Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Bölüm V03/P095–V03/P098

الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها أن تلك بقاء مع الأحوال وهذه الدرجة خروج وفناء عن الأحوال فإن المتمكن في حال فنائه عن الأسباب أعمالا كانت أو أحوالا هو الذي يجد طعم الاتصال حقيقة فإنه على حسب تجرده عن الالتفات إلى الأسباب يكون اتصاله وعلى حسب التفاته إليها يكون انقطاعه وكلما تمكن في جمع همه على الحق سبحانه وجد لذة الجمع عليه وذاق طعم القرب منه والأنس به فالانقطاع عند القوم هو أنس القلب بغيره تعالى والالتفات إلى ما سواه والاتصال تجريد التعلق به وحده والانقطاع عما سواه بالكلية إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير كلامه فقوله ذوق الانقطاع طعم الاتصال استعارة وإلا فالذائق هو صاحب الانقطاع لا نفس الانقطاع فإنه هو الذي ذاق الانقطاع والاتصال وبالجملة فالمراد أن المنقطع هو المحجوب والمتصل هو المشاهد بقلبه المكاشف بسره وأحسن من التعبير بالاتصال التعبير بالقرب فإنها العبارة السديدة التي ارتضاها الله ورسوله في هذا المقام وأما التعبير بالوصل والاتصال فعبارة غير سديدة يتشبث بها الزنديق الملحد والصديق الموحد فالموحد يريد بالاتصال القرب وبالانفصال والانقطاع البعد والملحد يريد به الحلول تارة والاتحاد تارة حتى قال بعض هؤلاء المنقطع ليس في الحقيقة منقطعا بل لم يزل متصلا لكنه كان غائبا عن المشاهدة فلما شاهد وجد نفسه لم يكن منقطعا بل لم يزل متصلا قال وليس قولنا لم يزل متصلا بسديد فإن الاتصال لا يصح إلا بين اثنين فلا المحجوب منقطعا ولا المكاشف متصلا وإنما هي عبارات للتقريب والتفهيم وأنشد في ذلك ما بال عيسك لا يقر قرارها وإلام ظلك لا يني متنقلا فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن إلا إليك إذا بلغت المنزلا وبإزاء هؤلاء طائفة غلظ حجابهم وكثفت أرواحهم عن هذا الشأن فزعموا أن القرب والبعد والأنس ليس له حقيقة تتعلق بالخالق سبحانه وإنما ذلك القرب من داره وجنته بالطاعات وأنس القلب بما وعد عليها من الثواب والبعد ضد ذلك لأن العبد لا يقرب من ربه ولا يبعد عنه ولا يأنس به وصرحوا بأنه لا يريده ولا يحبه فلا يصح تعلق الإرادة والمحبة به فسار هؤلاء مغربين وسار أولئك مشرقين كما قيل سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب ومصباح الموحد السالك على درب الرسول وطريقه يتوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس قوله وذوق الهمة طعم الجمع جعل الهمة ذائقة وإنما الذوق لصاحبها توسعا والهمة قد عبر عنها الشيخ فيما تقدم بأنها ما يملك الانبعاث إلى المقصود صرفا أي حالة وصفية لها سطوة وملكة تحمل صاحبها على المقصود وتبعثه عليه بعثا لا يخالطه غيره فالهمة عندهم طلب الحق من غير التفات إلى غيره والجمع شهود الفردانية التي تفنى فيها رسوم المشاهد وهذا جمع في الربوبية وأعلى منه الجمع في الألوهية وهو جمع قلبه وهمه وسره على محبوبه ومراضيه ومراده منه فهو عكوف القلب بكليته على الله عز وجل لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع اتصل اشتياق صاحبها وتأججت نيران المحبة والطلب في قلبه ويجد صبره عن محبوبه من أعظم كبائره كما قيل والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يحمد وقد تقدم ذكر الأثر الإلهي إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنطر إلى همته فلله همة نفس قطعت جميع الأكوان وسارت فما ألقت عصى السير إلا بين يدي الرحمن تبارك وتعالى فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه فلم تزل ساجدة حتى قيل لها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد مما بين المشرقين والمغربين بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى عليين وتلك مواهب العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم

Bölüm V03/P098–V03/P100

قوله وذوق المسامرة طعم العيان مرادهم بالمسامرة مناجاة القلب ربه وإن سكت اللسان فلذة استيلاء ذكره تعالى ومحبته على قلب العبد وحضوره بين يديه وأنسه به وقربه منه حتى يصير كأنه يخاطبه ويسامره ويعتذر إليه تارة ويتملقه تارة ويثني عليه تارة حتى يبقى القلب ناطقا بقوله أنت الله الذي لا إله إلا أنت من غير تكلف له بذلك بل يبقى هذا حالا له ومقاما ولا ينكر وصول القوم إلى هذا فقد قال النبي الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه / ح / فإذا بلغ في مقام الإحسان بحيث يكون كأنه يرى الله سبحانه فهكذا مخاطبته ومناجاته له لكن الأولى العدول عن لفظ المسامرة إلى المناجاة فإنه اللفظ الذي اختاره رسول الله في هذا وعبر به عن حال العبد بقوله إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه / ح / وفي الحديث الآخر كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض / ح / فلا تعدل عن ألفاظه فأنها معصومة وصادرة عن معصوم والإجمال والإشكال في اصطلاحات القوم وأوضاعهم وبالله التوفيق فصل ومن ذلك منزلة اللخط قال شيخ الإسلام باب اللحظ قال الله تعالى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني قلت يريد والله أعلم بالاستشهاد بالآية أن الله سبحانه أراد أن يري موسى من كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أن القوة البشرية في هذه الدار لا تثبت لرؤيته ومشاهدته عيانا لصيرورة الجبل دكا عند تجلي ربه سبحانه أدنى تجل كما رواه ابن جرير في تفسيره من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس عن النبي فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا / ح / قال حماد هكذا ووضع الإبهام على مفصل الخنصر الأيمن فقال حميد لثابت أتحدث بمثلي هذا فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده وقال رسول الله يحدث به وأنا لا أحدث به رواه الحاكم في صحيحه وقال هو على شرط مسلم وهو كما قال والمقصود أن الشيخ استشهد بهذه الآية في باب اللحظ لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينظر إلى الجبل حين تجلى له ربه فرأى أثر التجلي في الجبل دكا فخر موسى صعقا قال الشيخ اللحظ لمح مسترق الصواب قراءة هذه الكلمة على الصفة بالتخفيف فوصف اللمح بأنه مسترق كما يقال سارقته النظر وهو لمح بخفية بحيث لا يشعر به الملموح ولهذا الاستراق أسباب منها تعظيم الملموح وإجلاله فالناظر يسارقه النظر ولا يحد نظره إليه إجلالا له كما كان أصحاب النبي لا يحدون النظر إليه إجلالا له وقال عمرو بن العاص لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه لكم لما قدرت لأني لم أكن أملأ عيني منه ومنها خوف اللامح سطوته ومنها محبته ومنها الحياء منه ومنها ضعف القوة الباصرة عن التحديق فيه وهذا السبب هو السبب الغالب في هذا الباب ويجوز أن تقرأ بكسر الراء وتشديد القاف أي نظرا يسترق صاحبه أي يأسر قلبه ويجعله رقيقا أي عبدا مملوكا للمنظور إليه لما شاهد من جماله وكماله فاسترق قلبه فلم يكن بينه وبين رقة له إلا مجرد وقوع لحظه عليه فهكذا صاحب هذه الحال إذا لاحظ بقلبه جلال الربوبية وكمال الرب سبحانه وكمال نعوته ومواقع لطفه وفضله وبره وإحسانه استرق قلبه له وصارت له عبودية خاصة قال وهو في هذا الباب على ثلاث درجات الدرجة الأولى ملاحظة الفضل سبقا وهي تقطع طريق السؤال إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها وتنبت السرور إلا ما يشوبه من حذر المكر وتبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة الشيخ عادته في كل باب أن يقول وهو على ثلاث درجات وقال ههنا وهو في هذا الباب على ثلاث درجات فعين هذا الباب هنا دون غيره من الأبواب لأن اللحظ مشترك بين لحظ البصر ولحظ البصيرة والشيخ إنما أراد ههنا هذا الثاني دون الأول فإن كلامه فيه خاصة وهو لما صدر بالآية والأمر بالنظر فيها إنما توجه إلى الأمر بنظر العين استدرك كلامه

Bölüm V03/P100–V03/P103

وقال اللحظ الذي نشير إليه في هذا الباب ليس هو لحظ العين والله أعلم قوله ملاحظة الفضل سبقا الفضل هو العطاء الإلهي والسبق هو ما سبق له بالتقدير قبل خروجه إلى الدنيا كما قال تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقال ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وهذا الكلام يفسر على معنيين أحدهما أن العبد إذا رأى ما قدره الله له قد سبق به تقديره فهو واصل إليه لا محالة ولا بد أن يناله سكن جأشه واطمأن قلبه ووطن نفسه وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وأنه ما يفتح الله له وللناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده فإذا تيقن ذلك وذاق طعم الإيمان به قطع ذلك عليه طريق الطلب من ربه لأن ما سبق له به القدر كائن واصل لا محالة ثم استدرك الشيخ أن العبد لا بد له من سؤال ربه والطلب منه فقال إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها أي لا يعتقد أن سؤاله وطلبه يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يحذره فإن القدر السابق قد استقر بوصول المقدور إليه سأله أو لم يسأله يسأله ولاكن يكون سؤاله على وجه التذلل وإظهار فقر العبودية وذلها بين يدي عز الربوبية فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد ولا توسط سؤاله وطلبه بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد ثم أمره بسؤاله والطلب منه إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة واعترافا بعز الربوبية وكمال غنى الرب وتفرده بالفضل والإحسان وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئا ولكن ربه تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه ويطلب منه كما قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وقال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون وقال واسألوا الله من فضله وقال قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم وقال ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقال وادعوه خوفا وطمعا وقال النبي ليسأل أحدكم ربه كل شيء حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر وقال من لم يسأل الله يغضب عليه وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي قال سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل من فضله وما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية وقال إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لنفحاته واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم وقال ما من داع يدعو الله بدعوة إلا آتاه بها أحد ثلاث إما أن يعجل له حاجته وإما أن يعطيه من الخير مثلها وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا إذا نكثر يا رسول الله قال فالله أكثر وقال ليس شيء أكرم على الله من الدعاء وقال تعالى في الحديث القدسي فيما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم وقال وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه وفي هذا يقول القائل لو لم ترد بذل ما أرجو وأطلبه من جود كفك ما عودتني الطلبا والله سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده بين يديه وسؤالهم إياه وطلبهم حوائجهم منه وشكواهم إليه وعياذهم به منه وفرارهم منه إليه كما قيل

