Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

حصہ V02/P202–V02/P203

وأما قسم الأعيان بأن يقسما الرقاب على أن ينتفع كل واحد منهما بما حصل له مدة محدودة والرقاب باقية على أصل الشركة وفي المذهب في قسمة المنافع بالزمان اختلاف في تحديد المدة التي تجوز فيها القسمة لبعض المنافع دون بعض للاغتلال أو الانتفاع مثل استخدام العبد وركوب الدابة وزراعة الأرض وذلك أيضا فيما ينقل ويحول أو لا ينقل ولا يحول فأما فيما ينقل ويحول فلا يجوز عند مالك وأصحابه في المدة الكثيرة ويجوز في المدة اليسيرة وذلك في الاغتلال والانتفاع وأما فيما لا ينقل ولا يحول فيجوز في المدة البعيدة والأجل البعيد وذلك في الاغتلال والانتفاع واختلفوا في المدة اليسيرة فيما ينقل ويحول في الاغتلال فقيل اليوم لواجد ونحوه وقيل لا يجوز ذلك في الدابة والعبد وأما الاستخدام فقيل يجوز في مثل الخمسة الأيام وقيل في الشهر وأكثر من الشهر قليلا وأما التهايؤ في الأعيان بأن يستعمل هذا دارا مدة من الزمان وهذا دارا تلك المدة بعينها فقيل يجوز في سكني الدار وزراعة الأرضين ولا يجوز ذلك في الغلة والكراء إلا في الزمان اليسير وقيل يجوز على قياس التهايؤ بالأزمان وكذلك القول في استخدام العبد والدواب يجري القول فيه على الاختلاف في قسمتها بالزمان فهذا هو القول في أنواع القسمة في الرقاب وفي المنافع وفي الشروط المصححة والمفسدة وبقي من هذا الكتاب القول في الأحكام القول في الأحكام والقسمة من العقود اللازمة لا يجوز للمتقاسمين نقضها ولا الرجوع فيها إلا بالطوارىء عليها والطوارىء ثلاثة غبن أو وجود عيب أو استحقاق فأما الغبن فلا يوجب الفسخ إلا في قسمة القرعة باتفاق في المذهب إلا على قياس من يرى له تأثيرا في البيع فيلزم على مذهبه أن يؤثر في القسمة وأما الرد بالعيب فإنه لا يخلو على مذهب ابن القاسم أن يجد العيب في جل نصيبه أو في أقله فإن وجده في جل نصيبه فإنه لا يخلو أن يكون النصيب الذي حصل لشريكه قد فات أو لم يفت فإن كان قد فات رد الواجد للعيب نصيبه على الشركة وأخذ من شريكه نصف قيمة نصيبه يوم قبضه وإن كان لم يفت انفسخت القسمة وعادت الشركة إلى أصلها وإن كان العيب في أقل ذلك رد ذلك الأقل على أصل الشركة فقط سواء فات نصيب صاحبه أو لم يفت ورجع على شريكه بنصف قيمة الزيادة ولا يرجع في شيء مما في يده وإن كان قائما بالعيب وقال أشهب والذي يفيت الرد قد تقدم في كتاب البيوع وقال عبد العزيز بن الماجشون وجود العيب يفسخ القسمة التي بالقرعة ولا يفسخ التي بالتراضي لأن التي بالتراضي هي بيع وأما التي بالقرعة فهي تمييز حق وإذا فسخت بالغبن وجب إن تفسخ بالرد بالعيب وحكم الاستحقاق عند ابن القاسم حكم وجود العيب أن كان المستحق كثيرا وحظ الشريك لم يفت رجع معه شريكا فيما في يديه وإن كان قد فات رجع عليه بنصف قيمة ما في يديه وإن كان يسيرا رجع عليه بنصف قيمة ذلك الشيء وقال محمد إذا استحق ما في يد أحدهما بطلت القسمة في قسمة القرعة لأنه قد تبين أن القسمة لم تقع على عدل كقول ابن الماجشون في العيب وأما إذا طرأ أعلى المال حق فيه مثل طوارىء الدين على التركة بعد القسمة أو طرو الوصية أو طرو وارث فإن أصحاب مالك اختلفوا في ذلك فأما إن طرأ الدين قيل في المشهور في المذهب وهو قول ابن القاسم إن القسمة تنتقض إلا أن يتفق الورثة على أن يعطوا الدين من عندهم وسواء أكانت حظوظهم باقية بأيديهم أو لم تكن هلكت بأمر من السماء أو لم تهلك

حصہ V02/P203–V02/P204

وقد قيل أيضا إن القسمة إنما تنتقض بيد من بقي في يده حظه ولم تهلك بأمر من السماء وأما من هلك حظه بأمر من السماء فلا يرجع هو على الورثة بما بقي بأيديهم بعد أداء الدين وقيل بل تنتقض القسمة ولا بد لحق الله تعالى لقوله من بعد وصية يوصي بها أو دين وقيل بل تنقض إلا في حق من أعطي منه ما ينوي به من الدين وهكذا الحكم في طرو الموصى له على الورثة وأما طرو الوارث على الشركة بعد القسمة وقبل أن يفوت حظ كل واحد منهم فلا تنتقض القسمة وأخذ من كل واحد حظه إن كان ذلك مكيلا أو موزونا وإن كان حيوانا أو عروضا انتقضت القسمة وهل يضمن كل واحد منهم ما تلف في يده بغير سبب منه فقيل يضمن وقيل لا يضمن كتاب الرهون والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة والنظر في هذا الكتاب في الأركان وفي الشروط وفي الأحكام والأركان هي النظر في الراهن والمرهون والمرتهن والشيء الذي فيه الرهن وصفة عقد الرهن الركن الأول فأما الراهن فلا خلاف أن من صفته أن يكون غير محجور عليه من أهل السداد والوصي يرهن لمن يلي النظر عليه إذا كان ذلك سدادا ودعت إليه الضرورة عند مالك وقال الشافعي يرهن لمصلحة ظاهرة ويرهن المكاتب والمأذون عند مالك قال سحنون فإن ارتهن في مال أسلفه لم يجز وبه قال الشافعي واتفق مالك والشافعي على أن المفلس لا يجوز رهنه وقال أبو حنيفة يجوز واختلف قول مالك في الذي أحاط المدين بماله هل يجوز رهنه أعني هل يلزم أم لا يلزم فالمشهور عنه أنه يجوز أعني قبل أن يفلس والخلاف آيل إلى هل المفلس محجور عليه أم لا وكل من صح أن يكون راهنا صح أن يكون مرتهنا الركن الثاني وهو الرهن قالت الشافعية يصح بثلاثة شروط الأول أن يكون عينا فإنه لا يجوز أن يرهن الدين الثاني أن لا يمتنع إثبات يد الراهن على المرتهن عليه كالمصحف ومالك يجيز رهن المصحف ولا يقرأ فيه المرتهن والخلاف مبني على البيع الثالث أن تكون العين قابلة للبيع عند حلول الأجل ويجوز عند مالك أن يرتهن ما لا يحل بيعه في وقت الارتهان كالزرع والثمر لم يبد صلاحه ولا يباع عنده في أداء الدين إلا إذا بدا صلاحه وإن حل أجل الدين وعن الشافعي قولان في رهن الثمر الذي لم يبد صلاحه ويباع عنده عند حلول الدين على شرط القطع قال أبو حامد والأصح جوازه ويجوز عند مالك رهن ما لم يتعين كالدنانير والدراهم إذا طبع عليها وليس من شرط الرهن أن يكون ملكا للراهن لا عند مالك ولا عند الشافعي بل قد يجوز عندهما أن يكون مستعارا واتفقوا على أن من شرطه أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن واختلفوا إذا كان قبض المرتهن له بغصب ثم أقره المغصوب منه في يده رهنا فقال مالك يصح أن ينقل الشيء المغصوب من ضمان الغصب إلى ضمان الرهن فيجعل المغصوب منه الشيء المغصوب رهنا في يد الغاصب قبل قبضه منه وقال الشافعي لا يجوز بل يبقى على ضمان الغصب إلا أن يقبضه واختلفوا في رهن المشاع فمنعه أبو حنيفة وأجازه مالك والشافعي والسبب في الخلاف هل تمكن حيازة المشاع أم لا تمكن الركن الثالث وهو الشيء المرهون فيه وأصل مذهب مالك في هذا أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع البيوعات إلا الصرف ورأس المال في السلم المتعلق بالذمة وذلك لأن الصرف من شرطه التقابض فلا يجوز فيه عقدة الرهن وكذلك رأس مال السلم وإن كان عنده دون الصرف في هذا المعنى

حصہ V02/P204–V02/P206

وقال قوم من أهل الظاهر لا يجوز أخذ الرهن إلا في السلم خاصة أعني في المسلم فيه وهؤلاء ذهبوا إلى ذلك لكون آية الرهن واردة في الدين في المبيعات وهو السلم عندهم فكأنهم جعلوا هذا شرطا من شروط صحة الرهن لأنه قال في أول آية يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ثم قال وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فعلى مذهب مالك يجوز أخذ الرهن في السلم وفي القرض وفي قيم المتلفات وفي أروش الجنايات في الأموال وفي جراح العمد الذي لا قود فيه كالمأمومة والجائفة وأما قتل العمد والجراح التي يقاد منها فيتخرج في جواز أخذ الرهن في الدية فيها إذا عفا الولي قولان أحدهما أن ذلك يجوز وذلك على القول بأن الولي مخير في العمد بين الدية والقود والقول الثاني أما ذلك لا يجوز وذلك أيضا مبني على أن ليس للولي إلا القود فقط إذا أبى الجاني من إعطاء الدية ويجوز في قتل الخطأ أخذ الرهن ممن يتعين من العاقلة وذلك بعد الحلول ويجوز في العارية التي تضمن ولا يجوز فيما لا يضمن ويجوز أخذه في الإجارات ويجوز في الجعل بعد العمل ولا يجوز قبله ويجوز الرهن في المهر ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة وبالجملة فيما لا تصح فيه الكفالة وقالت الشافعية المرهون فيه له شرائط ثلاث أحدها أن يكون دينا فإنه لا يرهن في عين والثاني أن يكون واجبا فإنه لا يرهن قبل الوجوب مثل أن يسترهنه بما يستقرضه ويجوز ذلك عند مالك والثالث أن لا يكون لزمه متوقعا أن يجب وأن لا يجب كالرهن في الكتابة وهذا المذهب قريب من مذهب مالك القول في الشروط وأما شروط الرهن فالشروط المنطوق بها في الشرع ضربان شروط صحة وشروط فساد فأما شروط الصحة المنطوق بها في الرهن أعني في كونه رهنا فشرطان أحدهما متفق عليه بالجملة ومختلف في الجهة التي بها شرط وهو القبض والثاني مختلف في إشتراطه فأما القبض فاتفقوا بالجملة على أنه شرط في الرهن لقوله تعالى فرهان مقبوضة واختلفوا هل هو شرط تمام أو شرط صحة وفائدة الفرق أن من قال شرط صحة قال ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن ومن قال شرط تمام قال يلزم العقد ويجبر الراهن على الإقباض إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت فذهب مالك إلى أنه من شروط التمام وذهب أبو حنيفة والشافعي وأهل الظاهر إلى أنه من شروط الصحة وعمدة مالك قياس الرهن على سائر العقود اللازمة بالقول وعمدة الغير قوله تعالى فرهان مقبوضة وقال بعض أهل الظاهر لا يجوز الرهن إلا أن يكون هنالك كاتب لقوله تعالى ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة لا يجوز أهل الظاهر أن يوضع الرهن على يدي عدل وعند مالك أن من شرط صحة الرهن استدامه القبض وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من اللزوم وقال الشافعي ليس استدامة القبض من شرط الصحة فمالك عم الشرط على ظاهره فألزم من قوله تعالى فرهان مقبوضة وجود القبض واستدامته والشافعي يقول إذا وجد القبض فقد صح الرهن وانعقد فلا يحل ذلك إعارته ولا غير ذلك من التصرف فيه كالحال في البيع وقد كان الأولى بمن يشترط القبض في صحة العقد أن يشترط الاستدامة ومن لم يشترطه في الصحة أن لا يشترط الاستدامة واتفقوا على جوازه في السفر واختلفوا في الحضر فذهب الجمهور إلى جوازه وقال أهل الظاهر و مجاهد لا يجوز في الحضر لظاهر قوله تعالى وإن كنتم على سفر الآية وتمسك الجمهور بما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم رهن في الحضر والقول في استنباط منع الرهن في الحضر من الآية هو من باب دليل الخطاب

