله فلو قال قائل السماء والأرض خلق الله فهل يكون ثوابه مثل ثوابه فأقول لا لأن الثواب على قدر درجة المثاب عليه ولا مساواة بين الدرجتين ولا ينظر إلى عظم السماء والأرض وصغر الحول والقوة إن جاز وصفهما بالصغر تجوزا فليست الأمور بعظم الأشخاص بل كل عامي يفهم أن الأرض والسماء ليستا من جهة الآدميين بل هما من خلق الله تعالى فأما الحول والقوة فقد أشكل أمرهما على المعتزلة والفلاسفة وطوائف كثيرة ممن يدعي أنه يدقق النظر في الرأي والمعقول حتى يشق الشعر بحدة نظره فهي مهلكة مخطرة ومزلة عظيمة هلك فيها الغافلون إذ أثبتوا لأنفسهم أمرا وهو شرك في التوحيد وإثبات خالق سوى الله تعالى فمن جاوز هذه العقبة بتوفيق الله تعالى إياه فقد علت رتبته وعظمت درجته فهو الذي يصدق قول لا حول ولا قوة إلا بالله وقد ذكرنا أنه ليس في التوحيد إلا عقبتان إحداهما النظر إلى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والغيم والمطر وسائر الجمادات والثانية النظر إلى اختيار الحيوانات وهي أعظم العقبتين وأخطرهما وبقطعهما كمال سر التوحيد فلذلك عظم ثواب هذه الكلمة أعني ثواب المشاهدة التي هذه الكلمة ترجمتها فإذا رجع حال التوكل إلى التبري من الحول والقوة والتوكل على الواحد الحق وسيتضح عند ذكرنا تفصيل أعمال التوكل إن شاء الله تعالى بيان ما قاله الشيوخ في أحوال التوكل

Bölüm V04/P263–V04/P264

ليتبين أن شيئا منها لا يخرج عما ذكرنا ولكن كل واحد يشير إلى بعض الأحوال فقد قال أبو موسى الديلي قلت لأبي يزيد ما التوكل فقال ما تقول أنت قلت إن أصحابنا يقولون لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك فقال أبو يزيد نعم هذا قريب ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون وأهل النار في النار يعذبون ثم وقع بك تمييز بينهما خرجت من جملة التوكل فما ذكره أبو موسى فهو خبر عن أجل أحوال التوكل وهو المقام الثالث وما ذكره أبو يزيد عبارة عن أعز أنواع العلم الذي هو من أصول التوكل وهو العلم بالحكمة وأن ما فعله الله تعالى فعله بالواجب فلا تمييز بين أهل النار وأهل الجنة بالإضافة إلى أصل العدل والحكمة وهذا أغمض أنواع العلم ووراءه سر القدر وأبو يزيد قلما يتكلم إلا عن أعلى المقامات وأقصى الدرجات وليس ترك الاحتراز عن الحيات شرطا في المقام الأول من التوكل فقد احترز أبو بكر رضي الله عنه في الغار إذ سد منافذ الحيات إلا أن يقال فعل ذلك برجله ولم يتغير بسببه سره أو يقال إنما فعل ذلك شفقة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في حق نفسه وإنما يزول التوكل بتحرك سره وتغيره لأمر يرجع إلى نفسه وللنظر في هذا مجال ولكن سيأتي بيان أن أمثال ذلك وأكثر منه لا يناقض التوكل فإن حركة السر من الحيات هو الخوف وحق المتوكل أن يخاف مسلط الحيات إذ لا حول للحيات ولا قوة لها إلا بالله فإن احترز لم يكن اتكاله على تدبيره وحوله وقوته في الاحتراز بل على خالق الحول والقوة والتدبير وسئل ذو النون المصري عن التوكل فقال خلع الأرباب وقطع الأسباب فخلع الأرباب إشارة إلى علم التوحيد وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال وليس فيه تعرض صريح للحال وإن كان اللفظ يتضمنه فقيل له زدنا فقال إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية وهذا إشارة إلى التبري من الحول والقوة فقط وسئل حمدون القصار عن التوكل فقال إن كان لك عشرة آلاف درهم وعليك دانق دين لم تأمن أن تموت ويبقى دينك في عنقك ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين من غير أن تترك لها وفاء لا تيأس من الله تعالى أن يقضيها عنك وهذا إشارة إلى مجرد الإيمان بسعة القدرة وأن في المقدورات أسبابا خفية سوى هذه الأسباب الظاهرة وسئل أبو عبد الله القرشي عن التوكل فقال التعلق بالله تعالى في كل حال فقال السائل زدني فقال ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك فالأول عام للمقامات الثلاث والثاني إشارة إلى المقام الثالث خاصة وهو مثل توكل إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ قال له جبريل عليه السلام ألك حاجة فقال أما إلبك فلا إذ كان سؤاله سببا يفضي إلى سبب وهو حفظ جبريل له فترك ذلك ثقة بأن الله تعالى إن أراد سخر جبريل لذلك فيكون هو المتولي لذلك وهذا حال مبهوت غائب عن نفسه بالله تعالى فلم ير معه غيره وهو حال عزيز في نفسه ودوامه إن وجد أبعد منه وأعز وقال أبو سعيد الخراز التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب ولعله يشير إلى المقام الثاني فسكونه بلا اضطراب إشارة إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به واضطراب بلا سكون إشارة إلى فزعه إليه وابتهاله وتضرعه بين يديه كاضطراب الطفل بيديه إلى أمه وسكون قلبه إلى تمام شفقتها وقال أبو علي الدقاق التوكل ثلاث درجات التوكل ثم التسليم ثم التفويض فالمتوكل يسكن إلى وعده والمسلم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضى بحكمه وهذا إشارة إلى تفاوت درجات نظره بالإضافة إلى المنظور إليه فإن العلم هو الأصل والوعد يتبعه والحكم يتبع الوعد ولا يبعد أن يكون الغالب على قلب المتوكل ملاحظة شيء من ذلك وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطول بها فإن الكشف أنفع من الرواية والنقل فهذا ما يتعلق بحال التوكل والله الموفق برحمته ولطفه

Bölüm V04/P264–V04/P265

بيان أعمال المتوكلين اعلم أن العلم يورث الحال والحال يثمر الأعمال وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام في الشرع والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين بل نكشف الغطاء عنه ونقول إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده وسعي العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده كالكسب أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع الصائل والسارق والسباع أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض فمقصود حركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة وهو جلب النافع أو حفظه أو دفع الضار أو قطعه فلنذكر شروط التوكل ودرجاته في كل واحد منها مقرونا بشواهد الشرع الفن الأول في جلب النافع فنقول فيه الأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث درجات مقطوع به ومظنون ظنا يوثق به وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة ولا تطمئن إليه الدرجة الأولى المقطوع به وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد اليد إليه وتقول أنا متوكل وشرط التوكل ترك السعي ومد اليد إليه سعي وحركة وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله فهذا جنون محض وليس من التوكل في شيء فإنك إن انتظرت أن يخلق الله تعالى فيك شبعا دون الخبز أو يخلق في الخبز حركة إليك أو يسخر ملكا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك فقد جهلت سنة الله تعالى وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم عليها السلام فكل ذلك جنون وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه أليس التوكل في هذا المقام بالعمل بل بالحال والعلم أما العلم فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة وأنه هو الذي يطعمك ويسقيك وأما الحال فهو أن يكون سكون قلبك واعتمادك على فعل الله تعالى لا على اليد والطعام وكيف تعتمد على صحة يدك وربما تجف في الحال وتفلج وكيف تعول على قدرتك وربما يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك ويبطل قوة حركتك وكيف تعول على حضور الطعام وربما يسلط الله تعالى من يغلبك عليه أو يبعث حية تزعجك عن مكانك وتفرق بينك وبين طعامك وإذا احتمل أمثال ذلك ولم يكن لها علاج إلا بفضل الله تعالى فبذلك فلتفرح وعليه فلتعول فإذا كان هذا حاله وعلمه فليمد اليد فإنه متوكل الدرجة الثانية الأسباب التي ليست متيقنة ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها وكان احتمال حصولها دونها بعيدا كالذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادرا ويكون سفره من غير استصحاب زاد فهذا ليس شرطا في التوكل بل استصحاب الزاد في البوادي سنة الأولين ولا يزول التوكل به بعد أن يكون الاعتماد على فضل الله تعالى لا على الزاد كما سبق ولكن فعل ذلك جائز وهو من أعلى مقامات التوكل ولذلك كان يفعله الخواص

