Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Bölüm V03/P044–V03/P047

فانظر إلى هذه الغيرة المحرمة القبيحة التي تضمنت أنواعا من المحرمات حلق الشعر عند المصيبة وقد قال رسول الله ليس منا من حلق وسلق وخرق أي حلق شعره ورفع صوته بالندب والنياحة وخرق ثيابه ومنها حلق اللحية وقد أمر رسول الله بإعفائها وتوفيرها ومنها منع إخوانه من تعزيته ونيل ثوابها ومنها كراهته لجريان ذكر الله على ألسنتهم بالغفلة وذلك خير بلا شك من ترك ذكره فغاية صاحب هذا أن تغفر له هذه الذنوب ويعفى عنه وأما أن يعد ذلك في مناقبه وفي الغيرة المحمودة فسبحانك هذا بهتان عظيم ومن هذا ما ذكر عن أبي الحسين النوري أنه سمع رجلا يؤذن فقال طعنه وسم الموت وسمع كلبا ينبح فقال لبيك وسعديك فقالوا له هذا ترك للدين وصدقوا والله يقول للمؤذن في تشهده طعنه وسم الموت ويلبي نباح الكلب فقال أما ذاك فكان يذكر الله عن رأس الغفلة وأما الكلب فقد قال تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده فيالله ماذا ترى رسول الله يواجه هذا القائل لو رآه يقول ذلك أو عمر بن الخطاب أو من عد ذلك في المناقب والمحاسن وسمع الشبلي رجلا يقول جل الله فقال أحب أن تجله عن هذا وأذن مرة فلما بلغ الشهادتين قال لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك وقال بعض الجهال من القوم لا إله إلا الله من أصل القلب ومحمد رسول الله من القرط ونحن نقول محمد رسول الله من تمام قول لا إله إلا الله فالكلمتان يخرجان من أصل القلب من مشكاة واحدة لا تتم إحداهما إلا بالأخرى فصل قال صاحب المنازل باب الغيرة قال الله تعالى حاكيا عن نبيه سليمان عليه السلام ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ووجه استشهاده بالآية أن سليمان عليه السلام كان يحب الخيل فشغله استحسانها والنظر إليها لما عرضت عليه عن صلاة النهار حتى توارت الشمس بالحجاب فلحقته الغيرة لله من الخيل إذ استغرقه استحسانها والنظر إليها عن خدمة مولاه وحقه فقال ردوها علي فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف غيرة لله قال الغيرة سقوط الاحتمال ضنا والضيق عن الصبر نفاسة أي عجز الغيور عن احتمال ما يشغله عن محبوبه ويحجبه عنه ضنا به أي بخلا به أن يعتاض عنه بغيره وهذا البخل هو محض الكرم عند المحبين الصادقين وأما الضيق عن الصبر نفاسة فهو أن يضيق ذرعه بالصبر عن محبوبه وهذا هو الصبر الذي لا يذم من أنواع الصبر سواه أو ما كان من وسيلته والحامل له على هذا الضيق مغالاته بمحبوبه وهي النفاسة فإنه لمنافسته ورغبته لا يسامح نفسه بالصبر عنه والمنافسة هي كمال الرغبة في الشيء ومنع الغير منه إن لم يمدح فيه المشاركة والمسابقة إليه إن محدت فيه المشاركة قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وبين المنافسة والغبطة جمع وفرق وبينهما وبين الحسد أيضا جمع وفرق فالمنافسة تتضمن مسابقة واجتهادا وحرصا والحسد يدل على مهانة الحاسد وعجزه وإلا فنافس من حسدته فذلك أنفع لك من حسده كما قيل إذا أعجبتك خلال امرىء فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على الجود والمكرما ت إذا جئتها حاجب يحجبك والغبطة تتضمن نوع تعجب وفرح للمغبوط واستحسان لحاله فصل قال وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى غيرة العابد على ضائع يستر ضياعه ويستدرك فواته ويتدارك قواه العابد هو العامل بمقتضى العلم النافع للعمل الصالح فغيرته على ما ضاع عليه من عمل صالح فهو يسترد ضياعه بأمثاله ويجبر ما فاته من الأوراد والنوافل وأنواع القرب بفعل أمثالها من جنسها وغير جنسها فيقضى ما ينفع فيه القضاء ويعوض ما يقبل العوض ويجبر ما يمكن جبره وقوله ويستدرك فواته الفرق بين استرداد ضائعه واستدراك فائته أن الأول يمكن أن يسترد بعينه كما إذا فاته الحج في عام تمكن منه فأضاعه في ذلك العام استدركه في العام المقبل وكذلك إذا أخر الزكاة عن وقت وجوبها استدركها بعد تأخيرها ونحو ذلك

Bölüm V03/P047–V03/P050

وأما الفائت فإنما يستدرك بنظيره كقضاء الواجب المؤقت إذا فات وقته أو يكون مراده باسترداد الضائع واستدراك الفائت نوعي التفريط في الأمر والنهي فيسترد ضائع هذا بقضائه وفعل أمثاله ويستدرك فائت هذا أي سالفه بالتوبة والندم وأما تدارك قواه فهو أن يتدارك قوته ببذلها في الطاعة قبل أن تتبدل بالضعف فهو يغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله ويتدارك قوى العمل الذي لحقه الفتور عنه بأن يكسوه قوة ونشاطا غيرة له وعليه فهذه غيرة العباد على الأعمال والله أعلم فصل قال الدرجة الثانية غيرة المريد وهي غيرة على وقت فات وهي غيرة قاتلة فإن الوقت وحي التقضي أبي الجانب بطي الرجوع والمريدون هم أرباب الأحوال والعباد أرباب الأوراد والعبادات وكل مريد عابد وكل عابد مريد لكن القوم خصوا أهل المحبة وأذواق حقائق الإيمان باسم المريد وخصوا أصحاب العمل المجرد باسم العابد وكل مريد لا يكون عابدا فزنديق وكل عابد لا يكون مريدا فمراء والوقت عند العابد هو وقت العبادة والأوراد وعند المريد هو وقت الإقبال على الله والجمعية عليه والعكوف عليه بالقلب كله والوقت أعز شيء عليه يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك فإذا فاته الوقت لا يمكنه استدراكه البتة لأن الوقت الثاني فقد استحق واجبه الخاص فإذا فاته وقت فلا سبيل له إلى تداركه كما في المسند مرفوعا من أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه وقوله وهي غيرة قاتلة يعني مضرة ضررا شديدا بينا يشبه القتل لأن حسرة الفوت قاتلة ولا سيما إذا علم المتحسر أنه لا سبيل له إلى الاستدراك وأيضا فالغيرة على التفويت تفويت آخر كما يقال الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر ولذلك يقال الوقت سيف إن لم تقطعه وإلا قطعك ثم بين الشيخ السبب في كون هذه الغيرة قاتلة فقال فإن الوقت وحي التقضي أي سريع الانقضاء كما تقول العرب الوحا الوحا العجل العجل والوحي الإعلام في خفاء وسرعة ويقال جاء فلان وحيا أي مجيئا سريعا فالوقت منقض بذاته منصرم بنفسه فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته وعظم فواته واشتدت حسراته فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع وطلب تناول الفائت وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ومنع مما يحبه ويرتضيه وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه وحيل بينه وبين ما يشتهيه فيا حسرات ما إلى رد مثلها سبيل ولو ردت لهان التحسر هي الشهوات اللاء كانت تحولت إلى حسرات حين عز التصبر فلو انها ردت بصبر وقوة تحولن لذات وذو اللب يبصر ويقال إن أصعب الأحوال المنقطعة انقطاع الأنفاس فإن أربابها إذا صعد النفس الواحد صعدوه إلى نحو محبوبهم صاعدا إليه متلبسا بمحبته والشوق إليه فإذا أرادوا دفعه لم يدفعوه حتى يتبعوه نفسا آخر مثله فكل أنفاسهم بالله وإلى الله متلبسة بمحبته والشوق إليه والأنس به فلا يفوتهم نفس من أنفاسهم مع الله إلا إذا غلبهم النوم وكثير منهم يرى في نومه أنه كذلك لالتباس روحه وقلبه فيحفظ عليه أوقات نومه ويقظته ولا تستنكر هذه الحال فإن المحبة إذا غلبت على القلب وملكته أوجبت له ذلك لا محالة والمقصود أن الواردات سريعة الزوال تمر أسرع من السحاب وينقضي الوقت بما فيه فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك فإنه عائد عليك لا محالة لهذا يقال للسعداء كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ويقال للأشقياء ذلك بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون فصل قال الدرجة الثالثة غيرة العارف على عين غطاها غين وسر غشيه رين ونفس علق برجاء أو التفت إلى عطاء أي يغار على بصيرة غطاها ستر أو حجاب فإن الغين بمنزلة الغطاء والحجاب وهو غطاء رقيق جدا وفوقه الغيم وهو لعموم المؤمنين وفوقه الرين والران وهو للكفار وقوله وسر غشيه رين أي حجاب أغلظ من الغيم الأول