Bölüm V03/P103–V03/P105

قالوا أتشكوا إليه ما ليس يخفى عليه فقلت ربي يرضى ذل العبيد لديه وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا عبد الوهاب عن إسحاق عن مطرف بن عبدالله قال تذاكرت ما جماع الخير فإذا الخير كثير الصيام والصلاة وإذا هو في يد الله تعالى وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك فإذا جماع الخير الدعاء وفي هذا المقام غلط طائفتان من الناس طائفة ظنت أن القدر السابق يجعل الدعاء عديم الفائدة قالوا فإن المطلوب إن كان قد قدر فلا بد من وصوله دعا العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر فلا سبيل إلى حصوله دعا أو لم يدع ولما رأوا الكتاب والسنة والآثار قد تظاهرت بالدعاء وفضله والحث عليه وطلبه قالوا هو عبودية محضة لا تأثير له في المطلوب البتة وإنما تعبدنا به الله وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء والطائفة الثانية ظنت أن بنفس الدعاء والطلب ينال المطلوب وأنه موجب لحصوله حتى كأنه سبب مستقل وربما انضاف إلى ذلك شهودهم أن هذا السبب منهم وبهم وأنهم هم الذين فعلوه وأن نفوسهم هي التي فعلته وأحدثته وإن علموا أن الله خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم فربما غاب عنهم شهود كون ذلك بالله ومن الله لا بهم ولا منهم وأنه هو الذي حركهم للدعاء وقذفه في قلب العبد واجراه على لسانه فهاتان الطائفتان غالطتان أقبح غلط وهما محجوبتان عن الله فالأولى محجوبة عن رؤية حكمته في الأسباب ونصبها لإقامة العبودية وتعلق الشرع والقدر بها فحجابها كثيف عن معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في شرعه وأمره وقدره والثانية محجوبة عن رؤية مننه وفضله وتفرده بالربوبية والتدبير وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول للعبد ولا قوة له بل ولا للعالم أجمع إلا به سبحانه وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ومشيئته وقول الطائفة الأولى إن المطلوب إن قدر لا بد من حصوله وإنه إن لم يقدر فلا مطمع في حصوله جوابه أن يقال بقي قسم ثالث لم تذكروه وهو انه قدر بسببه فإن وجد سببه وجد ما رتب عليه وإن لم يوجد سببه لم يوجد ومن أسباب المطلوب الدعاء والطلب اللذين إذا وجدا ما رتب عليهما كما أن أسباب الولد الجماع ومن أسباب الزرع البذر ونحو ذلك وهذا القسم الثالث هو الحق ويقال للطائفة الثانية لا موجب إلا مشيئة الله تعالى وليس ههنا سبب مستقل غيرها فهو الذي جعل السبب سببا وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب ولو شاء لأوجده بغير ذلك السبب وإذا شاء منع سببية السبب وقطع عنه اقتضاء أثره وإذا شاء أقام له مانعا يمنعه عن اقتضاء أثره مع بقاء قوته فيه وإذا شاء رتب عليه ضد مقتضاه وموجبه فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وقدرته وتحت تصرفه وتدبيره يقلبها كيف شاء فهذا أحدالمعنيين في كلامه والمعنى الثاني أن من لاحظ بعين قلبه ما سبق له من ربه من جزيل الفضل والإحسان والبر من غير معاوضة ولا سبب من العبد أصلا فإنه سبقت له تلك السابقة وهو في العدم لم يكن شيئا البتة شغلته تلك الملاحظة بطلب الله ومحبته وإرادته عن الطلب منه وقطعت عليه طريق السؤال اشتغالا بذكره وشكره ومطالعة منته عن مسألته لا لأن مسألته والطلب منه نقص بل لأنه في هذه الحال لا يتسع للأمرين بل استغراقه في شهود المنة وسبق الفضل قطع عليه طريق الطلب والسؤال وهذا لا يكون مقاما لازما له لا يفارقه بل هذا حكمه في هذه الحال والله أعلم فصل قوله وينبت السرور إلا ما يشوبه من حذر المكر يعني أن

Bölüm V03/P105–V03/P107

هذا اللحظ من العبد ينبت له السرور إذا علم أن فضل ربه قد سبق له بذلك قبل أن يخلقه مع علمه به وبأحواله وتقصيره على التفصيل ولم يمنعه علمه به أن يقدر له ذلك الفضل والإحسان فهو أعلم به إذ أنشأه من الأرض وإذ هو جنين في بطن أمه ومع ذلك فقدر له من الفضل والجود ما قدره بدون سبب منه بل مع علمه بأنه يأتي من الأسباب ما يقتضي قطع ذلك ومنعه عنه فإذا شاهد العبد ذلك اشتد سروره بربه وبمواقع فضله وإحسانه وهذا فرح محمود غير مذموم قال الله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ففضله الإسلام والإيمان ورحمته العلم والقرآن وهو يحب من عبده أن يفرح بذلك ويسر به بل يحب من عبده أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن يسر بها وهو في الحقيقة فرح بفضل الله حيث وفقه الله لها وأعانه عليها ويسرها له ففي الحقيقة إنما يفرح العبد بفضل الله وبرحمته ومن أعظم مقامات الإيمان الفرح بالله والسرور به فيفرح به إذ هو عبده ومحبه ويفرح به سبحانه ربا وإلها ومنعما ومربيا أشد من فرح العبد بسيده المخلوق المشفق عليه القادر على مايريده العبد ويطلبه منه المتنوع في الإحسان إليه والذب عنه وسيأتي عن قريب إن شاء الله تمام هذا المعنى في باب السرور قوله إلا ما يشوبه من حذر المكر أي يمازجه فإن السرور والفرح يبسط النفس وينسيها وينسبها عيوبها وآفاتها ونقائصها إذ لو شهدت ذلك وأبصرته لشغلها ذلك عن الفرح وأيضا فإن الفرح بالنعمة قد ينسيه المنعم فيشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه فيطفح عليه السرور حتى يغيب بنعمته عنه وهنا يكون المكر إليه أقرب من اليد للفم ولله كم ها هنا من مسترد منه ما وهب له عزة وحكمة وربما كان ذلك رحمة به إذ لو استمر على تلك الولاية لخيف عليه من الطغيان كما قال تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فإذا كان هذا غنى بالحطام الفاني فكيف بالغنى بما هو أعلى من ذلك وأكثر فصاحب هذا إن لم يصحبه حذر المكر خيف عليه أن يسلبه وينحط عنه والمكر الذي يخاف عليه منه أن يغيب الله سبحانه عنه شهود أوليته في ذلك ومنته وفضله وأنه محض منته عليه وأنه به وحده ومنه وحده فيغيب عن شهود حقيقة قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وقوله قل إن الأمر كله لله وقوله وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وقوله وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك وقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وأمثال ذلك فيغيبه عن شهود ذلك ويحيله على معرفته في كسبه وطلبه فيحيله على نفسه التي لها الفقر بالذات ويحجبه عن الحوالة على المليء الوفي الذي له الغنى التام كله بالذات فهذا من أعظم أسباب المكر والله المستعان ولو بلغ العبد من الطاعة ما بلغ فلا ينبغي له أن يفارقه هذا الحذر وقد خافه خيار خلقه وصفوته من عباده قال شعيب وقد قال له قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها إلى قوله على الله توكلنا فرد الأمر إلى مشيئة الله تعالى وعلمه أدبا مع الله ومعرفة بحق الربوبية ووقوفا مع حد العبودية وكذلك قال إبراهيم لقومه وقد خوفوه بآلهتهم فقال ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما فرد الأمر إلى مشيئة الله وعلمه وقد قال تعالى أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وقد اختلف السلف هل يكره أن يقول العبد في دعائه اللهم لا تؤمني مكرك