حصہ V02/P206–V02/P207

وأما الشرط المحرم الممنوع بالنص فهو أن يرهن الرجل رهنا على أنه إن جاء بحقه عند أجله وإلا فالرهن له فاتفقوا على أن هذا الشرط يوجب الفسخ وأنه معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا يغلق الرهن القول في الجزء الثالث من هذا الكتاب وهو القول في الأحكام وهذا الجزء ينقسم إلى معرفة ما للراهن من الحقوق في الرهن وما عليه وإلى معرفة ما للمرتهن وما عليه وإلى معرفة اختلافهما في ذلك وذلك إما من نفس العقد وإما لأمور طارئة على الرهن ونحن نذكر من ذلك ما اشتهر الخلاف فيه بين فقهاء الأمصار والاتفاق أما حق المرتهن في الرهن فهو أن يمسكه حتى يؤدي الراهن ما عليه فإن لم يأت به عند الأجل كان له أن يرفعه إلى السلطان فيبيع عليه الرهن وينصفه منه إن لم يجبه الراهن إلى البيع وكذلك إن كان غائبا وإن وكل الراهن المرتهن على بيع الرهن عند حلول الأجل جاز وكرهه مالك إلا أن يرفع الأمر إلى السلطان والرهن عند الجمهور يتعلق بجملة الحق المرهون فيه وببعضه أعني أنه إذا رهنه في عدد ما فأدى منه بعضه فإن الرهن بأسره يبقى بعد بيد المرتهن حتى يستوفي حقه وقال قوم بل يبقى من الرهن بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحق وحجة الجمهور أنه محبوس بحق فوجب أن يكون محبوسا بكل جزء منه أصله حبس التركة على الورثة حتى يؤدوا الدين الذي على الميت وحجة الفريق الثاني أن جميعه محبوس بجميعه فوجب أن يكون أبعاضه محبوسة بأبعاضه أصله الكفالة ومن مسائل هذا الباب المشهورة اختلافهم في نماء الرهن المنفصل مثل الثمرة في الشجر المرهون ومثل الغلة ومثل الولد هل يدخل في الرهن أم لا فذهب قوم إلى أن نماء الرهن المنفصل لا يدخل شيء منه في الرهن أعني الذي يحدث منه في يد المرتهن وممن قال بهدا القول الشافعي وذهب آخرون إلى أن جميع ذلك يدخل في الرهن وممن قال بهذا القول أبو حنيفة والثوري وفرق مالك فقال ما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته فإنه داخل في الرهن كولد الجارية مع الجارية وأما ما لم يكن على خلقته فإنه لا يدخل في الرهن كان متولدا عنه كثمر النخل أو غير متولد ككراء الدار وخراج الغلام وعمدة من رأى أن نماء الرهن وغلته للراهن قوله عليه الصلاة والسلام الرهن محلوب ومركوب قالوا ووجه الدليل من ذلك أنه لم يرد بقوله مركوب ومحلوب أي يركبه الراهن ويحلبه لأنه كأن يكون غير مقبوض وذلك مناقض لكونه رهنا فإن الرهن من شرطه القبض قالوا ولا يصح أن يكون معناه أن المرتهن يحلبه ويركبه فلم يبق إلا أن يكون المعنى في ذلك أن أجرة ظهره لربه ونفقته عليه واستدلوا أيضا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه قالوا ولأنه نماء زائد على ما رضيه رهنا فوجب أن لا يكون له إلا بشرط زائد وعمدة أبي حنيفة أن الفروع تابعة للأصول فوجب لها حكم الأصل ولذلك حكم الولد تابع لحكم أمه في التدبير والكتابة وأما مالك فاحتج بأن الولد حكمه حكم أمه في البيع أي هو تابع لها وفرق بين الثمر والولد في ذلك بالسنة المفرقة في ذلك وذلك أن الثمر لا يتبع بيع الأصل إلا بالشرط وولد الجارية يتبع بغير شرط والجمهور على أن ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن وقال قوم إذا كان الرهن حيوانا فللمرتهن أن يحلبه ويركبه بقدر ما يعلفه وينفق عليه وهو قول أحمد وإسحاق واحتجوا بما وراء أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال الرهن محلوب ومركوب ومن هذا الباب اختلافهم في الرهن يهلك عند المرتهن ممن ضمانه فقال قم الرهن أمانة وهو من الراهن والقول قول المرتهن مع يمينه أنه ما فرط فيه وما جنى عليه وممن قال بهذا القول الشافعي وأحمد وأبو ثور وجمهور أهل الحديث وقال قوم الرهن من المرتهن ومصيبته منه وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وجمهور الكوفيين

حصہ V02/P207–V02/P208

والذين قالوا بالضمان انقسموا قسمين فمنهم من رأى أن الرهن مضمون بالأقل من قيمته أو قيمة الدين وبه قال أبو حنيفة وسفيان وجماعة ومنهم من قال هو مضمون بقيمته قلت أو كثرت وأنه إن فضل للراهن شيء فوق دينه أخذه من المرتهن وبه قال علي بن أبي طالب وعطاء وإسحاق وفرق قوم بين ما لا يغاب عليه مثل الحيوان والعقار مما لا يخفى هلاكه وبين ما يغاب عليه من العروض فقالوا هو ضامن فيما يغاب عليه ومؤتمن فيما لا يغاب عليه وممن قال بهذا القول مالك والأوزاعي وعثمان البتي إلا أن مالكا يقول إذا شهد الشهود بهلاك ما يغاب عليه من غير تضييع ولا تفريط فإنه لا يضمن وقال الأوزاعي وعثمان البتي بل يضمن على كل حال قامت بينة أو لم تقم ويقول مالك قال ابن القاسم ويقول عثمان والأوزاعي قال أشهب وعمدة من جعله أمانة غير مضمونة حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يغلق الرهن وهو ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه أي له غلته وخراجه وعليه افتكاكه ومصيبته منه قالوا وقد رضي الراهن أمانته فأشبه المودع عنده وقال المزني من أصحاب الشافعي محتجا له قد قال مالك ومن تابعه إن الحيوان وما ظهر هلاكه أمانة فوجب أن يكون كله كذلك وقد قال أبو حنيفة إن ما زاد من قيمة الرهن على قيمة الدين فهو أمانة فوجب أن يكون كله أمانة ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام عند مالك ومن قال بقوله وعليه غرمه أي نفقته قالوا ومعنى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام الرهن مركوب ومحلوب أي أجرة ظهره لربه ونفقته عليه وأما أبو حنيفة وأصحابه فتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام له غنمه وعليه غرمه أن غنمه ما فضل منه على الدين وغرمه ما نقص وعمدة من رأى أنه مضمون من المرتهن أنه عين تعلق بها حق الاستيفاء ابتداء فوجب أن تسقط بتلفه أصله تلف المبيع عند البائع إذا أمسكه حتى يستوفي الثمن وهذا متفق عليه من الجمهور وإن كان عند مالك كالرهن وربما احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا ارتهن فرسا من رجل فنفق في يده فقال عليه الصلاة والسلام للمرتهن ذهب حقك وأما تفريق مالك بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فهو استحسان ومعنى ذلك أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه ولا تلحق فيما لا يغاب عليه وقد اختلفوا في معنى الاستحسان الذي يذهب إليه مالك كثيرا فضعفه قوم وقالوا إنه مثل استحسان أبي حنيفة وحددوا الاستحسان بأنه قول بغير دليل ومعنى الاستحسان عند مالك هو جمع بين الأدلة المتعارضة وإذا كان ذلك كذلك فليس هو قول بغير دليل والجمهور على أنه لا يجوز للراهن بيع الرهن ولا هبته وأنه إن باعه فللمرتهن الإجازة أو الفسخ قال مالك وإن زعم أن إجازته ليتعجل حقه حلف على ذلك وكان له وقال قوم يجوز بيعه وإذا كان الرهن غلاما أو أمة فأعتقها الراهن فعند مالك أنه إن كان الراهن موسرا جاز عتقه وعجل للمرتهن حقه وإن كان معسرا بيعت وقضى الحق من ثمنها وعند الشافعي ثلاثة أقوال الرد والإجازة والثالث مثل قول مالك وأما اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الذي وجب به الرهن فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك فقال مالك القول قول المرتهن فيما ذكره من قدر الحق ما لم تكن قيمة الرهن أقل من ذلك فما زاد على قيمة الرهن فالقول قول الراهن وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجمهور فقهاء الأمصار القول في قدر الحق قول الراهن وعمدة الجمهور أن الراهن مدعى عليه والمرتهن مدع فوجب أن تكون اليمين على الراهن على ظاهر السنة المشهورة وعمدة مالك ههنا أن المرتهن وإن كان مدعيا فله ههنا شبهة بنقل اليمين إلى حيزه وهو كون الرهن شاهدا له ومن أصوله أن يحلف أقوى المتداعيين شبهة وهذا لا يلزم عند الجمهور لأنه قد يرهن الراهن الشيء وقيمته أكثر من المرهون فيه