Bölüm V03/P050–V03/P053

والسر ههنا إما اللطفية المدركة من الروح وإما الحال التي بين العبد وبين الله عز وجل فإذا غشيه رين النفس والطبيعة استغاث صاحبه كما يستغيث المعذب في عذابه غيرة على سره من ذلك الرين وقوله ونفس علق برجاء والتفت إلى عطاء يعني أن صاحب النفس يغار على نفسه إذا تعلق برجاء من ثواب منفصل ولم يتعلق بإرادة الله ومحبته فإن بين النفسين كما بين متعلقهما وكذلك قوله أو التفت إلى عطاء يعني أنه يلتفت إلى عطاء من دون الله فيرضى به ولا ينبغي أن يتعلق إلا بالله ولا يلتفت إلا إلى المعطي الغني الحميد وهو الله وحده والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الشوق قال الله تعالى من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت قيل هذا تعزية للمشتاقين وتسلية لهم أي انا أعلم أن من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إلي فقد أجلت له أجلا يكون عن قريب فإنه آت لا محالة وكل آت قريب وفيه لطيفة أخرى وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء لولا التعلل بالرجاء لقطعت نفس المحب صبابة وتشوقا ولقد يكاد يذوب منه قلبه مما يقاسي حسرة وتحرقا حتى إذا روح الرجاء أصابه سكن الحريق إذا تعلل باللقا وقد كان النبي يقول في دعائه أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك قال بعضهم كان النبي دائم الشوق إلى لقاء الله لم يسكن شوقه إلى لقائه قط ولكن الشوق مائة جزء تسعة وتسعون له وجزء مقسوم على الأمة فأراد أن يكون ذلك الجزء مضافا إلى ماله من الشوق الذي يختص به والله سبحانه وتعالى أعلم فصل والشوق أثر من آثار المحبة وحكم من أحكامها فإنه سفر القلب إلى المحبوب في كل حال وقيل هو اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب وقيل هو احتراق الأحشاء ومنها يتهيج ويتولد ويلهب القلوب ويقطع الأكباد والمحبة أعلى منه لأن الشوق عنها يتولد وعلى قدرها يقوى ويضعف قال يحيى بن معاذ علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات وقال أبو عثمان علامته حب الموت مع الراحة والعافية كحال يوسف لما ألقي في الجب لم يقل توفني ولما أدخل السجن لم يقل توفني ولما تم له الأمر والأمن والنعمة قال توفني مسلما قال ابن خفيف الشوق ارتياح القلوب بالوجد ومحبة اللقاء بالقرب وقيل هو لهب ينشأ بين أثناء الحشى يسنح عن الفرقة فإذا وقع اللقاء طفىء قلت هذه مسألة نزاع بين المحبين وهي أن الشوق هل يزول باللقاء أم لا ولا يختلفون أن المحبة لا تزول باللقاء فمنهم من قال يزول باللقاء لأن الشوق هو سفر القلب إلى محبوبه فإذا قدم عليه ووصل إليه صار مكان الشوق قرة عينه به وهذه القرة تجامع المحبة ولا تنافيها قال هؤلاء وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب لم يطرقه الشوق وقيل لبعضهم هل تشتاق إليه فقال لا إنما الشوق إلى غائب وهو حاضر وقالت طائفة بل يزيد الشوق بالقرب والوصول ولا يزول لأنه كان قبل الوصول على الخبر والعلم وبعده قد صار على العيان والشهود ولهذا قيل وأبرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت الخيام من الخيام قال الجنيد سمعت السري يقول الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق فيه وإذا تحقق في الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه وعلى هذا فأهل الجنة دائما في شوق إلى الله مع قربهم منه ورؤيتهم له قالوا ومن الدليل على أن الشوق يكون حال اللقاء أعظم أنا نرى المحب يبكي عند لقاء محبوبه وذلك البكاء إنما هو من شدة شوقه إليه ووجده به ولذلك يجد عند لقائه نوعا من الشوق لم يجده في حال غيبته عنه فصل النزاع في هذه المسألة أن الشوق يراد به حركة القلب واهتياجه للقاء المحبوب فهذا يزول باللقاء ولكن يعقبه شوق آخر أعظم منه تثيره حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب فهذا يزيد باللقاء والقرب ولا يزول والعبارة عن هذا وجوده والإشارة إليه حصوله وبعضهم سمى النوع الأول شوقا والثاني اشتياقا

Bölüm V03/P053–V03/P055

قال القشيري سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يفرق بين الشوق والاشتياق ويقول الشوق يسكن باللقاء والاشتياق لا يزول باللقاء قال وفي معناه أنشدوا ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته حتى يعود إليه الطرف مشتاقا وقال النصراباذي للخلق كلهم مقام الشوق وليس لهم مقام الاشتياق ومن دخل في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له فيه أثر ولا قرار قال الدقاق في قول موسى وعجلت إليك رب لترضى قال معناه شوقا إليك فستره بلفظ الرضى وقيل إن أهل الشوق إلى لقاء الله يتحسون حلاوة القرب عند وروده لما قد كشف لهم من روح الوصول أحلى من الشهد فهم في سكراته في أعظم لذة وحلاوة وقيل من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء كما قال بعضهم أنا أدخل في الشوق والأشياء تشتاق إلي وأتأخر عن جميعها وفي مثل هذا قيل إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت عن الماء فاشتاقت إليها المناهل وكانت عجوز مغيبة فقدم غائبها من السفر ففرح به أهله وأقاربه وقعدت هي تبكي فقيل لها ما يبكيك فقال ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله عز وجل يامن شكا شوقه من طول فرقته اصبر لعلك تلقى من تحب غدا وقيل خرج داود عليه السلام يوما إلى الصحراء منفردا فأوحى الله تعالى إليه مالي أراك منفردا فقال إلهي استأثر شوقي إلى لقائك على قلبي فحال بيني وبين صحبة الخلق فقال ارجع إليهم فإنك إن أتيتني بعبد آبق أثبتك في اللوح المحفوظ جهبذا فصل قال صاحب المنازل رحمه الله الشوق هبوب القلب إلى غائب وفي مذهب هذه الطائفة علة الشوق عظيمة فإن الشوق إنما يكون إلى الغائب ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة ولهذه العلة لم ينطق القرآن باسمه قلت هو صدر الباب بقوله تعالى من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت فكأنه جعل الرجاء شوقا بلسان الاعتبار لا بلسان التفسير أو أن دلالة الرجاء على الشوق باللزوم لا بالتضمن ولا بالمطابقة قوله هبوب القلب إلى غائب يعني سفره إليه وهويه إليه وأما العلة التي ذكرها في الشوق فقد تقدم أن من الناس من جعل الشوق في حال اللقاء أكمل منه في حال المغيب فعلى قول هؤلاء لا علة فيه وأما من جعله سفر القلب إلى المحبوب في حال غيبته عنه فعلى قوله يجيء كلام المصنف ووجهه مفهوم وقوله فإن مذهب هذه الطائفة الذي هو الفناء يريد أن الفناء إنما قام على المشاهدة فإن بدايته كما قرره هو المحبة التي في نهاية مقامات المريدين والفناء إنما يكون مع المشاهدة ومع المشاهدة لا عمل للشوق فيقال هذا باطل من وجوه أحدها أن المشاهدة لا تزيل الشوق بل تزيده كما تقدم الثاني أنه لا مشاهدة أكمل من مشاهدة أهل الجنة وهم إلى يوم المزيد وهو يوم الجمعة أشوق شيء كما في الحديث وكذلك هم أشوق شيء إلى رؤية ربهم وسماع كلامه تعالى وهم في الجنة فإن هذا إنما يحصل لهم في حال دون حال كما في حديث ابن عمر المسند وغيره إن أعلى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى وجه ربه كل يوم مرتين ومعلوم قطعا أن شوق هذا إلى الرؤية قبل حصولها أعظم شوق يقدر وحصول المشاهدة لأهل الجنة أتم منها لأهل الدنيا الثالث أنه لا سبيل في الدنيا إلى مشاهدة تزيل الشوق البتة ومن ادعى هذا فقد كذب وافترى فإنه لم يحصل هذا لموسى بن عمران كليم الرحمن عز وجل فضلا عمن دونه فما هذه المشاهدة التي مبنى مذهب هذه الطائفة عليها بحيث لا يكون معها شوق أهي كمال المشاهدة عيانا وجهرة سبحانك هذا بهتان عظيم

Bölüm V03/P055–V03/P058

أم نوع من مشاهدة القلب لمعروفه مع اقترانها بالحجب الكثيرة التي لا يحصيها إلا الله فهل تمنع هذه المشاهدة الشوق إلى كمالها وتمامها وهل الأمر إلا بالعكس في العقل والفطرة والحقيقة لأن من شاهد محبوبه من بعض الوجوه كان شوقه إلى كمال مشاهدته أشد وأعظم وتكون تلك المشاهدة الجزئية سببا لاشتياقه إلى كمالها وتمامها فأين العلة في الشوق وأين المشاهدة المانعة من الشوق وهذا بحمد الله ظاهر ومن نازع فيه كان مكابرا والله أعلم فصل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى شوق العابد إلى الجنة ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل يعني شوق العابد إلى الجنة فيه هذه الحكم الثلاث أحدها حصول الأمن الباعث على الأمل فإن الخوف المجرد عن الأمن من كل وجه لا ينبعث صاحبه لعمل البتة إن لم يقارنه أمل فإن تجرد عنه قطع وصار قنوطا الثاني فرح الحزين فإن الحزن المجرد أيضا إن لم يقترن به الفرح قتل صاحبه فلولا روح الفرح لتعطلت قوى الحزين وقعد حزنه به ولكن إذا قعد به الحزن قام به روح الفرح الثالث روح الظفر فإن الآمل إن لم يصحبه روح الظفر مات أمله والله أعلم فصل قال الدرجة الثانية شوق إلى الله عز وجل زرعه الحب الذي ينبت على حافات المنن فعلق قلبه بصفاته المقدسة فاشتاق إلى معاينة لطائف كرمه وآيات بره وأعلام فضله وهذا شوق تغشاه المبار وتخالجه المسار ويقاومه الاصطبار الشوق إلى الله لا ينافي الشوق إلى الجنة فإن أطيب ما في الجنة قربه تعالى ورؤيته وسماع كلامه ورضاه نعم الشوق إلى مجرد الأكل والشرب والحور العين في الجنة ناقص جدا بالنسبة إلى شوق المحبين إلى الله تعالى بل لا نسبة له إليه البتة وهذا الشوق درجتان إحداهما شوق زرعه الحب الذي سببه الإحسان والمنة وهو الذي قال فيه ينبت على حافات المنن فسببه مطالعة منة الله وإحسانه ونعمه وقد تقدم بيان ذلك في منزلة المحبة وتبين أن محبة الأسماء والصفات أكمل وأقوى من محبة الإحسان والآلاء وفي قوله تنبت على حافات المنن أي جوانبه إشارة إلى عدم تمكنها وقوتها وأنها من نبات الحافات التي هي جوانب المنن لا من نبات الأسماء والصفات وقوله فعلق قلبه بصفاته المقدسة يعني الصفات المختصة بالمنن والإحسان كالبر والمنان والمحسن والجواد والمعطي والغفور ونحوها وقوله المقدسة يعني المطهرة المنزهة عن تأويل المحرفين وتشبيه الممثلين وتعطل المعطلين وإنما قلنا إن مراده هذه الصفات الخاصة لوجهين أحدهما أن تعلق القلب بالصفات العامة إنما يكون في الدرجة الثالثة الثاني أنه جعل ثمرة هذا التعلق شوق العبد إلى معاينة لطائف كرم الرب ومننه وإحسانه وآيات بره وهي علامات بره بالعبد وإحسانه إليه وكذلك أعلام فضله وهو ما يفضل عليه به ويفضله به على غيره قوله وهذا شوق تغشاه المبار يعني أنه شوق معلول ليس خالصا لذات المحبوب بل لما ينال منه من المبار فقد غشيته أي أدركته المبار قوله وتخالجه المسار أي تجاذبه فإن المخالجة هي المجاذبة فإذا خالط هذا الشوق الفرح كان ممزوجا بنوع من الحظ وقوله ويقاومه الاصطبار أي أن صاحبه يقوى على الصبر فيقاوم صبره شوقه ولا يغلبه بخلاف الشوق في الدرجة الثالثة فصل قال الدرجة الثالثة نار أضرمها صفو المحبة فنغصت العيش وسلبت السلوة ولم ينهنهها معزى دون اللقاء يريد أن الشوق في هذه المرتبة شبيه بالنار التي أضرمها صفو المحبة وهو خالصها وشبهه بالنار لالتهابه في الأحشاء وفي قوله صفو المحبة إشارة إلى أنها محبة لم تكن لأجل المنة والنعم ولكن محبة متعلقة بالذات والصفات قوله فنغصت العيش أي منعت صاحبها السكون إلى لذيذ العيش والتنغيص قريب من التكدير قوله وسلبت السلوة أي نهبت السلو وأخذته قهرا والسلوة هي الخلاص من كرب المحبة وإلقاء حملها عن الظهر والإعراض عن المحبوب تناسيا وقوله لم ينهنهها معزى دون اللقاء أي لم يكفها ويردها قرار دون لقاء المحبوب وهذه لا يقاومها الاصطبار لأنه لا يكفها دون لقاء من يحب قرار فصل وقد يقوى هذا الشوق ويتجرد عن الصبر فيسمى قلقا وبذلك سماه