Bölüm V03/P107–V03/P109

فكان بعض السلف يدعو بذلك ومراده لا تخذلني حتى آمن مكرك ولا أخافه وكرهه مطرف بن عبدالله بن الشخير وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالوهاب عن إسحاق عن مطرف أنه كان يكره أن يقول اللهم لا تنسني ذكرك ولا تؤمني مكرك ولكن أقول اللهم لا تنسني ذكرك وأعوذ بك أن آمن مكرك حتى تكون أنت تؤمنني وبالجملة فمن أحيل على نفسه فقد مكر به قال الإمام أحمدحدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا الصلت بن طريف المعولي حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال وجدت هذا الإنسان ملقى بين الله عز وجل وبين الشيطان فإن يعلم الله تعالى في قلبه خيرا جبذه إليه وإن لم يعلم فيه خيرا وكله إلى نفسه ومن وكله إلى نفسه فقد هلك وقال جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن مطرف قال لو أخرج قلبي فجعل في يدي هذه في اليسار وجيء بالخير فجعل في هذه اليمنى ثم قربت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون الله عز وجل يضعه ومما يدل على أن الفرح من أسباب المكر مالم يقارنه خوف قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون وقال قوم قارون له لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين فالفرح متى كان بالله وبما من الله به مقارنا للخوف والحذر لم يضر صاحبه ومتى خلا عن ذلك ضره ولا بد قوله ويبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة هذا الكلام يحتمل معنيين أحدهما أن يريد أن هذه الملاحظة تبعثه على الشكر لله في السراء والضراء في كل حين إلا ما عجزت قدرته عن شكره فإن الحق سبحانه هو الذي يقوم به لنفسه بحق كماله المقدس وكمال صفاته ونعوته فتلك الملاحظة تبسط للعبد الشكر الذي يعجز عنه ولا يقدر أن يقوم به فإن شكر العبد لربه نعمة من الله أنعم بها عليه فهي تستدعي شكرا آخر عليها وذلك الشكر نعمة أيضا فيستدعي شكرا ثالثا وهلم جرا فلا سبل إلى القيام بشكر الرب على الحقيقة ولا يشكره على الحقيقة سواه فإنه هو المنعم بالنعمة وبشكرها فهو الشكور لنفسه وإن سمى عبده شكورا فمدحة الشكر في الحقيقة راجعة إليه وموقوفة عليه فهو الشاكر لنفسه بما أنعم على عبده فما شكره في الحقيقة سواه مع كون العبد عبدا والرب ربا فهذا أحد المعنيين في كلامه المعنى الثاني أن هذا اللحظ يبسطه للشكر الذي هو وصفه وفعله لا الشكر الذي هو صفة الرب جل جلاله وفعله فإنه سمى نفسه بالشكور كما قال تعالى وكان الله شاكرا عليما وقال أهل الجنة إن ربنا لغفور شكور فهذاالشكر الذي هو وصفه سبحانه لا يقوم إلا به ولا يبعث العبد على الملاحظة المذكورة إلا على وجه واحد وهو أنه إذا لاحظ سبق الفضل منه سبحانه علم أنه فعل ذلك لمحبته للشكر فإنه تعالى يحب أن يشكر كما قال موسى يا رب هلا ساويت بين عبادك فقال إني أحب أن اشكر كان يحب الشكر فهو أولى أن يتصف به كما أنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال محسن يحب المحسنين صبور يحب الصابرين عفو يحب العفو قوى والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف فكذلك هو شكور يحب الشاكرين فملاحظة العبد سبق الفضل تشهده صفة الشكر وتبعثه على القيام بفعل الشكر والله أعلم فصل قال الدرجة الثانية ملاحظة نور الكشف وهي تسبل لباس التولي وتذيق طعم التجلي وتعصم من عوار التسلي هذه الدرجة أتم مما قبلها فإن تلك الدرجة ملاحظة ما سبق بنور العلم وهذه ملاحظة كشف بحال قد استولى على قلبه حتى شغله عن الخلق فأسبل عليه لباس توليه الله وحده وتوليه عما سواه ونور الكشف عندهم هو مبدأ الشهود وهو نور تجلى معاني الأسماء الحسنى على القلب فتضيء به ظلمة القلب ويرتفع به حجاب الكشف

Bölüm V03/P109–V03/P112

ولا تلتفت إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها فإنك تجد في كلام بعضهم تجلي الذات يقتضي كذا وكذا وتجلي الصفات يقتضي كذا وكذا وتجلي الأفعال يقتضي كذا وكذا والقوم عنايتهم بالألفاظ فيتوهم المتوهم أنهم يريدون تجلي حقيقة الذات والصفات والأفعال للعيان فيقع من يقع منهم في الشطحات والطامات والصادقون العارفون برآء من ذلك وإنما يشيرون إلى كمال المعرفة وارتفاع حجب الغفلة والشك والإعراض واستيلاءسلطان المعرفة على القلب بمحو شهود السوى بالكلية فلا يشهد القلب سوى معروفه وينظرون هذا بطلوع الشمس فإنها إذا طلعت انطمس نور الكواكب ولم تعدم الكواكب وإنما غطى عليها نور الشمس فلم يظهر لها وجود وهي في الواقع موجودة في أماكنها وهكذا نور المعرفة إذا استولى على القلب قوى سلطانها وزالت الموانع والحجب عن القلب ولا ينكر هذا إلا من ليس من أهله ولا يعتقد أن الذات المقدسة والأوصاف برزت وتجلت للعبد كما تجلى سبحانه سبحانه للطور وكما يتجلى يوم القيامة للناس إلا غالط فاقد للعلم وكثيرا ما يقع الغلط من التجاوز من نور العبادات والرياضة والذكر إلى نور الذات والصفات فإن العبادة الصحيحة والرياضة الشرعية والذكر المتواطىء عليه القلب واللسان يوجب نورا على قدر قوته وضعفه وربما قوى ذلك النور حتى يشاهد بالعيان فيغلط فيه ضعيف العلم والتمييز بين خصائص الربوبية ومقتضيات العبودية فيظنه نور الذات وهيهات ثم هيهات نور الذات لا يقوم له شيء ولو كشف سبحانه وتعالى الحجاب عنه لتدكدك العالم كله كما تدكدك الجبل وساخ لما ظهر له القدر اليسير من التجلي وفي الصحيح عنه إن الله سبحانه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه / ح / فالإسلام له نور والإيمان له نور أقوى منه والإحسان له نور أقوى منهما فإذا اجتمع الإسلام والإيمان والإحسان وزالت الحجب الشاغلة عن الله تعالى امتلأ القلب والجوارح بذلك النور لا بالنور الذي هو صفة الرب تعالى فإن صفاته لا تحل في شيء من مخلوقاته كما أن مخلوقاته لا تحل فيه فالخالق سبحانه بائن عن المخلوق بذاته وصفاته فلا اتحاد ولا حلول ولا ممازجة تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا قوله ويعصم من عوار التسلي العوار العيب والتسلي السلوة عن المحبوب الذي لا حياة للقلب ولا نعيم إلا بحبه والقرب منه والأنس بذكره فإن سلو القلب وغفلته عن ذكره هو من أعظم العيوب فهذه الملاحظة إذا صدقت عصمت صاحبها عن عيب سلوته عن مطلوبه ومراده فإنه في هذه الدرجة مستغرق في شهود الأسماء والصفات وقد استولى على قلبه نور الإيمان بها ومعرفتها ودوام ذكرها ومع هذا فباب السلوة عليه مسدود وطريقها عليه مقطوع والمحب يمكنه التسلي قبل ان يشاهد جمال محبوبه ويستغرق في شهود كماله ويغيب به عن غيره فإذا وصل إلى هذه الحال كان كما قيل مرت بأرجاء الخيال طيوفه فبكب على رسم السلو الدارس فصل قال الدرجة الث الثة ملاحطة عين الجمع وهي توقظ لاستهانة المجاهد ات والتخلص من رعونة المعارضات وتفيد مطالعة البدايات هذه الدرجة عنده أرفع مما قبلها فإن ما قبلها مطالعة كشف الأنوار تشير إلى نوع كسب واختيار وهذه مطالعة تجذب القلب من التفرق في أودية إلإرادات وشعاب الأحوال والمقامات إلى ما استولى عليه من عين الجمع الناظر إلى الواحد الفرد الأول الذي ليس قبله شيء الآخر الذي ليس بعده شيء الظاهر الذي ليس فوقه شيء الباطن الذي ليس دونه شيء سبق كل شيء بأوليته وبقي بعد كل شيء بآخريته وعلا فوق كل شيء بظهوره وأحاط بكل شيء ببطونه فالنظر بهذه العين يوقظ قلبه لاستهانته بالمجاهدات ومعنى ذلك أن السالك في مبدأ أمره له شرة وفي طلبه حدة تحمله على أنواع المجاهدات وترميه عليها لشدة طلبه ففتوره نائم واجتهاده يقظان

Bölüm V03/P112–V03/P115

فإذا وصل إلى هذه الدرجة استهان بالمجاهدات الشاقة في جنب ما حصل له من مقام الجمع على الله واستراح من كدها فإن ساعة من ساعات الجمع على الله أنفع وأجدى عليه من القيام بكثير من المجاهدات البدنية التي لم نيرضها الله عليه فإذا جمع همه وقلبه كله على الله وزال كل مفرق ومشتت كانت هذه هي ساعات عمره في الحقيقة فتعوض بها عما كان يقاسيه من كد المجاهدات وتعبها وهذا موضع غلط فيه طائفتان من الناس إحداهما غلت فيه حتى قدمته على الفرائض والسنن ورأت نزولها عنه إلى القيام بالأوامر انحطاطا من الأعلى إلى الأدنى حتى قيل لبعض من زعم أنه ذاق ذلك قم إلى الصلاة فقال يطالب بالأوراد من كان غافلا فكيف بقلب كل أوقاته ورد وقال آخر لا تسيب واردك لو ردك وهؤلاء بين كافر وناقص فمن لم ير القيام بالفرائض إذا حصلت له الجمعية فهو كافر منسلخ من الدين ومن عطل لها مصلحة راجحة كالسنن الرواتب والعلم النافع والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنفع العظيم المتعدي فهو ناقص والطائفة الثانية لا تعبأ بالجمعية ولا تعمل عليها ولعلها لا تدري ما مسماها ولا حقيقتها وطريقة الأقوياء أهل الاستقامة القيام بالجمعية بالجمعة في التفرقة ما أمكن فيقوم أحدهم بالعبادات ونفع الخلق والإحسان إليهم مع جمعيته على الله فإن ضعف عن اجتماع الأمرين وضاق عن ذلك قام بالفرائض ونزل عن الجمعية ولم يلتفت إليها إداء كان لا يقدر على تحصيلها إلا بتعطيل الفرض فإن ربه سبحانه يريد منه إداء فرائضه ونفسه تريد الجمعية لما فيها من الراحة واللذة والتخلص من ألم التفرقة وشعثها فالفرائض حق ربه والجمعية حظه هو فالعبودية الصحيحة توجب عليه تقديم أحد الأمرين على الآخر فإذا جاء إلى النوافل وتعارض عنده الأمران فمنهم من يرجح الجمعية ومنهم من يرجح النوافل ومنهم من يؤثر هذا في وقت وهذا في وقت والتحقيق إن شاء الله أن تلك النوافل إن كانت مصلحتها أرجح من الجمعية ولا تعوضه الجمعية عنها اشتغل بها ولو فاتت الجمعية كالدعوة إلى الله وتعليم العلم النافع وقيام وسط الليل والذكر أول الليل وآخره وقراءة القرآن بالتدبر ونفل الجهاد والإحسان إلى المضطر وإغاثة الملهوف ونحو ذلك فهذا كله مصلحته أرجح من مصلحة الجمعية وإن كانت مصلحته دون الجمعية كصلاة الضحى وزيارة الإخوان والغسل لحضور الجنائز وعيادة المرضى وإجابة الدعوات وزيارة القدس وضيافة الإخوان ونحو ذلك فهذا فيه تفصيل فإن قويت جمعيته فظهر تأثيرها فيه فهي أولى له وأنفع من ذلك وإن ضعفت الجمعية وقوي أخلاصه في هذه الأعمال فهي أنفع له وأفضل من الجمعية والمعول عليه في ذلك كله إيثار أحب الأمرين إلى الرب تعالى وذلك يعرف بنفع العمل وثمرته من زيادة الإيمان به وترتب الغايات الحميدة عليه وكثرة مواظبة الرسول وشدة اعتنائه به وكثرة الوصية به وإخباره أن الله يحب فاعله ويباهي به الملائكة ونحو ذلك ونكتة المسألة وحرفها أن الصادق في طلبه يؤثر مرضاة ربه على حظه فإن كان رضى الله في القيام بذلك العمل وحظه في الجمعية خلى الجمعية تذهب وقام بما فيه رضى الله ومتى علم الله من قلبه أن تردده وتوقفه ليعلم أي الأمرين أحب إلى الله وأرضى له أنشأ له من ذلك التوقف والتردد حالة شريفة فاضلة حتى لو قدم المفضول لظنه أنه الأحب إلى الله ردت تلك النية والإرادة عليه ما ذهب عليه وفاته من زيادة العمل الآخر وبالله التوفيق وفي كلامه معنى آخر وهو أن صاحب المجاهدات مسافر بعزمه وهمته إلى الله فإذا لاحط عين الجمع وهي الوحدانية التي شهود عينها هو انكشاف حقيقتها للقلب كان بمنزلة مسافر جاد في سيره وقد وصل إلى المنزل وقرت عينه بالوصول وسكنت نفسه كما قيل فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر ولكن هذا الموضع مورد الصديق الموحد والزنديق الملحد

