Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وإن أعسر بالمسكن ففيه وجهان أحدهما يثبت لها الفسخ لأنه يلحقها الضرر لعدم المسكن والثاني لا يثبت لأنها لا تعدم موضعا تسكن فيه فصل متى يثبت الفسخ وإن لم يجد إلا نفقة يوم بيوم لم يثبت لها الفسخ لأنه لا يلزمه في كل يوم أكثر من نفقة يوم وإن وجد في أول النهار ما يغديها وفي آخره ما يعشيها ففيه وجهان أحدهما لها الفسخ لأن نفقة اليوم لا تتبعض والثاني ليس لها الفسخ لأنها تصل إلى كفايتها وإن كان يجد يوما قدر الكفاية ولا يجد يوما ثبت لها الفسخ لأنه لا يحصل لها في كل يوم إلا بعض النفقة وإن كان نساجا ينسج في كل أسبوع ثوبا تكفيه أجرته الأسبوع أو صانعا يعمل في كل ثلاثة أيام تكة يكفيه ثمنها ثلاثة أيام لم يثبت لها الفسخ لأنه يقدر أن يستقرض لهذه المدة ما ينفقه فلا تنقطع به النفقة وإن كانت نفقته في عمل فعجز عن العمل بمرض نظرت فإن كان مرضا يرجى زواله في اليومين والثلاثة لم يثبت لها الفسخ لأنه يمكنها أن تستقرض ما تنفقه ثم تقضيه وإن كان مرضا مما يطول زمانه ثبت لها الفسخ لأنه يلحقها الضرر لعدم النفقة وإن كان له مال غائب فإن كان في مسافة لا تقصر فيها الصلاة لم يجز لها الفسخ وإن كان في مسافة تقصر فيها الصلاة ثبت لها الفسخ لما ذكرناه في المرض وإن كان له دين على موسر لم يثبت لها الفسخ وإن كان على معسر ثبت لها الفسخ لأن يسار الغريم كيساره وإعساره كإعساره في تيسير النفقة وتعسيرها فصل فيما إذا امتنع الزوج من النفقة وإن كان الزوج موسرا وامتنع من الإنفاق لم يثبت لها الفسخ لأنه يمكن الإستيفاء بالحاكم وإن غاب وانقطع خبره لم يثبت لها الفسخ لأن الفسخ يثبت بالعيب وبالإعسار ولم يثبت الإعسار ومن أصحابنا من ذكر فيه وجها آخر أنه يثبت لها الفسخ لأن تعذر النفقة بانقطاع خبره كتعذرها بالإعسار فصل هل تثبت نفقة المعسرة في ذمته إذا ثبت لها الفسخ بالإعسار واختارت المقام معه ثبت لها في ذمته ما يجب على المعسر من الطعام والأدم والكسوة ونفقة الخادم فإذا أيسر طولب بها لأنها حقوق واجبة عجز عن أدائها فإذا قدر طولب بها كسائر الديون ولا يثبت لها في الذمة ما لا يجب على المعسر من الزيادة على نفقة المعسر لأنه غير مستحق فصل فيما إذا رضت بالإعسار هل لها التمكين وإن اختارت المقام بعد الإعسار لم يلزمها التمكين من الإستمتاع ولها أن تخرج من منزله لأن التمكين في مقابلة النفقة فلا يجب مع عدمها وإن اختارت المقام معه على الإعسار ثم عن لها أن تفسخ فلها ( أن تفسخ ) لأن النفقة يتجدد وجوبها في كل يوم فتجدد حق الفسخ وإن تزوجت بفقير مع العلم بحاله ثم أعسر بالنفقة فلها أن تفسخ لأن ( حق ) الفسخ يتجدد بالإعسار بتجدد النفقة فصل في الفسخ عن طريق الحاكم وإن اختارت الفسخ لم يجز الفسخ إلا بالحاكم لأنه فسخ مختلف فيه فلم يصح ( بغير الحاكم ) كالفسخ بالتعنين وفي وقت الفسخ قولان أحدهما أن لها الفسخ في الحال لأنه فسخ لتعذر العوض فثبت في الحال كفسخ البيع بإفلاس المشتري بالثمن والثاني أنه يمهل ثلاثة أيام لأنه قد لا يقدر في اليوم ويقدر في غد ولا يمكن إمهاله أبدا لأنه يؤدي إلى الإضرار بالمرأة والثلاث في حد القلة فوجب إمهاله وعلى هذا لها أن تخرج في هذه الأيام من منزل الزوج لأنها لا يلزمها التمكين من غير نفقة فصل إذا وجد التمكين الموجب للنفقة ولم ينفق حتى مضت مدة صارت النفقة دينا في ذمته ولا تسقط بمضي الزمان لأنه مال يجب على سبيل البدل في عقد معاوضة فلا يسقط بمضي الزمان كالثمن والأجرة والمهر ويصح ضمان ما استقر منها بمضي الزمان كما يصح ضمان سائر الديون
وهل يصح ضمانها قبل استقرارها بمضي الزمان فيه قولان بناء على القولين في النفقة هل تجب بالعقد أو بالتمكين فيه قولان قال في الجديد تجب بالتمكين وهو الصحيح لأنها لو وجبت بالعقد لملكت المطالبة بالجميع كالمهر والأجرة وعلى هذا لا يصح ضمانها لأنه ضمان ما لم يجب وقال في القديم تجب بالعقد لأنها في مقابلة الإستمتاع والإستمتاع يجب بالعقد فكذلك النفقة وعلى هذا يصح أن يضمن منها نفقة موصوفة لمدة معلومة فصل في الاختلاف في القبض إذا آختلف الزوجان في قبض النفقة فادعى الزوج أنها قبضت وأنكرت الزوجة فالقول قولها مع يمينها لقوله عليه السلام اليمين على المدعي عليه ولأن الأصل عدم القبض وإن مضت مدة لم ينفق فيها وادعت الزوجة أنه كان موسرا فيلزمه نفقة الموسر وادعى الزوج أنه كان معسرا فلا يلزمه إلا نفقة المعسر نظرت فإن عرف له مال فالقول قولها لأن الاصل بقاؤه وإن لم يعرف له مال قبل ذلك فالقول قوله لأن الأصل عدم المال وإن اختلفا في التمكين فادعت المرأة أنها مكنت وأنكر الزوج فالقول قوله لأن الأصل عدم التمكين وبراءة الذمة من النفقة وإن طلق زوجته طلقة رجعية وهي حامل فوضعت واتفقا على وقت الطلاق واختلفا في وقت الولادة فقال الزوج طلقتك قبل الوضع فانقضت العدة فلا رجعة لي عليك ولا نفقة لك علي وقالت المرأة بل طلقتني بعد الوضع فلك علي الرجعة ولي عليك النفقة فالقول قول الزوج أنه لا رجعة لي عليك لأنه حق له فقبل إقراره فيه والقول قول المرأة في وجوب العدة لأنه حق عليها فكان القول قولها والقول قولها مع يمينها في وجوب النفقة لأن الأصل بقاؤها والله أعلم باب نفقة المعتدة إذا طلق الرجل امرأته بعد الدخول طلاقا رجعيا وجب لها السكنى والنفقة في العدة لأن الزوجية باقية والتمكين من الإستمتاع موجود فإن طلقها طلاقا بائنا وجب لها السكنى في العدة حائلا كانت أو حاملا لقوله عز وجل أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وأما النفقة فإنها إن كانت حائلا لم تجب وإن كانت حاملا وجبت لقوله عز وجل وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فأوجب النفقة مع الحمل فدل على أنها لا تجب مع عدم الحمل وهل تجب النفقة للحمل أو للحامل بسبب الحمل فيه قولان قال في القديم تجب للحمل لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه وقال في الأم تجب للحامل بسبب الحمل وهو الصحيح لأنها لو وجبت للحمل لتقدرت بكفايته وذلك يحصل بما دون المد فإن قلنا تجب للحمل لم تجب إلا ( على من تجب ) عليه نفقة الولد فإن كانت الزوجة أمة والزوج حر أوجبت نفقتها على مولاها لأن الولد مملوك له وإن قلنا تجب النفقة للحامل وجبت على الزوج وإن كان الزوج عبدا وقلنا إن النفقة للحامل وجبت عليه وإن قلنا تجب للحمل لم تجب لأن العبد لا يلزمه نفقة ولده فصل في النفقة للحمل أو الحامل إذا وجبت النفقة للحمل بسبب الحمل ففي وجوب الدفع قولان أحدهما لا يجب الدفع حتى تضع الحمل لجواز أن يكون ريحا فانفش فلا يجب الدفع مع الشك والثاني يجب الدفع يوما بيوم لأن الظاهر وجود الحمل ولأنه جعل كالمتحقق في منع النكاح وفسخ البيع في الجارية المبيعة والمنع من الأخذ في الزكاة ووجوب الدفع في الدية فجعل كالمتحقق في دفع النفقة فإن دفع إليها ثم بان أنه لم يكن بها حمل فإن قلنا تجب يوما بيوم فله أن يرجع عليها لأنه دفعها على أنها واجبة وقد بان أنها لم تجب فثبت له الرجوع وإن قلنا إنها لا تجب إلا بالوضع فإن دفع إليها بأمر الحاكم فله أن يرجع لأنه إذا أمره الحاكم لزمه الدفع فثبت له الرجوع وإن دفع من غير أمره فإن شرط أن ذلك عن نفقتها إن كانت حاملا فله أن يرجع لأنه دفع عما يجب وقد بان أنه لم يجب وإن لم يشرط لم يرجع لأن الظاهر أنه متبرع فصل في وجوب السكنى من العدة
فإن تزوج امرأة ودخل بها ثم انفسخ النكاح برضاع أو عيب وجب لها السكنى في العدة وأما النفقة فإنها إن كانت حائلا لم تجب وإن كانت حاملا وجبت لأنها معتدة عن فرقة في حال الحياة فكان حكمها في النفقة والسكنى ما ذكرناه كالمطلقة وإن لاعنها بعد الدخول فإن لم ينف الحمل وجبت النفقة وإن نفى الحمل لم تجب النفقة لأن النفقة تجب في أحد القولين للحمل والثاني تجب لها بسبب الحمل والحمل منتف عنه فلم تجب بسببه نفقة وأما السكنى ففيها وجهان أحدهما تجب لأنها معتدة عن فرقة في حال الحياة فوجب لها السكنى كالمطلقة والثاني لا تجب لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ألا تثبت لها من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها زوجها ولأنها لم تحصن ماءه فلم يلزمه سكناها فصل في النفقة في النكاح الفاسد وإن نكح امرأة نكاحا فاسدا ودخل بها وفرق بينهما لم تجب لها السكنى لأنها إذا لم تجب مع قيام الفراش واجتماعهما على النكاح فلأن لا تجب مع زوال الفراش والإفتراق أولى وأما النفقة فإنها إن كانت حائلا لم تجب لأنها إذا لم تجب في العدة عن نكاح صحيح فلأن لا تجب في العدة عن النكاح الفاسد أولى وإن كانت حاملا فعلى القولين إن قلنا إن النفقة للحامل لم تجب لأن حرمتها في النكاح الفاسد غير كاملة وإن قلنا أنها تجب للحمل وجبت لأن الحمل في النكاح الفاسد كالحمل في النكاح الصحيح فصل وإن كانت الزوجة معتدة عن الوفاة لم تجب لها النفقة لأن النفقة إنما تجب للمتمكن