Bölüm V03/P058–V03/P061

صاحب المنازل واستشهد عليه بقوله تعالى حاكيا عن كليمه موسى عليه السلام وعجلت إليك ربي لترضى فكأنه فهم أن عجلته إنما حمله عليها القلق وهو تجريد الشوق للقائه وميعاده وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربه وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره ثم حده صاحب المنازل بأنه تجريد الشوق بإسقاط الصبر أي تخلصه من كل شائبة بحيث يسقط معه الصبر فإن قارنه اصطبار فهو شوق ثم قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى قلق يضيق الخلق ويبغض الخلق ويلذذ الموت يعني يضيق خلق صاحبه عن احتمال الأغيار فلا يبقى فيه اتساع لحملهم فضلا عن تقييدهم له وتعوقه بأنفاسهم ويبغض الخلق يعني لا شيء أبغض إلى صاحبه من اجتماعه بالخلق لما في ذلك من التنافر بين حاله وبين خلطتهم وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال كان في بداية أمره يخرج أحيانا إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه فتبعته يوما فلما أصحر تنفس الصعداء ثم جعل يتمثل بقول الشاعر وهو لمجنون ليلى من قصيدته الطويلة وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا وصاحب هذه الحال إن لم يرده الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوة وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم قوله ويلذذ الموت فإن صاحبه يرجو فيه لقاء محبوبه فإذا ذكر الموت التذ به كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه فصل قال الدرجة الثانية قلق يغالب العقل ويخلي السمع ويطاول الطاقة أي يكاد يقهر العقل ويغلبه فهو والعقل تارة وتارة ولكن لما لم يصل إلى درجة الشهود لم يصطلمه فإن العقل لا يصطلمه إلا الشهود ولذلك قال يغالب ولم يقل يغلب وأما إخلاؤه السمع فهو يتضمن إخاءه من شيء وإخلاءه لشيء فيخليه من استماعه ذكر الغير ويخليه لاستماعه أوصاف المحبوب وذكره وحديثه وقد يقوى إلى أن يبعد بين قلب صاحبه وبين إدراك الحواس لانقهار الحس لسلطان القلق قوله ويطاول الطاقة يعني يصابرها ويقاومها فلا تقدر طاقة الاصطبار على دفعه ورده والله أعلم فصل قال الدرجة الثالثة قلق لا يرحم أبدا ولا يقبل أمدا ولا يبقى أحدا يريد أن هذا القلق له القهر والغلبة لأنه ربما كان عن شهود فإذا علق بالقلب لم يبق عليه حتى يلقيه في فناء الشهود ولا يقبل أمدا أي لا يقبل حدا ومقدارا يقف عنده وينقضي به كما ينقضي ذو الأمد فإنه حاكم غير محكوم عليه مالك للقلب غير مملوك له ولا يبقى أحدا أي يلقى صاحبه في الشهود الذي تفنى فيه الرسوم وتضمحل فلا يبقى معه على أحد رسمه حتى يفنيه والله أعلم فصل ثم يقوى هذا القلق ويتزايد حتى يورث القلب حالة شبيهة بشدة ظمأ الصادي الحران إلى الماء وهذه الحالة هي التي يسميها صاحب المنازل العطش واستشهد عليه بقوله تعالى عن الخليل فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي كأنه أخذ من إشارة الآية أنه لشدة عطشه إلى لقاء محبوبه لما رأى الكوكب قال هذا ربي فإن العطشان إذا رأى السراب ذكر به الماء فاشتد عطشه إليه وهذا ليس معنى الآية قطعا وإنما القوم مولعون بالإشارات وإلا فالآية قد قيل إنها على تقدير الاستفهام أي أهذا ربي وليس بشيء وقيل إنها على وجه إقامة الحجة على قومه فتصور بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصا آفلا فإن المعبود الحق لا يجوز أن يغيب عن عابديه وخلقه ويأفل عنهم فإن ذلك مناف لربوبيته لهم أو أنه انتقل من مراتب الاستدلال على المعبود حتى أوصله الدليل إلى الذي فطر السماوات والأرض فوجه إليه وجهه حنيفا موحدا مقبلا عليه معرضا عما سواه والله سبحانه أعلم فصل قال العطش كناية عن غلبة ولوع بمأمول الولوع بالشيء هو

Bölüm V03/P061–V03/P063

التعلق به بصفة المحبة مع أمل الوصول إليه وقيل في حد الولوع إنه كثرة ترداد القلب إلى الشيء المحبوب كما يقال فلان مولع بكذا وقد أولع به وقيل هو لزوم القلب للشيء فكأنه مثل أغرى به فهو مغرى قال وهو على ثلاث درجات الأولى عطش المريد إلى شاهد يرويه أو إشارة تشفيه أو عطفة تؤويه ولما كان المريد من أهل طلب الشواهد على الاعتبار ومثير العزمات وتعلق العباد بالأعمال وقوله شاهد يرويه يحتمل أنه من الرواية أي يرويه عمن أقامه له فيكون ذلك إشارة إلى شواهد العلم فهو شديد العطش إلى شواهد يرويها عن الصادقين من أهل السلوك يزداد بها تثبيتا وقوة بصيرة فإن المريد إذا تجددت له حالة أو حصل له وارد استوحش من تفرده بها فإذا قام عنده بمثلها شاهد حال لمريد آخر صادق قد سبقه إليها استأنس بها أعظم استئناس واستدل بشاهد ذلك المريد على صحة شاهده فلذلك يشتد عطشه إلى شاهد يرويه عن الصادقين ويحتمل أنه من الري فيكون مضموم الياء يعني إذا حصل له الري بذلك الشاهد ونزل على قلبه منزلة الماء البارد من الظمآن فقرر عنده صحته وأنه شاهد حق ويرجح هذا ذكر الري مع العطش ويرجح الأول ذكره لفظة الري في قوله أو عطفة ترويه والأمر قريب قوله أو إشارة تشفيه أي تشفي قلبه من علة عارضة فإذا وردت عليه الإشارة إما من صادق مثله أو من عالم أو من شيخ مسلك أو من آية فهمها أو عبرة ظفر بها اشتفى بها قلبه وهذا معلوم عند من له ذوق قوله أو إلى عطفة ترويه أي عطفة من جانب محبوبه عليه تروي لهيب عطشه وتبرده ولا شيء أروى لقلب المحب من عطف محبوبه عليه ولا شيء أشد للهيبه وحريقه من إعراض محبوبه عنه ولهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم أشد عليهم مما هم فيه من العذاب الجسماني كما أن نعيم أهل الجنة برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله أعظم من نعيمهم الجسماني فصل قال الدرجة الثانية عطش السالك إلى أجل يطويه ويوم يريه ما يغنيه ومنزل يستريح فيه إما أن يريد بالأجل الذي يطويه انقضاء مدة سجن القلب والروح في البدن حتى تصل إلى ربها وتلقاه وهذا هو الظاهر من كلامه وأما أن يريد به عطشه إلى مقصود السلوك من وصوله إلى محبوبه وقرة عينه وجمعيته عليه فهو يطوي مراحل سيره حثيثا ليصل إلى هذا المقصود وحينئذ يعود إليه سير آخر وراء هذا السير مع عدم مفارقته له فإنه إنما وصل به إليه فلو فارقه لانقطع انقطاعا كليا ولكن يبقى له سير وهو مستلق على ظهره يسبق به السعاة ويرجح هذا المعنى الثاني أن المريد الصادق لا يحب الخروج من الدنيا حتى يقضى نحبه لعلمه أنه لا سبيل إلى انقضائه في غير هذه الدار فإذا علم أنه قد قضى نحبه أحب حينئذ الخروج منها ولكن لا يقضي نحبه حتى يوفى ما عليه والناس ثلاثة موف قد قضى نحبه ومنتظر للوفاء ساع فيه حريص عليه ومفرط في وفاء ما عليه من الحقوق والله المستعان قوله ويوم يريه ما يغنيه أي يوم يرى فيه ما يغني قلبه ويسد فاقته من قرة عينه بمطلوبه ومراده قوله ومنزل يستريح فيه أي منزل من منازل السير ومقام من مقامات الصادقين يستريح فيه قلبه ويسكن فيه ويخلص من تلون الأحوال عليه فإن المقامات منازل والأحوال مراحل فصاحب الحال شديد العطش إلى مقام يستقر فيه وينزله فصل قال الدرجة الثالثة عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب علة ولا يغطيها حجاب تفرقة ولا يعرج دونها على انتظار عطش المحب فوق عطش المريد والسالك وإن كان كل محب سالكا وكل مريد سالكا وكل سالك ومريد محب لكن خص المحب بهذا الاسم لتمكنه من المحبة ورسوخ قلبه فيها والمريد والسالك يشمران إلى علمه الذي رفع له ووصل إليه ولذلك جعل الأولى لأهل البدايات والثانية للمتوسطين والثالثة لأهل النهايات وقوله عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب

Bölüm V03/P063–V03/P066

يريد بالجلوة استجلاء القلب لصفات المحبوب ومحاسنه وانكشافها له وقوله ما دونها سحاب أي لا يسترها شيء من سحب النفس وهي سحب العلل التي هي بقايا في العبد تحول بينه وبين استجلائه صفات محبوبه وتعوقه عنه فمهما بقي في العبد بقية من نفسه فهي سحاب وغيم ساتر على قدره فكثيف ورقيق وبين بين قوله ولا يغطيها حجاب الحجاب في لسان الطائفة النفس وصفاتها وأحكامها وهم مجمعون على أن النفس من أعظم الحجب بل هي الحجاب الأكبر فإن حجاب الرب سبحانه عن ذاته هو النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وحجابه من عبده هو نفسه وظلمته فلو كشف عنه هذا الحجاب لوصل إلى ربه والوصول عند القوم عبارة عن ارتفاع هذا الحجاب وزواله فالحجاب الذي يشتد على المحب ويشتد عطشه إلى زواله هو حجاب الظلمة والنفس وهو الحجاب الذي بينه وبين الله وأما الحجاب الذي بين الله وبين خلقه وهو حجاب النور فلا سبيل إلى كشفه في هذا العالم البتة ولا يطمع في ذلك بشر ولم يكلم الله بشرا إلا من وراء حجاب وهذا الحجاب كاشف للعبد موصل له إلى مقام الإحسان الذي يعبر عنه القوم بمقام المشاهدة والأول ساتر للعبد قاطع له حائل بينه وبين الإحسان وحقيقة الإيمان والتفرقة كلها عندهم حجب إلا تفرقة في الله وبالله ولله فإنها لا تحجب العبد عنه بل توصله إليه فلذلك قال ولا يغطيها حجاب تفرقة فإن التفرقة إنما تكون حجابا إذا كانت بالنفس ولها قوله ولا يعرج دونها على انتظار يعني لا يعرج المشاهد لم يشاهده على انتظار أمر آخر وراءها كما يعرج المحب المحجوب على انتظار زوال حجابه والمراد أنه حصل له مشهد تام لا يبقى له بعده ما ينتظره وهذا عندي وهم بين فإنه لا غاية لجمال المحبوب وكمال صفاته بحيث يصل المشاهد لها إلى حالة لا ينتظر معها شيئا آخر هذا وسنبين إن شاء الله تعالى أنه لا يصح لأحد في الدنيا مقام المشاهدة أبدا وأن هذا من أوهام القوم وترهاتهم وإنما غاية ما يصل إليه العبد الشواهد ولا سبيل لأحد قط في الدنيا إلى مشاهدة الحق سبحانه وإنما وصوله إلى شواهد الحق ومن زعم غير هذا فلغلبة الوهم عليه وحسن ظنه بترهات القوم وخيالاتهم ولله در الشبلي حيث سئل عن المشاهدة فقال من أين لنا مشاهدة الحق لنا شاهد الحق هذا وهو صاحب الشطحات المعروفة وهذا من أحسن كلامه وأبينه 3 وأراد بشاهد الحق ما يغلب على القلوب الصادقة العارفة الصافية من ذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وتوقيره بحيث يكون ذلك حاضرا فيها مشهودا لها غير غائب عنها ومن أشار إلى غير ذلك فمغرور مخدوع وغايته أن يكون في خفارة صدقة وضعف تمييزه وعلمه ولا ريب أن القلوب تشاهد أنوارا بحسب استعدادها تقوى تارة وتضعف أخرى ولكن تلك أنوار الأعمال وإلإيمان والمعارف وصفاء البواطن والأسرار لا أنها أنوار الذات المقدسة فإن الجبل لم يثبت لليسير من ذلك النور حتى تدكدك وخر الكليم صعقا مع عدم تجليه له فما الظن بغيره فإياك ثم إياك وترهات القوم وخيالاتهم وأوهامهم فإنها عند العارفين أعظم من حجاب النفس وأحكامها فإن المحجوب بنفسه معترف بأنه في ذلك الحجاب وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى أن الحقيقة قد تجلت له أنوارها ولم يحصل ذلك لموسى بن عمران كليم الرحمن فحجاب هؤلاء أغلظ بلا شك من حجاب اولئك ولا يقر لنا بهذا إلا عارف قد أشرق في باطنه نور السنة المحمدية فرأى ما الناس فيه وما أعز ذلك في الدنيا وما أغر به بين الخلق وبالله المستعان فالصادقون في أنوار معارفهم وعباداتهم وأحوالهم ليس إلا وأنوار ذات الرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله وهذا الموضع من مقاطع الطريق ولله كم زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وحارت فيه أوهام ونجا منه صادق البصيرة تام المعرفة علمه متصل بمشكاة النبوة وبالله التوفيق فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الوجد ثبت

Bölüm V03/P066–V03/P069

في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي أنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار / ح / وقد استشهد صاحب المنازل بقوله تعالى في أهل الكهف وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا وهذا من أحسن الاستدلال والاستشهاد فإن هؤلاء كانوا بين قومهم الكفار في خدمة ملكهم الكافر فما هو إلا أن وجدوا حقيقة الإيمان والتوفيق وذاقوا حلاوته وباشر قلوبهم فقاموا من بين قومهم وقالوا ربنا رب السموات والأرض الآية والربط على قلوبهم يتضمن الشد عليها بالصبر والتثبيت وتقويتها وتأييدها بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم ومفارقة ما كانوا فيه من خفض العيش وفروا بدينهم إلى الكهف والربط على القلب عكس الخذلان فالخذلان حله من رباط التوفيق فيغفل عن ذكر ربه ويتبع هواه ويصير أمره فرطا والربط على القلب شده برباط التوفيق فيتصل بذكر ربه ويتبع مرضاته ويجتمع عليه شمله فلهذا استشهد عليه بهذه الآية في مقام الوجد والشيخ جعل مقام الوجد غير مقام الوجود كما سيأتي إن شاء الله تعالى فإن الوجود عند القوم هو الظفر بحقيقة الشيء والوجد هو ما يصادف القلب ويرد عليه من واردات المحبة والشوق والإجلال والتعظيم وتوابع ذلك والمواجيد عندهم فوق الوجد فإن الوجد مصادفة والمواجيد ثمرات الأوراد وكلما كثرت الأوراد قويت المواجيد والوجود عندهم فوق ذلك وهو الظفر بحقيقة المطلوب ولا يكون إلا بعد خمود البشرية وانسلاخ أحكام النفس انسلاخا كليا قال الجنيد علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه ولا يريد بالمباينة المخالفة والمناقضة فإنه يطابقه مطابقة العلم للمعلوم 3 وإنما يريد بالمباينة أن حال الموحد وذوقه للتوحيد وانصباغ قلبه بحاله أمر وراء علمه به ومعرفته به والمباينة بينهما كالمباينة بين علم الشوق والتوكل والخوف ونحوها وبين حقائقها ومواجيدها فالمراتب أربعة أضعفها التواجد وهو نوع تكلف وتعمل واستدعاء واختلفوا فيه هل يسلم لصاحبه أم لا على قولين فطائفه قالت لا يسلم لصاحبه وينكر عليه لما فيه من التكلف والتصنع المباين لطريق الصادقين وبناء هذا الأمر على الصدق المحض وطائفة قالت يسلم لصاحبه إذا كان قصده استدعاء الحقيقة لا التشبه بأهلها واحتجوا بقول عمر رضي الله عنه وقد رأى رسول الله وأبا بكر يبكيان في شأن اسارى بدر وما قبلوا منهم من الفداء أخبراني ما يبكيكما فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت ورووا أثرا أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا قالوا والتكلف والتعمل في أوائل السير والسلوك لا بد منه إذ لا يطالب صاحبه بما يطالب به صاحب الحال ومن تأمله بنية حصول الحقيقة لمن رصد الوجد لا يذم والتواجد يكون بما يتكلفه العبد من حركات ظاهرة والمواجيد لمن يتأوله من أحكام باطنة المرتبة الثانية المواجيد وهي نتائج الأوراد وثمراتها المرتبة الثالثة الوجد وهو ثمرة أعمال القلوب من الحب في الله والبغض فيه كما جعله النبي ثمرة كون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما وثمرة الحب فيه وكراهة عوده في الكفر كما يكره أن يقذف في النار فهذا الوجد ثمرة هذه الأعمال القلبية التي هي الحب في الله والبغض في الله المرتبة الرابعة الوجود وهي أعلى ذروة مقام الإحسان فمن مقام الإحسان يرقى إليه فإنه إذا غلب على قلبه مشاهدة معبوده حتى كأنه يراه وتمكن في ذلك صار له ملكة أخمدت أحكام نفسه وتبدل بها أحكاما أخر وطبيعة ثانية حتى كأنه أنشىء نشأة أخرى غير نشأته الأولى وولد ولادا جديدا ومما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه قال يا بني إسرائيل لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك ويفسره بأن الولادة نوعان أحدهما هذه المعروفة والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع

Bölüm V03/P069–V03/P071

قال وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين وقد قرأ أبي بن كعب رضي الله عنه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم قال ومعنى هذه الآية والقراءة في قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع عن ثبوت أبوته قال فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح والوالد أب الجسم ويقال في الحب وجد في الغضب موجدة وفي الظفر وجدان ووجود فصل قال صاحب المنازل الوجد لهب يتأجج من شهود عارض القلق لما كان الوجود أعلى من الوجد جعل سبب الوجد شهودا عارضا وجعل الوجود نفس الظفر بالشيء كما سيأتي وإنما أوجب اللهب لأن صاحبه لما شهد محبوبه أورثه ذلك لهيب القلب إليه ولما لم يظفر به أورثه القلق فلذلك جعله لهيبا مقلقا قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى وجد عارض يستفيق له شاهد السمع أو شاهد البصر أو شاهد الفكر أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق قوله وجد عارض أي متجدد ليس بلازم يستفيق له شاهد السمع أي ينتبه السمع من سنته لوروده عليه وهذا إذا كان المنبه له خطابا من خارج أو من نفسه وأما إفاقة شاهد البصر فلما يراه ويعاينه من آيات الله فينتقل منها إلى ما نصبت آية له وعليه وأما إفاقة شاهد الفكر ففيما يفتح له من المعاني التي أوقعه عليها فكره وتأمله وهذه الشواهد الثلاثة التي دعا الله سبحانه عباده إلى تبينها والاستشهاد بها وقبول الحق الذي تشهد به وترتيب حكم هذه الشهادة عليها من التوحيد والإقرار والإيمان قال الله تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال أفلم يدبروا القول وقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أفقاطها وقال انظروا ماذا في خلق السماوات والأرض وقال أفلم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وقال وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون والقرآن مملوء من هذا فإذا استفاق شاهد السمع والبصر والفكر ووجد القلب حلاوة المعروفة والإيمان خرج من جملة النيام الغافلين قوله أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق يعني أن ذلك الوجد العارض قد يبقى على واجده أثرا من أحكامه بعد مفارقته وقد لا يبقي والظاهر أنه لا بد أن يبقي أثرا لكن قد يخفى وينغمر بما يعقبه بعده ويخلفه من أضداده فصل قال الدرجة الثانية وجد تستفيق له الروح بلمع نور أزلي أو سماع نداء أولى أو جذب حقيقي إن أبقى على صاحبه لباسه وإلا أبقى عليه نوره إنما كان هذا الوجد أعلى من الوجد الأول لأن محل اليقظة فيه هو الروح ومحلها في الأول السمع والبصر والفكر والروح هي الحاملة للسمع والبصر والفكر وهذه الأوصاف من صفاتها وأيضا فلعلو وجد الروح سبب آخر وهو علو متعلقه فإن متعلق وجد السمع والبصير والفكر الآيات والبصائر ومتعلق وجد الروح تعلقها بالمحبوب لذاته ولذلك جعل سببه لمع نور أزلي يعني شهودها لمع نور الحقيقة الأزلي وهذا الشهود لا حظ فيه للسمع ولا للبصر ولا للفكر بل تستنير به الأسماع والأبصار لأن الروح لما استنارت بهذه اليقظة والإفاقة ثم استنارت بنورها الأسماع والأبصار لا سيما وصاحبها في هذه الحال إنما يسمع بالله ويبصر به وإذا كان سمعه وبصره وبطشه بالله فما الظن بحركة روحه وقلبه وأحكامها وقوله أو سماع نداء أولى إن أراد به تعرف الحق تعالى إلى عباده بواسطة الخطاب على ألسنة رسله وهذا هو الخطاب الأزلي فصحيح وإن أراد به خطاب الملك له فليس بخطاب أزلي وإن أراد ما سمعه في نفسه من الخطاب فهو خطاب وهمي وإن ظنه أزليا فإياك والأوهام والغرور

