Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Bölüm V01/P341–V01/P342

أما هو في نفسه فلا فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد فإن قيل متى يكون محيطا بمدارك الشرع وما تفصيل العلوم التي لا بد منها لتحصيل منصب الاجتهاد قلنا إنما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف المدارك المثمرة للأحكام وأن يعرف كيفية الاستثمار والمدارك المثمرة للأحكام كما فصلناها أربعة الكتاب والسنة والإجماع والعقل وطريق الاستثمار يتم بأربعة علوم اثنان مقدمان واثنان متممان وأربعة في الوسط فهذه ثمانية فلنفصلها ولننبه فيها على دقائق أهملها الأصوليون أما كتاب الله عز وجل فهو الأصل ولا بد من معرفته ولنخفف عنه أمرين أحدهما إنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام منه وهو مقدار خمسمائة آية الثاني لا يشترط حفظها عن ظهر قلبه بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث يطلب فيها الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة وأما السنة فلا بد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام وهي وإن كانت زائدة على ألوف فهي محصورة وفيها التخفيفان المذكوران إذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ وأحكام الآخرة وغيرها الثاني لا يلزمه حفظها عن ظهر قلبه بل أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام كسنن أبي داود ومعرفة السنن لأحمد البيهقي أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى وإن كان يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل وأما الاجماع فينبغي أن تتميز عنده مواقع الاجماع حتى لا يفتي بخلاف الإجماع كما يلزمه معرفة النصوص حتى لا يفتي بخلافها والتخفيف في هذا الأصل أنه لا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف بل كل مسألة يفتي فيها فينبغي أن يعلم أن فتواه ليس مخالفا للإجماع إما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض فهذا القدر فيه كفاية وأما العقل فنعني به مستند النفي الأصلي للأحكام فإن العقل قد دل على نفي الحرج في الأقوال والأفعال وعلى نفي الأحكام عنها من صور لا نهاية لها أما ما استثنته الأدلة السمعية من الكتاب والسنة فالمستثناة محصورة وإن كانت كثيرة فينبغي أن يرجع في كل واقعة إلى النفي الأصلي والبراءة الأصلية ويعلم أن ذلك لا يغير إلا بنص أو قياس على منصوص فيأخذ في طلب النصوص وفي معنى النصوص الإجماع وأفعال الرسول بالإضافة إلى ما يدل عليه الفعل على الشرط الذي فصلناه هذه المدارك الأربعة فأما العلوم الأربعة التي بها يعرف طرق الاستثمار فعلمان مقدمان أحدهما معرفة نصب الأدلة وشروطها التي بها تصير البراهين والأدلة منتجة والحاجة إلى هذا تعم المدارك الأربعة والثاني معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب وهذا يخص فائدة الكتاب والسنة ولكل واحد من هذين العلمين تفصيل وفيه تخفيف وتثقيل أما تفصيل العلم الأول فهو أن يعلم أقسام الأدلة وأشكالها وشروطها فيعلم أن الأدلة ثلاثة عقلية تدل لذاتها وشرعية صارت أدلة بوضع الشرع ووضعية وهي العبارات اللغوية ويحصل تمام المعرفة فيه بما ذكرناه في مقدمة الأصول من مدارك العقول لا بأقل منه فإن من لم يعرف شروط الأدلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع ولم يعرف مقدمة الشارع ولا عرف من أرسل الشارع ثم قالوا لا بد أن يعرف حدوث العالم وافتقاره إلى محدث موصوف بما يجب لهومن الصفات منزه عما يستحيل عليه وأنه متعبد عباده ببعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات وليكن عارفا بصدق الرسول والنظر في معجزته والتخفيف في هذا عندي أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم إذ به يصير مسلما والإسلام شرط المفتي لا محالة فأما معرفته بطرق الكلام والأدلة المحررة على عادتهم فليس بشرط إذا لم يكن في الصحابة والتابعين من يحسن صنعة الكلام

Bölüm V01/P342–V01/P343

فأما مجاوزة حد التقليد فيه إلى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته لكنه يقع من ضرورة منصب الاجتهاد فإنه لا يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إلا وقد قرع سمعه أدلة خلق العالم وأوصاف الخالق وبعثة الرسل وإعجاز القرآن فإن كل ذلك يشتمل عليه كتاب الله وذلك محصل للمعرفة الحقيقية مجاوز بصاحبه حد التقليد وإن لم يمارس صاحبه صنعة الكلام فهذا من لوازم منصب الاجتهاد حتى لو تصور مقلد محض في تصديق الرسول وأصول الإيمان لجاز له الاجتهاد في الفروع أما المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهة ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه وأما العلمان المتممان فأحدهما معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة وذلك في آيات وأحاديث مخصوصة والتخفيف فيه أن لا يشترط أنيكون جميعه على حفظه بل كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث فينبغي أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ليست من جملة المنسوخ وهذا يعم الكتاب والسنة الثاني وهو يخص السنة معرفة الرواية وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود فإن ما لا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه والتخفيف فيه أن كل حديث يفتى به مما قبلته الأمة فلا حاجة به إلى النظر في إسناده وإن خالفه بعض العلماء فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم فإن كانوا مشهورين عنده كما يرويه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا اعتمد عليه فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم والعدالة إنما تعرف بالخبرة والمشاهدة أو بتواتر الخبر فمانزل عنه فهو تقليد وذلك بأن يقلد البخاري ومسلما في أخبار الصحيحين وإنهما ما رووها إلا عمن عرفوا عدالته فهذا مجرد تقليد وإنما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم ثم ينظر في سيرهم أنها تقتضي العدالة أم لا وذلك طويل وهو في زماننا مع كثرة الوسائط عسير والتخفيف فيه أن يكتفي بتعديل الإمام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه في التعديل مذهب صحيح فإن المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح فإن من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة في حقه ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا يصادف إلا في الأئمة المشهورين فيقلد في معرفة سيرته عدلا فيما يخبر فنقلده في تعديله بعد أن عرفنا صحة مذهبه في التعديل فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها قصر الطريق على المفتي وإلا طال الأمر وعسر الخطب في هذا الزمان مع كثرة الوسائط ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الأعصار فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب الاجتهاد ومعظم ذلك يشتمل عليه ثلاثة فنون علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه فأما الكلام وتفاريع الفقه فلا حاجة إليهما وكيف يحتاج إلى تفاريع الفقه وهذه التفاريع يولدها المجتهدون ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد فكيف تكون شرطا في منصب الاجتهاد وتقدم الاجتهاد عليها شرط نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمان الصحابة ذلك ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا

Bölüm V01/P343–V01/P345

دقيقة في التخفيف يغفل عنها الأكثرون اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع وليس الاجتهاد عندي منصبا لا يتجزأ بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض فمن عرف طريق النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث فمن ينظر في مسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها وإن لم يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا ولي فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلق لتلك الأحاديث بها فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين المائدة 6 وقس عليه ما في معناه وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسألة فقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين منها لا أدري وكم توقف الشافعي رحمه الله بل الصحابة في المسائل فإذا لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري الركن الثالث المجتهد فيه والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام فإن الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطىء آثم وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطىء فيه آثما ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد فهذه هي الأركان فإذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله كان ما أدى إليه الاجتهاد حقا وصوابا كما سيأتي وقد ظن ظانون أن شرط المجتهد أن لا يكون نبيا فلم يجوزوا الاجتهاد للنبي وأن شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة فنرسم فيه مسألتين مسألة ( الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ) اختلفوا في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول عليه السلام فمنعه قوم وأجازه قوم وقال قوم يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في حضور النبي صلى الله عليه وسلم والذين جوزوا منهم من قال يجوز بالأذن ومنهم من قال يكفي سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اختلف المجوزون في وقوعه والمختار أن ذلك جائز في حضرته وغيبته وأن يدل عليه بالأذن أو السكوت لأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة وإن أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد لعلمه بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا وعصوا فإن قيل الاجتهاد مع النص محال وتعرف الحكم بالنص بالوحي الصريح ممكن فكيف يردهم إلى ورطة الظن قلنا فإذا قال لهم أوحي إلي أن حكم الله تعالى عليكم ما أدى إليه اجتهادكم وقد تعبدكم بالاجتهاد فهذا نص وقولهم الاجتهاد مع النص محال مسلم ولكن لم ينزل نص في الواقعة وإمكان النص لا يضاد الاجتهاد وإنما يضاده نفس النص كيف وقد تعبد النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء بقول الشهود حتى قال إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وكان يمكن نزول الوحي بالحق الصريح في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن وخوف الخطأ فأما وقوعه فالصحيح أنه قام الدليل على وقوعه في غيبته بدليل قصة معاذ فأما في حضرته فلم يقم فيه دليل فإن قيل فقد قال لعمرو بن العاص أحكم في بعض القضايا فقال إجتهد وأنت حاضر فقال نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر وقال لعقبة بن عامر ولرجل من الصحابة اجتهدوا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن أخطأتما فلكما حسنة قلنا حديث معاذ مشهور قبلته الأمة وهذه أخبار آحاد لا تثبت وأن ثبتت احتمل أن يكون مخصوصا بهما أو في واقعة معينة وإنما الكلام في جواز الاجتهاد مطلقا في زمانه