من الإستمتاع وقد زال التمكين بالموت أو بسبب الحمل والميت لا يستحق عليه حق لأجل الولد وهل تجب لها السكنى فيه قولان أحدهما لا تجب وهو اختيار المزني لأنه حق يجب يوما بيوم فلم تجب في عدة الوفاة كالنفقة والثاني تجب لما روت فريعة بنت مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اعتدي في البيت الذي أتاك فيه وفاة زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله أربعة أشهر وعشرا ولأنها معتدة عن نكاح صحيح فوجب لها السكنى كالمطلقة فصل في وجوب نفقة زوجة المفقود إذا حبست زوجة المفقود أربع سنين فلها النفقة لأنها محبوسة عليه في بيته فإن طلبت الفرقة بعد أربع سنين ففرق الحاكم بينهما فإن قلنا بقوله القديم إن التفريق صحيح فهي كالمتوفى عنها زوجها لأنها معتدة عن وفاة فلا تجب لها النفقة وفي السكنى قولان فإن رجع الزوج فإن قلنا تسلم إليه عادت إلى نفقته في المستقبل وإن قلنا لا تسلم إليه لم يكن لها عليه نفقة فإن قلنا بقوله الجديد وأن التفريق باطل فلها النفقة في مدة التربص ومدة العدة لأنها محبوسة عليه في بيته وإن تزوجت سقطت نفقتها لأنها صارت كالناشزة وإن لم يرجع الزوج ورجعت إلى بيتها وقعدت فيه فإن قلنا بقوله القديم لم تعد النفقة وإن قلنا بقوله الجديد فهل تعود نفقتها بعودها إلى البيت فيه وجهان أحدهما تعود لأنها سقطت بنشوزها فعادت بعودها والثاني لا تعود لأن التسليم الأول قد بطل فلا تعود إلا بتسليم مستأنف كما أن الوديعة إذا تعدى فيها ثم ردها إلى المكان لم تعد الأمانة ومن أصحابنا من قال إن كان الحاكم فرق بينهما وأمرها بالإعتداد واعتدت وفارقت البيت ثم عادت إليه لم تعد نفقتها لأن التسليم الأول كان الحاكم فرق بينهما وأمرها بالإعتداد واعتدت وفارقت البيت ثم عادت أليه لم تعد نفقتها لأن التسليم الأول قد بطل لحكم الحاكم وإن كانت تربصت فاعتدت ثم فارقت البيت ثم عادت إليه عادت النفقة لأن التسليم الأول لم يبطل من غير حكم الحاكم والله أعلم باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم
والقرابة التي تستحق بها النفقة قرابة الوالدين وإن علوا وقرابة الأولاد وإن سفلوا فتجب على الولد نفقة الأب والأم والدليل عليه قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ومن الإحسان أن ينفق عليهما وروت أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ويجب عليه نفقة الأجداد والجدات لأن سم الوالدين يقع على الجميع والدليل عليه قوله تعالى ? < ملة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أطيب ما أبيكم إبراهيم > ? فسمى الله تعالى إبراهيم أبا وهو جد ولأن الجد كالأب والجدة كالأم في أحكام الولادة من رد الشهادة وغيرها وكذلك في إيجاب النفقة ويجب على الأب نفقة الولد لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار فقال أنفقه على نفسك قال عندي آخر فقال أنفقه على ولدك قال عندي آخر فقال أنفقه على أهلك قال عندي آخر قال أنفقه على خادمك قال عندي آخر قال أنت أعلم به ويجب عليه نفقة ولد الولد وإن سفل لأن سم الولد يقع عليه والدليل عليه قوله عز وجل يا بني آدم وتجب على الأم نفقة الولد لقوله تعالى لا تضار والدة بولدها ولأنه إذا وجبت على الأب وولادته من جهة الظاهر فلأن تجب على الأم وولادتها من جهة القطع أولى وتجب عليها نفقة ولد الولد لما ذكرناه في الأب ولا تجب نفقة من عدا الوالدين والمولودين من الأقارب كالإخوة والأعمام وغيرهما لأن الشرع ورد بإيجاب نفقة الوالدين والمولودين ومن سواهم لا يلحق بهم في الولادة وأحكام الولادة فلم يلحق بهم في وجوب النفقة فصل متى تجب نفقة القريب ولا تجب نفقة القريب إلا على موسر أو مكتسب يفضل عن حاجته ما ينفق على قريبه وأما من لا يفضل عن نفقته شيء فلا تجب عليه لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته فإن لم يكن فضل غير ما ينفق على زوجته لم يلزمه نفقة القريب لحديث جابر رضي الله عنه ولأن نفقة القريب مواساة ونفقة الزوجة عوض فقدمت على المواساة ولأن نفقة الزوجة تجب لحاجته فقدمت على نفقة القريب كنفقة نفسه فصل في شرط الحاجة من نفقة القريب ولا يستحق القريب النفقة على قريبه من غير حاجة فإن كان موسرا لم يستحق لأنها تجب على سبيل المواساة والموسر مستغن عن المواساة وإن كان معسرا عاجزا عن الكسب لعدم البلوغ أو الكبر أو الجنون أو الزمانة ستحق النفقة على قريبه لأنه محتاج لعدم المال وعدم الكسب وإن كان قادرا على الكسب بالصحة والقوة فإن كان من الوالدين ففيه قولان أحدهما يستحق لأنه محتاج فستحق النفقة على القريب كالزمن والثاني لا يستحق لأن القوة كاليسار ولهذ سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما في تحريم الزكاة فقال لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة قوي وإن كان من المولودين ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان كالوالدين ومنهم من قال لا يستحق قولا واحدا لأن حرمة الوالد آكد فاستحق ( بها ) مع القوة وحرمة الولد أضعف فلم استحق بها مع القوة فصل فإن كان للذي يستحق النفقة أب وجد أو جد وأبو جد وهما موسران كانت النفقة على الأقرب منهما لأنه أحق بالمواساة من الأبعد وإن كان له أب وبن موسران ففيه وجهان أحدهما أن النفقة على الأب لأن وجوب النفقة عليه منصوص عليه وهو قوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ووجوبها على الولد ثبت بالإجتهاد والثاني أنهما سواء لتساويهما في القرب والذكورية وإن كان له أب وأم موسران كانت النفقة على الأب لقوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن فجعل أجرة الرضاع على الأب
وروت عائشة رضي الله عنها أن هندا أم معاوية جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرا وهو لا يعلم فهل علي في ذلك من شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ولأن الأب ساوى الأم في الولادة ونفرد بالتعصيب فقدم وإن كان له أم وجد أبو الأب وهما موسران فالنفقة على الجد لأن له ولادة وتعصيبا فقدم على الأم كالأب وإن كانت له بنت وابن بنت ففيه قولان أحدهما أن النفقة على البنت لأنها أقرب والثاني أنها على بن البنت لأنه أقوى وأقدر على النفقة بالذكورية وإن كانت له بنت وبن ابن فالنفقة على بن الإبن لأن له ولادة وتعصيبا فقدم كما قدم الجد على الأم وإن كان له أم وبنت كانت النفقة على البنت لأن للبنت تعصيبا وليس للأم تعصيب وإن كان له أم أم وأبو أم فهما سواء لأنهما يتساويان في القرب وعدم التعصيب وإن كان له أم أم وأم أب ففيه وجهان أحدهما أنهما سواء لتساويهما في الدرجة والثاني أن النفقة على أم الأب لأنها تدلي بالعصبة فصل وإن كان الذي تجب عليه النفقة يقدر على نفقة قريب واحد وله أب وأم يستحقان النفقة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن الأم أحق لما روي أن رجلا قال يا رسول الله من أبر قال أمك قال ثم من قال أمك ثم من قال أمك قال ثم من قال أباك ولأنها تساوي الأب في الولادة وتنفرد بالحمل والوضع والرضاع والتربية والثاني أن الأب أحق لأنه يساويها في الولادة وينفرد بالتعصيب ولأنهما لو كانا موسرين والإبن معسرا قدم الأب في وجوب النفقة عليها فقدم في النفقة له والثالث أنهما سواء لأن النفقة بالقرابة لا بالتعصيب وهما في القرابة سواء وإن كان له أب وبن ففيه وجهان أحدهما أن الإبن أحق لأن نفقته ثبتت بنص الكتاب والثاني أن الأب أحق لأن حرمته آكد ولهذا لا يقاد بالإبن ويقاد به الإبن وإن كان له بن وبن بن أو أب وجد ففيه وجهان أحدهما أن الإبن أحق من بن الإبن والأب أحق من الجد لأنهما أقرب ولأنهما لو كانا موسرين وهو معسر كانت نفقته على أقربهما فكذلك في نفقته عليهما والثاني أنهما سواء لأن النفقة بالقرابة ولهذا لا يسقط أحدهما بالآخر إذا قدر على نفقتهما فصل ومن وجبت عليه نفقته بالقرابة وجبت نفقته على قدر الكفاية لأنها تجب للحاجة فقدرت بالكفاية وإن حتاج إلى من يخدمه وجبت نفقة خادمه وإن كانت له زوجة وجبت نفقة زوجته لأن ذلك من تمام الكفاية وإن مضت مدة ولم ينفق على من تلزمه نفقته من الأقارب لم يصر دينا عليه لأنها وجبت عليه لتزجية الوقت ودفع الحاجة وقد زالت الحاجة لما مضى فسقطت فصل وإن كان له أب فقيرا مجنونا أو فقيرا زمنا واحتاج إلى الإعفاف وجب على الولد إعفافه على المنصوص وخرج أبو علي بن خيران قولا آخر أنه لا يجب لأنه قريب يستحق النفقة فلا يستحق الإعفاف كالإبن والمذهب الأول لأنه معنى يحتاج الأب إليه ويلحقه الضرر بفقده فوجب كالنفقة وإن كان صحيحا قويا وقلنا إنه تجب نفقته وجب إعفافه وإن قلنا لا تجب نفقته ففي إعفافه وجهان أحدهما لا يجب لأنه لا تجب نفقته فلا يجب إعفافه والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه يجب إعفافه لأن نفقته إن لم تجب على القريب أنفق عليه من بيت المال والإعفاف لا يجب في بيت المال فوجب على القريب ومن وجب عليه الإعفاف فهو بالخيار بين أن يزوجه بحرة وبين أن يسريه بجارية ولا يجوز أن يزوجه بأمة لأنه بالإعفاف يستغني عن نكاح الأمة ولا يعفه بعجوز ولا بقبيحة لأن ( القصد بالإعفاف ) هو الإستمتاع ولا يحصل ذلك بالعجوز ولا القبيحة
فإن زوجه بحرة أو سراه بجارية ثم ستغنى لم يلزمه مفارقة الحرة ولا رد الجارية لأن ما ستحق للحاجة لم يجب رده بزوال الحاجة كما لو قبض نفقة يوم ثم أيسر وإن أعفه بحرة فطلقها أو سراه بجارية فأعتقها لم يجب عليه بدلها لأن ذلك مواساة لدفع الضرر فلو أوجبنا البدل خرج من حد المواساة وأدى ألى الضرر والضرر لا يزال بالضرر وإن ماتت عنده ففيه وجهان أحدهما لا يجب البدل لأنه يخرج عن حد المواساة والثاني يجب لأنه زال ملكه عنها بغير تفريط فوجب بدله كما لو دفع إليه نفقة يوم فسرقت منه فصل وإن حتاج الولد إلى الرضاع وجب على القريب إرضاعه لأن الرضاع في حق الصغير كالنفقة في حق الكبير ولا يجب إلا في حولين كاملين لقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة تجبر فإن كان الولد من زوجته ومتنعت من الإرضاع لم تجبر وقال أبو ثور لقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وهذا خطأ لأنها إذا لم تجبر على نفقة الولد مع وجود الأب لم تجبر على الرضاع وإن أرادت إرضاعه كره للزوج منعها لأن لبنها أوفق له وإن أراد منعها منه كان له ذلك لأن يستحق الإستمتاع بها في كل وقت إلا في وقت العبادة فلا يجوز لها تفويته عليه بالرضاع وإن رضيا بإرضاعه فهل تلزمه زيادة ( على نفقتها ) فيه وجهان أحدهما تلزمه وهو قول أبي سعيد وأبي إسحق لأنها تحتاج في حال الرضاع إلى أكثر مما تحتاج في غيره والثاني لا تلزمه الزيادة على نفقتها في النفقة لأن نفقتها مقدرة فلا تجب الزيادة لحاجتها كما لا تجب الزيادة في نفقة الأكولة لحاجتها وإن أرادت إرضاعه بأجرة ففيه وجهان أحدهما لا يجوز وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني رحمة الله عليه لأن أوقات الرضاع مستحقة لإستمتاع الزوج ببدل وهو النفقة فلا يجوز أن تأخذ بدلا آخر والثاني أنه يجوز لأنه عمل يجوز أخذ الأجرة عليه بعد البينونة فجاز أخذ الأجرة عليه قبل البينونة كالنسج وإن بانت لم يملك إجبارها على إرضاعه كما لا يملك قبل البينونة فإن طلبت أجرة المثل على الرضاع ولم يكن للأب من يرضع بدون الأجرة كانت الأم أحق به لقوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وإن طلبت أكثر من أجرة المثل جاز نتزاعه منها وتسليمه إلى غيرها لقوله تعالى وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ولأن ما يوجد بأكثر من عوض المثل كالمعدوم ولهذا لو وجد الماء بأكثر من ثمن المثل جعل كالمعدوم في الإنتقال إلى التيمم فكذلك ههنا وإن طلبت أجرة ( المثل ) وللأب من يرضعه بغير عوض أو بدون أجرة المثل ففيه قولان أحدهما أن الأم أحق بأجرة المثل لأن الرضاع لحق الولد ولأن لبن الأم أصلح له وأنفع وقد رضيت بعوض المثل فكان أحق والثاني أن الأب أحق لأن الرضاع في حق الصغير كالنفقة في حق الكبير ولو وجد الكبير من يتبرع بنفقته لم يستحق على الأب النفقة فكذلك إذا وجد من يتبرع بإرضاعه لم تستحق على الأب أجرة الرضاع وإن ادعت المرأة أن الأب لا يجد غيرها فالقول قول الأب لأنها تدعي ستحقاق أجرة المثل والأصل عدمه فصل ويجب على المولى نفقة عبده وأمته وكسوتهما لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ويجب عليه نفقته من قوت البلد لأنه هو المتعارف فإن تولى طعامه ستحب أن يطعمه منه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم خادمه بطعام فليجلسه معه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين فإنه تولى علاجه وحره فإن كانت له جارية للتسري ستحب أن تكون كسوتها أعلى من كسوة جارية الخدمة لأن العرف أن تكون كسوتها أعلى فوق كسوة جارية الخدمة فصل ولا يكلف عبده وأمته من الخدمة ما لا يطيقان
لقوله صلى الله عليه وسلم ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق ولا يسترضع الجارية إلا ما فضل عن ولدها لأن في ذلك إضرارا بولدها وإن كان لعبده زوجة أذن له في الإستمتاع بالليل لأنه إذنه بالنكاح يتضمن الإذن في الإستمتاع بالليل وإن مرض العبد أو الأمة أو عميا أو زمنا لزمه نفقتهما لأن نفقتهما بالملك ولهذا تجب مع الصغر فوجبت مع العمى والزمانة ولا يجوز أن يجبر عبده على المخارجة لأنه معاوضة فلم يملك إجباره عليها كالكتابة وإن طلب العبد ذلك لم يجبر المولى كما لا يجبر إذا طلب الكتابة فإن اتفقا عليها وله كسب جاز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأعطاه أجره وسأل مواليه أن يخففوا من خراجه وإن لم يكن له كسب لم يجز لأنه لا يقدر على أن يدفع ( إليه ) من جهة تحل فلم يجز فصل ومن ملك بهيمة لزمه القيام بعلفها لما روى بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عذبت مرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار فقيل لها والله أعلم لا أنت أطعمتها وسقيتها حين حبستها ولا أنت أرسلتها حتى تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع أن يكلف العبد ما لا يطيق فوجب أن تكون البهيمة مثله ولا يحلب من لبنها إلا ما يفضل عن ولدها لأنه غذاء للولد فلا يجوز منعه فصل وإن متنع من الإنفاق على رقيقه أو على بهيمته أجبر عليه كما يجبر على نفقة زوجته وإن لم يكن له مال أكرى عليه إن أمكن إكراؤه فإن لم يمكن بيع عليه كما يزال الملك ( عنه في ) مرأته إذا أعسر بنفقتهما والله أعلم باب الحضانة إذا فترق الزوجان ولهما ولد بالغ رشيد فله أن ينفرد عن أبويه لأنه مستغن عن الحضانة والكفالة والمستحب ألا ينفرد عنهما ولا يقطع بره عنهما وإن كانت جارية كره لها أن تنفرد لأنها إذا نفردت لم يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها وإن كان لهما ولد مجنون أو صغير لا يميز وهو الذي له دون سبع سنين وجبت حضانته لأنه إن ترك حضانته ضاع وهلك فصل ولا تثبت الحضانة لرقيق لأنه لا يقدر على القيام بالحضانة مع خدمة المولى ولا تثبت لمعتوه لأنه لا يكمل للحضانة ولا تثبت لفاسق لأنه لا يوفي الحضانة حقها ولأن الحضانة إنما جعلت لحظ الولد ولا حظ للولد في حضانة الفاسق لأنه ينشأ على طريقته ولا تثبت لكافر على مسلم وقال أبو سعيد الإصطخري تثبت للكافر على المسلم لما روى عبد الحميد بن سلمة عن أبيه أنه قال أسلم أبي وأبت أمي أن تسلم وأنا غلام فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا غلام ذهب إلى أيهما شئت إن شئت ألى أبيك وإن شئت إلى أمك فتوجهت إلى أمي فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقول اللهم هده فملت إلى أبي فقعدت في حجره والمذهب الأول لأن الحضانة جعلت لحظ الولد ولا حظ للولد ( المسلم ) في حضانة الكافر لأنه يفتنه عن دينه وذلك من أعظم الضرر والحديث منسوخ لأن الأمة أجمعت على أنه لا يسلم الصبي المسلم إلى الكافر ولا حضانة للمرأة إذا تزوجت لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن مرأة قالت يا رسول الله إن بني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي ولأنها إذا تزوجت شتغلت باستمتاع الزوج عن الحضانة فإن أعتق الرقيق وعقل المعتوه وعدل الفاسق وأسلم الكافر عاد حقهم من الحضانة لأنها زالت لعلة فعادت بزوال العلة وإذا طلقت المرأة عاد حقها من الحضانة وقال المزني إن كان الطلاق رجعيا لم يعد لأن النكاح باق وهذا خطأ لأنه إنما سقط حقها بالنكاح لاشتغالها بستمتاع الزوج وبالطلاق الرجعي يحرم الإستمتاع كما يحرم بالطلاق البائن فعادت الحضانة فصل ولا حضانة لمن لا يرث من الرجال من ذوي الأرحام وهم بن البنت وبن الأخت وبن الأخ من الأم وأبو الأم والخال والعم من الأم لأن الحضانة إنما تثبت للنساء لمعرفتهن بالحضانة أو لمن له قوة قرابة بالميراث من الرجال وهذا لا يوجد في ذوي الأرحام من الرجال ولا يثبت لمن أدلى بهم من الذكور والإناث لأنه إذا لم يثبت لهم لضعف قرابتهم فلأن لا يثبت لمن يدلي بهم أولى فصل وإن جتمع النساء دون الرجال وهن من أهل الحضانة فالأم أحق من غيرها لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنت أحق ( به ) ما لم تنكحي ولأنها أقرب إليه وأشفق عليه ثم تنتقل إلى من يرث من أمهاتها لمشاركتهن الأم في الولادة والإرث ويقدم الأقرب فالأقرب ويقدمن على أمهات الأب وإن قربن لتحقق ولادتهن ولأنهن أقوى في الميراث من أمهات الأب لأنهن لا يسقطن بالأب وتسقط أمهات الأب بالأم فإذا عدم من يصلح للحضانة من أمهات الأم ففيه قولان قال في القديم تنتقل إلى الأخت والخالة ويقدمان على أم الأب لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بنت حمزة لخالتها وقال الخالة بمنزلة الأم ولأن الخالة تدلي بالأم وأم الأب تدلي بالأب والأم تقدم على الأب فقدم من يدلي بها على من يدلي به ولأن الأخت ركضت مع الولد في الرحم ولم تركض أم الأب معه في الرحم فقدمت عليها فعلى هذا تكون الحضانة للأخت من الأب والأم ثم الأخت من الأم ثم الخالة ثم لأم الأب ثم للأخت من الأب ثم للعمة وقال في الجديد إذا عدمت أمهات الأم انتقلت الحضانة إلى أم الأب وهو الصحيح لأنها جدة وارثة فقدمت على الأخت والخالة كأم الأم فعلى هذا تكون الحضانة لأم الأب ثم لأمهاتها وإن علون الأقرب فالأقرب ويقدمن على أم الجد كما يقدم الأب على الجد فإن عدمت أمهات الأب نتقلت إلى أمهات الجد ثم إلى أمهاتها وإن علون ثم تنتقل إلى أمهات أب الجد فإذا عدم أمهات الأبوين انتقلت إلى الأخوات ويقدمن على الخالات والعمات لأنهن ركضن الولد في الرحم وشاركنه في النسب وتقدم الأخت من الأب والأم ثم الأخت للأب ثم الأخت للأم وقال أبو العباس بن سريج تقدم الأخت للأم على الأخت للأب لأن إحداهما تدلي بالأم والأخرى تدلي بالأب فقدم المدلي بالأم على المدلي بالأب كما قدمت الأم على الأب وهذا خطأ لأن الأخت من الأب أقوى من الأخت من الأم في الميراث والتعصيب مع البنات ولأن الأخت من الأب تقوم مقام الأخت من ( الأب ) والأم في الميراث فقامت مقامها في الحضانة فإن عدمت الأخوات نتقلت إلى الخالات ويقدمن على العمات لأن الخالة تساوي العمة في الدرجة وعدم الإرث وتدلي بالأم والعمة تدلي بالأب والأم تقدم على الأب فقدم من يدلي بها وتقدم الخالة من الأب والأم على الخالة من الأب ثم الخالة من الأب ثم الخالة من الأم ثم تنتقل إلى العمات لأنهن يدلين بالأب وتقدم العمة من الأب والأم ثم العمة من الأب ثم العمة من الأم وعلى قياس قول المزني وأبي العباس تقدم الخالة والعمة من الأم على الخالة والعمة من الأب فصل وإن جتمع الرجال وهم من أهل الحضانة وليس معهم نساء قدم الأب لأن له ولادة وفصل شفقة ثم تنتقل إلى آبائه الأقرب فالأقرب لمشاركتهم الأب في الولادة والتعصيب
فإن عدم الأجداد نتقلت إلى من بعدهم من العصبات ومن أصحابنا من قال لا يثبت لغير الآباء والأجداد من العصبات لأنه لا معرفة لهم في الحضانة ولا لهم ولاية بأنفسهم فلم تكن لهم حضانة كالأجانب والمنصوص هو الأول والدليل عليه ما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أنه ختصم في بنت حمزة علي وجعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم فقال علي عليه السلام أنا أحق بها وهي بنت عمي وقال جعفر بنه عمي وخالتها عندي وقال زيد بنت أخي فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال الخالة بمنزلة الأم ولو لم يكن بن العم من أهل الحضانة لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على جعفر وعلى علي رضي الله عنهما ادعاءهما الحضانة بالعمومة ولأن له تعصيبا بالقرابة فثبت له الحضانة كالأب والجد فعلى هذا تنتقل إلى الأخ من الأب والأم ثم إلى الأخ من الأب ثم إلى ( ابن الأخ من الأب ) والأم ثم إلى ابن الأخ من الأب ثم إلى العم من الأب والأم ثم إلى العم من الأب ثم إلى بن العم من الأب والأم ثم إلى بن العم من الأب لأن الحضانة تثبت لهم بقوة قرابتهم ( بالإرث ) فقدم من تقدم في الإرث فصل وإن جتمع الرجال والنساء والجميع من أهل الحضانة نظرت فإن جتمع الأب مع الأم كانت الحضانة للأم لأن ولادتها متحققة وولادة الأب مظنونة ولأن لها فضلا بالحمل والوضع ولها معرفة بالحضانة فقدمت على الأب فإن جتمع مع أم الأم وإن علت كانت الحضانة لأم الأم لأنها كالأم في تحقق الولادة والميراث ومعرفة الحضانة وإن جتمع مع أم نفسه أو مع الأخت من الأب أو مع العمة قدم عليهن لأنهن يدلين به فقدم عليهن وإن جتمع ( الأب ) مع الأخت من الأم أو الخالة ففيه وجهان أحدهما أن الأب أحق وهو ظاهر النص لأن الأب له ولادة وإرث فقدم على الأخت والخالة كالأم والثاني وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنه يقدم الأخت والخالة على الأب لأنهما من أهل الحضانة والتربية ويدليان بالأم فقدمتا على الأب كأمهات الأم وإن جتمع الأب وأم الأب والأخت من الأم أو الخالة بنينا على القولين في الأخت من الأم والخالة إذا اجتمعا مع أم الأب فإن قلنا بقوله القديم أن الأخت والخالة يقدمان على أم الأب قدمت الأخت والخالة على الأب ( وأم الأب ) وإن قلنا بقوله الجديد إن أم الأب تقدم على الأخت والخالة بنينا على الوجهين في الأب إذا جتمع مع الأخت من الأم أو الخالة فإن قلنا بظاهر النص أن الأب يقدم عليهما كانت الحضانة للأب لأنه يسقط الأخت والخالة وأم نفسه فانفرد بالحضانة وإن قلنا بالوجه الآخر إن الحضانة للأخت والخالة ففي هذه المسألة وجهان أحدهما أن الحضانة للأخت والخالة لأن أم الأب تسقط بالأب والأب يسقط بالأخت والخالة والثاني أن الحضانة للأب وهو قول أبي سعيد الإصطخري رحمة الله عليه لأن الأخت والخالة يسقطان بأم الأب ثم تسقط أم الأب بالأب فتصير الحضانة للأب ويجوز أن يمنع الشخص غيره من حق ثم لا يحصل له ما منع منه غيره كالأخوين مع الأبوين فإنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ثم لا يحصل لهما ما منعاه بل يصير الجميع للأب وإن جتمع الجد أب الأب مع الأم أو مع أم الأم وإن علت قدمت عليه كما تقدم على الأب وإن جتمع مع أم الأب قدمت عليه لأنها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة فقدمت عليه كما قدمت الأم على الأب وإن جتمع مع الخالة أو مع الأخت من الأم ففيه وجهان كما لو جتمعتا مع الأب وإن جتمع مع الأخت من الأب ففيه وجهان أحدهما أن الجد أحق لأنه كالأب في الولادة والتعصيب فكذلك في التقدم على الأخت والثاني أن الأخت أحق لأنها تساويه في الدرجة وتنفرد بمعرفة الحضانة فصل وإن عدم الأمهات والآباء
ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن النساء أحق بالحضانة من العصبات فتكون الأخوات والخالات ومن أدلى بهن من البنات أحق من الأخوة وبنيهم والأعمام ( وبنيهم ) لاختصاصهن بمعرفة الحضانة والتربية والثاني أن العصبات أحق من الأخوات والخالات والعمات ومن يدلي بهن لاختصاصهم بالنسب والقيام بتأديب الولد والثالث أنه إن كان العصبات أقرب قدموا وإن كان النساء أقرب قدمن وإن ستويا في القرب قدمت النساء لاختصاصهن بالتربية وإن ستوى ثنان في القرابة والإدلاء كالأخوين أو الأختين أو الخالتين أو العمتين أقرع بينهما لأنه لا يمكن جتماعهما على الحضانة ولا مزية لإحداهما على الأخرى فوجب التقديم بالقرعة وإن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء وله أقارب من رجال ذوي الأرحام ومن يدلي بهم ففيه وجهان أحدهما أنهم أحق من السلطان لأن لهم رحما فكانوا أحق من السلطان كالعصبات والثاني أن السلطان أحق بالحضانة لأنه لا حق لهم مع وجود غيرهم فكان السلطان أحق منهم كما قلنا في الميراث وإن كان للطفل أبوان فثبتت الحضانة للأم فامتنعت منها فقد ذكر أبو سعيد الإصطخري فيه وجهين أحدهما أن الحضانة تنتقل إلى أم الأم كما تنتقل إليها بموت الأم أو جنونها أو فسقها أو كفرها والثاني أنها تكون للأب لأن الأم لم يبطل حقها من الحضانة لأنها لو طالبت بها كانت أحق فلم تنتقل إلى من يدلي بها فصل وإن فترق الزوجان ولهما ولد له سبع سنين أو ثمان سنين وهو مميز وتنازعا كفالته خير بينهما لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال جاءت مرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب ببني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال رسول الله هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فنطلقت به فإن ختارهما أقرع بينهما لأنه لا يمكن جتماعهما على كفالته ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجب التقديم بالقرعة وإن لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما لأنه لا يمكن تركه وحده ما لم يبلغ لأنه يضيع ولا مزية لأحدهما على الآخر فوجبت القرعة وإن ختار أحدهما نظرت فإن كان بنا فاختار الأم كان عندها بالليل ويأخذه الأب بالنهار ويسلمه في مكتب أو صنعة لأن القصد حظ الولد وحظ الولد فيما ذكرناه وإن ختار الأب كان عنده بالليل والنهار ولا يمنعه من زيارة أمه لأن المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم فإن مرض كانت الأم أحق بتمريضه لأن بالمرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره فكانت الأم أحق به وإن كانت جارية فاختارت أحدهما كانت عنده بالليل والنهار ولا يمنع الآخر من زيارتها من غير إطالة وتبسط لأن الفرقة بين الزوجين تمنع من تبسط أحدهما في دار الآخر وإن مرضت كانت الأم أحق بتمريضها في بيتها وإن مرض أحد الأبوين والولد عند الآخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته لما ذكرناه وإن اختار أحدهما فسلم إليه ثم ختار الآخر حول إليه وإن عاد فاختار الأول أعيد إليه لأن الإختيار إلى شهوته وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت وعند الآخر في وقت فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب وإن لم يكن له أب وله أم وجد خير بينهما لأن الجد كالأب في الحضانة في حق الصغير فكان كالأب في التخيير في الكفالة فإن لم يكن له أب ولا جد فإن قلنا إنه لا حق لغير الأب والجد في الحضانة ترك مع الأم إلى أن يبلغ وإن قلنا بالمنصوص إن الحضانة تثبت للعصبة فإن كانت العصبة محرما كالعم والأخ وبن الأخ خير بينهم وبين الأم لما روى عامر بن عبد الله قال خاصم عمي أمي وأراد أن يأخذني فاختصما إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فخيرني علي ثلاث مرات فاخترت أمي فدفعني إليها
فإن كان العصبة بن عم فإن كان الولد بنا خير بينه وبين الأم وإن كانت بنتا كانت عند الأم إلى أن تبلغ ولا تخير بينهما لأن بن العم ليس بمحرم لها ولا يجوز أن تسلم إليه فصل وإن افترق الزوجان ولهما ولد فأراد أحدهما أن يسافر بالولد فإن كان السفر مخوفا أو البلد الذي يسافر إليه مخوفا فالمقيم أحق به فإن كان مميزا لم يخير بينهما لأن في السفر تغريرا بالولد وإن كان السفر مسافة لا تقصر فيها الصلاة كانا كالمقيمين في حضانة الصغير ويخير المميز بينهما لأنهما يستويان في نتفاء أحكام السفر من القصر والفطر والمسح فصارا كالمقيمين في محلتين في بلد واحد وإن كان السفر لحاجة لا لنقلة كان المقيم أحق بالولد لأنه لا حظ للولد في حمله ورده وإن كان السفر للنقلة إلى موضع يقصر فيه الصلاة من غير خوف فالأب أحق به سواء كان هو المقيم أو المسافر لأن في الكون مع الأم حضانة وفي الكون مع الأب حفظ النسب والتأديب وفي الحضانة يقوم غير الأم مقامها وفي حفظ النسب لا يقوم غير الأب مقامه فكان الأب أحق وإن كان المسافر هو الأب فقالت الأم يسافر لحاجة فأنا أحق وقال الأب أسافر للنقلة فأنا أحق فالقول قول الأب لأنه أعرف بنيته وبالله التوفيق كتاب الجنايات باب تحريم القتل ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القتل بغير حق حرام وهو من الكبائر العظام والدليل عليه قوله عز وجل ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا وروى بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن أهل السموات والأرض شتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله عز وجل إلا يشاء ذلك فصل ويجب القصاص بجناية العبد وهو أن يقصد الإصابة بما يقتل غالبا فيقتله والدليل عليه قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص وقوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد الآية وقوله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وروى عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم مرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الزاني المحصن والمرتد عن دينه وقاتل النفس ولأنه لو لم يجب القصاص أدى ذلك ألى سفك الدماء وهلاك الناس ولا يجب بجناية الخطإ وهو أن يقصد غيره فيصيبه فيقتله لقوله عليه الصلاة السلام رفع عن إمتي الخطأ والنسيان وما ستكرهوا عليه ولأن القصاص عقوبة ( مغلظة ) فلا يستحق مع الخطإ ولا يجب في عمد الخطإ وهو أن يقصد الإصابة بما لا يقتل غالبا فيموت منه لأنه لم يقصد القتل فلا يجب عليه عقوبة القتل كما لا يجب حد الزنا في وطء الشبهة حيث لم يقصد الزنا فصل ولا يجب القصاص على صبي ولا مجنون لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولأنه عقوبة مغلظة فلم يجب على الصبي والمجنون كالحدود والقتل بالكفر وفي السكران طريقان من أصحابنا من قال يجب عليه القصاص قولا واحدا ومنهم من قال فيه قولان وقد بيناه في كتاب الطلاق فصل ويقتل المسلم بالمسلم والذمي بالذمي والحر بالحر
والعبد بالعبد والذكر بالذكر والأنثى بالأنثى لقوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر والأنثى بالذكر لأنه إذا قتل كل واحد منهم بمن هو مثله فلأن يقتل بمن هو ( أفضل منه ) أولى ويقتل الذكر بالأنثى لما روى أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن أن الرجل يقتل بالمرأة ولأن المرأة كالرجل في حد القذف فكانت كالرجل في القصاص فصل ولا يجب القصاص على المسلم بقتل الكافر ولا على الحر بقتل العبد لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال من السنة ألا يقتل مسلم بكافر ومن السنة ألا يقتل حر بعبد فإن جرح ذمي ذميا ثم أسلم الجاني أو جرح عبد عبدا ثم أعتق الجاني قتص منه لأنهما متكافئان ( منه ) حال الوجوب والإعتبار بحال الوجوب لأن القصاص كالحد والحد يعتبر بحال الوجوب بدليل أنه إذا زنى وهو بكر ثم أحصن أقيم عليه حد البكر ولو زنى وهو عبد ثم أعتق أقيم عليه حد العبد فوجب أن يعتبر القصاص أيضا بحال الوجوب وإن قطع مسلم يد ذمي ثم أسلم ثم مات أو قطع حر يد عبد ثم أعتق ثم مات لم يجب القصاص لأن التكافؤ معدوم عند وجود الجناية فإن جرح مسلم مسلما ثم رتد المجروح ثم أسلم ثم مات فإن أقام في الردة زمانا يسري الجرح في مثله لم يجب القصاص لأن الجناية في الإسلام توجب القصاص والسراية في الردة تسقط القصاص فغلب الإسقاط كما لو جرح جرحا عمدا وجرحا خطأ فإن لم يقم في الردة زمانا يسري فيه الجرح ففيه قولان أحدهما لا يجب فيه القصاص لأنه أتى عليه زمان لو مات فيه لم يجب القصاص فسقط والثاني يجب القصاص وهو الصحيح لأن الجناية والموت وجد في حال الإسلام وزمان الردة لم يسر فيه الجرح فكان وجوده كعدمه وإن قطع يده ثم رتد ثم مات ففيه قولان أحدهما يسقط القصاص في الطرف لأنه تابع للنفس فإذا لم يجب القصاص في النفس لم يجب في الطرف والثاني وهو الصحيح أنه يجب لأن القصاص في الطرف يجب مستقرا فلا يسقط بسقوطه في النفس والدليل عليه أنه لو قطع طرف إنسان ثم قتله من لا قصاص عليه لم يسقط القصاص في الطرف وإن سقط في النفس فصل وإن قتل مرتد ذميا ففيه قولان أحدهما أنه يجب القصاص وهو ختيار المزني لأنهما كافران فجرى القصاص بينهما كالذميين والثاني أنه لا يجب لأن حرمة الإسلام باقية في المرتد بدليل أنه يجب عليه قضاء العبادات ويحرم سترقاقه وإن كانت مرأة لم يجز للذمي نكاحها فلا يجوز قتله بالذمي وإن جرح مسلم ذميا ثم رتد الجاني ثم مات المجني عليه لم يجب القصاص قولا واحدا لأنه عدم التكافؤ في حال الجناية فلم يجب القصاص وإن وجد التكافؤ بعد ذلك كما لو جرح حر عبدا ثم أعتق العبد وإن قتل ذمي مرتدا فقد ختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال يجب عليه القصاص إن كان القتل عمدا والدية إن كان خطأ لأن الذمي لا يقتل المرتد تدينا وإنما يقتله عنادا فأشبه إذا قتل مسلما وقال أبو إسحق لا يلزمه قصاص ولا دية وهو الصحيح لأنه مباح الدم فلم يضمن بالقتل كما لو قتله مسلم وقال أبو سعيد الإصطخري إن قتله عمدا وجب القصاص لأنه قتله عنادا وإن قتله خطأ لم تلزمه الدية لأنه لا حرمة له فصل وإن حبس السلطان مرتدا فأسلم وخلاه فقتله مسلم لم يعلم بإسلامه ففيه قولان أحدهما ( أنه ) لا قصاص عليه لأنه لم يقصد قتل من يكافئه والثاني يجب عليه القصاص لأن المرتد لا يخلى إلا بعد الإسلام فالظاهر أنه مسلم فوجب القصاص بقتله
وإن قتل المسلم الزاني المحصن ففيه وجهان أحدهما يجب عليه القصاص لأن قتله لغيره فوجب عليه القصاص بقتله كما لو قتل رجل رجلا فقتله ولي الدم والثاني لا يجب وهو المنصوص لأنه مباح الدم فلا يجب القصاص بقتله كالمرتد فصل ولا يجب القصاص على الأب بقتل ولده ولا على الأم بقتل ولدها لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقاد الأب من بنه فإذا ثبت هذا في الأب ثبت في الأم لأنها كالأب في الولادة ولا يجب على الجد وإن علا ولا على الجدة وإن علت بقتل ولد الولد وإن سفل لمشاركتهم الأب والأم في الولادة وأحكامها وإن ادعى رجلان نسب لقيط ثم قتلاه قبل أن يلحق نسبه بأحدهما لم يجب القصاص لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون هو الأب وإن رجعا في الدعوى لم يقبل رجوعهما لأن النسب حق وجب عليهما فلا يقبل رجوعهما فيه بعد الإقرار وإن رجع أحدهما وجب عليه القصاص لأنه ثبتت الأبوة للآخر ونقطع نسبه من الراجع وإن شترك رجلان في وطء مرأة وأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما وقتلاه قبل أن يلحق بأحدهما لم يجب القصاص وإن أنكر أحدهما النسب لم يقبل إنكاره ولم يجب عليه القصاص لأن بإنكاره لا ينقطع النسب عنه ولا يلحق بالآخر بخلاف المسألة قبلها فإن هناك لحق النسب بالآخر ونقطع عن الراجع وإن قتل زوجته وله منها بن لم يجب عليه القصاص لأنه إذا لم يجب له عليه بجنايته عليه فلا يجب له عليه بجنايته على أمه وإن كان لها بنان أحدهما منه والآخر من غيره لم يجب عليه القصاص لأن القصاص لا يتبعض فإذا سقط نصيب بنه سقط نصيب الآخر كما لو وجب لرجلين على رجل قصاص فعفا أحدهما عن حقه وإن شترى المكاتب أباه وعنده عبد فقتل أبوه العبد لم يجز للمكاتب أن يقتص منه لأنه إذا لم يجب له القصاص عليه بجنايته عليه لم يجب بجنايته على عبده فصل ويقتل الإبن بالأب لأنه إذا قتل بمن يساويه فلأن يقتل بمن هو أفضل منه أولى وإن جنى المكاتب على أبيه وهو في ملكه ففيه وجهان أحدهما لا يقتص منه ( لأن المولى لا يقتص منه ) لعبده والثاني يقتص منه وإليه أومأ الشافعي رحمه الله في بعض كتبه لأن المكاتب ثبت له حق الحرية بالكتابة وأبوه ثبت له حق الحرية بالإبن ولهذا لا يملك بيعه فصار كالإبن الحر إذا جنى على أبيه الحر فصل وإن قتل مسلم ذميا أو قتل حر عبدا أو قتل الأب ابنه في المحاربة ففيه قولان أحدهما لا يجب عليه القصاص لما ذكرناه من الأخبار ولأن من لا يقتل بغيره إذا قتله في غير المحاربة لم يقتل به إذا قتله في المحاربة كالمخطىء والثاني أنه يجب لأن القتل في المحاربة تأكد لحق الله تعالى حتى لا يجوز فيه عفو الولي فلم يعتبر فيه التكافؤ كحد الزنا فصل وتقتل الجماعة بالواحد إذا شتركوا في قتله وهو أن يجني كل واحد منهم جناية لو نفرد بها ومات أضيف القتل إليه ووجب القصاص عليه والدليل عليه ما روى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل سبعة أنفس من أهل صنعاء قتلوا رجلا وقال لو تمالأ فيه أهل صنعاء لقتلتهم ولأنا لو لم نوجب القصاص عليهم جعل الإشتراك طريقا إلى إسقاط القصاص وسفك الدماء فإن شترك جماعة في القتل وجناية بعضهم عمدا أو جناية البعض خطأ لم يجب القصاص على واحد منهم لأنه لم يتمحض قتل العمد فلم يجب القصاص وإن شترك الأب والأجنبي في قتل الإبن وجب القصاص على الأجنبي لأن مشاركة الأب لم تغير صفة العمد في القتل فلم يسقط القود عن شريكه كمشاركة غير الأب وإن شترك صبي وبالغ في القتل فإن قلنا إن عمد الصبي خطأ لم يجب القصاص على البالغ لأن شريكه مخطىء وإن قلنا إن عمده عمد وجب لأن شريكه عامد فهو كشريك الأب
وإن جرح رجل نفسه وجرحه آخر أو جرحه سبع وجرحه آخر ومات ففيه قولان أحدهما يجب القصاص على الجارح لأنه شاركه في القتل عامدا فوجب عليه القصاص كشريك الأب والثاني لا يجب لأنه إذا لم يجب على شريك المخطىء وجنايته مضمونة فلأن لا يجب على شريك الجارح نفسه والسبع وجنايتهما غير مضمونة أولى وإن جرحه رجل جراحة وجرحه آخر مائة جراحة وجب القصاص عليهما لأن الجرح له سراية في البدن وقد يموت من جرح واحد ولا يموت من جراحات فلم تمكن إضافة القتل إلى واحد بعينه ولا يمكن إسقاط القصاص فوجب على الجميع وإن قطع أحدهما يده وحز الآخر رقبته أو قطع حلقومه ومريئه أو شق بطنه فأخرج حشوته فالأول قاطع يجب عليه ما يجب على القاطع والثاني قاتل لأن الثاني قطع سراية القطع فصار كما لو ندمل ( الجرح ) ثم قتله الآخر وإن قطع أحدهما حلقومه ومريئه أو شق بطنه وأخرج حشوته ثم حز الآخر رقبته فالقاتل هو الأول لأنه لا تبقى بعد جنايته حياة مستقرة وإنما يتحرك حركة مذبوح ولهذا يسقط حكم كلامه في الإقرار والوصية والإسلام والتوبة وإن أجافه جائفة يتحقق الموت منها إلا أن الحياة فيه مستقرة ثم قتله الآخر كان القاتل هو الثاني لأن حكم الحياة باق ولهذا أوصى عمر رضي الله عنه بعد ما سقي اللبن وخرج من الجرح ووقع الإياس منه فعمل بوصيته فجرى مجرى المريض المأيوس منه إذا قتل وإن جرحه رجل فداوى جرحه بسم غير موح إلا أنه يقتل في الغالب أو خاط جرحه في لحم حي أو خاف التآكل فقطعه فمات ففي وجوب القتل على الجاني طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما يجب عليه القتل والثاني لا يجب لأنه شاركه في القتل من لا ضمان عليه فكان في قتله قولان كالجارح إذا شاركه المجروح أو السبع في الجرح ومنهم من قال لا يجب عليه القتل قولا واحدا لأن المجروح ههنا لم يقصد الجناية وإنما قصد المداواة فكان فعله عمد خطإ فلم يجب القتل على شريكه والمجروح هناك والسبع قصدا الجناية فوجب القتل على شريكهما وإن كان على رأس مولى عليه سلعة فقطعها وليه أو جرحه رجل فداواه الولي بسم غير موح أو خاط جرحه في لحم حي ومات ففيه قولان أحدهما يجب على الولي القصاص لأنه جرح جرحا مخوفا فوجب عليه القصاص كما لو فعله غير الولي والثاني لا قصاص عليه لأنه لم يقصد الجناية وإنما قصد المداواة وله نظر في مداواته فلم يجب عليه القصاص فإن قلنا يجب عليه القصاص وجب على الجارح لأنهما شريكان في القتل وإن قلنا لا قصاص عليه لم يجب على الجارح لأنه شارك من فعله عمد خطأ باب ما يجب به القصاص من الجنايات إذا جرحه بما يقطع الجلد واللحم كالسيف والسكين والسنان أو بما حدد من الخشب والحجر والزجاج وغيرها أو بما له مور وبعد ( غور ) كالمسلة والنشاب وما حدد من الخشب والقصب ومات منه وجب عليه القود لأنه قتله بما يقتل غالبا وإن غرز فيه إبرة فإن كان في مقتل كالصدر والخاصرة والعين وأصول الأذن فمات منه وجب عليه القود لأن الإصابة بها في المقتل كالإصابة بالسكين والمسلة في الخوف عليه وإن كان في غير مقتل كالألية والفخذ نظرت فإن بقي منه ضمنا إلى أن مات وجب عليه القود لأن الظاهر أنه مات منه وإن مات في الحال ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنه يجب عليه ( القود ) لأن له غورا وسراية في البدن وفي البدن مقاتل خفية والثاني وهو قول أبي العباس وأبي سعيد الإصطخري أنه لا يجب لأنه لا يقتل في الغالب فلا يجب به القود كما لو ضربه بمثقل صغير ولأن في المثقل فرقا بين الصغير والكبير فكذلك في المحدد فصل وإن ضربه بمثقل
نظرت فإن كان كبيرا من حديد أو خشب أو حجر فمات منه وجب عليه القول لما روى أنس رضي الله عنه أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين ولأنه يقتل غالبا فلو لم يجب فيه القود لجعل طريقا إلى إسقاط القصاص وسفك الدماء وإن قتله بمثقل صغير لا يقتل مثله كالحصاة والقلم فمات لم يجب القود ولا الدية لأنا نعلم أنه لم يمت من ذلك وإن كان بمثقل قد يموت منه وقد لا يموت كالعصا فإن كان في مقتل وفي مريض أو في صغير أو في حر شديد أو في برد شديد أو وإلى عليه الضرب فمات وجب عليه القود لأن ذلك يقتل غالبا ( فوجب القود فيه وإن رماه من شاهق أو رمى عليه حائطا فمات وجب القود فيه لأن ذلك يقتل في الغالب وإن خنقه خنقا شديدا أو عصر خصيتيه عصرا شديدا أو غمه بمخدة أو وضع يده على فيه ومنعه التنفس إلى أن مات وجب القود لأن ذلك يقتل في الغالب وإن خنقه ثم خلاه وبقي منه متألما إلى أن مات وجب القود لأنه مات من سراية جنايته فهو كما لو جرحه وتألم منه إلى أن مات وإن تنفس وصح ثم مات لم يجب القود لأن الظاهر أنه لم يمت منه فلم يجب القود كما لو جرحه واندمل الجرح ثم مات فصل وإن طرحه في نار أو ماء ولا يمكنه التخلص منه لكثرة الماء والنار أو لعجزه عن التخلص بالضعف أو بأن كتفه وألقاه فيه ومات وجب القود لأنه يقتل غالبا وإن ألقاه في ماء يمكنه التخلص منه فالتقمه حوت لم يجب القود لأن الذي فعله لا يقتل غالبا وإن كان في لجة لا يتخلص منها فالتقمه حوت قبل أن يصل إلى الماء ففيه فولان أحدهما يجب القود لأنه ألقاه في مهلكة فهلك والثاني لا يجب لأن هلاكه لم يكن بفعله فصل وإن حبسه ومنعه الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها من غير طعام ولا شراب فمات وجب عليه القود لأنه يقتل غالبا وإن أمسكه على رجل ليقتله فقتله وجب القود على القاتل دون الممسك لما روى أبو شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن من أعتى الناس على الله عز وجل من قتل غير قاتله أو طلب بدم الجاهلية في الإسلام أو بصر عينيه في النوم ما لم تبصر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليقتل القاتل ويصبر الصابر ولأنه سبب غير ملجىء ضامه مباشرة فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب كما لو حفر بئرا فدفع فيها آخر رجلا فمات فصل وإن كتف رجلا وطرحه في أرض مسبعة أو بين يدي سبع فقتله لم يجب القود لأنه سبب غير ملجىء فصار كمن أمسكه على من يقتله فقتله وإن جمع بينه وبين السبع في زبية أو بيت صغير ضيق فقتله وجب عليه القود لأن السبع يقتل إذا اجتمع مع الآدمي في موضع ضيق وإن كتفه وتركه في موضع فيه حيات فنهسته فمات لم يجب القود ضيقا كان المكان أو واسعا لأن الحية تهرب من الآدمي فلم يكن تركه معها ملجئا إلى قتله وإن أنهشه سبعا أو حية يقتل مثلها غالبا فمات منه وجب عليه القود لأنه ألجأه إلى قتله وإن كانت حية لا يقتل مثلها غالبا ففيه قولان أحدهما يجب القود لأن جنس الحيات يقتل غالبا والثاني لا يجب لأن الذي ألسعه لا يقتل غالبا فصل وإن سقاه سما مكرها وجب عليه القود
لأنه سبب يقتل غالبا فهو كما لو جرحه جرحا يقتل غالبا وإن خلطه بطعام وتركه في بيته فدخل رجل فأكله ومات لم يجب عليه القود كما لو حفر بئرا في داره فدخل رجل بغير إذنه فوقع فيها ومات وإن قدمه إليه أو خلطه بطعام الرجل فأكله فمات ففيه قولان أحدهما لا يجب عليه القود لأنه أكله باختياره فصار كما لو قتل نفسه بسكين والثاني يجب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة فأهدت إليه يهودية ب خيبر شاة مصلية فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم قال ارفعوا أيديكم فإنها قد أخبرتني أنها مسمومة فأرسل إلى اليهودية فقال ما حملك على ما صنعت قالت قلت إن تكن نبيا لم يضرك الذي صنعت وإن كنت ملكا أرحت الناس منك فأكل منها بشر بن البراء بن معروف فمات فأرسل إليها فقتلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت ب خيبر فهذا أوان انقطاع أبهري ولأنه سبب يفضي إلى القتل غالبا فصار كالقتل بالسلاح وإن سقاه سما وادعى أنه لم يعلم أنه قاتل ففيه قولان أحدهما أنه يجب عليه القود لأن السم يقتل غالبا والثاني لا يجب لأنه يجوز أن يخفى عليه أنه قاتل وذلك شبهة فسقط بها القود فصل وإن قتله بسحر يقتل غالبا وجب عليه القود لأنه قتله بما يقتل غالبا فأشبه إذا قتله بسكين وإن كان مما يقتل ولا يقتل لم يجب القود لأنه عمد خطأ فهو كما لو ضربه بعصا فمات فصل وإن أكره رجل على قتل رجل بغير حق فقتله وجب القود على المكره لأنه تسبب إلى قتله بمعنى يفضي إلى القتل غالبا فأشبه إذا رماه بسهم فقتله وأما المكره ففيه قولان أحدهما لا يجب عليه القود لأنه قتله للدفع عن نفسه فلم يجب عليه القود كما لو قصده رجل ليقتله فقتله للدفع عن نفسه ( فلم يجب عليه القود ) والثاني أنه يجب عليه القود وهو الصحيح لأنه قتله ظلما لإستبقاء نفسه فأشبه إذا اضطر إلى الأكل فقتله ليأكله وإن أمر الإمام بقتل رجل بغير حق فإن كان المأمور لا يعلم أن قتله بغير حق وجب ضمان القتل من الكفارة والقصاص والدية على الإمام لأن المأمور معذور في قتله لأن الظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بالحق وإن كان يعلم أنه يقتله بغير حق وجب ضمان القتل من الكفارة والقصاص أو الدية على المأمور لأنه لا يجوز طاعته فيما لا يحل والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقد روى الشافعي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أمركم من الولاة بغير طاعة الله فلا تطيعوه فصار كما لو قتله من غير أمره وإن أمره بعض الرعية بالقتل فقتل وجب على المأمور القود علم أنه يقتله بغير حق أو لم يعلم لأنه لا تلزمه طاعته فليس الظاهر أنه يأمره بحق فلم يكن له عذر في قتله فوجب عليه القود وإن أمر بالقتل صبيا لا يميز أو أعجميا لا يعلم أن طاعته لا تجوز في القتل بغير حق فقتل وجب القصاص على الآمر لأن المأمور ههنا كالآلة للآمر ولو أمره بسرقة مال فسرقه لم يجب الحد على الآمر لأن الحد لا يجب إلا بالمباشرة والقصاص يجب بالتسبب والمباشرة فصل وإن شهد شاهدان على رجل بما يوجب القتل فقتل بشهادتهما بغير حق ثم رجعا ( عن شهادتهما ) وجب القود على الشهود لما روى القاسم بن عبد الرحمن أن رجلين شهدا عند علي كرم الله وجهه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا عن شهادتهما فقال لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما وأغرمهما دية يده ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا فوجب عليهما القود كما لو جرحاه فمات باب القصاص في الجروح والأعضاء
يجب القصاص فيما دون النفس من الجروح والأعضاء والدليل عليه قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص وروى أنس رضي الله عنه أن الربيع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية فعرضوا عليهم الأرش فأبوا وطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص قال فعفا القوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عباد الله من لو أقسم على الله لأبر قسمه ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص فكان كالنفس في وجوب القصاص فصل ومن لا يقاد بغيره في النفس لا يقاد به فيما دون النفس ومن قتيد بغيره في النفس قتيد به فيما دون النفس لأنه لما كان ما دون النفس كالنفس في وجوب القصاص كان كالنفس فيما ذكرناه فصل وإن شترك جماعة في إبانة عضو دفعة واحدة وجب عليهم القصاص لأنه أحد نوعي القصاص فجاز أن يجب على الجماعة بالجناية ما يجب على واحد كالقصاص في النفس وإن تفرقت جناياتهم بأن قطع واحد بعض العضو وأبانه الآخر لم يجب القصاص على واحد منهما لأن جناية كل واحد منهما في بعض العضو فلا يجوز أن يقتص منه في جميع العضو فصل والقصاص فيما دون النفس في شيئين في الجروح وفي الأطراف فأما الجروح فينظر فيها فإن كانت لا تنتهي إلى عظم كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج أو كانت الجناية على عظم ككسر الساعد والعضد والهاشمة والمنقلة لم يجب فيها القصاص لأنه لا تمكن المماثلة فيه ولا يؤمن أن يستوفي أكثر من الحق فسقط فإن كانت الجناية تنتهي إلى عظم فإن كانت موضحة في الرأس أو الوجه وجب فيها القصاص لأنه تمكن المماثلة فيه ويؤمن أن يستوفي أكثر من حقه وإن كانت فيما سوى الرأس والوجه كالساعد والعضد والساق والفخذ وجب فيها القصاص ومن أصحابنا من قال لا يجب لأنه لما خالف موضحة الرأس والوجه في تقدير الأرش خالفهما في وجوب القصاص والمنصوص هو الأول لأنه يمكن ستيفاء القصاص فيها من غير حيف لإنتهائها إلى العظم فوجب فيها القصاص كالموضحة في الرأس والوجه فصل وإن كانت الجناية موضحة وجب القصاص بقدرها طولا وعرضا لقوله عز وجل والجروح قصاص والقصاص هو المماثلة ولا تمكن المماثلة في الموضحة إلا بالمساحة في الطول والعرض فإن كانت في الرأس حلق موضعها من رأس الجاني وعلم على القدر المستحق بسواد أو غيره ويقتص منها فإن كانت الموضحة في مقدم الرأس أو في مؤخره أو في قزعته وأمكن أن يستوفى قدرها في موضعها من رأس الجاني لم يستوف في غيرها وإن كان قدرها يزيد على مثل موضعها من رأس الجاني ستوفي بقدرها وإن جاوز الموضع الذي شجه في مثله لأن الجميع رأس وإن كان قدرها يزيد على رأس الجاني لم يجز أن ينزل إلى الوجه والقفا لأنه قصاص في غير العضو الذي جني عليه ويجب فيما بقي الأرش لأنه تعذر فيه القصاص فوجب البدل فأن أوضح جميع رأسه ورأس الجاني أكبر فللمجني عليه أن يبتدىء بالقصاص من أي جانب شاء من رأس الجاني لأن الجميع محل للجناية وإن أراد أن يستوفي بعض حقه من مقدم الرأس وبعضه من مؤخرة فقد قال بعض أصحابنا إنه لا يجوز لأنه يأخذ موضحتين بموضحة قال الشيخ الإمام ويحتمل عندي أنه يجوز لأنه لا يجاوز موضع الجناية ولا قدرها إلا أن يقول أهل الخبرة إن في ذلك زيادة ضرر أو زيادة شين فيمنع لذلك وإن كانت الموضحة في غير الوجه والرأس وقلنا بالمنصوص إنه يجب فيها القصاص قتص فيها على ما ذكرناه في الرأس فإن كانت في الساعد فزاد قدرها على ساعد الجاني لم ينزل إلى الكف ولم يصعد إلى العضد
وإن كانت في الساق فزادت على قدر ساق الجاني لم ينزل إلى القدم ولم يصعد إلى الفخذ كما لا ينزل في موضحة الرأس إلى الوجه والقفا فصل وإن كانت الجناية هاشمة أو منقلة أو مأمومة فله أن يقتص في الموضحة لأنها داخلة في الجناية يمكن القصاص فيها ويأخذ الأرش في الباقي لأنه تعذر فيه القصاص فانتقل إلى البدل فصل وأما الأطراف فيجب ( فيها القصاص ) في كل ما ينتهي منها إلى مفصل فتؤخذ العين بالعين لقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ولأنه يمكن المماثلة فيها لإنتهائها إلى مفصل فوجب فيها القصاص ولا ( يجوز ) أن يأخذ صحيحة بقائمة لأنه يأخذ أكثر من حقه ويجوز أن يأخذ القائمة بالصحيحة لأنه يأخذ دون حقه وإن أوضح رأسه فذهب ضوء عينه فالمنصوص أنه يجب فيه القصاص وقال فيمن قطع أصبع رجل فتآكل كفه إنه لا قصاص في الكف فنقل أبو إسحق قوله في الكف إلى العين ولم ينقل قوله في العين إلى الكف فقال في ضوء العين قولان أحدهما لا يجب فيه القصاص لأنه سراية فيما دون النفس فلم يجب فيه القصاص كما لو قطع أصبعه فتآكل الكف والثاني يجب لأنه لا يمكن إتلافه بالمباشرة فوجب القصاص فيه بالسراية كالنفس ومن أصحابنا من حمل المسألتين على ظاهرهما فقال يجب القصاص في الضوء قولا واحدا ولا يجب في الكف لأن الكف يمكن إتلافه بالمباشرة فلم يجب القصاص فيه بالسراية بخلاف الضوء فصل ويؤخذ الجفن بالجفن لقوله تعالى والجروح قصاص ولأنه يمكن عتبار القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل فوجب فيه القصاص ويؤخذ جفن البصير بجفن الضرير وجفن الضرير بجفن البصير لأنهما متساويان في السلامة من النقص وعدم البصر نقص في غيره فصل ويؤخذ الأنف بالأنف لقوله تعالى والأنف بالأنف ولا يجب القصاص فيه إلا في المارن لأنه ينتهي إلى مفصل ويؤخذ الشام بالأخشم والأخشم بالشام لأنهما متساويان في السلامة من النقص وعدم الشم نقص في غيره ويؤخذ البعض بالبعض وهو أن يقدر ما قطعه بالجزء كالنصف والثلث ثم يقتص بالنصف والثلث من مارن الجاني ولا يؤخذ قدره بالمساحة لأنه قد يكون أنف الجاني صغيرا وأنف المجني عليه كبيرا فإذا عتبرت المماثلة بالمساحة قطعنا جميع المارن بالبعض وهذا لا يجوز ويؤخذ المنخر بالمنخر والحاجز بين المنخرين بالحاجز لأنه يمكن القصاص فيه لانتهائه إلى مفصل ولا يؤخذ مارن صحيح بمارن سقط بعضه بجذام أو نحرام لأنه يأخذ أكثر من حقه فإن قطع من سقط بعض مارنه مارنا صحيحا فللمجني عليه أن يأخذ الموجود وينتقل في الباقي إلى البدل لأنه وجد بعض حقه وعدم البعض فأخذ الموجود ونتقل في الباقي إلى البدل وإن قطع الأنف من أصله قتص من المارن لأنه داخل في الجناية يمكن القصاص فيه وينتقل في الباقي إلى الحكومة لأنه لا يمكن القصاص فيه فنتقل فيه إلى البدل فصل وتؤخذ الأذن بالأذن لقوله عز وجل والأذن بالأذن ولأنه يمكن ( ستيفاء ) القصاص فيه لانتهائه إلى حد فاصل وتؤخذ أذن السميع بأذن الأصم وأذن الأصم بأذن السميع لأنهما متساويان في السلامة من النقص وعدم السمع نقص في غيره ويؤخذ الصحيح بالمثقوب والمثقوب بالصحيح لأن الثقب ليس بنقص وإنما تثقب للزينة ويؤخذ البعض بالبعض على ما ذكرناه في الأنف ولا يؤخذ صحيح بمخزوم لأنه يأخذ أكثر من حقه ويؤخذ المخزوم بالصحيح ويؤخذ معه من الدية بقدر ما سقط منه لما ذكرناه في الأنف وهل يؤخذ غير المستحشف بالمستحشف فيه قولان أحدهما أنه لا يؤخذ كما لا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء والثاني يؤخذ لأنهما متساويان في المنفعة بخلاف اليد الشلاء فإنها لا تساوي الصحيحة في المنفعة فإن قطع بعض أذنه وألصقه المقطوع فالتصق لم يجب القصاص لأنه لا يمكن المماثلة فيما قطع منه وإن قطع أذنه حتى جعلها معلقة على خده وجب القصاص لأن المماثلة فيه ممكنة بأن يقطع أذنه حتى تصير معلقة على خده
وإن أبان أذنه فأخذه المقطوع وألصقه فالتصق لم يسقط القصاص لأن القصاص يجب بالإبانة وما حصل من الإلصاق لا حكم له لأنه يجب إزالته ولا تجوز الصلاة معه وإن قطع أذنه فاقتص منه وأخذ الجاني أذنه فألصقه فالتصق لم يكن للمجني عليه أن يطالبه بقطعه لأنه قتص منه بالإبانة وما فعله من الإلصاق لا حكم له لأنه يستحق إزالته للصلاة وذلك إلى السلطان وإن قطع أذنه فقطع المجني عليه بعض أذن الجاني فألصقه الجاني فالتصق فللمجني عليه أن يعود فيقطعه لأنه يستحق الإبانة ولم يوجد ذلك وإن جنى على رأسه فذهب عقله أو على أنفه فذهب شمه أو على أذنه فذهب سمعه لم يجب القصاص في العقل والشم والسمع لأن هذه المعاني في غير محل الجناية فلم يمكن القصاص فيها فصل وتؤخذ الشفة بالشفة وهو ما بين جلد الذقن والخدين علوا وسفلا ومن أصحابنا من قال لا يجب فيه القصاص لأنه قطع لحم لا ينتهي إلى عظم فلم يجب فيه القصاص كالباضعة والمتلاحمة والصحيح هو الأول لقوله تعالى والجروح قصاص ولأنه ينتهي إلى حد معلوم يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص فصل ويؤخذ السن بالسن لقوله تعالى والسن بالسن المائدة 45 ولما رويناه في أول الباب في حديث الربيع بنت النضر بن أنس ولأنه محدود في نفسه يمكن القصاص فيه فوجب فيه القصاص ولا يؤخذ سن صحيح بسن مكسور لأنه يأخذ أكثر من حقه ويؤخذ المكسور بالصحيح ويؤخذ معه من الدية بقدر ما نكسر منه لما ذكرناه في الأنف والأذن ويؤخذ الزائد إذا اتفق محلهما لأنهما متساويان وإن قلع سنا زائدة وليس للجاني مثلها وجبت عليه الحكومة لأنه تعذر المثل فوجب البدل وإن كان له مثلها في غير موضع المقلوع لم يؤخذ كما لا يؤخذ سن أصلي بسن أخرى وإن كسر نصف سنه وأمكن أن يقتص منه نصف سنه قتص منه فإن لم يمكن وجب بقدره من دية السن وإن وجب له القصاص في السن فاقتص ثم نبت له مكانه سن آخر ففيه قولان أحدهما أن النابت هو المقلوع من جهة الحكم لأنه مثله في محله فصار كما لو قلع سن صغير ثم نبت فعلى هذا يجب على المجني عليه دية سن الجاني لأنه قلع سنه بغير سن والقول الثاني أن النابت هبة مجددة لأن الغالب أنه لا يستخلف فعلى هذا وقع القصاص موقعه ولا يجب عليه شيء للجاني وإن قلع سن رجل فاقتص منه ثم نبت للجاني سن في مكان السن الذي قتص منه فإن قلنا إن النابت هبة مجددة لم يكن للمجني عليه قلعه لأنه ستوفى ما كان له وإن قلنا إن النابت هو المقلوع من جهة الحكم فهل يجوز للمجني عليه قلعه فيه وجهان أحدهما أن له أن يقلعه ولو نبت ألف مرة لأنه أعدمه السن فستحق أن يعدم سنه والثاني ليس له قلعه لأنه يجوز أن يكون هبة مجددة ويجوز أن يكون هو المقلوع فلم يجز قلعه مع الشك فصل ويؤخذ اللسان باللسان لقوله تعالى والجروح قصاص ولأن له حدا ينتهي ( إليه ) فاقتص فيه فلا يؤخذ لسان الناطق بلسان الأخرس لأنه يأخذ أكثر من حقه ويؤخذ لسان الأخرس بلسان الناطق لأنه يأخذ بعض حقه وإن قطع نصف لسانه أو ثلثه قتص من لسان الجاني في نصفه أو ثلثه وقال أبو إسحق لا يقتص منه لأنه لا يأمن أن يجاوز القدر المستحق والمذهب أنه يقتص منه للآية ولانه إذا أمكن القصاص في جميعه أمكن في بعضه فصل وتؤخذ اليد باليد والرجل بالرجل والأصابع بالأصابع والأنامل بالأنامل لقوله تعالى والجروح قصاص ولأن لها مفصل يمكن القصاص فيها من غير حيف فوجب فيها القصاص وإن قطع يده من الكوع قتص منه لأنه مفصل وإن قطع من نصف الساعد فله أن يقتص من الكوع لأنه داخل في جناية يمكن القصاص فيها ويأخذ الحكومة في الباقي لأنه كسر عظم لا تمكن المماثلة فيه فانتقل فيه إلى البدل
وإن قطع من المرفق فله أن يقتص منه لأنه مفصل وإن أراد أن يقتص من الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لم يكن له ذلك لأنه يمكنه أن يستوفي جميع حقه بالقصاص في محل الجناية فلا يجوز أن يأخذ القصاص في غيره وإن قطع يده من نصف العضد فله أن يقتص من المرفق ويأخذ الحكومة في الباقي وله أن يقتص في الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لأن الجميع مفصل داخل في الجناية ويخالف إذا قطعها من المرفق وأراد أن يقتص من الكوع لأن هناك يمكنه أن يقتص في الجميع في محل الجناية وههنا لا يمكنه أن يقتص في موضع الجناية وإن قطع يده من الكتف وقال أهل الخبرة إنه يمكنه أن يقتص منه من غير جائفة قتص منه لأنه مفصل يمكن القصاص فيه من غير حيف وإن أراد أن يقتص من المرفق أو الكوع لم يجز لأنه يمكنه أن يقتص من محل الجناية فلا يجوز أن يقتص في غيره وإن قال أهل الخبرة إنه يخاف أن يحصل به جائفة لم يجز أن يقتص فيه لأنه لا يأمن أن يأخذ زيادة على حقه وله أن يقتص في المرفق ويأخذ الحكومة في الباقي وله أن يقتص في الكوع ويأخذ الحكومة في الباقي لما ذكرناه وحكم الرجل في القصاص من مفاصلها من القدم والركبة والورك وما يجب فيما بينهما من الحكومات حكم اليد وقد بيناه فصل ولا تؤخذ يد صحيحة بيد شلاء ولا رجل صحيحة برجل شلاء لأنه يأخذ فوق حقه وإن أراد المجني عليه أن يأخذ الشلاء بالصحيحة نظرت فإن قال أهل الخبرة إنه إن قطع لم تنسد العروق ودخل الهواء إلى البدن وخيف عليه لم يجز أن يقتص منه لأنه يأخذ نفسا بطرف وإن قالوا لا يخاف عليه فله أن يقتص لأنه يأخذ دون حقه فإن طلب مع القصاص الأرش لنقص الشلل لم يكن له لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة وإنما تنفض عنها في الصفة فلم يؤخذ الأرش للنقص مع القصاص كما لا يأخذ ولي المسلم من الذمي مع القصاص أرشا لنقص الكفر وفي أخذ الأشل بالأشل وجهان أحدهما أنه يجوز لأنهما متساويان والثاني لا يجوز وهو قول أبي إسحاق لأن الشلل علة والعلل يختلف تأثيرها في البدن فلا تتحقق المماثلة بينهما فصل ولا تؤخذ يد كاملة الأصابع بيد ناقصة الأصابع فإن قطع من له خمس أصابع كف من له أربع أصابع أو قطع من له ست أصابع كف من له خمس أصابع لم يكن للمجني عليه أن يقتص منه لأنه يأخذ أكثر من حقه وله أن يقطع من أصابع الجاني مثل أصابعه لأنها داخلة في الجناية ويمكن ستيفاء القصاص فيها وهل يدخل أرش ما تحت الأصابع من الكف في القصاص فيه وجهان أحدهما يدخل كما يدخل في ديتها والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه لا يدخل بل يأخذ مع القصاص الحكومة لما تحتها والفرق بين القصاص والدية أن الكف يتبع الأصابع في الدية ولا يتبعها في القصاص ولهذا لو قطع أصابعه وتآكل منها الكف وختار الدية لم يلزمه أكثر من دية الأصابع ولو طلب القصاص قطع الأصابع ويؤخذ والحكومة في الكف وتؤخذ يد ناقصة الأصابع بيد كاملة الأصابع فإن قطع من له أربع أصابع كف من له خمس أصابع أو قطع من له خمس أصابع كف من له ست أصابع فللمجني عليه أن يقتص من الكف ويأخذ دية الأصبع الخامسة أو الحكومة في الأصبع السادسة لأنه وجد بعض حقه وعدم البعض فأخذ الموجود وانتقل في المعدوم إلى البدل كما لو قطع عضوين ووجد أحدهما فصل ولا يؤخذ أصلي بزائد فإن قطع من له خمس أصابع أصلية كف من له أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة لم يكن للمجني عليه أن يقتص من الكف لأنه يأخذ أكثر من حقه ويجوز أن يقتص من الأصابع الأصلية لأنها داخلة في الجناية ويأخذ الحكومة في الأصبع الزائدة وما تحت الزائدة من الكف يدخل في حكومتها