Bölüm V03/P115–V03/P117

فالزنديق يقول الاشتغال بالسير بعد الوصول عيب لا فائدة فيه والوصول عنده هو ملاحظة عين الجمع فإذا استغرق في هذا الشهود وفنى به عن كل ما سواه ظن أن ذلك هو الغاية المطلوبة بالأوراد والعبادات وقد حصلت له الغاية فرأى قيامه بها أولى به وأنفع له من الاشتغال بالوسيلة فالعبادات البدنية عنده وسيلة لغاية وقد حصلت فلا معنى للاشتغال بالوسيلة بعدها كما يقول كثير من الناس إن العلم وسيلة إلى العمل فإذا اشتغلت بالغاية لم تحتج إلى الوسيلة وقد اشتد نكير السلف من أهل الاستقامة من الشيوخ على هذه الفرقة وحذروا منهم وجعلوا أهل الكبائر وأصحاب الشهوات خيرا منهم وأرجى عاقبة وأما الصديق الموحد فإذا وصل إلى هناك صارت أعماله القلبية والروحية أعظم من أعماله البدنية ولم يسقط من أعماله شيئا ولكنه استراح من كد المجاهدات بملاحظة عين الجمع وصار بمنزلة مسافر طلب ملكا عظيما رحيما جوادا فجد في السفر إليه خشية أن يقتطع دونه فلما وصل إليه ووقع بصره عليه بقي له سير آخر في مرضاته ومحابه فالأول كان سيرا إليه وهذا سير في محابه ومراضيه فهذا أقرب ما يقال في كلام الشيخ وأمثاله في ذلك وبعد فالعبد وإن لاحظ عين الجمع ولم يغب عنها فهو سائر إلى الله ولا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة ولا يصل العبد ما دام حيا إلى الله وصولا يستغنى به عن السير إليه البتة وهذا عين المحال بل يشتد سيره إلى الله كلما زادت ملاحظته لتوحيده وأسمائه وصفاته ولهذا كان رسول الله أعظم الخلق اجتهادا وقياما بالأعمال ومحافظة عليها إلى أن توفاه الله وهو أعظم ما كان اجتهادا وقياما بوظائف العبودية فلو اتى العبد بأعمال الثقلين جميعها لم تفارقه حقيقة السير إلى الله وكان بعد في طريق الطلب والإرادة وتقسيم السائرين إلى الله إلى طالب وسائر وواصل أو إلى مريد ومراد تقسيم فيه مساهلة لا تقسيم حقيقي فإن الطلب والسلوك والإرادة لو فارق العبد لانقطع عن الله بالكلية ولكن هذا التقسيم باعتبار تنقل العبد في أحوال سيره وإلا فإرادة العبد المراد وطلبه وسيره أشد من إرادة غيره وطلبه وسيره وأيضا فإنه مراد أولا حيث أقيم في مقام الطلب وجذب إلى السير فكل مريد مراد وكل واصل وسالك وطالب لا يفارقه طلبه ولا سيره وإن تنوعت طرق السير بحسب اختلاف حال العبد فمن السالكين من يكون سيره ببدنه وجوارحه أغلب عليه من سيره بقلبه وروحه ومنهم من سيره بقلبه أغلب عليه أعني قوة سيره وحدته ومنهم وهم الكمل الأقوياء من يعطي كل مرتبة حقها فيسير إلى الله ببدنه وجوارحه وقلبه وروحه وقد أخبر الله سبحانه عن صفوة أوليائه بأنهم دائما في مقام الإرادة له فقال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى فالعبد أخص أوصافه وأعلى مقاماته أن يكون مريدا صادق الإرادة عبدا في إرادته بحيث يكون مراده تبعا لمراد ربه الديني منه ليس له إرادة في سواه وقد يحمل كلام الشيخ على معنى آخر وهو أن يكون معنى قوله إن ملاحظة عين الجمع توقظ الاستهانة بالمجاهدات أنه يوقظه من نوم الاستهانة بالمجاهدات وتكون اللام للتعليل أي يوقظه من سنة التقصير لاستهانته بالمجاهدات وهذا معنى صحيح في نفسه فإن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده في الله أعظم قال الله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده وتأمل أحوال رسول الله وأصحابه فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب في مقام عظم جهادهم واجتهادهم لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق حيث قال القرب الحقيقي تنقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح من كد العمل وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان وكأن قائلهم إنما عنى نفسه وذوى مذهبه بقوله رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا

Bölüm V03/P117–V03/P120

فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق بكفر هؤلاء فأخرجوهم من الإسلام وقالوا لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة أي ما دام قادرا عليه وهؤلاء يظنون أنهم يستغنون بهذه الحقيقة عن ظاهر الشريعة وأجمعت هذه الطائفة على أن هذا كفر وإلحاد وصرحوا بأن كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر قال سرى السقطي من ادعى باطن حقيقة ينقضها ظاهر حكم فهو غالط وقال سيد الطائفة الجنيد بن محمد علمنا هذا مشتبه بحديث رسول الله وقال إبراهيم بن محمد النصرابادي أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف وترك ما أحدثه الآخرون والمقام على ما سلك الأولون وسئل إسماعيل بن نجيد ما الذي لا بد للعبد منه فقال ملازمة العبودية على السنة ودوام المراقبة وسئل ما التصوف فقال الصبر تحت الأمر والنهي وقال أحمد بن أبي الحواري من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله وقال الشبلي يوما ومد يده إلى ثوبه لولا أنه عارية لمزقته فقيل له رؤيتك في تلك الغلبة ثيابك وأنها عارية فقال نعم أرباب الحقائق محفوظ عليهم في كل الأوقات الشريعة وقال أبو يزيد البسطامي لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشريعة وقال عبدالله الخياط الناس قبل رسول الله كانوا مع ما يقع في قلوبهم فجاء النبي فردهم من القلب إلى الدين والشريعة ولما حضرت أبا عثمان الحيرى الوفاة مزق ابنه أبو بكر قميصه ففتح أبو عثمان عينيه وقال يا بني خلاف السنة في الظاهر من رياء باطن في القلب ومن كلام ابن عثمان هذا أسلم الطرق من الاغترار طريق السلف ولزوم الشريعة وقال عبدالله بن مبارك لا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ومجانبة البدعة وكل موضع ترى فيه اجتهادا ظاهرا بلا نور فاعلم أن ثم بدعة خفية وقال سهل بن عبدالله الزم السواد على البياض حدثنا وأخبرنا إن أردت أن تفلح ولقد كان سادات الطائفة أشد ما كانوا اجتهادا في آخر أعمارهم قال القشيري سمعت أبا علي الدقاق يقول رؤى في يد الجنيد سبحة فقيل له أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة فقال طريق وصلت به إلى ربي تبارك وتعالى لا أفارقه أبدا وقال إسماعيل بن نجيد كان الجنيد يجيء كل يوم إلى السوق فيفتح باب حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته ودخل عليه ابن عطاء وهو في النزع فسلم عليه فلم يرد عليه ثم رد عليه بعد ساعة فقال اعذرني فإني كنت في وردي ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات وقال أبو سعيد بن الأعرابي سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت أبا القاسم الجنيد أنا وجماعة من أصحابنا فكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه فثقلت عليه حركتها وكانتا قد تورمتا فقال له بعض أصحابه ما هذا يا أبا القاسم فقال هذه نعم الله الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري يا أبا القاسم لو اضطجعت فقال يا أبا محمد هذا وقت يؤخذ فيه الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات ودخل عليه شاب وهو في مرضه الذي مات فيه وقد تورم وجهه وبين يديه مخدة يصلي إليها فقال وفي هذه الساعة لا تترك الصلاة فلما سلم دعاه وقال شيء وصلت به إلى الله فلا أدعه ومات بعد ساعة رحمة الله عليه