حصہ V02/P208–V02/P210

وأما إذا تلف الرهن واختلفوا في صفته فالقول ههنا عند مالك قول المرتهن لأنه مدعى عليه وهو مقر ببعض ما ادعي عليه وهذا على أصوله فإن المرتهن أيضا هو الضامن فيما يغاب عليه وأما على أصول الشافعي فلا يتصور على المرتهن يمين إلا أن يناكره الراهن في إتلافه وأما عند أبي حنيفة فالقول قول المرتهن في قيمة الرهن وليس يحتاج إلى صفة لأن عند مالك يحلف على الصفة وتقويم تلك الصفة وإذا اختلفوا في الأمرين جميعا أعني في صفة الرهن وفي مقدار الرهن كان القول قول المرتهن في صفة الرهن وفي الحق ما كانت قيمته الصفة التى حلف عليها شاهدة له وفيه ضعف وهل يشهد الحق لقيمة الرهن إذا اتفقا في الحق واختلفا في قيمة الرهن في المذهب فيه قولان والأقيس الشهادة لأنه إذا شهد الرهن للدين شهد الدين للمرهون وفروع هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية في غرضنا كتاب الحجر والنظر في هذا الكتاب في ثلاثة أبواب الباب الأول في أصناف المحجورين الثاني متى يخرجون من الحجر ومتى يحجر عليهم وبأي شروط يخرجون الثالث في معرفة أحكام أفعالهم في الرد والإجازة الباب الأول في أصناف المحجورين أجمع العلماء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحلم لقوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح الآية واختلفوا في الحجر على العقلاء الكبار إذا ظهر منهم تبذير لأموالهم فذهب مالك والشافعي وأهل المدينة وكثير من أهل العراق إلى جواز ابتداء الحجر عليهم بحكم الحاكم وذلك إذا ثبت عنده سفههم وأعذر إليهم فلم يكن عندهم مدفع وهو رأي ابن عباس وابن الزبير وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق إلى أنه لا يبتدأ الحجر على الكبار وهو قول إبراهيم وابن سيرين وهؤلاء انقسموا قسمين فمنهم من قال الحجر لا يجوز عليهم بعد البلوغ بحال وإن ظهر منهم التبذير ومنهم من قال إن استصحبوا التبذير من الصغر يستمر الحجر عليهم وإن ظهر منهم رشد بعد البلوغ ثم ظهر منهم سفه فهؤلاء لا يبدأ بالحجر عليهم وأبو حنيفة يحد في ارتفاع الحجر وإن ظهر سفهه خمسة وعشرين عاما وعمدة من أوجب على الكبار ابتداء الحجر أن الحجر على الصغار إنما وجب لمعنى التبذير الذي يوجد فيهم غالبا فوجب أن يجب الحجر على من وجد فيه هذا المعنى وإن لم يكن صغيرا قالوا ولذلك اشترط في رفع الحجر عنهم مع ارتفاع الصغر إيناس الرشد قال الله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فدل هذا على أن السبب المقتضي للحجر هو السفه وعمدة الحنفية حديث حبان بن منقذ إذ ذكر فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثا ولم يحجر عليه وربما قالوا الصغر هو المؤثر في منع التصرف بالمال بدليل تأثيره في إسقاط التكليف وإنما اعتبر الصغر لأنه الذي يوجد فيه السفه غالبا كما يوجد فيه نقص العقل غالبا ولذلك جعل البلوغ علامة وجوب التكليف وعلامة الرشد إذا كانا يوجدان فيه غالبا أعني العقل والرشد وكما لم يعتبر النادر في التكليف أعني أن يكون قبل البلوغ عاقلا فيكلف كذلك لم يعتبر النادر في السفه وهو أن يكون بعد البلوغ سفيها فيحجر عليه كما لم يعتبر كونه قبل البلوغ رشيدا قالوا وقوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم الآية ليس فيها أكثر من منعهم من أموالهم وذلك لا يوجب فسخ بيوعها وإبطالها والمحجورون عن مالك ستة الصغير والسفيه والعبد والمفلس والمريض والزوجة وسيأتي ذكر كل واحد منهم في بابه الباب الثاني متى يخرجون من الحجر ومتى يحجر عليهم وبأي شروط يخرجون والنظر في هذا الباب في موضعين في وقت خروج الصغار من الحجر ووقت خروج السفهاء فنقول إن الصغار بالجملة صنفان ذكور وإناث وكل واحد من هؤلاء إما ذو أب وإما ذو وصي وإما مهمل وهم الذين يبلغون ولا وصي لهم ولا أب

حصہ V02/P210–V02/P211

فأما الذكور الصغار ذوو الآباء فاتفقوا على أنهم لا يخرجون من الحجر إلا ببلوغ سن التكليف وإيناس الرشد منهم وإن كانوا قد اختلفوا في الرشد ما هو وذلك لقوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم واختلفوا في الإناث فذهب الجمهور إلى أن حكمهن في ذلك حكم الذكور أعني بلوغ المحيض وإيناس الرشد وقال مالك هي في ولاية أبيها في المشهور عنه حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويؤنس رشدها وروي عنه مثل قول الجمهور ولأصحاب مالك في هذا أقوال غير هذه قيل إنها في ولاية أبيها حتى يمر بها سنة بعد دخول زوجها بها وقيل حتى يمر بها عامان وقيل حتى تمر بها سبعة أعوام وحجة مالك أن إيناس الرشد لا يتصور من المرأة إلا بعد اختبار الرجال وأما أقاويل أصحابه فضعيفة مخالفة للنص والقياس أما مخالفتها للنص فإنهم لم يشترطوا الرشد وأما مخالفتها للقياس فلأن الرشد ممكن تصوره منها قبل هذه المدة المحدودة وإذا قلنا على قول مالك لا على قول الجمهور إن الاعتبار في الذكور ذوي الآباء البلوغ وإيناس الرشد فاختلف قول مالك إذا بلغ ولم يعلم سفهه من رشده وكان مجهول الحال فقيل عنه إنه محمول على السفه حتى يتبين رشده وهو المشهور وقيل عنه إنه محمول على الرشد حتى يتبين سفهه فأما ذوو الأوصياء فلا يخرجون من الولاية في المشهور عن مالك إلا بإطلاق وصية له من الحجر أي يقول فيه إنه رشيد إن كان مقدما من قبل الأب بلا خلاف أو بإذن القاضي مع الوصي إن كان مقدما من غير الأب على اختلاف في ذلك وقد قيل في وصي الأب إنه لا يقبل قوله في أنه رشيد إلا حتى يعلم رشده وقد قيل إن حاله مع الوصي كحاله مع الأب يخرجه من الحجر إذا آنس منه الرشد وإن لم يخرجه وصيه بالإشهاد وأن المجهول الحال في هذا حكمه حكم المجهول الحال ذي الأب وأما ابن القاسم فمذهبه أن الولاية غير معتبر ثبوتها إذا علم الرشد ولا سقوطها إذا علم السفه وهي رواية عن مالك وذلك من قوله في اليتيم لا في البكر والفرق بين المذهبين أن من يعتبر الولاية يقول أفعاله كلها مردودة وإن ظهر رشده حتى يخرج من الولاية وهو قول ضعيف فإن المؤثر هو الرشد لا حكم الحاكم وأما اختلافهم في الرشد ما هو فإن مالكا يرى أن الرشد هو تثمير المال وإصلاحه فقط والشافعي يشترط مع هذا صلاح الدين وسبب اختلافهم هل ينطلق اسم الرشد على غير صالح الدين وحال البكر مع الوصي كحال الذكر لا تخرج من الولاية إلا بالإخراج ما لم تعنس على اختلاف في ذلك وقيل حالها مع الوصي كحالها مع الأب وهو قول بن الماجشون ولم يختلف قولهم وإنه لا يعتبر فيها الرشد كاختلافهم في اليتيم وأما المهمل من الذكور فإن المشهور أن أفعاله جائزة إذا بلغ الحلم كان سفيها متصل السفه أو غير متصل السفه معلنا به أو غير معلن وأما ابن القاسم فيعتبر نفس فعله إذا وقع فإن كان رشدا جاز وإلا رده فأما اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي فإن فيها في المذهب قولين أحدهما أن أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض والثاني أفعالها مردودة ما لم تعنس وهو المشهور الباب الثالث في معرفة أحكام أفعالهم في الرد والإجازة والنظر في هذا الباب في شيئين أحدهما ما يجوز لصنف صنف من المحجورين من الأفعال وإذا فعلوا فكيف حكم أفعالهم في الرد والإجازة وكذلك أفعال المهملين الذين بلغوا الحلم من غير أب ولا وصي وهؤلاء كما قلنا إما صغار وإما كبار متصلو الحجر من الصغر وإما مبتدأ حجرهم

