Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Bölüm V01/P318–V01/P319

والقوت لا يشهد له الملح فالطعم الذي يشهد له الملح أولى والكيل ينبىء عن معنى يشعر بتضمن المصالح بخلاف الطعم فهكذا نأخذ من الترجيح ونتجاذب أطراف الكلام فإذا الطريق إما اصطلاح القدماء وإما الاكتفاء بالسبر وإما إبطال القول بالشبه رأسا والاكتفاء بالمؤثر الذي دل النص أو الاجماع أو السبر القاطع على كونه مناطا للحكم ويلزم منه أيضا ترك المناسب وإن كان ملائما فكيف إذا كان غريبا فإن للخصم أن يقول إنما غلب على ظنك مناسبته من حيث لم تطلع على مناسبة أظهر وأشد إخالة مما اطلعت عليه وما أنت إلا كمن رأى إنسانا أعطى فقيرا شيئا فظن أنه أعطاه لفقره لأنه لم يطلع على أنه ابنه ولو اطلع لم يظن ما ظنه وكمن رأى ملكا قتل جاسوسا فظن أنه قتله لذلك ولم يعلم أنه دخل على حريمه وفجر بأهله ولو علم لما ظن ذلك الظن فإن قبل من المتمسك بالمناسب أن يقول هذا ظني بحسب سبري وجهدي واستفراغ وسعي فليقبل ذلك من المشبه بل من الطارد ويلزم إبداء ما هو أظهر منه حتى يمحق ظنه وهذا تحقيق قياس الشبه وتمثيله ودليله أما تفصيل المذاهب فيه ونقل الأقاويل المختلفة في تفهيمه فقد آثرت الأعراض عنه لقلة فائدته فمن عرف ما ذكرناه لم يخف عليه غور ما سواه ومن طلب الحق من أقاويل الناس دار رأسه وحار عقله وقد استقصيت ذلك في تهذيب الأصول الطرف الثاني في بيان التدريج في منازل هذه الأقيسة من أعلاها إلى أدناها وأدناها الطرد الذي ينبغي أن ينكره كل قائل بالقياس وأعلاها ما في معنى الأصل الذي ينبغي أن يقربه كل منكر للقياس وبيانه أن القياس أربعة أنواع المؤثر ثم المناسب ثم الشبه ثم الطرد والمؤثر يعرف كونه مؤثرا بنص أو إجماع أو سبر حاصر وأعلاها المؤثر وهو ما ظهر تأثيره في الحكم أي الذي عرف إضافة الحكم إليه وجعله مناطا وهو باعتبار النظر إلى عين العلة وجنسها وعين الحكم وجنسه أربعة لأنه إما أن يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم أو تأثير عينه في جنس ذلك الحكم أو تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم أو تأثير جنسه في عين ذلك الحكم فإن ظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم فهو الدي يقال له أنه في معنى الأصل وهو المقطوع به الذي ربما يعترف به منكرو القياس إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحل فإنه إذا ظهر أن عين السكر أثر في تحريم عين الشرب في الخمر والنبيذ ملحق به قطعا وإذا ظهر أن علة الربا في التمر الطعم فالزبيب ملحق به قطعا إذ لا يقى إلا اختلاف عدد الأشخاص التي هي مجازي المعنى ويكون ذلك كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي إذ يكون الهندي والتركي في معناه الثاني في المرتبة أن يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم لا في عينه كتأثير أخوة الأب والأم في التقديم في الميراث فيقاس عليه ولاية النكاح فإن الولاية ليس هي عين الميراث لكن بينهما مجانسة في الحقيقة فإن هذا حق وذلك حق فهذا دون الأول لأن المفارقة بين جنس وجنس غير بعيد بخلاف المفارقة بين محل ومحل لا يفترقان أصلا فيما يتوهم أن له مدخلا في التأثير الثالث في المرتبة أن يؤثر جنسه في عين ذلك الحكم كإسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلا بالجرح والمشقة فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصلاة كتأثير مشقة السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين بالقصر وهذا هو الذي خصصناه باسم الملائم وخصصنا اسم المؤثر بما ظهر تأثير عينه الرابع في المرتبة ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم وهو الذي سميناه المناسب الغريب لأن الجنس الأعم للمعاني كونها مصلحة والمناسب مصلحة وقد ظهر أثر المصالح في الأحكام إذ عهد من الشرع الالتفات إلى المصالح فلأجل هذا الاستمداد العام من ملاحظة الشرع جنس المصالح اقتضى ظهور المناسبة تحريك الظن

Bölüm V01/P319–V01/P320

ولأجل شمة من الالتفات إلى عادة الشرع أيضا أفاد الشبه الظن لأنه عبارة عن أنواع من الصفات عهد من الشرع ضبط الأحكام بجنسها ككون الصيام فرضا في مسألة التبييت وككون الطهارة تعبدا موجبها في غير محل موجبها وكون الواجب بدل الجناية على الآدمي في مسألة ضرب القليل على العاقلة بخلاف بناء القنطرة على الماء وأمثاله من الصفات فإن الشرع لم يلتفت إلى جنسه والمألوف من عادة الشرع هو الذي يعرف مقاصد الشرع والعادة تارة تثبت في جنس وتارة تثبت في عين ثم للجنسية أيضا مراتب بعضها أعم من بعض وبعضها أخص وإلى العين أقرب فإن أعم أوصاف الأحكام كونه حكما ثم تنقسم إلى تحريم وإيجاب وندب وكراهة والواجب مثلا ينقسم إلى عبادة وغير عبادة والعبادة تنقسم إلى صلاة وغير صلاة والصلاة تنقسم إلى فرض ونفل وما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة وما ظهر تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة وما ظهر تأثيره في العبادة أخص مما ظهر في جنس الواجبات وما ظهر في جنس الواجبات أخص مما ظهر في جنس الأحكام وكذلك في جانب المعنى أعم أوصافه أن يكون وصفا تناط الأحكام بجنسه حتى يدخل فيه الأشباه وأخص منه كونه مصلحة حتى يدخل فيه المناسب دون الشبه وأخص منه أن يكون مصلحة خاصة كالردع والزجر أو معنى سد الحاجات أو معنى حفظ العقل بالإحتراز عن المسكوات فليس كل جنس على مرتبة واحدة فالأشباه أضعفها لأنها لا تعتضد بالعادة المألوفة إلا من حيث أنه من جنس الأوصاف التي قد يضبط الشرع الأحكام بها وأقواها المؤثر الذي ظهر أثر عينه في عين الحكم فإن قياس الثيب الصغيرة على البكر الصغيرة في ولاية التزويج ربما كان أقرب من بعض الوجوه من قياسه على ولاية المال فإن الصغر إن أثر في ولاية المال فولاية البضع جنس آخر فإذا ظهر أثره في حق الابن الصغير في نفس ولاية النكاح ربما كان أقرب من بعض الوجوه من قياسه على ولاية المال فقد عرفت بهذا أن الظن ليس بتحريك والنفس ليست تميل إلا بالالتفات إلى عادة الشرع في التفات الشرع إلى عين ذلك المعنى أو جنسه في عين ذلك الحكم أو جنسه وأن للجنسية درجات متفاوتة في القرب والبعد لا تنحصر فلأجل ذلك تتفاوت درجات الظن والأعلى مقدم على الأسفل والأقرب مقدم على الأبعد في الجنسية ولكل مسألة ذوق مفرد ينظر فيه المجتهد ومن حاول حصر هذه الأجناس في عدد وضبط فقد كلف نفسه شططا لا تتسع له قوة البشر وما ذكرناه هو النهاية في الإشارة إلى الأجناس ومراتبها وفي مقنع وكفاية تنبيه آخر على خواص الأقيسة إعلم أن المؤثر من خاصيته أن يستغنى عن السبر والحصر فلا يحتاج إلى نفي ما عداه لأنه لو ظهر في الأصل مؤثر آخر لم يطرح بل يجب التعليل بهما فإن الحيض والردة والعدة قد تجتمع على امرأة ويعلل تحريم الوطء بالجميع لأنه قد ظهر تأثير كل واحد على الانفراد بإضافة الشرع التحريم إليه أما المناسب فلم يثبت إلا بشهادة المناسبة وإثبات الحكم على وفقه فإذا ظهرت مناسبة أخرى انمحقت الشهادة الأولى كما في إعطاء الفقير القريب فإنا لا ندري أنه أعطى للفقر أو للقرابة أو لمجموع الأمرين فلا يتم نظر المجتهد في التعليل بالمناسب ما لم يعتقد نفي مناسب آخر أقوى منه ولم يتوصل بالسبر إليه

Bölüm V01/P320–V01/P322

أما المناظر فينبغي أن يكتفي منه بإظهار المناسبة ولا يطالب بالسبر لأن المناسبة تحرك الظن إلا في حق من اطلع على مناسب آخر فيلزم المعترض إظهاره إن اطلع عليه وإلا فليعترض بطريق آخر فهذا فرق ما بين المناسب والمؤثر وأما الشبه فمن خاصيته أنه يحتاج إلى نوع ضرورة في استنباط مناط الحكم فإن لم تكن ضرورة فقد ذهب ذاهبوان إلى أنه لا يجوز اعتباره وليس هذا بعيدا عندي في أكثر المواضع فإنه إذا أمكن قصر الحكم على المحل وكان المحل المنصوص عليه معرفا بوصف مضبوط فأي حاجة إلى طلب ضابط آخر ليس بمناسب فكان تمام النظر في الشبه بأن يقال لا بد من علامة ولا علامة أولى من هذا فإذا هو العلامة كما تقول الربا جار في الدقيق والعجين فلم ينضبط باسم البر فلا بد من ضابط ولا ضابط أولى من الطعم والضرب على العاقلة ورد في النفس والطرف وفارق المال فلا بد من ضابط ولا ضابط إلا أنه بدل الجناية على الآدمي وهذا يجري في القليل والتطوع يستغني عن التبييت والقضاء لا يستغنى والأداء دائر بينهما ولا بد من فاصل للقسمين والفرضية أولى الفواصل وهذا بخلاف المناسب فإنه يجذب الظن ويحركه وإن لم يكن إلى طلب العلة ضرورة فإن قيل فإذا تحققت الضرورة حتى جاز أن يقال لا بد من علامة وتم السبر حتى لم تظهر علامة إلا الطرد المحض الذي لا يوهم جاز القياس به أيضا فإنه خاصية تنفي الشبه وإيهام الإشتمال على مخيل قلنا لهذا السؤال قال قائلون لا تشترط هذه الضرورة في الشبه كما في المناسب فإن شرطناه فيكاد لا يبقى بين الشبه والطرد من حيث الذات فرق لكن من حيث الإضافة إلى القرب والبعد فإن جعلنا الطرد عبارة عما بعد عن ذات الشيء كبناء القنطرة فيقضي بادىء الرأي ببطلانه لأنه يظهر سواه على البديهة صفات هي أحرى بتضمن حكم المصلحة فيه فيكون فساده لظهور ما هو أقرب منه لا لذاته وعلى الجملة فمهما ظهر الأقرب والأخص أمحق الظن الحاصل بالأبعد وقد يكون ظهور الأقرب بديهيا لا يحتاج إلى تأمل فيصير بطلان الأبعد بديهيا فيظن أنه لذاته وإنما هو لانمحاق الظن به من حيث وجد ما هو أقرب وقد بينا أن ضبط هذا الجنس بالضوابط الكلية عسير بل للمجتهد في كل مسألة ذوق يختص بها فلنفوض ذلك إلى رأي المجتهد وإنما القدر الذي قطعنا به في إبطال الطرد أن مجرد كون الحكم مع الوصف لا يحرك الظن للتعليل به ما لم يستمد من شمة إخالة أو مناسبة أو إيهام مناسبة أو سبر وحصر مع ضرورة طلب مناط وقد ينطوي الذهن على معنى تلك الضرورة والسبر وإن لم يشعر صاحبه بشعور نفسه به فإن الشعور بالشيء غير الشعور بالشعور فلو قدر تجرده عن هذا الشعور لم يحرك ظن عاقل أصلا الطرف الثالث في بيان ما يظن أنه من الشبه المختلف فيه وليس منه وهي ثلاثة أقسام الأول ما عرف منه مناط الحكم قطعا وافتقر إلى تحقيق المناط مثاله طلب الشبه في جزاء الصيد وبه فسر بعض الأصوليين الشبه وهذا خطأ لأن صحة ذلك مقطوع به لأنه قال فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة 95 فعلم أن المطلوب هو المثل وليس في النعم ما يماثل الصيد من كل وجه فعلم أن المراد به الأشبه الأمثل فوجب طلبه كما أوجب الشرع مهر المثل وقيمة المثل وكفاية المثل في الأقارب ولا سبيل إلا المقايسة بينها وبين نساء العشيرة وبين شخص القريب المكفى في السن والحال والشخص وبين سائر الأشخاص لتعرف الكفاية فذلك مقطوع به فكيف يمثل به الشبه المختلف فيه الذي يصعب الدليل على إثباته