Bölüm V01/P345–V01/P346

مسألة ( اختلفوا في النبي عليه السلام ) هل يجوز له الحكم بالاجتهاد فيما لا نص فيه والنظر في الجواز والوقوع والمختار جواز تعبد بذلك لأنه ليس بمحال في ذاته ولا يفضي إلى محال ومفسدة فإن قيل المانع منه أنه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح فكيف يرجم الظن قلنا فإذا استكشف فقيل له حكمنا عليك أن تجتهد وأنت متعبد به فهل له أن ينازع الله فيه أو يلزمه أن يعتقد أن صلاحه فيما تعبد به فإن قيل قوله نص قاطع يضاد الظن والظن يتطرق إليه احتمال الخطأ فهما متضادان قلنا إذا قيل له ظنك علامة الحكم فهو يستيقن الظن والحكم جميعا فلا يحتمل الخطأ وكذلك اجتهاد غيره عندنا ويكون كظنه صدق الشهود فإنه يكون مصيبا وإن كان الشاهد مزورا في الباطن فإن قيل فإن ساواه غيره في كونه مصيبا بكل حال فليجز لغيره أن يخالف قياسه باجتهاد نفسه قلنا لو تعبد بذلك لجاز ولكن دل الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة اجتهاده كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة وكما دل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم لأن صلاح الخلق في اتباع دل على تحريم مخالفة الأمة كافة وكما دل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم لأن صلاح الخلق في اتباع رأي الإمام والحاكم وكافة الأمة فكذلك النبي ومن ذهب إلى أن المنصيب واحد يرجح اجتهاده لكونه معصوما عن الخطأ دون غيره ومنهم من جوز عليه الخطأ ولكن لا يقر عليه فإن قيل كيف يجوز ورود التعبد بمخالفة اجتهاده وذلك يناقض الاتباع وينفر عن الانقياد قلنا إذا عرفهم على لسانه بأن حكمهم اتباع ظنهم وإن خالف ظن النبي كان اتباعه في امتثال ما رسمه لهم كما في القضاء بالشهود فإن لو قضي النبي بشهادة شخصين لم يعرف فسقهما فشهدا عند حاكم عرف فسقهما لم يقبلهما وأما التنفير فلا يحصل بل تكون مخالفته فيه كمخالفته في الشفاعة وفي تأبير النخل ومصالح الدنيا فإن قيل لو قاس فرعا على أصل أفيجوز إيراد القياس على فرعه أم لا إن قلتم لا فمحال لأنه صار منصوصا عليه من جهته وإن قلتم نعم فكيف يجوز القياس على الفرع قلنا يجوز القياس عليه وعلى كل فرع أجمعت الأمة على إلحاقه بأصل لأنه صار أصلا بالإجماع والنص فلا ينظر إلى مأخذهم وما ألحقه بعض العلماء فقد جوز بعضهم القياس عليه وإن لم توجد علة الأصل أما الوقوع فقد قال به قوم وأنكره آخرون وتوقف فيه فريق ثالث وهو الأصح فإنه لم يثبت فيه قاطع احتج القائلون به بأنه عوتب عليه الصلاة والسلام في أسارى بدر وقيل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الأنفال 67 وقال النبي عليه السلام ولو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر لأنه كان قد أشار بالقتل ولو كان قد حكم بالنص لما عوتب قلنا لعله كان مخيرا بالنص في إطلاق الكل أو قتل الكل أو فداء الكل فأشار بعض الأصحاب بتعيين الإطلاق على سبيل المنع عن غيره فنزل العتاب مع الذي عينوا لا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن ورد بصيغة الجمع والمراد به أولئك خاصة واحتجوا بأنه لما قال لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها قال العباس إلا الأذخر فقال صلى الله عليه وسلم إلا الأذخر وقال في الحج هو للأبد ولو قلت لعامنا لوجب ونزل منزلا للحرب فقيل له إن كان بوحي فسمعا وطاعة وإن كان باجتهاد ورأي فهو منزل مكيدة فقال بل باجتهاد ورأي فرحل قلنا أما الأذخر فلعله كان نزل الوحي بأن لا يستثنى الأذخر إلا عند قول العباس أو كان جبريل عليه السلام حاضرا فأشار عليه بإجابة العباس وأما الحج فمعناه لو قلت لعامنا لما قلته إلا عن وحي ولوجب لا محالة وأما المنزل فذلك اجتهاد في مصالح الدنيا وذلك جائز بلا خلاف إنما الخلاف في أمور الدين أحتج المنكرون لذلك بأمور أحدها أنه لو كان مأمورا به لأجاب عن كل سؤال ولما انتظر الوحي

Bölüm V01/P346–V01/P347

الثاني أنه لو كان مجتهدا لنقل ذلك عنه واستفاض الثالث أنه لو كان لكان ينبغي أن يختلف اجتهاده ويتغير فيتهم بسبب تغير الرأي قلنا أما انتظار الوحي فلعله كان حيث لم ينقدح له اجتهاد أو في حكم لا يدخله الاجتهاد أو نهي عن الاجتهاد فيه وأما الاستفاضة بالنقل فعلعه لم يطلع الناس عليه وإن كان متعبدا به أو لعله كان متعبدا بالاجتهاد إذا لم ينزل نص وكان ينزل النص فيكون كمن تبعد بالزكاة والحج إن ملك النصاب والزاد فلم يملك فلا يدل على أنه لم يكن متعبدا وأما التهمة بتغير الرأي فلا تعويل عليها فقد اتهم بسب النسخ كما قال تعالى قالوا إنما أنت مفتر النحل 101 ولم يدل ذلك على استحالة النسخ كيف وقد عورض هذا الكلام بجنسه فقيل لو لم يكن متعبدا بالاجتهاد لفاته ثواب المجتهدين ولكان ثواب المجتهدين أجزل من ثوابه وهذا أيضا فاسد لأن ثواب تحمل الرسالة والأداء عن الله تعالى فوق كل ثواب فإن قيل فهل يجوز التعبد بوضع العبادات ونصب الزكوات وتقديراتها بالاجتهاد قلنا لا محيل لذلك ولا يفضي إلى محال ومفسدة ولا بعد في أن يجعل الله تعالى صلاح عباده فيما يؤدي إليه اجتهاد رسوله لو كان الأمر مبينا على الصلاح ومنع القدرية هذا وقالوا إن وافق ظنه الصلاح في البعض فيمتنع أو يوافق الجميع وهذا فساد لأنه لا يبعد أن يلقى الله في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح عباده هذا هو الجواز العقلي أما وقوعه فبعيد وإن لم يكن محالا بل الظاهر أن ذلك كله كان عن وحي صريح ناص على التفصيل النظر الثاني في أحكام الاجتهاد والنظر في حق المجتهد في تأثيمه وتخطئته وإصابته وتحريم التقليد عليه وتحريم نقض حكمه الصادر عن الاجتهاد فهذه أحكام النظر الأول في تأثيم المخطىء في الاجتهاد والإثم ينتفي عن كل من جمع صفات المجتهدين إذا تمم الاجتهاد في محله فكل اجتهاد تام إذا صدر من أهله وصادف محله فثمرته حق وصواب والإثم عن المجتهد منفي والذي نختاره أن الإثم والخطأ متلازمان فكل مخطىء آثم وكل آثم مخطىء ومن انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ فلنقدم حكم الإثم أولا فنقول النظريات تنقسم إلى ظنية وقطعية فلا إثم في الظنيات إذ لا خطأ فيها والمخطىء في القطعيات آثم والقطعيات ثلاثة أقسام كلامية وأصولية وفقهية أما الكلامية فنعني بها العقليات المحضة والحق فيها واحد ومن أخطأ الحق فيها فهو آثم ويدخل فيه حدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات وجواز الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات وجميع ما الكلام فيه مع المعتزلة والخوارج والروافض والمبتدعة وحد المسائل الكلامية المحضة ما يصح للناظر درك حقيقته بنظر العقل قبل ورود الشرع فهذه المسائل الحق فيها واحد ومن أخطأه فهو آثم فإن أخطأ فيما يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو كافر وإن أخطأ فيما لا يمنعه من معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله كما في مسألة الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات وأمثالها فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضل ومخطىء من حيث أخطأ الحق المتيقن ومبتدع من حيق قال قولا مخالفا للمشهورين السلف ولا يلزم الكفر وأما الأصولية فنعني بها كون الإجماع حجة وكون القياس حجة وكون خبر الواحد حجة ومن جملته خلاف من جوز خلاف الإجماع المنبرم قبل انقضاء العصر وخلاف الإجماع الحاصل عن اجتهاد ومنع المصير إلى أحد قولي الصحابة والتابعين عند اتفاق الأمة بعدهم على القول الآخر ومن جملته اعتقاد كون المصيب واحدا في الظنيات فإن هذه مسائل أدلتها قطعية والمخالف فيها آثم مخطىء وقد نبهنا على القطعيات والظنيات في أدراج الكلام في جملة الأصول

Bölüm V01/P347–V01/P348

وأما الفقهية فالقطعية منها وجوب الصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم وتحريم الزنا والقتل والسرقة والشرب وكل ما علم قطعا من دين الله فالحق فيها واحد وهو المعلوم والمخالف فيها آثم ثم ينظر فإن أنكر ما علم ضرورة من مقصود الشارع كإنكار تحريم الخمر والسرقة ووجوب الصلاة والصوم فهو كافر لأن هذا الإنكار لا يصدر إلا عن مكذب بالشرع وإن علم قطعا بطريق النظر لا بالضرورة ككون الإجماع حجة وكون القياس وخبر الواحد حجة وكذلك الفقهيات المعلومة بالإجماع فهي قطعية فمنكرها ليس بكافر لكنه آثم مخطىء فإن قيل كيف حكمتم بأن وجوب الصلاة والصوم ضروري ولا يعرف ذلك إلا بصدق الرسول وصدق الرسول نظري قلنا نعني به أن إيجاب الشارع له معلوم تواترا أو ضرورة أما أن ما أوجبه فهو واجب فذلك نظري يعرف بالنظر في المعجزة المصدقة ومن ثبت عنده صدقه فلا بد أن يعترف به فإن أنكره فذلك لتكذيبه الشارع ومكذبه كافر فلذلك كفرناه به أما ما عدا من الفقهيات الظنية التي ليس عليها دليل قاطع فهو في محل الاجتهاد فليس فيها عندنا حق معين ولا إثم على المجتهد إذا تمم اجتهاده وكان من أهله فخرج من هذا أن النظريات قسمان قطعية وظنية فالمخطىء في القطعيات آثم ولا إثم في الظنيات أصلا لا عند من قال المصيب فيها واحد ولا عند من قال كل مجتهد مصيب هذا هو مذهب الجماهير وقد ذهب بشر المريسي إلى إلحاق الفروع بالأصول وقال فيها حق واحد متعين والمخطىء آثم وقد ذهب الجاحظ والعنبري إلى إلحاق الأصول بالفروع وقالالعنبري كل مجتهد في الأصول أيضا مصيب وليس فيها حق متعين وقال الجاحظ فيها حق واحد متعين لكن المخطىء فيها معذور غير آثم كما في الفروع فلنرسم في الرد على هؤلاء الثلاثة ثلاث مسائل مسألة ( مخالفة أهل الكتاب للإسلام ) ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية إن كان معاندا على خلاف اعتقاده فهو آثم وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى إذ استد عليهم طريق المعرفة وهذا الذي ذكره ليس بمحال عقلا لو ورد الشرع به وهو جائز ولو ورد التعبد كذلك لوقع ولكن الواقع خلاف هذا فهو باطل بأدلة سمعية ضرورية فإنا كما نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة والزكاة ضرورة فيعلم أيضا ضرورة أنه أمر اليهود والنصارى بالإيمان به واتباعه وذمهم على إصرارهم على عقائدهم ولذلك قاتل جميعهم وكان يكشف عن مؤتزر من بلغ منهم ويقتله ويعلم قطعا أن المعاند العارف مما يقل وإنما الأكثر المقلدة الذين اعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا معجزة الرسول عليه السلام وصدقه والآيات الدالة في القرآن على هذا لا تحصى كقوله تعالى ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ص 27 وقوله تعالى وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فصلت 23 وقوله تعالى 54 إن هم إلا يظنون الجاثية 24 وقوله تعالى ويحسبون أنهم على شيء المجادلة 18 وقوله تعالى في قلوبهم مرض البقرة 10 أي شك وعلى الجملة ذم الله تعالى والرسول عليه السلام المكذبين من الكفار مما لا ينحصر في الكتاب والسنة وأما قوله كيف يكلفهم ما لا يطيقون قلنا نعلم ضرورة أنه كلفهم أما أنهم يطيقون أو لا يطيقون فلننظر فيه بل نيه الله تعالى على أنه أقدرهم عليه بما رزقهم من العقل ونصب من الأدلة وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات الذين نبهوا العقول وحركوا دواعي النظر حتى لم يبق على الله لأحد حجة بعد الرسل مسألة ( الاجتهاد في العقليات )