حصہ V02/P211–V02/P212

فأما الصغار الذين لم يبلغوا الحلم من الرجال ولا المحيض من النساء فلا خلاف في المذهب في أنه لا يجوز له في ماله معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق وإن أذن له الأب في ذلك أو الوصي فإن أخرج من يده شيئا بغير عوض كان موقوفا على نظر وليه إن كان له ولي فإن رآه رشدا أجازه وإلا أبطله وإن لم يكن له ولي قدم له ولي ينظر في ذلك وإن عمل في ذلك حتى يلي أمره كان النظر إليه في الإجازة أو الرد واختلف إذا كان فعله سدادا ونظرا فيما كان يلزم الولي أن يفعله هل له أن ينقضه إذا آل الأمر إلى خلاف بحوالة الأسواق أو نماء فيما باعه أو نقصان فيما ابتاعه فالمشهور أن ذلك له وقيل إن ذلك ليس له ويلزم الصغير ما أفسد في ماله مما لم يؤتمن عليه واختلف فيما أفسد وكسر مما اؤتمن عليه ولا يلزمه بعد بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته في صغره وحنث به في صغره واختلف فيما حنث فيه في كبره وحلف به في صغره فالمشهور أنه لا يلزمه وقال ابن كنانة يلزمه ولا يلزمه فيما ادعي عليه يمين واختلف إذا كان له شاهد واحد هل يحلف معه فالمشهور أنه لا يحلف وروي عن مالك والليث أنه يحلف وحال البكر ذات الأب والوصي كالذكر ما لم تعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها فأما السفيه البالغ فجمهور العلماء على أن المحجور إذا طلق زوجته أو خالعها مضى طلاقه وخلعه إلا ابن أبي ليلى وأبا يوسف وخالف ابن أبي ليلى في العتق فقال إنه ينفذ وقال الجمهور إنه لا ينفذ وأما وصيته فلا أعلم خلافا في نفوذها ولا تلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شيء من المعروف إلا أن يعتق أم ولده فيلزمه عتقها وهذا كله في المذهب وهل يتبعها مالها فيه خلاف قيل يتبع وقيل لا يتبع وقيل بالفرق بين القليل والكثير وأما ما يفعله بعوض فهو أيضا موقوف على نظر وليه إن كان له ولي فإن لم يكن له ولي قدم له ولي فإن رد بيعه الولي وكان قد أتلف الثمن لم يتبع من ذلك بشيء وكذلك إن أتلف عين المبيع وأما أحكام أفعال المحجورين أو المهملين على مذهب مالك فإنها تنقسم إلى أربعة أحوال فمنهم من تكون أفعاله كلها مردودة وإن كان فيها ما هو رشد ومنهم ضد هذا وهو أن تكون أفعاله كلها محمولة على الرشد وإن ظهر فيها ما هو سفه ومنهم من تكون أفعاله كلها محمولة على السفه ما لم يتبين رشده وعكس هذا أيضا أن تكون أفعاله كلها محمولة الرشد حتى يتبين سفهه فأما الذي يحكم له بالسفه وإن ظهر رشده فهو الصغير الذي لم يبلغ والبكر ذات الأب والوصي ما لم تعنس على مذهب من يعتبر التعنيس واختلف في حده اختلافا كثيرا من دون الثلاثين إلى الستين والذي يحكم له بحكم الرشد وإن علم سفهه فمنها السفيه إذا لم تثبت عليه ولاية من قبل أبيه ولا من قبل السلطان على مشهور مذهب مالك خلافا لابن القاسم الذي يعتبر نفس الرشد لا نفس الولاية والبكر اليتيمة المهملة على مذهب سحنون وأما الذي يحكم عليه بالسفه بحكم ما لم يظهر رشده فالابن بعد بلوغه في حياة أبيه على المشهور في المذهب وحال البكر ذات الأب التي لا وصي لها إذا تزوجت ودخل بها زوجها ما لم يظهر رشدها وما لم تبلغ الحد المعتبر في ذلك من السنين عند من يعتبر ذلك وكذلك اليتيمة التي لا وصي لها على مذهب من يرى أن أفعالها مردودة

حصہ V02/P212–V02/P213

وأما الحال التي يحكم فيها بحكم الرشد حتى يتبين السفه فمنها حال البكر المعنس عند من يعتبر التعنيس أو التي دخل بها زوجها ومضى لدخوله الحد المعتبر من السنين عند من يعتبر الحد وكذلك حال الابن ذي الأب إذا بلغ وجهلت حاله على إحدى الروايتين والابنة البكر بعد بلوغها على الرواية التي لا تعتبر فيها دخولها مع زوجها فهذه هي جمل ما في هذا الكتاب والفروع كثيرة كتاب التفليس والنظر في هذا الكتاب فيما هو الفلس وفي أحكام المفلس فنقول إن الإفلاس في الشرع يطلق على معنيين أحدهما أن يستغرق الدين مال المدين فلا يكون في ماله وفاء بديونه والثاني أن لا يكون له مال معلوم أصلا وفي كلا الفلسين قد اختلف العلماء في أحكامهما فأما الحالة الأولى وهي إذا ظهر عند الحاكم من فلسه ما ذكرنا فاختلف العلماء في ذلك هل للحاكم أن يحجر عليه التصرف في ماله حتى يبيعه عليه ويقسمه على الغرماء على نسبة ديونهم أم ليس له ذلك بل يحبس حتى يدفع إليهم جميع ماله على أي نسبة اتفقت أو لمن اتفق منهم وهذا الخلاف بعينه يتصور فيمن كان له مال يفي بدينه فأبى أن ينصف غرماءه هل يبيع عليه الحاكم فيقسمه عليهم أم يحسبه حتى يعطيهم بيده ما عليه فالجمهور يقولون يبيع الحاكم ماله عليه فينصف منه غرماءه أو غريمه إن كان مليا أو يحكم عليه بالإفلاس إن لم يف ماله بديونه ويحجر عليه التصرف فيه وبه قال مالك والشافعي بالقول الآخر قال أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق وحجة مالك والشافعي حديث معاذ بن جبل أنه كثر دينه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد غرماءه على أن جعله لهم من ماله وحديث أبي سعيد الخدري أن رجلا أصيب على عهد رسول الله في ثمر ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء بدينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا بذلك وحديث عمر في القضاء على الرجل المفلس في حبسه وقوله فيه أما بعد فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج وأنه ادان معرضا فأصبح قدرين عليه فمن كان له عليه دين فليأتنا وأيضا من طريق المعنى فإنه إذا كان المريض محجورا عليه لمكان ورثته فأحرى أن يكون المدين محجورا عليه لمكان الغرماء وهذا القول هو الأظهر لأنه أعدل والله أعلم وأما حجج الفريق الثاني الذين قالوا بالحبس حتى يعطي ما عليه أو يموت محبوسا فيبيع القاضي حينئذ ماله ويقسمه على الغرماء فمنها حديث جابر بن عبد الله حين استشهد أبوه بأحد وعليه دين فلما طالبه الغرماء قال جابر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته فسألهم أن يقبلوا مني حائطي ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطي قال ولكن سأغدو عليك قال فغدا علينا حين أصبح فطاف بالنخل فدعا في ثمرها بالبركة قال فجذذتها فقضيت منها حقوقهم وبقي من ثمرها بقية وربما روي أيضا أنه مات أسيد بن الحضير وعليه عشرة آلاف درهم فدعا عمر بن الخطاب غرماءه فقبلهم أرضه وأربع سنين مما لهم عليه قالوا فهذه الآثار كلها ليس فيها أنه بيع أصل في دين قالوا ويدل على حبسه قوله صلى الله عليه وسلم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته قالوا والعقوبة هي حبسه وربما شبهوا استحقاق أصول العقار عليه باستحقاق إجازته وإذا قلنا إن المفلس محجور عليه فالنظر في ماذا يحجر عليه وبأي ديون تكون المحاصة في ماله وفي أي شيء من ماله تكون المحاصة وكيف تكون فأما المفلس فله حالان حال في وقت الفلس قبل الحجر عليه وحال بعد الحجر

حصہ V02/P213–V02/P215

فأما قبل الحجر فلا يجوز له إتلاف شيء من ماله عند مالك بغير عوض إذا كان مما لا يلزمه ومما لا تجري العادة بفعله وإنما اشترط إذا كان مما لا يلزمه لأن له أن يفعل ما يلزم بالشرع وإن لم يكن بعوض كنفقته على الآباء المعسرين أو الأبناء وإنما قيل مما لم تجر العادة بفعله لأن له إتلاف اليسير من ماله بغير عوض كالأضحية والنفقة في العيد والصدقة اليسيرة وكذلك تراعى العادة في إنفاقه في عوض كالتزوج والنفقة على الزوجة ويجوز بيعه وابتياعه ما لم تكن فيه محاباة وكذلك يجوز إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه واختلف قول مالك في قضاء بعض غرمائه دون بعض وفي رهنه وأما جمهور من قال بالحجر على المفلس فقالوا هو قبل الحكم كسائر الناس وإنما ذهب الجمهور لهذا لأن الأصل هو جواز الأفعال حتى يقع الحجر ومالك كأنه اعتبر المعنى نفسه وهو إحاطة الدين بماله لكن لم يعتبره في كل حال لأنه يجوز بيعه وشراؤه إذا لم يكن فيه محاباة ولا يجوزه للمحجور عليه وأما حاله بعد التفليس فلا يجوز له فيها عند مالك بيع ولا شراء ولا أخذ ولا عطاء ولا يجوز إقراره بدين في ذمته لقريب ولا بعيد قيل إلا إن يكون لواحد منهم بينة وقيل يجوز لمن يعلم منه إليه تقاض واختلف في إقراره بمال معين مثل القراض والوديعة على ثلاثة أقوال في المذهب بالجواز والمنع والثالث بالفرق بين أن يكون على أصل القراض أو الوديعة ببينة أو لا تكون فقيل إن كانت صدق وإن لم تكن لم يصدق واختلفوا من هذا الباب في ديون المفلس المؤجلة هل تحل بالتفليس أم لا فذهب مالك إلى أن التفليس في ذلك كالموت وذهب غيره إلى خلاف ذلك وجمهور العلماء على أن الديون تحل بالموت وقال ابن شهاب مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين فالورثة في ذلك بين أحد أمرين إما أن لا يريدوا أن يؤخروا حقوقهم في المواريث إلى محل أجل الدين فيلزم أن يجعل الدين حالا وإما أن يرضوا بتأخير ميراثهم حتى تحل الديون فتكون الديون حينئذ مضمونة في التركة خاصة لا في ذممهم بخلاف ما كان عليه الدين قبل الموت لأنه كان في ذمة الميت وذلك يحسن في حق ذي الدين ولذلك رأى بعضهم أنه إن رضي الغرماء بتحمله في ذممهم أبقيت الديون إلى أجلها وممن قال بهذا القول ابن سيرين واختاره أبو عبيد من فقهاء الأمصار لكن لا يشبه الفلس في هذا المعنى الموت كل الشبه وإن كانت كلا الذمتين قد خرجت فإن ذمة المفلس يرجى المال لها بخلاف ذمة الميت وأما النظر فيما يرجع به أصحاب الديون من مال المفلس فإن ذلك يرجع إلى الجنس والقدر أما ما كان قد ذهب عين العوض الذي استوجب من قبله الغريم على المفلس فإن دينه في ذمة المفلس وأما إذا كان عين العوض باقيا بعينه لم يفت إلا أنه لم يقبض ثمنه فاختلف في ذلك فقهاء الأمصار على أربعة أقوال الأول أن صاحب السلعة أحق بها على كل حال إلا أن يتركها ويختار المحاصة وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور القول الثاني ينظر إلى قيمة السلعة يوم الحكم بالتفليس فإن كانت أقل من الثمن خير صاحب السلعة بين أن يأخذها أو يحاص الغرماء وإن كانت أكثر أو مساوية للثمن أخذها بعينها وبه قال مالك وأصحابه القول الثالث تقوم السلعة بين التفليس فإن كانت قيمتها مساوية للثمن أو أقل منه قضي له بها أعني للبائع وإن كانت أكثر دفع إليه مقدار ثمنه ويتحاصون في الباقي وبهذا القول قال جماعة من أهل الأثر