Bölüm V03/P071–V03/P073

ونحن لا ننكر الوجود ولا ندفع الشهود وإنما نتكلم مع القوم في رتبته وإنشائه ومن أين بدأ وإلى أين يعود فلا ننكر واعظ الله في قلب عبده المؤمن الذي يأمره وينهاه ولكن ذلك في قلب كل مؤمن جعله الله واعظا له يأمره وينهاه ويناديه ويحذره ويبشره وينذره وهو الداعي الذي يدعو فوق الصراط والداعي على رأس الصراط كتاب الله كما في المسند والترمذي من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوق الصراط فالصراط المستقيم الإسلام والأبواب المفتحة محارم الله فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن / ح / فما ثم خطاب قط إلا من جهة من هاتين إما خطاب القرآن وإما خطاب هذا الواعظ ولكن لما كانت الروح قد تتجرد ويقوى تعلقها بالحق تعالى بل قد تتلاشى بما سواه وقد يقترن بذلك نوع غيبة من حسه ويقوى داعي هذا الواعظ ويستولي على قلبه وروحه بحيث يمتلىء به فتؤديه الروح إلى الأذن فيخرج عن الأذن إليها إذ هي مبدؤه وإليها يعود فيظنه خطابا خارجا وينضاف إلى ذلك نوع من ضعف العلم ومعرفة المراتب فينشأ الغلط والوهم قوله أو جذب حقيقي يعني أن من أسباب هذا الوجد جذبة حقيقية من جذبات الرب تعالى لعبده استفاقت لها روحه من منامها وحييت بها بعد مماتها واستنارت بها بعد ظلماتها فالوجد خلعة هذه الجذبة قوله إن أبقى على صاحبه لباسه وإلا أبقى عليه نوره يريد بلباسه مقامه يعني إن أبقى عليه تحقق مقامه فيه وإلا أبقى عليه أثره فمقامه يورثه عزا ومهابة وخلافة نبوة ومنشور صديقيه وأثره يورثه حلاوة وسكينة وأنسا في نفسه وأنسا للقلوب به وهوى الأفئدة إليه فصل قال الدرجة الثالثة وجد يخطف العبد من يد الكونين ويمحص معناه من درن الحظ ويسلبه من رق الماء والطين إن سلبه أنساه اسمه وإن لم يسلبه أعاره رسمه فقوله يخطف العبد من يد الكونين أي يغنيه عن شهود ما سوى الله من كوني الدنيا والآخرة فيختطف القلب من شهود هذا وهذا بشهود المكون قوله ويمحص معناه من درن الحظ أي يخلص عبوديته التي هي حقيقته وسره من وسخ حظوظ نفسه وإراداتها المزاحمة لمراد ربه منه فإن تحقيق العبودية التي هي معنى العبد لا يكون إلا بفقد النفس الحاملة للحظوظ فمتى فقدت حظوظها تمحصت عبوديتها وكلما مات منها حظ حيي منها عبودية ومعنى وكلما حيى فيها حظ ماتت عبودية حتى يعود الأمر على نفسين وروحين وقلبين قلب حي وروح حية بموت نفسه وحظوظها وقلب ميت وروح ميتة بحياة نفسه وحظوظه وبين ذلك مراتب متفاوتة في الصحة والمرض وبين بين لا يحصيها إلا الله عز وجل قوله ويسلبه من رق الماء والطين أي يعتقه ويحرره من رق الطبيعة والجسم المركب من الماء والطين إلى رق رب العالمين فخادم الجسم الشقي بخدمته عبدالماء والطين كما قيل يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته فأنت بالروح لا بالجسم إنسان والناس في هذا المقام ثلاثة عبد محض وحر محض ومكاتب قد أدى بعض كتابته وهو يسعى في بقية الأداء فالعبد المحض عبد الماء والطين الذي قد استعبدته نفسه وشهوته وملكته وقهرته فانقاد لها انقياد العبد إلى سيده الحاكم عليه والحر المحض هو الذي قهر شهوته ونفسه وملكها فانقادت معه وذلت له ودخلت تحت رقه وحكمه والمكاتب من قد عقد له سبب الحرية وهو يسعى في كمالها فهو عبد ومن وجه حر من وجه وبالبقية التي بقيت عليه من الأداء يكون عبدا ما بقي عليه درهم فهو عبد ما بقي عليه حظ من حظوظ نفسه فالحر من تخلص من رق الماء والطين وفاز بعبودية رب العالمين فاجتمعت له العبودية والحرية فعبوديته من كمال حريته وحريته من كمال عبوديته

Bölüm V03/P073–V03/P076

قوله إن سلبه أنساه اسمه وإن لم يسلبه أعاره رسمه أي هذا الوجد إن سلب صاحبه بالكلية فأفناه عنه وأخذه منه أنساه اسمه لأن الاسم تبع للحقيقة فإذا سلب الحقيقة نسي اسمها وإن لم يسلبه بالكلية بل أبقى منه رسما فهو معار عنده بصدد الاسترجاع فإن العواري يوشك أن تسترد ويشير بالأول إلى حالة الفناء الكامل وبالثاني إلى حالة الغيبة التي يؤوب منها غائبها والله أعلم فصل وقد تعرض للسالك دهشة في حال سلوكه شبيهة بالبهتة التي تحصل للعبد عند مفاجأة رؤية محبوبه وليست من منازل السلوك خلافا لأبي إسماعيل الأنصاري حيث جعلها من المنازل بل من غارياتها فإن هذه الحالة ليست مذكورة في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السالكين ولا عدها أحد من المتقدمين من المنازل والمقامات ولهذا لم يجد ما يستشهد به عليها سوى حال النسوة مع يوسف عليه السلام لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن فصدر الباب بقوله تعالى فلما رأينه أكبرنه أي أعظمنه فإن كان مقصوده ما حصل لهن من إعظامه وإجلاله فذلك منزلة التعظيم وإن كان مراده ما ترتب على رؤيته لهن من غيبتهن عن أنفسهن وعن أيديهن وما فيها حتى قطعنها فتلك منزلة الفناء وإن كان مقصوده من الدهشة والبهتة التي حصلت لهن عند مفاجأته وهو الذي قصده فذلك أمر عارض من عوارض الطريق عند مفاجأة ما يغلب على صبر الإنسان وعقله ولا ريب أن ذلك عارض من عوارض الطريق ليس بمقام للسالكين ولا منزل مطلوب لهم فعوارض الطريق شيء ومنازلها ومقاماتها شيء فلهذا قال في تعريفه الدهش بهتة تأخذ العبد عند مفاجأة ما يغلب على عقله أو صبره أو علمه يشير إلى الشهود الذي يغلب على عقله والحب الذي يغلب على صبره والحال التي تغلب على علمه قال وهو على ثلاث درجات الأولى دهشة المريد عند صولة الحال على علمه والوجد على طاقته والكشف على همته يعني أن علمه يقتضي شيئا وحاله يصول عليه بخلافه فهذا غايته أن يكون معذورا إن لم يكن مفرطا فإن الحال لا يصول على العلم إلا وأحدهما فاسد إما الصائل أو المصول عليه فإذا اقتضى العلم سكونا فصال عليه الحال بحركته فهي حركة فاسدة غاية صاحبها أن يكون معذورا لا مشكورا وإذا اقتضى العلم حركة فصال الحال عليه بسكونه فهو سكون فاسد مثال الأول اقتضاء العلم للسكون والخشوع عند وارد السماع القرآني وصولة الحال عليه حتى يزعق ويشق ثيابه أو يلقي نفسه لورود ما يدهشه من معاني المسموع على قلبه فيصول حاله على عمله حتى لو كان في صلاة فرض لأبطلها وقطعها ومثال الثاني اقضاء العلم حركة مفرقة في رضى المحبوب فيصول الحال عليها بسكونه وجمعيته حتى يقهرها وهذه من مقاطع القوم وآفاتهم وما نجا منها إلا أهل البصائر منهم العاملون على تجريد العبودية وكثرة صور هذا مغنية عن كثرة الأمثلة فإن أكثرهم يقدم حال الجمعية على ملابسة الأغيار والأعداء في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويصول حال الجمعية عنده على الحركة التي يأمر بها العلم كما صالت حركة الأول على السكون الذي يأمر به العلم قوله والوجد على الطاقة يعني أن وجد المحب ربما غلب صبره وصال على طاقته فصرخ إلى محبوبه واستغاث به حتى يأتي النصر من عنده بل صراخه به واستغاثته به عين نصره إياه حيث حفظ عليه وجده ولم يرده فيه إلى صبر يسلو به ويجفو فيكون ذلك نوع طرد قوله والكشف على همته يعني أن الهمة تستدعي صدق الطلب ودوامه والكشف هو الشهود وهو في مظنة فسخ الهمة وإبطال حكمها لأنها تقتضي الطلب وهو يقتضي الفتور لأن الطلب للغائب عن المطلوب فهمته متعلقة بتحصيله وصاحب الكشف في حضور مع مطلوبه فكشفه صائل على همته كما قال بعضهم إذا برقت بارقة من بوارق الحقيقة لم يبق معها حال ولا همة 3 وهذا أيضا عارض مطلوب الزوال والبقاء معه انقطاع كلي فإن السالك في همة ما دامت روحه في جسده فإذا فارقته الهمة انقطع واستحسر