Bölüm V03/P120–V03/P122

وقال أبو محمد الجريري كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم جمعة ويوم نيروز وهو يقرأ القرآن فقلت له يا أبا القاسم ارفق بنفسك فقال يا أبا محمد أرأيت أحدا أحوج إليه مني في مثل هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي وقال أبو بكر العطوي كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ في ختمة أخرى فقرأ من البقرة سبعين آية ثم مات وقال محمد بن إبراهيم رأيت الجنيد في النوم فقلت ما فعل الله بك فقال طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعد ما وصلوا إليه فقال الجنيد العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك وقال الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه وقال من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن وقال أبو نعيم سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانىء يقول سألت الجنيد ما علامة الإيمان فقال علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بما ينقضي ويزول فرحمة الله على أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه ما أتبعه لسنة الرسول وما وما أقفاه لطريقة أصحابه وهذا باب يطول تتبعه جدا يدلك على أن أهل الاستقامة في نهاياتهم أشد اجتهادا منهم في بداياتهم بل كان اجتهادهم في البداية في عمل مخصوص فصار اجتهادهم في النهاية الطاعة المطلقة وصارت إرادتهم دائرة معها فتضعف الاجتهاد في المعنى المعين لأنه كان مقسوما بينه وبين غيره ولا تصغ إلى قول ملحد قاطع للطريق في قالب عارف يقول إن منزلة القرب تنقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة وتحمل على الاستهانة بالطاعات الظاهرة وتريحه من كد القيام بها فصل قوله وتخلص من رعونة المعارضات يريد أن هذه الملاحظة تخلص العبد من رعونة معارضة حكم الله الديني والكوني الذي لم يأمر بمعارضته فيستسلم للحكمين فإن ملاحظة عين الجمع تشهده أن الحكمين صدرا عن عزيز حكيم فلا يعارض حكمه برأي ولا عقل ولا ذوق ولا خاطر وأيضا فتخلص قلبه من معارضات السوى للأمر فإن الأمر يعارض بالشهوة والخبر يعارض بالشك والشبهة فملاحظة عين الجمع تخلص قلبه من هاتين المعارضتين وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من لقي الله به هذا تفسير أهل الحق والاستقامة وأما أهل الإلحاد فقالوا المراد بالمعارضات ههنا الإنكار على الخلق فيما يبدو منهم من أحكام البشرية لأن المشاهد لعين الجمع يعلم أن مراد الله من الخلق ما هم عليه فإذا علم ذلك بحقيقة الشهود كانت المعارضات والإنكار عليهم من رعونات الأنفس المحجوبة وقال قدوتهم في ذلك العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر وهذا عين الاتحاد والإلحاد والانسلاخ من الدين بالكلية وقد أعاذ الله شيخ الإسلام من ذلك وإذا كان الملحد يحمل كلام الله ورسوله ما لا يحتمله فما الظن بكلام مخلوق مثله فيقال إنما بعث الله رسله وأنزل كتبه بالإنكار على الخلق بما هم عليه من أحكام البشرية وغيرها فبهذا أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وانقسمت الدار إلى دار سعادة للمنكرين ودار شقاوة للمنكر عليهم فالطعن في ذلك طعن في الرسل والكتب والتخلص من ذلك انحلال من ربقة الدين ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم وجدهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشد القيام حتى لقوا الله تعالى وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم وأخبر النبي أن المتخلص من مقامات الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبة خردل وبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد المبالغة حتى قال إن الناس إذا تركوه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده وأخبر أن تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار ويوجب تسلط الأشرار وأخبر أن تركه يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه ويحل لعنه الله كما لعن الله بني إسرائيل على تركه

Bölüm V03/P122–V03/P125

فكيف يكون الإنكار من رعونات النفوس وهو مقصود الشريعة وهل الجهاد إلا على أنواع الإنكار وهو جهاد باليد وجهاد أهل العلم إنكار باللسان وأما قوله إن المشاهد أن مراد الله من الخلائق ما هم عليه فيقال له الرب تعالى له مرادان كوني وديني فهب أن مراده الكوني منهم ما هم عليه فمراده الديني الأمري الشرعي هو الإنكار على أصحاب المراد الكوني فإذا عطلت مراده الديني لم تكن واقفا مع مراده الديني الذي يحبه ويرضاه ولا ينفعك وقوفك مع مراده الكوني الذي قدره وقضاه إذ لو نفعك ذلك لم يكن للشرائع معنى البتة ولا للحدود والزواجر ولا للعقوبات الدنيوية ولا للأخذ على أيدي الظلمة والفجار وكف عدوانهم وفجورهم فإن العارف عندك يشهد أن مراد الله منهم هو ذلك وفي هذا فساد الدنيا قبل الأديان فهذا المذهب الخبيث لا يصلح عليه دنيا ولا دين ولكنه رعونة نفس قد أخلدت إلى الإلحاد وكفرت بدين رب العباد واتخذت تعطيل الشرائع دينا ومقاما ووساوس الشيطان مسامرة وإلهاما وجعلت أقدار الرب تعالى مبطلة لما بعث به رسله ومعطلة لما أنزل به كتبه وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الألهية وأشرف المقامات العلية ودعوا إلى ذلك النفوس المبطلة الجاهلة بالله ودينه فلبوا دعوتهم مسرعين واستخف الداعي منهم قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين وأما قوله إن الإنكار من معارضات النفوس المحجوبة فلعمر الله إنهم لفي حجاب منيع من هذا الكفر والإلحاد ولكنهم يشرفون على أهله وهم في ضلالتهم يعمهون وفي كفرهم يترددون ولأتباع الرسل يحاربون وإلى خلاف طريقهم يدعون وبغير هداهم يهتدون وعن صراطهم المستقيم ناكبون ولما جاءا به يعارضون يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء إلا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون إولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين فصل قوله وتفيد مطالعة البدايات يحتمل كلامه أمرين أحدهما أن ملاحظة عين الجمع تفيد صابحها مطالعة السوابق التي ابتدأه الله بها فتفيده ملاحظة عين الجمع نظرة إلى أولية الرب تعالى في كل شيء ويحتمل أن يريد بالبدايات بدايات سلوكه وحدة طلبه فإنه في حال سلوكه لا يلتفت إلى ما وراءه لشدة شغله بما بين يديه وغلبة أحكام الهمة عليه فلا يتفرغ لمطالعة بداياته فإذا لاحظ عين الجمع قطع السلوك الأول وبقى له سلوك ثان فتفرغ حينئذ إلى مطالعة بداياته ووجد اشتياقا منه إليها كما قال الجنيد واشوقاه إلى أوقات البداية يعني لذة أوقات البداية وجمع الهمة على الطلب والسير إلى الله فإنه كان مجموع الهمة على السير والطلب فلما لاحظ عين الجمع فنيت رسومه وهو لا يمكنه الفناء عن بشريته وأحكام طبيعته فتقاصت طباعه ما فيها فلزمته الكلف فارتاح إلى أوقات البدايات لما كان فيها من لذة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمة ومر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على رجل وهو يبكي من خشية الله فقال هكذا كنا حتى قست قلوبنا وقد أخبر النبي إن لكل عامل شرة ولك شرة فترة فالطالب الجاد لا بدأن تعرض له فترة فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقت الطلب والاجتهاد ولما فتر الوحي عن النبي كان يغدو إلى شواهق الجبال ليلقى نفسه فيبدو له جبريل عليه السلام فيقول له إنك رسول الله فيسكن لذلك جأشه وتطمئن نفسه فتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لا بد منه فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرم رجى له أن يعود خيرا مما كان

Bölüm V03/P125–V03/P127

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض وفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين من الحكم مالا يعلم تفصيله إلا الله وبها يتبين الصادق من الكاذب فالكاذب ينقلب على عقبيه ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه 3 والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله ويلقى نفسه بالباب طريحا ذليلا مسكينا مستكينا كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتة ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له لا بسبب من العبد وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب لكن ليس هو منك بل هو الذي من عليك به وجردك منك وأخلاك عنك وهو الذي يحول بين المرء وقلبه فإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فاعلم أنه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مضيع فسل ربه ومن هو بين أصابعه أن يرده عليك ويجمع شملك به ولقد أحسن القائل إذا ما وضعت القلب في غير موضع بغير إناء فهو قلب مضيع فصل ومنها الوقت قال صاحب المنازل باب الوقت قال الله تعالى ثم جئت على قدر يا موسى الوقت اسم لظرف الكون وهو اسم في هذا الباب لثلاثة معان على ثلاث درجات المعنى الأول حين وجد صادق لأنياس ضياء فضل جذبه صفاء رجاء أو لعصمة جذبها صدق خوف أو لتلهب شوق جذبه اشتعال محبة وجه استشهاده بالآية أن الله سبحانه قدر مجيء موسى أحوج ما كان الوقت إليه فإن العرب تقول جاء فلان على قدر إذا جاء وقت الحاجة إليه قال جرير نال الخلافة إذ كانت على قدر كما أتى ربه موسى على قدر وقال مجاهد على موعد وهذا فيه نظر لأنه لم يسبق بين الله سبحانه وبين موسى موعد للمجيءحتى يقال إنه أتى على ذلك الموعد ولكن وجه هذا أن المعنى جئت على الموعد الذي وعدنا أن ننجزه والقدر الذي قدرنا أن يكون في وقته وهذا كقوله تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا لأن الله سبحانه وتعالى وعد بإرسال نبي في آخر الزمان يملأ الأرض نورا وهدى فلما سمعوا القرآن علموا أن الله أنجز ذلك الوعد الذي وعد به واستشهاده بهذه الآية يدل على محله من العلم لأن الشيء إذا وقع في وقته الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه كان أحسن وأنفع وأجدى كما إذا وقع الغيث في أحوج الأوقات إليه وكما إذا وقع الفرج في وقته الذي يليق به ومن تأمل أقدار الرب تعالى وجريانها في الخلق علم أنها واقعة في أليق الأوقات بها فبعث الله سبحانه موسى أحوج ما كان الناس إلى بعثته وبعث عيسى كذلك وبعث محمد وعليهم أجمعين أحوج ما كان أهل الأرض إلى إرساله فهكذا وقت العبد مع الله يعمره بأنفع الأشياء له أحوج ما كان إلى عمارته قوله الوقت ظرف الكون الوقت عبارة عن مقاربة حادث لحادث عند المتكلمين فهو نسبة بين حادثين فقوله ظرف الكون أي وعاء التكوين فهو الوعاء الزماني الذي يقع فيه التكوين كما أن ظرف المكان هو الوعاء المكاني الذي يحصل فيه الجسم ولكن الوقت في اصطلاح القوم أخص من ذلك قال أبو على الدقاق الوقت ما أنت فيه فإن كنت في الدنيا فوقتك الدنيا وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى وإن كنت بالسرور فوقتك السرور وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن يريد أن الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله وقد يريد أن الوقت ما بين الزمانين الماضي والمستقبل وهو اصطلاح أكثر الطائفة ولهذا يقولون الصوفي والفقير ابن وقته

