İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إنه اختلاف في الفروع بتأويل سائغ فلم يمنع صحة القضاء ولم يفسق كاختلاف الفقهاء فإذا ثبت هذا فإنا إذا حكم بما لا يخالف إجماعا نفذ حكمه وإن خالف ذلك نقض حكمه فقاضي أهل البغي أولى وإن حكم بسقوط الضمان عن أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه لأنه موضع اجتهاد وإن كان حكمه فيما أتلفوه قبل قيام الحرب لم ينفذ لأنه مخالف للإجماع وإن حكم على أهل العدل بوجوب الضمان فيما أتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للإجماع وإن حكم بوجوب ضمان ما أتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه وإن كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل جاز قبول كتابه لأنه قاض ثابت القضايا نافذ الأحكام والأولى أن لا يقبله كسرا لقلوبهم وقال أصحاب الرأي لا يقبله لأن قضاؤه لا يجوز وقد سبق الكلام في هذا فأما الخوارج إذا ولوا قاضيا لم يجز قضاؤه لأن أقل أحوالهم الفسق والفسق ينافي القضاء ويحتمل أن يصح قضاؤه وتنفذ أحكامه لأن هذا مما يتطاول وفي القضاء بفساد قضاياه وعقوده الأنكحة وغيرها ضرر كثير فجاز دفعا للضرر كما لو أقام الحدود وأخذ الجزية والخراج والزكاة فصل وإن ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب الحد ثم قدر عليهم أقيمت فيهم حدود الله تعالى ولا تسقط باختلاف الدار وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة إذا امتنعوا بدار لم يجب الحد على أحد منهم ولا على من عندهم من تاجر أو أسير لأنهم خارجون عن دار الإمام فأشبهوا من في دار الحرب ولنا عموم الآيات والأخبار ولأن كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها كدار أهل العدل ولأنه زان أو سارق لا شبهة في زناه وسرقته فوجب عليه الحد كالذي في دار العدل وهكدا نقول فيمن أتى حدا في دار الحرب فإنه يجب عليه لكن لا يقام إلا في دار الإسلام على ما ذكرناه في موضعه فصل وإذا استعان أهل البغي بالكفار فلا يخلو من ثلاثة أصناف أحدهما أهل الحرب فإذا استعانوا بهم أو آمنوهم أو عقدوا لهم ذمة لم يصح واحد منهم لأن الأمان من شرط صحته إلزام كفهم عن المسلمين وهؤلاء يشترطون عليهم قتال المسلمين فلا يصح ولأهل العدل قتالهم كن لم يؤمنوه سواء وحكم أسيرهم حكم أسير سائر أهل الحرب قبل الاستعانة بهم فأما أهل البغي فلا يجوز لهم قتلهم لأنهم آمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم الصنف الثاني المستأمنون فمتى استعانوا بهم فأعانوهم نقضوا عهدهم وصاروا كأهل الحرب لأنهم تركوا الشرط وهو كفهم عن المسلمين فإن فعلوا ذلك مكرهين لم ينتقض عهدهم لأن لهم عذرا وإن ادعوا الإكراه لم يقبل قولهم إلا ببينة لأن الأصل عدمه الصنف الثالث أهل الذمة فإذا أعانوهم وقاتلوا معهم ففيهم وجهان ذكرهما أبو بكر أحدهما ينتقض عهدهم لأنهم قاتلوا أهل الحق فينتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتالهم والثاني لا ينتقض لأن أهل الذمة لا يعرفون المحق من المبطل فيكون ذلك شبهة لهم وللشافعي قولان كالوجهين فإن قلنا ينتقض عهدهم صاروا كأهل الحرب فيما ذكرنا وإن قلنا ينتقض عهدهم فحكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم والكف عن أسيرهم ومدبرهم وجريحهم إلا أنهم يضمنون ما أتلفوا على أهل العدل حال القتال وغيره بخلاف أهل البغي فإنهم لا يضمنون ما أتلفوا حال الحرب لأنهم أتلفوا بتأويل سائغ وهؤلاء لا تأويل لهم ولأنه سقط الضمان عن المسلمين كيلا يؤدي إلى تنفيهم عن الرجوع إلى الطاعة وأهل الذمة لا حاجة بنا إلى ذلك فيهم وإن أكرههم البغاة على معونتهم لم ينتقض عهدهم وإن ادعوا ذلك قبل قولهم لأنهم تحت أيديهم وقدرتهم وإن قالوا ظننا أن من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته لم ينتقض عهدهم وإن فعل ذلك المستأمنون انتقض عهدهم والفرق بينهما أن أهل الذمة أقوى حكما لأن عهدهم مؤبد ولا يجوز نقضه لخوف الخيانة منهم ويلزمه الإمام الدفع عنهم والمستأمنون بخلاف ذلك
فصل وإذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين لزمهم ضمان ما أتلفوه سواء تحيزوا أو صاروا في منعة أو لم يصيروا ذكره أبو بكر قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد وقال الشافعي حكمهم حكم أهل البغي فيما أتلفوا من الأنفس والأموال لأن تضمينهم يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الإسلام فأشبهوا أهل البغي ولنا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لأهل الردة حين رجعوا تردون علينا ما أخذتم منا ولا نرد عليكم ما أخذنا منكم وإن تدوا قتلانا ولا ندي قتلاكم قالوا نعم يا خليفة رسول الله فقال عمر كل ما قلت كما قلت إلا أن يدوا ما قتل منا فلا لأنهم قوم قتلوا في سبيل الله واستشهدوا ولأنهم أتلفوه بغير تأويل فأشبهوا أهل الذمة فأما القتلى فحكمهم فيهم حكم أهل البغي لما ذكرنا من خبر أبي بكر وعمر ولأن طليحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن الأسدي وثابت بن أثرم فلم يغرمهما وبنو حنيفة قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة فلم يغرموا شيئا ويحتمل أن يحمل أحمد وكلامه في المال على وجوب رد ما في أيديهم دون ما أتلفوه وعلى من أتلف من غير أن يكون له منعة أو أتلف في غير الحرب وما أتلفوه حال الحرب فلا ضمان عليهم فيه لأنه إذا سقط ذلك عن أهل البغي كيلا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلأن يسقط ذلك كيلا يؤدي إلى التنفير عن الإسلام أولى ولأنهم إذا امتنعوا صاروا كفارا ممتنعين بدارهم فأشبهوا أهل الحرب ويحمل قول أبي بكر على ما بقي في أيديهم من المال فيكون مذهب أحمد ومذهب الشافعي في هذا سواء وهذا أعدل وأصح إن شاء الله تعالى فأما من لا منعة له فيضمن ما أتلف من نفس ومال كالواحد من المسلمين أو أهل الذمة لأنه لا منعة له ولا يكثر ذلك منه فبقي المال والنفس بالنسبة إليه على عصمته ووجوب ضمانه والله أعلم كتاب المرتد المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر قال الله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون البقرة 217 وقال النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم ولم ينكر ذلك فكان إجماعا مسألة قال ( ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا دعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه فإن رجع وإلا قتل ) في هذه المسألة فصول خمسة أحدها أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل روي ذلك عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وبه قال الحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد ومالك والليث والأزواعي والشافعي وإسحاق وروي عن علي والحسن وقتادة أنها تسترق لا تقتل ولأن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة وذراريهم وأعطى عليا منهم امرأة فولدت له محمد بن الحنفية وكان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا وقال أبوحنيفة تجبر على الإسلام بالحبس والضرب ولا تقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا امرأة ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي فلا تقتل بالطارىء كالصبي
ولنا قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه رواه البخاري وأبو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم إلا إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة متفق عليه وروى الدارقطني أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فبلغ أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت ولأنها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل فيقتل كالرجل وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة فالمراد به الأصلية فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية ولذلك نهى الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء ولم يكن فيهم مرتد ويخالف الكفر الأصلي الطارىء بدليل أن الرجل يقر عليه ولا يقتل أهل الصوامع والشيوخ والمكافيف ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس والكفر الطارئ بخلافه والصبي غير مكلف بخلاف المرأة وأما بنو حنيفة فلم يثبت أن من استرق منهم تقدم له إسلام ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم وإنما أسلم بعضهم والظاهر أن الذين أسلموا كانوا رجالا فمنهم من ثبت على إسلامه منهم ثمامة بن أثال ومنهم من ارتد منهمه الدجال الحنفي الفصل الثاني أن الردة لا تصح