Bölüm V04/P265–V04/P266

فإن قلت فهذا سعي في الهلاك وإلقاء النفس في التهلكة فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها وسواها على الصبر عن الطعام أسبوعا وما يقاربه بحيث يصبر عنه بلا ضيق قلب وتشوش خاطر وتعذر في ذكر الله تعالى والثاني أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة فبعد هذين الشرطين لا يخلو في غالب الأمر في البوادي في كل أسبوع عن أن يلقاه آدمي أو ينتهي إلى حلة أو قرية أو إلى حشيش يجتزئ به فيحيا به مجاهدا نفسه والمجاهدة عماد التوكل وعلى هذا كان يعول الخواص ونظراؤه من المتوكلين والدليل عليه أن الخواص كان لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والركوة ويقول هذا لا يقدح في التوكل وسببه أنه علم أن البوادي لا يكون الماء فيها على وجه الأرض وما جرت سنة الله تعالى بصعود الماء من البئر بغير دلو ولا حبل ولا يغلب وجود الحبل والدلو في البوادي كما يغلب وجود الحشيش والماء يحتاج إليه لوضوئه كل يوم مرات ولعطشه في كل يوم أو يومين مرة فإن المسافر مع حرارة الحركة لا يصبر عن الماء وإن صبر عن الطعام وكذلك يكون له ثوب واحد وربما يتخرق فتنكشف عورته ولا يوجد المقراض والإبرة في البوادي غالبا عند كل صلاة ولا يقوم مقامهما في الخياطة والقطع شيء مما يوجد في البوادي فكل ما في معنى الأربعة أيضا يلتحق بالدرجة الثانية لأنه مظنون ظنا ليس مقطوعا به لأنه يحتمل أن لا يتخرق الثوب أو يعطيه إنسان ثوبا أو يجد على رأس البئر من يسقيه ولا يحتمل أن يتحرك الطعام ممضوغا إلى فيه فبين الدرجتين فرقان ولكن الثاني في معنى الأول ولهذا نقول لو انحاز إلى شعب من شعاب الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارق فيه وجلس متوكلا فهو آثم به ساع في هلاك نفسه كما روي أن زاهدا من الزهاد فارق الأمصار وأقام في سفح جبل سبعا وقال لا أسأل أحدا شيئا حتى فائتني ربي برزقي فقعد سبعة فكاد يموت ولم يأته رزق فقال يا رب إن أحييتني فائتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك فأوحى الله جل ذكره إليه وعزتي لا أرزقنك حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس فدخل المصر وقعد فجاءه هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب وأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا أما علمت أني أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه بيد قدرتي فإذن التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة وجهل بسنة الله تعالى والعمل بموجب سنة الله تعالى مع الاتكال على الله عز وجل دون الأسباب لا يناقض التوكل كما ضربناه مثلا في الوكيل بالخصومة من قبل ولكن الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفية فمعنى التوكل الاكتفاء بالأسباب الخفية عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبب السبب لا إلى السبب

Bölüm V04/P266–V04/P267

فإن قلت ما قولك في القعود في البلد بغير كسب أهو حرام أو مباح أو مندوب فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأنه كفعل صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكا نفسه فهذا كيف كان لم يكن مهلكا نفسه حتى يكون فعله حراما بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه والصبر ممكن إلى أن يتفق ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام وإن فتح باب البيت وهو بطال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج أولى له ولكن ليس فعله حراما إلا أن يشرف على الموت فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب وإن كان مشغول القلب بالله غير مستشرف إلى الناس ولا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه بل تطلعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو أفضل وهو من مقامات التوكل وهو أن يشتغل بالله تعالى ولا يهتم برزقه فإن الرزق يأتيه لا محالة وعند هذا يصح ما قاله بعض العلماء وهو أن العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه وأنه لو سأل الله تعالى أن لا يرزقه لما استجاب وكان عاصيا ولقال له يا جاهل كيف أخلقك ولا أرزقك ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق والأجل فإنهم أجمعوا على أن لا رزاق ولا مميت إلا الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ولزالت بدعائكم الجبال وقال عيسى عليه السلام انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله تعالى يرزقها يوما بيوم فإن قلتم نحن أكبر بطونا فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله تعالى لها هذا الحق للرزق وقال أبو يعقوب السوسي المتوكلون تجري أرزاقهم على أيدي العباد بلا تعب منهم وغيرهم مشغولون مكدودون وقال بعضهم العبيد كلهم في رزق الله تعالى ولكن بعضهم يأكل بذل كالسؤال وبعضهم بتعب وانتظار كالتجار وبعضهم بامتهان كالصناع وبعضهم بعز كالصوفية يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده ولا يرون الواسطة الدرجة الثالثة ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها وهو الذي فيه الناس كلهم أعني من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح فأما أخذ الشبهة أو اكتساب بطريق فيه شبهة فذلك غاية الحرص على الدنيا والاتكال على الأسباب فلا يخفى أن ذلك يبطل التوكل وهذا مثل الأسباب التي نسبتها إلى جلب النافع مثل نسبة الرقية والطير والكي بالإضافة إلى إزالة الضار فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المتوكلين بذلك ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يسكنون الأمصار ولا يأخذون من أحد شيئا بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب وأمثال هذه الأسباب التي يوثق بها في المسببات مما يكثر فلا يمكن إحصاؤها وقال سهل في التوكل إنه ترك التدبير وقال إن الله خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه وإنما حجابهم بتدبيرهم ولعله أراد به استنباط الأسباب البعيدة بالفكر فهي التي تحتاج إلى التدبير دون الأسباب الجلية فإذن قد ظهر أن الأسباب منقسمة إلى ما يخرج التعلق بها عن التوكل وإلى ما لا يخرج وأن الذي يخرج ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون وأن المقطوع به لا يخرج عن التوكل عند وجود حال التوكل وعلمه وهو الاتكال على مسبب الأسباب فالتوكل فيها بالحال والعلم لا بالعمل وأما المظنونات