Bölüm V01/P322–V01/P323

القسم الثاني ما عرف منه مناط الحكم ثم اجتمع مناطان متعارضان في موضع واحد فيجب ترجيح أحد المناطين ضرورة فلا يكون ذلك من الشبه مثاله أن بدل المال غير مقدر وبدل النفس مقدر والعبد نفس كالحر ومال كالفرس فأما أن يقدر بدله أو لا يقدر فتارة يشبه بالفرس وتارة بالحر وذلك يظهر في ترجيح أحد المعنيين على الآخر وقد ظهر كون المعنيين من مناط الحكم وإنما المشكل من الشبه جعل الوصف الذي لا يناسب مناطا مع أن الحكم لم يضف إليه وههنا بالاتفاق الحكم ينضاف إلى هذين المناطين القسم الثالث ما لم يوجد فيه كل مناط على الكمال لكن تركبت الواقعة من مناطين وليس يتمحض أحدهما فيحكم فيه بالأغلب مثاله أن اللعان مركب من الشهادة واليمين وليس بيمين محض لأن يمين المدعي لا تقبل والملاعن مدع وليس بشهادة لأن الشاهد يشهد لغيره وهو إنما يشهد لنفسه وفي اللعان لفظ اليمين والشهادة فإذا كان العبد من أهل اليمين لا من أهل الشهادة وتردد في أنه هل هو من أهل اللعان وبان لنا غلبة إحدى الشائبتين فلا ينبغي أن يختلف في أن الحكم به واجب وليس من الشبه المختلف فيه وكذلك الظهار لفظ محرم وهو كلمة زور فيدور بين القذف والطلاق وزكاة الفطر تتردد بين المؤنة والقربة والكفارة تتردد بين العبادة والعقوبة وفي مشابههما فإذا تناقض حكم الشائبتين ولا يمكن إخلاء الواقعة عن أحد الحكمين وظهر دليل على غلبة إحدى الشائبتين ولم يظهر معنى مناسب في الطرفين فينبغي أن يحكم بالأغلب الأشبه وهذا أشبه هذه الأقسام الثلاثة بمأخذ الشبه فإنا نظن أن العبد ممنوع من الشهادة لسر فيه مصلحة وممكن من اليمين لمصلحة وأشكل الأمر في اللعان وبان أن إحدى الشائبتين أغلب فيكون الأغلب على ظننا بقاء تلك المصلحة المودعة تحت المعنى الأغلب فإن قيل وبم يعلم المعنى الأغلب المعين قلنا تارة بالبحث عن حقيقة الذات وتارة بالأحكام وكثرتها وتارة بقوة بعض الأحكام وخاصيته في الدلالة وهو مجال نظر المجتهدين وإنما يتولى بيانه الفقيه دون الأصولي والغرض أنه إذا سلم أن أحد المناطين أغلب وجب الاعتراق بالحكم بموجبه لأنه إما أن يخلى عن أحد الحكمين المتناقضين وهو محال أو يحكم بالمغلوب أو بالغالب فيتيعين الحكم بالغالب فيكيف يلحق هذا بالشبه المشكل المختلف فيه نعم لو دار الفرع بين أصلين وأشبه أحدهما في وصف ليس مناطا وأشبه الآخر في وصفين ليسا مناطين فهذا من قبيل الحكم بالشبه والإلحاق بالأشبه والأمر فيه إلى المجتهد فإن غلب على ظنه أن المشاركة في الوصفين توهم المشاركة في المصلحة المجهولة عنده التي هي مناط الحكم عند الله تعالى وكان ذلك أغلب في نفسه من مشاركة الأصل الآخر الذي لم يشبهه إلا في صفة واحدة فحكم هنا بظنه فهذا من قبيل الحكم بالشبه أما كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة لا من قبيل قياس الشبه هذا ما أردنا ذكره في قياس الشبه وكان القول فيه من تتمة الباب الثاني لأنه نظر في طريق إثبات علة الأصل لكنا أفردناه بباب لكيلا يطول الكلام في الباب الأول وإذا فرغنا من طريق إثبات العلل فلا بد من بيان أركان القياس وشروطه بعد ذلك الباب الرابع في أركان القياس وشروط كل ركن وأركانه أربعة الأصل والفرع والعلة والحكم فلنميز القول في شرط كل ركن ليكون أقرب إلى الضبط الركن الأول وهو الأصل وله شروط ثمانية الشرط الأول أن يكون حكم الأصل ثابتا فإنه إن أمكن توجيه المنع عليه لم ينتفع به الناظر ولا المناظر قبل إقامة الدليل على ثبوته الثاني أن يكون الحكم ثابتا بطريق سمعي شرعي إذ ما ثبت بطريق عقلي أو لغوي لم يكن حكما شرعيا والحكم اللغوي والعقلي لا يثبت قياسا عندنا كما ذكرناه في كتاب أساس القياس الثالث أن يكون الطريق الذي به عرف كون المستنبط من الأصل علة سمعا لأن كون الوصف علة حكم شرعي ووضع شرعي

Bölüm V01/P323–V01/P324

الرابع أن لا يكون الأصل فرعا لأصل آخر بل يكون ثبوت الحكم فيه بنص أو إجماع فلا معنى لقياس الذرة على الأزر ثم قياس الأرز على البر لأن الوصف الجامع إن كان موجودا في الأصل الأول كالطعم مثلا فتطويل الطريق عبث إذ ليست الذرة بأن تجعل فرعا للأرز أولى من عكسه وإن لم يكن موجودا في الأصل فبم يعرف كون الجامع علة وإنما يعرف كون الشبه والمناسب علة بشهادة الحكم وإثباته على وفق المعنى فإذا لم يكن الحكم منصوصا عليه أو مجمعا عليه لم يصح لأن يستدل به على ملاحظة المعنى المقرون به لأن ذلك يؤدي في قياس الشبه إلى أن يشبه بالفرع الثالث رابع وبالرابع خامس فينتهي الأخير إلى حد لا يشبه الأول كما لو التقط حصاة وطلب ما يشبهها ثم طلب ما يشبه الثانية ثم طلب ما يشبه الثالثة ثم ينتهي بالآخرة إلى أن لا يشبه العاشر الأول لأن الفروق الدقيقة تجتمع فتظهر المفارقة فإن قيل فأي فائدة لفرض المناظر الكلام في بعض الصور قلنا للفرض محلان أحدهما أن يعم السائل بسؤاله جملة من الصور فيخصص المناظر بعض الصور إذ يساعده فيه خبر أو دليل خاص أو يندفع فيه بعض شبه الخصم الثاني أن تبني فرعا على فرع آخر وهو ممتنع على الناظر المجتهد لما ذكرناه أما قبوله من المناظر فإنه ينبني على اصطلاح الجدليين فالجدل شريعة وضعها المتناظرون ونظرنا في المجتهد وهو لا ينتفع بذلك وموافقة الخصم على الفرع لا تنفع ولا تجعله أصلا إذ الخطأ ممكن على الخصمين إلا أن يكون ذلك إجماعا مطلقا فيصير أصلا مستقلا الخامس أن يكون دليل إثبات العلة في الأصل مخصوصا بالأصل لا يعم الفرع مثاله أنه لو قال السفرجل مطعوم فيجري فيه الربا قياسا على البر ثم استدل على إثبات كون الطعم علة بقوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام أو قال فضل القاتل القتيل بفضيلة الإسلام فلا يقتل به كما لو قتل المسلم المعاهد ثم استند في إثبات علته إلى قوله لا يقتل مؤمن بكافر فهذا قياس منصوص على منصوص وهو كقياس البر على الشعير والدراهم على الدنانير السادس قال قوم شرط الأصل أن يقوم دليل بجواز القياس عليه وقال قوم بل أن يقوم دليل على وجوب تعليه وهذا كلام مختل لا أصل له فإن الصحابة حيث قاسوا لفظ الحرام على الظهار أو الطلاق أو اليمين لم يقم دليل عندهم على وجوب تعليل أو جوازه لكن الحق أنه إن القدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه وترك الالتفات إلى المحل الخاص وإن كان الوصف من قبيل الشبه كالطعم الذي يناسب فيحتمل أن يقال لولا ضرورة جريان الربا في الدقيق والعجين وامتناع ضبط الحكم باسم البر لما وجب استنباط الطعم فهذا له وجه وقد ذكرناه وإن لم يرد به هذا فلا وجه له السابع أن لا يتغير حكم الأصل بالتعليل ومعناه ما ذكرناه من أن العلة إذا عكرت على الأصل بالتخصيص فلا تقبل كما ذكرناه في كتاب التأويل في مسألة الأبدال وقد بينا أن المعنى إن كان سابقا إلى الفهم جاز أن يكون قرينة مخصصة للعموم أما المستنبط بالتأمل ففيه نظر