حصہ V02/P215–V02/P216

والقول الرابع أنه أسوة الغرماء فيها على كل حال وهو قول أبي حنيفة وأهل الكوفة والأصل في هذه المسألة ما ثبت من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره وهذا الحديث خرجه مالك والبخاري ومسلم وألفاظهم متقاربة وهذا اللفظ لمالك فمن هؤلاء من حمله على عمومه وهو الفريق الأول ومنهم من خصصه بالقياس وقالوا إن معقوله إنما هو الرفق بصاحب السلعة لكون سلعته باقية وأكثر ما في ذلك أن يأخذ الثمن الذي باعها به فأما أن يعطى في هذه الحال الذي اشترك فيها مع الغرماء أكثر من ثمنها فذلك مخالف لأصول الشرع وبخاصة إذا كان للغرماء أخذها بالثمن كما قال مالك وأما أهل الكوفة فردوا هذا الحديث بجملته لمخالفته للأصول المتواترة على طريقتهم في رد خبر الواحد إذا خالف الأصول المتواترة لكون خبر الواحد مظنونا والأصول يقينية مقطوع بها كما قال عمر في حديث فاطمة بنت قيس ما كنا لندع كتاب الله وسنة نبينا لحديث امرأة ورواه عن علي أنه قضى بالسلعة للمفلس وهو رأي ابن سيرين وإبراهيم من التابعين وربما احتجوا بأن حديث أبي هريرة مختلف فيه وذلك أن الزهري روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل مات أو أفلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو أسوة الغرماء وهذا الحديث أولى لأنه موافق للأصول الثابتة قالوا وللجمع بين الحديثين وجه وهو حمل ذلك الحديث على الوديعة والعارية إلا أن الجمهور دفعوا هذا التأويل بما ورد في لفظ حديث أبي هريرة في بعض الروايات من ذكر البيع وهذا كله عند الجميع بعد قبض المشتري السلعة فأما قبل القبض فالعلماء متفقون أهل الحجاز وأهل العراق أن صاحب السلعة أحق بها لأنها في ضمانه واختلف القائلون بهذا الحديث إذا قبض البائع بعض الثمن فقال مالك إن شاء أن يرد ما قبض ويأخذ السلعة كلها وإن شاء حاص الغرماء فيما بقي من سلعته وقال الشافعي بل يأخذ ما بقي من سلعته بما بقي من الثمن وقالت جماعة من أهل العلم داود وإسحاق وأحمد إن قبض من الثمن شيئا فهو أسوة الغرماء وحجتهم ما روى مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء وهو حديث وإن أرسله مالك فقد أسنده عبد الرزاق وقد روي من طريق الزهري عن أبي هريرة فيه زيادة بيان وهو قوله فيه فإن كان قبض من ثمنه شيئا فهو أسوة الغرماء ذكره أبو عبيد في كتابه في الفقه وخرجه وحجة الشافعي أن كل السلعة أو بعضها في الحكم واحد ولم يختلفوا أنه إذا فوت المشتري بعضها أن البائع أحق بالمقدار الذي أدرك من سلعته إلا عطاء فإنه قال إذا فوت المشتري بعضها كان البائع أسوة الغرماء واختلف الشافعي ومالك في الموت هل حكمه حكم الفلس أم لا فقال مالك هو في الموت أسوة الغرماء بخلاف الفلس وقال الشافعي الأمر في ذلك واحد وعمدة مالك ما رواه عن ابن شهاب عن أبي بكر وهو نص في ذلك وأيضا من جهة النظر أن فرقا بين الذمة في الفلس والموت وذلك أن الفلس ممكن أن تثرى حاله فيتبعه غرماؤه بما بقي عليه وذلك غير متصور في الموت وأما الشافعي فعمدته ما رواه ابن أبي ذئب بسنده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق به فسوى في هذه الرواية بين الموت والفلس وقال وحديث ابن أبي ذئب أولى من حديث ابن شهاب

حصہ V02/P216–V02/P217

لأن حديث ابن شهاب مرسل وهذا مسند ومن طريق المعنى فهو مال لا تصرف فيه لمالكه إلا بعد أداء ما عليه فأشبه مال المفلس وقياس مالك أقوى من قياس الشافعي وترجيح حديثه على حديث ابن أبي ذئب من جهة أن موافقة القياس له أقوى وذلك أن ما وافق من الأحاديث المتعارضة قياس المعنى فهو أقوى مما وافقه قياس الشبه أعني أن القياس الموافق لحديث الشافعي هو قياس شبه والموافق لحديث مالك قياس معنى ومرسل مالك خرجه عبد الرزاق فسبب الخلاف تعارض الآثار في هذا المعنى والمقاييس وأيضا فإن الأصل يشهد لقول مالك في الموت أعني من باع شيئا فليس يرجع إليه فمالك رحمه الله أقوى في هذه المسألة والشافعي إنما ضعف عنده فيها قول مالك لما روي من المسند المرسل عنده لا يجب العمل به واختلف مالك والشافعي فيمن وجد سلعته بعينها عند المفلس وقد أحدث زيادة مثل أن تكون أرضا يغرسها أو عرصة يبنيها فقال مالك العمل الزائد فيها هو فوت ويرجع صاحب السلعة شريك الغرماء وقال الشافعي بل يخير البائع بين أن يعطي قيمة ما أحدث المشتري في سلعته ويأخذها أو أن يأخذ أصل السلعة ويحاص الغرماء في الزيادة وما يكون فوتا مما لا يكون فوتا في مذهب مالك منصوص في كتبه المشهورة وتحصيل مذهب مالك فيما يكون الغريم به أحق من سائر الغرماء في الموت والفلس أو في الفلس دون الموت أن الأشياء المبيعة بالدين تنقسم في التفليس ثلاثة أقسام عرض يتعين وعين اختلف فيه هل يتعين فيه أم لا وعمل لا يتعين فأما العرض فإن كان في يد بائعه لم يسلمه حتى أفلس المشتري فهو أحق به في الموت والفلس وهذا ما لا خلاف فيه وإن كان قد دفعه إلى المشتري ثم ( أفلس وهو قائم ) بيده فهو أحق به من الغرماء في الفلس دون الموت ولهم عنده أن يأخذوا سلعته بالثمن وقال الشافعي ليس لهم وقال أشهب لا يأخذونها إلا بزيادة يحطونها عن المفلس وقال ابن الماجشون إن شاءوا كان الثمن من أموالهم أو من مال الغريم وقال ابن كنانة بل يكون من أموالهم وأما العين فهو أحق بها في الموت أيضا والفلس ما كان بيده واختلف إذا دفعه إلى بائعه فيه ففلس أو مات وهو قائم بيده يعرف بعينه فقيل إنه أحق به كالعروض في الفلس دون الموت وهو قول ابن القاسم وقيل إنه لا سبيل له عليه وهو أسوة الغرماء وهو قول أشهب والقولان جاريان على الاختلاف في تعيين العين وأما إن لم يعرف بعينه فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس وأما العمل الذي لا يتعين فإن أفلس المستأجر قبل أن يستوفي عمل الأجير كان الأجير أحق بما عمله في الموت والفلس جميعا كالسلعة إذا كانت بيد البائع في وقت الفلس وإن كان فلسه بعد أن استوفى عمل الأجير فالأجير أسوة الغرماء بأجرته التي شارطه عليها في الفلس والموت جميعا على أظهر الأقوال إلا أن تكون بيده السلعة التي استؤجر على عملها فيكون أحق بذلك في الموت والفلس جميعا لأنه كالرهن بيده فإن أسلمه كان أسوة الغرماء بعمله إلا أن يكون له فيه شيء أخرجه فيكون أحق به في الفلس دون الموت وكذلك الأمر عنده في فلس مكتري الدواب إن استكرى أحق بما عليه من المتاع في الموت والفلس جميعا وكذلك مكتري السفينة وهذا كله شبهه مالك بالرهن وبالجملة فلا خلاف في مذهبه أن البائع أحق بما في يديه في الموت والفلس وأحق بسلعته القائمة الخارجة عن يده في الفلس دون الموت وأنه أسوة الغرماء في سلعته إذا فاتت وعندما يشبه حال الأجير عند أصحاب مالك وبالجملة البائع منفعة بالبائع الرقبة فمرة يشبهون المنفعة التي عمل بالسلعة التي لم يقبضها المشتري فيقولون هو أحق بها في الموت والفلس ومرة يشبهونه بالتي خرجت من يده ولم يمت فيقولون هو أحق بها في الفلس دون الموت ومرة يشبهون ذلك بالموت الذي فاتت فيه فيقولون هو أسوة الغرماء