Bölüm V03/P127–V03/P130

يريدون أن همته لا تتعدى وظينة عمارته بما هو أولى الأشياء به وأنفعها له فهو قائم بما هو مطالب به في الحين والساعة الراهنة فهو لا يهتم بماضي وقته وآتيه بل يهتم بوقته الذي هو فيه فإن الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الوقت الحاضر وكلما حضر وقت اشتغل عنه بالطرفين فتصير أوقاته كلها فوات قال الشافع رضي الله عنه صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل قلت يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم وقد يريدون بالوقت ما هو أخص من هذا كله وهو ما يصادفهم في تصريف الحق لهم دون ما يختارونه لأنفسهم ويقولون فلان بحكم الوقت أي مستسلم لما يأتي من عند الله من غير اختيار وهذا يحسن في حال ويحرم في حال وينقص صاحبه في حال فيحسن في كل موضع ليس لله على العبد فيه أمر ولا نهي بل في موضع جريان الحكم الكوني الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي كالفقر والمرض والغربة والجوع والألم والحر والبرد ونحو ذلك ويحرم في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنهي والقيام بحقوق الشرع فإن التضييع لذلك والاستسلام والاسترسال مع القدر انسلاخ من الدين بالكلية وينقص صاحبه في حال تقتضي قياما بالنوافل وأنواع البر والطاعة وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت وجعل وقته مساعدا له وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه وناكده وقته فكلما أراد التأهب للمسير لم يساعده الوقت والأول كلما همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده وقد قسم بعضهم الصوفية أربعة أقسام أصحاب السوابق وأصحاب العواقب وأصحاب الوقت وأصحاب الحق قال فأما أصحاب السوابق فقلوبهم أبدا فيما سبق لهم من الله لعلمهم أن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد ويقولون من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل ففكرهم في هذا أبدا ومع ذلك فهم يجدون في القيام بالأوامر واجتناب النواهي والتقرب إلى الله بأنواع القرب غير واثقين بها ولا ملتفتين إليها ويقول قائلهم من أين أرضيك إلا أن توفقني هيهات هيهات ما التوفيق من قبلي إن لم يكن لي في المقدور سابقة فليس ينفع ما قدمت من عملي وأما أصحاب العواقب فهم متفكرون فيما يختم به أمرهم فإن الأمور بأواخرها والأعمال بخواتيمها والعاقبة مستورة كما قيل لا يغرنك صفا الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات فكم من ربيع نورت أشجاره وتفتحت أزهاره وزهت ثماره لم يلبث أن أصابته جائحة سماوية فصار كما قال الله عز وجل حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها إلى قوله يتفكرون فكم من مريد كبا به جواد عزمه فخر صريعا لليدين وللفم وقيل لبعضهم وقد شوهد منه خلاف ما كان يعهد عليه ما الذي أصابك فقال حجاب وقع وأنشد أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا تعجبين من سقمي صحتي هي العجب الناكصون على أعقابهم أضعاف أضعاف من اقتحم العقبة خذ من الألف واحدا واطرح الكل من بعده وأما أصحاب الوقت فلم يشتغلوا بالسواق ولا بالعواقب بل اشتغلوا بمراعاة الوقت وما يلزمهم من أحكامه وقالوا العارف ابن وقته لا ماضي له ولا مستقبل ورأى بعضهم الصديق رضي الله عنه في منامه فقال له أوصني فقال هل كن ابن وقتك وأما أصحاب الحق فهم مع صاحب الوقت والزمان ومالكهما ومدبرهما مأخوذون بشهوده عن مشاهدة الأوقات لا يتفرغون لمراعاة وقت ولا زمان كما قيل لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى لو تفرغت لاستطالة ليلى ولرعي النجوم كنت مخلى إن للعاشقين عن قصر اللي ل وعن طوله من العشق شغلا قال الجنيد دخلت على السرى يوما فقلت له كيف أصبحت فأنشأ يقول

Bölüm V03/P130–V03/P133

ما في النهار ولا في الليل لي فرج فلا أبالي أطال الليل أم قصرا ثم قال ليس عند ربكم ليل ولا نهار يشير إلى أنه غير متطلع إلى الأوقات بل هو مع الذي يقدر الليل والنهار فصل قال صاحب المنازل الوقت اسم في هذا الباب لثلاث معان المعنى الأول حين وجد صادق أي وقت وجد صادق أي زمن من وجد يقوم بقلبه وهو صادق منه غير متكلف له ولا متعمل في تحصيله يكون متعلقه إيناس ضياء فضل أي رؤية ذلك والإيناس الرؤية قال الله تعالى فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا وليس هو مجرد الرؤية بل رؤية ما يأنس به القلب ويسكن إليه ولا يقال لمن رأى عدوه أو مخوفا آنسه ومقصوده أن هذا الوقت وقت وجد صاحبه صادق فيه لرؤيته ضياء فضل الله ومنته عليه والفضل هو العطاء الذي لا يستحقه المعطى أو يعطى فوق استحقاقه فإذا آنس هذا الفضل وطالعه بقلبه أثار ذلك فيه وجدا آخر باعثا على محبة صاحب الفضل والشوق إلى لقائه فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها ودخلت يوما على بعض أصحابنا وقد حصل له وجد أبكاه فسألته عنه فقال ذكرت ما من الله به علي من السنة ومعرفتها والتخلص من شبه القوم وقواعدهم الباطلة وموافقة العقل الصريح والفطرة السليمة لما جاء به الرسول فسرني ذلك حتى أبكاني فهذا الوجد أثاره إيناس فضل الله ومنته قوله جذبه صفاء رجاء أي جذب ذلك الوجد أو الإيناس أو الفضل رجاء صاف غير مكدر والرجاء الصافي هو الذي لا يشوبه كدر توهم معاوضة منك وأن عملك هو الذي بعثك على الرجاء فصفاء الرجاء يخرجه عن ذلك بل يكون رجاء محضا لمن هو مبتدئك بالنعم من غير استحقاقك والفضل كله له ومنه وفي يده أسبابه وغاياته ووسائله وشروطه وصرف موانعه كلها بيد الله لا يستطيع العبد أن ينال منه شيئا بدون توفيقه وإذنه ومشيئته وملخص ذلك أن الوقت في هذه الدرجة الأولى عبارة عن وجد صادق سببه رؤية فضل الله على عبده لأن رجاءه كان صافيا من الأكدار قوله أو لعصمة جذبها صدق خوف اللام في قوله أو لعصمة معطوف على اللام في قوله أو لإيناس ضياء فضل أي وجد لعصمة جذبها صدق خوف فاللام ليست للتعليل بل هي على حدها في قولك ذوق لكذا ورؤية لكذا فمتعلق الوجد عصمة وهي منعة وحفظ ظاهر وباطن جذبها صدق خوف من الرب سبحانه والفرق بين الوجد في هذ الدرجة والتي قبلها أن الوجد في الأولى جذبه صدق الرجاء وفي الثانية جذبه صدق الخوف وفي الثالثة التي ستذكر جذبه صدق الحب فهو معنى قوله أو التلهب شوق جذبه اشتعال محبة وخدمته التورية في اللهيب والأشتعال والمحبة متى قويت اشتعلت نارها في القلب فحدث عنها لهيب الاشتياق إلى لقاء الحبيب وهذه الثلاثة التي تضمنتها هذه الدرجة وهي الحب والخوف والرجاء هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى لصاحبه والأنفع له وهي أساس السلوك والسير إلى الله وقد جمع الله سبحانه الثلاثة في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وهذه الثلاثة هي قطب رحى العبودية وعليها دارت رحى الأعمال والله أعلم فصل قال والمعنى الثاني اسم لطريق سالك يسير بين تمكن وتلون ولكنه إلى التمكن ما هو يسلك الحال ويلتفت إلى العلم فالعلم يشغله في حين والحال يحمله في حين فبلاؤه بينهما يذيقه شهودا طورا ويكسوه عبدة طورا ويريه غيرة تفرق طورا هذا المعنى هو المعنى الثاني من المعاني الثلاثة من معاني الوقت عنده قوله اسم لطريق سالك هو على الإضافة أي لطريق عبد سالك قوله يسير بين تمكن وتلون أي ذلك العبد يسير بين تمكن وتلون