Bölüm V01/P324–V01/P325

الثامن أن لا يكون الأصل معدولا به عن سنن القياس فإن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره وهذا مما أطلق ويحتاج إلى تفصيل فنقول قد اشتهر في ألسنة الفقهاء أن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره ويطلق اسم الخارج عن القياس على أربعة أقسام مختلفة فإن ذلك يطلق على ما استثنى من قاعدة عامة وتارة على ما استفتح ابتداء من قاعدة مقررة بنفسها لم تقطع من أصل سابق وكل واحد من المستثنى والمستفتح ينقسم إلى ما يعقل معناه وإلى ما لا يعقل معناه فهي أربعة أقسام الأول ما استثنى عن قاعدة عامة وخصص بالحكم ولا يعقل معنى التخصيص فلا يقاس عليه غيره لأنه فهم ثبوت الحكم في محله على الخصوص وفي القياس إبطال الخصوص المعلوم بالنص ولا سبيل إلى إبطال النص بالقياس بيانه ما فهم من تخصيص النبي عليه السلام واستثناؤه في تسع نسوة وفي نكاح امرأة على سبيل الهبة من غير مهر وفي تخصيصه بصفي المغنم وما ثبت من تخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه أبا بردة في العناق أنها تجزىء عنه في الضحية فهذا لا يقاس عليه لأنه لم يرد ورود النسخ للقاعدة السابقة بل ورود الاستثناء مع إبقاء القاعدة فكيف يقاس عليه وكونه خاصية لمن ورد في حقه تارة يعلم وتارة يظن فالمظنون كاختصاص قوله لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وقوله في شهداء أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم فقال أبو حنيفة لا ترفع به قاعدة الغسل في حق المحرمين والشهداء لأن اللفظ خاص ويحتمل أن يكو الحكم خاصا لاطلاعه عليه السلام على إخلاصهم في العبادة ونحن لا نطلع على موت غيرهم على الإسلام فضلا عن موتهم على الإحرام والشهادة ولما قال للأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان تصدق به على أهل بيتك ولم يقر الكفارة في ذمته عند عجزه وجعل الشبق عجزا عن الصوم قال أكثر العلماء هو خاصية وقال صاحب التقريب يلتحق به من يساويه في الشبق والعجز ومن جعله خاصية استند فيه إلى أنه لو فتح هذا الباب فيلزم مثله في كفارة المظاهر وسائر الكفارات ونص القرآن دليل على أنهم لا ينفكون عن واجب وإن اختلفت أحوالهم في العجز فحمله على الخاصية أهون من هدم القواعد المعلومة القسم الثاني ما استثنى عن قاعدة سابقة ويتطرق إلى استثنائه معنى فهذا يقاس عليه كل مسألة دارت بين المستثنى والمستبقى وشارك المستثنى في علة الاستثناء مثاله استثناء العرايا فإنه لم يرد ناسخا لقاعدة الربا ولا هادما لها لكن استثني للحاجة فنقيس العنب على الرطب لأنا نراه في معناه وكذلك إيجاب صاع من تمر في لبن المصراة لم يردها دما لضمان المثليات بالمثل لكن لما اختلط اللبن الحادث بالكائن في الضرع عند البيع ولا سبيل إلى التمييز ولا إلى معرفة القدر وكان متعلقا بمطعوم يقرب الأمر فيه خلص الشارع المتبايعين من ورطة الجهل بالتقدير بصاع من تمر فلا جرم نقول لورد المصراة بعيب آخر لا بعيب التصرية فيضمن اللبن أيضا بصاع وهو نوع الحاق وإن كان في معنى الأصل ولولا أنا نشم منه رائحة المعنى لم نتجاسر على الإلحاق فإنه لما فرق في بول الصبيان بين الذكور والإناث وقال يغسل من بول الصبية ويرش على بول الغلام ولم ينقدح فيه معنى لم يقس عليه الفرق في حق البهائم بين ذكورها وإناثها وكذلك حكم الشرع ببقاء صوم الناسي على خلاف قياس المأمورات قالأبو حنيفة لا نقيس عليه كلام الناسي في الصلاة ولا أكل المكره والمخطىء في المضمضة ولكن قال جماع الناسي في معناه لأن الإفطار باب واحد والشافعي قال الصوم من جملة المأمورات بمعناه إذا افتقر إلى النية والتحق بأركان العبادات وهو من جملة المنهيات في نفسه وحقيقته إذ ليس فيه إلا ترك يتصور من النائم جميع النهار فإسقاط الشرع عهدة الناسي ترجيح لنزوعه إلى المنهيات فنقيس عليه كلام الناسي ونقيس عليه المكره والمخطىء على قول

Bölüm V01/P325–V01/P326

القسم الثالث القاعدة المستقلة المستفتحة التي لا يعقل معناها فلا يقاس عليها غيرها لعدم العلة فيسمى خارجا عن القياس تجوزا إذ معناه أنه ليس منقاسا لأنه لم يسبق عموم قياس ولا استثناء حتى يسمى المستثنى خارجا عن القياس بعد دخوله فيه ومثاله المقدرات في أعداد الركعات ونصب الزكوات ومقادير الحدود والكفارات وجميع التحكمات المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى فلا يقاس عليها غيرها لأنها لا تعقل علتها القسم الرابع في القواعد المبتدأة العديمة النظير لا يقاس عليها مع أنه يعقل معناها لأنه لا يوجد لها نظير خارج مما تناوله النص والإجماع والمانع من القياس فقد العلة في غير المنصوص فكأنه معلل بعلة قاصرة ومثاله رخص السفر في القصر والمسح على الخفين ورخصة المضطر في أكل الميتة وضرب الدية على العاقلة وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين والشفعة في العقار وخاصية الإجارة والنكاح وحكم اللعان والقسامة وغير ذلك من نظائرها فإن هذه القواعد متباينة المأخذ فلا يجوز أن يقال بعضها خارج عن قياس البعض بل لكل واحد من هذه القواعد معنى منفرد به لايوجد له نظير فيه فليس البعض بأن يوضع أصلا ويجعل الآخر خارجا عن قياسه بأولى من عكسه ولا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته وتحقيقه أنا نعلم أنه إنما جوز المسح على الخف لعسر النزع ومسيس الحاجة إلى استصحابه فلا نقيس عليه العمامة والقفازين وما لا يستر جميع القدم لا لأنه خارج عن القياس لكن لأنه لا يوجد ما يساويه في الحاجة وعسر النزع وعموم الوقوع وكذلك رخصة السفر لا شك في ثبوتها بالمشقة ولا يقاس عليها مشقة أخرى لأنها لا يشاركها غيرها في جملة معانيها ومصالحها لأن المرض يحوج إلى الجمع لا إلى القصر وقد يقضي في حقه بالرد من القيام إلى القعود ولما ساواه في حاجة الفطر سوى الشرع بينهما وكذلك قولهم تناول الميتة رخصة خارجة عن القياس غلط لأنه إن أريد به أنه لا يقاس عليه غير المضطر فلأنه ليس في معناه وإلا فلنقس الخمر على الميتة والمكره على المضطر فهو منقاس وكذلك بداءة الشرع بإيمان المدعي في القسامة لشرف أمر الدم ولخاصية لا يوجد مثلها في غيره ولأنه عديم النظير فلا يقاس عليه وأقرب شيء إليه البضع وقد ورد تصديق المدعي باللعان على ما يليق به وكذلك ضرب الدية على العاقلة فإن ذلك حكم الجاهلية قرره الشرع لكثرة وقوع الخطأ وشدة الحاجة إلى ممارسة السلاح ولا نظير له في غير الدية وهذا مما يكثر فبهذا يعرف أن قول الفقهاء تأقت الإجارة خارج عن قياس البيع والنكاح خطأ كقولهم تأبد البيع والنكاح خارج عن قياس الإجارة وتأقت المساقاة خارج عن تأبد القراض بل تأبد القراض خارج عن قياس تأقت المسافاة فإذا هذه الأقسام الأربعة لا بد من فهمها وبفهم بيانها يحصل الوقوف على سر هذا الأصل الركن الثاني للقياس وله خمسة شروط الشرط الأول أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع فإن تعدي الحكم فرع تعدي العلة فإن كان وجودها في الفرع غير مقطوع به لكنه مظنون صح الحكم وقال قوم لا يجوز ذلك لأن مشاركته للأصل في العلة لم تعلم وإنما المعلوم بالقياس أن الحكم يتبع العلة ولا يقتصر على المحل أما إذا وقع الشك في العلة فلا يلحق وهذا ضعيف لأنه إذا ثبت أن النجاسة هي علة بطلان البيع في جلد الميتة قسنا عليه الكلب إذا ثبت عندنا نجاسة الكلب بدليل مظنون وكذلك قد يكون علة الكفارة العصيان ويدرك تحقيقه في بعض الصور بدليل ظني فإذا ثبت التحق بالأصل وكذلك الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة فطرح فيه التراب فإن كان التراب ساترا كالزعفران لم تزل النجاسة وإن كان مبطلا كهبوب الريح وطول المدة زالت النجاسة وربما يعرف ذلك بدليل ظني فالظن كالعلم في هذه الأبواب