حصہ V02/P217–V02/P218

ومثال ذلك اختلافهم فيمن استؤجر على سقي حائط فسقاه حتى أثمر الحائط ثم أفلس المستأجر فإنهم قالوا فيه الثلاثة الأقوال وتشبيه بيع المنافع في هذا الباب ببيع الرقاب هو شيء فيما أحسب انفرد به مالك دون فقهاء الأمصار وهو ضعيف لأن قياس الشبه المأخوذ من الموضع المفارق للأصول يضعف ولذلك ضعف عند قوم القياس على موضع الرخص ولكن انقدح هنالك قياس علة فهو أقوى ولعل المالكية تدعي وجود هذا المعنى في القياس ولكن هذا كله ليس يليق بهذا المختصر ومن هذا الباب اختلافهم في العبد المفلس المأذون له في التجارة هل يتبع بالدين في رقبته أم لا فذهب مالك وأهل الحجاز إلى أنه إنما يتبع بما في يده لا في رقبته ثم إن أعتق أتبع بما بقي عليه ورأى قوم أنه يباع ورأى قوم أن الغرماء يخيرون بين بيعه وبين أن يسعى فيما بقي عليه من الدين وبه قال شريح وقالت طائفة بل يلزم سيده ما عليه وإن لم يشترطه فالذين لم يروا بيع رقبته قالوا إنما عامل الناس على ما في يده فأشبه الحر والذين رأوا بيعه شبهوا ذلك بالجنايات التي يجني وأما الذين رأوا الرجوع على السيد بما عليه من الدين فإنهم شبهوا ماله بمال السيد إذ كان له انتزاعه فسبب الخلاف هو تعارض أقيسة الشبه في هذه المسألة ومن هذا المعنى إذا أفلس العبد والمولى معا بأيهما يبدأ هل بدين العبد أم بدين المولى فالجمهور يقولون بدين العبد لأن الذين داينوا العبد إنما فعلوا ذلك ثقة بما رأوا عند العبد من المال والذين داينوا المولى لم يعتدوا بمال العبد ومن رأى البدء بالمولى قال لأن مال العبد هو في الحقيقة للمولى فسبب الخلاف تردد مال العبد بين أن يكون حكمه حكم مال الأجنبي أو حكم مال السيد وأما قدر ما يترك للمفلس من ماله فقيل في المذهب يترك له ما يعيش به هو وأهله وولده الصغار الأيام وقال في الواضحة والعتبية الشهر ونحوه ويترك له كسوة مثله وتوقف مالك في كسوة زوجته لكونها هل تجب لها بعوض مقبوض وهو الانتفاع بها أو بغير عوض وقال سحنون لا يترك له كسوة زوجته وروى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه وبه قال ابن كنانة واختلفوا في بيع كتب العلم عليه على قولين وهذا مبني على كراهية بيع كتب الفقه أو لا كراهية ذلك وأما معرفة الديون التى يحاص بها من الديون التي لا يحاص بها على مذهب مالك فإنها تنقسم أولا إلى قسمين أحدهما أن تكون واجبة عن عوض والثاني أن تكون واجبة من غير عوض فأما الواجبة عن عوض فإنها تنقسم إلى عوض مقبوض وإلى عوض غير مقبوض فأما ما كانت عن عوض مقبوض وسواء أكانت مالا أو أرش جناية فلا خلاف في المذهب أن محاصة الغرماء بها واجبة وأما ما كان عن عوض غير مقبوض فإن ذلك ينقسم خمسة أقسام أحدها أن لا يمكنه دفع العوض بحال كنفقة الزوجات لما يأتي من المدة والثاني أن لا يمكنه دفع العوض ولكن يمكنه دفع ما يستوفي فيه مثل أن يكتري الرجل الدار بالنقد أو يكون العرف فيه النقد ففلس المكتري قبل أن يسكن أو بعد ما سكن بعض السكنى وقبل أن يدفع الكراء والثالث أن يكون دفع العوض يمكن ويلزمه كرأس مال السلم إذا أفلس المسلم إليه قبل دفع رأس المال والرابع أن يمكنه دفع العوض ولا يلزمه مثل السلعة إذا باعها ففلس المبتاع قبل أن يدفعها إليه البائع والخامس أن لا يكون إليه تعجيل دفع العوض مثل أن يسلم الرجل إلى رجل دنانير في عروض إلى أجل فيفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال وقبل أن يحل أجل السلم فأما الذي لا يمكنه دفع العوض بحال فلا محاصة في ذلك إلا في مهور الزوجات إذا أفلس الزوج قبل الدخول

حصہ V02/P218–V02/P220

وأما الذي لا يمكنه دفع العوض ويمكنه دفع ما يستوفي منه مثل المكتري يفلس قبل دفع الكراء فقيل للمكري المحاصة بجميع الثمن وإسلام الدار للغرماء وقيل ليس له إلا المحاصة بما سكن ويأخذ داره وإن كان لم يسكن فليس له إلا أخذ داره وأما ما يمكنه دفع العوض يلزمه وهو إذا كان العوض عينا فقيل يحاص به الغرماء في الواجب له بالعوض ويدفعه وقيل هو أحق به وعلى هذا لا يلزمه دفع العوض وأما ما يمكنه دفع العوض ولا يلزمه فهو بالخيار بين المحاصة والإمساك وذلك هو إذا كان العوض عينا وأما إذا لم يكن إليه تعجيل العوض مثل أن يفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال وقبل أن يحل أجل السلم فإن رضي المسلم إليه أن يعجل العروض ويحاصص الغرماء برأس مال السلم فذلك جائز إن رضي بذلك الغرماء فإن أبى ذلك أحد الغرماء حاص الغرماء برأس المال الواجب له فيما وجد للغريم من مال وفي العروض التي عليه إذا حلت لأنها من مال الفلس وإن شاءوا أن يبيعوها بالنقد ويتحاصوا فيها كان ذلك لهم وأما ما كان من الحقوق الواجبة عن غير عوض فإن ما كان منها غير واجب بالشرع بل بالالتزام كالهبات والصدقات فلا محاصة فيها وأما ما كان منها واجبا بالشرع كنفقة الآباء والأبناء ففيها قولان أحدهما أن المحاصة لا تجب بها وهو قول ابن القاسم والثاني أنها تجب بها إذا لزمت بحكم من السلطان وهو قول أشهب وأما النظر الخامس وهو معرفة وجه التحاص فإن الحكم في ذلك أن يصرف مال الغريم من جنس ديون الغرماء وسواء أكان مال الغرماء من جنس واحد أو من أجناس مختلفة إذ كان لا يقتضي في الديون إلا ما هو من جنس الدين إلا أن يتفقوا من ذلك على شيء يجوز واختلفوا من هذا الباب في فرع طارىء وهو إذا هلك مال المحجور عليه بعد الحجر وقبل قبض الغرماء ممن مصيبته فقال أشهب مصيبته من المفلس وقال ابن الماجشون مصيبته من الغرماء إذا وقفه السلطان وقال ابن القاسم ما يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم لأنه إنما يباع على ملكه وما لا يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغرماء مثل أن يكون المال عينا والدين عينا وكلهم روى قوله عن مالك وفرق أصبغ بين الموت والفلس فقال المصيبة في الموت من الغرماء وفي الفلس من المفلس فهذا هو القول في أصول أحكام المفلس الذي له من المال ما لا يفي بديونه وأما المفلس الذي لا مال له أصلا فإن فقهاء الأمصار مجمعون على أن العدم له تأثير في إسقاط الدين إلى وقت ميسرته إلا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز أن لهم أن يؤاخروه وقال به أحمد من فقهاء الأمصار وكلهم مجمعون على أن المدين إذا ادعى الفلس ولم يعلم صدقه أنه يحبس حتى يتبين صدقه أو يقر له بذلك صاحب الدين فإذا كان ذلك خلي سبيله وحكي عن أبي حنيفة أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار وإنما صار الكل إلى القول بالحبس في الديون وإن كان لم يأت في ذلك أثر صحيح لأن ذلك أمر ضروري في استيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض وهذا دليل على القول بالقياس الذي يقتضي المصلحة وهو الذي يسمى بالقياس المرسل وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام حبس رجلا في تهمة خرجه فيما أحسب أبو داود والمحجورون عند مالك السفهاء والمفلسون والعبيد والمرضى والزوجة فيما فوق الثلث لأنه يرى أن للزوج حقا في المال وخالفه في ذلك الأكثر وهذا القدر كاف بحسب غرضنا في هذا الكتاب كتاب الصلح والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى والصلح خير وما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام مرفوعا وموقوفا على عمر إمضاء الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا واتفق المسلمون على جوازه على الإقرار واختلفوا في جوازه على الإنكار فقال مالك وأبو حنيفة يجوز على الإنكار وقال الشافعي لا يجوز على الإنكار لأنه من أكل المال بالباطل من غير عوض

حصہ V02/P220–V02/P221

والمالكية تقول فيه عوض وهو سقوط الخصومة واندفاع اليمين عنه ولا خلاف في مذهب مالك أن الصلح الذي يقع على الإقرار يراعي في صحته ما يراعي في البيوع فيفسد بما تفسد به البيوع من أنواع الفساد الخاص بالبيوع ويصح بصحته وهذا هو مثل أن يدعي إنسان على آخر دراهم فيصالحه عليها بعد الإقرار بدنانير نسيئة وما أشبه هذا من البيوع الفاسدة من قبل الربا والغرر وأما الصلح على الإنكار فالمشهور فيه عن مالك وأصحابه أنه يراعي فيه من الصحة ما يراعي في البيوع مثل أن يدعي إنسان على آخر دراهم فينكر ثم يصالحه عليها بدنانير مؤجلة فهذا لا يجوز عند مالك وأصحابه وقال أصبغ هو جائز لأن المكروه فيه من الطرف الواحد وهو من جهة الطالب لأنه يعترف أنه أخذ دنانير نسيئة في دراهم حلت له وأما الدافع فيقول هي هبة مني وأما إن ارتفع المكروه من الطرفين مثل أن يدعي كل واحد منهما على صاحبه دنانير أو دراهم فينكر كل واحد منهما صاحبه ثم يصطلحان على أن يؤخر كل واحد منهما صاحبه فيما يدعيه قبله إلى أجل فهذا عندهم هو مكروه أما كراهيته فمخافة أن يكون كل واحد منهما فيكون كل واحد منهما قد أنظر صاحبه لإنظار الآخر إياه فيدخله أسلفني وأسلفك وأما وجه جوازه فلأن كل واحد منهما إنما يقول ما فعلت إنما هو تبرع مني وما كان يجب علي شيء وهذا النحو من البيوع قيل إنه يجوز إذا وقع وقال ابن الماجشون يفسخ إذا وقع عليه أثر عقده فإن طال مضى فالصلح الذي يقع فيه مما لا يجوز في البيوع هو في مذهب مالك على ثلاثة أقسام صلح يفسخ باتفاق وصلح يفسخ باختلاف وصلح لا يفسخ باتفاق إن طال وإن لم يطل فيه اختلاف كتاب الكفالة واختلف العلماء في نوعها وفي وقتها وفي الحكم اللازم عنها وفي شروطها وفي صفة لزومها وفي محلها ولها أسماء كفالة وحمالة وضمانة وزعامة فأما أنواعها فنوعان حمالة بالنفس وحمالة بالمال أما الحمالة بالمال فثابتة بالسنة ومجمع عليها من الصدر الأول ومن فقهاء الأمصار وحكي عن قوم أنها ليست لازمة تشبيها بالعدة وهو شاذ والسنة التي صار إليها الجمهور في ذلك هو قوله عليه الصلاة والسلام الزعيم غارم وأما الحمالة بالنفس وهي التي تعرف بضمان الوجه فجمهور فقهاء الأمصار على جواز وقوعها شرعا إذا كانت بسبب المال وحكي عن الشافعي في الجديد أنها لا تجوز وبه قال داود وحجتهما قوله تعالى قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ولأنها كفالة بنفس فأشبهت الكفالة في الحدود وحجة من أجازها عموم قوله عليه الصلاة والسلام الزعيم غارم وتعلقوا بأن ذلك مصلحة وأنه مروي عن الصدر الأول وأما الحكم اللازم عنها فجمهور القائلين بحمالة النفس متفقون على أن المتحمل عنه إذا مات لم يلزم الكفيل بالوجه شيء وحكي عن بعضهم لزوم ذلك وفرق ابن القاسم بين أن يموت الرجل حاضرا أو غائبا فقال إن مات حاضرا لم يلزم الكفيل شيء وإن مات غائبا نظر فإن كانت المسافة التي بين البلدين مسافة يمكن الحميل فيها إحضاره في الأجل المضروب له في إحضاره وذلك في نحو اليومين إلى الثلاثة ففرط غرم وإلا لم يغرم واختلفوا إذا غاب المتحمل عنه ما حكم الحميل بالوجه على ثلاثة أقوال القول الأول أنه يلزمه أن يحضره أو يغرم وهو قول مالك وأصحابه وأهل المدينة والقول الثاني أنه يحبس الحميل إلى أن يأتي به أو يعلم موته وهو قول أبي حنيفة وأهل العراق والقول الثالث أنه ليس عليه إلا أن يأتي به إذا علم موضعه ومعنى ذلك أن لا يكلف إحضاره إلا مع العلم بالقدرة على إحضاره فإن ادعى الطالب معرفة موضعه على الحميل وأنكر الحميل كلف الطالب بيان ذلك قالوا ولا يحبس الحميل إلا إذا كان المحتمل عنه معلوم الموضع فيكلف حينئذ إحضاره وهذا القول حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه في الفقه عن جماعة من الناس واختاره