Bölüm V04/P267–V04/P268

فالتوكل فيها بالحال والعلم والعمل جميعا والمتوكلون في ملابسة هذه الأسباب على ثلاثة مقامات الأول مقام الخواص ونظرائه وهو الذي يدور في البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعا وما فرقه أو تيسير حشيش له أو قوت أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شيء من ذلك فإن الذي يحمل الزاد قد يفقد الزاد أو يضل بعيره ويموت جوعا فذلك ممكن مع الزاد كما أنه يمكن مع فقده المقام الثاني أن يقعد في بيته أو في مسجد ولكنه في القرى والأمصار وهذا أضعف من الأول لكنه أيضا متوكل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة معول على فضل الله تعالى في تدبير أمره من جهة الأسباب الخفية ولكنه بالقعود في الأمصار متعرض لأسباب الرزق فإن ذلك من الأسباب الجاية إلا أن ذلك لا يبطل توكله إذا كان نظره إلى الذي يسخر له سكان البلد لإيصال رزقه إليه لا إلى سكان البلد إذ يتصور أن يغفل جميعهم عنه ويضيعوه لولا فضل الله تعالى بتعريفهم وتحريك دواعيهم المقام الثالث أن يخرج ويكتسب اكتسابا على الوجه الذي ذكرناه في الباب الثالث والرابع من كتاب آداب الكسب وهذا السعي لا يخرجه أيضا عن مقامات التوكل إذا لم يكن طمأنينة نفسه إلى كفايته وقوته وجاهه وبضاعته فإن ذلك ربما يهلكه الله تعالى جميعه في لحظة بل يكون نظره إلى الكفيل الحق بحفظ جميع ذلك وتيسير أسبابه له بل يرى كسبه وبضاعته وكفايته بالإضافة إلى قدرة الله تعالى كما يرى القلم في يد الملك الموقع فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك أنه بماذا يتحرك وإلى ماذا يميل وبم يحكم ثم إن كان هذا المكتسب مكتسبا لعياله أو ليفرق على المساكين فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع فحال هذا أشرف من حال القاعد في بيته والدليل على أن الكسب لا ينافي حال التوكل إذا روعيت فيه الشروط وانضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق أن الصديق رضي الله عنه لما بويع بالخلافة أصبح آخذا الأثواب تحت حضنه والذراع بيده ودخل السوق ينادي حتى كرهه المسلمون وقالوا كيف تفعل ذلك وقد أقمت لخلافة النبوة فقال لا تشغلوني عن عيالي فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع حتى فرضوا له قوت أهلبيت من المسلمين فلما رضوا بذلك رأى مساعدتهم وتطييب قلوبهم واستغراق الوقت بمصالح المسلمين أولى ويستحيل أن يقال لم يكن الصديق في مقام التوكل فمن أولى بهذا المقام منه فدل على أنه كان متوكلا لا باعتبار ترك الكسب والسعي بل باعتبار قطع الالتفات إلى قوته وكفايته والعلم بأن الله هو ميسر الاكتساب ومدبر الأسباب وبشروط كان يراعيها في طريق الكسب من الاكتفاء بقدر الحاجة من غير استكثار وتفاخر وادخار ومن غير أن يكون درهمه أحب إليه من درهم غيره فمن دخل السوق ودرهمه أحب إليه من درهم غيره فهو حريص على الدنيا ومحب لها ولا يصح التوكل إلا مع الزهد في الدنيا نعم يصح الزهد دون التوكل فإن التوكل مقام وراء الزهد وقال أبو جعفر الحداد وهو شيخ الجنيد رحمة الله عليها وكان من المتوكلين أخفيت التوكل عشرين سنة وما فارقت السوق كنت أكتسب في كل يوم دينارا ولا أبيت منه دانقا ولا أستريح منه إلى قيراط أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل الليل وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرته وكان يقول أستحي أن أتكلم في مقامه وهو حاضر عندي واعلم أن الجلوس في رباطات الصوفية مع معلوم بعيد من التوكل فإن لم يكن معلوم ووقف وأمروا الخادم بالخروج للطلب لم يصح معه التوكل إلا على ضعف ولكن يقوى بالحال والعلم كتوكل المكتسب وإن لم يسألوا بل قنعوا بما يحمل إليهم فهذا أقوى في توكلهم لكنه بعد اشتهار القوم بذلك فقد صار لهم سوقا فهو كدخول السوق ولا يكون داخل السوق متوكلا إلا بشروط كثيرة كما سبق

Bölüm V04/P268

فإن قلت فما الأفضل أن يقعد في بيته أو يخرج ويكتسب فاعلم أنه إن كان يتفرغ بترك الكسب لفكر وذكر وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة وكان الكسب يشوش عليه ذلك وهو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل عليه فيحمل إليه شيئا بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على الله تعالى فالمقصود له أولى وإن كان يضطرب قلبه في البيت ويستشرف إلى الناس فالكسب أولى لأن استشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب وتركه أهم من ترك الكسب وما كان المتوكلون يأخذون ما تستشرف إليه نفوسهم كان أحمد بن حنبل قد أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فضلا عما كان استأجره عليه فرده فلما ولى قال له أحمد الحقه وأعطه فإنه يقبل فلحقه وأعطاه فأخذه فسأل أحمد عن ذلك فقال كان قد استشرفت نفسه فرد فلما خرج انقطع طمعه وأيس فأخذه وكان الخواص رحمه الله إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس لذلك لم يقبل منه شيئا وقال الخواص بعد أن سئل عن أعجب ما رآه في أسفاره رأيت الخضر ورضي بصحبتي ولكني فارقته خيفة أن تسكن نفسي إليه فيكون نقصا في توكلي فإذن المكتسب إذا راعى آداب الكسب وشروط نيته كما سبق في كتاب الكسب وهو أن لا يقصد به الاستكثار ولم يكن اعتماده على بضاعته وكفايته كان متوكلا فإن قلت فما علامة عدم اتكاله على البضاعة والكفاية فأقول علامته أنه إن سرقت بضاعته أو خسرت تجارته أو تعوق أمر من أموره كان راضيا به ولم تبطل طمأنينته ولم يضطرب قلبه بل كان حال قلبه في السكون قبله وبعده واحدا فإن من لم يسكن إلى شيء لم يضطرب لفقده ومن اضطرب لفقد شيء فقد سكن إليه وكان بشر يعمل المغازل فتركها وذلك لأن البعادي كاتبه قال بلغني أنك استعنت على رزقك بالمغازل أرأيت إن أخذ الله سمعك وبصرك الرزق على من فوقع ذلك في قلبه فأخرج آلة المغازل من يده وتركها وقيل تركها لما نوهت باسمه وقصد لأجلها وقيل فعل ذلك لما مات عياله كما كان لسفيان خمسون دينارا يتجر فيها فلما مات عياله فرقها فإن قلت فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن إليها وهو يعلم أن الكسب بغير بضاعة لا يمكن فأقول بأن يعلم أن الذين يرزقهم الله تعالى بغير بضاعة فيهم كثرة وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة وأن يوطن نفسه على أن الله لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو تركه كان سببا لفساد دينه وقد لطف الله تعالى به وغايته أن يموت جوعا فينبغي أن يعتقد أن الموت جوعا خير له في الآخرة مهما قضى الله تعالى عليه بذلك من غير تقصير من جهته فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة وعدمها ففي الخبر إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر الله تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا يتطير بجاره وابن عمه من سبقني من دهاني وما هي إلا رحمة رحمه الله بها ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى قلبه فأخرج آلة المغازلة من يده وتركها وقيل تركها لما نوهت باسمه وقصد لأجلها وقيل فعل ذلك لما مات عياله كما كان لسقيان خمسون دينارا يتجر فيها فلما مات عياله فرقها

Bölüm V04/P268–V04/P269

فإن قلت فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن غليها وهو يعلم أن الكسب بغير بضاعة لا يمكن فأقول بأن يعلم أن الذين يرزقهم الله تعالى بغير بضاعة فيهم كثرة وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة وأن يوطن نفسه على أن الله لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو تركه كان سببا لفساد دينه وقد لطف الله تعالى به وغايته أن يموت جوعا فينبغي أن يعتقد أن الموت جوعا خير له في الآخرة مهما قضى الله تعالى عليه بذلك من غير تقصير من جهته فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة وعدمها ففي الخبر إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر الله تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كثيبا حزينا بجاره وابن عمه من سبقني من دهاني وما هي إلا رحمة رحمه الله بها ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى لا أدري أيهما خير لي ومن لم يتكامل يقينه بهذه الأمور لم يتصور منه التوكل ولذلك قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري لي من كل مقام نصيب إلا من هذا التوكل المبارك فإني ما شممت منه رائحة هذا كلامه مع علو قدره ولم ينكر كونه من المقامات الممكنة ولكنه قال ما أدركته ولعله أراد إدراك أقصاه وما لم يكمل الإيمان بأن لا فاعل إلا الله ولا رازق سواه وأن كل ما يقدره على العبد من فقر وغنى وموت وحياة فهو خير له مما يتمناه العبد لم يكمل حال التوكل فبناء التوكل على قوة الإيمان بهذه الأمور كما سبق وكذا سائر مقامات الدين من الأقوال والأعمال تنبني على أصولها من الإيمان وبالجملة التوكل مقام مفهوم ولكن يستدعي قوة القلب وقوة اليقين ولذلك قال سهل من طعن على التكسب فقد طعن على السنة ومن طعن على ترك التكسب فقد طعن على التوحيد فإن قلت فهل من دواء ينتفع به في صرف القلب عن الركون إلى الأسباب الظاهرة وحسن الظن بالله تعالى في تيسير الأسباب الخفية فأقول نعم هو أن تعرف أن سوء الظن تلقين الشيطان وحسن الظن تلقين الله تعالى قال الله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا فإن الإنسان بطبعه مشغوف بسماع تخويف الشيطان ولذلك قيل الشفيق بسوء الظن مولع وإذا انضم إليه الجبن وضعف القلب ومشاهدة المتكلين على الأسباب الظاهرة والباعثين عليها غلب سوء الظن وبطل التوكل بالكلية بل رؤية الرزق من الأسباب الخفية أيضا تبطل التوكل فقد حكي عن عابد أنه عكف في مسجد ولم يكن له معلوم فقال له الإمام لو اكتسبت لكان أفضل لك فلم يجبه حتى أعاد عليه ثلاثا فقال في الرابعة يهودي في جوار المسجد قد ضمن لي كل يوم رغيفين فقال إن كان صادقا في ضمانه فعكوفك في المسجد خير لك فقال يا هذا لو لم تكن إماما تقف بين يدي الله وبين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك إذ فضلت وعد يهودي على ضمان الله تعالى بالرزق وقال إمام المسجد لبعض المصلين من أين تأكل فقال يا شيخ اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم أجيبك