Bölüm V01/P326–V01/P328

الثاني أن لا يتقدم الفرع في الثبوت على الأصل ومثاله قياس الوضوء على التيمم في النية والتيمم متأخر وهذا فيه نظر لأنه إذا كان بطريق الدلالة فالدليل يجوز أن يتأخر عن المدلول فإن حدوث العالم دل على الصانع القديم وإن كان بطريق التعليل فلا يستقيم لأن الحكم يحدث بحدوث العلة فكيف يتأخر عن المعلول لكن يمكن العدول إلى طريق الاستدلال فإن إثبات الشرع الحكم في التيمم على وفق العلة يشهد لكونه ملحوظا بعين الاعتبار وإن كان للعلة دليل آخر سوى التيمم فلا يكون التيمم وحده دليلا لعلة الوضوء السابق الثالث أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل في جنسية ولا في زيادة ولا نقصان فإن القياس عبارة عن تعدية حكم من محل إلى محل فكيف يختلف بالتعدية وليس من شكل القياس قول القائل بلغ رأس المال أقصى مراتب الأعيان فليبلغ المسلم فيه أقصى مراتب الديون قياسا لأحد العوضين على الآخر لأن هذا إلحاق فرع بأصل في إثبات خلاف حكمه الرابع أن يكون الحكم في الفرع مما ثبتت حملته بالنص وإن لم يثبت تفصيله وهذا ذكره أبو هاشم وقال لولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة لما نظرت الصحابة في توريث الجد مع الأخوة وهذا فاسد لأنهم قاسوا قوله أنت علي حرام على الظهار والطلاق واليمين ولم يكن قد ورد فيه حكم لا على العموم ولا على الخصوص بل الكم إذا ثبت في الأصل بعلة تعدي بتعدي العلة كيفما كان الخامس أن لا يكون الفرع منصوصا عليه فإنه إنما يطلب الحكم بقياس أصل آخر فيما لا نص فيه فإن قيل فلم قستم كفارة الظهار على كفارة القتل في الرقبة المؤمنة والظهار أيضا منصوص عليه واسم الرقبة يشمل الكافرة قلنا اسم الرقبة ليس نصا في إجزاء الكافرة لكنه ظاهر فيه كما في المعيبة وعلة اشتراط الأيمان في كفارة القتل عرفنا تخصيص عموم آية الظهار فخرج عن أن يكون أجزاء الكافرة منصوصا عليه فطلبنا حكمه بالقياس لذلك الركن الثالث الحكم وشرطه أن يكون حكما شرعيا لم يتعبد فيه بالعلم وبيانه بمسائل مسألة ( لا قياس في اللغويات والعقليات ) الحكم العقلي والاسم اللغوي لا يثبت بالقياس فلا يجوز إثبات اسم الخمر للنبيذ الزنا للواط والسرقة للنبش والخليط للجار بالقياس لأن العرب تسمي الخمر إذا حمضت خلا لحموضته ولا تجريه في كل حامض وتسمي الفرس أدهم لسواده ولا تجريه في كل أسود وتسمي القطع في الآنف جدعا ولا تطرده في غيره وهذه المسألة قد قدمناها فلا نعيدها وكذلك لا يعرف كون المكره قاتلا والشاهد قاتلا والشريك قاتلا بالقياس بل يتعرف حد القتل بالبحث العقلي وكذلك غاصب الماشية هل هو غاصب للنتاج والمستولي على العقار هل هو غاصب للغلة فهذه مباحث عقلية تعرف بصناعة الجدل نعم يجوز أن يقال ألحق الشرع الشريك بالمنفرد بالقتل حكما فنقيس عليه الشريك في القطع والحق المكره بالقاتل فنقيس عليه الشاهد إذا رجع وذلك إلحاق من ليس قائلا بالقاتل في الحكم مسألة ( لا قياس في الأمور التعبدية ) ما تعبد فيه بالعلم لا يجوز إثباته بالقياس كمن يريد إثبات خبر الواحد بالقياس على قبول الشهادة ولذلك أورد في مثال هذا الباب إثبات صلاة سادسة أو صوم شوال أنه لا يثبت بالقياس لأن مثل هذه الأصول ينبغي أن تكون معلومة وهذا فيه نظر إذ يمكن أن يقال إن الوتر صلاة سادسة وقد وقع الخلاف في وجوبها فلم يشترط أن تكون السادسة معلومة الوجوب على القطع بل سبب بطلان هذا القياس علمنا ببطلانه لأنه لو وجب صوم شوال وصلاة سادسة لكانت العادة تحيل أن لا يتواتر أو لأنا لا نجد أصلا نقيسه عليه فإنه لا يمكن قياس شوال على رمضان إذ لم يثبت لنا أن وجوب صوم رمضان لأنه شهر من الشهور أو وقت من الأوقات أو لو صف يشاركه فيه شوال حتى يقاس عليه مسألة ( قياس الدلالة وقياس العلة )

Bölüm V01/P328–V01/P329

اختلفوا في أن النفي الأصلي هل يعرف بالقياس وأعني بالنفي الأصلي البقاء على ما كان قبل ورود الشرع والمختار أنه يجري فيه قياس الدلالة لا قياس العلة وقياس الدلالة أن يستبدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن مثله ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل وإلا فهو باستصحاب موجب العقل النافي للأحكام قبل ورود الشرع مستغن عن الاستدلال بالنظر أما قياس العلة فلا يجري لأن الصلاة السادسة وصوم شوال انتفى وجوبهما لأنه لا موجب لهما كما كان قبل ورود الشرع وليس ذلك حكما حادثا سمعيا حتى تطلب له علة شرعية بل ليس ذلك من أحكام الشرع بل هو نفي لحكم الشرع ولا علة له إنما العلة لما يتجدد فحدوث العالم له سبب وهو إرادة الصانع أما عدمه في الأزل فلم تكن له علة إذ لو أحيل على إرادة الله تعالى لوجب أن ينقلب موجودا لو قدرنا عدم المريد والإرادة كما أن الإرادة لو قدر انتفاؤها لانتفى وجود العالم في وقت حدوثه فإذا لم يكن الانتفاء الأصلي حكما شرعيا على لتحقيق لم يثبت بعلة سمعية أما النفي الطارىء كبراءة الذمة عن الدين فهو حكم شرعي يفتقر إلى علة فيجري فيه قياس العلة مسألة ( قياس الحكم المعلل ) كل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه وحكم الشرع نوعان أحدهما نفس الحكم والثاني نصب أسباب الحكم فلله تعالى في إيجاب الرجم والقطع على الزاني والسارق حكمان أحدهما إيجاب الرجم والآخر نصب الزنا سببا لوجوب الرجم فيقال وجب الرجم في الزنا لعلة كذا وتلك العلة موجودة في اللواط فنجعله سببا وإن كان لا يسمى زنا وأنكر أبو زيد الدبوسي هذا النوع من التعليل وقال الحكم يتبع السبب دون حكمة السبب وإنما الحكمة ثمرة وليست بعلة فلا يجوز أن يقال جعل القتل سببا للقصاص للزجر والردع فينبغي أن يجب القصاص على شهود القصاص لمسيس الحاجة إلى الزجر وإن لم يتحقق القتل وهذا فاسد والبرهان القاطع على أن هذا الحكم شرعي أعني نصب الأسباب لإيجاب الأحكام فيمكن أن تعقل علته ويمكن أن يتعدى إلى سبب آخر فإن اعترفوا بإمكان معرفة العلة وإمكان تعديته ثم توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم كمن يقول يجري القياس في حكم الضمان لا في القصاص وفي البيع لا في النكاح وإن ادعوا الإحالة فمن أين عرفوا استحالته أبضرورة أو نظر ولا بد من بيانه كيف ونحن نبين إمكانه بالأمثلة فإن قيل الإمكان مسلم في العقل لكنه غير واقع لأنه لا يلفي للأسباب علة مستقيمة تتعدى فنقول الآن قد ارتفع النزاع الأصولي إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا تعقل العلة أو لا تتعدى وهم قد ساعدوا على جواز القياس حيث أمكن معرفة العلة وتعديتها فارتفع الخلاف الجواب الثاني هو أنا نذكر إمكان القياس في الأسباب على منهجين المنهج الأول ما لقبناه بتنقيح مناط الحكم فنقول قياسنا اللائط والنباش على الزاني والسارق مع الاعتراق بخروج النباش واللائط عن اسم الزاني والسارق كقياسكم الأكل على الجماع في كفارة الفطر مع أن الأكل لا يسمى وقاعا وقد قال الأعرابي واقعت في نهار رمضان فإن قيل ليس هذا قياسا فإنا نعرف بالبحث أن الكفارة ليست كفارة الجماع بل كفارة الإفطار قلنا وكذلك نقول ليس الحد حد الزنا بل حد إيلاج الفرج في الفرج المحرم قطعا المشتهى طبعا والقطع قطع أخذ مال محرز لا شبهة للأخذ فيه فإن قيل إنما القياس أن يقال علق الحكم بالزنا لعلة كذا وهي موجودة في غير الزنا وعلقت الكفارة بالوقاع لعلة كذا

Bölüm V01/P329–V01/P330

وهي موجودة في الأكل كما يقال أثبت التحريم في الخمر لعلة الشدة وهي موجودة في النبيذ ونحن في الكفارة نبين أنه لم يثبت الحكم للجماع ولم يتعلق به فنتعرف محل الحكم الوارد شرعا أنه أين ورد وكيف ورد وليس هذا قياسا فإن استمر لكم مثل هذا في اللائط والنباش فنحن لا ننازع فيه قلنا فهذا الطريق جار لنا في اللائط والنباش بلا فرق وهو نوع إلحاق لغير المنصوص بالمنصوص بفهم العلة التي هي مناط الحكم فيرجع النزاع إلى الاسم المنهج الثاني هو أنا نقول إذا انفتح باب المنهج الأول تعدينا إلى إيقاع الحكم والتعليل بها فإنا لسنا نعني بالحكمة إلا المصلحة المخيلة المناسبة كقولنا في قوله عليه السلام لا يقض القاضي وهو غضبان إنه إنما جعل الغضب سبب المنع لأنه يدهش العقل ويمنع من استيفاء الفكر وذلك موجود في الجوع المفرط والعطش المفرط والألم المبرح فنقيسه عليه وكقولنا أن الصبي يولي عليه لحكمة وهي عجزه عن النظر لنفسه فليس الصبا سبب الولاية لذاته بل لهذه الحكمة فننصب الجنون سببا قياسا على الصغر والدليل على جواز مثل ذلك اتفاق عمر وعلي رضي الله عنهما على جواز قتل الجماعة بالواحد والشرع إنما أوجب القتل على القاتل والشريك ليس بقاتل على الكمال لكنهم قالوا إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء وهذا المعنى يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد ونزيد على هذا القياس ونقول هذه الحكمة جريانها في الأطراف كجريانها في النفوس فيصان الطرف في القصاص عن المشارك كما يصان عن المنفرد وكذلك نقول يجب القصاص بالجارح لحكمة الزجر وعصمة الدماء فالمثقل في معنى الجارح بالإضافة إلى هذه العلة فهذه تعليلات معقولة في هذه الأسباب لا فرق بينها وبين تعليل تحريم الخمر بالشدة وتعليل ولاية الصغر بالعجز ومنع الحكم بالغضب فإن قيل المانع منه أن الزجر حكمة وهي ثمرة وإنما تحصل بعد القصاص وتتأخر عنه فكيف تكون علة وجوب القصاص بل علة وجوب القصاص القتل قلنا مسلم أن علة وجوب القصاص القتل لكن علة كون القتل علة للقصاص الحاجة إلى الزجر والحاجة إلى الزجر هي العلة دون نفس الزجر والحاجة سابقة وحصول الزجر هو المتأخر إذ يقال خرج الأمير عن البلد للقاء زيد ولقاء زيد يقع بعد خروجه ولكن تكون الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة عليه وإنما المتأخر نفس اللقاء فكذلك الحاجة إلى عصمة الدماء هي الباعثة للشرع على جعل القتل سببا للقصاص والشريك في هذا المعنى يساوي المنفرد والمثقل يساوي الجارح فألحق به قياسا مسألة ( قياس الحدود والكفارات ) نقل عن قوم أن القياس لا يجري في الكفارات والحدود وما قدمناه يبين فساد هذا الكلام فإن إلحاق الأكل بالجماع قياس وإلحاق النباش بالسارق قياس فإن زعموا أن ذلك تنقيح لمناط الحكم لا استنباط للمناط فما ذكروه حق والانصاف يقتضي مساعدتهم إذ فسروا كلامهم بهذا فيجب الاعتراف بأن الجاري في الكفارات والحدود بل وفي سائر أسباب الأحكام المنهج الأول في الإلحاق دون المنهج الثاني وأن المنهج الثاني يرجع إلى تنقيح مناط الحكم وهو المنهج الأول فإنا إذا ألحقنا المجنون بالصبي بان لنا أن الصبا لم يكن مناط الولاية بل أمر أعم منه وهو فقد عقل التدبير وإذا ألحقنا الجوع بالغضب بان لنا أن الغضب لم يكن مناطا بل أمر أعم منه وهو ما يدهش العقل عن النظر وعند هذا يظهر الفرق للمنصف بين تعليل الحكم وتعليل السبب