حصہ V02/P221–V02/P222

وعمدة مالك أن المتحمل بالوجه غارم لصاحب الحق فوجب عليه الغرم إذا غاب وربما احتج لهم بما روي عن ابن عباس أن رجلا سأل غريمه أن يؤدي إليه ماله أو يعطيه حميلا فلم يقدر حتى حاكمه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فتحمل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أدى المال إليه قالوا فهذا غرم في الحمالة المطلقة وأما أهل العراق فقالوا إنما يجب عليه إحضار ما تحمل به وهو النفس فليس يجب أن يعدى ذلك إلى المال إلا لو شرطه على نفسه وقد قال عليه الصلاة والسلام المؤمنون عند شروطهم فإنما عليه أن يحضر المال أو يحبس فيه كذلك الأمر في ضمان الوجه وعمدة الفريق الثالث أنه إنما يلزمه إحضاره إذا كان إحضاره له مما يمكن وحينئذ يحبس إذا لم يحضره وأما إذا علم أن إحضاره له غير ممكن فليس يجب عليه إحضاره كما أنه إذا مات ليس عليه إحضاره قالوا ومن ضمن الوجه فأغرم المال فهو أحرى أن يكون مغرورا من أن يكون غارا فأما إذا اشترط الوجه دون المال وصرح بالشرط فقد قال مالك إن المال لا يلزمه ولا خلاف في هذا فيما أحسب لأنه كان يكون قد ألزم ضد ما اشترط فهذا هو حكم ضمان الوجه وأما حكم ضمان المال فإن الفقهاء متفقون على أنه إذا عدم المضمون أو غاب أن الضامن غارم واختلفوا إذا حضر الضامن والمضمون وكلاهما موسر فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما و الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق للطالب أن يؤاخذ من شاء من الكفيل أو المكفول وقال مالك في أحد قوليه ليس له أن يأخذ الكفيل مع وجود المتكفل عنه وله قول آخر مثل قول الجمهور وقال أبو ثور الحمالة والكفالة واحدة ومن ضمن عن رجل مالا لزمه وبرىء المضمون ولا يجوز أن يكون مال واحد على اثنين وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة ومن الحجة لمن رأى أن الطالب يجوز له مطالبة الضامن كان المضمون عنه غائبا أو حاضرا غنيا أو عديما حديث قبيصة بن المخارقي قال تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عنها فقال نخرجها عنك من إبل الصدقة يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا في ثلاث وذكر رجلا تحمل حمالة رجل حتى يؤديها ووجه الدليل من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح المسألة للمتحمل دون اعتبار حال المتحمل عنه وأما محل الكفالة فهي الأموال عند جمهور أهل العلم لقوله عليه الصلاة والسلام الزعيم غارم أعني كفالة المال وكفالة الوجه وسواء تعلقت الأموال من قبل أموال أو من قبل حدود مثل المال الواجب في قتل الخطأ أو الصلح في قتل العمد أو السرقة التي ليس يتعلق بها قطع وهي ما دون النصاب أو من غير ذلك وروي عن أبي حنيفة إجازة الكفالة في الحدود والقصاص أو في القصاص دون الحدود وهو قول عثمان البتي أعني كفالة النفس وأما وقت وجوب الكفالة بالمال أعني مطالبته بالكفيل فأجمع العلماء على أن ذلك بعد ثبوت الحق على المكفول إما بإقرار وإما ببينة وأما وقت وجوب الكفالة بالوجه فاختلفوا هل تلزم قبل إثبات الحق أم لا فقال قوم إنها لا تلزم قبل إثبات الحق بوجه من الوجوه وهو قول شريح القاضي والشعبي وبه قال سحنون من أصحاب مالك

حصہ V02/P222–V02/P223

وقال قوم بل يجب أخذ الكفيل بالوجه على إثبات الحق وهؤلاء اختلفوا متى يلزم ذلك وإلى كم من المدة يلزم فقال قوم إن أتى بشبهة قوية مثل شاهد واحد لزمه أن يعطي ضامنا بوجهه حتى يلوح حقه وألا لم يلزمه الكفيل إلا أن يذكر بينة حاضرة في المصر فيعطيه حميلا من الخمسة الأيام إلى الجمعة وهو قول ابن القاسم من أصحاب مالك وقال أهل العراق لا يؤخذ عليهم حميل قبل ثبوت الحق إلا أن يدعي بينة حاضرة في المصر نحو قول ابن القاسم وإلا أنهم حدوا ذلك بالثلاثة الأيام يقولون إنه إن أتى يشبهة لزمه أن يعطيه حميلا حتى يثبت دعواه أو تبطل وقد أنكروا الفرق في ذلك والفرق بين الذي يدعي البينة الحاضرة والغائبة وقالوا لا يؤخذ حميل على أحد إلا ببينة وذلك إلى بيان صدق دعواه أو إبطالها وسبب هذا الاختلاف تعارض وجه العدل بين الخصمين في ذلك فإنه إذا لم يؤخذ عليه ضامن بمجرد الدعوى لم يؤمن أن يغيب بوجهه فيعنت طالبه وإذا أخذ عليه لم يؤمن أن تكون الدعوى باطلة فيعنت المطلوب ولهذا فرق من فرق بين دعوى البينة الحاضرة والغائبة وروي عن عراك بن مالك قال أقبل نفر من الأعراب معهم ظهر فصحبهم رجلان فباتا معهم فأصبح القوم وقد فقدوا كذا وكذا من إبلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الرجلين اذهب واطلب وحبس الآخر فجاء بما ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الرجلين استغفر لي فقال غفر الله لك قال وأنت فغفر الله لك وقتلك في سبيله خرج هذا الحديث أبو عبيد في كتابه في الفقه قال وحمله بعض العلماء على أن ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسا قال ولا يعجبني ذلك لأنه لا يجب الحبس بمجرد الدعوى وإنما هو عندي من باب الكفالة بالحق الذي لم يجب إذ كانت هنالك شبهة لمكان صحبتهما لهم فأما أصناف المضمونين فليس يلحق من قبل ذلك اختلاف مشهور لاختلافهم في ضمان الميت إذا كان عليه دين ولم يترك وفاء بدينه فأجازه مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز واستدل أبو حنيفة من قبل أن الضمان لا يتعلق بمعدوم قطعا وليس كذلك المفلس واستدل من رأى أن الضمان يلزمه بما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في صدر الإسلام لا يصلي على من مات وعليه دين حتى يضمن عنه والجمهور يصح عندهم كفالة المحبوس والغائب ولا يصح عند أبي حنيفة وأما شروط الكفالة فإن أبا حنيفة والشافعي يشترطان في وجوب رجوع الضامن على المضمون بما أدى عنه أن يكون الضمان بإذنه ومالك لا يشترط ذلك ولا تجوز عند الشافعي كفالة المجهول ولا الحق الذي لم يجب بعد وكل ذلك لازم وجائز عند مالك وأصحابه وأما ما تجوز فيه الحمالة بالمال مما لا تجوز فإنها تجوز عند مالك بكل مال ثابت في الذمة إلا الكتابة وما لا يجوز فيه التأخير وما يستحق شيئا فشيئا مثل النفقات على الأزواج وما شاكلها كتاب الحوالة والحوالة معاملة صحيحة مستثناة من الدين بالدين لقوله عليه الصلاة والسلام مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على غني فليستحل والنظر في شروطها وفي حكمها فمن الشروط اختلافهم في اعتبار رضا المحال والمحال عليه فمن الناس من اعتبر رضا المحال ولم يعتبر رضا المحال عليه وهو مالك ومن الناس من اعتبر رضاهما معا ومن الناس من لم يعتبر رضا المحال واعتبر رضا المحال عليه وهو نقيض مذهب مالك وبه قال داود فمن رأى أنها معاملة اعتبر رضا الصنفين ومن أنزل المحال عليه من المحال منزلته من المحيل لم يعتبر رضاه معه كما لا يعتبره مع المحيل إذا طلب منه حقه ولم يحل عليه أحدا وأما داود فحجته ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع والأمر على الوجوب وبقي المحال عليه على الأصل وهو اشتراط اعتبار رضاه

حصہ V02/P223–V02/P225

ومن الشروط التي اتفق عليها في الجملة كون ما على المحال عليه مجانسا لما على المحيل قدرا ووصفا إلا أن منهم من أجازها في الذهب والدراهم فقط ومنعها في الطعام والذين منعوها في ذلك رأوا أنها من باب الطعام قبل أن يستوفي لأنه باع الطعام الذي كان له على غريمه بالطعام الذي كان عليه وذلك قبل أن يستوفيه من غريمه وأجاز ذلك مالك إذا كان الطعامان كلاهما من قرض إذا كان دين المحال حالا وأما إن كان أحدهما من سلم فإنه لا يجوز إلا أن يكون الدينان حالين وعند ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حالا ولم يفرق بين ذلك الشافعي لأنه كالبيع في ضمان المستقرض وإنما رخص مالك في القرض لأنه يجوز عنده بيع القرض قبل أن يستوفي وأما أبو حنيفة فأجاز الحوالة بالطعام وشبهها بالدراهم وجعلها خارجة عن الأصول كخروج الحوالة بالدراهم والمسألة مبنية على أن ما شذ عن الأصول هل يقاس عليه أم لا والمسألة مشهورة في أصول الفقه وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط أحدها أن يكون دين المحال حالا لأنه إن لم يكن حالا كان دينا بدين والثاني أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعا ولم يكن حوالة فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين والشرط الثالث أن لا يكون الدين طعاما من سلم أو أحدهما ولم يحل الدين المستحال به على مذهب ابن القاسم وإذا كان الطعامان جميعا من سلم فلا تجوز الحوالة بأحدهما على الآخر حلت الآجال أو لم تحل أو حل أحدهما ولم يحل الآخر لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفي كما قلنا لكن أشهب يقول إن استوت رؤوس أموالهما جازت الحوالة وكانت تولية وابن القاسم لا يقول ذلك كالحال إذا اختلفت ويتنزل المحال في الدين الذي أحيل عليه منزلة من أحاله ومنزلته في الدين الذي أحال به وذلك فيما يريد أن يأخذ بدله منه أو يبيعه له من غيره أعني أنه لا يجوز له من ذلك إلا ما يجوز له مع الذي أحاله وما يجوز للذي أحال مع الذي أحاله عليه ومثال ذلك إن احتال بطعام كان له من قرض في طعام من سلم أو بطعام من سلم في طعام من قرض لم يجز له أن يبيعه من غيره قبل قبضه منه لأنه إن كان احتال بطعام كان من قرض في طعام من سلم نزل منزلة المحيل في أنه لا يجوز له بيع ما على غريمه قبل أن يستوفيه لكونه طعاما من بيع وإن كان احتال بطعام من سلم في طعام من قرض نزل من المحتال عليه منزلته مع من أحاله أعني أنه ما كان يجوز له أن يبيع الطعام الذي كان على غريمه المحيل له قبل أن يستوفيه كذلك لا يجوز أن يبيع الطعام الذي أحيل عليه وإن كان من قرض وهذا كله مذهب مالك وأدلة هذه الفروق ضعيفة وأما أحكامها فإن جمهور العلماء على أن الحوالة ضد الحمالة في أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء قال مالك وأصحابه إلا أن يكون المحيل غره فأحاله على عديم وقال أبو حنيفة يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات عليه مفلسا أو جحد الحوالة وإن لم تكن له بينة وبه قال شريح وعثمان البتي وجماعة وسبب اختلافهم مشابهة الحوالة للحمالة كتاب الوكالة وفيها ثلاث أبواب الباب الأول في أركانها وهي النظر فيما فيه التوكيل وفي الموكل والثاني في أحكام الوكالة والثالث في مخالفة الموكل للوكيل الباب الأول في أركانها وهي النظر فيما فيه التوكيل وفي الموكل وفي الموكل الركن الأول في الموكل واتفقوا على وكالة الغائب والمريض والمرأة المالكين لأمور أنفسهم واختلفوا في وكالة الحاضر الذكر الصحيح فقال مالك تجوز وكالة الحاضر الصحيح الذكر وبه قال الشافعي

حصہ V02/P225–V02/P226

وقال أبو حنيفة لا تجوز وكالة الصحيح الحاضر ولا المرأة إلا أن تكون برزة فمن رأى أن الأصل لا ينوب فعل الغير عن فعل الغير إلا ما دعت إليه الضرورة وانعقد الإجماع عليه قال لا تجوز نيابة من اختلف في نيابته ومن رأى أن الأصل هو الجواز قال الوكالة في كل شيء جائزة إلا فيما أجمع على أنه لا تصح فيه من العبادات وما جرى مجراها الركن الثاني في الوكيل وشرط الوكيل أن لا يكون ممنوعا بالشرع من تصرفه في الشيء الذي وكل فيه فلا يصح توكيل الصبي ولا المجنون ولا المرأة عند مالك والشافعي على عقد النكاح أما عند الشافعي فلا بمباشرة ولا بواسطة أي بأن توكل هي من يلي عقد النكاح ويجوز عند مالك بالواسطة الذكر الركن الثالث فيما فيه التوكيل وشرط محل التوكيل أن يكون قابلا للنيابة مثل البيع والحوالة والضمان وسائر العقود والفسوخ والشركة والوكالة والمصارفة والمجاعلة والمساقاة والطلاق والنكاح والخلع والصلح ولا تجوز في العبادات البدنية وتجوز في المالية كالصدقة والزكاة والحج وتجوز عند مالك في الخصومة على الإقرار والإنكار وقال الشافعي في أحد قوليه لا تجوز على الإقرار وشبه ذلك بالشهادة والأيمان وتجوز الوكالة على استيفاء العقوبات عند مالك وعند الشافعي مع الحضور قولان والذين قالوا إن الوكالة تجوز على الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا فقال مالك لا يتضمن وقال أبو حنيفة يتضمن الركن الرابع وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد وهي ضربان عند مالك عامة وخاصة فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض وقال الشافعي لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع إلا ما وقع عليه الإجماع الباب الثاني في الأحكام وأما الأحكام فمنها أحكام العقد ومنها أحكام فعل الوكيل فأما هذا العقد فهو كما قلنا عقد غير لازم للوكيل أن يدع الوكالة متى شاء عند الجميع لكن أبو حنيفة يشترط في ذلك حضور الموكل وللموكل أن يعزله متى شاء قالوا إلا أن تكون وكالة في خصومة وقال أصبغ له ذلك ما لم يشرف على تمام الحكم وليس للوكيل أن يعزل نفسه في الموضع الذي لا يجوز أن يعزله الموكل وليس من شروط انعقاد هذا العقد حضور الخصم عند مالك والشافعي وقال أبو حنيفة ذلك من شروطه وكذلك ليس من شرط إثباتها عند الحاكم حضوره عند مالك وقال الشافعي من شرطه واختلف أصحاب مالك هل تنفسخ الوكالة بموت الموكل على قولين فإذا قلنا تنفسخ بالموت كما تنفسخ بالعزل فمتى يكون الوكيل معزولا والوكالة منفسخة في حق من عامله في المذهب فيه ثلاثة أقوال الأول أنها تنفسخ في حق الجميع بالموت والعزل والثاني أنها تنفسخ في حق كل واحد منهم بالعلم فمن علم انفسخت في حقه ومن لم يعلم لم تنفسخ في حقه والثالث أنها تنفسخ في حق عامل الوكيل بعلم الوكيل وإن لم يعلم هو ولا تنفسخ في حق الوكيل بعلم الذي عامله إذا لم يعلم الوكيل ولكن من دفع إليه شيئا بعد العلم بعزله ضمنه لأنه دفع إلى من يعلم أنه يعلم أنه ليس بوكيل وأما أحكام الوكيل ففيها مسائل مشهورة أحدها إذا وكل على بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه فقال مالك يجوز

حصہ V02/P226–V02/P228

وقد قيل عنه لا يجوز وقال الشافعي لا يجوز وكذلك عند مالك الأب والوصي ومنها إذا وكله في البيع وكالة مطلقة لم يجز له عند مالك أن يبيع إلا بثمن مثله نقدا بنقد البلد ولا يجوز إن باع نسيئة أو بغير نقد البلد أو بغير ثمن المثل وكذلك الأمر عنده في الشراء وفرق أبو حنيفة بين البيع والشراء لمعين فقال يجوز في البيع أن يبيع بغير ثمن المثل وأن يبيع نسيئة ولم يجز إذا وكله في شراء عبد بعينه أن يشتريه إلا بثمن المثل نقدا ويشبه أن يكون أبو حنيفة إنما فرق بين الوكالة على شراء شيء بعينه لأن من حجته أنه كما أن الرجل قد يبيع بأقل من ثمن مثله ونساء لمصلحة يراها في ذلك كله كذلك حكم الوكيل إذ قد أنزله منزلته وقول الجمهور أبين وكل ما يعتدي فيه الوكيل ضمن عند من يرى أنه تعدى وإذا اشترى الوكيل شيئا وأعلم أن الشراء للموكل فالملك ينتقل إلى الموكل وقال أبو حنيفة إلى الوكيل أولا ثم إلى الموكل وإذا دفع الوكيل دينا عن الموكل ولم يشهد فأنكر الذي له الدين القبض ضمن الوكيل الباب الثالث مخالفة الموكل للوكيل وأما اختلاف الوكيل مع الموكل فقد يكون في ضياع المال الذي استقر عند الوكيل وقد يكون في دفعه إلى الموكل وقد يكون في مقدار الثمن الذي باع به أو اشترى إذا أمره بثمن محدود وقد يكون في المثمون وقد يكون في تعيين من أمره بالدفع إليه وقد يكون في دعوى التعدي فإذا اختلفا في ضياع المال فقال الوكيل ضاع مني وقال الموكل لم يضع فالقول قول الوكيل إن كان لم يقبضه ببينة فإن كان المال قد قبضه الوكيل من غريم الموكل ولم يشهد الغريم على الدفع لم يبرأ الغريم بإقرار الوكيل عند مالك وغرم ثانية وهل يرجع الغريم على الوكيل فيه خلاف وإن كان قد قبضه ببينة برىء ولم يلزم الوكيل شيء وأما إذا اختلفا في الدفع فقال الوكيل دفعته إليك وقال الموكل لا فقيل القول قول الوكيل وقيل القول قول الموكل وقيل إن تباعد ذلك فالقول قول الوكيل وأما اختلافهم في مقدار الثمن الذي به أمره بالشراء فقال ابن القاسم إن لم تفت السلعة قالقول قول المشتري وإن فاتت فالقول قول الوكيل وقيل يتحالفان وينفسخ البيع ويتراجعان وإن فاتت بالقيمة وإن كان اختلافهم في مقدار الثمن الذي أمره به في البيع فعند ابن القاسم أن القول فيه قول الموكل لأنه جعل دفع الثمن بمنزلة فوات السلعة في الشراء وأما إذا اختلفا فيمن أمره بالدفع ففي المذهب فيه قولان المشهور أن القول قول المأمور وقيل القول قول الآمر وأما إذا فعل الوكيل فعلا هو تعد وزعم أن الموكل أمره فالمشهور أن القول قول الموكل وقد قيل إن القول قول الوكيل إنه قد أمره لأنه قد ائتمنه على الفعل كتاب اللقطة والنظر في اللقطة في جملتين الجملة الأولى في أركانها والثانية في أحكامها الجملة الأولى في أركانها والأركان ثلاثة الالتقاط والملتقط واللقطة فأما الالتقاط فاختلف العلماء هل هو أفضل أم الترك فقال أبو حنيفة الأفضل الالتقاط لأنه من الواجب على المسلم أن يحفظ مال أخيه المسلم وبه قال الشافعي وقال مالك وجماعة بكراهية الالتقاط وروي عن ابن عمر وابن عباس وبه قال أحمد وذلك لأمرين أحدهما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ضالة المؤمن حرق النار ولما يخاف أيضا من التقصير في القيام بما يجب لها من التعريف وترك التعدي عليها وتأول الذين رأوا الالتقاط أول الحديث وقالوا أراد بذلك الانتفاع بها لا أخذها للتعريف وقال قوم بل لقطها واجب وقد قيل إن هذا الاختلاف إذا كانت اللقطة بين قوم مأمونين والإمام عادل قالوا وإن كانت اللقطة بين قوم غير مأمونين والإمام عادل فواجب التقاطها وإن كانت بين قوم مأمونين والإمام جائز فالأفضل إن لا يلتقطها

سوالات