Bölüm V04/P269–V04/P270

وينفع حسن الظن بمجيء الرزق من فضل الله تعالى بواسطة الأسباب الخفية أن تسمع الحكايات التي فيها عجائب صنع الله تعالى في وصول الرزق إلى صاحبه وفيها عجائب قهر الله تعالى في إهلاك أموال التجار والأغنياء وقتلهم جوعا كما روي عن حذيفة المرعشي وقد كان خدم إبراهيم بن أدهم فقيل له ما أعجب ما رأيت منه فقال بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب فنظر إلي إبراهيم وقال يا حذيفة أرى بك الجوع فقلت هو ما رأى الشيخ فقال علي بدواة وقرطاس فجئت به إليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال والمشار إليه بكل معنى وكتب شعرا أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جائع أنا ضائع أنا عاري هي ستة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها يا باري مدحي لغيرك لهب نار خضتها ... فأجر عبيدك من دخول النار ثم دفع إلي الرقعة فقال اخرج ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك فخرجت فأول من لقيني كان رجلا على بغلة فناولته الرقعة فأخذها فلما وقف عليها بكى وقال ما فعل صاحب هذه الرقعة فقلت هو في المسجد الفلاني فدفع إلي صرة فيها ستمائة دينار ثم لقيت رجلا آخر فسألته عن راكب البغلة فقال هذا نصراني فجئت إلى إبراهيم وأخبرته بالقصة فقال لا تمسها فإنه يجيىء الساعة فلما كان بعد ساعة دخل النصراني وأكب على رأس إبراهيم يقبله وأسلم وقال أبو يعقوب الأقطع البصرى جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفا فحدثتني نفسي بالخروج فخرجت إلى الوادي لعلي أجد شيئا يسكن ضعفي فرأيت سلجمة مطروحة فأخذتها فوجدت في قلبي منها وحشة وكأن قائلا يقول لي جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة فرميت بها ودخلت المسجد وقعدت فإذا أنا برجل أعجمي قد أقبل حتى جلس بين يدي ووضع قمطرة وقال هذه لك فقلت كيف خصصتني بها قال اعلم أنا كنا في البحر منذ عشرة أيام وأشرفت السفينة على الغرق فنذرت إن خلصني الله تعالى أن أتصدق بهذه على على أول من يقع عليه بصري من المجاورين وأنت أول من لقيته فقلت افتحها ففتحتها فإذا فيها سميد مصري ولوز مقشور وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت رد الباقي إلى أصحابك هدية مني إليكم وقد قبلتها ثم قلت في نفسي رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي وقال ممشاد الدينوري كان علي دين فاشتغل قلبي بسببه فرأيت في النوم كأن قائلا يقول يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار من الدين خذ عليك الأخذ وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالا ولا قصابا ولا غيرهما وحكي عن بنان الحمال قال كنت في طريق مكة أجيء من مصر ومعي زاد فجاءتني امرأة وقالت لي يابنات أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد وتتوهم أنه لا يرزقك قال فرميت بزادي ثم أتى علي ثلاث لم آكل فوجدت خلخالا في الطريق فقلت في نفسي أحمله حتى يجئ صاحبه فربما يعطيني شيئا فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة فقالت لي أنت تاجر تقول عسى يجيئ صاحبه فآخذ منه شيئا ثم رمت لي شيئا من الدراهم وقالت أنفقها فاكتفيت بها إلى قريب مكة وحكي أن بنانا احتاج إلى جارية تخدمه فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها وقالوا هو ذا يجيئ النفير فنشتري ما يوافق فلما ورد النفير اجتمع رأيهم على واحدة وقالوا إنها تصلح له فقالوا لصاحبها بكم هذه فقال إنها ليست للبيع فألحوا عليه فقال إنها لبنان الحمال أهدتها إليه امرأة من سمرقند فحملت إلى بنان وذكرت له القصة وقيل كان في الزمان الأول رجل في سفر ومعه قرص فقال إن أكلته مت فركل الله عز وجل به ملكا وقال إن أكله فارزقه وإن لم يأكله فلا تعطه غيره فلم يزل القرص معه إلى أن مات ولم يأكله وبقي القرص عنده

Bölüm V04/P270–V04/P271

وقال أبو سعيد الخراز دخلت البادية بغير زاد فأصابتني فاقة فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بأن وصلت ثم فكرت في نفسي أني سكنت واتكلت على غيره وآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة واريت جسدي فيها إلى صدري فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إن لله تعالى وليا حبس نفسه في هذا الرمل فألحقوه فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى القرية وروي أن رجلا لازم باب عمر رضي الله عنه فإذا هو بقائل يقول يا هذا هاجرت إلى عمر أو إلى الله تعالى اذهب فتعلم القرآن فإنه سيغنيك عن باب عمر فذهب الرجل وغاب حتى افتقده عمر فإذا هو قد اعتزل واشتغل بالعبادة فجاءه عمر فقال له إني قد اشتقت إليك فما الذي شغلك عني فقال إني قرأت القرآن فأغناني عن عمر وآل عمر فقال عمر رحمك الله فماالذي وجدت فيه فقال وجدت فيه وفي السماء رزقكم وما توعدون فقلت رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض فبكى عمر وقال صدقت فكان عمر بعد ذلك يأتيه ويجلس إليه وقال أبو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فبينا أنا أمشي في الطريق إذ وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث فقلت لا والله لا أستغيث فما استتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر تعالى حتى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيه أحد فأتوا بقصب وبارية وطموا رأس البئر فهممت أن أصيح فقلت في نفسي إلى من أصيح هو أقرب منهما وسكنت فبينا أنا بعد ساعة إذ أنا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يقول تعلق بي في همهمة له كنت أعرف ذلك فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فمر وهتف بي هاتف يا أبا حمزة أليس هذا أحسن نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى ... وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف تلطفت في أمري فأبديت شاهدي ... إلى غائبي واللطف يدرك باللطف تراءيت لى بالغيب حتى كأنما ... تبشرني بالغيب أنك في الكف أراك وبي من هيبتي لك وحشة ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف وتحيي محبا أنت في الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مع الحتف وأمثال هذه الوقائع مما يكثر وإذا قوي الإيمان به وانضم إليه القدرة على الجوع قدر أسبوع من غير ضيق صدر وقوي الإيمان بأنه إن لم يسق إليه رزقه في أسبوع فالموت خير له عند الله عز وجل ولذلك حبسه عنه تم التوكل بهذه الأحوال والمشاهدات وإلا فلا يتم أصلا بيان توكل المعيل