Bölüm V01/P330–V01/P331

فإن تعليل الحكم تعدية الحكم عن محله وتقريره في محله فإنا نقول حرم الشرع شرب الخمر والخمر محل الحكم ونحن نطلب مناط الحكم وعلته فإذا تبينت لنا الشدة عديناها إلى النبيذ فضممنا النبيذ إلى الخمر في التحريم ولم نغير من أمر الخمر شيئا أما ههنا إذا قلنا علق الشرع الرجم بالزنا لعلة كذا فيلحق به غير الزنا يناقض آخر الكلام أوله لأن الزنا إن كان مناطا من حيث أنه زنا فإذا ألحقنا به ما ليس بزنا فقد أخرجنا الزنا عن كونه مناطا فكيف يعلل كونه مناطا بما يخرجه عن كونه مناطا والتعليل تقرير لا تغيير ومن ضرورة تعليل الأسباب تغييرها فإنك إذا اعترفت بكونه سببا ثم أثبت ذلك الحكم بعينه عند فقد ذلك السبب فقد نقضت قولك الأول أنه سبب فإنا إذا ألحقنا الأكل بالجماع بان لنا بالآخرة أن الجماع لم يكن هو السبب بل معنى أعم منه وهو الإفطار وإنما كان يكون هذا تعليلا لو بقي الجماع مناطا وانضم إليه مناط آخر يشاركه في العلة كما بقي الخمر محلا للتحريم وانضم إليه محل آخر وهو النبيذ فلم يخرج المحل الذي طلبنا علة حكمه عن كونه محلا لكن انضم إليه محل آخر وهو الأكل وذلك محال بل الحاق الأكل يخرج وصف الجماع عن كونه مناطا ويوجب حذفه عن درجة الاعتبار ويوجب إضافة الحكم إلى معنى آخر حتى يصير وصف الجماع حشوا زائدا وكذلك يصير وصف الزنا حشوا زائدا ويعود الأمر إلى أن مناط الرجم وصف زائد لأن مناط الرجم أمر أعم من الزنا وهو إيلاج فرج في فرج حرام فإذا مهما فسر مذهبهم على هذا الوجه اقتضى الانصاف المساعدة والله أعلم الركن الرابع العلة ويجوز أن تكون العلة حكما كقولنا بطل بيع الخمر لأن حرم الانتفاع به ولأنه نجس وغلط من قال أن الحكم أيضا يحتاج إلى علة فلا يعلل به ويجوز أن يكون وصفا محسوسا عارضا كالشدة أو لازما كالطعم والنقدية والصغر أو من أفعال المكلفين كالقتل والسرقة أو وصفا مجردا أو مركبا من أوصاف ولا فرق بين أن يكون نفيا أو إثباتا ويجوز أن يكون مناسبا وغير مناسب أو متضمنا لمصلحة مناسبة ويجوز أن لا تكون العلة موجودة في محل الحكم كتحريم نكاح الأمة بعلة رق الولد وتفارق العلة الشرعية في بعض هذه المعاني العلة العقلية على ما بينا في كتاب التهذيب ولم نر فيه فائدة لأن العلة العقلية مما لا نراها أصلا فلا معنى لقولهم العلم علة كون العالم عالما لا كون الذات عالمة ولا أن العالمية حال وراء قيام العلم بالذات فلا وجه لهذا عندنا في المعقولات بل لا معنى لكونه عالما إلا قيام العلم بذاته وأما الفقهيات فمعنى العلة فيها العلامة وسائر الأقسام التي ذكرناها يجوز أن ينصبها الشارع علامة فالذي يتعرض له في هذا الركن كيفية إضافة الحكم إلى العلة ويتهذب ذلك بالنظر في أربع مسائل إحداها تخلف الحكم عن العلة مع وجودها وهو الملقب بالنقض والتخصيص والثانية وجود الحكم دون العلة وهو الملقب بالعكس وتعليل الحكم بعلتين والثالثة أن الحكم في محل النص يضاف إلى النص أو إلى العلة وعنه تتشعب الرابعة وهي العلة القاصرة مسألة ( تخصيص العلة ) الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل اختلفوا في تخصيص العلة ومعناه أن فقد الحكم مع وجود العلة يبين فساد العلة وانتفاضها أو يبقيها علة ولكن يخصصها بما وراء موقعها فقال قوم إنه ينقض العلة ويفسدها

Bölüm V01/P331–V01/P332

ويبين أنها لم تكن علة إذ لو كانت لاطردت ووجد الحكم حيث وجدت وقال قوم تبقى علة فيما وراء النقض وتخلف الحكم عنها يخصصها كتخلف حكم العموم فإنه يخصص العموم بما وراءه وقال قوم إن كانت العلة مستنبطة مظنونة انتقضت وفسدت وإن كانت منصوصا عليها تخصصت ولم تنتقض وسبيل كشف الغطاء عن الحق أن نقول تخلف الحكم عن العلة يعرض على ثلاثة أوجه الأول أن يعرض في صوب جريان العلة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمى نقضا وهو ينقسم إلى ما يعلم أنه ورد مستثنى عن القياس وإلى ما لا يظهر ذلك منه فما ظهر أنه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس فلا يرد نقضا على القياس ولا يفسد العلة بل يخصصها بما وراء المستثنى فتكون علة في غير محل الاستثناء ولا فرق بين أن يرد ذلك على علة مقطوعة أو مظنونة مثال الوارد على العلة المقطوعة إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة فإن علة إيجاب المثل في المثليات المتلفة تماثل الأجزاء والشرع لم ينقض هذه العلة إذ عليها تعويلنا في الضمانات لكن استثنى هذه الصورة فهذا الاستثناء لا يبين للمجتهد فساد هذه العلة ولا ينبغي أن يكلف المناظر الاحتراز عنه حتى يقول في علته تماثل أجزاء في غير المصراة فيقتضي إيجاب المثل لأن هذا تكليف قبيح وكذلك صدور الجناية من الشخص علة وجوب الغرامة عليه فورود الضرب على العاقلة لم ينقض هذه العلة ولم يفسد هذا القياس لكن استثنى هذه الصورة فتخصصت العلة بما وراءها ومثال ما يرد على العلة المظنونة مسألة العرايا فإنها لا تنقض التعليل بالطعم إذ فهم أن ذلك استثناء لرخصة الحاجة ولم يرد ورود النسخ للربا ودليل كونه مستثنى أنه يرد على علة الكيل وعلى كل علة وكذلك إذا قلنا عبادة مفروضة فتفتقر إلى تعيين النية لم تنتقض بالحج فإنه ورد على خلاف قياس العبادات لأنه لو أهل بإهلال زيد صح ولا يعهد مثله في العبادات أما إذا لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو إما أن يرد على العلة المنصوصة أو على المظنونة فإن ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلا بأن ينعطف منه قيد على العلة ويتبين أن ما ذكرناه لم يكن تمام العلة مثاله قولنا خارح فينقض الطهارة أخذا من قوله الوضوء مما خرج ثم بأن أنه لم يتوضأ من الحجامة فعلمنا أن العلة بتمامها لم يذكرها وأن العلة خارج من المخرج المعتاد فكان ما ذكرناه بعض العلة فالعلة إن كانت منصوصة ولم يرد النقض مورد الاستثناء لم يتصور إلا كذلك فإن لم تكن كذلك فيجب تأويل التعليل إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد به التعليل لذلك الحكم فقوله تعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين الحشر 2 ثم قال ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الحشر وليس كل من يشاقق الله يخرب بيته فتكون العلة منقوضة ولا يمكن أن يقال إنه علة في حقهم خاصة لأن هذا يعد تهافتا في الكلام بل نقول تبين بآخر الكلام أن الحكم المعلل ليس هو نفس الخراب بل استحقاق الخراب خرب أو لم يخرب أو نقول ليس الخراب معلولا بهذه العلة لكونه خرابا بل لكونه عذابا وكل من شاق الله وسوله فهو معذب إما بخراب البيت أو غيره فإن لم يتكلف مثل هذا كان الكلام منتقضا أما إذا ورد على العلة المظنونة لا في معرض الاستثناء وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإخالة أن كانت العلة مخيلة أو من طريق الشبه إن كانت شبها فهذا بين أن ما ذكرناه أولا لم يكن تمام العلة وانعطف قيد على العلة من مسألة النقض به يندفع النقص

Bölüm V01/P332–V01/P333

أما إذا كانت العلة مخيلة ولم ينقدح جواب مناسب وأمكن أن يكون النقض دليلا على فساد العلة وأمكن أن يكون معرفا اختصاص العلة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبيهة يفصلها عن غير مجراها فهذا الاحتراز عنه مهم في الجدل للمتناظرين لكن المجتهد الناظر ماذا عليه أن يعتقد في هذه العلة الانتقاض والفساد أو التخصيص هذا عندي في محل الاجتهاد ويتبع كل مجتهد ما غلب على ظنه ومثاله قولنا صوم رمضان يفتقر إلى النية لأن النية لا تنعطف على ما مضى وصوم جميع النهار واجب وأنه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع فإنه لا يصح إلا بنية ولا يتجزأ على المذهب الصحيح ولا مبالاة بمذهب من يقول إنه صائم بعض النهار فيحتمل أن ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلة بسبب التطوع ويحتمل أن ينقدح له أن التطوع ورد مستثنى رخصة لتكثير النوافل فإن الشرع قد سامح في النفل بما لم يسامح به في الفرض فالمخيل الذي ذكرناه يستعمل في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلا بين مجرى العلة وموقعها ويكون ذلك وصفا شبيها اعتبر في استعمال المخيل وتميز مجراه عن موقعه ومن أنكر قياس الشبه جوز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي فأكثر العلل المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل معنى مناسب على مذاق أصل العلة وهذا التردد إنما ينقدح في معنى مؤثرة بالاتفاق من قولنا إن كل اليوم واجب وإن النية عزم لا ينعطف على الماضي وأن الصوم لا يصح إلا بنية فإن كانت العلة مناسبة بحيث تفتقر إلى أصل يستشهد به فإنما يشهد لصحته ثبوت الحكم في موضع آخر على وفقه فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم عنه في موضع آخر فإن إثبات الحكم على وفق المعنى إن دل على التفات الشرع فقطع الحكم أيضا يدل على إعراض الشرع وقول القائل أنا أتبعه إلا في محل إعراض الشرع بالنص ليس هو أولى ممن قال أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع إياه بالتنصيص على الحكم وعلى الجملة يجوز أن يصرح الشرع بتخصيص العلة واستثناء صورة حكم عنها ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلة احتمل أن يكون لفساد العلة واحتمل أن يكون لتخصيص العلة فإن كانت العلة قطعية كان تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلة وإن كانت العلة مظنونة ولا مستند للظن إلا إثبات الحجم في موضع على وفقها فينقطع هذا الظن بإعراض الشرع عن اتباعها في موضع آخر وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة تبييت النية كان ذلك في محل الاجتهاد الوجه الثاني لانتفاء حكم العلة أن ينتفي لا لخلل في نفس العلة لكن يندفع الحكم عنه بمعارضة علة أخرى دافعة مثاله قولنا إن علة رق الولد ملك الأم ثم المغرور بحرية جارية ينعقد ولده حرا وقد وجد رق الأم وانتفى الولد لكن هذا انعدام بطريق الاندفاع لعلة دافعة مع كمال العلة المرقة بدليل أن الغرم يجب على المغرور ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع لما وجبت قيمة الولد فهذا النمط لا يرد نقضا على المناظر ولا يبين لنظر المجتهد فسادا في العلة لأن الحكم ههنا كأنه حاصل تقديرا الوجه الثالث أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلة ويكون تخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها أو شرطها أو أهلها كقولنا السرقة علة القطع وقد وجدت في النباش فليجب القطع فقيل يبطل بسرقة ما دون النصاب وسرقة الصبي والسرقة من غير الحرز ونقول البيع علة الملك وقد جرى فليثبت الملك في زمان الخيار فقيل هذا باطل ببيع المستولدة والموقوف والمرهون وأمثال ذلك فهذا جنس لا يلتفت إليه المجتهد لأن نظره في تحقيق العلة دون شرطها ومحلها فهو مائل عن صوب نظره