إلا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له والمجنون ومن زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء يباح شربه فلا تصح ردته ولا حكم لكلامه بغير خلاف قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه أنه مسلم على ما كان عليه قبل ذلك ولو قتله قاتل عمدا كان عليه القود إذا طلب أولياؤه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولأنه غسر مكلف فلم يؤاخذ بكلامه كما لو لم يؤاخذ به في إقراره ولا طلاقه ولا إعتاقه وأما السكران والصبي العاقل فنذكر حكمهما فيما بعد إن شاء الله الفصل الثالث أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا هذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وعطاء والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وروي عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب وهذا القول الثاني للشافعي وهو قول عبيد بن عمير وطاوس ويروي ذلك الحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولم يذكر استتابه وروى أن معاذا قدم على أبي موسى فوجد عنده رجلا موثقا فقال ماهذا قال رجل كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود قال لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قال اجلس قال لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل متفق عليه ولم يذكر استتابته ولأنه يقتل لكفره فلم تجب استتابته كالأصلي ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن ولو حرم قتله قبله ضمن وقال عطاء إن كان مسلما أصليا لم يستتب وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب ولنا حديث أم مروان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستتاب ورى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن حمد بن عبد الله بن عبد القارىء عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر هل كان من معربة خبر قال نعم رجل كفر بعد إسلامه فقال ما فعلتم به قال قربناه فضربنا عنقه فقال عمر فهلا حبستموه ثلاثا فأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب أن يراجع أمر الله اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أمرض إذ بلغني ولو لم تجب استتابته لما برىء من فعلهم ولأنه أمكن استصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه كالثوب النجس وأما الأمر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة بدليل ما ذكرنا وأما حديث معاذ فإنه قد جاء فيه وكان قد استتيب
ويروي أن أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه وفي رواية فدعاه عشرين ليلة أو قريبا من ذلك فجاء معاذ فدعاه وأبى فضرب عنقه رواه داود لا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم وشيوخهم إذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام روى ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال مالك وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر إن تاب في الحال والا قتل مكانه وهذا أصح قوليه وهو قول ابن المنذر لحديث أم مروان ومعاذ لأنه مصر على كفره أشبه بعد الثلاث وقال الزهري يعدي ثلاث مرات فإن أبى ضربت عنقه وهذا يشبه قول الشافعي وقال النخعي يستتاب أبدا وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدا وهو مخالف للسنة والإجماع وعن علي أنه استتاب رجلا شهرا ولنا حديث عمر ولأن الردة إنما تكون لشبهة ولا تزول في الحال فوجب أن ينتظر مدة يرتأي فيها وأولى ذلك ثلاثة أيام للأثر فيها وأنها مدة قريبة وينبغي أن يضيق عليه في مدة الاستتابة ويحبس لقول عمر هلا حبستموه وأطعمتموه كل يوم رغيفا ويكرر دعايته لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه الفصل الرابع أنه إن لم يتب قتل لما قدمنا ذكره وهو قول عامة الفقهاء ويقتل بالسيف لأنه آلة القتل ولا يحرق بالنار وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق المرتدين وفعل ذلك بهم خالد والأول أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله يعني النار أخرجه البخاري وأبو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة الفصل الخامس أن مفهوم كلام الخرقي أنه إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل أي كفر كان وسواء كان زنديقا يستسر بالكفر أو لم يكن وهذا مذهب الشافعي والعنبري ويروي عن علي وابن مسعود وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار أبي بكر الخلال وقال إنه أولى على مذهب أبي عبد الله والرواية الأخرى لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته هو قول مالك والليث وإسحاق وعن أبي حنيفة روايتان كهاتين وأخبار أبو بكر أنه لا تقبل توبة الزنديق لقول الله تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا البقرة 160 والزنديق لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته لأنه كان مظهرا للإسلام مسرا للكفر فإذا وقف على ذلك فأظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الإسلام وأما من تكررت ردته فقد قال الله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا النساء 137 وروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة أن رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة فرجع إلى ابن مسعود فذكر ذلك له فبعث إليهم فأتي بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم إلا رجلا منهم يقال له ابن النواحة قال قد أتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت وأراك قد عدت فقتله ووجه الرواية الأولى قول الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال 38 وروي أن رجلا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ساره به حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قت لرجل من المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم وقد قال الله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا النساء 145
وروي أن محش بن حمير كان في النفر الذين أنزل الله فيهم ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب التوبة 65 فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وتاب إلى الله تعالى فقبل الله توبته وهو الطائفة التي عنى الله تعالى بقوله إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة التوبة 66 فهو الذي عفا الله عنه وسأل الله تعالى أن يقتل في سبيله ولا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يعلم موضعه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين بما أظهروا من الشهادة مع أخبار الله تعالى له بباطنهم بقوله تعالى ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون التوبة 56 وغيرها من الآيات وحديث ابن مسعود حجة في قبول توبتهم مع استسرارهم بكفرهم وأما قتله ابن النواحة فيحتمل أنه قتله لظهور كذبه في توبته لأنه أظهرها وتبين أنه ما زال عما كان عليه من كفره ويحتمل أنه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم له حين جاء رسولا لمسيلمة لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك فقتله تحقيقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه قتله لذلك وفي الجملة فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرا أم باطنا فلا خلاف فيه فإن الله تعالى قال في المنافقين إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما النساء 146 فصل وقتل المرتد إلى الإمام حرا كان أو عبدا وهذا قول عامة أهل العلم إلا الشافعي في أحد الوجهين في العبد فإن لسيده قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ولأن حفصة قتلت جارية سحرتها ولأنه حق الله تعالى فملك السيد إقامته على عبده كجلد الزاني ولنا إنه قتل لحق الله تعالى فكان إلى الإمام كرجم الزاني وكقتل الحر وأما قوله وأقيموا الحدود فلا يتناول القتل للردة فإنه قتل لكفره لا حدا في حقه وأما خبر حفصة فإن عثمان تغيط عليها وشق ذلك عليه وأما الجلد في الزنا فإنه تأذيب وللسيد تأديب عبده بخلاف القتل فإن قتله غير الإمام أساء ولا ضمان عليه لأنه محل غير معصوم وسواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها لذلك وعلى من فعل ذلك التعزير لإساءته وافتياته مسألة قال ( وكان ماله فيئا بعد قضاء دينه ) وجملته أن المرتد إذا قتل أو مات على ردته فإنه يبدأ بقضاء دينه وأرش جنايته ونفقة زوجته وقريبه لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها وأولى ما يوجد من ماله وما بقي من ماله فهو فيء يجعل في بيت المال وعن أحمد رواية أخرى تدل على أنه لورثته من المسلمين وعنه أنه لقرابته من أهل الدين الذي انتقل إليه وقد مضت هذه المسألة مستوفاة في الفرائض بما أغنى عن ذكرها ها هنا فصل ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته في قول أكثر أهل العلم وقال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم فعلى هذا إن قتل أو مات زال ملكه بموته وإن راجع الإسلام فملكه باق له وقال أبو بكر يزول ملكه بردته وإن راجع الإسلام عاد إليه تمليكا مستأنفا لأن عصمة نفسه وماله إنما تثبت بإسلامه فزوال إسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته فوجب أن يملكوا ماله بها وقال أصحاب أبي حنيفة ماله موقوف إن أسلم تبينا بقاء ملكه وإن مات أو قتل على ردته تبينا زواله من حين ردته قال الشريف أبو جعفر هذا ظاهر كلام أحمد وعن الشافعي ثلاثة أقوال كهذه الثلاثة
ولنا إنه سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه كزنا المحصن والقتل لمن يكافئه عمدا وزوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك بدليل الزاني المحصن والقاتل في المحاربة وأهل الحرب فإن ملكهم ثابت مع عصمتهم ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه لأنه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب وكذلك لو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة إمام المسلمين زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم لأن الكفار الأصليين لا عصمة لهم في دارهم فالمرتد أولى فصل ويؤخذ مال المرتد فيجعل عند ثقة من المسلمين وإن كان له إماء جعلن عند امرأة ثقة لأنهن محرمات عليه فلا يمكن منهن وذكر القاضي أنه يؤجر عقاره وعبيده وإماءه والأولى أن لا يفعل لأن مدة انتظاره فيها ضرر فلا يفوت عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه من أجلها فإنه ربما راجع الإسلام فيمتنع عليه التصرف في ماله بإجارة الحاكم له وإن لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذي يحتاج إلى النفقة وغيره وإجارة ما يرى إبقاءه والمكاتب يؤدي إلى الحاكم فإذا أدى عتق لأنه نائب عنه فصل وتصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوف إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحا وإن قتل أو مات على ردته كان باطلا وهو قول أبي حنيفة وعلى قول أبي بكر تصرفه باطل لأن ملكه قد زال بردته وهذا أحد أقوال الشافعي وقال في الآخر إن تصرف قبل الحجر عليه انبنى على الأقوال الثلاثة وإن تصرف بعد الحجر عليه لم يصح تصرفه كالسفيه ولنا إن ملكه تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه فكان تصرفه موقوفا كتبرع المريض فصل وإن تزوج لم يصح تزوجه لأنه لا يقر على النكاح وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة وإن زوج لم يصح تزويجه لأن ولايته على موليته قد زالت بردته وإن زوج أمته لم يصح لأن النكاح لا يكون موقوفا ولأن النكاح وإن كان في الأمة فلا بد في عقده من ولاية صحيحة بدليل أن المرأة لا يجوز أن تزوج أمتها وكذلك الفاسق والمرتد لا ولاية له فإنه أدنى حالا من الفاسق الكافر فصل وإن وجد من المرتد سبب يقتضي الملك كالصيد والاحتشاش والاتهاب والشراء وإيجار نفسه إجارة خاصة أو مشتركة ثبت الملك له لأنه أهل للملك وكذلك تثبت أملاكه ومن قال إن ملكه يزول لم يثبت له ملكا لأنه ليس بأهل للملك ولهذا زالت أملاكه الثابتة له فإن راجع الإسلام احتمل أن لا يثبت له شيء أيضا لأن السبب لم يثبت حكمه واحتمل أن يثبت الملك له حينئذ لأن السبب موجود وإنما امتنع ثبوت حكمه لعدم أهليته فإذا وحدت تحقق الشرط فيثبت الملك حينئذ كما تعود إليه أملاكه التي زالت عند عدم أهليته فعلى هذا إن مات أو قتل ثبت الملك لمن ينتقل إليه ملكه لأن هذا في معناه فصل وإن لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه كالحكم فيمن هو في دار الإسلام إلا أن ما كان معه من ماله يصير مباحا لمن قدر عليه كما أبيح دمه وأما أملاكه وماله الذي في دار الإسلام فملكه ثابت فيه ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه وقال أبو حنيفة يورث ماله كما لو مات لأنه قد صار في حكم الموتى بدليل حل دمه وماله الذي معه لكل من قدر عليه ولنا إنه حي يورث كالحربي الأصلي وحل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصلي وإنما حل ماله الذي معه لأنه زال العاصم له فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب وأما الذي في دار الإسلام فهو باق على العصمة كمال الحربي الذي مع مضاربه في دار الإسلام أو عند مودعه مسألة قال ( ومن ترك الصلاة دعي إليها ثلاثة أيام فإن صلى وإلا قتل جاحدا تركها أو غير جاحد )
قد سبق شرح هذه المسألة في باب مفرد لها ولا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره وعرف ذلك وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر وأما إذا كان الجاحد لها ناشئا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها وهي الزكاة والصيام والحج لأنها مباني الإسلام وأدلة وجوبها لا تكاد تخفى إذ كان الكتاب والسنة مشحونين بأداتها والإجماع منعقد عليها فلا يجحدها إلا معاند للإسلام يمتنع من التزام الأحكام غير قابل لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع أمته فصل ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر لما ذكرنا في تارك الصلاة وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم وفعلهم لذلك متقربين به إلى الله تعالى وكذلك لم يحكم بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه متقربا بذلك ولا يكفر المادح له على هذا المتمني مثل فعله فإن عمران بن حطان قال فيه يمدحه لقتل علي يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ عند الله رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم وأموالهم واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا وقد روي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا لها فأقام عمر عليه الحد ولم يكفره وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93 الآية فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحد فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك وقد قال أحمد من قال الخمر حلال فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه لما ذكرنا فأما إن أكل لحم الخنزير أو ميتة أو شرب خمرا لم يحكم بردته بمجرد ذلك سواء فعله في دار الحرب أو دار الإسلام لأنه يجوز أن يكون فعله معتقدا تحريمه كما يفعل غير ذلك من المحرمات مسألة قال ( وذبيحة المرتد حرام وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب ) هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال إسحاق إن تدين بدين أهل الكتاب حلت ذبيحته ويحكى ذلك عن الأوزاعي لأن عليا رضي الله عنه قال من تولى قوما فهو منهم ولنا إنه كافر لا يقر على دينه فلم تحل ذبيحة كالوثني ولأنه لا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم فإنه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل نكاح المرتدة وأما قول علي فهو منهم فلم يرد أنه منهم في جميع الأحكام بدليل ما ذكرنا ولأنه لم يكن يرى حل ذبائح نصارى بني تغلب ولا نكاح نسائهم مع توليتهم للنصارى ودخولهم في دينهم ومع إقرارهم بما صولحوا عليه فلأن لا يعتقد ذلك في المرتدين أولى إذا ثبت هذا فإنه إذا ذبح حيوانا لغيره بغير إذنه ضمنه بقيمته حيا لأنه أتلفه عليه وحرمه وإن ذبحه بإذنه لم يضمنه لأنه أذن في إتلافه مسألة قال ( والصبي إذا كان له عشر سنين وعقل الإسلام فأسلم فهو مسلم ) وجملته أن الصبي يصح إسلامه في الجملة وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق وابن أبي شيبة وأبو أيوب
وقال الشافعي وزفر لا يصح إسلامه حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ حديث حسن ولأنه قول تثبت به الأحكام فلم يصح من الصبي كالهبة ولأنه أحد من رفع القلم عنه فلم يصح إسلامه كالمجنون والنائم ولأنه ليس بمكلف أشبه الطفل ولنا عموم قوله عليه السلام من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وقال عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا وهذه الأخبار يدخل في عمومها الصبي ولأن الإسلام عبادة محضة فصحت من الصبي العاقل كالصلاة والحج ولأن الله تعالى دعا عباده إلى دار الإسلام وجعل طريقها الإسلام وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الأليم فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله مع إجابته إليها وسلوكه طريقها ولا إلزامه بعذاب الله والحكم عليه بالنار وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها ولأن ما ذكرناه إجماع فإن عليا رضي الله عنه أسلم صبيا وقال سبقتكم إلى الإسلام طرا صبيا ما بلغت أوان حلم ولهذا قيل أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان علي ومن النساء خديجة ومن العبيد بلال وقال عروة أسلم علي والزبير وهما ابنا ثمان سنين وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ابن الزبير لسبع أو ثمان سنين ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد إسلامه من صغير ولا كبير فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث فلا حجة لهم فيه فإن هذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذلك والإسلام يكتب له لا عليه ويسعد به في الدنيا والآخرة فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه وكذلك غيرها من العبادات المحضة فإن قيل فإن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله ونفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكافر ويفسخ نكاحه قلنا أما الزكاة فإنها نفع لأنها سبب الوزيادة والنماء وتحصين المال والثواب وأما الميراث والنفقة فأمر متوهم وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم فينزل منزلة الضرر في أكل القوت المتضمن فوت ما يأكله وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه به لم يعد ضررا والضرر في مسألتنا في جنب ما يحصل من النفع أدنى من ذلك يكثير إذا ثبت هذا فإن الخرقي اشترط لصحة إسلامه شرطين أحدهما أن يكون له عشر سنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضربه على الصلاة لعشر والثاني أن يعقل الإسلام ومعناه أن يعلم أن الله تعالى ربه لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وهذا لا خلاف في اشتراطه فإن الطفل الذي لا يعقل لا يتحقق من اعتقاد الإسلام وإنما كلامه لقلقة بلسانه لا يدل على شيء وأما اشتراطه العشر فإن أكثر المصححين لإسلامه لم يشترطوا ذلك ولم يحدوا له حدا من السنين وحكاه ابن المنذر عن أحمد لأن المقصود متى ما حصل لا حاجة إلى زيادة عليه وروي عن أحمد إذا كان ابن سبع سنين فإسلامه إسلام وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مروهم بالصلاة لسبع فدل على أن ذلك حد لأمرهم وصحة عباداتهم فيكون حدا لصحة إسلامهم وقال ابن أبي شيبة إذا أسلم وهو ابن خمس سنين جعل إسلامه إسلاما ولعله يقول إن عليا عليه السلام أسلم وهو ابن خمس سنين لأنه قد قيل إنه مات وهو ابن ثمان وخمسين فعلى هذا يكون إسلامه وهو ابن خمس لأن مدة النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن مات ثلاث وعشرون سنة وعاش علي بعد ذلك ثلاثين سنة فذلك ثلاث وخمسون فإذا ضممت إليها خمسا كانت ثمانيا وخمسين
وقال أبو أيوب أجيز إسلام ابن ثلاث سنين من أصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه وهذا لا يكاد يعقل الإسلام ولا يدري ما يقول ولا يثبت لقوله حكم فإن وجد ذلك منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الإسلام وعقله إياه صح منه كغيره والله أعلم مسألة قال ( فإن رجع وقال لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله وأجبر على الإسلام ) وجملته أن الصبي إذا أسلم وحكمنا بصحة إسلامه لمعرفتنا بعقله بأدلته فرجع وقال لم أدر ما قلت لم يقبل قوله ولم يبطل إسلامه الأول وروي عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام قال أبو بكر هذا قول محتمل لأن الصبي في مظنة النقص فيجوز أن يكون صادقا قال والعمل على الأول لأنه قد ثبت عقله للإسلام ومعرفته به بأفعاله أفعال العقلاء وتصرفاته تصرفاتهم وتكلمه بكلامهم وهذا يحصل به معرفة عقله ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله أفعال العقلاء وتصرفاته تصرفاتهم وتكلمه بكلامهم وهذا يحصل به معرفة عقلة ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله وتصرفاته وعرفنا جنون المجنون وعقل العاقل بما يصدر عنه من أفعاله وأقواله وأحواله فلا يزول ما عرفناه بمجرد دعواه وهكذا كل من تلفظ بالإسلام أو أخبر عن نفسه به ثم أنكر معرفته بما قال لم يقبل إنكاره وكان مرتدا نص عليه أحمد في مواضع إذا ثبت هذا فإنه إذا ارتد صحت ردته وبهذا قل أبو حنيفة وهو الظاهر من مذهب مالك وعند الشافعي لا يصح إسلامه ولا ردته وقد روى عن أحمد أنه يصح إسلامه ولا تصح ردته لقول عليه السلام رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وهذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذنب ولا شيء ولو صحت ردته لكتبت عليه وأما الإسلام فلا يكتب عليه إنما يكتب له ولأن الردة أمر يوجب القتل فلم يثبت حكمه في حق الصبي كالزنا ولأن الإسلام إنما صح منه لأنه تمحض مصلحة فأشبه الوصية والتدبير والردة تمحضت مضرة ومفسدة فلم تلزم صحتها منه فعلى هذا حكمه حكم من لم يرتد فإذا بلغ فإن أصر على الكفر كان مرتدا حينئذ مسألة قال ( ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز بعد بلوغه ثلاثة أيام فإن ثبت على كفره قتل ) وجملته أن الصبي لا يقتل سواء قلنا بصحة ردته أو لم نقل لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة في سائر الحدود ولا يقتل قصاصا فإذا بلغ فثبت على ردته ثبت حكم الردة حينئذ فيستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل سواء قلنا إنه كان مرتدا قبل بلوغه أو لم نقل وسواء كان مسلما أصليا فارتد أو كان كافرا فأسلم صبيا ثم ارتد مسألة قال ( وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب لم يجر عليهما ولا على أحد من أولادهما ممن كانوا قبل الردة رق ) وجملته أن الرق لا يجري على المرتد سواء كان رجلا أو امرأة وسواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الإسلام وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا لحقت المرتدة بدار الحرب جاز استرقاقها لأن أبا بكر سبي بني حنيفة واسترق نساءهم وأم محمد بن الحنفية من سبيهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولأنه لا يجوز إقراره على كفره فلم يجز استرقاقه كالرجل ولم يثبت أن الذين سباهم أبو بكر كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة
فإن قيل فقد روي عن علي أن المرتدة تسبي قلنا هذا الحديث ضعيف ضعفه أحمد فأما أولاد المرتدين فإن كانوا ولدوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم تبعا لآبائهم ولا يتبعونهم في الردة لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم في الكفر فلا يجوز استرقاقهم صغارا لأنهم مسلمون ولا كبارا لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق وأما من حدث بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين ويجوز استرقاقه لأنه ليس بمرتد نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر ويحتمل أن لا يجوز استرقاقهم لأن آباءهم لا يجوز استرقاقهم ولأنهم لا يقرون بالجزية فلا يقرون بالاسترقاق وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة إن ولدوا في دار الإسلام لم يجز استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز استرقاقهم ولنا إنهم لم يثبت لهم حكم الإسلام فجاز استرقاقهم كولد الحربيين بخلاف آبائهم فعلى هذا إذا وقع في الأسر بعد لحوقه بدار الحرب فحكمه حكم سائر أهل دار الحرب وإن كان في دار الإسلام لم يقر بالجزية وكذلك لو بذل الجزية بعد لحوقه بدار الحرب لم يقربها لأنه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن فأما من كان حملا حين ردته فظاهر كلام الخرقي أنه كالحادث بعد كفره وعند الشافعي هو كالمولود لأنه موجود ولهذا يرث ولنا إن أكثر الأحكام إنما تتعلق به بعد الوضع فكذلك هذا الحكم مسألة مسألة قال ( ومن امتنع منهما أو من أولادهما الذين وصفت من الإسلام بعد البلوغ استتيب ثلاثا فإن لم يتب قتل ) قوله الذين وصفت يعني الذين ولذوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم فلا يسترقون ومتى قدر على الزوجين أو على أولادهما استتيب منهم من كان بالغا عاقلا فإن لم يتب قتل ومن كان غير بالغ انتظرنا بلوغه ثم استتبناه فإن لم يتب قتل وينبغي أن يحبس حتى لا يهرب فصل ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة وعلى الإمام قتالهم فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم وإذا قاتلهم قتل في قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجاز على جريحهم وتغنم أموالهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تصير دار حرب حتى تجمع فيها ثلاثة أشياء أن كون متاخمة لدار الحرب لا شيء بينهما من دار الإسلام الثاني أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن الثالث أن تجري فيها أحكامهم ولنا إنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين فصل وإن قتل المرتد من يكافئه عمدا فعليه القصاص نص عليه أحمد والولي مخير بين قتله والعفو عنه فإن اختار القصاص قدم على قتل الردة سواء تقدمت الردة أو تأخرت لأنه حق آدمي وإن عفا على مال وجبت الدية في ماله وإن كان القتل خطأ وجبت الدية في ماله لأنه لا عاقلة له قال القاضي وتؤخذ منه الدية في ثلاث سنين لأنها دية الخطأ فإن قتل أو مات أخذت من ماله في الحال لأن الدين المؤجل يحل بالموت في حق من لا وارث له ويحتمل أن تجب الدية عليه حالة لأنها إنما أجلت في حق العاقلة تخفيفا عليهم لأنهم يحملون عن غيرهم على سبيل المواساة فأما الجاني فتجب عليه حالة لأنها بدل عن متلف فكانت حالة كسائر أبدال المتلفات مسألة قال ( ومن أسلم من الأبوين كان أولاده الأصاغر تبعا له )
وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي إذا أسلم أبواه أو أحدهما وأدرك فأبي الإسلام أجبر عليه ولم يقتل وقال مالك إن أسلم الأب تبعه أولاده وإن أسلمت الأم لم يتبعوها لأن ولد الحربيين يتبع أباه دون أمه بدليل الموليين إذا كان لهما ولد كان ولاؤه لمولى أبيه دون مولى أمه ولو كان الأب عبدا أو الأم مولاة فأعتق العبد لجر ولاء ولده إلى مواليه ولأن الولد يشرف بشرف أبيه وينتسب إلى قبيلة دون قبيلة أمه فوجب أن يتبع أباه في دينه أي دين كان وقال الثوري إذا بلغ خير بين دين أبيه ودين أمه فأيهما اختاره كان على دينه ولعله يحتج بحديث الغلام الذي أسلم أبوه وأبت أمه أن تسلم فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين أبيه وأمه ولنا إن الولد يتبع أبويه في الدين فإن اختلفا وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى ويترجح الإسلام بأشياء منها أنه دين الله الذي رضيه لعباده وبعث به رسله دعاة لخلقه إليه ومنها أنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق وأداء الجزية وفي الآخرة من سخط الله وعذابه ومنها أن الدار دار الإسلام يحكم بإسلام لقيطها ومن لا يعرف حاله فيها وإذا كان محكوما بإسلامه أجبر عليه إذا امتنع منه بالقتل كولد المسلمين ولأنه مسلم فإذا رجع عن إسلامه وجب قتله لقوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه وبالقياس على غيره ولنا على مالك أن الأم أحد الأبوين فيتبعها ولدها في الإسلام كالأب بل الأم أولى به لأنها أخص به لأنه مخلوق منها حقيقة وتختص بحمله ورضاعه ويتبعها في الرق والحرية والتدبير والكتاب ولأن سائر الحيوانات يتبع الولد أمه دون أبيه وهذا يعارض ما ذكره وأما تخيير الغلام فهو في الحضانة لا في الدين مسألة قال ( وكذلك من مات من الأبوين على كفره قسم له الميراث وكان مسلما بموت من مات منهما ) يعني إذا مات أحد أبوي الولد الكافرين صار الولد مسلما بموته وقسم له الميراث وأكثر الفقهاء على أنه لا يحكم بإسلامه بموتهما ولا موت أحدهما لأنه يثبت كفره تبعا ولم يوجد منه إسلام ولا ممن هو تابع له فوجب إبقاؤه على ما كان عليه ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحمد من خلفائه أنه أجبر أحدا من أهل الذمة على الإسلام بموت أبيه مع أنه لم يخل زمنهم عن موت بعض أهل الذمة عن يتيم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولد يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه متفق عليه فجعل كفر بفعل أبويه فإذا مات أحدهما انقطعت التبعية فوجب إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها ولأن المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الإسلام وقضية الدار الحكم بإسلام أهلها ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان فإذا عدما أو أحدهما وجب إبقائه على حكم الدار لانقطاع تبيعته لمن يكفر بها وإنما قسم له الميراث لأن إسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث فهو سبب لهما فلم يتقدم الإسلام المانع من الميراث على استحقاقه ولأن الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد العبد له إذا مات أبوك فأنت حر فمات أبوه فإنه يعتق ولا يرث فيجب أن يكون الإسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث وهذا فيما إذا كان في دار الإسلام لأنه متى انقطعت تبعيته لأبويه أو أحدهما ثبت له حكم الدار فأما دار الحرب فلا نحكم بإسلام ولد الكافرين فيها بموتهما ولا موت أحدهما لأن الدار لا يحكم بإسلام أهلها وكذلك لم نحكم بإسلام لقيطها مسألة قال ( ومن شهد عليه بالردة فقال ما كفرت فإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن شيء )
الكلام في هذه المسألة في فصلين الفصل الأول أنه إذا شهد عليه بالردة من تثبت الردة بشهادته فأنكر لم يقبل إنكاره واستتيب فإن تاب وإلا قتل وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة أن إنكاره يكفي في الرجوع إلى الإسلام ولا يلزمه النطق بالشهادة لأنه لو أقر بالكفر ثم أنكره قبل منه ولم يكلف الشهادتين كذا ها هنا ولنا ما روى الأثرم بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل عربي قد تنصر فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله وأتي برهط يصلون وهم زنادقة وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال أتدرون لم استتببت النصراني استتبته لأنه أظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا وقد قامت عليهم البينة ولأنه قد ثبت كفره فلم يحكم بإسلامه بدون الشهادتين كالكفر الأصلي ولأن إنكاره تكذيب للبينة فلم تسمع كسائر الدعاوى فأما إذا أقر بالكفر ثم أنكر فيحتمل أن نقول فيه كمسألتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الحد وجب بقوله فضل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه كالزنا لو ثبت بقوله فرجع كف عنه وإن ثبت ببينة لم يقبل رجوعه فصل وتقبل الشهادة على الرد من عدلين في قول أكثر أهل العلم وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن المنذر ولا نعلم أحدا خالفهم إلا الحسن قال لا يقبل في القتل إلا أربعة لأنها شهادة بما يوجب القتل فلم يقبل فيها إلا أربعة قياسا على الزنا ولنا إنها شهادة في غير الزنا فقبلت من عدلين كالشهادة على السرقة ولا يصح قياسه على الزنا فإنه لم يعتبر فيه الأربعة لعلة القتل بدليل اعتبار ذلك في زنا البكر ولا قتل فيه وإنما العلة كونه زنا ولم يوجد ذلك في الردة ثم الفرق بينهما أن القذف بالزنا يوجب ثمانين جلدة بخلاف القذف بالردة فصل الثاني أنه إذا ثبتت ردته بالبينة أو غيرها فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن صحة ما شهد عليه به وخلى سبيله ولا يكلف الإقرار بما نسب إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل متفق عليه ولأن هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذلك إسلام المرتد ولا حاجة مع ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحة ردته وكلام الخرقي محمول على من كفر بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو جحدهما معا فأما من كفر بغير هذا فلا يحصل إسلامه إلا بالإقرار بما جحده ومن أقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنكر كونه مبعوثا إلى العالمين لا يثبت إسلامه حتى يشهد أن محمدا رسول الله إلى الخلق أجمعين أو يتبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الإسلام وإن زعم أن محمدا رسول مبعوث بعد غير هذا لزمه الإقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أنه أراد ما اعتقده وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده ويعيد الشهادتين لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقده وكذلك إن جحد نبيا أو آية من كتاب الله تعالى أو كتابا من كتبه أو ملكا من ملائكته الذين ثبت أنهم ملائكة الله أو استباح محرما فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحده وأما الكفار بجحد الدين من أصله إذا شهد أن محمدا رسول الله واقتصر على ذلك ففيه روايتان إحداهما يحكم بإسلامه لأنه روي أن يهوديا قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم صلوا على صاحبكم ولأنه لا يقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وهو مقر بمن أرسله وبتوحيده لأنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وقد جاء بتوحيده
الثانية أنه إن كان مقرا بالتوحيد كاليهود حكم بإسلامه لأن توحيد الله ثابت في حقه وفي ضم إليه الإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكمل إسلامه وإن كان غير موحد كالنصارى والمجوس والوثنيين لم يحك بإسلامه حتى يشهد أن لا إله إلا الله وبهذا جاءت أكثر الأخبار وهو الصحيح لأن من جحد شيئين لا يزول جحدهما إلا بإقراره بهما جميعا وإن قال أشهد أن النبي رسول الله لم نحكم بإسلامه لأنه يحتمل أن يريد غير نبينا وإن قال أنا مؤمن أو أنا مسلم فقال القاضي يحكم بإسلامه بهذا وإن لم يلفظ بالشهادتين لأنهما اسمان لشيء معلوم معروف وهو الشهادتان فإذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بهما وروى المقداد أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعهما ثم لا زمني بشجرة فقال أسلمت أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها قال لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها وعن عمران بن حصين قال أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إني مسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح رواهما مسلم ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي أو من جحد الوحداني أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحوها فلا يصير مسلما بذلك لأنه ربما اعتقد أن الإسلام ما هو عليه فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر فصل وإذا أتى الكافر بالشهادتين ثم قال لم أرد الإسلام فقط صار مرتدا ويجبر على الإسلام نص عليه أحمد في رواية جماعة ونقل عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام لأنه يحتمل الصدق فلا يراق دمه بالشبهة والأول أولى لأنه قد حكم بإسلامه فيقتل إذا رجع كما لو طالت مدته فصل وإذا أتى الكفار بالشهادتين ثم قال لم أرد الإسلام فقط صار مرتدا ويجبر على الإسلام نص عليه أحمد في رواية جماعة ونقل عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام لأنه يحتمل الصدق فلا يراق دمه بالشبهة والأول أولى لأنه قد حكم بإسلامه فيقتل إذا رجع كما لو طالت مدته فصل وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام أو صلى جماعة أو فرداي وقال الشافعي إن صلى في دار الحرب حكم بإسلامه وإن صلى في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه لأنه يحتمل أنه صلى رياء وتقية
ولنا إن ما كان إسلاما في دار الحرب كان إسلاما في دار الإسلام كالشهادتين ولأن الصلاة ركن يختص به الإسلام فحكم بإسلامه به كالشهادتين واحتمال التقية والرياء يبطل بالشهادتين وسواء كان أصليا أو مرتدا وأما سائر الأركان من الزكاة والصيام والحج فلا يحكم بإسلامه به فإن المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منعهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا يحج بعد العام مشرك والزكاة صدقة وهم يصدقون وقد فرض على نصاري بني تغلب من الزكاة مثلي ما يؤخذ من المسلمين ولم يصيروا بذلك مسلمين وأما الصيام فلكل أهل دين صيام ولأن الصيام ليس بفعل إنما هو إمساك عن أفعال مخصوصة في وقت مخصوص وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقهمن المسمل ولا عبرة بنية الصيام لأنها أمر باطن لا علم لنا به بخلاف الصلاة فإنها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الإسلام ولا يثبت الإسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود ولا يحصل بمجرد القيام لأنهم يقومون في صلاتهم ولا فرق بين الأصلي والمرتد في هذا لأن ما حصل به الإسلام في الأصلي حصل به في حق المرتد كالشهادتين فعلى هذا لو مات المرتد فأقام ورثته بينة أنه صلى بعد ردته حكم لهم بالميراث إلا أن يثبت أنه ارتد بعد صلاته أو تكون ردته بجحد فريضة أو كتاب أو نبي أو ملك أو نحو ذلك من البدع التي ينتسب أهلها إلى الإسلام فإنه لا يحكم بإسلامه بصلاته لأنه يعتقد بجوب الصلاة ويفعلها مع كفره فأشبه فعله غيره والله أعلم فصل وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه فإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن يصير مسلما في الظاهر وإن رجع عنه قتل إذا امتنع من الإسلام لعموم قوله علهي السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولأنه أتى بقول الحق فلزمه حكمه كالحربي إذا أكره عليه ولنا إنه أكره على ما يجوز إكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الإكراه قوله تعالى لا إكراه في الدين البقرة 256 وأجمع أهل العلم على أن الذمي إذا أقام على ما عوهد عليه والمستأمن لا يجوز نقض عهده ولا إكراهه على ما لم يلتزمه ولأنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه فمل يثبت حكمه في حقه كالإقرار والعتق وفارق الحربي والمرتد فإنه يجوز قتلهما وإكراههما على الإسلام بأن يقول إن أسلمت وإلا قتلناك فمتى أسلم حكم بإسلامه ظاهرا وإن مات قبل زوال الإكراه عنه فحكمه حكم المسلمين لأنه أكره بحق فحكم بصحة ما يأتي به كما لو أكره المسلم على الصلاة فصلى وأما في الباطن فيما بينهما وبين ربهم فإن من اعتقد الإسلام بقلبه وأسلم فيما بينه وبين الله تعالى فهو مسلم عند الله موعود بما وعد به من أسلم طائعا وم لم يعتقد الإسلام بقلبه فهو باق على كفره لا حظ له في الإسلام سواء في هذا من يجوز إكراهه ومن لا يجوز إكراهه فإن الإسلام لا يحصل بدون اعتقاده من العاقل بدليل أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويقومون بفرائضه ولم يكونوا مسلمين فصل ومن أكره على الكفار فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن هو كافر في الظاهر تبين منه امرأته ولا يرثه المسلمون إن مات ولا يغسل ولا يصلي عليه وهو مسلم فيما يبنه وبين الله لأنه نطق بكلمة الكفر فأشبه المختار
ولنا قول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله النحل 106 وروي أن عمارا أخذه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فأخبره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد وروي أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إلا أجابهم إلا بلال فإنه كان يقول أحد أحد وقال النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يثبت حكمه كما لو أكره على الإقرار وفارق ما إذا أكره بحق فإنه خير بين أمرين يلزمه أحدهما فأيهما اختاره ثبت حكمه في حقه فإذا ثبت أنه لم يكفر فمتى زال عنه الإكراه أمر بإظاهر إسلامه فإن أظهره فهو باق على إسلامه وإن أظهر الكفر حكم أنه كفر من حين نطق به لأننا تبينا بذلك أنه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به مختارا به وإن قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسا عند الكفار ومقيدا عندهم في حالة خوف لم يحكم بردته لأن ذلك ظاهر في الإكراه وإن شهدت أنه كان آمنا حال نطقه به حكم بردته فإن ادعى ورثته رجوعه إلى الإسلام لم يقبل إلا ببينة لأن الأصل بقاؤه على ما هو عليه وإن شهدت البينة عليه بأكل لحم الخنزير لم يحكم بردته لأنه قد يأكله معتقدا تحريمه كما يشرب الخمر من يعتقد تحريمها وإن قال بعض ورثته أكله مستحلا له أو أقر بردته حرم ميراثه لأنه مقر بأنه لا يستحقه ويدفع إلى مدعي إسلامه قدر ميراثه لأنه لا يدري أكثر منه ويدفع الباقي إلى بيت المال لعدم من يستحقه فإن كان في الورثة صغير أو مجنون دفع إليه نصيبه ونصيب المقر بردة الموروث لأنه لم تثبت ردته بالنسبة إليه فصل ومن أكره على كلمة الكفر فالأفضل له أن يصبر ولا يقولها وإن أتى ذلك على نفسه لما روى خباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن كان الرجل من قبلكم ليحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بمنشار فيوضع على شق رأسه ويشق باثنين ما يمنعه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه وجاء في تفسير قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود البروج 4 5 6 7 أن بعض ملوك الكفار أخذ قوما من المؤمنين فخدهم أخدودا في الأرض وأوقد فيه نارا ثم قال من لم يرجع عن دينه فألقوه في النار فجعلوا يلقونهم فيها حتى جاءت امرأة على كفها صبي لها فتقاعست من أجل الصبي فقال الصبي يا أمه اصبري فإنك على الحق فذكرهم الله تعالى في كتابه وروى الأثرم عن أبي عبد الله أنه سئل عن الرجل يؤمر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد فكرهه كراهة شديدة وقال ما يشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاؤوا وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات وإن كان امرأة تزوجها واستولدها أولادا كفارا وكذلك الرجل وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الدين الحنيفي مسألة قال ( ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يفيق ويتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فإن مات في سكره مات كافرا )
اختلفت الرواية عن أحمد في ردة السكران فروي عنه أنها تصح قال أبو الخطاب وهو أظهر الروايتين عنه وهو مذهب الشافعي وعنه لا يصح وهو قول أبي حنيفة لأن ذلك يتعلق بالاعتقاد والقصد والسكران لا يصح عقده ولا قصده فأشبه المعتوه ولأنه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم ولأنه غير مكلف فلم تصح ردته كالمجنون والدليل على أنه غير مكلف أن العقل شرط في التكليف وهو معدوم في حقه ولهذا لم يصح استتابته ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم قالوا في السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري فأجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره وأقاموا مظنتها مقامها ولأنه يصح طلاقه فصحت ردته كالصاحي وقولهم ليس بمكلف ممنوع فإن الصلاة واجبة عليه وكذلك سائر أركان الإسلام ويأثم بفعل المحرمات وهذا معنى التكليف ولأن السكران لا يزول عقله بالكلية ولهذا يتقي المحذورات ويفرح بما يسره ويساء بما يضره ويزول سكره عن قرب من الزمان فأشبه الناعس بخلاف النائم والمجنون وأما استتابته فتؤخر إلى حين صحوه ليكمل عقله ويفهم ما يقال له وتزال شبهته إن كان قد قال الكفر معتقدا له كما تؤخر استتابته إلى حين زوال شدة عطشه وجوعه ويؤخر الصبي إلى حين بلوغه وكمال عقله ولأن القتل جعل للزجر ولا يحصل الزجر في حال سكره وإن قتله قاتل في حال سكره لم يضمنه لأن عصمته زالت بردته وإن مات أو قتل لم يرثه ورثته ولا يقتله حتى يتم له ثلاثة أيام ابتداؤها من حين ارتد فإن استمر سكره أكثر من ثلاث لم يقبل حتى يصحو ثم يستتاب عقيب صحوه فإن تاب وإلا قتل في الحال وإن أسلم في سكره صح إسلامه ثم يسأل بعد صحوه فإن ثبت على إسلامه فهو مسلم من حين سلم لأنه إسلامه صحيح وإن كفر فهو كافر من الآن لأن إسلامه صح وإنما يسأل استظهارا وإن مات بعد إسلامه في سكره مات مسلما فصل ويصح إسلام السكران في سكره سواء كان كافرا أصليا أو مرتدا لأنه إذا صحت ردته مع أنها محض مضرة وقول باطل فلأن يصح إسلامه الذي هو قول حق ومحض مصلحة أولى فإن رجع عن إسلامه وقال لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى مقالته وأجبر على الإسلام فإن أسلم وإلا قتل ويتخرج أن لا يصح إسلامه بناء على القول بأن ردته لا تصح فإن من لا تصح ردته لا يصح إسلامه كالطفل والمعتوه فصل ولا تصح ردة المجنون ولا إسلامه لأنه لا قول له وإن ارتد في صحته ثم جن لم يقتل في حال جنونه لأنه يقتل بالإصرار على الردة والمجنون لا يوصف بالإصرار ولا يمكن استتابته ولو وجب عليه القصاص فجن قتل لأن القصاص لا يسقط عنه بسبب من جهته ها هنا يسقط برجوعه ولأن القصاص إنما يسقط بسبب من جهة المستحق له فنظير مسألتنا أن يجن المستحق للقصاص فإنه لا يستوفى حال جنونه فصل ومن أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم أقيم عليه حده وبهذا قال الشافعي سواء لحق بدار الحرب في ردته أو لم يلحق بها وقال قتادة في مسلم أحدث حدثا ثم لحق بالروم ثم قدر عليه إن كان ارتد درىء عنه الحد وإن لم يكن ارتد أقيم عليه ونحو هذا قال أبو حنيفة والثوري إلا حقوق الناس لأن ردته أحبطت عمله فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى كمن فعل ذلك في حال شركه ولأن الإسلام يجب ما قبله ولنا أنه حق عليه فلم يسقط بردته كحقوق الآدميين وفارق ما فعله في شركه فإنه لم يثبت حكمه في حقه وأما قوله الإسلام يجب ما قبله فالمراد به ما فعله في كفره لأنه لو أراد ما قبل ردته أفضى إلى كون الردة الي هي أعظم الذنوب مكفرة للذنوب وأن من كثرت ذنوبه ولزمته حدود يكفر ثم يسلم فتكفر ذنوبه وتسقط حدوده
فصل فأما ما فعله في ردته فقد نقل مهنا عن أحمد قال سألته عن رجل ارتد عن الإسلام فقطع الطريق وقتل النفس ثم لحق بدار الحرب فأخذه المسلمون فقال تقام فيه الحدود ويقتص منه وسألته عن رجل ارتد فلحق بدار الحرب فقتل بها مسلما ثم رجع تائبا وقد أسلم فأخذه وليه يكون عليه القصاص فقال قد زال عنه الحكم لأنه إنما قتل وهو مشرك وكذلك إن سرق وهو مشرك ثم توقف بعد ذلك وقال لا أقول في هذا شيئا وقال القاضي ما أصاب في ردته من نفس أو مال أو جرح فعليه ضمانه سواء كان في منعة وجماعة أو لم يكن لأنه التزم حكم الإسلام بإقراره فلم يسقط بجحده كما لا يسقط ما التزمه عند الحاكم بجحده والصحيح أن ما أصابه المرتد بعد لحوقه بدار الحرب أو كونه في جماعة ممتنعة لا يضمنه لما ذكرناه في آخر الباب الذي قبل هذا وما فعله قبل هذا أخذ به إذا كان مما يتعلق به حق آدمي كالجناية على نفس أو مال لأنه في دار الإسلام فلزمه حكم جنايته كالذمي والمستأمن وأما إن ارتكب حدا خالصا لله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة فإنه إن قتل بالردة سقط ما سوى القتل من الحدود لأنه متى اجتمع مع القتل حد اكتفي بالقتل وإن رجع إلى الإسلام أخذ بحد الزنا والسرقة لأنه من أهل دار الإسلام فأخذ بهما كالذمي والمستأمل وأما حد الخمر فيحتمل أن لا يجب عليه لأنه كافر فلا يقام عليه حد الخمر كسائر الكفار ويحتمل أن يجب لأنه أقر بحكم الإسلام قبل ردته وهذا من أحكامه فلم يسقط بجحده بعده والله أعلم فصل ومن ادعى النبوة أو صدق من ادعاه فقد ارتد لأن مسيلمة لما ادعى النبوة فصدقه قومه صاروا بذلك مرتدين وكذلك طليحة الأسدي ومصدقوه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله صلى بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم وقد قال الله تعالى إن المنافقين في الدرك قال عليه وسلم فصل ومن سب الله تعالى كفر سواء كان مازحا أو جادا وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه قال الله تعالى ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم التوبة 65 66 وينبغي أن لا يكتفى من الهازىء بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك فإنه إذا لم يكتف ممن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوبة فممن سب الله تعالى أولى فصل في السحر وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له وله حقيقة فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يحبب بين اثنين وهذا قول الشافعي وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له إنما هو تخييل لأن الله تعالى قال يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى طه 66 وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان شيئا يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ذلك فأما أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء فلا يجوز ذلك لأنه لو جاز لبطلت معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن ذلك يخرق العادات فإذا جاز من غير الأنبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم
ولنا قوله الله تعالى قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد الفلق 1 2 3 4 يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن عليه ولولا أن السحر له حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه وقال الله تعالى يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت إلى قوله فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه البقرة 102 وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله وأنه قال لها ذات يوم أشعرت أن الله تعالى أفتاني فيما استفيته أنه أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال ما وجع الرجل قال مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي أروان ذكره البخاري وغيره جف الطلعة وعائها والمشاطة الشعر الذي يخرج من شعر الرأس أو غيره إذا مشط فقد أثبت لهم سحرا وقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على إتيانها وحل عقده فيقدر عليها بعد عجزه عنها حتى صار متواترا لا يمكن جحده وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطىء على الكذب فيه وأما إبطال المعجزات فلا يلزم من هذا لأنه لا يبلغ ما يأتي به الأنبياء عليهم السلام وليس يلزم أن ينتهي إلى أن تسعى العصي والحبال إذا ثبت هذا فإن تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم قال أصحابنا ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر فإن حنبلا روى عنه قال قال عمي في العراف والكاهن والساحر أرى أن يستتاب من هذه الأفاعيل كلها فإنه عندي في معنى المرتد فإن تاب وراجع يعني يخلى سبيله قلت له يقتل قال لا يحبس لعله يرجع قلت له لم لا تقتله قال إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع وهذا يدل على أنه لم يكفره لأنه لو كفره لقتله وقوله في معنى المرتد يعني في الاستتابة وقال أصحاب أبي حنيفة إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء كفر وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر وقال الشافعي إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس أو اعتقد حل السحر كفر لأن القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والإجماع عليه وإلا فسق ولم يكفر لأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة لها سحرتها بمحضر من الصحابة ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها ولأنه شيء يضر بالناس فلم يكفر بمجرده كأذاهم
ولنا قول الله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا البقرة 102 أي وما كفر سليمان أي وما كان ساحرا كفر بسحره وقولهما إنما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تتعلمه فتكفر بذلك وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن امرأة جاءتها فجعلت تبكي بكاء شديدا وقالت يا أم المؤمنين إن عجوزا ذهبت بي إلى هاروت وماروت علماني السحر فقالا اتقي الله ولا تكفري فإنك على رأس أمرك فقلت علماني السحر فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت فرأيت كأن فارسا مقنعا في الحديد خرج مني حتى طار فغاب في السماء فرجعت إليهما فأخبرتهما فقالا ذلك إيمانك فذكرت باقي القصة إلى أن قالت والله يا أم المؤمنين ما صنعت شيئا غير هذا ولا أصنعه أبدا فهل لي من توبة قالت عائشة ورأيتها تبكي بكاء شديدا فطافت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون تسألهم هل لها من توبة فما أفتاها أحد إلا أن ابن عباس قال لها إن كان أحد من أبويك حيا فبريه وأكثري عن عمل البر ما استطعت وقول عائشة قد خالفها فيه كثير من الصحابة وقال علي رضي الله عنه كافر ويحتمل أن المدبرة تابت فسقط عنها القتل والكفر بتوبتها ويحتمل أنها سحرتها بمعنى أنها ذهبت إلى ساحر سحر لها فصل وحد الساحر القتل روى ذلك عن عمر وعثمان بن عفان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز وهو قول أبي حنيفة ومالك ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر وهو قول ابن المنذر ورواية عن أحمد قد ذكرناها فيما تقدم ووجه ذلك أن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة سحرتها ولو وجب قتلها لما حل بيعها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق ولم يصد منه أحد الثلاثة فوجب أن لا يحل دمه ولنا ما روى جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حد الساحر ضربه بالسيف قال ابن المنذر رواه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف وروى سعيد وأبو داود في كتابيهما عن بجالة قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة اقتلوا كل ساحر فقتلنا ثلاث سواحر في يوم وهذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا وقتلت حفصة جارية لها سحرتها وقتل جندب بن كعب ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة ولأنه كافر فيقتل للخبر الذي رووه فصل وهل يستتاب الساحر فيه روايتان إحداهما لا يستتاب وهو ظاهر ما نقل عن الصحابة فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحرا وفي الحديث الذي رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الساحرة سألت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون هل لها من توبة فما أفتاها أحد ولأن السحر معنى في قلبه لا يزول بالتوبة فيشبه من لم يتب والرواية الثانية يستتاب فإن تاب قبلت توبته لأنه ليس بأعظم من الشرك والمشرك يستتاب ومعرفته السحر لا تمنع قبول توبته فإن الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون وجعلهم من أوليائه في ساعة ولأن الساحر لو كان كافرا فأسلم صح إسلامه وتوبته فإذا صحت التوبة منهما صحت من أحدهما كالكفر ولأن الكفر والقتل إنما هو بعمله بالسحر لا بعلمه بدليل الساحر إذا أسلم والعمل به يمكن التوبة منه وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده يمكن التوبة منه كالشرك وهاتان الروايتان في ثبوت حكم التوبة في الدنيا من سقوط القتل ونحوه فأما فيما بينه وبين الله تعالى وسقوط عقوبة الدار الآخرة عنه فيصح فإن الله تعالى لم يسد باب التوبة عن أحد من خلقه ومن تاب إلى الله قبل توبته لا نعلم في هذا خلافا
فصل والسحر الذي ذكرنا حكمه هو الذي يعد في العرف سحرا مثل فعل لبيد بن الأعصم حين سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة وروينا في مغازي الأموي أن النجاشي دعا السواحر فنفخن في إجليل عمارة بن الوليد فهام مع الوحش فلم يزل معها إلى إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمسكة إنسان فقال خلني وإلا مت فلم يخله فمات من ساعته وبلغنا أن بعض الأمراء أخذ ساحرة فجاء زوجها كأنه محترق فقالوا قولوا لها تحل عني فقالت ائتوني بخيوط وباب فجلست على الباب حين أتوها به وجعلت تعقد وطار بها الباب فلم يقدروا عليها فهذا وأمثاله مثل أن يعقد الرجل المتزوج فلا يطيق وطء زوجته هو السحر المختلف في حكم صاحبه فأما الذي يعزم على المصروع ويزعم أنه يجمع الجن ويأمرها فتعطيه فهذا لا يدخل في هذا الحكم ظاهرا وذكره القاضي وأبو الخطاب في جملة السحرة وأما من يحل السحر فإن كان بشيء من القرآن أو شيء من الذكر والأقسام والكلام الذي لا بأس به فلا بأس به وإن كان بشيء من السحر فقد توقف أحمد عنه قال الأثرم سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنه يحل السحر فقال قد رخص فيه بعض الناس قيل لأبي عبد الله إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا فنفض يده كالمنكر وقال ما أدري ما هذا قيل له فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر فقال ما أدري ما هذا وروي عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة يعذبها السحر فقال رجل أخط خطا عليها وأغرز السكين عند مجمع الخط وأقرأ القرآن فقال محمد ما أعلم بقراءة القرآن بأسا على حال ولا أدري ما الخط والسكين وروى عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته فيلتمس من يداويه فقال إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع وقال أيضا إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل فهذا من قولهم يدل على أن المعزم ونحوه لم يدخلوا في حكم السحرة ولأنهم لا يسمون به وهو مما ينفع ولا يضر فصل فأما الكاهن الذي له رئي من الجن تأتيه بالأخبار والعراف الذي يحدس ويتخرص فقد قال أحمد في رواية حنبل في العراف والكاهن والساحر أرى أن يستتاب في هذه الأفاعيل قيل له يقتل قال لا يحبس لعله يرجع قال والعرافة طرف من السحر والساحر أخبث لأن السحر شعبة من الكفر وقال الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا لأنهما يلبسان أمرهما وحديث عمر اقتلوا كل ساحر وكاهن وليس هو من أمر الإسلام وهذا يدل أن كل واحد منهما فيه روايتان إحداهما أنه يقتل إذا لم يتب والثانية لا يقتل لأن حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف فيه فهذا بدرء القتل عنه أولى فصل فأمر ساحر أهل الكتاب فلا يقتل لسحره إلا أن يقتل به وهو مما يقتل به غالبا فيقتل قصاصا وقال أبو حنيفة يقتل لعموم ما تقدم من الأخبار ولأنه جناية أوجبت قتل المسلم فأوجبت قتل الذمي كالقتل ولنا إن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ولأن الشرك أعظم من سحره ولا يقتل به والأخبار وردت في ساحر المسلمين لأنه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي وقياسهم ينتقض باعتقاد الكفر والمتكلم به وينتقض بالزنا من المحصن فإنه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم والله أعلم كتاب الحدود الزنا حرام وهو من الكبائر العظام بدليل قول الله تعالى ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا الإسراء 32 وقال تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا الفرقان 68 69