Bölüm V03/P076–V03/P078

فصل قال في الدرجة الثانية دهشة السالك عند صولة الجمع على رسمه والسبق على وقته والمشاهدة على روحه الجمع عند القوم ما أسقط التفرقة وقطع الإشارة وباين الكائنات ورسم العبد عندهم هو صورته الظاهرة والباطنة فشهود الجمع يقتضي أن يستولي على فناء تلك الرسوم فيه فللجمع صولة على رسم السالك يغشاه عندهم بهتة هي الدهشة المشار إليها وأما صولة السبق على وقته فالسبق هو الأزل وهو سابق على وقت السالك وإنما بالاتصال الأزل على وقته لأن وقته حادث فان فهو يرى فناءه في بقاء الأزل وسبقه فيغلبه شهود السبق ويقهره على شهود وقته فلا يتسع له وأما صولة المشاهدة على روحه فلما كانت المشاهدة تعلق إدراك الروح بشهود الحق تعالى فهي شهود الحق بالحق كما قال تعالى في الحديث القدسي فبي يسمع وبي يبصر اقتضى هذا الشهود صولة على الروح فحيث صار الحكم له دونها انطوى حكم الشاهد في شهوده وقد عرفت ما في ذلك فيما تقدم قال الدرجة الثالثة دهشة المحب عند صولة الاتصال على لطف العطية وصولة نور القرب على نور العطف وصولة شوق العيان على شوق الخبر الاتصال عنده على ثلاثة مراتب اتصال الاعتصام واتصال الشهود واتصال الوجود كما سيأتي الكللام عليه إن شاء الله وبيان ما فيه من حق وباطل يجل عنه جناب الحق تعالى والعطية ههنا هي الواردات التي ترد في لطف وخفاء على قلب العبد من قبل الحق تعالى وهي ألطاف يعامل المحبوب بها محبه توجب قربا خالصا هو المسمى بالاصال فيصول ذلك القرب على لطف العطية فيغيب العبد عنها وعن شهودها وينسيه إياها لما أوجبه له ذلك القرب من الدهش وقد يكون سبب ذلك تواتر أنواع العطايا عليه حتى يدهشه كثرتها وتنوعها فتوجب له كثرتها دهشة تمنعه من مطالعتها مع انضمام ذلك إلى صولة القرب وهي واردات وأنوار يتصل بعضها ببعض تمحو ظلم نفسه ورسمه وأما صولة نور القرب على نور العطف فهو قريب من هذا أو هو بعينه وإنما كرر المعنى بلفظ آخر فإن لطف العطية كله نور عطف والاتصال هو القرب نفسه تعالى الله عن غير ذلك من اتصال يتوهمه ملاحدة الطريق وزنادقتهم وأما صولة شوق العيان على شوق الخبر فمراده بها أن المريد في أول الأمر سالك على شوق الخبر في مقام الإيمان فإذا ترقى عنه إلى مقام الإحسان وتمكن منه بقي شوقه بشوق العيان فصال هذا الشوق على الشوق الأول فإن كان هذا مراده وإلا فالعيان في الدنيا لا سبيل للبشر إليه البتة ومن زعم خلاف ذلك فأحسن أحواله أن يكون ملبوسا عليه وليس فوق الإحسان للصديقين مرتبة إلا بقاؤهم فيه فإن سمى ذلك عيانا فالتسمية الشرعية المخلصة التي لا لبس فيها أولى وأحرى وأكثر آفات الناس من الألفاظ ولا سيما في هذه المواضع التي يعز فيها تصور الحق على ما هو عليه والتعبير المطابق فيتولد من ضعف التصور وقصور التعبير نوع تخبيط ويتزايد على ألسنة السامعين له وقلوبهم بحسب قصورهم وبعدهم من العلم فتفاقم الخطب وعظم الأمر والتبس طريق أولياء الله الصادقين بطرائق الزنادقة الملحدين وعز المفرق بينهما فدخل على الدين من الفساد من ذلك مالا يعلمه إلا الله وأشير إلى أعظم الخلق كفرا بالله عز وجل وإلحادا في دينه اله من شيوخ التحقيق والمعرفة والسلوك ولولا ضمان الله بحفظ دينه وتكفلة بأن يقيم له من يجدد أعلامه ويحيى منه ما أماته المبطلون وينعش ما أخمله الجاهلون لهدمت أركانه وتداعى بنيانه ولكن الله ذو فضل على العالمين فصل في منزلة الهيمان وقد يعرض للسالك عند ورود بعض المعاني والواردات العجيبة على قلبه فرط تعجب واستحسان واستلذاذ يزيل عنه تماسكه فيورثه ذلك الهيمان وليس ذلك من مقامات السير ولا منازل الطريق المقصودة بالنزول فيها للمسافرين خلافا لصاحب المنازل حيث عد ذلك من أعلى المنازل وغاياتها وعبر عنه بمنزلة الهيمان ولهذا ليس له ذكر في القرآن ولا في السنة ولا في لسان سلف القوم

Bölüm V03/P078–V03/P081

وقد تكلف له صاحب المنازل الاستشهاد بقوله تعالى وخر موسى صعقا وما أبعد الآية من استشهاده وكأنه ظن أن موسى ذهب عن تماسكه لما ورد عليه في حالة الخطاب والتكليم الإلهي فأورثه ذلك هيمانا صعق منه وليس كما ظنه وإنما صعق موسى عند تجلي الرب تعالى للجبل واضمحلاله وتدكدكه من تجلي الرب تعالى فالاستشهاد بالآية في منزلة الفناء التي تضمحل فيها الرسوم أنسب وأظهر لأن تدكدك الجبل هو اضمحلال رسمه عند ورود نور التجلي عليه والصعق فناء في هذه الحال لهذا الوارد المفني لبشرية موسى عليه الصلاة والسلام وقد حده بأنه الذهاب عن التماسك تعجبا أو حيرة يعني أن الهائم لا يقدر على إمساك نفسه للوارد تعجبا منه وحيرة قال وهو أثبت دواما وأملك للنعت من الدهش يعني أن الهائم قد يستمر هيمانه مدة طويلة بخلاف المدهوش وصاحب الهيمان يملك عنان القول فيصرفه كيف يشاء ويتمكن من التعبير عنه وأما الدهش فلضيق معناه وقصر زمانه لم يملك النعت فالهائم أملك بنعت حاله ووارده من المدهوش قال وهو على ثلاث درجات الأولى هيمان في شيم أوائل برق اللطف عند قصد الطريق مع ملاحظة العبد خسة قدره وسفالة منزلته وتفاهة قيمته يريد أن القاصد للسلوك إذا نظر إلى مواقع لطف ربه به حيث أهله لما لم يؤهل له أهل البلاء وهم أهل الغفلة والإعراض عنه أورثه ذلك النظر تعجبا يوقعه في نوع من الهيمان قال بعض العارفين في الأثر المروى إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا الله العافية تدرون من أهل البلاء هم أهل الغفلة عن الله وتقوى هذه الحال إذا انضاف إليها شهود العبد خسة قدر نفسه فاستصغرها أن تكون أهلا لما أهلت له وكذلك شهود سفالة منزلته أي انحطاط رتبته وكذلك شهود تفاهة قيمته أي خستها وقلتها وحاصل ذلك كله احتقاره لنفسه واستعظامه للطف ربه به وتأهيله له فيتولد من بين هذين الهيمان المذكور ولا ريب أنه يتولد من بين هذين الشهودين أمور أخرى أجل وأعظم وأشرف من الهيمان من محبة وحمد وشكر وعزم وإخلاص ونصيحة في العبودية وسرور وفرح بربه وأنس به هي مطلوبة لذاتها بخلاف عارض الهيمان فإنه لا يطلب لذاته وليس هو من منازل العبودية فصل قال الدرجة الثانية هيمان في تلاطم أمواج التحقيق عند ظهور براهينه وتواصل عجائبه ولوامع انواره يريد أن السالك والمريد إذا لاحت له أنوار تحقق العلم والمعرفة اهتدى بها إلى القصد عن بصيرة مستجدة ويقظة مستعدة فاستنار بها قلبه وأشرق لها سره فتلاطمت عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين فهام قلبه فيها وهذا أمر يعرفه بالذوق كل طالب لأمر عظيم انفتحت له الطرق والأبواب إلى تحصيله ويريد بتواصل عجائبه تتابع عجائب التحقيق وأن بعضها لا يحجب عن بعض ولا يقف في طريق بعض وكذلك لوامع أنواره وأعظم ما يجد هذا الواجد عند استغراقه في تدبر القرآن ويحصل ذلك بحسب استعداده وأهليته للفهم ونسبة ما دون ذلك إليه كتفلة في بحر فصل قال الدرجة الثالثة هيمان عند الوقوع في عين القدم ومعاينة سلطان الأزل والغرق في بحر الكشف يريد هيمان الفناء والوقوع في عين القدم إنما يكون باضمحلال الرسم وفنائه في شهود القدم فإنه يفنى من لم يكن مشهودا ويبقى من لم يزل وكذلك معاينة سلطان الأزل لا يبقى معها معاينة رسوم الكائنات وأطلال الحادثات وأما بحر الكشف الذي أشار إليه فهو انكشاف الحقيقة لعين القلب ولاتعتقد ان للسالك وراء مقام الإحسان شيئا أعلى منه بل إلإحسان مراتب وأما الكشف الحقيقي للحقيقة فلا سبيل إليه في الدنيا البتة والقوم يلوح لأحدهم أنوار هي ثمرات الإيمان ومعاملات القلوب وآثار الأحوال الصادقة فيظنونها نور الحقيقة ولا يأخذهم في ذلك لومة لائم وإنما هي أنوار في بواطنهم ليس إلا وباب العصمة عن غير الرسل مسدود إلا عمن اتفقت عليه الأمة والله أعلم فصل في نور البرق ومن أنوار إياك نعبد وإياك نستعين نور البرق الذي يبدو للعبد عند دخوله في طريق الصادقين وهو لامع يلمع لقلبه يشبه لامع البرق

Bölüm V03/P081–V03/P083

قال صاحب المنازل البرق باكورة تلمع للعبد فتدعوه إلى الدخول في هذه الطريق واستشهد عليه بقوله تعالى وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ووجه الاستشهاد أن النار التي رآها موسى كانت مبدأ في طريق نبوته والبرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة وقوله باكورة الباكورة هي أول الشيء ومنه باكورة الثمار وهو لما سبق نوعه في النضج وقوله يلمع للعبد أي يبدو له ويظهر فتدعوه إلى الدخول في هذه الطريق ولم يرد طريق أهل البدايات فإن تلك هي اليقظة التي ذكرها في أول كتابه وإنما أراد طريق أرباب التوسط والنهايات وعلى هذا فالبرق الذي أشار إليه هو برق الأحوال لا برق الأعمال أو برق لا سبب له من السالك إنما هو مجرد موهبة والدليل على أنه أراد ما يحصل لأرباب التوسط والنهايات أنه أخذ بعد تعريفه يفرق بينه وبين الوجد فقال والفرق بينه وبين الوجد أن الوجد يقع بعد الدخول فيه والبرق قبله فالوجد زاد والبرق إذن يريد أن البرق نور يقذفه الله في قلب العبد ويبديه له فيدعوه به إلى الدخول في الطريق والوجد هو شدة الطلب وقوته الموجبة لتأجيج اللهيب من الشهود كما تقدم والوجد زاد يعني أنه يصحب السالك كما يصحبه زاده بل هو من نفائس زاده والبرق إذن يعني إذنا في السلوك والإذن إنما يفسح للسالك في المسير لا غير قال وهو ثلاث درجات الأولى برق يلمع من جانب العدة في عين الرجاء فيستكثر فيه العبد القليل من العطاء ويستقل فيه الكثير من الإعياء ويستحلي فيه مرارة القضاء يعني بالعدة ما وعد الله أولياءه من أنواع الكرامة في هذه الدار وعند اللقاء وقوله يلمع في عين الرجاء أي يبدو في حقيقة الرجاء من أفقه وناحيته فيوجب له ذلك استكثار القليل ولا قليل من الله من عطائه والحامل له على هذا الاستكثار أربعة أمور أحدها نظره إلى جلالة معطيه وعظمته الثاني احتقاره لنفسه فإن ازدراءه لها يوجب استكثار ما يناله من سيده الثالث محبته له فإن المحبة إذا تمكنت من العبد استكثر قليل ما يناله من محبوبه الرابع أن هذا قبل العطاء لم يكن له إلف به ولا اتصال بالعطية فلما فاجأته استكثرها وأما استقلاله الكثير من الإعياء وهو التعب والنصب فلأنه لما بدا له برق الوعود من أفق الرجاء حمله ذلك على الجد والطلب وحمل عنه مشقة السير فلم يجد من مس الإعياء والنصب ما يجده من لم يشم ذلك وكذلك استحلاؤه في هذا البرق مرارة القضاء وهو البلاء الذي يختبر به الله عز وجل عباده ليبلوهم أيهم أصبر وأصدق وأعظم إيمانا ومحبة وتوكلا وإنابة فإذا لاح للسالك هذا البرق استحلى فيه مرارة القضاء فصل قال الدرجة الثانية برق يلمع من جانب الوعيد في عين الحذر فيستقصر فيه العبد الطويل من الأمل ويزهد في الخلق على القرب ويرغب في تطهير السر هذا البرق أفقه وعينه غير أفق البرق الأول فإن هذا يلمع من أفق الحذر وذاك من أفق الرجاء فإذا شام هذا البرق استقصر فيه الطويل من الأمل وتخيل في كل وقت أن المنية تعافصه وتفاجئه فاشتد حذره من هجومها مخافة أن تحل به عقوبة الله ويحال بينه وبين الاستعتاب والتأهب للقاء فيلقى ربه قبل الطهر التام فلا يؤذن له بالدخول عليه بغير طهارة كما أنه لم يؤذن له في دار التكليف بالدخول عليه للصلاة بغير طهارة وهذا يذكر العباد بالتطهر للموافاة والقدوم عليه والدخول وقت اللقاء لمن عقل عن الله وفهم أسرار العبادات فإذا كان العبد لا يدخل عليه حتى يستقبل بيته المحرم بوجهه ويستر عورته ويطهر بدنه وثيابه وموضع مقامه بين يديه ثم يخلص له النية فهكذا الدخول عليه وقت اللقاء لا يحصل إلا بأن يستقبل ربه بقلبه كله ويستر عوراته الباطنة بلباس التقوى ويطهر قلبه وروحه وجوارحه من أدناسها الظاهرة والباطنة ويتطهر لله طهرا كاملا ويتأهب للدخول أكمل تأهب وأوقات الصلاة نظير وقت الموافاة