Bölüm V01/P333–V01/P334

أما المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أو يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن مقصد النظر وليس عليه البحث عن المحل والشرط هذا مما اختلف الجدليون فيه والخطب فيه يسير فالجدل شريعة وضعها الجدليون وإليهم وضعها كيف شاؤوا وتكلف الاحتراز أجمع لنشر الكلام وذلك بأن يقول بيع صدر من أهله وصادف محله وجمع شرطه فيفيد الملك ويقول سرق نصابا كاملا من حرز لا شبهة له فيه فيفيد القطع فإن قيل فقد ذكرتم أن النقض إذا ورد على صوب جريان العلة وكان مستثنى عن القياس لم يقبل فبم يعرف الاستثناء وما من معلل يرد عليه نقض إلا وهو يدعي ذلك قلنا أما المجتهد فلا يعاند نفسه فيتبع فيه موجب ظنه وأما المناظر فلا يقبل ذلك منه إلا أن يبين اضطرار الخصم إلى الاعتراف بأنه على خلاف قياسه أيضا فإن قياس أبي حنيفة في الحاجة إلى تعيين النية يوجب افتقار الحج إلى التعيين فهو خارج عن قياسه أيضا فإن أمكنه إبراز قياس سوى مسألة النقض على قياس نفسه كانت علته المطردة أولى من علته المنقوضة ولم تقبل دعوى المعلل أنه خارج عن القياس فإن قيل فحيث أوردتم مسألة المصراة مثالا فهل تقولون إن العلة موجودة في مسألة المصراة وهي تماثل الأجزاء لكن اندفع الحكم بمانع النص كما تقولون في مسألة المغرور بحرية الولد قلنا لا لأن التماثل ليس علة لذاته بل يجعل الشرع إياه علامة على الحكم فحيث لم يثبت الحكم لم يجعله علامة فلم يكن علة كما أنا لا نقول الشدة الموجودة قبل تحريم الخمر كانت علة لكن لم يرتب الشرع عليها الحكم بل ما صارت علة إلا حيث جعلها الشرع علة وما جعلها علة إلا بعد نسخ إباحة الشرب فكذلك التماثل ليس علة في مسألة المصراة بخلاف مسألة المغرور فإن الحكم فيه ثابت تقديرا وكأنه ثبت ثم اندفع فهو في حكم المنقطع لا في حكم الممتنع ولو نصب شبكة ثم مات فتعقل بها صيد لقضى منه ديونه ويستحقه ورثته لأن نصب الشبكة سبب ملك الناصب للصيد ولكن الموت حالة تعقل الصيد دفع الملك فتلقاه الوارث وهو في حكم الثابت للميت المنتقل إلى الوارث فليفهم دقيقة الفرق بينهما فإن قيل إذا لم يكن التماثل علة في المصراة فقد انعطف به قيد على التماثل أفتقولون العلة في غير المصراة التماثل المطلق أو تماثل مضاف إلى غير المصراة فإن قلتم هو مطلق التماثل ومجرده فهو محال لأنه موجود في المصراة ولا حكم وإن قلتم هو تماثل مضاف فليجب على المعلل الاحتراز فإنه إذا ذكر التماثل المطلق فقد ذكر بعض العلة إذ ليست العلة مجرد التماثل بل التماثل مع قيد الإضافة إلى غير المصراة وعند هذا يكون انتفاء الحكم في مسألة المصراة لعدم العلة فلا يكون نقضا للعلة ولا تخصيصا فإذا قال القائل اقتلوا زيدا لسواده اقتضى ظاهره قتل كل أسود فلو ظهر بنص قاطع أنه ليس يقتل إلا زيد فقد بان أن العلة لم تكن السواد المطلق بل سواد زيد وسواد زيد لا يوجد إلا في زيد فإن لم يقتل غيره فلعدم العلة لا لخصوص العلة ولا لانتقاضها ولا لاستثنائها عن العلة والجواب أن هذا منشأ تخبط الناس في هذه المسألة وسبب غموضها أنهم تكلموا في تسمية مطلق التماثل علة قبل معرفة حد العلة وأن العلة الشرعية تسمى علة أي اعتبار وقد أطلق الناس اسم العلة باعتبارات مختلفة ولم يشعروا بها ثم تنازعوا في تسمية مثل هذا علة وفي تسمية مجرد السبب علة دون المحل والشرط فنقول اسم العلة مستعار في العلامات الشرعية وقد استعاروها من ثلاثة مواضع على أوجه مختلفة الأول الاستعارة من العلة العقلية وهو عبارة عما يوجب الحكم لذاته فعلى هذا لا يسمى التماثل علة لأنه بمجرده لا يوجب الحكم ولا يسمى السواد علة بل سواد زيد ولا تسمى الشدة المجردة علة لأنه بمجرده لا يوجب الحكم بل شدة في زمان

Bölüm V01/P334–V01/P335

الثاني الاستعارة من البواعث فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل فمن أعطى فقيرا فيقال أعطاه لفقره فلو علل به ثم منع فقيرا آخر فقيل له لم لم تعطه وهو فقير فيقول لأنه عدوي ومنع فقيرا ثالثا وقال لأنه معتزلي فلذلك لم أعطه فمن تغلب على طبعه عجرفة الكلام وجدله فقد يقول أخطأ في تعليلك الأول فكان من حقك أن تقول أعطيته لأنه فقير وليس عدوا ولا هو معتزلي ومن بقي على الاستقامة التي يقتضيها أصل الفطرة وطبع المحاورة لم يستبعد ذلك ولم يعده متناقضا وجوز أن يقول أعطيته لأنه فقير لأن باعثه هو الفقر وقد لا يحضره عند الإعطاء العداوة والاعتزال ولا انتفاؤهما ولو كانا جزأين من الباعث لم ينبعث إلا عند حضورهما في ذهنه وقد انبعث ولم يخطر بباله إلا مجرد الفقر فمن جوز تسمية الباعث علة فيجوز أن يسمى مجرد التماثل علة لأنه الذي يبعثنا على إيجاب المثل في ضمانه وإن لم يخطر ببالنا إضافنه إلى غير المصراة فإنه قد لا تحضرنا مسألة المصراة أصلا في تلك الحالة المأخذ الثالث لاسم العلة علة المريض وما يظهر المرض عنده كالبرودة فإنها علة المرض مثلا والمرض يظهر عقيب غلبة البرودة وإن كان لا يحصل بمجرد البرودة بل ربما ينضاف إليها من المزاج الأصلي أمور مثلا كالبياض لكن انضاف المرض إلى البرودة الحادثة وكما ينضاف الهلاك إلى اللطم الذي تحصل التردية به في البئر وإن كان مجرد اللطم لا يهلك دون البئر لكن يحال بالحكم على اللطم لا على التردية التي ظهر بها الهلاك دون ما تقدم وبهذا الاعتبار سمى الفقهاء الأسباب عللا فقالوا علة القصاص القتل وعلة القطع السرقة ولم يلتفوا إلى المحل والشرط فعلى هذا المأخذ أيضا يجوز أن يسمى التماثل المطلق علة وإذا عرف هذا المأخذ فمن قال مجرد التماثل هل هو علة فيقال له ما الذي تفهم من العلة وما الدي تعني بها فإن عنيت بها الموجب للحكم فهذا بمجرده لا يوجب فلا يكون علة وهذا هو اللائق بمن غلب طبع الكلام ولهذا أنكر الأستاذ أبو إسحق تخصيص العلة وإن كانت منصوصة وقال يصير التخصيص قيدا مضموما إلى العلة ويكون المجموع هو العلة وانتفاء الحكم عند انتفاء المجموع وفاء بالعلة وليس بنقص لها وإن عنيت به الباعث أو ما يظهر الحكم به عند الناظر وإن غفل عن غيره فيجوز تسميته علة هذا حكم النظر في التسمية في حق المجتهد أما الاحتراز في الجدل فهو تابع للاصطلاح ويقبح أن يكلف الاحتراز فيه فيقول تماثل في غير المصراة وشدة في غير ابتداء الإسلام وما يجري مجراه وأعلم أن العلة إن أخذت من العلة العقلية لم يكن للفرق بين المحل والعلة والشرط معنى بل العلة المجموع والمحل والأهل وصف من أوصاف العلة ولا فرق بين الجميع لأن العلة هي العلامة وإنما العلامة جملة الأوصاف والإضافات نعم لا ينكر ترجيح البعض على البعض في أحكام الضمان وغيرها إذ يحال الضمان على المردي دون الحافر وإن كان الهلاك لا يتم إلا بهما لنوع من الترجيح وكذلك لا ينكرون أن تعجيل الزكاة قبل الحول لا يدل على تعجيل الزكاة قبل تمام النصاب وإن كان كل واحد لا بد منه لكن ربما لا ينقدح للمجتهد التسوية بين جميع أجزاء العلة ويراها متفاوتة في مناسبة الحكم ولا يمتنع أيضا الاصطلاح على التعبير عن البعض بالمحل وعن البعض بركن العلة وهذا فيه كلام طويل ذكرناه في كتاب شفاء الغليل ولم نورده ههنا لأنها مباحث فقهية قد استوفيناها في الفقه فلا نطول الأصول بها مسألة ( تعليل الحكم بعلتين ) اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين

Bölüm V01/P335–V01/P336

والصحيح عندنا جوازه لأن العلة الشرعية علامة ولا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد وإنما يمتنع هذا في العلل العقلية ودليل جوازه وقوعه فإن من لمس ومس وبال في وقت واحد ينتقض وضوؤه ولا يحال على واحد من هذه الأسباب ومن أرضعته زوجة أخيك وأختك أيضا أو جمع لبنهما وانتهى إلى حلق المرضع في لحظة واحدة حرمت عليك لأنك خالها وعمها والنكاح فعل واحد وتحريمه حكم واحد ولا يمكن أن يحال على الخؤولة دون العمومة أو بعكسه ولا يمكن أن يقال هما تحريمان وحكمان بل التحريم له حد واحد وحقيقة واحدة ويستحيل اجتماع مثلين نعم لو فرض رضاع ونسب فيجوز أن يرجح النسب لقوته أو اجتمع ردة وعدة وحيض فيحرم الوطء فيجوز أن يتوهم تعديد التحريمات ولو قتل وارتد فيجوز أن يقال المستحق قتلان ولو قتل شخصين فكذلك ولو باع حرا بشرط خيار مجهول ربما قيل علة البطلان الحرية دون الخيار فهذه أوهام ربما تنقدح في بعض المواضع وإنما فرضناه في اللمس والمس والخؤولة والعمومة لدفع هذه الخيالات فدل هذا على إمكان نصب علامتين على حكم واحد وعلى وقوعه أيضا فإن قيل فإذا قاس المعلل على أصل بعلة فذكر المعترض علة أخرى في الأصل بطل قياس المعلل وإن أمكن الجمع بين علتين فلم يقبل هذا الاعتراض فنقول إنما يبطل به استشهاده بالأصل إن كانت علته ثابتة بطريق المناسبة المجردة دون التأثير أو بطريق العلامة الشبيهة أما إن كان بطريق التأثير أعني ما دل النص أو الإجماع على كونه علة فاقتران علة أخرى بها لا يفسدها كالبول والمس والخؤولة والعمومة في الرضاع إذ دل الشرع على أن كل واحد من المعنيين علة على حيالها أما إذا كان إثباته بشهادة الحكم والمناسبة انقطع الظن بظهور علة أخرى مثاله إن من أعطى إنسانا فوجدناه فقيرا ظننا أنه أعطاه لفقره وعللناه به وإن وجدناه قريبا عللنا بالقرابة فإن ظهر لنا الفقر بعد القرابة أمكن أن يكون الإعطاء للفقر لا للقرابة أو يكون لاجتماع الأمرين فيزول ذلك الظن لأن تمام ذلك الظن بالسبر وهو أنه لا بد من باعث على العطاء ولا باعث إلا الفقر فإذا هو الباعث أو لا باعث إلا القرابة فإذا هو الباعث فإذا ظهرت علة أخرى بطلت إحدى مقدمتي السبر وهو أنه لا باعث إلا كذا وكذلك عتقت بريرة تحت عبد فخيرها النبي عليه السلام فيقول أبو حنيفة خيرها لملكها نفسها ولزوال قهر الرق عنها فإنها كانت مقهورة في النكاح وهذا مناسب فيبني عليه تخييرها وإن عتقت تحت حر فقلنا العلة خيرها لتضررها بالمقام تحت عبد ولا يجري ذلك في الحر فكيف يلحق به وإمكان هذا يقدح في الظن الأول فإنه لا دليل له عليه إلا المناسبة ودفع الضرر أيضا مناسب وليست الحوالة على ذلك أولى من هذا إلا أن يظهر ترجيح لأحد المعنيين وأما مثال العلامة الشبهية فعلة الربا فإنه لم يذهب أحد إلى الجمع بين القوت والطعم والكيل على أن كل واحد علة لأنه لم يقم دليل من جهة النص والاجماع بل طريقة إظهار الضرورة في طلب علامة ضابطة مميزة مجرى الحكم عن موقعه إذ جرى الربا في الخبز والعجين مع زوال اسم البر فلا يتم النظر إلا بقولنا ولا بد من علامة ولا علامة أولى من الطعم فإذا هو العلامة فإذا ظهرت علامة أخرى مساوية بطلت المقدمة الثانية من النظر فانقطع الظن والحاصل أن كل تعليل يفتقر إلى السبر فمن ضرورته اتحاد العلة وإلا انقطع شهادة الحكم للعلة وما لا يفتقر إلى السبر كالمؤثر فوجود علة أخرى لا يضر وقد ذكرنا هذا في خواص هذه الأقيسة مسألة ( اشتراط العكس في العلة )

Bölüm V01/P336–V01/P338

اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية وهذا الخلاف لا معنى له بل لا بد من تفصيل وقبل التفصيل فاعلم أن العلامات الشرعية دلالات فإذا جاز اجتماع دلالات لم يكن من ضرورة انتفاء بعضها انتفاء الحكم لكنا نقول إن لم يكن للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم لا لأن انتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم بل لأن الحكم لا بد له من علة فإذا اتحدت العلة وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتا بغير سبب أما حيث تعددت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها والذي يدل على لزوم العكس عند اتحاد العلة أنا إذا قلنا لا تثبت الشفعة للجار لأن ثبوتها للشريك معلل بعلة الضرر اللاحق من التزاحم على المرافق المتخذة من المطبخ والخلاء والمطرح للتراب ومصعد السطح وغيره فلأبي حنيفة أن يقول هذا لا مدخل له في التأثير فإن الشفعة ثابتة في العرصة البيضاء وما لا مرافق له فهذا الآن عكس وهو لازم لأنه يقول لو كان هذا مناطا للحكم لانتفى الحكم عند انتفائه فنقول السبب فيه ضرر مزاحمة الشركة فنقول لو كان كذلك لثبت في شركة العبيد والحيوانات والمنقولات فإن قلنا ضرر الشركة فيما يبقى ويتأبد فيقول فلتجز في الحمام الصغير وما لا ينقسم فلا يزال يؤاخذنا بالطرد والعكس وهي مؤاخذة صحيحة إلى أن نعلل بضرر مؤونة القسمة ونأتي بتمام قيود العلة بحيث يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها وهذا المكان أنا أثبتنا هذه العلة بالمناسبة وشهادة الحكم لها لوروده على وفقها وشرط مثل هذه العلة الاتحاد وشرط الاتحاد العكس فإن قيل ولفظ العكس هل يراد به معنى سوى انتفاء الحكم عند انتفاء العلة قلنا هذا هو المعنى الأشهر وربما أطلق على غيره بطريق التوهم كما يقول الحنفي لما لم يجب القتل بصغير المثقل لم يجب بكبيره بدليل عكسه وهو أنه لما وجب بكبير الجارح وجب بصغيره وقالوا لما سقط بزوال العقل جميع العبادات ينبغي أن يجب برجوع العقل جميع العبادات وهذا فاسد لأنه لا مانع من أن يرد الشرع بوجوب القصاص بكل جارح وإن صغر ثم يخصص في المثقل بالكبير ولا بعد في أن يكون العقل شرطا في العبادات ثم لا يكفي مجرده للوجوب بل يستدعي شرطا آخر مسألة ( هل تصح العلة القاصرة أم لا ) العلة القاصرة صحيحة وذهب أبو حنيفة إلى إبطالها ونحن نقول أولا ينظر الناظر في استنباط العلة وإقامة الدليل على صحتها بالإيماء أو بالمناسبة أو تضمن المصلحة المبهمة ثم بعد ذلك ينظر فإن كان أعم من النص عدي حكمها وإلا اقتصر فالتعدية فرع الصحة فكيف يكون ما يتبع الشيء مصححا له فإن قيل كما أن البيع يراد للملك والنكاح للحل فإذا تخلفت فائدتهما قيل أنهما باطلان فكذلك العلة تراد لإثبات الحكم بها في غير محل النص فإذا لم يثبت بها حكم كانت باطلة لخلوها عن الفائدة وللجواب منهاجان أحدهما أن نسلم عدم الفائدة ونقول إن عنيتم بالبطلان أنه لا يثبت بها حكم في غير محل النص فهو مسلم ونحن لا نعني بالصحة إلا أن الناظر ينظر ويطلب العلة ولا ندري أن ما سيفضي إليه نظره قاصر أو متعد ويصحح العلة بما يغلب على ظنه من مناسبة أو مصلحة أو تضمن مصلحة ثم يعرف بعد ذلك تعديه أو قصوره فما ظهر من قصوره لا ينعطف فسادا على مأخذ ظنه ونظره ولا ينزع من قلبه ما قر في نفسه من التعليل فإذا فسرنا الصحة بهذا القدر لم يمكن جحده وإذا فسروا البطلان بما ذكروه لم نجحده وارتفع الخلاف

Bölüm V01/P338–V01/P339

الثاني أنا لا نسلم عدم الفائدة بل له فائدتان الأولى معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالة للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع والمسارعة إلى التصديق فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميل منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد ولمثله هذا الغرض استحب الوعظ وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص وعلى قدر حذقه يزيدها حسنا وتأكيدا فإن قيل هذا إنما يجري في المناسب دون الأوصاف الشبيهة مثل النقدية في الدراهم والدنانير وقد جوزتم التعليل بمثل هذه العلة القاصرة قلنا تعريف الأحكام بمعان توهم الاشتمال على مصلحة ومناسبة أقرب إلى العقول من تعريفها بمجرد الإضافة إلى الأسامي فلا تخلو من فائدة ثم إن لم تجر هذه الفائدة في العلة الشبهية فالفائدة الثانية جارية الفائدة الثانية المنع من تعدية الحكم عند ظهور علة أخرى متعدية إلا بشرط الترجيح فإن قيل تمتنع تعدية الحكم لا بظهور علة قاصرة بل بأن لا تظهر علة متعدية فأي حاجة إلى العلة القاصرة وإن ظهرت علة متعدية فلا يمتنع التعليل بالعلة القاصرة بل يعلل الحكم في الأصل بعلتين وفي الفرع بعلة واحدة قلنا ليس كذلك فإن كل علة مخيلة أو شبهية فإنما تثبت بشهادة الحكم وتتم بالسبر وشرطه الاتحاد كما سبق فإذا ظهرت علة أخرى انقطع الظن فإذا ظهرت علة متعدية يجب تعدية الحكم فإن أمكن التعليل بعلة قاصرة عارضت المتعدية ودفعتها إلا إذا اختصت المتعدية بنوع ترجيح فإذا أفادت القاصرة دفع المتعدية التي تساويها والمتعدية دفع القاصرة وتقاوما بقي الحكم مقصورا على النص ولولا القاصرة لتعدي الحكم فإن قيل إنما تصح العلة بفائدتها الخاصة بها وفائدة العلة الحكم بالفرع دون حكم الأصل فإن حكم الأصل ثابت بالنص لا بالعلة إنما الذي يثبت بالعلة حكم الفرع إذ فائدتها تعدية الحكم فإذا لم تكن تعدية فلا حكم للعلة قلنا قولكم فائدة العلة حكم الفرع محال لأن علة تحريم الربا في البر طعم البر ولا تحرم الذرة بطعم البر بل بطعم الذرة فحكم الفرع فائدة علة في الفرع لا فائدة علة في الأصل وقولكم حكمها التعدية محال فإن لفظ التعية تجوز واستعارة وإلا فالحكم لا يتعدى من الأصل إلى الفرع بل يثبت في الفرع مثل حكم الأصل عند وجود مثل تلك العلة فلا حقيقة للتعدي ويتولد من هذا النظر مسألة وهي أن العلة إذا كانت متعدية فالحكم في محل النص يضاف إلى العلة أو إلى النص فقال أصحاب الرأي يضاف إلى النص لأن الحكم مقطوع به في المنصوص والعلة مظنونة فكيف يضاف مقطوع إلى مظنون وقال أصحابنا يضاف إلى العلة وهو نزاع لا تحقيق تحته فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم فإنه لو ذكر جميع المسكرات بأسمائها فقال لا تشربوا الخمر والنبيذ وكذا وكذا ونص على جميع مجاري الحكم لكان استيعابه مجاري الحكم لا يمنعنا من أن نظن أن الباعث له على التحريم الإسكار فنقول الحكم مضاف إلى الخمر والنبيذ بالنص ولكن الإضافة إليه معلل بالشدة بمعنى أن باعث الشرع على التحريم هو الشدة وقولهم إنه مظنون فنقول ونحن لا نزيد على أن نقول نظن أن باعث الشرع الشدة فلا يسقط هذا الظن باستيعاب مجاري الحكم ولا حجر علينا في أن نصدق فنقول إنما نظن كذا مهما ظننا ذلك فإن قيل الظن جهل إنما يجوز لضرورة العمل والعلة القاصرة لا يتعلق بها عمل فلا يجوز الهجرة عليها برجم الظنون وعند هذا كاع بعض الأصحاب وقال إن كانت منصوصة جاز إضافة الحكم إليها في محل النص كالسرقة مثلا وإلا فلا ونحن نقول لا مانع من هذا الظن للفائدتين المذكورتين إحداهما استمالة القلوب إلى حسن التصديق والانقياد وأكثر المواعظ على هذه الصفة ظنية وخلقت طباع الآدميين مطيعة للظنون بل للأوهام وأكثر بواعث الناس على أعمالهم وعقائدهم في مصادرهم ومواردهم ظنون الفائدة الثانية مدافعة العلة المعارضة له كما سبق

Bölüm V01/P339–V01/P340

خاتما لهذا الباب فيما يفسد العلة قطعا وما يفسدها ظنا واجتهادا ومثارات فساد العلل القطعية أربعة الأول الأصل وشروطه أربعة الأول أن يكون حكما شرعيا فإن كان عقليا فلا يمكن أن يعلل بعلة تثبت حكما سمعيا الثاني أن يكون حكم الأصل معلوما بنص أو إجماع فإن كان مقيسا على أصل فهو فرع فالقياس عليه باطل قطعا إن لم يكن الجامع هو علة الأصل الأول وإن كان هو تلك العلة فتعيين الفرع مع إمكان القياس على الأصل عبث بلا فائدة والثالث أن يكون الأصل قابلا للتعليل لا كوجوب شهر رمضان وتقدير صلاة المغرب بثلاث ركعات وأمثاله وكان هذا فاسدا من جهة عدم الدليل على صحة العلة الرابع أن يكون الأصل المستنبط منه غير منسوخ فإن المنسوخ كان أصلا وليس هو الآن أصلا وليس من هذا القبيل قياس رمضان على صوم عاشوراء في التبييت فإن من سلم وجوبه في ابتداء الإسلام وسلم افتقاره إلى التبييت لم يبعد أن يستشهد به على رمضان الذي أبدل وجوب عاشوراء به فإن المنسوخ نفس الوجوب وليس نقيس في الوجوب لكن في مأخذ دلالة الوجوب على الحاجة إلى التبييت وهذا أيضا وإن كان قريبا فلا يخلو عن نظر المثار الثاني أن يكون من جهة الفرع وله وجوه ثلاثة الأول أن يثبت في الفرع خلاف حكم الأصل مثاله قوله بلغ برأس المال في السلم أقصى مراتب الأعيان فليبلغ بعوضه أقصى مراتب الديون قياسا لأحد العوضين على الآخر فهذا باطل قطعا لأنه خلاف صورة القياس إذ القياس لتعدية الحكم وليس هذا تعدية الثاني أن تثبت العلة في الأصل حكما مطلقا ولا يمكن أن تثبت في الفرع إلا بزيادة أو نقصان فهو باطل قطعا لأنه ليس على صورة تعدية الحكم فلا يكون قياسا مثاله قولهم شرع في صلاة الكسوف ركوع زائد لأنها صلاة تشرع فيها الجماعة فتختص بزيادة كصلاة الجمعة فإنها تختص بالخطبة وصلاة العيد فإنها تختص بالتكبيرات وهذا فاسد فإنه ليس يتمكن من تعدية الحكم على وجه وتفصيله الثالث أن لا يكون الحكم اسما لغويا فقد بينا أن اللغة لا تثبت قياسا وتلك المسألة قطعية وربما جعلها قوم مسألة اجتهادية وإثبات اسم الزنا والسرقة والخمر للائط والنباش والنبيذ من هذا القبيل فكان هذا بالمثار الأول أليق المثار الثالث أن يرجع الفساد إلى طريق العلة وهو على أوجه الأول انتفاء دليل على صحة العلة فإنه دليل قاطع على فاسدها فمن استدل على صحة علته بأنه لا دليل على فسادها فقياسه باطل قطعا وكذلك إن استدل بمجرد الاطراد على صحة العلة فإنه دليل قاطع على فاسدها فمن استدل على صحة علته بأنه لا دليل على فسادها فقياسه باطل قطعا وكذلك إن استدل بمجرد الاطراد إن لم ينضم إليه سبر وربما رأي بعضهم إبطال الطرد في محل الاجتهاد الثاني أن يستدل على صحة العلة بدليل عقلي فهو باطل قطعا فإن كون الشيء علة للحكم أمر شرعي الثالث أن تكون العلة دافعة للنص ومناقضة لحكم منصوص فالقياس على خلاف النص باطل قطعا وكذا على خلاف الإجماع وكذلك ما يخالف العلة المنصوصة كتعليل تحريم الخمر بغير الإسكار المثير للعداوة والبغضاء وليس التعليل بالكيل من هذا الجنس وإن دفع قوله لا تبيعوا الطعام بالطعام لأنه إيماء إلى التعليل بالطعم وليس بصريح لا يقبل التأويل وليس من هذا القبيل التعليل بعلة غير علة صاحب الشرع مع تقرير العلة المنصوصة فإن النص على علة واحدة لا يمنع وجود علة أخرى ولذلك يجوز تعليل الحكم بغير ما علل به الصحابة إذا لم تدفع علتهم إذ لم يكن فرض الصحابة استنباط جميع العلل المثار الرابع وضع القياس في غير موضعه كمن أراد أن يثبت أصل القياس أو أصل خبر الواحد بالقياس فقاس الرواية على الشهادة وكذلك المسائل الأصولية العقلية لا سبيل إلى إثباتها بالأقيسة الظنية فاستعمال القياس فيها وضع له في غير موضعه هذه المفسدات القطعية

Bölüm V01/P340–V01/P341

القسم الثاني في المفسدات الظنية الاجتهادية التي نعني بفسادها أنها فاسدة عندنا وفي حقنا إذ لم تغلب على ظننا وهي صحيحة في حق من غلبت على ظنه ومن قال المصيب واحد فيقول هي فاسدة في نفسها لا بالإضافة إلى أني أجوز أن أكون أنا المخطىء وعلى الجملة لا تأثيم في محل الاجتهاد ومن خالف الدليل القطعي فهو آثم وهذه المفسدات تسع الأول العلة المخصوصة باطلة عند من لا يرى تخصيص العلة صحيحة عند من يبقى ظنه مع التخصيص الثاني علة مخصصة لعموم القرآن هي صحيحة عندنا فاسدة عند من رأى تقديم العموم على القياس الثالث علة عارضتها علة تقتضي نقيض حكمها فاسدة عند من يقول المصيب واحد صحيحة عند من صوب كل مجتهد وهما علامتان لحكمين في حق المجتهدين وفي حق مجتهد واحد في حالتين فإن اجتمعا في حالة واحدة فقد نقول إنه يوجب التخيير كما سيأتي الرابع أن لا يدل على صحتها إلا الطرد والعكس وقد يقال ما يدل عليه مجرد الاطراد فهو أيضا في محل الاجتهاد الخامس أن يتضمن زيادة على النص كما في مسألة الرقبة الكافرة السادس القياس في الكفارات والحدود وقد ذكرنا في هذا ما يظن أنه يرفع الخلاف السابع ذهب قوم إلى أنه لا يجوز انتزاع العلة من خبر الواحد بل ينبغي أن تؤخذ من أصل مقطوع به وهذا فاسد ولا يبعد من أن يكون فساده مقطوعا به الثامن علة تخالف مذهب الصحابة وهي فاسدة عند من يوجب اتباع الصحابة وإن كان المنع من تقليد الصحابي مسألة اجتهادية فهذا مجتهد فيه ولا يبعد أن يقول بطلان ذلك المذهب مقطوع به التاسع أن يكون وجود العلة في الفرع مظنونا لا مقطوعا به وقد ذكرنا فيه خلافا والله أعلم هذه هي المفسدات ووراء هذا اعتراضات مثل المنع وفساد الوضع وعدم التأثير والكسر والفرق والقول بالموجب والتعدية والتركيب وما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أن تشح على الأوقات أن تضيعها بها وتفصيلها وإن تعلق بها فائدة من ضم نشر الكلام ورد كلام المناظرين إلى مجرى الخصام كيلا يذهب كل واحد عرضا وطولا في كلامه منحرفا عن مقصد نظره فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه بل هي من علم الجدل فينبغي أن تفرد بالنظر ولا تمزح بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين وهذا آخر القطب الثالث المشتمل على طرق استثمار الأحكام إما من صيغة اللفظ وموضوعه أو إشارته ومقتضاه ومعقوله ومعناه فقد استوفيناه والله أعلم القطب الرابع في حكم المستثمر وهو المجتهد ويشتمل هذا القطب على ثلاثة فنون فن في الاجتهاد وفين في التقليد وفن في ترجيح المجتهد دليلا على دليل عند التعارض الفن الأول في الاجتهاد والنظر في أركانه وأحكامه أما أركانه فثلاثة المجتهد والمجتهد فيه نفس الاجتهاد الركن الأول في نفس الاجتهاد وهو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد فيقال اجتهد في حمل حجر الرحا ولا يقال اجتهد في حمل خردلة لكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب الركن الثاني المجتهد وله شرطان أحدهما أن يكون محيطا بمدارك الشرع متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره والشرط الثاني أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه