Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وأما من كانت له عادة بأن يهدى إليه قبل الولاية برحم أو مودة فإنه إن كانت له فى الحال حكومة لم يجز قبولها منه لانه لا يأخذ فى حال يتهم فيه وإن لم يكن له حكومة فإن كان أكثر مما كان يهدى إليه أو أرفع منه لم يجز له قبولها لان الزيادة حدثت بالولاية وإن لم يكن أكثر ولا أرفع مما كان يهدى إليه جاز قبولها لخروجها عن تسبب الولاية والأولى ألا يقبل لجواز أن يكون قد أهدى إليه لحكومة منتظرة فصل ويجوز أن يحضر الولائم لان الإجابة إلى وليمة غير العرس مستحبة وفى وليمة العرس وجهان أحدهما أنها فرض على الأعيان والثانى أنها فرض على الكفاية ولا يخص فى الإجابة قوما دون قوم لان فى تخصيص بعضهم ميلا وتركا للعدل فإن كثرت عليه وقطعته عن الحكم ترك الحضور فى حق الجميع لان الإجابة إلى الوليمة إما أن تكون سنة أو فرضا على الكفاية أو فرضا على الأعيان إلا أنه لا يستضر بتركها جميع المسلمين والقضاء فرض عليه ويستضر بتركه جميع المسلمين فوجب تقديم القضاء فصل ويجوز أن يعود المرضى ويشهد الجنائز ويأتى مقدم الغائب لقوله صلى الله عليه وسلم عائد المريض فى مخرف من مخارف الجنة حتى يرجع وعاد النبى صلى الله عليه وسلم سعدا وجابرا وعاد غلاما يهوديا فى جواره وعرض عليه الإسلام فأجاب وكان يصلى على الجنائز فإن كثرت عليه أتى من ذلك مالا يقطعه عن الحكم والفرق بينه وبين حضور الولائم حيث قلنا إنها إذا كثرت عليه ترك الجميع أن الحضور فى الولائم لحق أصحابها فإذا حضر عند بعضهم كان ذلك للميل إلى من يحضره والحضور فى هذه الأشياء لطلب الثواب لنفسه فلم يترك ما قدر عليه فصل ويكره أن يباشر البيع والشراء بنفسه لما روى أبو الأسود المالكى عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ما عدل وال اتجر فى رعيته أبدا وقال شريح شرط على عمر رضى الله عنه حين ولانى القضاء ألا أبيع ولا أبتاع ولا أرتشى ولا أقضى وأنا غضبان ولانه إذا باشر ذلك بنفسه لم يؤمن أن يحابى فيميل إلى من حاباه فإن احتاج إلى البيع والشراء وكل من ينوب عنه ولا يكون معروفا به فإن عرف أنه وكيله استبدل بمن لا يعرف به حتى لا يحابى فتعود المحاباة إليه فإن لم يجد من ينوب عنه تولى بنفسه لانه لا بد له منه فإذا وقعت لمن بايعه حكومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه لانه إذا تولى الحكم بنفسه لم يؤمن أن يميل إليه فصل ولا يقضى فى حال الغضب ولا في حال الجوع والعطش ولا فى حال الحزن والفرح ولا يقضى والنعاس يغلبه ولا يقضى والمرض يقلقه ولا يقضى وهو يدافع الأخبثين ولا يقضى وهو فى حر مزعج ولا فى برد مؤلم لما روى أبو بكرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا ينبغى للقاضى أن يقضى بين اثنين وهو غضبان وروى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقضى القاضى إلا وهو شبعان ريان ولان فى هذه الأحوال يشتغل قلبه فلا يتوفر على الاجتهاد في الحكم وإن حكم فى هذه الأحوال صح حكمه لان الزبير ورجلا من الأنصار اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصارى وإن كان ابن عمتك يا رسول الله فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه ثم قال للزبير اسق زرعك واحبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم أرسله إلى جارك فحكم ( عليه السلام ) في حال الغضب فصل والمستحب أن يجلس للحكم فى موضع بارز يصل إليه كل أحد ولا يحتجب من غير عذر لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من ولى من أمر الناس شيئا فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم احتجب الله دون فاقته وفقره
والمستحب أن يكون المجلس فسيحا حتى لا يتأذى بضيقه الخصوم ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز وأن يكون موضعا لا يتأذى فيه بحر أو برد أو دخان أو رائحة منتنة لان عمر رضى الله عنه كتب إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه وإياك والقلق والضجر ( وسوء الخلق ) وهذه الأشياء تفضى إلى الضجر وتمنع الحاكم من التوفر على الاجتهاد وتمنع الخصوم من استيفاء الحجة فإن حكم مع هذه الأحوال صح الحكم كما يصح فى حال الغضب ويكره أن يجلس للقضاء فى المسجد لما روى معاذ رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ( ومجانينكم ) ورفع أصواتكم وخصوماتكم وحدودكم وسل سيوفكم وشراءكم وبيعكم ولان الخصومة يحضرها اللغط والسفة فينزه المسجد عن ذلك ولانه قد يكون الخصم جنبا أو حائضا فلا يمكنه المقام فى المسجد للخصومة فإن جلس فى المسجد لغير الحكم فحضر خصمان لم يكره أن يحكم بينهما لما روى الحسن البصرى قال دخلت المسجد فرأيت عثمان رضى الله عنه قد ألقى رداءه ونام فأتاه سقاء بقربة ومعه خصم فجلس عثمان وقضى بينهما وإن جلس فى البيت لغير الحكم فحضره خصمان لم يكره أن يحكم بينهما لما روت أم سلمة رضى الله عنها قالت اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان من الأنصار فى مواريث متقادمة فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فى بيتى فصل وإن احتاج إلى أجرياء لاحضار الخصوم اتخذ أجرياء أمناء ويوصيهم بالرفق بالخصوم ويكره أن يتخذ حاجبا لانه لا يؤمن أن يمنع من له ظلامة أو يقدم خصما على خصم فإن دعت الحاجة إلى ذلك اتخذ أمينا بعيدا من الطمع ويوصيه بما يلزمه من تقديم من سبق من الخصوم ولا يكره للإمام أن يتخذ حاجبا لان يرفأ كان حاجب عمر والحسن ( البصرى ) كان حاجب عثمان وقنبر كان حاجب على عليه السلام ولان الإمام ينظر فى جميع المصالح فتدعوه الحاجة إلى أن يجعل لكل مصلحة وقتا لا يدخل فيه كل أحد فصل ويستحب أن يكون له حبس لان عمر رضى الله عنه اشترى دارا بمكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجنا واتخذ على عليه السلام سجنا وحبس عمر رضى الله عنه الحطيئة الشاعر فقال ( البسيط ) ماذا تقول لافراخ بذى مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر فألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة فارحم عليك سلام الله يا عمر فخلاه وحبس ( عمر ) آخر فقال ( الرجز ) يا عمر الفاروق طال حبسى ومل منى إخوتى وعرسى فى حدث لم تقترفه نفسى والأمر أضوأ من شعاع الشمس ولانه ( قد ) يحتاج إليه للتأديب ولاستيفاء الحق من المماطل بالدين ويستحب أن يكون له درة للتأديب لان عمر رضى الله عنه كانت له درة يؤدب بها ( الناس ) فصل وإن احتاج إلى كاتب اتخذ كاتبا لان النبى صلى الله عليه وسلم كان له كتاب منهم على بن أبى طالب وزيد بن ثابت رضى الله عنهما ومن شرطه أن يكون عارفا بما يكاتب به القضاة من الأحكام وما يكتبه من المحاضر والسجلات لانه إذا لم يعرف ذلك أفسد ما يكتبه بجهله ( به ) وهل من شرطه أن يكون مسلما عدلا فيه وجهان أحدهما أن ذلك شرط فلا يجوز أن يكون كافرا لان أبا موسى الأشعرى قدم على عمر رضى الله عنه ومعه كاتب نصرانى فانتهره عمر رضى الله عنه وقال لا تأمنوهم وقد خونهم الله ولا تدنوهم وقد أبعدهم الله ولا تعزوهم وقد أذلهم الله ولان الكافر عدو للمسلمين فلا يؤمن أن يكتب ما يبطل به حقوقهم ولا يجوز أن يكون فاسقا لانه لا يؤمن أن يخون والوجه الثانى أن ذلك يستحب لان ما يكتبه لا بد أن يقف عليه القاضى ثم يمضيه فيؤمن فيه من الخيانة فصل ولا يتخذ شهودا معينين لا تقبل شهادة غيرهم
لان في ذلك تضييقا على الناس وإضرارا بهم في حفظ حقوقهم ولان شروط الشهادة لا تختص بالمعينين فلم يجز تخصيصهم بالقبول فصل ويتخذ قوما من أصحاب المسائل ليتعرف بهم أحوال من جهلت عدالته من الشهود وينبغى أن يكونوا عدولا برآء من الشحناء بينهم وبين الناس بعداء من العصبية فى نسب أو مذهب حتى لا يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية غير عدل وأن يكونوا وافرى العقول ليصلوا بوفور عقولهم إلى المطلوب ولا يسترسلوا فيسألوا عدوا أو صديقا لان العدو يظهر القبيح ويخفى الجميل والصديق يظهر الجميل ويخفى القبيح وإن شهد عنده شاهد نظرت فإن علم عدالته قبل شهادته وإن علم فسقه لم يقبل شهادته ويعمل فى العدالة والفسق بعلمه وإن جهل إسلامه لم يحكم حتى يسأل عن إسلامه ولا يعمل فى إسلامه بظاهر الدار كما يعمل فى إسلام اللقيط بظاهر الدار لان أعرابيا شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم برؤية الهلال فلم يحكم بشهادته حتى سأل عن إسلامه ولانه يتعلق بشهادته إيجاب حق على غيره فلا يعمل فيه بظاهر الدار ويرجع فى إسلامه إلى قوله لان النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قول الأعرابى وإن جهل حريته ففيه وجهان أحدهما وهو ظاهر النص أنها تثبت بقوله لان الظاهر من الدار حرية أهلها كما أن الظاهر من الدار إسلام أهلها ثم يثبت الإسلام بقوله فكذلك الحرية والثانى وهو الأظهر أنها لا تثبت بقوله والفرق بينها وبين الإسلام أنه يملك الإسلام إذا كان كافرا فقبل إقراره به ولا يملك الحرية إذا كان عبدا فلم يقبل إقراره بها وإن جهل عدالته لم يحكم حتى تثبت عدالته لقوله تعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ولا يعلم أنه مرضى قبل السؤال وروى سليمان عن حريث قال شهد رجل عند عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال له عمر رضى الله عنه إنى لست أعرفك ولا يضرك أنى لا أعرفك فأتنى بمن يعرفك فقال رجل أنا أعرفه يا أمير المؤمنين فقال بأي شيء تعرفه قال بالعدالة قال هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه قال لا قال فمعاملك بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع قال لا قال فصاحبك فى السفر الذى يستدل به على مكارم الأخلاق قال لا قال لست تعرفه ثم قال للرجل ائتنى بمن يعرفك ولانه لا يؤمن أن يكون فاسقا فلا يحكم بشهادته وإن أراد أن يعرف عدالته كتب اسمه ونسبه وحليته وصنعته وسوقه ومسكنه حتى لا يشتبه بغيره ويذكر من يشهد له حتى لا يكون ممن لا تقبل شهادته له من والد أو ولد ويذكر من يشهد عليه حتى لا يكون عدوا لا تقبل شهادته عليه ويذكر قدر ما يشهد به لانه قد يكون ممن يقبل قوله فى قليل ولا يقبل قوله فى كثير ويبعث ما يكتبه مع أصحاب المسائل ويجتهد ألا يكون أصحاب المسائل معروفين عند المشهود له حتى لا يحتال فى تعديل الشهود ولا عند المشهود عليه حتى لا يحتال فى جرح الشهود ولا عند الشهود حتى لا يحتالوا فى تعديل أنفسهم ولا عند المسؤولين عن الشهود حتى لا يحتال لهم الأعداء فى الجرح ولا الأصدقاء فى التعديل ويجتهد ألا يعلم أصحاب المسائل بعضهم ببعض فيجمعهم الهوى على التواطؤ على الجرح والتعديل قال الشافعى رحمه الله ولا يثبت الجرح والتعديل إلا باثنين ووجهه أنه شهادة فاعتبر فيها العدد واختلف أصحابنا هل يحكم القاضى فى الجرح والتعديل بأصحاب المسائل أو بمن عدل أو جرح من الجيران فقال أبو إسحاق يحكم بشهادة الجيران لانهم يشهدون بالجرح والتعديل فعلى هذا يجوز أن يقتصر على قول الواحد من أصحاب المسائل ويجوز بلفظ الخبر ويسمى للحاكم من عدل أو جرح ثم يسمع الشهادة بالتعديل والجرح من الجيران على شرط الشهادة في العدد في لفظ الشهادة وحمل قول الشافعى رحمه الله فى العدد على الجيران
وقال أبو سعيد الإصطخرى يحكم بشهادة أصحاب المسائل وهو ظاهر النص لان الجيران لا يلزمهم الحضور للشهادة بما عندهم فحكم بشهادة أصحاب المسائل فعلى هذا لا يجوز أن يكون أصحاب المسائل أقل من اثنين ويجوز أن يكون من يخبرهم من الجيران واحدا إذا وقع فى نفوسهم صدقه ويجب أن يشهد أصحاب المسائل عند الحاكم على شرط الشهادة فى العدد ولفظ الشهادة وحمل قول الشافعي رحمه الله تعالى فى العدد على أصحاب المسائل وإن بعث اثنين فعادا بالجرح حكم بالجرح وإن عادا بالتعديل حكم بالتعديل وإن عاد أحدهما بالتعديل وعاد الآخر بالجرح لم يحكم بقول واحد منهما في جرح ولا تعديل ويبعث ثالثا فإن عاد بالجرح كملت بينة الجرح وإن عاد بالتعديل كملت بينة التعديل وإن شهد اثنان بالجرح واثنان بالتعديل حكم بالجرح لان شاهدى الجرح يخبران عن أمر باطن وشاهدى العدالة يخبران عن أمر ظاهر فقدم من يخبر بالباطن كما لو شهد اثنان بالإسلام وشهد آخران بالردة وإن شهد اثنان بالجرح وشهد ثلاثة بالعدالة قدمت بينة الجرح لان بينة الجرح كملت فقدمت على بينة التعديل ولا يقبل الجرح إلا مفسرا وهو أن يذكر السبب الذى به جرح ولان الناس يختلفون فيما يفسق به الإنسان ولعل من شهد بفسقه شهد على اعتقاده والحاكم لا يعتقد أن ذلك فسق والجرح والتعديل إلى رأى الحاكم فوجب بيانه لينظر فيه ولا يشهد بالجرح من يشهد من الجيران وأهل الخبرة إلا أن يعلم الجرح بالمشاهدة فى الأفعال كالسرقة وشرب الخمر أو بالسماع فى الأقوال كالشتم والقذف والكذب وإظهار ما يعتقده من البدع أو استفاض عنه ذلك بالخبر لانه شهادة على علم فأما إذا قال بلغنى أو قيل لى أنه يفعل أو يقول أو يعتقد لم يجز أن يشهد به لقوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون قال الشافعى رحمه الله ولا تقبل الشهادة بالتعديل حتى يقول هو عدل على ولى فمن أصحابنا من قال يكفى أن يقول هو عدل وهو قول أبى سعيد الإصطخرى لان قوله عدل يقتضى أنه عدل عليه وله وما ذكره الشافعى رحمه الله تعالى ذكره على سبيل الإستحباب ومنهم من قالع لا يقبل حتى يقول عدل لى وعلى وهو قول أبى إسحاق لان قوله عدل لا يقتضى العدالة على الإطلاق لانه قد يكون عدلا فى شيء دون شيء وإذا قال عدل على ولى دل على العدالة على الإطلاق فصل ولا يقبل التعديل إلا ممن تقدمت معرفته وطالت خبرته بالشاهد لان المقصود معرفة العدالة فى الباطن ولا يعلم ذلك ممن لم يتقدم به معرفته ويقبل الجرح ممن تقدمت معرفته به وممنن لم يتقدم معرفته لانه لا يشهد فى الجرح إلا بما شاهد أو سمع أو استفاض عنه وبذلك يعلم فسقه فصل وإن شهد مجهول العدالة فقال المشهود عليه هو عدل ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز للحاكم أن يحكم بشهادته لان البحث عن العدالة لحق المشهود عليه وهو قد شهد له بالعدالة والثانى أنه لا يحكم لان حكمه بشهادته حكم بتعديله وذلك لا يجوز بقول الواحد ولان اعتبار العدالة فى الشاهد حق لله تعالى ولهذا لو رضى المشهود عليه بشهادة الفاسق لم يجز للحاكم أن يحكم بشهادته فصل وإن ثبت عدالة الشاهد ومضى على ذلك زمان ثم شهد عند الحاكم بحق نظرت فإن كان بعد زمان قريب حكم بشهادته ولم يسأل عن عدالته وإن كان بعد زمان طويل ففيه وجهان أحدهما أنه يحكم بشهادته لان الأصل بقاء العدالة والثانى وهو قول أبى إسحاق أنه لا يحكم بشهادته حتى يعيد السؤال عن عدالته لانه مع طول الزمان يتغير الحال فصل وإن شهد عنده شهود وارتاب بهم فالمستحب أن يسألهم عن تحمل الشهادة ويفرقهم ويسأل كل واحد منهم على الانفراد عن صفة التحمل ومكانه وزمانه لما روى أن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا عند دانيال ففرقهم وسألهم فاختلفوا فدعا عليهم فنزلت عليهم نار من السماء فأحرقتهم
وإن فرقهم فاختلفوا سقطت شهادتهم وإن اتفقوا وعظهم لما روى أبو حنيفة رحمه الله قال كنت ( جالسا ) عند محارب بن دثار وهو قاضى الكوفة فجاءه رجل فادعى على رجل حقا فأنكره فأحضر المدعى شاهدين فشهد له فقال المشهود عليه والذى تقوم به السموات والأرض لقد كذبا على فى الشهادة وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمى بما فى حواصلها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار فإن صدقتما فأثبتا وإن كذبتما فغطيا على رؤوسكما وانصرفا فغطيا رؤوسهما وانصرفا وشاورهم في الأمر قال الحسن إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل والمستحب أن يحضر مجلسه الفقهاء ليشاورهم فيما يشكل لقوله تعالى عن مشاورتهم لغنيا ولكن أراد الله تعالى أن يستسن بذلك الحكام ولان النبى صلى الله عليه وسلم شاور فى أسارى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وأشار عمر رضى الله عنه بالقتل وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر رضى الله عنه كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأى والفقه دعا رجالا من المهاجرين و ( رجالا من ) الأنصار ودعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد بن ثابت رضى الله عنهم فمضى أبو بكر على ذلك ثم ولى عمر رضى الله عنه وكان يدعو هؤلاء النفر فإن اتفق أمر مشكل شاورهم فيه فإن اتضح له الحق حكم به فإن لم يتضح أخره إلى أن يتضح ولا يقلد غيره لانه مجتهد فلا يقلد وقال أبو العباس إن ضاق الوقت وخاف الفوت بأن يكون الحكم بين مسافرين وهم على الخروج قلد غيره وحكم كما قال في القبلة إذا خاف فوت الصلاة وقد بينا ذلك فى كتاب الصلاة وإن اجتهد فأداه اجتهاده إلى حكم فحكم به ثم بان له أنه أخطأ فإن كان ذلك بدليل مقطوع به كالنص والإجماع والقياس الجلى نقض الحكم لقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال ردوا الجهالات إلى السنة وكتب إلى أبى موسى لا يمنعنك قضاء قضيت به ثم راجعت فيه نفسك فهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء وإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادى فى الباطل ولانه مفرط فى حكمه غير معذور فيه فوجب نقضه فصل وإن ولى قضاء بلد وكان القاضى قبله لا يصلح للقضاء نقض أحكامه كلها أصاب فيها أو أخطأ لانه حكم ممن لا يجوز له القضاء فوجب نقضه كالحكم من بعض الرعية وإن كان يصلح للقضاء لم يجب عليه أن يتتبع أحكامه لان الظاهر أنها صحيحة فإن أراد أن يتتبعها من غير متظلم فهل يجوز له ذلك أم لا فيه وجهان أحدهما وهو اختيار الشيخ أبى حامد الإسفرايينى أنه يجوز لان فيه احتياطا والثانى أنه لا يجوز لانه يشتغل بماض لا يلزمه عن مستقبل يلزمه وإن تظلم منه متظلم فإن سأل إحضاره لم يحضره حتى يسأله عما بينهما لانه ربما قصد أن يبتذله ليحلف من غير حق وإن قال لى عليه مال من معاملة أو غصب أو إتلاف أو رشوة أخذها منه على حكم أحضره وإن قال حكم على بشهادة عبدين أو فاسقين ففيه وجهان أحدهما أنه يحضره كما يحضره إذا ادعى عليه مالا والثانى أنه لا يحضره حتى يقيم ( عليه ) بينة بما يدعيه لانه لا تتعذر إقامة البينة على الحكم فإن حضر وقال ما حكمت عليه إلا بشهادة حرين عدلين فالقول قوله لانه أمين وهل يحلف فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه لا يحلف لانه عدل والظاهر أنه صادق
والثانى أنه يحلف لانه أمين ادعى عليه خيانة فلم يقبل قوله من غير يمين كالمودع إذا ادعى عليه خيانة وأنكرها وإن قال جار علي فى الحكم نظرت فإن كان ما حكم به مما لا يسوغ فيه الاجتهاد نقضه كما ينقض على نفسه إذا حكم بما لا يسوغ فيه الاجتهاد وإن كان مما يسوغ فيه الاجتهاد كثمن الكلب وضمان ما أتلف على الذمى من الخمر لم ينقضه كما لا ينقض على نفسه ما حكم فيه مما يسوغ فيه الاجتهاد لانا لو نقضنا ما يسوغ فيه الاجتهاد لم يستقر لاحد حق ولا ملك لانه كلما ولى حاكم نقض ما حكم به من قبله فلا يستقر لاحد حق ولا ملك فصل وإذا خرج إلى مجلس الحكم فالمستحب له أن يدعو بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما روت أم سلمة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته يقول اللهم إنى أعوذ بك من أن أزل أو أزل أو أضل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي والمستحب أن يجلس مستقبل القبلة لقوله صلى الله عليه وسلم خير المجالس ما استقبل به القبلة ولانه قربة فكانت جهة القبلة فيها أولى كالأذان والمستحب أن يقعد وعليه السكينة والوقار من غير جبرية ولا استكبار لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وهو متكىء على يساره فقال هذه جلسة المغضوب عليهم ويترك بين يديه القمطر مختوما ليترك فيه ما يجتمع من المحاضر والسجلات ويجلس الكاتب بقربه ليشاهد ما يكتبه فإن غلط فى شيء رده عليه فصل والمستحب أن يبدأ فى نظره بالمحبسين لان الحبس عقوبة وعذاب وربما كان فيهم من تجب تخليته فاستحب البداية بهم ويكتب أسماء المحبسين وينادي فى البلدان القاضى يريد النظر فى أمر المحبسين فى يوم كذا فليحضر من له محبوس فإذا حضر الخصوم أخرج خصم كل واحد منهم فإن وجب إطلاقه أطلقه وإن وجب حبسه أعاده إلى الحبس فإن قال المحبوس حبست على دين وأنا معسر فإن ثبت اعساره أطلق وإن لم يثبت إعساره أعيد إلى الحبس فإن ادعى صاحب الدين أن له دارا وأقام على ذلك البينة فقال المحبوس هى لزيد سئل زيد فإن أكذبه بيعت الدار وقضى الدين لان إقراره ويسقط بإكذابه وإن صدقه زيد نظرت فإن أقام زيد بينة أن الدار له حكم له بالدار ولم تبع في الدين لان له بينة ويدا بإقرار المحبوس ولصاحب الدين بينة من غير يد فقدمت بينة زيد وإن لم يكن لزيد بينة ففيه وجهان أحدهما أنه يحكم بها لزيد ولا تباع في الدين لان بينة صاحب الدين بطلت بإكذاب المحبوس وبقى إقرار المحبوس بالدار لزيد والثانى أنه لا يحكم بها لزيد ( وتباع فى الدين ) لان بينة صاحب الدين شهدت للمحبوس بالملك وله ( عليه ) بقضاء الدين من ثمنها فإذا أكذبها المحبوس سقطت البينة فى حقه ولم تسقط فى حق صاحب الدين فصل ثم ينظر فى أمر الأوصياء والأمناء لانهم يتصرفون فى حق من لا يملك المطالبة بماله وهم الأطفال فإذا ادعى رجل أنه وصى للميت لم يقبل قوله إلا ببينة لان الأصل عدم الوصية فإن أقام على ذلك بينة فإن كان عدلا قويا أقر على الوصية وإن كان فاسقا لم يقر على الوصية لان الوصية ولاية والفاسق ليس من أهل الولاية
وإن كان عدلا ضعيفا ضم إليه غيره ليتقوى به وإن أقام بينة أن الحاكم الذى كان قبله أنفذ الوصية إليه أقره ولم يسأل عن عدالته لان الظاهر أنه لم ينفذ الوصية إليه إلا وهو عدل فإن كان وصيا فى تفرقة ثلثه فإن لم يفرقه فالحكم فى إقراره على الوصية على ما ذكرناه وإن كان قد فرقه فإن كان عدلا لم يلزمه شيء وإن كان فاسقا فإن كانت الوصية لمعينين لم يلزمه شيء لانه دفع الموصى به إلى مستحقه وإن كانت الوصية لغير معينين ففيه وجهان أحدهما أنه لا يغرم لانه دفع المال إلى مستحقه فأشبه إذا كانت الوصية لمعينين والثانى أنه يغرم ما فرقه لانه فرق ما لم يكن له تفرقته فغرمه كما لو فرق ما جعل تفرقته إلى غيره فصل ثم ينظر فى اللقطة والضوال ( وأمر ) الأوقاف العامة وغيرها من المصالح ويقدم الأهم فالأهم لانه ليس لها مستحق معين فتعين على الحاكم النظر فيها باب ما يجب على القاضي في الخصوم والشهود إذا حضر خصوم واحد بعد واحد قدم الأول فالأول لان الأول سبق إلى حق له فقدم على من بعده كما لو سبق إلى موضع مباح وإن حضروا في وقت واحد أو سبق بعضهم وأشكل السابق أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة قدم لانه لا مزية لبعضهم على بعض فوجب التقديم بالقرعة كما قلنا فيمن أراد السفر ببعض نسائه فإن ثبت السبق لاحدهم فقدم السابق غيره على نفسه جاز لان الحق له فجاز أن يؤثر به غيره كما لو سبق إلى منزل مباح ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة لانا لو قدمناه في أكثر من حكومة استوعب المجلس بدعاويه وأضر بالباقين وإن حضر مسافرون ومقيمون فى وقت واحد نظرت فإن كان المسافرون قليلا وهم على الخروج قدموا لان عليهم ضررا فى المقام ولا ضرر على المقيمين وحكى بعض أصحابنا فيه وجها آخر أنهم لا يقدمون إلا بإذن المقيمين لتساويهم فى الحضور وظاهر النص هو الأول وإن كان المسافرون مثل المقيمين أو أكثر لم يجز تقديمهم من غير رضى المقيمين لان فى تقديمهم إضرارا بالمقيمين والضرر لا يزال بالضرر وإن تقدم إلى الحاكم اثنان فادعى أحدهما على الآخر حقا فقال المدعى عليه أنا جئت به وأنا المدعى قدم السابق بالدعوى لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل وللسابق بالدعوى حق السبق فقدم فصل فى وعلى الحاكم أن يسوى بين الخصمين فى الدخول والإقبال عليهما والاستماع منهما لما روت أم سلمة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم فى لحظه ولفظه وإشارته ومقعده وكتب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى الأشعرى آس بين الناس فى وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف فى حيفك ولا ييئس ضعيف من عدلك ولانه إذا قدم أحدهما على الآخر فى شيء من ذلك انكسر الآخر ولا يتمكن من استيفاء حجته والمستحب أن يجلس الخصمان بين يديه لما روى عبد الله بن الزبير قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الخصمان بين يدى القاضى ولان ذلك أمكن لخطابهما وإن كان أحدهما مسلما والآخر ذميا ففيه وجهان أحدهما أنه يسوى بينهما فى المجلس كما يسوى بينهما فى الدخول والإقبال عليهما والاستماع منهما والثانى أنه يرفع المسلم على الذمى فى المجلس لما روى أن عليا رضى الله عنه حاكم يهوديا في درع إلى شريج فقام شريج من مجلسه وأجلس عليا كرم الله وجهه فيه فقال علي ( عليه السلام ) لولا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تسووا بينهم فى ( المجالس ) لجلست معه بين يديك
ولا يضيف أحدهما دون الآخر لما روى أن رجلا نزل بعلى بن أبى طالب ( عليه السلام ) فقال له ألك خصم قال نعم قال تحول عنا فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يضيفن أحد الخصمين إلا ومعه خصمه ولان فى إضافة أحدهما إظهار الميل وترك العدل ولا يسار أحدهما ولا يلقنه حجة لما ذكرناه ولا يأمر أحدهما بإقرار لان فيه إضرارا به ولا بإنكار لان فيه إضرارا بخصمه وإن ادعى أحدهما دعوى غير صحيحة فهل له أن يلقنه كيف يدعى فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه يجوز لانه لا ضرر على الآخر فى تصحيح دعواه والثانى أنه لا يجوز لانه ينكسر ( قلب ) الآخر ولا يتمكن من استيفاء حجته وله أن يرد عن أحدهما ما عليه لان فى ذلك نفعا لهما وله أن يشفع لاحدهما لان الإجابة إلى المشفوع إليه إن شاء شفعه وإن شاء لم يشفعه وإن مال قلبه إلى أحدهما أو أحب أن يفلج أحدهما على خصمه ولم يظهر ذلك منه بقول ولا فعل جاز لانه لا يمكنه التسوية بينهما فى المحبة والميل بالقلب ولهذا قلنا يلزمه التسوية بين النساء فى القسم ولا يلزمه التسوية بينهن فى المحبة والميل بالقلب فصل فى ولا ينتهر خصما لأن ذلك يكسره ويمنعه من استيفاء الحجة وإن ظهر من أحدهما لدد أو سوء أدب نهاه فإن عاد زبره وإن عاد عزره ولا يزجر شاهدا ولا يتعينته لان ذلك يمنعه من الشهادة على وجهها ويدعوه إلى ترك القيام بتحمل الشهادة وأدائها وفى ذلك تضييع للحقوق فصل فى فإن كان بين نفسين حكومة فدعا أحدهما صاحبه إلى مجلس الحكم وجبت عليه إجابته لقوله تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا فإن لم يحضر فاستعدى عليه الحاكم وجب عليه أن يعديه لانه إذا لم يعده أدى ذلك إلى إبطال الحقوق فإن استدعاه الحاكم فامتنع من الحضور تقدم إلى صاحب الشرطة ليحضره وإن كان بينه وبين غائب حكومة ولم يكن عليه بينة فاستعدى الحاكم عليه فإن كان الغائب فى موضع فيه حاكم كتب إليه لينظر بينهما وإن لم يكن حاكم وهناك من يتوسط بينهما كتب إليه لينظر بينهما وإن لم يكن من ينظر بينهما لم يحضره حتى يحقق الدعوى لانه يجوز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده كالشفعة للجار وثمن الكلب وقيمة خمر النصراني فلا يكلفه تحمل المشقة للحضور لما لا يقضى به ويخالف الحاضر فى البلد حيث قلنا إنه يحضر قبل أن يحقق المدعى دعواه لانه لا مشقة عليه فى الحضور فإن حقق الدعوى على الغائب أحضره لما روى أن بكر الصديق رضى الله عنه كتب إلى المهاجرين أمية أن ابعث إلى بقيس بن مكشوح فى وثاق فأحلفه خمسين يمينا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قتل دادويه ولانا لو لم نلزمه الحضور جعل البعد طريقا إلى إبطال الحقوق فإن استعداه على امرأة فإن كانت برزة فهى كالرجل لانها كالرجل فى الخروج للحاجات وإن كانت غير برزة لم تكلف الحضور بل توكل من يخاطب عنها وإن توجهت عليها يمين بعث إليها من يحلفها لان النبى صلى الله عليه وسلم قال يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فبعث من يسمع إقرارها ولم يكلفها الحضور باب صفة القضاء إذا حضر عند القاضى خصمان وادعى أحدهما على الآخر حقا يصح فيه دعواه وسأل القاضى مطالبة الخصم بالخروج من دعواه طالبه وإن لم يسأله مطالبة الخصم ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز للقاضى مطالبته لان ذلك حق للمدعى فلا يجوز استيفاؤه من غير إذنه والثانى وهو المذهب أنه يجوز له مطالبته لان شاهد الحال يدل على الإذن فى المطالبة فإن طولب لم يخل إما أن يقر أو ينكر أو لا يقر ولا ينكر
فإن أقر لزمه الحق ولا يحكم به إلا بمطالبة المدعى لان الحكم حق له فلا يستوفيه من غير إذنه فإن طالبه بالحكم حكم له عليه وإن أنكر فإن كان المدعى لا يعلم أن له إقامة البينة قال له القاضى ألك بينة وإن كان يعلم فله أن يقول ذلك وله أن يسكت وإن لم تكن له بينة وكانت الدعوى فى غير دم فله أن يحلف المدعى عليه ولا يجوز للقاضى إحلافه إلا بمطالبة المدعى لانه حق له فلا يستوفيه من غير إذنه وإن أحلفه قبل المطالبة لم يعتد بها لانها يمين قبل وقتها وللمدعى أن يطالب باعادتها لان اليمين الأولى لم تكن يمينه وإن أمسك المدعى عن إحلاف المدعى عليه ثم أراد أن يحلفه بالدعوى المتقدمة جاز لانه لم يسقط حقه من اليمين وإنما أخرها وإن قال أبرأتك من اليمين سقط حقه منها فى هذه الدعوى وله أن يستأنف الدعوى لان حقه لم يسقط بالإبراء من اليمين فإن استأنف الدعوى فأنكر المدعى عليه فله أن يحلفه لان هذه الدعوى غير الدعوى التى أبرأه فيها من اليمين فإن حلف سقطت الدعوى لما روى وائل بن حجر أن رجلا من حضر موت ورجلا من كندة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمى هذا غلبنى على أرض ورثتها من أبى وقال الكندى أرضى وفى يدى أزرعها ( و ) لا حق له فيها فقال النبى صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه قال إنه لا يتورع عن شيء فقال ليس لك إلا ذلك فإن امتنع عن اليمين لم يسأل عن سبب امتناعه فإن ابتدأ وقال امتنعت لانظر في الحساب أمهل ثلاثة أيام لانها مدة قريبة ولا يمهل أكثر منها لانها مدة كثيرة فإن لم يذكر عذرا لامتناعه جعله ناكلا ولا يقضى عليه بالحق بنكوله لان الحق إنما يثبت بالإقرار أو البينة والنكول ليس بإقرار ولا بينة فإن بذل اليمين بعد النكول لم يسمع لان بنكوله ثبت للمدعى حق وهو اليمين فلم يجز إبطاله عليه فإن لم يعلم المدعى أن اليمين صارت إليه قال له القاضى أتحلف وتستحق وإن كان يعلم فله أن يقول ذلك وله أن يسكت وإن قال أحلف ردت اليمين عليه لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم رد اليمين على صاحب الحق وروى أن المقداد استقرض من عثمان مالا فتحا كما إلى عمر فقال المقداد هو أربعة آلاف وقال عثمان سبعة آلاف فقال المقداد لعثمان احلف أنه سبعة آلاف فقال عمر إنه أنصفك فلم يحلف عثمان فلما ولى المقداد قال عثمان والله لقد أقرضته سبعة آلاف فقال عمر لم لم تحلف فقال خشيت أن يوافق ذلك به قدر بلاء فيقال بيمينه واختلف قول الشافعى رحمه الله تعالى فى نكول المدعى عليه مع يمين المدعى فقال فى أحد القولين هما بمنزلة البينة لانه حجة من جهة المدعى وقال فى القول الآخر هما بمنزلة الإقرار وهو الصحيح لان النكول صادر من جهة المدعى عليه واليمين ( ترتب ) عليه ( وله فصار ) كإقراره فإن نكل المدعى عن اليمين سئل عن سبب نكوله والفرق بينه وبين المدعى عليه حيث لم يسأل عن سبب نكوله أن بنكول المدعى عليه وجب للمدعى حق فى رد اليمين والقضاء له فلم يجز سؤال المدعى عليه وبنكول المدعى لم يجب لغيره حق فيسقط بسؤاله فإن سئل فذكر أنه امتنع من اليمين لان له بينة يقيمها وحسابا ينظر فيه فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه فى المدة ويترك ما تارك والفرق بينه وبين المدعى عليه حيث قلنا إنه لا يترك أكثر من ثلاثة أيام أن بترك المدعى عليه يتأخر حق المدعى فى الحكم له وبترك المدعى لا يتأخر إلا حقه وإن قال امتنعت لانى لا أختار أن أحلف حكم بنكوله
فإن بذل اليمين بعد النكول لم يقبل فى هذه الدعوى لانه أسقط حقه منها فإن عاد فى مجلس آخر واستأنف الدعوى وأنكر المدعى عليه وطلب يمينه حلف فإن حلف ترك وإن نكل ردت اليمين على المدعى فإذا حلف حكم له لانها يمين فى غير الدعوى التى حكم فيها بنكوله فإن كان له شاهد واختار أن يحلف المدعى عليه جاز وتنتقل اليمين إلى جنبة المدعى عليه فإن أراد أن يحلف مع شاهده لم يكن له فى هذا المجلس لان اليمين انتقلت عنه إلى جنبة غيره فلم تعد إليه فإن عاد فى مجلس آخر واستأنف الدعوى جاز أن يقيم الشاهد ويحلف معه لان حكم الدعوى الأولى قد سقط وإن حلف المدعى عليه فى الدعوى الأولى سقطت عنه المطالبة وإن نكل عن اليمين لم يقض عليه بنكوله وشاهد المدعى لان للشاهد معنى تقوى به جنبة المدعى فلم يقض به مع النكول من غير يمين كاللوث فى القسامة وهل ترد اليمين على المدعى ليحلف مع الشاهد فيه قولان أحدهما أنه لا ترد لانها كانت فى جنبته وقد أسقطها وصارت فى جنبة غيره فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين فردت إلى المدعى فنكل فإنها لا ترد على المدعى عليه والقول الثانى وهو الصحيح أنها ترد لان هذه اليمين غير الأولى لان سبب الأولى قوة جنبة المدعى بالشاهد وسبب الثانية قوة جنبته بنكول المدعى عليه واليمين الأولى لا يحكم بها إلا فى المال وما يقصد به المال والثانية يقضى بها فى جميع الحقوق التى تسمع فيها الدعوى فلم يكن سقوط إحداهما موجبا لسقوط الأخرى فإن قلنا إنها لا ترد حبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر لانه تعين عليه ذلك وإن قلنا إنها ترد حلف مع الشاهد واستحق فصل فى وإن كانت الدعوى فى موضع لا يمكن رد اليمين على المدعى بأن ادعى على رجل دينا ومات المدعى ولا وارث له غير المسلمين وأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين ففيه وجهان ذكرهما أبو سعيد الإصطخرى أحدهما أنه يقضى بنكوله لانه لا يمكن رد اليمين على الحاكم لانه لا يجوز أن يحلف عن المسلمين لان اليمين لا تدخلها النيابة ولا يمكن ردها على المسلمين لانهم لا يتعينون فقضى بالنكول لموضع الضرورة والثانى وهو المذهب أنه يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر لان الرد لا يمكن لما ذكرناه والقضاء بالنكول لا يجوز لما قدمناه لانه إما أن يكون صادقا فى إنكاره فلا ضرر عليه فى اليمين أو كاذبا فيلزمه الإقرار وإن ادعى وصى دينا لطفل فى حجره على رجل وأنكر الرجل ونكل عن اليمين وقف إلى أن يبلغ الطفل فيحلف لانه لا يمكن رد اليمين على الوصى لان اليمين لا تدخلها النيابة ولا على الطفل فى الحال لانه لا يصح يمينه فوجب التوقف إلى أن يبلغ فصل فى وإن كان للمدعى بينة عادلة قدمت على يمين المدعى عليه لانها حجة لا تهمة فيها لانها من جهة غيره واليمين حجة يتهم فيها لانها من جهته ولا يجوز سماع البينة ولا الحكم بها إلا بمسألة المدعى لانه حق له فلا يستوفى إلا بإذنه فإن قال المدعى عليه أحلفوه أنه يستحق ما شهدت به البينة لم يحلف لان فى ذلك طعنا فى البينة العادلة وإن قال أبرأنى منه فحلفوه أنه لم يبرئنى منه أو قضيته فحلفوه أنى لم أقضه حلف لانه ليس فى ذلك قدح فى البينة وما يدعيه محتمل فحلف عليه وإن كانت البينة غير عادلة قال له القاضى زدنى فى شهودك وإن قال المدعى لي بينة غائبة وطلب يمين المدعى عليه أحلف لان الغائبة كالمعدومة لتعذر إقامتها فإن حلف المدعى عليه ثم حضرت البينة وطلب سماعها والحكم بها وجب سماعها والحكم بها لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة ولان البينة كالإقرار ثم يجب الحكم بالإقرار بعد اليمين فكذلك بالبينة
وإن قال لي بينة حاضرة ولكنى أريد أن أحلفه حلف لانه قد يكون له غرض فى إحلافه بأن يتورع عن اليمين فيقر وإثبات الحق بالإقرار أقوى وأسهل من إثباته بالبينة وإن قال ليس لي بينة حاضرة ولا غائبة أو قال كل بينة تشهد لي فهى كاذبة وطلب إحلافه فحلف ثم أقام البينة على الحق ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنها لا تسمع لانه كذبها بقوله والثانى أنه إن كان هو الذى استوثق بالبينة لم تسمع لانه كذبها وإن كان غيره المستوثق بالبينة سمعت لانه لم يعلم بالبينة فرجع قوله لا بينة لى إلى ما عنده والثالث أنها تسمع بكل حال وهو الصحيح لانه يجوز أن يكون ما علم وإن علم فلعله نسى فرجع قوله لا بينة لى إلى ما يعتقده فصل فى وإن قال المدعى لى بينة بالحق لم يجز له ملازمة الخصم قبل حضورها لقوله صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك وإن شهد ( له ) شاهدان عدلان عند الحاكم وهو لا يعلم أن له دفع البينة بالجرح قال له قد شهد عليك فلان وفلان وقد ثبتت عدالتهما عندى وقد أطردتك جرحهما وإن كان يعلم فله أن يقول وله أن يسكت فإن قال المشهود عليه لى بينة بجرحهما نظر فإن لم يأت بها حكم عليه لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال فى كتابه إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهى إليه فإن أحضر بينته أخذت له حقه وإلا استحللت عليه القضية فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى ولا ينظر أكثر من ثلاثة أيام لانه كثير وفيه إضرار بالمدعى وإن قال لى بينة بالقضاء أو الإبراء أمهل ثلاثة أيام فإن لم يأت بها حلف المدعى أنه لم يقضه ولم يبرئه ثم يقضى ( له ) لما ذكرناه وله أن يلازمه إلى أن يقيم البينة بالجرح أو القضاء لان الحق قد ثبت له فى الظاهر وإن شهد له شاهدان ولم تثبت عدالتهما فى الباطن فسأل المدعى أن يحبس الخصم إلى أن يسأل عن عدالة الشهود ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى إسحاق وهو ظاهر المذهب أنه يحبس لان الظاهر العدالة وعدم الفسق والثانى وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه لا يحبس لان الأصل براءة ذمته وإن شهد له شاهد واحد وسأل أن يحبسه إلى أن يأتى بشاهد آخر ففيه قولان أحدهما أنه يحبس كما يحبس إذا جهل عدالة الشهود والثانى أنه لا يحبس وهو الصحيح لانه لم يأت بتمام البينة ويخالف إذا جهل عدالتهم لان البينة تم عددها والظاهر عدالتها وقال أبو إسحاق إن كان الحق مما يقضى فيه بالشاهد واليمين حبس قولا واحدا لان الشاهد الواحد حجة فيه لانه يحلف معه فصل فى وإذا علم القاضى عدالة الشاهد أو فسقه عمل بعلمه فى قبوله ورده وإن علم حال المحكوم فيه نظرت فإن كان ذلك فى حق الآدمى ففيه قولان أحدهما أنه لا يجوز أن يحكم فيه بعلمه لقوله عليه الصلاة السلام للحضرمى شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ولانه لو كان علمه كشهادة اثنين لانعقد النكاح به وحده والثانى وهو الصحيح وهو اختيار المزنى رحمه الله أنه يجوز أن يحكم بعلمه لما روى أبو سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع أحدكم هيبة الناس أن يقول فى حق إذا رآه أو ( علمه ) أو سمعه ولانه إذا جاز أن يحكم بما شهد به الشهود وهو من قولهم على ظن فلان يجوز أن يحكم بما سمعه أو رآه وهو على علم أولى وإن كان ذلك فى حق الله تعالى ففيه طريقان أحدهما وهو قول أبى العباس وأبى على بن أبى هريرة أنها على قولين كحقوق الآدميين والثانى وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يجوز أن يحكم فيه بعلمه قولا واحدا لما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندى
ولانه مندوب إلى ستره ودرئه والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم هلا سترته بثوبك يا هزال فلم يجز الحكم فيه بعلمه فصل فى وإن سكت المدعى عليه ولم يقر ولم ينكر قال له الحاكم إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا والمستحب أن يقول له ذلك ثلاثا فإن لم يجب جعله ناكلا وحلف المدعى وقضى له لانه لا يخلو إذا أجاب من أن يقر أو ينكر فإن أقر فقد قضى عليه بما يجب على المقر وإن أنكر فقد وصل إنكاره بالنكول عن اليمين فقضينا عليه بما يجب على المنكر إذا نكل عن اليمين فصل فى وإذا تحاكم إلى الحاكم أعجمى لا يعرف لسانه لم يقبل فى الترجمة إلا عدلين لانه إثبات قول يقف الحكم عليه فلم يقبل إلا من عدلين كالإقرار وإن كان الحق مما يثبت بالشاهد والمرأتين قبل ذلك فى الترجمة وإن كان مما لا يقبل فيه إلا ذكرين لم يقبل فى الترجمة إلا ذكرين فإن كان إقرارا بالزنا ففيه قولان أحدهما أنه يثبت بشاهدين والثانى أنه لا يثبت إلا بأربعة فصل فى وإن حضر رجل عند القاضى وادعى على غائب عن البلد أو على حاضر فهرب أو على حاضر فى البلد استتر وتعذر إحضاره فإن لم يكن معه بينة لم يسمع دعواه لان استماعها لا يفيد وإن كانت معه بينة سمع دعواه وسمعت بينته لانا لو لم نسمع جعلت الغيبة والاستتار طريقا إلى إسقاط الحقوق التى نصب الحاكم لحفظها ولا يحكم عليه إلا أن يحلف المدعى أنه لم يبرىء من الحق لانه يجوز أن يكون قد حدث بعد ثبوته بالبينة إبراء أو قضاء أو حوالة ولهذا لو حضر من عليه الحق وادعى البراءة بشيء من ذلك سمعت دعواه وحلف عليه المدعى فإذا تعذر حضوره وجب على الحاكم أن يحتاط له ويحلف عليه المدعى وإن ادعى على حاضر فى البلد يمكن إحضاره ففيه وجهان أحدهما أنه تسمع الدعوى والبينة ويقضى بها بعد ما يحلف المدعى لانه غائب عن مجلس الحكم فجاز القضاء عليه كالغائب عن البلد والمستتر فى البلد والثانى أنه لا يجوز سماع البينة عليه ولا الحكم وهو المذهب لانه يمكن سؤاله فلا يجوز القضاء عليه قبل السؤال كالحاضر فى مجلس الحكم وإن ادعى على ميت سمعت البينة وقضى عليه فإن كان له وارث كان إحلاف المدعى إليه وإن لم يكن له وارث فعلى الحاكم أن يحلفه ثم يقضى له وإن كان على صبى سمعت البينة وقضى عليه بعدما يحلف المدعى لانه تعذر الرجوع إلى جوابه فقضى عليه مع يمين المدعى كالغائب والمستتر وإن حكم على الغائب ثم قدم أو على الصبى ثم بلغ كان على حجته فى القدح فى البينة والمعارضة ببينة يقيمها على القضاء أو الإبراء فصل ويجوز للقاضى أن يكتب إلى القاضى فيما ثبت عنده ليحكم به ويجوز أن يكتب إليه فيما حكم به لينفذه لما روى الضحاك ابن قيس قال كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها ولان الحاجة تدعو إلى كتاب القاضى إلى القاضى فيما ثبت عنده ليحكم به وفيما حكم به لينفذه فإن كان الكتاب فيما حكم به جاز قبول ذلك فى المسافة القريبة والبعيدة لان ما حكم به يلزم كل أحد إمضاؤه وإن كان فيما ثبت عنده لم يجز قبوله إذا كان بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة لان القاضى الكاتب فيما حمل شهود الكتاب كشاهد الأصل والشهود الذين يشهدون بما فى الكتاب كشهود الفرع وشاهد الفرع لا يقبل مع قرب شاهد الأصل فصل فى ولا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به شاهدان وقال أبو ثور يقبل من غير شهادة لان النبى صلى الله عليه وسلم كان يكتب ويعمل بكتبه من غير شهادة
وقال أبو سعيد الإصطخرى إذا عرف المكتوب إليه خط القاضى الكاتب وختمه جاز قبوله وهذا خطأ لان الخط يشبه الخط والختم يشبه الختم فلا يؤمن أن يزور على الخط والختم وإذا أراد إنفاذ الكتاب أحضر شاهدين ويقرأ الكتاب عليهما أو يقرأ غيره وهو يسمعه والمستحب أن ينظر الشاهدان فى الكتاب حتى لا يحذف منه شيء وإن لم ينظرا جاز لانهما يؤديان ما سمعا وإذا وصلا إلى القاضى المكتوب إليه قرآ الكتاب عليه وقالا نشهد أن هذا الكتاب كتاب فلان إليك وسمعناه وأشهدنا أنه كتب إليك بما فيه وإن لم يقرآ الكتاب ولكنهما سلماه إليه وقالا نشهد أنه كتب إليك بهذا لم يجز لانه ربما زور الكتاب عليهما وإن انكسر ختم الكتاب لم يضر لان المعول على ما فيه وإن محى بعضه فإن كانا يحفظان ما فيه أو معهما نسخة أخرى شهدا وإن لم يحفظاه ولا معهما نسخة أخرى لم يشهدا لانهما لا يعلمان ما محى منه فصل فى وإن مات القاضى الكاتب أو عزل جاز للمكتوب إليه قبول الكتاب والعمل به لانه إن كان الكتاب بما حكم به وجب على كل من بلغه أن ينفذه فى كل حال وإن كان الكتاب بما ثبت عنده فالكاتب كشاهد الأصل وشهود الكتاب كشاهد الفرع وموت شاهد الأصل لا يمنع من قبول شهادة شهود الفرع وإن فسق الكاتب ثم وصل كتابه فإن كان ذلك فيما حكم به لم يؤثر فسقه لان الحكم لا يبطل بالفسق الحادث بعده وإن كان فيما ثبت عنده لم يجز الحكم به لانه كشاهد الأصل وشاهد الأصل إذا فسق قبل الحكم لم يحكم بشهادة شاهد الفرع وإن مات القاضى المكتوب إليه أو عزل أو ولى غيره قبل الكتاب لان المعول على ما حفظه شهود الكتاب وتحملوه ومن تحمل شهادة وجب على كل قاض أن يحكم بشهادته فصل فإن وصل الكتاب إلى المكتوب إليه فحضر الخصم وقال لست فلان بن فلان فالقول قوله مع يمينه لان الأصل أنه لا مطالبة عليه فإن أقام المدعى بينة أنه فلان بن فلان فقال أنا فلان بن فلان إلا أنى غير المحكوم عليه لم يقبل قوله إلا أن يقيم البينة لأن له من يشاركه فى جميع ما وصف به لان الأصل عدم من يشاركه فلم يقبل قوله من غير بينة وإن أقام بينة أن له من يشاركه فى جميع ما وصف به توقف عن الحكم حتى يعرف من المحكوم عليه منهما وإذا حكم المكتوب إليه على المدعى عليه بالحق فقال المحكوم عليه اكتب إلى الحاكم الكاتب أنك حكمت على حتى لا يدعى على ثانيا ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى رحمه الله أنه يلزمه لانه لا يأمن أن يدعي ( عليه ) ثانيا ويقيم عليه البينة فيقضى عليه ثانيا والثانى أنه لا يلزمه لان الحاكم إنما يكتب ما حكم به أو ثبت عنده والكاتب هو الذى حكم أو ثبت عنده دون المكتوب إليه فصل إذا ثبت عند القاضى حق بالإقرار فسأله المقر له أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده من الإقرار لزمه ذلك لانه لا يؤمن أن ينكر المقر فلزمه الإشهاد ليكون حجة له إذا أنكر وإن ثبت عنده الحق بيمين المدعى بعد نكول المدعى عليه فسأله المدعى أن يشهد على نفسه لزمه لانه لا حجة للمدعى غير الإشهاد وإن ثبت عنده الحق بالبينة فسأله المدعى الإشهاد ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجب لان له بالحق بينة فلم يلزم القاضى تجديد بينة أخرى والثانى أنه يلزمه لان فى إشهاده على نفسه تعديلا لبينته وإثباتا لحقه وإلزاما لخصمه فإن ادعى عليه حقا فأنكره وحلف عليه وسأله الحالف أن يشهد على براءته لزمه ليكون حجة له فى سقوط الدعوى حتى لا يطالبه بالحق مرة أخرى
وإن سأله أن يكتب له محضرا فى هذه المسائل كلها وهو أن يكتب ما جرى وما ثبت به الحق فإن لم يكن عنده قرطاس من بيت المال ولم يأته المحكوم له بقرطاس لم يلزمه أن يكتب لان عليه أن يكتب وليس عليه أن يغرم وإن كان عنده قرطاس من بيت المال أو أتاه صاحب الحق بقرطاس فهل يلزمه أن يكتب المحضر فيه وجهان أحدهما أنه يلزمه لانه وثيقة بالحق فلزمه كالإشهاد على نفسه والثانى أنه لا يلزمه لان الحق يثبت باليمين أو بالبينة دون المحضر وإن سأله أن يسجل له وهو أن يذكر ما يكتبه فى المحضر ويشهد على إنفاذه ويسجل له فهل يلزم ذلك أم لا على ما ذكرناه فى كتب المحضر وما يكتب من المحاضر والسجلات يكتب فى نسختين إحداهما تسلم إلى المحكوم له والأخرى تكون فى ديوان الحكم فإن حضر عند القاضى رجلان لا يعرفهما وحكم بينهما ثم سأل المحكوم له كتب ( محضر أو سجل ) كتب حضر إلى رجلان قال أحدهما إنه فلان بن فلان وقال الآخر أنه فلان بن فلان ويخليهما ويذكر ما جرى بينهما ويشهد على ذلك فصل وإن اجتمعت عنده محاضر وسجلات كتب على ( كل ) محضر اسم المتداعيين ويضم ما اجتمع منها فى كل شهر أو فى كل سنة على قدر قلتها وكثرتها وضم بعضها إلى بعض ويكتب عليها محاضر شهر كذا وكذا من سنة كذا ليسهل عليه طلبته إذا احتاج إليه وإن حضر رجلان عند القاضى فادعى أحدهما أن له فى ديوان الحكم حجة على خصمه فوجدها فإن كان حكما حكم به غيره لم يعمل به إلا أن يشهد به شاهدان أن هذا حكم به فلان القاضى ولا يرجع فى ذلك إلى الخط والختم فإنه يحتمل التزوير فى الخط والختم وإن كان حكما حكم هو به فإن كان ذاكرا للحكم به عالما به عمل به وألزم الخصم حكمه وإن كان غير ذاكر لم يعمل به لانه يجوز أن يكون قد زور على خطه وختمه وإن شهد اثنان عليه أنه حكم به لم يرجع إلى شهادتهما لانه يشك فى فعله فلا يرجع فيه إلى قول غيره كما لو شك فى فرض من فروض صلاته فإن شهد الشاهدان على حكمه عند حاكم آخر أنفذ ما شهدا به فإن شهد شاهدان أن الأول توقف فى شهادتهما لم يجز للثانى أن ينفذ الحكم الذى شهدا به لان الشهود فرع للحاكم الأول فإذا توقف الأصل لم يجز الحكم بشهادة الفرع كما لو شهد شاهدان على شهادة شاهد الأصل ثم شهد شاهدان أن شاهد الأصل توقف فى الشهادة فصل إذا اتضح الحكم للقاضى بين الخصمين فالمستحب أن يأمرهما بالصلح فإن لم يفعلا لم يجز تردادهما لان الحكم لازم فلا يجوز تأخيره من غير رضا من له الحكم فصل إذا قال القاضى حكمت لفلان بكذا قبل قوله لانه يملك الحكم فقبل الإقرار به كالزوج لما ملك الطلاق قبل إقراره به وإن عزل ثم قال حكمت لفلان بكذا لم يقبل إقراره لانه لا يملك الحكم فلم يملك الإقرار به وهل يكون شاهدا فى ذلك فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه يكون شاهدا لانه ليس فيه أكثر من أنه يشهد على فعل نفسه وذلك لا يوجب ( رد ) شهادته كما لو قالت امرأة أرضعت هذا الصبى والثانى وهو المذهب أنه لا يكون شاهدا لان شهادته بالحكم تثبت لنفسه العدالة لان الحكم لا يكون إلا من عدل فتلحقه التهمة فى هذه الشهادة فلم تقبل ويخالف المرضعة لان شهادتها بالرضاع لا تثبت عدالة نفسها لان الرضاع يصح من غير عدل ولان المغلب فى الرضاع فعل المرتضع ولهذا يصح به دونها والمغلب فى الحكم فعل الحاكم فيكون شهادته على فعله فلم يقبل وبالله التوفيق باب القسمة
تجوز قسمة الأموال المشتركة لقوله عز وجل وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ولان النبى صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بشعب يقال له الصفراء وقسم غنائم خيبر على ثمانية عشر بينهما وقسم غنائم حنين بأوطاس وقيل بالجعرانة ولان بالشركاء حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد منهم من التصرف فى ماله على الكمال ويتخلص من كثرة الأيدى وسوء المشاركة فصل ويجوز لهم أن يتقاسموا بأنفسهم ويجوز أن ينصبوا من يقسم بينهم ويجوز أن يرفعوا إلى الحاكم لينصب من نفسهم بينهم ويجب أن يكون القاسم عالما بالقسمة ليوصل كل واحد منهم إلى حقه كما يجب أن يكون الحاكم عالما ليحكم بينهم بالحق فإن كان القاسم من جهة الحاكم لم يجز أن يكون فاسقا ولا عبدا لانه نصبه لالزام الحكم فلم يجز أن يكون فاسقا ولا عبدا كالحاكم فإن لم يكن فيها تقويم جاز قاسم واحد وإن كان فيها تقويم لم يجز أقل من اثنين لان التقويم لا يثبت إلا باثنين وإن كان فيها خرص ففيه قولان أحدهما أنه يجوز أن يكون الخارص واحدا والثانى أنه يجب أن يكون الخارص اثنين فصل فإن كان القاسم نصبه الحاكم كانت أجرته من سهم المصالح لما روى أن عليا رضى الله عنه أعطى القاسم من بيت المال ولانه من المصالح ( فكانت أجرته من سهم المصالح ) فإن لم يكن فى بيت المال شيء وجبت على الشركاء على قدر أملاكهم لانه مؤنة تجب لمال مشترك فكانت على قدر الملك كنفقة العبيد والبهائم المشتركة وإن كان القاسم نصبه الشركاء جاز أن يكون فاسقا وعبدا لانه وكيل لهم وتجب أجرته عليهم على ما شرطوا لانه أجير لهم فصل وإن كان فى القسمة رد فهو بيع لان صاحب الرد بذل المال فى مقابلة ما حصل له من حق شريكه ( عوضا ) وإن لم يكن فيها رد ففيه قولان أحدهما أنها بيع لان كل جزء من المال مشترك بينهما فإذا أخذ نصف الجميع فقد باع حقه بما حصل له من حق صاحبه والقول الثانى أنها فرز النصيبين وتمييز الحقين لانها لو كانت بيعا لم يجز تعليقه على ما تخرجه القرعة ولانها لو كانت بيعا لافتقرت إلى لفظ التمليك ولثبتت فيها الشفعة ولما تقدر بقدر حقه كسائر البيوع فإن قلنا إنها بيع لم يجز فيما لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعسل الذى انعقدت أجزاؤه بالنار وإن قلنا إنها فرز النصيبين جاز وإن قسم الحبوب والأدهان فإن قلنا إنها بيع لم يجز أن يتفرقا من غير قبض ولم يجز قسمتها إلا بالكيل كما لا يجوز فى البيع وإن قلنا إنها فرز النصيبين لم يحرم التفرق فيها قبل التقابض ويجوز قسمتها بالكيل والوزن وإن كانت بينهما ثمرة على شجرة فإن قلنا إن القسمة بيع لم تجز قسمتها خرصا كما لا يجوز بيع بعضها ببعض خرصا وإن قلنا إنها تمييز الحقين فإن كانت ثمرة غير الكرم والنخل لم تجز قسمتها لانها لا يصح فيها الخرص وإن كانت ثمرة النخل والكرم جاز لانه يجوز خرصها للفقراء فى الزكاة فجاز للشركاء فصل وإن وقف على قوم نصف أرض وأراد أهل الوقف أن يقاسموا صاحب الطلق فإن قلنا إن القسمة بيع لم يصح وإن قلنا إنها تمييز الحقين نظرت فإن لم يكن فيها رد صحت وإن كان فيها رد فإن كان من أهل الوقف جاز لانهم يتنازعون الطلق وإن كان من أصحاب الطلق لم يجز لانهم يتنازعون الوقف فصل وإن طلب أحد الشريكين القسمة وامتنع الآخر نظرت فإن لم يكن على واحد منهم ضرر فى القسمة كالحبوب والأدهان والثياب الغليظة وما تساوت أجزاؤه من الأرض والدور أجبر الممتنع لان الطالب يريد أن ينتفع بماله على الكمال وأن يتخلص من سوء المشاركة من غير إضرار بأحد فوجبت إجابته إلى ما طلب
وإن كان عليهما ضرر كالجواجر والثياب المرتفعة التى تنقص قيمتها بالقطع والرحى الواحدة والبئر والحمام الصغير لم يجبر الممتنع لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال ولانه إتلاف مال وسفه يستحق بها الحجر فلم يجبر عليه وإن كان على أحدهما ضرر دون الآخر نظرت فإن كان الضرر على الممتنع أجبر عليها وقال أبو ثور رحمه الله لا يجبر لانها قسمة فيها ضرر فلم يجبر عليها كما لو دخل الضرر عليهما وهذا خطأ لانه يطلب حقا له فيه منفعة فوجبت الإجابة إليه وإن كان على المطلوب منه ضرر كما لو كان له دين على رجل لا يملك إلا ما يقضى به دينه وإن كان الضرر على الطالب دون الآخر ففيه وجهان أحدهما أنه يجبر لانه قسمة لا ضرر فيها على أحدهما فأجبر الممتنع كما لو كان الضرر على الممتنع دون الطالب والثانى أنه لا يجبر وهو الصحيح لانه يطلب مالا يستضر به فلم يجبر الممتنع ويخالف إذا لم يكن على الطالب ضرر لانه يطلب ما ينتفع به وهذا يطلب ما يستضر به وذلك سفه فلم يجبر الممتنع فصل وإن كان بينهما دور أو أراض مختلفة فى بعضها نخل وفى بعضها شجر أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها يسقى بالناضح وطلب أحدهما أن يقسم بينهما أعيانا بالقيمة وطلب الآخر قسمة كل عين قسم كل عين لان كل واحد منهما له حق فى الجميع فجاز له أن يطالب بحقه فى الجميع وإن كان بينهما عضائد متلاصقة وأراد أحدهما أن يقسم أعيانا وطلب الآخر أن يقسم كل واحد منها على الانفراد ففيه وجهان أحدهما أنها تقسم أعيانا كالدار الواحدة إذا كان فيها بيوت والثانى أنه يقسم كل واحدة منها لان كل واحدة على الانفراد فقسم كل واحد منها كالدور المتفرقة فصل فإن كان بينهما دار وطلب أحدهما أن تقسم فيجعل العلو لاحدهما والسفل للآخر وامتنع الآخر لم يجبر الممتنع لان العلو تابع للعرصة فى القسمة ولهذا لو كان بينهما عرصة وطلب أحدهما القسمة وجبت القسمة ولو كان بينهما غرفة فطلب أحدهما القسمة لم يجب ولا يجوز أن يجعل التابع فى القسمة متبوعا فصل وإن كان بين ملكهما عرصة حائط فأراد أن تقسم طولا فيجعل لكل واحد منهما نصف الطول فى كمال العرض واتفقا عليه جاز وإن طلب أحدهما ذلك وامتنع الآخر أجبر عليها لانه لا ضرر فيها وإن أراد قسمتها عرضا فى كمال الطول واتفقا عليه جاز وإن طلب أحدهما وامتنع الآخر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجبر لانه لا تدخله القرعة لانه إذا أقرع بينهما ربما صار بها مال كل واحد منهما إلى ناحية ملك الآخر ولا ينتفع به وكل قسمة لا تدخلها القرعة لا يجبر عليها كالقسمة التى فيها رد والثانى وهو الصحيح أنه يجبر عليها لانه ملك مشترك يمكن كل واحد من الشريكين أن ينتفع بحصته إذا قسم فأجبر على القسمة كما لو أرادا أن يقسماها طولا فإن كان بينهما حائط فأرادا قسمته نظرت فإن أرادا قسمته طولا فى كمال العرض واتفقا عليه جاز وإن أراد ذلك واحد وامتنع الآخر ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجبر لانه لا بد من قطع الحائط وفى ذلك إتلاف والثانى أنه يجبر وهو الصحيح لانه تمكن قسمته على وجه ينتفعان به فأجبرا عليها كالعرصة فإن أرادا قسمته عرضا فى كمال الطول واتفقا عليها جاز وإن طلب أحدهما وامتنع الآخر لم يجبر لان ذلك إتلاف وإفساد فصل وإن كان بينهما أرض مختلفة الأجزاء بعضها عامر وبعضها خراب أو بعضها قوى وبعضها ضعيف أو بعضها شجر أو بناء وبعضها بياض أو بعضها يسقى بالسيج وبعضها بالناضح
نظرت فإن أمكن التسوية بين الشريكين فى جيده ورديئه بأن يكون الجيد فى مقدمها والردىء فى مؤخرها فإذا قسمت بينهما نصفين صار إلى كل واحد منهما من الجيد واللردىء مثل ما صار إلى الآخر من الجيد والردىء فطلب أحدهما هذه القسمة أجبر الآخر عليها لانها كالأرض المتساوية الأجزاء فى إمكان التسوية بينهما فيها وإن لم تمكن التسوية بينهما فى الجيد والردىء بأن كانت العمارة أو الشجر أو البناء فى أحد النصفين دون الآخر نظرت فإذا أمكن أن يقسم قسمة تعديل بالقيمة بأن تكون الأرض ثلاثين جريبا وتكون عشرة أجربة من جيدها بقيمة عشرين جريبا من رديئها فدعا إلى ذلك أحد الشريكين وامتنع الآخر ففيه قولان أحدهما أنه لا يجبر الممتنع لتعذر التساوى فى الزرع وتوقف القسمة إلى أن يتراضيا والقول الثانى أنه يجبر لوجود التساوى بالتعديل فعلى هذا فى أجرة القسام وجهان أحدهما أنه يجب على كل واحد منهما نصف الأجرة لانهما يتساويان فى أصل الملك والثانى أنه يجب على صاحب العشرة ثلث الأجرة وعلى صاحب العشرين ثلثاها لتفاضلها فى المأخوذ بالقسمة وإن أمكن قسمته بالتعديل وقسمة الرد فدعا أحدهما إلى قسمة التعديل ودعا الآخر إلى قسمة الرد فإن قلنا إن قسمة التعديل يجبر عليها فالقول قول من دعا إليها لان ذلك مستحق وإن قلنا لا يجبر وقف إلى أن يتراضيا على إحداهما فصل وإن كانت بينهما أرض مزروعة وطلب أحدهما قسمة الأرض دون الزرع وجبت القسمة لان الزرع لا يمنع القسمة فى الأرض فلم يمنع وجوبها كالقماش فى الدار وإن طلب أحدهما قسمة الأرض والزرع لم يجبر لان الزرع لا يمكن تعديله فإن تراضيا على ذلك فإن كان بذرا لم يجز قسمته لانه مجهول وإن كان قد ظهر فإن كان مما لا ربا فيه كالقصيل والقطن حاز لانه معلوم مشاهد وإن كان قد انعقد فيه الحب لم يجز لانا إن قلنا إن القسمة بيع لم يجز لانه بيع أرض وطعام بأرض وطعام ولانه قسمة مجهول ومعلوم وإن قلنا إن القسمة فرز النصيبين لم يجز لانه قسمة مجهول ومعلوم فصل فى وإن كان بينهما عبيد أو ماشية أو أخشاب أو ثياب فطلب أحدهما قسمتها أعيانا وامتنع الآخر فإن كانت متفاضلة لم يجبر الممتنع وإن كانت متماثلة ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى العباس وأبى إسحاق وأبى سعيد الإصطخرى أنه يجبر الممتنع وهو ظاهر المذهب لانها متماثلة والثانى وهو قول أبى على بن خيران وأبى على بن أبى هريرة أنه لا يجبر الممتنع لانها أعيان مختلفة فلم يجبر على قسمتها أعيانا كالدور المتفرقة فصل وإن كان بينهما منافع فأراد قسمتها مهايأة وهو أن تكون العين فى يد أحدهما مدة ثم فى يد الآخر مثل تلك المدة جاز لان المنافع كالأعيان فجاز قسمتها كالأعيان وإن طلب أحدهما وامتنع الآخر لم يجبر الممتنع ومن أصحابنا من حكى فيه وجها آخر أنه يجبر كما يجبر على قسمة الأعيان والصحيح أنه لا يجبر لان حق كل واحد منهما تعجل فلا يجبر على تأخيره بالمهايأة ويخالف الأعيان فإنه لا يتأخر بالقسمة حق كل واحد فإذا عقدا على مدة اختص كل واحد منهما بمنفعة تلك المدة وإن كان يحتاج إلى النفقة كالعبد والبهيمة كانت نفقته على من يستوفى منفعته وإن كسب العبد كسبا معتادا فى مدة أحدهما كان لمن هو فى مدته وهل تدخل فيها الأكساب النادرة كاللقطة والركاز والهبة والوصية فيه قولان أحدهما أنها تدخل فيها لانها كسب فأشبه المعتاد والثانى أنها لا تدخل فيها لان المهايأة بيع لانه يبيع حقه من الكسب فى أحد اليومين بحقه فى اليوم الآخر والبيع لا يدخل فيه إلا ما يقدر ( على تسليمه ) فى العادة والنادر لا يقدر على تسليمه فى العادة فلم يدخل فيه فعلى هذا يكون بينهما فصل وينبغى للقاسم أن يحصى عدد أهل السهام ويعدل السهام بالأجزاء أو بالقيمة أو بالرد فإن تساوى عددهم وسهامهم كثلاثة بينهم أرض أثلاثا فله أن يكتب الأسماء ويخرج على السهام وله أن يكتب السهام ويخرج على الأسماء
فإن كتب الأسماء كتبها فى ثلاث رقاع فى كل رقعة اسم واحد من الشركاء ثم يأمر من لم يحضر كتب الرقاع والبندقة أن يخرج رقعة على السهم الأول فمن خرج اسمه أخذه ثم يخرج على السهم الثانى فمن خرج اسمه أخذه وتعين السهم الثالث للشريك الثالث فإن كتب السهام كتب فى ثلاث رقاع فى رقعة السهم الأول وفى رقعة السهم الثانى وفى رقعة السهم الثالث ثم يأمر بإخراج رقعة على اسم أحد الشركاء فأى سهم خرج أخذه ثم يأمر بإخراج رقعة على اسم آخر فأى سهم خرج أخذه الثانى ثم يتعين السهم الباقى للشريك الثالث وإن اختلفت سهامهم فإن كان لواحد السدس وللآخر الثلث وللثالث النصف قسمها على أقل السهام وهو السدس فيجعلها أسداسا ويكتب الأسماء ويخرج على السهام فيأمر أن يخرج على السهم الأول فإن خرج اسم صاحب السدس أخذه ثم يخرج ( على ) السهم الثانى فإن خرج اسم صاحب الثلث أخذ ( الثانى ) والذى يليه لان له سهمين وتعين الباقى لصاحب النصف وإن خرجت الأولى ( على ) اسم صاحب النصف أخذ السهم الأول واللذين يليانه وهو الثانى والثالث ثم يخرج على السهم الرابع فإن خرج اسم صاحب الثلث أخذه والسهم الذى يليه وهو الخامس وتعين السهم السادس لصاحب السدس وإنما قلنا إنه يأخذ مع الذى يليه لينتفع بما يأخذه ولا يستضر به ولا يخرج فى هذا القسم السهام على الأسماء لانا لو فعلنا ذلك ربما خرج السهم الرابع لصاحب النصف فيقول آخذه وسهمين قبله ويقول الآخران بل نأخذه وسهمين بعده فيؤدى إلى الخلاف والخصومة فصل فى وإذا ترافع الشريكان إلى الحاكم وسألاه أن ينصب من يقسم بينهما فقسم قسمة إجبار لم يعتبر تراضى الشركاء لانه لما لم يعتبر التراضى فى ابتداء القسمة لم يعتبر بعد خروج القرعة فإن نصب الشريكان قاسما فقسم بينهما فالمنصوص أنه يعتبر التراضى فى ابتداء القسمة وبعد خروج القرعة وقال فى رجلين حكما رجلا ليحكم بينهما ففيه قولان أحدهما أنه يلزم الحكم ولا يعتبر رضاهما والثانى أنه لا يلزم الحكم إلا برضاهما والقاسم ههنا بمنزلة هذا الحاكم لانه نصبه الشريكان فيكون على قولين أحدهما وهو المنصوص أنه يعتبر الرضى بعد خروج القرعة لانه لما اعتبر الرضى فى الابتداء اعتبر بعد خروج القرعة والثانى أنه لا يعتبر لان القاسم مجتهد فى تعديل السهام والإقراع فلم يعتبر الرضى بعد حكمه كالحاكم وإن كان فى القسمة رد وخرجت القرعة لم تلزم إلا بالتراضى وقال أبو سعيد الإصطخرى تلزم من غير تراض كقسمة الإجبار وهذا خطأ لان فى قسمة الإجبار لا يعتبر الرضى فى الابتداء وههنا يعتبر فاعتبر بعد القرعة فصل فى إذا تقاسما أرضا ثم ادعى أحدهما غلطا فإن كان فى قسمة إجبار لم يقبل قوله من غير بينة لان القاسم كالحاكم فلم تقبل دعوى الغلط عليه من غير بينة كالحاكم فإن أقام البينة على الغلط نقضت القسمة وإن كان فى قسمة اختيار نظرت فإن تقاسما بأنفسهما من غير قاسم لم يقبل قوله لانه رضى بأخذ حقه ناقصا وإن أقام بينة لم تقبل لجواز أن يكون قد رضى دون حقه ناقصا وإن قسم بينهما قاسم نصباه فإن قلنا إنه يفتقر إلى التراضى بعد خروج القرعة لم تقبل دعواه لانه رضى بأخذ الحق ناقصا وإن قلنا إنه لا يفتقر إلى التراضى بعد خروج القرعة فهو كقسمة الإجبار فلا يقبل قوله إلا ببينة فإن كان فى القسمة رد لم يقبل قوله على المذهب وعلى قول أبى سعيد الإصطخرى هو كقسمة الإجبار فلم يقبل قوله إلا ببينة فصل وإن تنازع الشريكان بعد القسمة فى بيت فى دار اقتسماها فادعى كل واحد منهما أنه فى سهمه ولم يكن له بينة تحالفا ونقضت القسمة كما قلنا فى المتبايعين وإن وجد أحدهما بما صار إليه عينا فله الفسخ كما قلنا فى البيع فصل إذا اقتسما أرضا ثم استحق مما صار لاحدهما شيء بعينه
نظرت فإن استحق مثله من نصيب الآخر أمضيت القسمة وإن لم يستحق من حصة الآخر مثله بطلت القسمة لان لمن استحق ذلك من حصته أن يرجع فى سهم شريكه وإذا استحق ذلك عادت الإشاعة وإذا استحق جزء مشاع بطلت القسمة فى المستحق وهل تبطل فى الباقى فيه وجهان أحدهما وهو قول أبى على بن أبى هريرة أنه يبنى على تفريق الصفقة فإن قلنا إن الصفقة لا تفرق بطلت القسمة فى الجميع وإن قلنا إنها تفرق صحت فى الباقى والثانى وهو قول أبى إسحاق أن القسمة تبطل فى الباقى قولا واحدا لان القصد من القسمة تمييز الحقين ولم يحصل ذلك لان المستحق صار شريكا لكل واحد منهما فبطلت القسمة فصل إذا قسم الوارثان التركة ثم ظهر دين على الميت فإنه يبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين وفيه وجهان ذكرناهما فى التفليس فإن قلنا إن القسمة تمييز الحقين لم تنقض القسمة وإن قلنا إنها بيع ففى نقضها وجهان والله أعلم باب الدعوى والبينات لا تصح دعوى مجهول فى غير الوصية لان القصد بالحكم فصل الحكومة والتزام الحق ولا يمكن ذلك فى المجهول فإن كان المدعى دينا ذكر الجنس والنوع والصفة وإن كان عينا باقية ذكر صفتها وإن ذكر قيمتها كان أحوط وإن كانت العين تالفة فإن كان لها مثل ذكر صفتها وإن ذكر القيمة كان أحوط وإن لم يكن لها مثل ذكر قيمته وإن كان المذعى سيفا محلى ( أو لجاما محلى ) فإن كان بفضة قومه بالذهب وإن كان بالذهب قومه بالفضة وإن كان محلى بالذهب والفضة قومه بما شاء منهما وإن كان المدعى مالا عن وصية جاز أن يدعى مجهولا لان بالوصية يملك المجهول ولا يلزم فى دعوى المال ذكر السبب الذى ملك به لان أسبابه كثيرة فيشق معرفة سبب كل درهم فيه وإن كان المدعى قتلا لزمه ذكر صفته وأنه عمد أو خطأ وأنه انفرد به أو شاركه فيه غيره ويذكر صفة العمد لان القتل لا يمكن تلا فيه فإذا لم يبين لم يؤمن أن يقتص فيما لا يجب فيه القصاص وإن كان المدعى نكاحا فقد قال الشافعى رحمه الله لا يسمع حتى يقول نكحتها بولى وشاهدين ورضاها فمن أصحابنا من قال لا يشترط لانه دعوى ملك فلا يشترط فيه ذكر السبب كدعوى المال وما قال الشافعى رحمه الله ذكره على سبيل الاستحباب كما قال فى امتحان الشهود إذا ارتاب بهم ومنهم من قال إن ذلك شرط لانه مبنى على الاحتياط وتتعلق العقوبة بجنسه فشرط فى دعواه ذكر الصفة كدعوى القتل ومنهم من قال إن كان يدعى ابتداء النكاح لزمه ذكره لانه شرط فى الابتداء وإن كان يدعى استدامة النكاح لم يشترط لانه ليس بشرط فى الاستدامة وإن ادعت امرأة على رجل نكاحا فإن كان مع النكاح حق تدعيه من مهر أو نفقة سمعت دعواها وإن لم تدع حقا سواه ففيه وجهان أحدهما أنه لا تسمع دعواها لان النكاح حق للزوج على المرأة فإذا ادعت المرأة كان ذلك إقرارا والإقرار لا يقبل مع إنكار المقر له كما لو أقرت له بدار والثانى أنه تسمع لان النكاح يتضمن حقوقا لها فصح دعواها فيه وإن كان المدعى بيعا أو إجارة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يفتقر إلى ذكر شروطه لان المقصود به المال فلم يفتقر إلى ذكر شروطه كدعوى المال والثانى أنه يفتقر إلى ذكر شروطه لانه دعوى عقد فافتقر إلى ذكر شروطه كالنكاح والثالث أنه إن كان فى غير الجارية لم يفتقر لانه لا يقصد به غير المال وإن كان فى جارية افتقر لانه يملك به الوطء فأشبه النكاح وما لزم ذكره فى الدعوى ولم يذكره سأله الحاكم عنه ليذكره فتصير الدعوى معلومة فيمكن الحكم بها فصل وإن ادعى عليه مالا مضافا إلى سببه
فإن ادعى عليه ألفا اقترضه أو أتلف عليه فقال ما أقرضنى أو ما أتلفت عليه صح الجواب لانه أجاب عما ادعى عليه وإن لم يتعرض لما ادعى عليه بل قال لا يستحق على شيئا صح الجواب ولا يكلف إنكار ما ادعى عليه من القرض أو الإتلاف لانه يجوز أن يكون قد أقرضه أو أتلف عليه ثم قضاه أو أبرأه منه فإن أنكره كان كاذبا فى إنكاره وإن أقر به لم يقبل قوله إنه قضاه أو أبرأ منه فيستضر به وإن أنكر الاستحقاق كان صادقا ولم يكن عليه ضرر فصل وإن ادعى على رجل دينا فى ذمته فأنكره ولم تكن بينة فالقول قوله مع يمينه لما روى ابن عباس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم لكن اليمين على المدعى عليه ولان الأصل براءة ذمته فجعل القول قوله وإن ادعى ( عليه ) عينا فى يده فأنكره ولا بينة فالقول قوله مع يمينه لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى قصة الحضرمى والكندى شاهداك أو يمينه ولان الظاهر من اليد الملك فقبل قوله وإن تداعيا عينا فى يدهما ولا بينة حلفا وجعل المدعى بينهما نصفين لما روى أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه أن رجلين تداعيا دابة ليس لاحدهما بينة فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ولان يد كل واحد منهما على نصفها فكان القول فيه قوله كما لو كانت العين فى يد أحدهما فصل وإن تداعيا عينا ولاحدهما بينة وهى فى يدهما أو فى يد أحدهما أو فى يد غيرهما حكم لمن له البينة لقوله صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه فبدأ بالحكم بالشهادة ولان البينة حجة صريحة فى إثبات الملك لا تهمة فيها واليد تحتمل الملك وغيره والذى يقويها هو اليمين وهو متهم فيها فقدمت البينة عليها وإن كان لكل واحد منهما بينة نظرت فإن كانت العين فى يد أحدهما قضى لمن له اليد ( من غير يمين ) ومن أصحابنا من قال لا يقضى لصاحب اليد من غير يمين لان بينته تعارضها بينة المدعى فتسقطها ويبقى له اليد واليد لا يقضى بها من غير يمين والمنصوص أنه يقضى له من غير يمين لان معه بينة معها ترجيح وهو اليد ومع الآخر بينة لا ترجيح معها والحجتان إذا تعارضتا ومع إحداهما ترجيح قضى بالتى معها الترجيح كالخبرين إذا تعارضا ومع أحدهما قياس وإن كانت العين فى يد أحدهما فأقام الآخر بينة فقضى له وسلمت العين إليه ثم أقام صاحب اليد بينة أنها له نقض الحكم وردت العين إليه لانا حكمنا للآخر ظنا منا أنه لا بينة له فإذا أتى بالبينة بان لنا أنه كانت له يد وبينة فقدمت على بينة الآخر فصل فى وإن كان لكل واحد منهما بينة والعين فى يدهما أو فى يد غيرهما أو لا يد لاحدهما عليها تعارضت البينتان وفيهما قولان أحدهما أنهما يسقطان وهو الصحيح لانهما حجتان تعارضتا ولا مزية لاحداهما على الأخرى فسقطتا كالنصين فى الحادية فعلى هذا يكون الحكم فيه كما لو تداعيا ولا بينة لواحد منهما والثانى أنهما يستعملان وفى كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال أحدها أنه يوقف الأمر إلى أن ينكشف أو يصطلحا لان إحداهما صادقة والأخرى كاذبة ويرجى معرفة الصادقة فوجب التوقف كالمرأة إذا زوجها وليان أحدهما بعد الآخر ونسى السابق منهما والثانى أنه يقسم بينهما لان البينة حجة كاليد ولو استويا فى اليد قسم بينهما فكذلك إذا استويا فى البينة والثالث أنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حكم له لانه لا مزية لاحداهما على الأخرى فوجب التقديم بالقرعة كالزوجتين إذا أراد الزوج السفر بإحداهما فصل وإن كانت بينة أحدهما شاهدين وبينة الآخر أربعة وأكثر فهما متعارضتان وفيهما القولان لان الاثنين مقدران بالشرع فكان حكمهما وحكم ما زاد سواء وإن كانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى فهما متعارضتان وفيهما القولان ولانهما متساويتان فى إثبات الحق