Bölüm V01/P348–V01/P349

ذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع فنقول له إن أردت أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه وهو منتهى مقدورهم في الطلب فهذا غير محال عقلا ولكنه باطل إجماعا وشرعا كما سبق رده على الجاحظ وإن عنيت به أن ما أعتقده فهو على ما اعتقده فنقول كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقا وإثبات الصانع ونفيه حقا وتصديق الرسول وتكذيبه حقا وليست هذه الأوصاف وضعية كالأحكام الشرعية إذ يجوز أن يكون الشيء حراما على زيد وحلالا لعمرو إذا وضع كذلك أما الأمور الذاتية فلا تتبع الإعتقاد بل الإعتقاد يتبعها فهذا المذهب شر من مذهب الجاحظ فإنه أقر بأن المصيب واحد ولكن جعل المخطىء معذورا بل هو شر من مذهب السوفسطائية لأنهم نفوا حقائق الأشياء وهذا قد أثبت الحقائق ثم جعلها تابعة للاعتقادات فهذا أيضا لو ورد به الشرع لكان محالا بخلاف مذهب الجاحظ وقد استبشع إخوانه من المعتزلة هذا المذهب فأنكروه وأولوه وقالوا أراد به اختلاف المسلمين في المسائل الكلامية التي لا يلزم فيها تكفير كمسألة الرؤية وخلق الأعمال وخلق القرآن وإرادة الكائنات لأن الآيات والأخبار فيها متشابهة وأدلة الشرع فيها متعارضة وكل فريق ذهب إلى ما رآه أوفق لكلام الله وكلام رسوله عليه السلام وأليق بعظمة الله سبحانه وثبات دينه فكانوا فيه مصيبين ومعذورين فنقول أن زعم أنهم فيه مصيبون فهذا محال عقلا لأن هذه أمور ذاتية لا تختلف بالإضافة بخلاف التكليف فلا يمكن أن يكون القرآن قديما ومخلوقا أيضا بل أحدهما والرؤية محالا وممكنا أيضا والمعاصي بإرادة الله تعالى وخارجة عن إرادته أو يكون القرآن مخلوقا في حق زيد قديما في حق عمرو بخلاف الحلال والحرام فإن ذلك لا يرجع إلى أوصاف الذوات وإن أراد أن المصيب واحد لكم المخطىء معذور غير آثم فهذا ليس بمحال عقلا لكنه باطل بدليل الشرع واتفاق سلف الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم وقطع الصحبة معهم وتشديد الإنكار عليهم مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل الفرائض وفروع الفقه فهذا من حيث الشرع دليل قاطع وتحقيقه أن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به جهل والجهل بالله حرام مذموم والجهل بجواز رؤية الله تعالى وقدم كلامه الذي هو صفته وشمول إرادته المعاصي وشمول قدرته في التعلق بجميع الحوادث كل ذلك جهل بالله وجهل بدين الله فينبغي أن يكون حراما ومهما كان الحق في نفسه واحدا متعينا كان أحدهما معتقدا للشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا فإن قيل يبطل هذا بالجهل في المسائل الفقهية وبالجهل في الأمور الدنيوية كجهل إذا اعتقد أن الأمير في الدار وليس فيها وأن المسافة بين مكة والمدينة أقل أو أكثر مما هي عليها قلنا أما الفقهيات فلا يتصور الجهل فيها إذ ليس فيها حق معين وأما الدنيويات فلا ثواب في معرفتها ولا عقاب على الجهل فيها أما معرفة الله تعالى ففيها ثواب وفي الجهل بها عقاب والمستند فيه الإجماع دون دليل العقل وإلا فدليل العقل لا يحيل حط المأثم عن الجاهل بالله فضلا عن الجاهل بصفات الله تعالى وأفعاله فإن قيل إنما يأثم بالجهل فيما يقدر فيه على العلم ويظهر عليه الدليل والأدلة غامضة والشبهات في هذه المسائل متعارضة قلنا وكذلك في مسألة حدوث العالم وإثبات النبوات وتمييز المعجزة عن السحر ففيها أدلة غامضة ولكنه لم ينته الغموض إلى حد لا يمكن فيه تمييز الشبهة عن الدليل فكذلك في هذه المسألة عندنا أدلة قاطعة على الحق ولو تصورت مسألة لا دليل عليها لكنا نسلم أنه لا تكليف على الخلق فيها مسألة ( إثم المجتهد في الفروع )

Bölüm V01/P349–V01/P351

ذهب بشر المريسي إلى أن الإثم غير محطوط عن المجتهدين في الفروع بل فيها حق معين وعليه دليل قاطع فمن أخطأه فهو آثم كما في العقليات لكن المخطىء قد يكفر كما في أصل الإلهية والنبوة وقد يفسق كما في مسألة الرؤية وخلق القرآن ونظائرها وقد يقتصر على مجرد التأثيم كما في الفقهيات وتابعه على هذا من القائلين بالقياس ابن علية وأبو بكر الأصم ووافقه جميع نفاة القياس ومنهم الإمامية وقالوا لا مجال للظن في الأحكام لكن العقل قاض بالنفي الأصلي في جميع الأحكام إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع فما أثبته قاطع سمعي فهو ثابت بدليل قاطع وما لم يثبته فهو باق على النفي الأصلي قطعا ولا مجال للظن فيه وإنما استقام هذا لهم لإنكارهم القياس وخبر الواحد وربما أنكروا أيضا القول بالعموم والظاهر المحتمل حتى يستقيم لهم هذا المذهب وما ذكروه هو اللازم على قول من قال المصيب واحد ويلزمهم عليه منع المقلد من استفتاء المخالفين وقد ركب بعض معتزلة بغداد رأسه في الوفاء بهذا القياس وقال يجب على العامي النظر وطلب الدليل وقال بعضهم يقلد العالم أصاب المقلد أم أخطأ ويدل على فساد هذا المذهب دليلان الأول ما سنذكره في تصويب المجتهدين ونبين أن هذه المسائل ليس فيها دليل قاطع ولا فيها حكم معين والأدلة الظنية لا تدل لذاتها وتختلف بالإضافة فتكليف الإصابة لما لم ينصب عليه دليل قاطع تكليف ما لا يطاق وإذا بطل الإيجاب بطل التأثيم فانتفاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف ينتج نفي الإثم ولذلك يستدل تارة بنفي الإثم على نفي التكليف كما يستدل في مسألة التصويب ويستدل في هذه المسألة بانتفاء التكليف على انتفاء الإثم فإن النتيجة تدل على المنتج كما يدل المنتج على النتيجة الدليل الثاني إجماع الصحابة على ترك النكير على المختلفين في الجد والأخوة ومسألة العول ومسألة الحرام وسائر ما اختلفوا فيه من الفرائض وغيرها فكانوا يتشاورون ويتفرقون مختلفين ولا يعترض بعضهم على بعض ولا يمنعه من فتوى العامة ولا يمنع العامة من تقليده ولا يمنعه من الحكم باجتهاده وهذا متواتر تواترا لا شك فيه وقد بالغوا في تخطئة الخوارج وما نعي الزكاة ومن نصب إماما من غير قريش أو رأى نصب إمامين بل لو أنكر منكر وجوب الصلاة والصوم وتحريم السرقة والزنا لبالغوا في التأثيم والتشديد لأن فيها أدلة قاطعة فلو كان سائر المجتهدات كذلك لأثموا وأنكروا فإن قيل لهم لعلهم أثموا ولم ينقل إلينا أو أضمروا التأثيم ولم يظهروا خوف الفتنة والهرج قلنا العادة تحيل اندراس التأثيم والإنكار لكثرة الاختلاف والوقائع بل لو وقع لتوفرت الدواعي على النقل كما نقلوا الإنكار على ما نعي الزكاة ومن استباح الدار وعلى الخوارج في تكفير علي وعثمان وعلى قاتلي عثمان ولو جاز أن يتوهم إندراس مثل هذا لجاز أن يدعي أن بعضهم نقض حكم بعض وأنهم اقتتلوا في المجتهدات ومنعوا العوام من التقليد للمخالفين أو للعلماء أو أوجبوا على العوام النظر أو اتباع إمام معين معصوم ثم نقول تواتر إلينا تعظيم بعضهم بعضا مع كثرة الاختلافات إذ كان توقيرهم وتسليمهم للمجتهد العمل باجتهاده وتقريره عليه أعظم من التوقير والمجاملة والتسليم في زماننا ومن علمائنا ولو اعتقد بعضهم في البغض التعصية والتأثيم بالاختلاف لتهاجروا ولتقاطعوا وارتفعت المجاملة وامتنع التوقير والتعظيم فأما امتناعهم من التأثيم للفتنة فمحال فإنهم حيث اعتقدوا ذلك لم تأخذهم في الله لومة لائم ولا منعهم ثوران الفتنة وهيجان القتال حتى جرى في قتال مانعي الزكاة وفي واقعة علي وعثمان والخوارج ما جرى فهذا توهم محال فإن قيل فقد نقل الإنكار والتشديد والتأثيم حتى قال ابن عباس ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا وقال أيضا من شاء باهلته أن الله لم يجعل في المال النصف والثلثين وقالت عائشة رضي الله عنها أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب

Bölüm V01/P351

قلنا ما تواتر إلينا من تعظيم بعضهم بعضا وتسليمهم لكل مجتهد أن يحكم ويفتي ولكل عامي أن يقلد من شاء جاوز حدا لا يشك فيه فلا يعارضه أخبار آحاد لا يوثق بها ثم نقول من ظن بمخالفه أنه خالف دليلا قاطعا فعليه التأثيم والإنكار وإنما نقل إلينا في مسائل معدودة ظن أصحابها أن أدلتها قاطعة فظن ابن عباس أن الحساب مقطوع به فلا يكون في المال نصف وثلثان وظنت عائشة رضي الله عنها أن حسم الذرائع مقطوع به فمنعت مسألة العينة وقد أخطأوا في هذا الظن فهذه المسائل أيضا ظنية ولا يجب عصمتها عن مثل هذا الغلط أما عصمة جملة الصحابة عن العصيان بتعظيم المخالفين وترك تأثيمهم لو أثموا فواجب الحكم الثاني في الاجتهاد والتصويب والتخطئة وقد اختلف الناس فيها واختلفت الرواية عن الشافعي وأبي حنيفة وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أن كل مجتهد في الظنيات مصيب وقال قوم المصيب واحد واختلف الفريقان جميعا في أنه هل في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين لله تعالى هو مطلوب المجتهد فالذي ذهب إليه محققو المصوبة أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه وهو المختار وإليه ذهب القاضي وذهب قوم من المصوبة إلى أن فيه حكما معينا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب لكن لم يكلف المجتهد إصابته فلذلك كان مصيبا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين الذي لم يؤمر بإصابته بمعنى أنه أدى ما كلف فأصاب ما عليه وأما القائلون بأن المصيب واحد فقد اتفقوا على أن فيه حكما معينا لله تعالى لكن اختلفوا في أنه هل عليه دليلا أم لا فقال قوم لا دليل عليه وإنما هو مثل دفين يعثر الطلب عليه بالاتفاق فلمن عثر عليه أجران ولمن حاد عنه أجر واحد لأجل سعيه وطلبه والذين ذهبوا إلى أن عليه دليلا اختلفوا في أن عليه دليلا قاطعا أو ظنيا فقال قوم وهو قاطع ولكن الأثم محطوط عن المخطىء لغموض الدليل وخفائه ومن هذا تمادي بشر المريسي في إتمام هذا القياس فقال إذا كان الدليل قطعيا أثم المخطىء كما في سائر القطعيات وهو تمام الوفاء بقياس مذهب من قال المصيب واحد ثم الذين ذهبوا إلى أن عليه دليلا ظنيا اختلفوا في أن المجتهد هل أمر قطعيا بإصابة ذلك الدليل فقال قوم لم يكلف المجتهد إصابته لخفائه وغموضه فلذلك كان معذورا ومأجورا وقال قوم أمر بطلبه وإذا أخطأ لم يكن مأجورا لكن حط الأثم عنه تخفيفا