Bölüm V03/P083–V03/P086

فإذا تأهب العبد قبل الوقت جاءه الوقت وهو متأهب فيدخل على الله وإذا فرط في التأهب خيف عليه من خروج الوقت قبل التأهب إذ هجوم وقت الموافاة مضيق لا يقبل التوسعة فلا يمكن العبد من التطهر والتأهب عند هجوم الوقت بل يقال له هيهات فات ما فات وقد بعدت بينك وبين التطهر المسافات فمن شام برق الوعيد بقصر الأمل لم يزل على طهارة وأما تزهيده في الخلق على القرب وإن كانوا أقاربه أو مناسبيه أو مجاوريه وملاصقيه أو معاشريه ومخالطيه فلكمال حذره واستعداده واشتغاله بما أمامه وملاحظة الوعيد من أفق ذلك البارق الذي ليس بخلب بل هو أصدق بارق ويحتمل أن يريد بقوله عن قرب أي عن أقرب وقت فلا ينتظر بزهده فيهم أملا يؤمله ولا وقتا يستقبله قوله ويرغب في تطهير السر يعني تطهير سره عما سوى الله وقد تقدم بيانه فصل قال الدرجة الثالثة برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار فينشىء سحاب السرور ويمطر مطر الطرب ويجري من نهر الافتخار هذا البرق يلمع من أفق ملاطفة الرب تعالى لعبده بأنواع الملاطفات ومطلع هذا البرق في عين الافتخار الذي هو باب السلوك إلى الله تعالى والطريق الأعظم الذي لا يدخل عليه إلا منه وكل طريق سواه فمسدود ومع هذا فلا يصل العبد منه إلا بالمتابعة فلا طريق إلى الله البتة أبدا ولو تعنى المتعنون وتمنى المتمنون إلا الافتقار ومتابعة الرسول فقط فلا يتعب السالك نفسه في غير هذه الطريق فإنه على غير شيء وهو صيد الوحوش والسباع قوله فينشىء سحاب السرور أي ينشىء للعبد سرورا خاصا وفرحا بربه لا عهد له بمثله ولا نظير له في الدنيا ونفحة من نعيم الجنة ونسمة من ريح شمالهم فإذا نشأ له ذلك السحاب أمطر عليه صيب الطرب فطرب باطنه وسره لما ورد عليه من عند سيده ووليه وإذا اشتد ذلك الطرب جرى به نهر الافتخار يتميز به عن أبناء جنسه بما خصه الله به وإما أن يريد به افتخاره على الشيطان وهذه مخيلة محمودة طربا وافتخارا عليه فإن الله لا يكره ذلك ولهذا يحب المختال بين الصفين عند الحرب لما في ذلك من مراغمة أعدائه ويحب الخيلاء عند الصدقة كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث لسر عجيب يعرفه أولو الصدقات والبذل من نفوسهم عند ارتياحهم للعطاء وابتهاجهم به واختيالهم على النفس الشحيحة الأمارة بالبخل وعلى الشيطان المزين لها ذلك وهم ينفدون المال في أول الغنى ويستأنفون الصبر في آخر الصبر مغاوير للعليا مغابير للحمى مفاريج للغمى مداريك للوتر وتأخذهم في ساعة الجود هزة كما تأخذ المطراب عن نزوة الخمر فهذا الافتخار من تمام العبودية أو يريد به أنه حري بالافتخار بما تميز به ولم يفتخر به إبقاء على عبوديته وافتقاره وكلا المعنيين صحيح والله أعلم وسر ذلك أن العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الالطاف وشهده من عين المنة ومحض الجود شهد مع ذلك فقره إليه في كل لحظة وعدم استغنائه عنه طرفة عين فكان ذلك من أعظم أبواب الشكر وأسباب المزيد وتوالي النعم عليه وكلما توالت عليه النعم أنشأت في قلبه سحائب السرور وإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه وامتلأ بها أفقه أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور فإن لم يصبه وابل فطل وحينئذ يجري على لسانه وظاهره نهر الافتخار من غير عجب ولا فخر بل فرحا بفضل الله ورحمته كما قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا فالافتخار على ظاهره والافتقار والانكسار في باطنه ولا ينافي أحدهما الآخر وتأمل قول النبي أنا سيد ولد آدم ولا فخر / ح / فكيف أخبر بفضل الله ومنته عليه وأخبر أن ذلك لم يصدر منه افتخارا به على من دونه ولكن إظهارا لنعمة الله عليه وإعلاما للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله وعلو منزلته لديه لتعرف الامة نعمة الله عليه وعليهم

Bölüm V03/P086–V03/P088

ويشبه هذا قول يوسف الصديق للعزيز اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم فإخباره عن نفسه بذلك لما كان متضمنا لمصلحة تعود على العزيز وعلى الأمة وعلى نفسه كان حسنا إذ لم يقصد به الفخر عليهم فمصدر الكلمة والحامل عليها يحسنها ويهجنها وصورته واحدة فصل في منزلة الذوق ومنها منزلة الذوق والذوق مباشرة الحاسة الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر ولا يختص ذلك بحادسة الفم في لغة القرآن بل ولا في لغة العرب قال الله تعالى وذوقوا عذاب الحريق وقال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وقال تعالى هذا فليذوقوه حميم وغساق وقال فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون فتأمل كيف جمع بين الذوق واللباس ليدل على مباشرة المذوق وإحاطته وشموله فأفاد الإخبار عن إذاقته أنه واقع مباشر غير منتظر فإن الخوف قد يتوقع ولا يباشر وأفاد الإخبار عن لباسه أنه محيط شامل كاللباس للبدن وفي الصحيح عنه ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فأخبر أن للإيمان طعما وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب وقد عبر النبي عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذوق تارة وبالطعام والشراب تارة وبوجود الحلاوة تارة كما قال ذاق طعم الإيمان وقال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار / ح / ولما نهاهم عن الوصال قالوا إنك تواصل قال إني لست كهيئتكم إني أطعم واسقى وفي لفظ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني وفي لفظ إن لي مطعما يطعمني وساقيا يسقيني وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم ولو كان كما ظنه هذا الظان لما كان صائما فضلا عن أن يكون مواصلا ولما صح جوابه بقوله إني لست كهيئتكم فأجاب بالفرق بينه وبينهم ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حسا لكان الجواب أن يقول وأنا لست أواصل أيضا فلما أقرهم على قولهم إنك تواصل علم أنه كان يمسك عن الطعام والشراب ويكتفي بذلك الطعام والشراب العالي الروحاني الذي يغني عن الطعام والشراب المشترك الحسي وهذا الذوق هو الذي استدل به هرقل على صحة النبوة حيث قال لأبي سفيان فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه فقال لا قال وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب فاستدل بما يحصل لأتباعه من ذوق الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب لم يسخطه ذلك القلب أبدا على أنه دعوة نبوة ورسالة لا دعوى ملك ورياسة والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم وذوق حلاوة الجماع إلى إلفة النفس كما قال النبي حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد ولا تزول الشبه والشكوك عن القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشر فيذوق طعمه ويجد حلاوته والله الموفق فصل قال صاحب المنازل باب الذوق قال الله تعالى هذا ذكر في تنزيل هذه الآية على الذوق صعوبة والذي يظهر والله أعلم أن الشيخ أراد أن الذوق مقدمة الشراب كما أن التذكر مقدمة المعرفة ومنه يدخل إلى مقام الإيمان والإحسان فإنه إذا تذكر أبصر الحقيقة كما قال تعالى تذكروا فإذا هم مبصرون أبصر الحقيقة كما قال تعالى 7 : 201 تذكروا فإذاهم مبصرون فالتذكر بهذا الذكر الذي قصه الله تعالى يشهد صاحبه الإيمان بالمعاد وما أعد الله لأوليائه عند لقائه فيصير إيمانهم بذلك ذوقا لا خبرا محضا لأنه نشأ عن تذكرهم بذكره سبحانه وتأملهم حقائقه وأسراره وما فيه من الهدى والبيان فالتذكر سبب الذوق والله سبحانه أعلم فصل قال والذوق أبقى من الوجد وأجلى من البرق يريد به أن

Bölüm V03/P088–V03/P090

منزلة الذوق أثبت وأرسخ من منزلة الوجد وذلك لأن أثر الذوق يبقى في القلب ويطول بقاؤه كما يبقى أثر ذوق الطعام والشراب في القوة الذائقة ويبقى على البدن والروح فإن الذوق مباشرة كما تقدم والوجد عند الشيخ لهيب يتأجج من شهود عارض مقلق فهو عنده من العوارض كالهيمان والقلق فإنه ينشأ من مكاشفة لا تدوم فلذلك جعله أبقى من الوجد وأما قوله وأجلى من البرق فإن البرق أسرع انقضاء وكشفه دون كشف الذوق وهذا صحيح ولكن جعله الذوق أبقى من الوجد وأعلى منه فيه نظر وقد يقال إن النبي جعل الوجد فوق الذوق وأعلى منزلة منه فإنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان الحديث / ح / وقال في الذوق ذاق طعم الإيمان فوجد حلاوة الشيء المذوق أخص من مجرد ذوقه ولما كانت الحلاوة أخص من الطعم قرن بها الوجد الذي هو أخص من مجرد الذوق فقرن الأخص بالأخص والأعم بالأعم وليس المراد بوجد حلاوة الإيمان الوجد الذي هو لهيب القلب فإن ذلك مصدر وجد بالشيء وجدا وإنما هو من الوجود الذي هو الثبوت فمصدر هذا الفعل الوجود والوجدان فوجد الشيء يجده وجدانا إذا حصل له وثبت كما يجد الفاقد الشيء الذي بعد منه ومنه قوله تعالى ووجد الله عنده وقوله ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وقوله ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى وقوله إنا وجدناه صابرا فهذا كله من الوجود والثبوت وكذلك قوله وجد بهن حلاوة الإيمان فوجدان الشيء ثبوته واستقراه ولا ريب أن ذوق طعم الإيمان وجدان له إذ يمتنع حصول هذا الذوق من غير وجدان ولكن اصطلاح كثير من القوم على أن الذائق أخص من الواجد فكأنه شارك الواجد في الحصول وامتاز عنه بالذوق فإنه قد يجد الشيء ولا يذوقه الذوق التام وهذا ليس كما قالوه بل وجود هذه الحقائق للقلب ذوق لها وزيادة وثبوت واستقرار والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى ذوق التصديق طعم العدة فلا يعقله ظن ولا يقطعه أمل ولا تعوقه أمنية يريد أن العبد المصدق إذا ذاق طعم الوعد من الله على إيمانه وتصديقه وطاعته ثبت على حكم الوعد واستقام فلم يعقله ظن أي لم يحبسه ظن تقول عقلت فلانا عن كذا أي منعته عنه وصددته ومنه عقال البعير لأنه يحبسه عن الشرود ومنه العقل لأنه يحبس صاحبه عن فعل مالا يحسن ولا يجمل ومنه عقلت الكلام وعقلت معناه إذا حبسته في صدرك وحصلته في قلبك بعد أن لم يكن حاصلا عندك ومنه العقل للدية لأنها تمنع آخذها من العدوان على الجاني وعصبته والمقصود أن ذوق طعم الإيمان بوعد الله يمنع الذائق أن يحبسه ظن عن الجد في الطلب والسير إلى ربه والظن هو الوقوف عن الجزم بصحة الوعد والوعيد بحيث لا يترجح عنده جانب التصديق وكأن الشيخ يقول الذائق بالتصديق طعم الوعد لا يعارضه ظن يعقله عن صدق الطلب ويحبس عزيمته عن الجد فيه وفي حديث سيد الاستغفار قوله وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي مقيم على التصديق بوعدك وعلى القيام بعهدك وعلى القيام بعهدك بحسب استطاعتي والحامل على هذه الإقامة والثبات ذوق طعم الإيمان ومباشرته للقلب ولو كان الإيمان مجازا لا حقيقة لم يثبت القلب على حكم الوعد والوفاء بالعهد ولا يفيد في هذا المقام إلا ذوق طعم الإيمان وثوب العارية لا يجمل لابسه ولا سيما إذا عرف الناس أنه ليس له وأنه عارية عليه كما قيل ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اشتملت به فإنك عاري

Bölüm V03/P090–V03/P093

وكان بعض الصحابة يكثر التلبية في إحرامه ثم يقول لبيك لو كان رياء لاضمحل وقد نفى الله تعالى اإلإيمان عمن ادعاه وليس له فيه ذوق فقال تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم فهؤلاء مسلمون وليسوا بمؤمنين لأنهم ليسوا ممن باشر الإيمان قلبه فذاق حلاوته وطعمه وهذا حال أكثر المنتسبين إلى الإسلام وليس هؤلاء كفارا فإنه سبحانه أثبت لهم الإسلام بقوله ولكن قولوا أسلمنا ولم يرد قولوا بألسنتكم من غير مواطأة القلب فإنه فرق بين قولهم آمنا وقولهم أسلمنا ولكن لما لم يذوقوا طعم الإيمان قال لم تؤمنوا ووعدهم سبحانه وتعالى مع ذلك على طاعتهم أن لا ينقصهم من أجور أعمالهم شيئا ثم ذكر أهل الإيمان الذين ذاقوا طعمه وهم الذين آمنوا به وبرسوله ثم لم يرتابوا في إيمانهم وإنما انتفى عنهم الريب لأن الإيمان قد باشر قلوبهم وخالطتها بشاشته فلم يبق للريب فيه موضع وصدق ذلك الذوق بذلهم أحب شيء إليهم في رضى ربهم تعالى وهو أموالهم وأنفسهم ومن الممتنع حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد كما قال الحسن ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل فالذوق والوجد أمر باطن والعمل دليل عليه ومصدق له كما أن الريب والشك والنفاق أمر باطن والعمل دليل عليه ومصدق له فالأعمال ثمرات العلوم والعقائد فاليقين يثمر الجهاد ومقامات الإحسان فعلى حسب قوته تكون ثمرته ونتيجته والريب والشك يثمر الأعمال المناسبة له وبالله التوفيق قوله ولا يقطعه أمل أي من علامات الذوق أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمر دنيا وطمع في غرض من أغراضها فإن الأمل والطمع يقطعان طريق القلب في سيره إلى مطلوبه ولم يقل الشيخ إنه لا يكون له أمل بل قال لا يقطعه أمل فإن الأمل إذا قام به ولم يقطعه لم يضره وإن عوق سيره بعض التعويق وإنما البلاء في الأمل القاطع للقلب عن سيره إلى الله وعند الطائفة أن كل ما سوى الله فإرادته أمل قاطع كائنا ما كان فمن كان ذلك أمله ومنتهى طلبه فليس من أهل ذوق الإيمان فإنه من ذاق حلاوة معرفة الله والقرب منه والأنس به لم يكن له أمل في غيره وإن تعلق أمله لسواه فهو لإعانته على مرضاته ومحابه فهو يؤمله لأجله لا يؤمله معه فإن قلت فما الذي يقطع به العبد هذا الأمل قلت قوة رغبته في المطلب الأعلى الذي ليس شيء أعلى منه ومعرفته بخسة ما يؤمل دونه وسرعة ذهابه فيوشك انقطاعه وأنه في الحقيقة كخيال طيف أو سحابة صيف فهو ظل زائل ونجم قد تدلى للغروب فهو عن قريب آفل قال النبي مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها / ح / وقال ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع / ح / فشبه الدنيا في جنب الآخرة بما يعلق على الإصبع من البلل حين تغمس في البحر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل ثم جاءه الموت لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء وقال مطرف بن عبدالله أو غيره نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا ومن حدق عين بصيرته في الدنيا والآخرة علم أن الأمر كذلك فكيف يليق بصحيح العقل والمعرفة أن يقطعه أمل من هذا الجزء الحقير عن نعيم لا يزول ولا يضمحل فضلا عن أن يقطعه عن طلب من نسبة هذا النعيم الدائم إلى نعيم معرفته ومحبته والأنس به والفرح بقربه كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم الجنة قال الله تعالى وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر فيسير من رضوانه ولا يقال له يسير أكبر من الجنات وما فيها

Bölüm V03/P093–V03/P095

وفي حديث الرؤية فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه وفي حديث آخر إنهم إذا رأوه سبحانه لم يلتفتوا إلى شيء مما هم فيه من النعيم حتى يتوارى عنهم فمن قطعه عن هذا أمل فقد فاز بالحرمان ورضي لنفسه بغاية الخسران والله المستعان وعليه التكلان وما شاء الله كان قوله ولا تعوقه أمنية الأمنية هي ما يتمناه العبد من الحظوظ وجمعها أماني والفرق بينها وبين الأمل أن الأمل يتعلق بما يرجى وجوده والأمنية قد تتعلق بما لا يرجى حصوله كما يتمنى العاجز المراتب العالية والأماني الباطلة هي رؤوس أموال المفاليس بها يقطعون أوقاتهم ويلتذون بها كالتذاذ من زال عقله بالمسكر أو بالخيالات الباطلة وفي الحديث المرفوع الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوو النفوس الدنيئة الساقطة كما قيل واترك منى النفس لا تحسبه يشبعها إن المنى رأس أموال المفاليس وأمنية الرجل تدل على علو همته وخستها وفي أثر إلهي إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنظر إلى همته والعامة تقول قيمة كل امرىء ما يحسنه والعارفون يقولون قيمه كل امرىء ما يطلب فصل قال الدرجة الثانية ذوق الإرادة طعم الأنس فلا يعلق به شاغل ولا يفسده عارض ولا تكدره تفرقة الإرادة وصف المريد والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها أن الأولى وصف حال العابد الذي ذاق بتصديقه طعم وعد الرب عز وجل فجد في العبادة وأعمال البر لثقته بالوعد عليها وصاحب هذه الدرجة ذاقت إرادته طعم الأنس فهي حال المريد ولهذا علق حال صاحب الدرجة الأولى بالوعد الجميل وعلق حال صاحب هذه الدرجة بالأنس بالله والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنة فإذا ذاق المريد طعم الأنس جد في إرادته واجتهد في حفظ أنسه وتحصيل الأسباب المقوية له فلا يعلق به شاغل أي لا يتعلق به شيء يشغله عن سلوكه وسيره إلى الله لشدة طلبه الباعث عليه أنسه الذي قد ذاق طعمه وتلذذ بحلاوته والأنس بالله حالة وجدانية وهي من مقامات الإحسان تقوى بثلاثة أشياء دوام الذكر وصدق المحبة وإحسان العمل وقوة الأنس وضعفه على حسب قوة القرب فكلما كان القلب من ربه أقرب كان أنسه به أقوى وكلما كان منه أبعد كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد قوله ولا يفسده عارض العارض المفسد هو الذي يعذل المحب ويلومه على النشاط في رضى محبوبه وطاعته ويدعوه إلى الالتفات إليه والوقوف معه دون مطلبه العالي فهو كالذي يجيء عرضا يمنع المار في طريقة عن المرور ويلفته عن جهة مقصده إلى غيرها وهذا العارض عند القوم هو إرادة السوى فإن كل ما سوى الله فهو عارض وإرادة السوى توقف السالك وتنكس الطالب وتحجب الواصل فإياك وإرادة السوى وإن علا فإنك تحجب عن الله بقدر إرادتك لغيره قال تعالى إخبارا عن عباده المقربين إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا وقال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى قوله ولا تكدره تفرقة الكدر ضد الصفاء والتفرقة ضد الجمعية والجمعية هي جمع القلب والهمة على الله بالحضور معه بحال الأنس خاليا من تفرقة الخواطر والتفرقة من أعظم مكدرات القلب وهي تزيل الصفاء الذي أثمره له الإسلام والأيمان والإحسان فإن القلب يصفو بذلك فتجيء التفرقة فتكدر عليه ذلك الصفاء وتشعث القلب فيجد الصادق ألم ذلك الشعث وأذاه فيجتهد في لمه و لا يلم شعث القلوب بشيء غير الإقبال على الله والإعراض عما سواه فهناك يلم شعثه ويزول كدره ويصح سفره ويجد روح الحياة ويذوق طعم الحياة الملكية فصل قال الدرجة الثالثة ذوق الانقطاع طعم الاتصال وذوق الهمة طعم الجمع وذوق المسامرة طعم العيان