Bölüm V03/P133–V03/P135

والتمكن هو الانقياد إلى أحكام العبودية بالشهود والحال والتلون في هذا الموضع خاصة هو الانقياد إلى أحكما العبودية بالعلم فالحال يجمعه بقوته وسلطانه فيعطيه تمكينا والعلم بلونه بحسب متعلقاته وأحكامه قوله لكنه إلى التمكن ما هو يسلك الحال ويلتفت إلى العلم يعني أن هذا العبد هو سالك إلى التمكن ما دام يسلك الحال ويلتفت إلى العلم فأما إن سلك العلم والتفت إلى الحال لم يكن سالكا إلى التمكن فالسالكون ضربان سالكون على الحال ملتفتون إلى العلم وهم إلى التمكن أقرب وسالكون على العلم ملتفتون إلى الحال وهم إلى التلون أقرب هذا حاصل كلامه وهذه الثلاثة هي المفرقة بين أهل العلم وأهل الحال حتى كأنهما غيران وحزبان وكل فرقة منهما لا تأنس بالأخرى ولا تعاشرها إلا على إغماض ونوع استكراه وهذا من تقصير الفريقين حيث ضعف أحدهما عن السير في العلم وضعف الآخر عن الحال في العلم فلم يتمكن كل منهما من الجمع بين الحال والعلم فأخذ هؤلاء العلم وسعته ونوره ورجحوه وأخذ هؤلاء الحال وسلطانه وتمكينه ورجحوه وصار الصادق الضعيف من الفريقين يسير بأحدهما ملتفتا إلى الآخر فهذا مطيع للحال وهذا مطيع للعلم لكن المطيع للحال متى عصى به العلم كان منقطعا محجوبا وإن كان له من الحال ما عساه أن يكون والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيعا منقوصا مشتغلا بالوسيلة عن الغاية وصاحب التمكين يتصرف علمه في حاله ويحكم عليه فينقاد لحكمه ويتصرف حاله في علمه فلا يدعه أن يقف معه بل يدعوه إلى غاية العلم فيجيبه ويلبي دعوته فهذه حال الكمل من هذه الأمة ومن استقرأ احوال الصحابة رضي الله عنهم وجدها كذلك فلما فرق المتأخرون بين الحال والعلم دخل عليهم النقص والخلل والله المستعان يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير فكذلك يهب لمن يشاء علما ولمن يشاء حالا ويجمع بينهما لمن يشاء ويخلي منهما من يشاء قوله فالعلم يشغله في حين أي يشغله عن السلوك إلى تمكن الحال لأن العلم متنوع التعلقات فهو يفرق والحال يجمع لأنه يدعوه إلى الفناء وهناك سلطان الحال قوله والحال يحمله في حين أي يغلب عليه الحال تارة فيصير محمولا بقوة الحال وسلطانه على السلوك فيشتد سيره بحكم الحال يعني وإذا غلبه العلم شغله عن السلوك وهذا هو المعهود من طريقة المتأخرين أن العلم عندهم يشغل عن السلوك ولهذا يعدون السالك من سلك على الحال ملتفتا عن العلم وأما على ما قررناه من أن العلم يعين على السلوك ويحمل عليه ويكون صاحبه سالكا به وفيه فلا يشغله العلم عن سلوكه وإن أضعف سيره على درب الفناء فلا ريب أن العلم لا يجامع الفناء فالفناء ليس هو غاية السالكين إلى الله بل ولا هو لازم من لوازم الطريق وإن كان عارضا من عوارضها يعرض لغير الكمل كما تقدم تقرير ذلك فبينا أن الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة هو الفناء عن محبة ما سوى الله وإرادته فيفنى بمحبة الله عن محبة ما سواه وبإرادته ورجائه والخوف منه والتوكل عليه والإنابة إليه عن إرادة ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه وهذا الفناء لا ينافي العلم بحال ولا يحول بين العبد وبينه بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه وهذا أمر غفل عنه أكثر المتأخرين بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه ولكن لم يخل الله الأرض من قائم به داع إليه قوله فبلاؤه بينهما أي عذابه وألمه بين داعي الحال وداعي العلم فإيمانه يحمله على إجابة داعي العلم ووارده يحمله على إجابة داعي الحال فيصير كالغريم بين مطالبين كل منهما يطالبه بحقه وليس بيده إلا ما يقضي أحدهما وقد عرفت أن هذا من الضيق وإلا فمع السعة يوفى كلا منهما حقه قوله يذيقه شهودا طورا أي ذلك البلاء الحاصل بين الداعيين يذيقه شهودا طورا وهو الطور الذي يكون الحاكم عليه فيه هو العلم

Bölüm V03/P135–V03/P137

قوله ويكسوه عبرة طورا الظاهر أنه عبرة بالباء الموحدة والعين أي اعتبارا بأفعاله واستدلالا عليه بها فإنه سبحانه دل على نفسه بأفعاله فالعلم يكسو صاحبه اعتبارا واستدلالا على الرب بأفعاله ويصح أن يكون غيرة بالغين المعجمة والياء المثناة من تحت ومعناه أن العلم يكسوه غيرة من حجابة عن مقام صاحب الحال فيغار من احتجابه عن الحال بالعلم وعن العيان بلاستدلالا وعن الشهود الذي هو مقام الإحسان بلايمان الذي هو إيمان بالغيب قوله ويريه غيرة تفرق طورا هذا بالغين المعجمة ليس إلا أي ويريه العلم غيرة تفرقه في أوديته فيفرق بين أحكام الحال وأحكام العلم وهو حال صحو وتمييز وكأن الشيخ يشير إلى أن صاحب هذا المقام تغار تفرقته من جمعيته على الله فنفسه تفر من الجمعية على الله إلى تفرق العلم فإنه لا أشق على النفوس من جمعيتها على الله فهي تهرب من الله إلى الحال تارة وإلى العمل تارة وإلى العلم تارة هذه نفوس السالكين الصادقين وأما من ليس من أهل هذا الشأن فنفوسهم تفر من الله إلى الشهوات والراحات فأشق ما على النفوس جمعيتها على الله وهي تناشد صاحبها أن لا يوصلها إليه وأن يشغلها بما دونه فإن حبس النفس على الله شديد وأشد منه حبسها على أوامره وحبسها عن نواهيه فهي دائما ترضيك بالعلم عن العمل وبالعمل عن الحال وبالحال عن الله سبحانه وتعالى وهذا أمر لا يعرفه إلا من شد مئزر سيره إلى الله وعلم أن كل ما سواه فهو قاطع عنه وقد تضمن كلامه في هذه الدرجة ثلاث درجات كما أشار إليه درجة الحال ودرجة العلم ودرجة التفرقة بين الحال والعلم وهذه الثلاث الدرجات هي المختصة بالمعنى الثاني من معاني الوقت والله أعلم فصل قال والمعنى الثالث قالوا الوقت الحق أرادوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحق وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي لكنه هو اسم في هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا وجودا محضا وهو فوق البرق والوجد وهو يشارف مقام الجمع لو دام وبقي ولا يبلغ وادي الوجود لكنه يكفي مؤنة المعاملة ويصفي عين المسامرة ويشم روائح الوجود هذا المعنى الثالث من معاني الوقت أخص مما قبله وأصعب تصورا وحصولا فإن الأول وقت سلوك يتلون وهذا وقت كشف يتمكن ولذلك أطلقوا عليه اسم الحق لغلبة حكمه على قلب صاحبه فلا يحس برسم الوقت بل يتلاشى ذكر وقته من قلبه لما قهره من نور الكشف فقوله قالوا الوقت هو الحق يعني أن بعضهم أطلق اسم الحق على الوقت ثم فسر مرادهم بذلك وأنهم عنوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحق ومعنى هذا أن السالك بهذا المعنى الثالث للحق إذا اشتد استغراقته في وقته يتلاشى عنه وقته بالكلية وتقريب هذا إلى الفهم أنه إذا شهد استغراق وقته الحاضر في ماهية الزمان فقد استغرق الزمان رسم الوقت إلى ما هو جزء يسير جدا من أجزائه وانغمر فيه كما تنغمر القطرة في البحر ثم إن الزمان المحدود الطرفين يستغرق رسمه في وجود الدهر وهو ما بين الأزل والأبد ثم إن الدهر يستغرق رسمه في دوام الرب جل جلاله وذلك الدوام هو صفة الرب فهناك يضمحل الدهر والزمان والوقت ولا يبقى له نسبة إلى دوام الرب جل جلاله البتة فاضمحل الزمان والدهر والوقت في الدوام الإلهي كما تضمحل الأنوار المخلوقة في نوره وكما يضمحل علم الخلق في علمه وقدرهم في قدرته وجمالهم في جماله وكلامهم في كلامه بحيث لا يبقى للمخلوق نسبة ما إلى صفات الرب جل جلاله والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم ما في الوجود إلا الله أو ما ثم موجود على الحقيقة إلا الله أو هناك يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ونحو ذلك من العبارات فهذا مرادهم لا سيما إذا حصل هذا الاستغراق في الشهود كما هو في الوجود وغلب سلطانه على سلطان العلم وكان العلم مغمورا بوارده وفي قوة التمييز ضعف وقد توارى العلم بالشهود وحكم الحال

Bölüm V03/P137–V03/P140

فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وتزل أقدام كثيرة إلى الحضيض الأدنى ولا ريب أن وجود الحق سبحانه ودوامه يستغرق وجود كل ما سواه ووقته وزمانه بحيث يصير كأنه لا وجود له ومن هنا غلط القائلون بوحدة الوجود وظنوا أنه ليس لغيره وجود البتة وغرهم كلمات مشتبهات جرت على ألسنة أهل الاستقامة من الطائفة فجعلوها عمدة لكفرهم وضلالهم وظنوا أن السالكين سيرجعون إليهم وتصير طريقة الناس واحدة ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون قوله وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي يريد أن الحق سابق على الاسم الذي هو الوقت أي منزه عن أن يسمى بالوقت فلا ينبغي إطلاقه عليه لأن الأوقات حادثة قوله لكنه اسم في هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا وجودا محضا تلاشي الرسوم اضمحلالها وفناؤها والرسوم عندهم ما سوى الله وقد صرح الشيخ أنها إنما تتلاشى في وجود العبد الكشفي بحيث لا يبقى فيه سعة للإحساس بها لما استغرقه من الكشف فهذه عقيدة أهل الاستقامة من القوم وأما الملاحدة أهل وحدة الوجود فعندهم أنها لم تزل متلاشية في عين وجود الحق بل وجودها هو نفس وجوده وإنما كان الحس يفرق بين الوجوديين فلما غاب عن حسه بكشفه تبين أن وجودها هو عين وجود الحق ولكن الشيخ كأنه عبر بالكشف والوجود عن المقامين اللذين ذكرهما في كتابه والكشف هو دون الوجود عنده فإن الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه فليس معه استغراق في الفناء والوجود لا يكون معه رسم باق ولذلك قال لا وجودا محضا فإن الوجود المحض عنده يفني الرسوم وبكل حال فهو يفنيها من وجود الواجد لا يفنيها في الخارج وسر المسألة أن الواصل إلى هذا المقام يصير له وجود آخر غير وجوده الطبيعي المشترك بين جميع الموجودات ويصير له نشأة أخرى لقلبه وروحه نسبة النشأة الحيوانية إليها كنسبة النشأة في بطن الأم إلى هذه النشأة المشاهدة في العالم وكنسبة هذه النشأة إلى النشأة الأخرى فللعبد أربع نشآت نشأة في الرحم حيث لا بصر يدركه ولا يد تناله ونشأة في الدنيا ونشأة في البرزخ ونشأة في المعاد الثاني وكل نشأة أعظم من التي قبلها وهذه النشأة للروح والقلب أصلا وللبدن تبعا فللروح في هذا العالم نشأتان إحداهما النشأة الطبيعية المشتركة والثانية نشأة قلبية روحانية يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما ولد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن ومن لم يصدق بهذا فليضرب عن هذا صفحا وليشتغل بغيره وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أن المسيح عليه السلام قال للحواريين إنكم لن تلجوا ملكوت السموات حتى تولدوا مرتين وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان وخروجها من عالم الطبيعة كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة والله أعلم قوله وهو فوق البرق والوجد يعني أن هذا الكشف الذي تلاشت فيه الرسوم فوق منزلتي البرق والوجد فإنه أثبت وأدوم والوجود فوقه لأنه يشعر بالدوام قوله وهو يشارف مقام الجمع لو دام أي لو دام هذا الوقت لشارف مقام الجمع وهو ذهاب شعور القلب بغير الحق سبحانه وتعالى شغلا به عن غيره فهو جمع في الشهود وعند الملاحدة هو جمع في الوجود ومقصوده أنه لو دام الوقت بهذا المعنى الثالث لشارف حضرة الجمع لكنه لا يدوم قوله ولا يبلغ وادي الوجود يعني أن الوقت المذكور لا يبلغ السالك فيه وادي الوجود حتى يقطعه ووادي الوجود هو حضرة الجمع قوله لكنه يلقى مؤنة المعاملة يعني أن الوقت المذكور وهو الكشف المشارف لحضرة الجمع يخفف عن العامل أثقال المعاملة مع قيامه بها أتم القيام بحيث تصير هي الحاملة له فإنه كان يعمل على الخبر فصار يعمل على العيان هذا مراد الشيخ وعند الملحد أنه يفنى عن المعاملات الجسمانية ويرد صاحبه إلى المعاملات القلبية وقد تقدم إشباع الكلام في هذا المعنى

Bölüm V03/P140–V03/P143

قوله ويصفى عن المسامرة المسامرة عند القوم هي الخطاب القلبي الروحي بين العبد وربه وقد تقدم أن تسميتها بالمناجاة أولى فهذا الكشف يخلص عن المسامرة من ذكر غير الحق سبحانه ومناجاته قوله ويشم روائح الوجود أي صاحب مقام هذا الوقت الخاص يشم روائح الوجود وهو حضرة الجمع فإنهم يسمونها بالجمع والوجود ويعنون بذلك ظهور وجود الحق سبحانه وفناء وجود ما سواه وقد عرفت أن فناء وجود ما سوله بأحد اعتبارين إما سواه بأحد اعتبارين إما فناؤه من شهود العبد فلا يشهده وإما اضملاله وتلاشيه بالنسبة إلى وجود الرب ولا تلتفت إلى غير هذين المعنيين فهو إلحاد وكفر والله المستعان فصل منزلة الصفاء ومنها منزلة الصفاء قال صاحب المنازل باب الصفاء قال الله عز وجل وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار الصفا اسم للبراءة من الكدر وهو في هذا الباب سقوط التلوين أما الاستشهاد بالآية فوجهه أن المصطفى مفتعل من الصفوة وهي خلاصة الشيء وتصفيته مما يشوبه ومنه اصطفى الشيء لنفسه أي خلصه من شوب شركة غيره له فيه ومنه الصفي وهو السهم الذي كان يصطفيه رسول الله لنفسه من الغنيمة ومنه الشيء الصافي وهو الخالص من كدر غيره قوله الصفاء إسم للبراءة من الكدر البراءة هي الخلاص والكدر امتزاج الطيب بالخبيث قوله وهو في هذا الباب سقوط التلوين التلوين هو التردد والتذبذب كما قيل كل يوم تتلون ترك هذا بك أجمل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى صفاء علم يهذب لسلوك الطريق ويبصر غاية الجد ويصحح همة القاصد ذكر الشيخ له في هذه الدرجة ثلاث فوائد الفائدة الأولى علم يهذب لسلوك الطريق وهذا العلم الصافي الذي أشار إليه هو العلم الذي جاء به رسول الله وكان الجنيد يقول دائما علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به وقال غيره من العارفين كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر وقال الجنيد علمنا هذا متشبك بحديث رسول الله وقال أبو سليمان الداراني إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة وقال النصرابادي أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع والاقتداء بالسلف وترك ما أحدثه الآخرون والإقامة على ما سلكه الأولون وقد تقدم ذكر بعض ذلك فهذا العلم الصافي المتلقى من مشكاة الوحي والنبوة يهذب صاحبه لسلوك طريق العبودية وحقيقتها التأدب بآداب رسول الله باطنا وظاهرا وتحكيمه باطنا وظاهرا والوقوف معه حيث وقف بك والمسير معه حيث سار بك بحيث تجعله بمنزلة شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كله سره وظاهره واقتديت به في جميع أحوالك ووقفت مع ما يأمرك به فلا تخالفه البته فتجعل رسول الله لك شيخا وإماما وقدوة وحاكما وتعلق قلبك بقلبه الكريم وروحانيتك بروحانيته كما يعلق المريد روحانيته بروحانية شيخه فتجيبه إذا دعاك وتقف معه إذا استوقفك وتسير إذا سار بك وتقيل إذا قال وتنزل إذا نزل وتغضب لغضبه وترضى لرضاه وإذا أخبرك عن شيء أنزلته منزلة ما تراه بعينك وإذا أخبرك عن الله بخبر أنزلته منزله ما تسمعه من الله بإذنك وبالجملة فتجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ومؤدبك وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك وهذان التجريدان هما حقيقة شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والله وحده هو المعبود المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه ورسوله المطاع المتبع المهتدى به الذي لا يستحق الطاعة سواه ومن سواه فإنما يطاع إذا أمر الرسول بطاعته فيطاع تبعا للأصل وبالجملة فالطريق مسدودة إلا على من اقتفى آثار الرسول واقتدى به في ظاهره وباطنه فلا يتعنى السالك على غير هذا الطريق فليس حظه من سلوكه إلا التعب وأعماله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

Bölüm V03/P143–V03/P146

ولا يتعنى السالك على هذا الطريق فإنه واصل ولو زحف زحفا فأتباع الرسول إذا قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عزائمهم وهمهم ومتابعتهم لنبيهم كما قيل من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويدا وتجي في الأول والمنحرفون عن طريقه إذا قامت بهم أعمالهم واجتهاداتهم قعد بهم عدولهم عن طريقه فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا قوله ويبصر غاية الجد الجد الاجتهاد والتشمير والغاية النهاية يريد أن صفاء العلم يهدي صاحبه إلى الغاية المقصودة بالاجتهاد والتشمير فإن كثيرا من السالكين بل أكثرهم سالك بجده واجتهاده غير منتبه إلى المقصود وأضرب لك في هذا مثلا حسنا جدا وهو أن قوما قدموا من بلاد بعيدة عليهم أثر النعيم والبهجة والملابس السنية والهيئة العجيبة فعجب الناس لهم فسألوهم عن حالهم فقالوا بلادنا من أحسن البلاد وأجمعها لسائر أنواع النعيم وأرخاها وأكثرها مياها وأصحها هواء وأكثرها فاكهة وأعظمها اعتدالا وأهلها كذلك احسن الناس صورا وأبشارا ومع هذا فملكها لا يناله الوصف جمالا وكمالا وإحسانا وعلما وحلما وجودا ورحمة للرعية وقربا منهم وله الهيبة والسطوة على سائر ملوك الأطراف فلا يطمع أحد منهم في مقاومته ومحاربته فأهل بلده في أمان من عدوهم لا يحل الخوف بساحتهم ومع هذا فله أوقات يبرز فيها لرعيته ويسهل لهم الدخول عليه ويرفع الحجاب بينه وبينهم فإذا وقعت أبصارهم عليه تلاشى عندهم كل ما هم فيه من النعيم واضمحل حتى لا يلتفتون إلى شيء منه فإذا أقبل على واحد منهم أقبل عليه سائر أهل المملكة بالتعظيم والإجلال ونحن رسله إلى أهل البلاد ندعوهم إلى حضرته وهذه كتبه إلى الناس ومعنا من الشهود ما يزيل سوء الظن بنا ويدفع اتهامنا بالكذب عليه فلما سمع الناس ذلك وشاهدوا أحوال الرسل انقسموا أقساما فطائفة قالت لا نفارق أوطاننا ولا نخرج من ديارنا ولا نتجشم مشقة السفر البعيد ونترك ما ألفناه من عيشنا ومنازلنا ومفارقة آبائنا وأبنائنا وإخواننا لأمر وعدنا به في غير هذه البلاد ونحن لا نقدر على تحصيل ما نحن فيه إلا بعد الجهد والمشقة فكيف ننتقل عنه ورأت هذه الفرقة مفارقتها لأوطانها وبلادها كمفارقة أنفسها لأبدانها فإن النفس لشدة إلفها للبدن أكره ما إليها مفارقته ولو فارقته إلى النعيم المقيم فهذه الطائفة غلب عليها داعي الحس والطبع على داعي العقل والرشد والطائفة الثانية لما رأت حال الرسل وما هم فيه من البهجة وحسن الحال وعلموا صدقهم تأهبوا للسير إلى بلاد الملك فأخذوا في المسير فعارضهم أهلوهم وأصحابهم وعشائرهم من القاعدين وعارضهم إلفهم مساكنهم ودورهم وبساتينهم فجعلوا يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى فإذا تذكروا طيب بلاد الملك وما فيها من سلوه العيش تقدموا نحوها وإذا عارضهم ما ألفوه واعتادوه من ظلال بلادهم وعيشها وصحبة أهلهم وأصحابهم تأخروا عن المسير والتفتوا إليهم فهم دائما بين الداعيين والجاذبين إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر فيصيرون إليه والطائفة الثالثة ركبت ظهور عزائمها ورأت أن بلاد الملك أولى بهافوطنت أنفسها على قصدها ولم يثنها لوم اللوام لكن في سيرها بطء بحسب ضعف ما كشف لها من احوال تلك البلاد وحال الملك والطائفة الرابعة جدت في السير وواصلته فسارت سيرا حثيثا فهم كما قيل وركب سروا والليل مرخ سدوله على كل مغبر المطالع قاتم حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها فصار سراهم في ظهور العزائم تريهم نجوم الليل ما يطلبونه على عاتق الشعرى وهام النعائم فهؤلاء هممهم مصروفة إلى السير وقواهم موقوفة عليه من غير تثنية منهم إلى المقصود الأعظم والغاية العليا والطائفة الخامسة أخذوا في الجد في المسير وهمتهم متعلقة بالغاية فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير فكأنهم يشاهدونه من بعد وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده فهم عاملون على هذا الشاهد الذي قام بقلوبهم

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn · 25 · Qur'an & Sunnah