Bölüm V01/P351–V01/P353

هذا تفصيل المذاهب والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطىء المخالف فيه أن كل مجتهد في الظنيات مصيب وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى وسنكشف الغطاء عن ذلك بفرض الكلام في طرفين الطرف الأول مسألة فيها نص للشارع وقد أخطأ مجتهد النص فنقول ينظر فإن كان النص مما هو مقدور على بلوغه لو طلبه المجتهد بطريقه فقصر ولم يطلب فهو مخطىء وآثم بسبب تقصيره لأنه كلف الطلب المقدور عليه فتركه فعصى وأثم وأخطأ حكم الله تعالى عليه أما إذا لم يبلغه النص لا لتقصير من جهته لكن لعائق من جهة بعد المسافة وتأخير المبلغ والنص قبل أن يبلغه ليس حكما في حقه فقد يسمى مخطئا مجازا على معنى أنه أخطأ بلوغ ما لو بلغه لصار حكما في حقه ولكنه قبل البلوغ ليس حكما في حقه فليس مخطئا حقيقة وذلك أنه لو صلى النبي عليه السلام إلى بيت المقدس بعد أن أمر الله تعالى جبريل أن ينزل على محمد عليه السلام ويخبره بتحويل القبلة فلا يكون النبي مخطئا لأن خطاب استقبال الكعبة بعد لم يبلغه فلا يكون مخطئا في صلاته فلو نزل فأخبره وأهل مسجد قباء يصلون إلى بيت المقدس ولم يخرج بعد إليهم النبي عليه السلام ولا مناد من جهته فليسوا مخطئين إذ ذلك ليس حكما في حقهم قبل بلوغه فلو بلغ ذلك أبا بكر وعمر واستمر سكان مكة على استقبال بيت المقدس قبل بلوغ الخبر إليهم فليسوا مخطئين لأنهم ليسوا مقصرين وكذلك نقل عن ابن عمر أنا كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج النهي عن المخابرة فليس ذلك خطأ منهم قبل البلوغ لأن الراوي غاب عنهم أو قصر في الرواية فإذا ثبت هذا في مسألة فيها نص فالمسألة التي لا نص فيها كيف يتصور الخطأ فيها فإن قيل فرضتم المسألة حيث لا دليل على الحكم المنصوص ونحن نخطئه إذا كان عليه دليل ووجب عليه طلبه فلم يعثر عليه قلنا عليه دليل قاطع أو دليل ظني فإن كان عليه دليل قاطع فلم يعثر عليه وهو قادر عليه فهو آثم عاص ويجب تأثيمه وحيث وجب تأثيمه وجبت تخطئته كانت المسألة فقهية أو أصولية أو كلامية وإنما كلامنا في مسائل ليس عليها دليل قاطع ولو كان لنبه عليه من عثر عليه من الصحابة غيره ولشدد الإنكار عليهم فإن الدليل القاطع في مثل هذه المسألة نص صريح أو في معنى المنصوص على وجه يقطع به ولا يتطرق الشك إليه والتنبيه على ذلك سهل أفيقولون لم يعثر عليه جميع الصحابة رضي الله عنهم فأخطأ أهل الإجماع الحق أو عرفه بعضهم وكتمه أو أظهره فلم يفهمه الآخرون أو فهموه فعاندوا الحق وخالفوا النص الصريح وما يجري مجراه وجميع هذه الاحتمالات مقطوع ببطلانها ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها علم ضرورة انتفاء دليل قاطع فيها وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف محال فإذا انتفى التكليف انتفى الخطأ فإن قيل عليه دليل ظني بالاتفاق فمن أخطأ الدليل الظني فقد أخطأ قلنا الأمارات الظنية ليست أدلة بأعيانها بل يختلف ذلك بالإضافات فرب دليل يفيد الظن لزيد وهو بعينه لا يفيد الظن لعمرو مع إحاطته به وربما يفيد الظن لشخص واحد في حال دون حال بل قد يقوم في حق شخص واحد في حال واحدة في مسألة واحدة دليلان متعارضان كان كل واحد لو انفرد لأفاد الظن ولا يتصور في الأدلة القطعية تعارض وبيانه أن أبا بكر رأى التسوية في العطاء إذ قال الدنيا بلاغ كيف وإنما عملوا لله عز وجل وأجورهم على الله حيث قال عمر كيف تساوي بين الفاضل والمفضول ورأى عمر التفاوت ليكون ذلك ترغيبا في طلب الفضائل ولأن أصل الإسلام وإن كان لله فيوجب الاستحقاق والمعنى الذي ذكره أبو بكر فهمه عمر رضي الله عنهما ولم يفده غلبة الظن وما رآه عمر فهمه أبو بكر ولم يفده غلبة الظن ولا مال قلبه إليه وذلك لاختلاف أحوالهما فمن خلق خلقة أبي بكر في غلبة التأله وتجريد النظر في الآخرة غلب على ظنه لا محالة ما ظنه أبو بكر ولم ينقدح في نفسه إلا ذلك ومن خلقه الله خلقة عمر وعلى حالته وسجيته في الالتفات إلى السياسة ورعاية مصالح الخلق وضبطهم وتحريك دواعيهم للخير فلا بد أن تميل نفسه إلى ما مال إليه عمر مع إحاطة كل واحد منهما بدليل صاحبه ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسات يوجب اختلاف الظنون فمن مارس علم الكلام ناسب طبعه أنواعا من الأدلة يتحرك بها ظنه لا يناسب ذلك طبع من مارس الفقه ولذلك من مارس الوعظ صار مائلا إلى جنس ذلك الكلام بل يختلف باختلاف الأخلاق فمن غلب عليه الغضب مالت نفسه إلى كل ما فيه شهامة وانتقام ومن لان طبعه ورق قلبه نفر عن ذلك ومال إلى ما فيه الرفق والمساهلة فالامارات كحجر المغناطيس تحرك طبعا يناسبها كما يحرك المغناطيس الحديد دون النحاس بخلاف دليل العقل فإنه موجب لذاته فإن تسليم المقدمتين على الشكل الذي ذكرناه في مدارك العقول يوجب التصديق ضرورة بالنتيجة

Bölüm V01/P353–V01/P354

فإذا لا دليل في الظنيات على التحقيق وما يسمى دليلا فهو على سبيل التجوز بالإضافة إلى ما مالت نفسه إليه فإذا أصل الخطأ في هذه المسألة إقامة الفقهاء للأدلة الظنية وزنا حتى ظنوا أنها أدلة في أنفسها لا بالإضافة وهو خطأ محض يدل على بطلانه البراهين القاطعة فإن قيل لم تنكرون على من يقول فيه أدلة قطعية وإنما لم يؤثم المخطىء لغموض الدليل قلنا الشيء ينقسم إلى معجوز عنه ممتنع وإلى مقدور عليه على يسر وإلى مقدور عليه على عسر فإن كان درك الحق المتعين معجوزا عنه ممتنعا فالتكليف به محال وإن كان مقدورا على يسر فالتارك له ينبغي أن يأثم قطعا لأنه ترك ما قدر عليه وقد أمر به وإن كان مقدورا على عسر فلا يخلوا إما أن يكون العسر صار سببا للرخصة وحط التكليف كإتمام الصلاة في السفر أو بقي التكليف مع العسر فإن بقي التكليف مع العسر فتركه مع القدرة إثم كالصبر على قتل الكفار مع تضاعف عددهم فإنه شديد جدا وعسير ولكن يعصى إذا تركه لأن التكليف لم يزل بهذا العسر وكذلك صبر المرأة على الضرات وحسن التبعل مع أن ذلك جهاد شديد على النفس ولكنها تأثم بتركه مع ضعفها وعجزها وكذلك التمييز بين الدليل والشبهة في مسألة حدوث العالم ودلالة المعجزة وتمييزها عن السحر في غاية الغموض ومن أخطأ فيه أثم بل كفر واستحق التخليد في النار وكذلك الحق في المسائل الفقهية مع العسران أمر به فالمخطىء آثم فيه وإن لم يؤمر بإصابة الحق بل بحسب غلبة الظن فقد أدى ما كلف وأصاب ما هو حكم في حقه وأخطأ ما ليس حكما في حقه بل هو بصدد أن يكون حكما في حقه لو خوطب به أو نصب على معرفته دليل قاطع فإذا الحاصل أن الإصابة محال أو ممكن ولا تكليف بالمحال ومن أمر بممكن فتركه عصى وأثم ومحال أن يقال هو مأمور به لكن إن خالف لم يعص ولم يأثم وكان معذورا لأن هذا يناقض حد الأمر والإيجاب إذ حد الإيجاب ما يتعرض تاركه للعقاب والذم وهذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل منصف ويرد النزاع إلى عبارة وهو إن ما ليس حكما في حقه قد أخطأه وذلك مسلم ولكنه نوع مجاز كتخطئة المصلي إلى بيت المقدس قبل بلوغ الخبر ثم هذا المجاز أيضا إنما ينقدح في حكم نزل من السماء ونطق به الرسول كما في تحويل القبلة ومسألة المخابرة أما سائر المجتهدات التي يلحق فيها المسكوت بالمنطوق قياسا واجتهادا فليس فيها حكم معين أصلا إذا الحكم خطاب مسموع أو مدلول عليه بدليل قاطع وليس فيها خطاب ونطق فلا حكم فيها أصلا إلا ما غلب على ظن المجتهد وسنفرد لهذا مسألة ونبين أنه ليس في المسألة أشبه عند الله عز وجل ونذكر الآن شبه المخالفين وهي أربع الشبهة الأولى قولهم هذا المذهب في نفسه محال لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين وهو أن يكون قليل النبيذ مثلا حلالا حراما والنكاح بلا ولي صحيحا باطلا والمسلم إذا قتل كافرا مهدرا ومقادا إذ ليس في المسألة حكم معين وكل واحد من المجتهدين مصيب فإذا الشيء ونقيضه حق وصواب وتبجح بعضهم بهذا الدليل حتى قال هذا مذهب أوله سفسطة وآخره زندقة لأنه في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقا وبالآخر يرفع الحجر ويخير المجتهد بين الشيء ونقيضه عند تعارض الدليلين ويخير المستفتى لتقليد من شاء وينتقي من المذاهب أطيبها عنده