Bölüm V04/P271–V04/P272

اعلم أن من له عيال فحكمه يفارق المنفرد لأن المنفرد لا يصح توكله إلا بأمرين أحدهما قدرته على الجوع أسبوعا من غير استشراف وضيق نفس والآخر أبواب من الإيمان ذكرناها من جملتها أن يطيب نفسا بالموت إن لم يأته رزقه علما بأن رزقه الموت والجوع وهو إن كان نقصا في الدنيا فهو زيادة في الآخرة فيرى أنه سيق إليه خير الرزقين له وهو رزق الآخرة وأن هذا هو المرض الذي به يموت ويكون راضيا بذلك وأنه كذا قضي وقدر له فبهذا يتم التوكل المنفرد ولا يجوز تكليف العيال الصبر على الجوع ولا يمكن أن يقرر عندهم الإيمان بالتوحيد وأن الموت على الجوع رزق مغبوط عليه في نفسه إن اتفق ذلك نادرا وكذا سائر أبواب الإيمان فإذن لا يمكنه في حقهم إلا توكل المكتسب وهو المقام الثالث كتوكل أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ خرج للكسب فأما دخول البوادي وترك العيال توكلا في حقهم أو القعود عن الاهتمام بأمرهم توكلا في حقهم فهذا حرام وقد يفضي إلى هلاكهم ويكون هو مؤاخذا بهم بل التحقيق أنه لا فرق بينه وبين عياله فإنه إن ساعده العيال على الصبر على الجوع مدة وعلى الاعتداد بالموت على الجوع رزقا وغنيمة في الآخرة فله أن يتوكل في حقهم ونفسه أيضا عيال عنده ولا يجوز له أن يضيعها إلا أن تساعده على الصبر على الجوع مدة فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوش عليه عبادته لم يجز له التوكل ولذلك روي أن أبا تراب النخشبي نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام فقال له لا يصلح لك التصوف الزم السوق أي لا تصوف إلا مع التوكل ولا يصح التوكل إلا لمن يصبر عن الطعام أكثر من ثلاثة أيام وقال أبو علي الروذباري إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالعمل والكسب فإن بدنه عياله وتوكله فيما يضر ببدنه كتوكله في عياله وإنما يفارقهم في شيءواحد وهو أن له تكليف نفسه الصبر على الجوع وليس له ذلك في عياله وقد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدة والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا وملازمة البلاد والأمصار أو ملازمة البوادي التي لا تخلو عن حشيش وما يجري مجراه فهذه كلها أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى إذ لا يمكن الاستمرار عليه إلا بالصبر والتوكل في الأمصار أقرب إلى الأسباب من التوكل في البوادي وكل ذلك ذلك من الأسباب إلا أن الناس عدلوا إلى أسباب أظهر منها فلم يعدوا تلك أسبابا وذلك لضعف إيمانهم وشدة حرصهم وقلة صبرهم على الأذى في الدنيا لأجل الآخرة واستيلاء الجبن على قلوبهم بإساءة الظن وطول الأمل ومن نظر في ملكوت السموات والأرض انكشف له تحقيقا أن الله تعالى دبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه وإن ترك الاضطراب فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه أما ترى الجنين في بطن أمه لما أن كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته بالأم حتى تنتهي إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرة ولم يكن ذلك بحيلة الجنين ثم لما انفصل سلط الحب والشفقة على الأم لتتكفل به شاءت أم أبت اضطرارا من الله تعالى إليه بما أشعل في قلبها من نار الحب ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الذي لا يحتاج إلى المضغ ولأنه لرخاوة مزاجه كان لا يحتمل الغذاء الكثيف فأدر له اللبن اللطيف في ثدي الأم عند انفصاله على حسب حاجته أفكان هذا بحيلة الطفل أو بحيلة الأم إذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له أسنانا قواطع وطواحين لأجل المضغ فإذا كبر واستقل يسر له أسباب التعلم وسلوك سبيل الآخرة فجنبه بعد البلوغ جهل محض لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه بل زادت فإنه لم يكن قادرا على الاكتساب فالآن قد قدر فزادت قدرته نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا وهي الأم أو الأب وكانت شفقته مفرطة جدا فكان يطعمه ويسقيه في اليوم مرتين وكان إطعامه بتسليط الله تعالى الحب والشفقة على قلبه فكذلك قد سلط الله الشفقة والمودة والرحمة والرقة على قلوب المسلمين بل أهل البلد كافة حتى إن كل واحد منهم إذا أحس بمحتاج تألم قلبه ورق عليه وانبعثت له داعية إلى إزالة حاجته فقد كان المشفق عليه واحدا والآن المشفق عليه ألف وزيادة وقد كانوا لا يشفقون عليه لأنهم رأوه في كفالة الأم والأب وهو مشفق خاص فما رأوه محتاجا ولو رأوه يتيما لسلط الله داعية الرحمة على واحد من المسلمين أو على جماعة حتى يأخذونه ويكفلونه فما رؤي إلى الآن في سني الخصب يتيم قد مات جوعا مع أنه عاجز عن الاضطراب وليس له كافل خاص والله تعالى كافله بواسطة الشفقة التي خلقها في قلوب عباده فلماذا ينبغي أن يشتغل قلبه برزقه بعد البلوغ ولم يشتغل في الصبا وقد كان المشفق واحدا والمشفق الآن ألف نعم كانت شفقة الأم أقوى وأحظى ولكنها واحدة وشفقة آحاد الناس وإن ضعفت فيخرج من مجموعها ما يفيد الغرض فكم من يتيم قد يسر الله تعالى له حالا هو أحسن من حال من له أب وأم فينجبر ضعف شفقة الآحاد بكثرة المشفقين وبترك التنعم والاقتصار على قدر الضرورة ولقد أحسن الشاعر حيث يقول

Bölüm V04/P272–V04/P273

جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين فإن قلت الناس يكفلون اليتيم لأنهم يرونه عاجزا بصباه وأما هذا فبالغ قادر على الكسب فلا يلتفتون إليه ويقولون هو مثلنا فليجتهد لنفسه فأقول إن كان هذا القادر بطالا فقد صدقوا فعليه الكسب ولا معنى للتوكل في حقه فإن التوكل من مقامات الدين يستعان به على التفرغ لله تعالى فما للبطال والتوكل وإن كان مشتغلا بالله ملازما لمسجد أو بيت وهو مواظب على العلم والعبادة فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ولا يكلفونه ذلك بل اشتغاله بالله تعالى يقرر حبه في قلوب الناس حتى يحملون إليه فوق كفايته وإنما عليه أن لا يغلق الباب ولا يهرب إلى جبل من بين الناس وما رؤي إلى الآن عالم أو عابد استغرق الأوقات بالله تعالى وهو في الأمصار فمات جوعا ولا يرى قط بل لو أراد أن يطعم جماعة من الناس بقوله لقدر عليه فإن من كان لله تعالى كان الله عز وجل له ومن اشتغل بالله عز وجل ألقى الله حبه في قلوب الناس وسخر له القلوب كما سخر قلب الأم لولدها فقد دبر الله تعالى الملك والملكوت تدبيرا كافيا لأهل الملك والملكوت فمن شاهد هذا التدبير وثق بالمدبر واشتغل به وآمن ونظر إلى مدبر الأسباب لا إلى الأسباب نعم ما دبره تدبيرا يصل إلى المشتغل به الحلو والطيور السمان والثياب الرقيقة والخيول النفيسة على الدوام لا محالة وقد يقع ذلك أيضا في بعض الأحوال لكن دبره تدبيرا يصل إلى كل مشتغل بعبادة الله تعالى في كل أسبوع قرص شعير أو حشيش يتناوله لا محالة والغالب أنه يصل أكثر منه بل يصل ما يزيد على قدر الحاجة والكفاية فلا سبب لترك التوكل إلا رغبة النفس في التنعم على الدوام ولبس الثياب الناعمة وتناول الأغذية اللطيفة وليس ذلك من طريق الآخرة وذلك قد لا يحصل بغير اضطراب وهو في الغالب أيضا ليس يحصل مع الاضطراب وإنما يحصل نادرا وفي النادر أيضا قد يحصل بغير اضطراب فأثر الاضطراب ضعف عند من انفتحت بصيرته فلذلك لا يطمئن إلى اضطرابه بل إلى مدبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز عبدا من عباده رزقه وإن سكن إلا نادرا ندورا عظيما يتصور مثله في حق المضطرب فإذا انكشفت هذه الأمور وكان معه قوة في القلب وشجاعة في النفس أثمر ما قاله الحسن البصري رحمه الله إذ قال وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار وقال وهيب بن الورد لو كانت السماء نحاسا والأرض رصاصا واهتممت برزقي لظننت أني مشرك فإذا فهمت هذه الأمور فهمت أن التوكل مقام مفهوم في نفسه ويمكن الوصول إليه لمن قهر نفسه وعلمت أن من أنكر أصل التوكل وإمكانه أنكره عن جهل فإياك أن تجمع بين الإفلاسين الإفلاس عن وجود المقام ذوقا والإفلاس عن الإيمان به علما فإذن عليك بالقناعة بالنزر القليل والرضا بالقوت فإنه يأتيك لا محالة وإن فررت منه وعند ذلك على الله أن يبعث إليك رزقك على يدي من لا تحتسب فإن اشتغلت بالتقوى والتوكل شاهدت بالتجربة مصداق قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الآية إلا أنه لم يتكفل له أن يرزقه لحم الطير ولذائذ الأطعمة فما ضمن إلا الرزق الذي تدوم به حياته وهذا المضمون مبذول لكل من اشتغل بالضامن واطمأن إلى ضمانه فإن الذي أحاط به تدبير الله من الأسباب الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق بل مداخل الرزق لا تحصى ومجاريه لا يهتدى إليها وذلك لأن ظهوره على الأرض وسببه في السماء قال الله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون وأسرار السماء لا يطلع عليها ولهذا دخل جماعة على الجنيد فقال ماذا تطلبون قالوا نطلب الرزق فقال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه قالوا نسأل الله قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه فقالوا ندخل البيت ونتوكل وننظر ما يكون فقال التوكل على التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة

Bölüm V04/P273–V04/P275

وقال أحمد بن عيسى الخراز كنت في البادية فنالني جوع شديد فغلبتني نفسي أن أسأل الله تعالى طعاما فقلت ليس هذا من أفعال المتوكلين فطالبتني أن أسأل الله صبرا فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يهتف بي ويقول ويزعم أنه منا قريب ... وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإقتار جهدا ... كأنا لا نراه ولا يرانا فقد فهمت أن من انكسرت نفسه وقوي قلبه ولم يضعف بالجبن باطنه وقوي إيمانه بتدبير الله تعالى كان مطمئن النفس أبدا واثقا بالله عز وجل فإن أسوأ حاله أن يموت ولا بد أن يأتيه الموت كما يأتي من ليس مطمئنا فإذن تمام التوكل بقناعة من جانب ووفاء بالمضمون من جانب والذي ضمن رزق القانعين بهذه الأسباب التي دبرها صادق فاقنع وجرب تشاهد صدق الوعد تحقيقا بما يرد عليك من الأرزاق العجيبة التي لم تكن في ظنك وحسابك ولا تكن في توكلك منتظرا للأسباب بل لمسبب الأسباب كما لا تكون منتظرا لقلم الكاتب بل لقلب الكاتب فإنه أصل حركة القلم والمحرك الأول واحد فلا ينبغي أن يكون النظر إلا إليه وهذا شرط توكل من يخوض البوادي بلا زاد أو يقعد في الأمصار وهو خامل وأما الذي له ذكر بالعبادة والعلم فإذا قنع في اليوم والليلة بالطعام مرة واحدة كيف كان وإن لم يكن من اللذائذ وثوب خشن يليق بأهل الدين فهذا يأتيه من حيث يحتسب ولا يحتسب على الدوام بل يأتيه أضعافه فتركه التوكل واهتمامه بالرزق غاية الضعف والقصور فإن اشتهاره بسبب ظاهر يجلب الرزق إليه أقوى من دخول الأمصار في حق الخامل مع الاكتساب فالاهتمام بالرزق قبيح بذوى الدين وهو بالعلماء أقبح لأن شرطهم القناعة والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي الناس ويأكل من كسبه فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل ولم يكن له سير بالباطن فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى لأنه تفرغ لله عز وجل وإعانة للمعطي على نيل الثواب ومن نظر إلى مجاري سنة الله تعالى علم أن الرزق ليس على قدر الأسباب ولذلك سأل بعض الأكاسرة حكيما عن الأحمق المرزوق والعاقل المحروم فقال أراد الصالح أن يدل على نفسه إذ لو رزق كل عاقل وحرم كل أحمق لظن أن العقل رزق صاحبه فلما رأوا خلافه علموا أن الرازق غيرهم ولا ثقة بالأسباب الظاهرة لهم قال الشاعر ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال اعلم أن مثال الخلق مع الله تعالى مثل طائفة من السؤال وقفوا في ميدان على باب قصر الملك وهم محتاجون إلى الطعام فأخرج إليهم غلمانا كثيرة ومعهم أرغفة من الخبز وأمرهم أن يعطوا بعضهم رغيفين رغيفين وبعضهم رغيفا رغيفا ويجتهدوا في أن لا يغفلوا عن واحد منهم وأمر مناديا حتى نادى فيهم أن اسكنوا ولا تتعلقوا بغلماني إذا خرجوا إليكم بل ينبغي أن يطمئن كل واحد منكم في موضعه فإن الغلمان مسخرون وهم مأمورون بأن يوصلوا إليكم طعامكم فمن تعلق بالغلمان وآذاهم وأخذ رغيفين فإذا فتح باب الميدان وخرج اتبعته بغلام يكون موكلا به إلى أن أتقدم لعقوبته في ميعاد معلوم عندي ولكن أخفيه ومن لم يؤذ الغلمان وقنع برغيف واحد أتاه من يد الغلام وهو ساكن فإني أختصه بخلعة سنية في الميعاد المذكور لعقوبة الآخر ومن ثبت في مكانه ولكنه أخذ رغيفين فلا عقوبة عليه ولا خلعة له ومن أخطأه غلماني فما أوصلوا إليه شيئا فبات الليلة جائعا غير متسخط للغلمان

Bölüm V04/P275–V04/P276

ولا قائلا ليته أوصل إلي رغيفا فإني غدا أستوزره وأفوض ملكي إليه فانقسم السؤال إلى أربعة أقسام قسم غلبت عليهم بطونهم فلم يلتفتوا إلى العقوبة الموعودة وقالوا من اليوم إلى غد فرج ونحن الآن جائعون فبادروا إلى الغلمان فآذوهم وأخذوا الرغيفين فسبقت العقوبة إليهم في الميعاد المذكور فندموا ولم ينفعهم الندم وقسم تركوا التعلق بالغلمان خوف العقوبة ولكن أخذوا رغيفين لغلبة الجوع فسلموا من العقوبة وما فازوا بالخلعة وقسم قالوا إنا نجلس بمرأى من الغلمان حتى لا يخطئونا ولكن نأخذ إذا أعطونا رغيفا واحدا ونقنع به فلعلنا نفوز بالخلعة ففازوا بالخلعة وقسم رابع اختفوا في زوايا الميدان وانحرفوا عن مرأى أعين الغلمان وقالوا إن اتبعونا وأعطونا قنعنا برغيف واحد وإن أخطأونا قاسينا شدة الجوع الليلة فلعلنا نقوى على ترك التسخط فننال رتبة الوزارة ودرجة القرب عند الملك فما نفعهم ذلك إذ اتبعهم الغلمان في كل زاوية وأعطوا كل واحد رغيفا واحدا وجرى مثل ذلك أياما حتى اتفق على الندور أن اختفى ثلاثة في زاوية ولم تقع عليهم أبصار الغلمان وشغلهم شغل صارف عن طول التفتيش فباتوا في جوع شديد فقال اثنان منهم ليتنا تعرضنا للغلمان وأخذنا طعامنا فلسنا نطيق الصبر وسكت الثالث إلى الصباح فنال درجة القرب والوزارة فهذا مثال الخلق والميدان هو الحياة في الدنيا وباب الميدان الموت والميعاد المجهول يوم القيامة والوعد بالوزارة هو الوعد بالشهادة للمتوكل إذا مات جائعا راضيا من غير تأخير ذلك إلى ميعاد القيامة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون والمتعلق بالغلمان هو المعتدي في الأسباب والغلمان المسخرون هم الأسباب والجالس في ظاهر الميدان بمرأى الغلمان هم المقيمون في الأمصار في الرباطات والمساجد على هيئة السكون والمختفون في الزوايا هم السائحون في البوادي على هيئة التوكل والأسباب تتبعهم والرزق يأتيهم إلا على سبيل الندور فإن مات واحد منهم جائعا راضيا فله الشهادة والقرب من الله تعالى وقد انقسم الخلق إلى هذه الأقسام الأربعة ولعل من كل مائة تعلق بالأسباب تسعون وأقام سبعة من العشرة الباقية في الأمصار متعرضين للسبب بمجرد حضورهم واشتهارهم وساح في البوادي ثلاثة وتسخط منهم اثنان وفاز بالقرب واحد ولعله كان كذلك في الأعصار السالفة وأما الآن فالتارك للأسباب لا ينتهي إلى واحد من عشرة آلاف الفن الثاني في التعرض لأسباب الادخار فمن حصل له مال بإرث أو كسب أو سؤال أو سبب من الأسباب فله في الادخار ثلاثة أحوال الأولى أن يأخذ قدر حاجته في الوقت فيأكل إن كان جائعا ويلبس إن كان عاريا ويشتري مسكنا مختصرا إن كان محتاجا ويفرق الباقي في الحال ولا يأخذه ولا يدخره إلا بالقدر الذي يدرك به من يستحقه ويحتاج إليه فيدخره على هذه النية فهذا هو الوفي بموجب التوكل تحقيقا وهي الدرجة العليا الحالة الثانية المقابلة لهذه المخرجة له عن حدود التوكل أن يدخر لسنة فما فوقها فهذا ليس من المتوكلين أصلا وقد قيل لا يدخر من الحيوانات إلا ثلاثة الفأرة والنملة وابن آدم الحالة الثالثة أن يدخر لأربعين يوما فما دونها فهذا هل يوجب حرمانه من المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكلين اختلفوا فيه فذهب سهل إلى أنه يخرج عن حد التوكل وذهب الخواص إلى أنه لا يخرج بأربعين يوما ويخرج بما يزيد على الأربعين وقال أبو طالب المكي لا يخرج عن حد التوكل بالزيادة على الأربعين أيضا وهذا اختلاف لا معنى له بعد تجويز أصل الادخار نعم يجوز أن يظن ظان أن أصل الادخار يناقض التوكل فأما التقدير بعد ذلك فلا مدرك له وكل ثواب موعود على رتبة فإنه يتوزع على تلك الرتبة وتلك الرتبة لها بداية

Bölüm V04/P276–V04/P277

ونهاية ويسمى أصحاب النهايات السابقين وأصحاب البدايات أصحاب اليمين ثم أصحاب اليمين أيضا على درجات وكذلك السابقون وأعالي درجات أصحاب اليمين تلاصق أسافل درجات السابقين فلا معنى للتقدير في مثل هذا بل التحقيق أن التوكل بترك الادخار لا يتم إلا بقصر الأمل وأما عدم آمال البقاء فيبعد اشتراطه ولو في نفس فإن ذلك كالممتنع وجوده أما الناس فمتفاوتون في طول الأمل وقصره وأقل درجات الأمل يوم وليلة فما دونه من الساعات وأقصاه ما يتصور أن يكون عمر الإنسان وبينهما درجات لا حصر لها فمن لم يؤمل أكثر من شهر أقرب إلى المقصود ممن يؤمل سنة وتقييده بأربعين لأجل ميعاد موسى عليه السلام بعيد فإن تلك الواقعة ما قصد بها بيان مقدار مارخص الأمل فيه ولكن استحقاق موسى لنيل الموعود كان لا يتم إلا بعد أربعين يوما لسر جرت به وبأمثاله سنة الله تعالى في تدريج الأمور كما قال عليه السلام إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا لآن استحقاق تلك الطينة التخمر كان موقوفا على مدة مبلغها ما ذكر فإذن ما وراء السنة لا يدخر له إلا بحكم ضعف القلب والركون إلى ظاهر الأسباب فهو خارج عن مقام التوكل غير واثق بإحاطة التدبير من الوكيل الحق بخفايا الأسباب فإن أسباب الدخل في الارتفاعات والزكوات تتكرر بتكرر السنين غالبا ومن ادخر لأقل من سنة فله درجة بحسب قصر أمله ومن كان أمله شهرين لم تكن درجته كدرجة من أمل شهرا ولا درجة من أمل ثلاثة أشهر بل هو بينهما في الرتبة ولا يمنع من الادخار إلا قصر الأمل فالأفضل أن لا يدخر أصلا وإن ضعف قلبه فكلما قل ادخاره كان فضله أكثر وقد روي في الفقير الذي أمر صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه وأسامة أن يغسلاه فغسلاه وكفناه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ولولا خصلة كانت فيه لبعث ووجهه كالشمس الضاحية قلنا وما هي يا رسول الله قال كان صواما قواما كثير الذكر لله تعالى غير أنه كان إذا جاء الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه وإذا جاء الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه ثم قال صلى الله عليه وسلم بل أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر الحديث وليس الكوز والشفرة وما يحتاج إليه على الدوام معنى ذلك فإن ادخاره لا ينقص الدرجة وأما ثوب الشتاء فلا يحتاج إليه في الصيف وهذا في حق من لا ينزعج قلبه بترك الادخار ولا تستشرف نفسه إلى أيدي الخلق بل لا يلتفت قلبه إلا إلى الوكيل الحق فإن كان يستشعر في نفسه اضطرابا يشغل قلبه عن العبادة والذكر والفكر فالادخار له أولى بل لو أمسك ضيعة يكون دخلها وافيا بقدر كفايته وكان لا يتفرغ قلبه إلا به فذلك له أولى لأن المقصود إصلاح القلب ليتجرد لذكر الله ورب شخص يشغله وجود المال ورب شخص يشغله عدمه والمحذور ما يشغل عن الله عز وجل وإلا فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها ولا عدمها ولذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصناف الخلق وفيهم التجار والمحترفون وأهل الحرف والصناعات فلم يأمر التجار بترك تجارته ولا المحترف بترك حرفته ولا أمر التارك لهما بالاشتغال بهما بل دعا الكل إلى الله تعالى وأرشدهم إلى أن فوزهم ونجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا إلى الله تعالى وعمدة الاشتغال بالله عز وجل القلب فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن صواب القوي ترك الادخار

Bölüm V04/P277–V04/P278

وهذا كله حكم المنفرد فأما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبرا لضعفهم وتسكينا لقلوبهم وادخار أكثر من ذلك مبطل للتوكل لأن الأسباب تتكرر عند تكرر السنين فادخاره ما يزيد عليه سببه ضعف قلبه وذلك يناقض قوة التوكل فالمتوكل عبارة عن موحد قوي القلب مطمئن النفس إلى فضل الله تعالى واثق بتدبيره دون وجود الأسباب الظاهرة وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر له شيئا لغد ونهى بلالا عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها فقال صلى الله عليه وسلم أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا وقال صلى الله عليه وسلم إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ إقتداء بسيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم وقد كان قصر أمله بحيث كان إذا بال تيمم مع قرب الماء ويقول ما يدريني لعلي لا أبلغه وكان صلى الله عليه وسلم لو أخر لم ينقص ذلك من توكله إذ كان لا يثق بما ادخره ولكنه عليه السلام ترك ذلك تعليما للأقوياء من أمته فإن أقوياء أمته ضعفاء بالإضافة إلى قوته وادخر عليه السلام لعياله سنة لا لضعف قلب فيه وفي عياله ولكن ليسن ذلك للضعفاء من أمته بل أخبر إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات فما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين كلهم عليه اختلاف أصنافهم ودرجاتهم وإذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ويدل على ما روى أبو أمامة الباهلي أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن فقال صلى الله عليه وسلم فتشوا ثوبه فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال صلى الله عليه وسلم كيتان وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالا ولا يقول ذلك في حقه وهذا يحتمل وجهين لأن حاله يحتمل حالين أحدهما أنه أراد كيتين من النار كما قال تعالى تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم وذلك إذا كان حاله إظهار الزهد والفقر والتوكل مع الإفلاس عنه فهو نوع تلبيس والثاني أن لا يكون ذلك عن تلبيس فيكون المعنى به النقصان عن درجة كماله كما ينقص من جمال الوجه أثر كيتين في الوجه وذلك لا يكون عن تلبيس فإن كل ما يخلفه الرجل فهو نقصان عن درجته في الآخرة إذ لا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا نقص بقدره من الآخرة وأما بيان أن الادخار مع فراغ القلب عن المدخر ليس من ضرورته بطلان التوكل فيشهد له ما روي عن بشر قال الحسين المغازلي من أصحابه كنت عنده ضحوة من النهار فدخل عليه رجل كهل أسمر خفيف العارضين فقام إليه بشر قال وما رأيته قام لأحد غيره قال ودفع إلي كفا من دراهم وقال اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام الطيب وما قال لي قط مثل ذلك قال فجئت بالطعام فوضعته فأكل معه وما رأيته أكل مع غيره قال فأكلنا حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير فأخذه الرجل وجمعه في ثوبه وحمله معه وانصرف فعجبت من ذلك وكرهته له فقال لي بشر لعلك أنكرت فعله قلت نعم أخذ بقية الطعام من غير إذن فقال ذاك أخونا فتح الموصلي زارنا اليوم من الموصل فإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار

Bölüm V04/P278–V04/P279

الفن الثالث في مباشرة الأسباب الدافعة للضرر المعرض للخوف اعلم أن الضرر قد يعرض للخوف في نفس أو مال وليس من شروط التوكل ترك الأسباب الدافعة رأسا أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو في مجاري السيل من الوادي أو تحت الجدار المائل والسقف المنكسر فكل ذلك منهي عنه وصاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فائدة نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها ومظنونة وإلى موهومة فترك الموهوم منها من شرط التوكل وهي التي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكى والرقية فإن الكي والرقية قد تقدم به على المحذور دفعا لما يتوقع وقد يستعمل بعد نزول المحذور للإزالة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة ولم يصفهم بأنهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جبة والجبة تلبس دفعا للبرد المتوقع وكذلك كل مافي معناها من الأسباب نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلا عند الخروج إلى السفر في الشتاء تهييجا لقوة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمق في الأسباب والتعويل عليها فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة ولترك الأسباب الدافعة وإن كانت مقطوعة وجه إذا ناله الضرر من إنسان فإنه إذا أمكنه الصبر وأمكنه الدفع والتشفي فشرط التوكل الاحتمال والصبر قال الله تعالى {فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون} وقال تعالى {ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} وقال عز وجل {ودع أذاهم وتوكل على الله} وقال سبحانه تعالى فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل وقال تعالى {نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} وهذا في أذى الناس وأما الصبر على أذى الحيات والسباع والعقارب فترك دفعها ليس من التوكل في شيء إذ لا فائدة فيه ولا يراد السعي ولا يترك السعي لعينه بل لإعانته على الدين وترتب الأسباب ههنا كترتبها في الكسب وجلب المنافع فلا نطول بالإعادة وكذلك في الأسباب الدافعة عن المال فلا ينقص التوكل بإغلاق باب البيت عند الخروج ولا بأن يعقل البعير لأن هذه أسباب عرفت سنة الله تعالى إما قطعا وإما ظنا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما أن أهمل البعير وقال توكلت على الله اعقلها وتوكل وقال تعالى {خذوا حذركم} وقال في كيفية صلاة الخوف {وليأخذوا أسلحتهم} وقال سبحانه {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} وقال تعالى لموسى عليه السلام {فأسر بعبادي ليلا} والتحصن بالليل اختفاء عن أعين الأعداء ونوع تسبب واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار اختفاء عن أعين الأعداء دفعا للضرر وأخذ السلاح في الصلاة فليس دافعا قطعا كقتل الحية والعقرب فإنه دافع قطعا ولكن أخذ السلاح سبب مظنون وقد بينا أن المظنون كالمقطوع وإنما الموهوم هو الذي يقتضي التوكل تركه فإن قلت فقد حكي عن جماعة أن منهم من وضع الأسد يده على كتفه ولم يتحرك فأقول وقد حكي عن جماعة أنهم ركبوا الأسد وسخروه فلا ينبغي أن يغرك ذلك المقام فإنه وإن كان صحيحا في نفسه فلا يصلح للاقتداء بطريق التعلم من الغير بل ذلك مقام رفيع في الكرامات وليس ذلك شرطا في التوكل وفيه أسرار لا يقف عليها من لم ينته إليها فإن قلت وهل من علامة أعلم بها أني قد وصلت إليها فأقول الواصل لا يحتاج إلى طلب العلامات ولكن من العلامات على ذلك المقام السابقة عليه أن يسخر لك كلب هو معك في إهابك يسمى الغضب فلا يزال يعضك ويعض غيرك فإن سخر لك هذا الكلب بحيث إذا هيج وأشلى لم يستشل إلا بإشارتك وكان مسخرا لك فربما ترتفع درجتك إلى أن يسخر لك الأسد الذي هو ملك السباع وكلب دارك أولى أن يكون مسخرا لك من كلب البوادي وكلب إهابك أولى بأن يتسخر من كلب دارك فإذا لم يسخر لك الكلب الباطن فلا تطمع في استسخار الكلب الظاهر

Bölüm V04/P279–V04/P280

فإن قلت فإذا أخذ المتوكل سلاحه حذرا من العدو وأغلق بابه حذرا من اللص وعقل بعيره حذرا من أن ينطلق فبأي اعتبار يكون متوكلا فأقول يكون متوكلا بالعلم والحال فأما العلم فهو أن يعلم أن اللص إن اندفع لم يندفع بكفايته في إغلاق الباب بل لم يندفع إلا بدفع الله تعالى إياه فكم من باب يغلق ولا ينفع وكم من بعير يعقل ويموت أو يفلت وكم من آخذ سلاحه يقتل أو يغلب فلا تتكل على هذه الأسباب أصلا بل على مسبب الأسباب كما ضربنا المثل في الوكيل في الخصومة فإنه إن حضر وأحضر السجل فلا يتكل على نفسه وسجله بل يتكل على كفاية الوكيل وقوته وأما الحال فهو أن يكون راضيا بما يقضي الله تعالى به في بيته ونفسه ويقول اللهم إن سلطت علي ما في البيت من يأخذه فهو في سبيلك وأنا راض بحكمك فإني لا أدري أن ما أعطيتني هبة فلا تسترجعها أو عارية ووديعة فتستردها ولا أدري أنه رزقي أو سبقت مشيئتك في الأزل بأنه رزق غيري وكيفما قضيت فأنا راض به وما أغلقت الباب تحصنا من قضاؤك وتسخطا له بل جريا على مقتضى سنتك في ترتيب الأسباب فلا ثقة إلا بك يا مسبب الأسباب فإذا كان هذا حاله وذلك الذي ذكرناه علمه لم يخرج عن حدود التوكل بعقل البعير وأخذ السلاح وإغلاق الباب ثم إذا عاد فوجد متاعه في البيت فينبغي أن يكون ذلك عنده نعمة جديدة من الله تعالى وإن لم يجده بل وجده مسروقا نظر إلى قلبه فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما أنه ما أخذ الله تعالى ذلك منه إلا ليزيد رزقه في الآخرة فقد صح مقامه في التوكل وظهر له صدقه وإن تألم قلبه به ووجد قوة الصبر فقد بان له أنه ما كان صادقا في دعوى التوكل لأن التوكل مقام بعد الزهد ولا يصح الزهد إلا ممن لا يتأسف على ما فات من الدنيا ولا يفرح بما يأتي بل يكون على العكس منه فكيف يصح له التوكل نعم قد يصح له مقام الصبر إن أخفاه ولم يظهر شكواه ولم يكثر سعيه في الطلب والتجسس وإن لم يقدر على ذلك حتى تأذى بقلبه وأظهر الشكوى بلسانه واستقصى الطلب ببدنه فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث إنه ظهر له قصوره عن جميع المقامات وكذبه في جميع الدعاوي فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتى لا يصدق نفسه في دعاويها ولا يتدلى بحبل غرورها فإنها خداعة أمارة بالسوء مدعية للخير فإن قلت فكيف يكون للمتوكل مال حتى يؤخذ فأقول المتوكل لا يخلوا بيته من متاع كقصعة يأكل فيها وكوز يشرب منه وإناء يتوضأ منه وجراب يحفظ به زاده وعصا يدفع بها عدوه وغير ذلك من ضرورات المعيشة من أثاث البيت وقد يدخل في يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه فلا يكون ادخاره على هذه النية مبطلا لتوكله وليس من شرط التوكل إخراج الكوز الذي يشرب منه والجراب الذي فيه زاده وإنما ذلك في المأكول وفي كل مال زائد على قدر الضرورة لأن سنة الله جارية بوصول الخير إلى الفقراء المتوكلين في زوايا المساجد وما جرت السنة بتفرقة الكيزان والأمتعة في كل يوم ولا في كل أسبوع والخروج عن سنة الله عز وجل ليس شرطا في التوكل ولذلك كان الخواص يأخذ في السفر الحبل والركوة والمقراض والإبرة دون الزاد لكن سنة الله تعالى جارية بالفرق بين الأمرين

Sorular