Bölüm V01/P354–V01/P355

والجواب أن هذا كلام فقيه سليم القلب جاهل بالأصول وبحد النقيضين وبحقيقة الحكم ظان أن الحل والحرمة وصف للأعيان فيقول يستحيل أن يكون النبيذ حلالا حراما كما يستحيل أن يكون الشيء قديما حادثا وليس يدري أن الحكم خطاب لا يتعلق بالأعيان بل بأفعال المكلفين ولا يتناقض أن يحل لزيد ما يحرم على عمرو كالمنكوحة تحل للزوج وتحرم على الأجنبي وكالميتة تحل للمضطر دون المختار وكالصلاة تجب على الطاهر وتحرم على الحائض وإنما المتناقض أن يجتمع التحليل والتحريم في حالة واحدة لشخص واحد في فعل واحد من وجه واحد فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شيء من هذه الجملة انتفى التناقض حتى نقول الصلاة في الدار المغصوبة حرام قربة في حالة واحدة لشخص واحد لكن من وجه دون وجه فإذا اختلاف الأحوال ينفي التناقص ولا فرق بين أن يكون اختلاف الأحوال بالحيض والطهر والسفر والحضر أو بالعلم والجهل أو غلبة الظن فالصلاة حرام على المحدث إذا علم أنه محدث واجبة عليه إذا جهل كونه محدثا ولو قال الشارع يحل ركوب البحر لمن غلب على ظنه السلامة ويحرم على من غلب على ظنه الهلاك فغلب على ظن الجبان الهلاك وعلى ظن الجسور السلامة حرم على الجبان وحل للجسور لاختلاف حالهما وكذلك لو صرح الشارع وقال من غلب على ظنه أن النبيذ بالخمر أشبه فقد حرمته عليه ومن غلب على ظنه أنه بالمباحات أشبه فقد حللته له لم يتناقض فصريح مذهبنا إن لو نطق به الشرع لم يكن متناقضا ولا محالا ومذهب الخصم لو صرح به الشرع كان محالا وهو أن يقول كلفتك العثور على ما لا دليل عليه أو يقول كلفتك العثور على ما عليه دليل لكن لو تركته مع القدرة لم تأثم فيكون الأول محالا من جهة تكليف ما لا يطاق ويكون الثاني محالا من جهة تناقض حد الأمر إذ حد الأمر ما يعصى تاركه الجواب الثاني أن نقول لو سلمنا أن الحل والحرمة وصف للأعيان أيضا لم يتناقض إذ يكون من الأوصاف الإضافية ولا يتناقض أن يكون الشخص الواحد أبا وأبنا لكن لشخصين وأن يكون الشيء مجهولا ومعلوما لكن لإثنين وتكون المرأة حلالا حراما لرجلين كالمنكوحة حرام للأجنبي حلال للزوج والميتة حرام للمختار حلال للمضطر الجواب الثالث هو أن التناقض ما ركبه الخصم فإنه اتفق كل محصل لم يهذ هذيان المريسي أن كل مجتهد يجب عليه أن يعمل بما أدى إليه اجتهاده ويعصي بتركه فالمجتهدان في القبلة يجب على أحدهما استبقال جهة يحرم على الآخر استقبالها فإن المصيب لا يتميز عن المخطىء فيجب على كل واحد منهما العمل بنقيض ما يعمل به الآخر الشبهة الثانية قولهم إن سلمنا لكم أن هذه المذهب ليس بمحال في نفسه لو صرح الشرع به فهو مؤد إلى المحال في بعض الأمور وما يؤدي إلى المحال فهو محال فأداؤه إلى المحال فهو في حق المجتهد بأن يتقاوم عنده دليلان فيتحير عندكم بين الشيء ونقيضه في حالة واحدة وأما في حق صاحب الواقعة فإذا نكح مجتهد مجتهدة ثم قال لها أنت بائن وراجعها والزوج شفعوي يرى الرجعة والزوجة حنفية ترى الكنايات قاطعة للعصمة والرجعة فيسلط الزوج على مطالبتها بالوطء ويجب عليها مع تسلط الزوج عليها منعه وكذلك إذا نكح بغير ولي أولا ثم نكح آخر بولي فإن كان كل واحد من المذهبين حقا فالمرأة حلال للزوجين وهذا محال ويمكن أن يستعمل هذا في نصرة الشبهة الأولى والاعتراض على ما ذكرنا من دفع التناقض ورده إلى شخصين فقد تكلفوا تقريره في حق شخص واحد

Bölüm V01/P355–V01/P356

والجواب من أوجه وحاصله أنه لا إشكال في هذه المسائل ولا استحالة وما فيه من الأشكال فينقلب عليهم ولا يختص إشكاله بهذا المذهب أما المجتهد إذا تعارض عنده دليلان قلنا فيه رأيان أحدهما وهو الذي ننصره في هذه المسألة أنه يتوقف ويطلب الدليل من موضع آخر لأنه مأمور باتباع غالب الظن ولم يغلب على ظنه شيء فقولنا فيه قولكم فإنه وإن كان أحدهما حقا عندكم فقد تعذر عليه الوصول إليه وهذا يقطع مادة الإشكال وعلى رأيي نقول يتخير بأي دليل شاء وسنفرد هذه المسألة بالذكر وننبه على غورها أما الثانية فقولنا فيها أيضا قولكم فإن المصيب وإن كان واحدا عندهم فلا يتميز عن المخطىء ويجب على المخطىء في الحال العمل بموجب اجتهاده لجهله بكونه مخطئا إذا لا يتميز عن صاحبه فقد أوجبوا عليها المنع وأباحوا للزوج الطلب فقد ركبوا المحال إن كان هذا محالا فسيقولون إنه ليس بمحال وهو جوابنا الثاني ووجهه أن إيجاب المنع عليها لا يناقض إباحة الطلب للزوج ولا إيجابه بل للسيد أن يقول لأحد عبديه أوجبت عليك سلب فرس الآخر ويقول للآخر أوجبت عليك منعه ودفعه ويقول لهذا إن لم تسلب عاقبتك ويقول للآخر إن لم تحفظ عاقبتك وكذلك يجب على ولي الطفل أن يطلب غرامة مال الطفل إذا أخبره عدلان بأنه أتلفه طفل آخر ويجب على ولي الطفل المنسوب إلى الاتلاف إذا عاين صدور الاتلاف من غير الطفل أو علم كذب الشاهدين أن يمنع ويدفع فيجب الطلب على أحدهما والدفع على الآخر مؤاخذة لكل واحد بموجب اعتقاده نعم هذا السؤال يحسن من منكري الاجتهاد من التعليمية وغيرهم إذ يقولون أصل الاجتهاد باطل لأدائه إلى هذا النوع من التناقض وجوابه ما ذكرناه ونقابله على مذهبه أيضا بما لا يجد عنه محيصا فنقول إن أنكرت الظنون لم تنكر القواطع وسعي الإنسان في هلاك نفسه أو إهلاك غيره حرام بالقواطع فلو اضطر شخصان إلى قدر من الميتة لا يفي إلا بسد رمق أحدهما ولو قسماه أو تركاه ماتا ولو أخذه أحدهما هلك الآخر ولو وكله إليه أهلك نفسه فماذا يجب عليه وكيفما قال فهو مناقض ولا مخلص فإن أوجب على كل واحد أن يأخذ فقد أوجب الأخذ على هذا وأوجب الدفع على ذاك فإن أوجب عليهما الترك فقد أوجب إهلاكهما جميعا وإن خص أحدهما بالأخذ فهو تحكم وإن قال يتخير كل واحد منهما بين الأخذ والترك فقد سلط هذا على الأخذ وذاك على الدفع فإن أحدهما لو اختار الأخذ واختار الآخر الدفع جاز وهو أيضا متناقض بزعمهم فماذا يقولون والمختار عندنا في هذه الصورة التخيير لكل واحد فإنه إنما يجب الأخذ إذا لم يهلك غيره وإنما يجب الترك والإيثار إذا لم يهلك نفسه فإذا تعارضا تخيرا ويحتمل أن يقرع بينهما كبينتين متعارضتين وأما المسألة الثانية إذا نشب الخصام بين الزوج وزوجته احتمل وجهين أحدهما أن يقول يلزمهما الرفع إلى حاكم البلد فإن قضى بثبوت الرجعة لزم تقديم اجتهاد الحاكم على اجتهاد أنفسهما وحل لهما مخالفة اجتهاد أنفسهما إذ اجتهاد الحاكم أولى من اجتهادهما لضرورة رفع الخصومات فإن عجزا عن حاكم فعليهما تحكيم عالم فيقضي بينهما فإن لم يفعلا أثما وعصيا وكل ذلك احتمالات فقهية ويحتمل أن يتركا متنازعين ولا يبالي بتمانعهما فإنه تكليف بنقيضين في حق شخصين فلا يتناقض

Bölüm V01/P356–V01/P357

وأما المسألة الثالثة وهي أن تنكح بولي من نكحت بغير ولي فنقول إن كان النكاح بلا ولي صدر من حنفي يعتقد ذلك فقد صح النكاح في حقه والنكاح الثاني بعده باطل قطعا لأنها صارت زوجة للأول وإن كان الحنفي عقده بإجتهاد نفسه واتصل به قضاء حنفي فذلك أوكد فإن كان مقلدا فقد صح أيضا في حقه وإن صدر العقد من شفعوي على خلاف معتقده احتمل أمرين أحدهما أن نقطع ببطلانه فإنا إنما نجعله حقا إذا صدر من معتقده عن تقليد أو اجتهاد حيث لا يأثم ولا يعصي وهذا قد عصى فهو مخطىء ويحتمل أن يقال ما لم يطلق أو لم يقض حاكم ببطلانه فلا تحل لغيره لأنه نكاح بصدد أن يقضي به حنفي فينحسم سبيل نقضه فلا يعقد نكاح آخر قبل نقضه وقد اختلفوا في أن الحنفي لو قضى لشفعوي بشفعة الجار أو بصحة النكاح بلا ولي فهل يؤثر قضاؤه في الإحلال باطنا فغلا أبو حنيفة وجعل القضاء بشهادة الزور يغير الحكم باطنا فيما للقاضي فيه ولاية الفسخ والعقد وغلا قوم فقالوا لا يحل القضاء شيئا بل يبقى على ما كان عليه وإن كان قضاؤه في محل الاجتهاد وقال قوم يؤثر في محل الاجتهاد ويغير الحكم باطنا ولا يؤثر حيث قاله أبو حنيفة وهذه احتمالات فقهية لا يستحيل شيء منها فنختار منها ما نشاء فلا يتناقض ولا يلزمنا في الأصول تصحيح واحد من هذه الاختيارات الفقهية فإنها ظنيات محتملة كل مجتهد أيضا فيها مصيب الشبهة الثالثة تمسكهم بطريق الدلالة بقولهم لو صح ما ذكرتموه لجاز لكل واحد من المجتهدين في القبلة والإناءين إذا اختلف اجتهادهما أن يقتدي بالآخر لأن صلاة كل واحد صحيحة فلم لا يقتدي بمن صحت صلاته وكذلك ينبغي أن يصح اقتداء الشافعي بحنفي إذا ترك الفاتحة أيضا صحيحة لأنه بناها على الاجتهاد فلما اتفقت الأمة على فساد هذا الاقتداء دل على أن الحق واحد والجواب أن الاتفاق في هذا غير مسلم فمن العلماء من جوز الاقتداء مع اختلاف المذاهب وهو منقدح لأن كل مصل يصلي لنفسه ولا يجب الاقتداء إلا بمن هو في صلاة وصلاة الإمام غير مقطوع ببطلانها فكيف يمتنع الاقتداء ولو بان كون الإمام جنبا ربما لم يجب قضاء الصلاة ولو سلمنا فنقول إنما يجوز الاقتداء بمن صحت صلاته في حق المقتدي وللمقتدي أن يقول صلاة الإمام صحيحة في حقه لأنها على وفق اعتقاده فاسدة في حقي لأنها على خلاف اعتقادي فظهر أثر صحتها في كل ما يخص المجتهد أما ما يتعلق بمخالفته فينزل منزلة الباطل والاقتداء يتعلق بالمقتدي فصلاته لا تصلح لقدوة من يعتقد فسادها في حق نفسه وإن كان يعتقد صحتها في حق غيره والدليل عليه أن الإمام وإن صلى بغير فاتحة فيحتمل صلاته الصحة بالاتفاق إذ الشافعي لا يقطع بخطئه فلم فسد اقتداؤه بمن تجوز صحة صلاته ويجوز بطلانها وكل إمام فيحتمل أن تكون صلاته باطلة بحدث أو نجاسة لا يعرفها المقتدي ولا تبطل صلاته بالاحتمال فلا سبب لها إلا أنها باطلة في اعتقاده وبموجب اجتهاده ونحن نقول هي باطلة بموجب اعتقاده في حقه لا في حق إمامه وبطلانها في حقه كاف لبطلان اقتدائه الشبهة الرابعة قولهم إن صح تصويب المجتهدين فينبغي أن نطوي بساط المناظرات في الفروع لأن مقصود المناظرة دعوة الخصم إلى الانتقال عن مذهبه فلم يدع إلى الانتقال بل ينبغي أن يقال ما اعتقدته فهو حق فلازمه فإنه لا فضل لمذهبي على مذهبك فالمناظرة إما واجبة وإما ندب وإما مفيدة ولا يبقى لشيء من ذلك وجه مع التصويب

Bölüm V01/P357–V01/P358

والجواب أنا لا ننكر أن جماعة من ضعفة الفقهاء يتناظرون لدعوة الخصم إلى الانتقال لظنهم أن المصيب واحد بل لاعتقادهم في أنفسهم أنهم المصيبون وأن خصمهم مخطىء على التعيين أما المحصلون فلا يتناظرون في الفروع لذلك لكن يعتقدون وجوب المناظرة لغرضين واستحبابها لستة أغراض أما الوجوب ففي موضعين أحدهما أنه يجوز أن يكون في المسألة دليل قاطع من نص أو ما في معنى النص أو دليل عقلي قاطع فيما يتنازع فيه في تحقيق مناط الحكم ولو عثر عليه لامتنع الظن والاجتهاد فعليه المباحثة والمناظرة حتى ينكشف انتفاء القاطع الذي يأثم ويعصي بالغفلة عنه الثاني أن يتعارض عنده دليلان ويعسر عليه الترجيح فيستعين بالمباحثة على طلب الترجيح فإنا وإن قلنا على رأي أنه يتخير فإنما يتخير إذا حصل اليأس عن طلب الترجيح وإنما يحصل اليأس بكثرة المباحثة وأما الندب ففي مواضع الأول أن يعتقد فيه أنه معاند فيما يقوله غير معتقد له وأنه إنما يخالف حسدا أو عنادا أو نكرا فيناظر ليزيل عنهم معصية سوء الظن ويبين أنه يقوله عن اعتقاد واجتهاد الثاني أن ينسب إلى الخطأ وأنه قد خالف دليلا قاطعا فيعلم جهلهم فيناظر ليزيل عنهم الجهل كما أزال في الأول معصية التهمة الثالث أن ينبه الخصم على طريقه في الاجتهاد حتى إذا فسد ما عنده لم يتوقف ولم يتخير وكان طريقه عنده عتيدا يرجع إليه إذا فسد ما عنده وتغير فيه ظنه الرابع أن يعتقد أن مذهبه أثقل وأشد وهو لذلك أفضل وأجزل ثوابا فيسعى في استجرار الخصم من الفاضل إلى الأفضل ومن الحق إلى الأحق الخامس أنه يفيد المستمعين معرفة طرق الاجتهاد ويذلل لهم مسلكه ويحرك دواعيهم إلى نيل رتبة الاجتهاد ويهديهم إلى طريقه فيكون كالمعاونة على الطاعات والترغيب في القربات السادس وهو الأهم وهو أن يستفيد هو وخصمه تذليل طرق النظر في الدليل حتى يترقى من الظنيات إلى ما الحق فيه واحد من الأصول فيحصل بالمناظرة نوع من الارتباض وتشحيذ الخاطر وتقوية المنة في طلب الحقائق ليترقى به إلى نظر هو فرض عينه إن لم يكن في البلد من يقوم به أو كان قد وقع الشك في أصل من الأصول أو إلى ما هو فرض على الكفاية إذ لا بد في كل بلد من عالم مليء بكشف معضلات أصول الدين وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب متعين إن لم يكن إليه طريق سواه وإن كان إليه طريق سواه فيكون هو إحدى خصال الواجب فهذا في بعض الصور يلتحق بالمناظرة الواجبة فهذه فوائد مناظرات المحصلين دون الضعفاء المغترين حين يطلبون من الخصم الانتقال ويفتون بأنه يجب على خصمهم العمل بما غلب على ظنه وأنه لو وافقه على خلاف اجتهاد نفسه عصى وأثم وهل في عالم الله تناقض أظهر منه فهذه شبههم العقلية أما الشبه النقلية فخمس الأولى تمسكهم بقوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين لأنعام الأنبياء 78 79 وهذا يدل على اختصاص سليمان بمدرك الحق وأن الحق واحد الجواب من ثلاثة أوجه الأول أنه من أين صح أنهما بالاجتهاد حكما ومن العلماء من منع اجتهاد الأنبياء عقلا ومنهم من منعه سمعا ومن أجاز أحال الخطأ عليهم فكيف ينسب الخطأ إلى داود عليه السلام ومن أين يعلم أنه قال ما قال عن اجتهاد الثاني أن الآية أدل على نقيض مذهبهم إذ قال وكلا آتينا حكما وعلما والباطل والخطأ يكون ظلما وجهلا لا حكما وعلما ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله وأنه الحكم والعلم الذي آتاه الله لا سيما في معرض المدح والثناء فإن قيل فما معنى قوله تعالى ما الأنبياء 79 قلنا لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطأ إلى داود

Bölüm V01/P358–V01/P359

الجواب الثالث التأويل وهو أنه يحتمل أنهما كانا مأذونين في الحكم باجتهادهما فحكما وهما محقان ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان فصار ذلك حقا متعينا بنزول الوحي على سليمان بخلافه لكن لنزوله على سليمان أضيف إليه ويتعين تنزيل ذلك على الوحي إذ نقل المفسرون أن سليمان حكم بأنه يسلم الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولا كاملا وهذا إنما يكون حقا وعدلا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة يساوي ما فات على صاحب الزرع وذلك يدركه علام الغيوب ولا يعرف بالاجتهاد الشبهة الثانية قوله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم النساء 83 ) وقوله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم آل عمران 7 فدل على أن في مجال النظر حقا متعينا يدركه المستنبط وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه ربما أراد به الحق فيما الحق فيه واحد من العقليات والسمعيات القطعيات إذ منها ما يعلم بطريق قاطع نظري مستنبط والثاني أنه ليس فيه تخصيص بعض العلماء فكل ما أفضى إليه نظر عالم فهو استنباطه وتأويله وهو حق مستنبط وتأويل أذن للعلماء فيه دون العوام وجعل الحق في حق العوام الحق الذي استنبطه العلماء بنظرهم وتأويلهم فهذا لا يدل على تخطئة البعض الشبهة الثالثة قوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر فدل أن فيه خطأ وصوابا وقد ادعيتم استحالة الخطأ في الاجتهاد والجواب من وجهين الأول أن هذا هو القاطع على أن كل واحد مصيب إذ له أجر وإلا فالمخطىء الحاكم بغير حكم الله تعالى كيف يستحق الأجر الثاني هو أنا لا ننكر إطلاق اسم الخطأ على سبيل الإضافة إلى مطلوبه لا إلى ما وجب عليه فإن الحاكم يطلب رد المال إلى مستحقه وقد يخطىء ذلك فيكون مخطئا فيما طلبه مصيبا فيما هو حكم الله تعالى عليه وهو اتباع ما غلب على ظنه من صدق الشهود وكذلك كل من اجتهد في القبلة يقال أخطأ أي أخطأ ما طلبه ولم يجب عليه الوصول إلى مطلوبه بل الواجب استقبال جهة يظن أن مطلوبه فيها فإن قبل ولم كان للمصيب أجران وهما في التكليف وأداء ما كلفا سواء قلنا لقضاء الله تعالى وقدره وإرادته فإنه لو جعل للمخطىء أجرين لكان له ذلك وله أن يضاعف الأجر على أخف العملين لأن ذلك منه تفضل ثم السبب فيه أنه أدى ما كلف وحكم بالنص إذ بلغه والآخر حرم الحكم بالنص إذ لم يبلغه ولم يكلف إصابته لعجزه ففاته فضل التكليف والامتثال وهذا ينقدح في كل مسألة فيها نص وفي كل اجتهاد يتعلق بتحقيق مناط الحكم كأروش الجنايات وقدر كفاية الأقارب فإن فيها حقيقة متعينة عند الله تعالى وإن لم يكلف المجتهد طلبها وهو جار في المسائل التي لا نص فيها عند من قال في كل مسألة حكم متعين وأشبه عند الله تعالى وسيأتي وجه فساده بعد هذا إن شاء الله تعالى الشبهة الرابعة تمسكهم بقوله تعالى ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم آل عمران 103 تنازعوا فتفشلوا الأنفال 46 ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا آل عمران 105 48 وكذلك هود 118 119 والإجماع منعقد على الحث على الإلفة والموافقة والنهي عن الفرقة فدل أن الحق واحد ومذهبكم أن دين الله مختلف ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا والجواب من أوجه الأول أن اختلاف الحكم باختلاف الأحوال في العلم والجهل والظن كاختلافه باختلاف السفر والإقامة والحيض والطهر والحرية والرق والاضطرار والاختيار الثاني أن الأمة مجمعة على أنه يجب على المختلفين في الاجتهاد أن يحكم كل واحد بموجب اجتهاده وهو مخالف لغيره والأمر باتباع المختلف أمر بالاختلاف فهذا ينقلب عليكم إشكاله وإنما يصح هذا السؤال من منكري أصل الاجتهاد

Bölüm V01/P359–V01/P360

الثالث وهو جواب منكري أصل الاجتهاد أيضا أنه لو كان المراد ما ذكروه لما جاز للمجتهدين في القبلة أن يصلوا إلى جهات مختلفة مع أن القبلة عند الله تعالى واحدة ولما جاز في الكفارات المختلفة أن يعتق واحد ويصوم آخر ولما جاز للمضطرين إلى ميتة لا تفي برمق جميعهم أن يتقارعوا ولما جاز الاجتهاد في أروش الجنايات وتقدير النفقات وفي مصالح الحرب وكل ما سميناه بتحقيق مناط الحكم وذلك كله ضروري في الدين وليس مرادنا الاختلاف المنهي عنه بل المنهي عنه الاختلاف في أصول الدين وعلى الولاة والأئمة الشبهة الخامسة قولهم حسمتم إمكان الخطأ في الاجتهاد والصحابة مجمعون على الحذر من الخطأ حتى قالأبو بكر رضي الله عنه أقول في الكلالة برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمن الشيطان وقال علي لعمر رضي الله عنهما إن لم يجتهدوا فقد غشوا وإن اجتهدوا فقد أخطأوا أما الإثم فأرجو أن يكون عنك زائلا وأما الدية فعليك ولما كتب أبو موسى كتابا عن عمر كتب فيه هذا ما أرى الله عمر فقال امحه واكتب هذا ما رأى عمر فإن يك خطأ فمن عمر وقال في جواب المرأة التي ردت عليه في النهي عن لمبالغة في المهر حيث ذكرت القنطار في الكتاب أصابت امرأة وأخطأ عمر وقال ابن مسعود في المفوضة إن كانت خطأ فمني ومن الشيطان بعد أن اجتهد شهرا الجواب إنا نثبت الخطأ في أربعة أجناس أن يصدر الاجتهاد من غير أهله أو لا يستتم المجتهد نظره أو يضعه في غير محله بل في موضع فيه دليل قاطع أو يخالف في اجتهاده دليلا قاطعا كما ذكرناه في باب مثارات إفساد القياس وإنا ذكرنا عشرة أوجه تبطل القياس قطعا لا ظنا فجميع هذا محال الخطأ وإنما ينتفي الخطأ متى صدر الاجتهاد من أهله وتم في نفسه ووضع في محله ولم يقع مخالفا لدليل قاطع ثم مع ذلك كله يثبت اسم الخطأ بالإضافة إلى ما طلب لا إلى ما وجب كما في القبلة وتحقيق مناط الأحكام فمن ذكره من الصحابة فإما إن كان اعتقد أن الخطأ ممكن وذهب مذهب من قال المصيب واحد أو خاف على نفسه أن يكون قد خالف دليلا قاطعا غفل عنه أو لم يستتم نظره ولم يستفرغ تمام وسعه أو يخاف أن لا يكون أهلا للنظر في تلك المسألة أو أمن ذلك كله لكن قال ما قال إظهارا للتواضع والخوف من الله تعالى كما يقولون أنا مؤمن بالله إن شاء الله مع أنهم لم يشكوا في إيمانهم ثم جميع ما ذكروا أخبار آحاد لا يقوم بها حجة ويتطرق إليها الاحتمال المذكور فلا يندفع بها البراهين القاطعة التي ذكرناها مسألة ( الخطأ والإصابة في الاجتهاد )

Bölüm V01/P360–V01/P362

القول في نفي حكم معين في المجتهدات أما من ذهب إلى أن المصيب واحد فقد وضع في كل مسألة حكما معينا هو قبلة الطالب ومقصد طلبه فيصيب أو يخطىء أما المصوبة فقد اختلفوا فيه فذهب بعضهم إلى إثباته وإليه تشير نصوص الشافعي رحمه الله لأنه لا بد للطالب من مطلوب وربما عبروا عنه بأن مطلوب المجتهد الأشبه عند الله تعالى والأشبه معين عند الله والبرهان الكاشف للغطاء عن هذا الكلام المبهم هو أنا نقول المسائل منقسمة إلى ما ورد فيها نص وإلى ما لم يرد أما ما ورد فيه نص فالنص كأنه مقطوع به من جهة الشرع لكن لا يصير حكما في حق المجتهد إلا إذا بلغه وعثر عليه أو كان عليه دليل قاطع يتيسر معه العثور عليه إن لم يقصر في طلبه فهذا مطلوب المجتهد وطلبه واجب وإذا لم يصب فهو مقصر آثم أما إذا لم يكن إليه طريق متيسر قاطع كما في النهي عن المخابرة وتحويل القبلة قبل بلوغ الخبر فقد بينا أن ذلك حكم في حق من بلغه لا في حق من لم يبلغه لكنه عرضة أن يصير حكما فيه حكم بالقوة لا بالفعل وإنما يصير حكما بالبلوغ أو تيسر طريقه على وجه يأثم من لا يصيبه فمن قال في هذه المسائل حكم معين لله تعالى وأراد به أنه حكم موضوع ليصير حكما في حق المكلف إذا بلغه وقبل البلوغ وتيسر الطريق ليس حكما في حقه بالفعل بل بالقوة فهو صادق وإن أراد به غيره فهو باطل أما المسائل التي لا نص فيها فيعلم أنه لا حكم فيها لأن حكم الله تعالى خطابه وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول أو يدل عليه دليل قاطع من فعل النبي عليه السلام أو سكوته فإنه قد يعرفنا خطاب الله تعالى من غير استماع صيغة فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه فكيف يكون فيه حكم فقليل النبيذ إن اعتقد فيه كونه عند الله حراما فمعنى تحريمه أنه قيل فيه لا تشربوه وهذا خطاب والخطاب يستدعي مخاطبا والمخاطب به هم الملائكة أو الجن أو الآدميون ولا بد أن يكون المخاطب به هم المكلفون من الآدميين ومتى خوطبوا ولم ينزل فيه نص بل هو مسكوت عنه غير منطوق به ولا مدلول عليه بدليل قاطع سوى النطق فإذا لا يعقل خطاب لا مخاطب به كما لا يعقل علم لا معلوم له وقتل لا مقتول له ويستحيل أن يخاطب من لا يسمع الخطاب ولا يعرفه بدليل قاطع فإن قيل عليه أدلة ظنية قلنا قد بينا أن تسمية الأمارات أدلة مجاز فإن الأمارات لا توجب الظن لذاتها بل تختلف بالإضافة فمما لا يفيد الظن لزيد فقد يفيد لعمرو وما يفيد لزيد حكما فقد يفيد لعمرو ونقيضه وقد يختلف تأثيره في حق زيد في حالتين فلا يكون طريقا إلى المعرفة ولو كان طريقا لعصى إذا لم يصبه فسبب هذا الغلط إطلاق اسم الدليل على الأمارات مجازا فظن أنه دليل محقق وإنما الظن عبارة عن ميل النفس إلى شيء واستحسان المصالح كاستحسان الصور فمن وافق طبعه صورة مال إليها وعبر عنها بالحسن وذلك قد يخالف طبع غيره فيعبر عنه بالقبح حيث ينفر عنه فالأسمر حسن عند قوم قبيج عند قوم فهي أمور إضافية ليس لها حقيقة في نفسها فلو قال قائل الأسمر حسن عند الله أو قبيح قلنا لا حقيقة لحسنه وقبحه عند الله إلا موافقته لبعض الطباع ومخالفته لبعضها وهو عند الله كما هو عند الناس فهو عند الله حسن عند زيد قبيح عند عمرو إذ لا معنى لحسنه إلا موافقته طبع زيد ولا معنى لقبحه إلا مخالفته لطبع عمرو وكذلك تحريك الرغبة للفضائل والتفاوت في العطاء هو حسن عند عمر رضي الله عنه موافق لرأيه وهو بعينه ليس موافقا لأبي بكر رضي الله عنه بل الحسن عند أن يجعل الدنيا بلاغا ولا يلتفت إليها فهذه الحقيقة في الظنون ينبغي أن تفهم حتى ينكشف الغطاء وإنما غلط فيه الفقهاء من حيث ظنوا أن الحلال والحرام وصف للأعيان كما ظن قوم أن الحسن والقبح وصف للذوات فإن قيل نحن لا ننكر أن ما لم يرد فيه نطق ولا دليل قاطع فليس فيه حكم نازل موضوع لكن نعني بالأشبه فيما هو قبلة للطالب الحكم الذي كان الله ينزله لو أنزله وربما كان الشارع يقوله لو رجع في تلك المسألة قلنا هذا هو الحكم بالقوة وما كان ينزل لو نزل إنما يكون حكما لو نزل فقبل نزوله ليس حكما فقد ظهر أنه لا حكم ومن أخطأ لم يخطىء الحكم بل أخطأ ما كان لعله سيصير حكما لو جرى في تقدير الله انزله ولم يجر في تقديره فلا معنى له ويلزم من هذا أن يجوز خطأ المجتهدين جميعا في تقديره وإصابة المجتهدين جميعا فإنه ربما كان ينزل لو أنزل التخيير بين المذهبين وتصويب كل من قال فيه قولا كيفما قال أو ينزل تخطئة كل من قطع القول بإثبات أو نفي حيث لم يتخير بين الحكمين فإن هذه التجويزات لا تنحصر فربما يعلم الله صلاح العباد في أن لا يضع في الوقائع حكما بل يجعل حكمها تابعا لظن المجتهدين فتعبدهم بما يظنون ويبطل مذهب من يقول فيها بحكم معين فيكون في هذا تخطئة كل من أثبت من المجتهدين حكما معينا نفيا أو إثباتا احتجوا بأن قالوا إنما اضطرنا إلى هذا ضرورة الطلب فإنه يستدعي مطلوبا فمن علم أن الجماد ليس بعالم ولا جاهل لا يتصور أن يطلب الظن أو العلم بجهله وعلمه ومن اعتقد أن العالم خال عن وصف القدم والحدوث هل يتصور أن يطلب ما يعتقد انتفاءه فإذا اعتقد الطلب أن قليل النبيذ ليس عند الله حراما ولا حلالا فكيف يجتهد في طلب أحدهما قلنا فقد أخطأ إذ ظننتم أن المجتهد يطلب حكم الله مع علمه بأن حكم الله خطابه فإن الواقعة لا نص فيها ولا خطاب بل إنما يطلب غلبة الظن وهو كمن كان على ساحل البحر وقيل له إن غلب على ظنك السلامة أبيح لك الركوب وإن غلب على ظنك الهلاك حرم عليك الركوب وقبل حصول الظن لا حكم لله عليك وإنما حكمه يترتب على ظنك ويتبع ظنك بعد حصوله فهو يطلب الظن دون الإباحة والتحريم فإن قيل هذا في البحر معقول لأنه ينظر في أمارات الهلاك والسلامة فذلك مطلوبة والإباحة والتحريم أمر وراءه وفي مسألتنا لا مطلوب سوى الحكم قلنا من ههنا غلطتم فإنه لا فرق بين الصورتين ونحن نكشف ذلك بالأمثلة فنقول لو قلنا للشارع ما حكم الله تعالى في العطاء الواجب التسوية أو التفضيل

Bölüm V01/P362–V01/P363

فقال حكم الله على كل إمام ظن أن الصلاح في التسوية هو التسوية وحكمه على كل من ظن أن المصلحة في التفضيل ولا حكم عليهم قبل تحصيل الظن إنما يتجدد حكمه بالظن وبعده كما يتجدد الحكم على راكب البحر بعد الظن ويتجدد على قاضيين شهد عندهما في واقعتين شخصان وجوب القبول ووجوب الرد عند ظن الصدق وظن الكذب فيجب على أحدهما التصديق وعلى الآخر التكذيب وكذلك إذا قلنا ما حكمه في قليل النبيذ فقال حكمه تحريم الشرب على من ظن أني حرمت قليل الخمر لأنه يدعوه إلى كثيره والتحليل لمن ظن أني حرمت الخمر لعينها إلا لهذه العلة ولا حكم لله تعالى قبل هذا الظن وكذلك إذا قلنا ما حكم الله في قيمة العبد أتضرب على العاقلة أم على الجاني فقال حكم الله تعالى على من ظن أنه بالحر أشبه الضرب على العاقلة وعلى من ظن أنه بالبهيمة أشبه الضرب على الجاني وكذلك نقول ما حكم الله في المفاضلة في بيع الجص والبطيخ فقال حكم الله على من ظن إني حرمت ربا الفضل في البر لأنه مطعوم تحريم البطيخ دون الجص وعلى من ظن أني حرمته للكيل تحريم الجص دون البطيخ فإن قيل فما علة تحريم ربا البر عند الله أهي الطعم أم الكيل أم القوت فنقول كل واحد من الطعم والكيل لا يصلح أن يكون علة لذاتها بل معنى كونها علة أنها علامة فمن ظن أن الكيل علامة فهو علامة في حقه دون من ظن أن علامته الطعم وليست العلة وصفا ذاتيا كالقدم والحدوث للعالم حتى يجب أن يكون في علم الله على أحد الوصفين لا محالة بل هو أمر وضعي والوضع يختلف بالإضافة وقد وضعته كذلك فهذا لو صرح الشارع به فهو معقول وجانب الخصم لو صرح به كان محالا وهو أن يكون لله حكم ليس بخطاب ولا يتعلق بمخاطب ومكلف فإن هذا يضاد حد الحكم وحقيقته أو يقول تعلق به لكن لا طريق له إلى معرفته فهو محال لما فيه من تكليف ما لا يطاق أو يقول له طريق إلى معرفته وقد أمر به لكنه لا يعصي بتركه فهو أيضا يضاد حد الواجب ويضاد حد الاجماع المنعقد على أن المجتهد يجب عليه العمل بموجب اجتهاده فكيف يجب عليه مع ذلك ضده وكيف يكون مأمورا باستقبال القبلة من غلب على ظنه أن القبلة في جهة أخرى بل بالإجماع لو خالف اجتهاد نفسه واستقبل جهة أخرى فاتفق إن كان جهة القبلة عصى ولزمه القضاء فاستبان أن ذلك الاجتهاد الشرعي على الممكن دون المحال هذا حكم التأثيم والتصويب ونذكر بقية أحكام الاجتهاد في صور مسائل مسألة ( تعارض الأدلة مع بعضها )

Bölüm V01/P363–V01/P366

إذا تعارض دليلان عند المجتهد وعجز عن الترجيح ولم يجد دليلا من موضع آخر وتحير فالذين ذهبوا إلى أن المصيب واحد يقولون هذا بعجز المجتهد وإلا فليس في أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح فيلزم التوقف أو الأخذ بالاحتياط أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح وأما المصوبة فاختلفوا فمنهم من قال يتوقف لأنه متعبد باتباع غالب الظن ولم يغلب عليه ظن شيء وهذا هو الأسلم الأسهل وقال القاضي يتخير لأنه تعارض عنده دليلان وليس أحدهما أولى من الآخر فيعمل بأيهما شاء وهذا ربما يستنكر ويستبعد ويقال كيف يتخير في حال واحدة بين الشيء وضده وليس هذا محالا لأن التخيير بين حكمين مما ورد الشرع به كالتخيير بين خصال الكفارة ولو صرح الشرع بالتخيير كان له ذلك فقد اضطررنا إلى التخيير لأن الحكم تارة يؤخذ من النص وتارة من المصلحة وتارة من الشبه وتارة من الاستصحاب فإن نظرنا إلى النص فيجوز أن يتعارض في حقنا نصان ولا يتبين تاريخ أو يتعارض عمومان ولا يتبين ترجيح أو يتعارض استصحابان كما في مسائل تقابل الأصلين أو يتعارض شبهان بأن تدور المسألة بين أصلين ويكون شبهه هذا كشبهه ذاك أو يتعارض مصلحتان بحيث لا ترجيح فلو قلنا يتوقف فإلى متى يتوقف وربما لا يقبل الحكم التأخير ولا نجد مأخذا آخر للحكم ولا نجد مفتيا آخر يترجح عنده أو وجد من ترجح عنده بخيال هو فاسد عنده يعلم أنه لا يصلح للترجيح فكيف يرجح بما يعتقد أنه لا يصلح للترجيح بل لا سبيل إلا التخيير كما لو اجتمع على العامي مفتيان استوى حالهما عنده في العلم والورع ولم يجد ثالثا فلا طريق إلا التخيير وللفقهاء في تعارض البينتين مذاهب فمنهم من قال نقسم المال بينهما ومعناه تصديق البينتين وتقدير أنه قام لكل واحد سبب كمال الملك لكن ضاق المحل عن الوفاء بهما ولا ترجيح فصار كما لو استحقاه بالشفعة إذ لكل واحد من الشفيعين سبب كامل في استحقاق جميع الشقص المبيع لكن ضاق المحل فيوزع عليهما وعلى الجملة الاحتمالات أربعة أما العمل بالدليلين جميعا أو إسقاطهما جميعا أو تعيين أحدهما بالتحكم أو التخيير ولا سبيل إلى الجمع عملا وإسقاطا لأنه متناقض ولا سبيل إلى التوقف إلى غير نهاية فإن فيه تعطيلا ولا سبيل إلى التحكم بتعيين أحدهما فلا يبقى إلا الرابع وهو التخيير كما في اجتماع المفتيين على العامي فإن قيل كما استحالت الأقسام الثلاثة فالتخيير أيضا جمع بين النقيضين فهو محال قلنا المحال ما لو صرح الشرع به لم يعقل ولو قال الشارع من دخل الكعبة فله أن يستقبل أي جدار أراد فيتخير بين أن يستقبل جدارا أو يستدبره كان معقولا لأنه كيفما فعل فهو مستقبل شيئا من الكعبة وكيفما تقلب فإليها ينقلب وكذلك إذا قال تعبدتكم باتباع الاستصحاب ثم تعارض استصحابان فكيفما تقلب فهو مستصحب كما إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا انقطع خبره فالأصل بقاء الحياة والأصل بقاء اشتغال الذمة فقد تعارضا وكذلك إذا علم المجتهد أن في التسوية في العطاء مصلحة وهي الأحتراز عن وحشة الصدور بمقدار التفاوت الذي لا يتقدر إلا بنوع من الاجتهاد وفي التفاوت مصلحة تحريك رغبات الفضائل وهما مصلحتان ربما تساوتا عند الله تعالى أيضا فكيفما فعل فقد مال إلى مصلحة وكذلك قد تشبه المسألة أصلين شبها متساويا وقد أمرنا باتباع الشبه فكيفما فعل فهو ممتثل ومثاله قوله تعالى عليه السلام في زكاة الإبل في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فمن له من الإبل مائتان فإن أخرج الحقاق فقد عمل بقوله عليه السلام في كل خمسين حقة وإن أخرج بنات لبون فقد عمل بقوله في كل أربعين بنت لبون وليس أحد اللفظين بأولى من الآخر فيتخير فكذلك عند تعارض الاستصحاب والمصلحة والشبه فإن قيل التخيير بين التحريم ونقيضه يرفع التحريم والتخيير بين الواجب وتكره يرفع الوجوب والجمع بين أختين مملوكتين أما أن يحرم أو لا يحرم فإن قلنا بهما جميعا فهو متناقض قلنا يحتمل أن يرجع عند تعارض الدليل الموجب والمسقط إلى الوجه الآخر وهو القول بالتساقط ويطلب الدليل من موضع آخر ويخص وجه التخيير بما لو ورد الشرع فيه بالتخيير لم يتناقض مما يضاهي مسألة بنات اللبون والحقاق وكالاختلاف في المحرم إذا جمع بين التحليلين الواجب عليه بدنة أو شاة إذ التخيير بينهما معقول فيحصل في تعارض الدليلين ثلاثة أوجه وجه في التساقط ووجه في التخيير ووجه في التفصيل وفصل بين ما يمكن التخيير فيه من الواجبات إذ يمكن التخيير فيها وبين ما يتعارض فيه الموجب والمبيح أو المحرم والمبيح فلا يمكن التخيير فيه فيرجع إلى التساقط وإن أردنا الإصرار على وجوب التخيير مطلقا فله وجه أيضا وهو أنا نقول إنما يناقض الوجوب جواز الترك مطلقا أما جوازه بشرط فلا بدليل أن الحج واجب على التراخي وإذا أخر ثم مات قبل الأداء لم يلق الله عاصيا عندنا إذا أخر مع العزم على الامتثال فجواز تركه بشرط العزم لا ينافي الوجوب بل المسافر مخير بين أن يصلي أربعا فرضا وبين أن يترك ركعتين فالركعتان واجبتان ويجوز أن يتركهما ولكن جاز تركهما بشرط أن يقصد الترخص ويقبل صدقة قد تصدق الله بها على عباده فهو كمن يستحق أربعة دراهم على غيره فقال له تصدقت عليك بدرهمين إن قبلت وإن لم تقبل وأتيت بالأربعة قبلت الأربعة عن الدين الواجب فإن شاء قبل الصدقة وأتى بدرهمين وإن شاء اتى بالأربعة عن الواجب ولا يتناقض فكذلك في مسألتنا إذا اقتضى استصحاب شغل الذمة إيجاب عتق آخر بعد أن أعتق عبدا غائبا فلا يجوز له تركه إلا بشرط أن يقصد استصحاب الحياة ويعمل بموجبه فمن لم يخطر له الدليل المعارض أو خطر له ولم يقصد العمل وترك الواجب لم يجز وكذلك إذا سمع قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين النساء 23 حرم عليه الجمع بين المملوكتين وإنما يجوز له قصد العمل بموجب الدليل الثاني هو قوله تعالى 4 أو ما ملكت أيمانكم النساء 3 كما قال عثمان أحلتهما آية وحرمتهما آية وسئل ابن عمر عمن نذر صوم يوم من كل أسبوع فوافق يوم العيد فقال أمر الله بوفاء النذر ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد ولم يزد على هذا معناه أنه إذا لم يظهر ترجيح فيحرم صوم العيد بالنهي ويجوز أن يصوم بشرط أن يقصد العمل بموجب الدليل الثاني وهو الأمر بالوفاء وكان ذلك جوازا بشرط فلا يتناقض الواجب وأما إذا تعارض الموجب والمحرم فيتولد منه التخيير المطلق كالولي إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا ولو أطعم أحدهما مات الآخر فإذا أشرنا إلى رضيع معين كان إطعامه واجبا لأن فيه إحياءه وحراما لأن فيه هلاك غيره فنقول هو مخير بين أن يطعم هذا فيهلك ذاك أو ذاك فيهلك هذا فلا سبيل إلا التخييرة فإذا مهما تعارض دليلان في واجبين كالشاة والبدنة في الجمع بين التحليلين تخيير بينهما وأن تعارض دليل الوجوب ودليل الإباحة تخير بشرط قصد العمل بموجب الدليل المبيح كما يتخير بين ترك الركعتين قصدا وبين إتمامهما لكن بشرط قصد الترخص وإن تعارض الموجب والمحرم حصل التخيير المطلق أيضا هذا طريق نصره اختيار القاضي في التخيير فإن قيل تعارض دليلين من غير ترجيح محال وإنما يخفى الترجيح على المجتهد قلنا وبم عرفتم استحالة ذلك فكما تعارض موجب بنات اللبون والحقاق فلم يستحل أن يتعارض استصحابان وشبهان ومصلحتان وينتفى الترجيح في علم الله تعالى فإن قيل فما معنى قول الشافعي المسألة على قولين قلنا هو التخيير في بعض المواضع والتردد في بعض المواضع كتردده في أن البسملة هل هي آية في أول كل سورة فإن ذلك لا يحتمل التخيير لأنه في نفسه أمر حقيقي ليس بإضافي فيكون الحق فيه واحدا فإن قيل فمذهب التخيير يفضي إلى محال وهو أن يخير الحاكم المتخاصمين في شفعة الجوار أو استغراق الجد للميراث أو المقاسمة لأن حكم الله الخيرة وكذلك يخير المفتي العامي وكذلك يحكم لزيد بشفعة الجوار ولعمرو بنقيضه ويوم السبت باستغراق الجد للميراث ويوم الأحد بالمقاسمة بل تثبت الشفعة يوم الأحد وتسترد يوم الاثنين بالرأي الآخر قلنا لا تخيير للمخاصمين بين النقيضين لأن الحاكم منصوب لفصل الخصومة عند التنازع فيلزمه أن يفصل الخصومة بأي رأي أراد كما لو تنازع الساعي والمالك في بنات اللبون والحقاق وفي الشاة والدراهم في الجبران فالحاكم يحكم بما أراد أما الرجوع فغير جائز لمصلحة الحكم أيضا فإنه لو تغير اجتهاده عندكم تغير فتواه ولا ينقض الحكم السابق للمصلحة أما قضاؤه يوم الأحد بخلاف قضائه يوم السبت وفي حق زيد بخلاف ما في حق عمرو فما قولكم فيه لو تغير اجتهاده أليس ذلك جائزا فكذلك إذا اجتمع دليلان عليه عندنا كما في الحقاق وبنات اللبون يجوز أن يشير بإشارة مختلفة فيأمر زيدا ببنات اللبون وعمرا بالحقاق وعلى الجملة يجوز أن يغاير أمر الحكم أمر الفتوى لمصلحة الحكم كما لو تغير الاجتهاد فإنه لا ينقض الحكم الماضي ويحكم في المستقبل بالاجتهاد الثاني وكذلك المجتهد في القبلة إذا تعارض عنده دليلان في جهتين والصلاة لا تقبل التأخير ولا مجتهد يقلد فهل له سبيل إلا أن يتخير إحدى الجهتين فيصلي إلى أي الجهتين شاء ولا يجوز له أن يعدل إلى الجهتين الباقيتين اللتين دل اجتهاده على أن القبلة ليست فيهما فهذه أمور لو وقع التصريح بها من الشارع كان مقبولا ومعقولا وإليه الإشارة بقول علي وعثمان رضي الله عنهما في الجمع بين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية