İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فكذلك في هذا وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارق رداء صفوان وقطع المخزومية التي سرقت القطيفة فأما العبد والأمة فإن جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على أنهما يجب قطعهما بالسرقة إلا ما حكي عن ابن عباس أنه قال لا قطع عليهما لأنه حد لا يمكن تنصيفه فلم يجب في حقهما كالرجم ولأنه حد فلا يساوي العبد فيه الحر كسائر الحدود ولنا عموم الآية وروى الأثرم أن رقيقا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها فأمر كثير بن الصلت أن تقطع أيديهم ثم قال عمر والله إني لأراك تجيعهم ولكن لأغرمنك غرما يشق عليك ثم قال للمزني كم ثمن ناقتك قال أربعمائة درهم قال عمر أعطه ثمانمائة درهم وروى القاسم بن محمد عن أبيه أن عبدا أقر بالسرقة عند علي فقطعه وفي رواية قال كان عبدا يعني الذي قطعه علي رواه الإمام أحمد بإسناده وهذه قصص تنتشر ولم تنكر فتكون إجماعا وقولهم لا يمكن تنصيفه قلنا ولا يمكن تعطيله فيجب تكميله وقياسهم نقلبه عليهم فنقول حد فلا يتعطل في حق العبد والأمة كسائر الحدود وفارق الرجم فإن حد الزاني لا يتعطل بتعطيله بخلاف القطع فإن حد السرقة يتعطل بتعطيله فصل ويقطع الآبق بسرقته وغيره روي ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك والشافعي وقال مروان وسعيد بن العاص وأبو حنيفة لا يقطع لأن قطعه قضاء على سيده ولا يقضى على الغائب ولنا عموم الكتاب والسنة وأنه مكلف سرق نصابا من حرز مثله فيقطع كغير الآبق وقولهم إنه قضاء على سيده لا يسلم فإنه لا يعتبر فيه إقرار السيد ولا يضر إنكاره وإنما يعتبر ذلك من العبد ثم القضاء على الغائب بالبينة جائز على ما عرف في موضعه فصل وإن أقر العبد بسرقة مال في يده فأنكر ذلك سيده وقال هذا مالي فالمال لسيده ويقطع العبد وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأنه لم تثبت سرقته للمال فلم يجب قطعه كما لو أنكره المسروق منه لأنه إذا لم يقبل إقراره في المال ففي الحد الذي يندرىء بالشبهات أولى ولنا إنه أقر بالسرقة وصدقه المسروق منه فقطع كالحر ويحتمل أنه لا يجب القطع لأن الحد يدرأ بالشبهات وكون المال محكوما به لسيده شبهة فصل ويقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي ويقطع الذمي بسرقة مالهما وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا فأما الحربي إذا دخل إليه مستأمنا فسرق فإنه يقطع أيضا وقال ابن حامد لا يقطع وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأنه حد لله تعالى فلا يقام عليه كحد الزنا وقد نص أحمد على أنه لا يقام عليه حد الزنا وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا إنه حد يطالب به فوجب عليه كحد القذف يحققه أن القطع يجب صيانة للأموال وحد القذف يجب صيانة للأعراض فإذا وجب في حقه أحدهما وجب الآخر فأما حد الزنا فلم يجب لأنه يجب به قتله لنقضه العهد ولا يجب مع القتل حد سواء إذا ثبت هذا فإن المسلم يقطع بسرقة ماله وعند أبي حنيفة لا يجب ولنا إنه سرق مالا معصوما من حرز مثله فوجب قطعه كسارق مال الذمي ويقطع المرتد إذا سرق لأن أحكام الإسلام جارية عليه مسألة قال ( ويقطع السارق وإن وهبت له السرقة بعد إخراجها ) وجملته أن السارق إذا ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غيرهما من أسباب الملك لم يخل من أن يملكها قبل رفعه إلى الحاكم والمطالبة بها عنده أو بعد ذلك فإن ملكها قبله لم يجب القطع لأن من شرطه المطالبة بالمسروق وبعد ملكه له لا تصح المطالبة وإن ملكها بعده لم يسقط القطع وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق قال أصحاب الرأي يسقط لأنها صارت ملكه فلا يقطع في عين هي ملكه كما لو ملكها قبل المطالبة بها ولأن المطالبة شرط والشرط يعتبر دوامها ولم يبق لهذه العين مطالب
ولنا ما روى الزهري عن ابن صفوان عن أبيه أنه نام في المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع فقال صفوان يا رسول الله لم أرد هذا ردائي عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا قبل أن تأتيني به رواه ابن ماجة والجوزجاني وفي لفظ قال فأتيته فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهما أنا أبيعه وأنسئه ثمنها قال فهلا كان قبل أن تأتيني به رواه الأثرم وأبو داود فهذا يدل على أنه لو وجد قبل رفعه إليه لدرأ القطع وبعده لا يسقطه وقولهم إن المطالبة شرط قلنا هي شرط القطع بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط وقد زالت المطالبة فصل وإن أقر المسروق منه أن المسروق كان ملكا للسارق أو قامت به بينة أو أن له فيه شبهة أو أن المالك أذن له في أخذها أو أنه سلبها لم يقطع لأننا تبينا أنه لم يجب بخلاف ما لو وهبه إياها فإن ذلك لا يمنع كون الحد واجبا وإن أقر له بالعين سقط القطع أيضا لأن إقراره يدل على تقدم ملكه لها فيحتمل أن تكون له حال أخذها والمنصوص عن أحمد أن القطع لا يسقط لأنه ملك تجدد سببه بعد وجوب القطع أشبه الهبة ولأن ذلك حيلة على إسقاط القطع بعد وجوبه فلم يسقط بها كالهبة مسألة قال ( ولو أخرجها وقيمتها ثلاثة دراهم فلم يقطع حتى نقصت قيمتها قطع ) وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يسقط القطع لأن النصاب شرط فتعتبر استدامته ولنا قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 ولأنه نقص حدث في العين فلم يمنع القطع كما لو حدث باستعماله والنصاب شرط لوجوب القطع وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ فأما إن نقص النصاب قبل الإخراج لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله وإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع لأن الوجوب لا يثبت مع الشك في شرطه ولأن الأصل عدمه مسألة قال ( وإذا قطع فإن كانت السرقة باقية ردت إلى مالكها وإن كانت تالفة فعليه قيمتها سواء كان موسرا أو معسرا ) لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية فأما إن كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثيلة قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا وهذا قول الحسن والنخعي وحماد والبتي والليث والشافعي وإسحاق وأبي ثور وقال الثوري وأبو حنيفة لا يجتمع الغرم والقطع إن غرمها قبل القطع سقط القطع وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم وقال عطاء وابن سيرين والشعبي ومحكول لا غرم على السارق إذا قطع ووافقنا مالك في المعسر ووافقهم في الموسر قال أبو حنيفة في رجل سرق مرات ثم قطع يغرم الكل إلا الأخيرة وقال أبو يوسف لا يغرم شيئا لأنه قطع بالكل فلا يغرم شيئا منه كالسرقة الأخيرة واحتج بما روي عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه ولأن التضمين يقتضي التمليك والملك يمنع القطع فلا يجمع بينهما ولنا إنها عين يجب ضمانها بالرد لو كانت باقية فيجب ضمانها إذا كانت تالفة كما لو لم يقطع ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك وحديثهم يرويه سعد بن إبراهيم عن منصور وسعد بن إبراهيم مجهول قاله ابن المنذر وقال ابن عبد البر الحديث ليس بالقوي ويحتمل أنه أراد ليس عليه أجرة القاطع وما ذكروه فهو بناء على أصولهم ولا نسلمها لهم
فصل وإذا فعل في العين فعلا نقصها به كقطع الثوب ونحوه وجب رده ورد نقصه ووجب القطع وقال أبو حنيفة إن كان نقصا لا يقطع حق المغصوب منه إذا فعله الغاصب رد العين ولا ضمان عليه وإن كان يقطع حق الملك كقطع الثوب وخياطته فلا ضمان عليه ويسقط حق المسروق منه من العين وإن كان زيادة في العين كصبغه أحمر أو أسفر فلا ترد العين ولا يحل له التصرف فيها وقال أبو يوسف ومحمد ترد العين وبني هذا على أصله في الغرم يسقط عنه القطع وأما إذا صبغه فقال لا يرده لأنه لو رده لكان شريكا فيه بصبغه ولا يجوز أن يقطع فيما هو شريك فيه وهذا ليس بصحيح لأن صبغه كان قبل القطع فلو كان شريكا بالصبغ لسقط القطع وإن كان يصير شريكا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو اشترى نصفه من مالكه بعد القطع وقد سلم أبو حنيفة أن لو سرق فضة فضربها دراهم قطع ولزمه ردها وقال صاحباه لا يقطع ويسقط حق صاحبها منها بضربها وهذا شيء بيناه على أصولهما في أن تغيير اسمها يزيل ملك صاحبها وإن ملك السارق لها يسقط القطع عنه وهو غير مسلم لهما مسألة قال ( وإذا أخرج النباش من القبر كفنا قيمته ثلاثة دراهم قطع ) روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشعبي والنخعي وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة والثوري لا قطع عليه لأن القبر ليس بحرز لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ والكفن لا يوضع في القبر لذلك ولأنه ليس بحرز لغيره فلا يكون حرزا له ولأن الكفن لا مالك له لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكا للميت أو لوارثه وليس ملكا لواحد منهما لأن الميت لا يملك شيئا ولم يبق أهلا للملك والوارث إنما ملك ما فضل عن حاجة الميت ولأنه لا يجب القطع إلا بمطالبة المالك أو نائبه ولم يوجد ذلك ولنا قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 وهذا سارق فإن عائشة رضي الله عنها قالت سارق أمواتنا كسارق أحيائنا وما ذكروه لا يصح فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره ويكتفي به في حرزه ألا ترى أن لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه ويترك في القبر وينصرف عنه وقولهم إنه لا مالك له ممنوع بل هو مملوك للميت لأنه كان مالكا له في حياته ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة به إليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة كقيام ولي الصبي في الطلب بماله إذا ثبت هذا فلا بد من إخراج الكفن من القبر لأنه الحرز فإن أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه لأنه لم يخرجه من الحرز فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى القبر بيتا فصل والكفن الذي يقطع بسرقته مشروعا فإن كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف أو المرأة في أكثر من خمس فسرق الزائد عن ذلك أو تركه في تابوت فسرقت التابوت أو ترك معه طيبا مجموعا أو ذهبا أو فضة أو جواهر لم يقطع بأخذ شيء من ذلك لأنه ليس بكفن مشروع فتركه فيه سفه وتضييع فلا يكون محرزا ولا يقطع سارقه فصل وهل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة يحتمل وجهين أحدهما يفتقر إلى المطالبة كسائر المسروقات فعلى هذا المطالب الورثة لأنهم يقومون مقام الميت في حقوقه وهذا من حقوقه والثاني لا يفتقر إلى طلب لأن الطلب في السرقة من الأحياء شرع لئلا يكون المسروق مملوكا للسارق وقد يئس من ذلك هاهنا مسألة قال ( ولا يقطع في محرم ولا آلة لهو )
يعني لا يقطع في سرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو ذمي وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلما لأنه مال لهم أشبه ما لو سرق دراهمهم ولنا إنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير ولأن ما لا يقطع بسرقته من مال المسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم وما ذكروه ينتقض بالخنزير ولا اعتبار به فإن الاعتبار بحكم الإسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا بلغت قيمته مع تأليفه نصابا وأما آلة اللهو كالطنبور والمزمار والشبابة فلا قطع فيه وإن بلغت قيمته مفصلا نصابا وقال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصابا ففيه القطع وإلا فلا لأنه سرق ما قيمته نصاب لا شبهة له فيه من حرز مثله وهو من أهل القطع فوجب قطعه كما لو كان ذهبا مكسورا ولنا إنه آلة للمعصية بالإجماع فلم يقطع بسرقته كالخمر ولأن له حقا في أخذها لكسرها فكان ذلك شبهة مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده فإن كانت عليه حلية تبلغ نصابا فلا قطع فيه أيضا في قياس قول أبي بكر لأنه متصل بما لا قطع فيه فأشبه الخشب والأوتار وقال القاضي فيه القطع وهو مذهب الشافعي لأنه سرق نصابا من حرزه فأشبه المنفرد فصل وإن سرق صليبا من ذهب أو فضة يبلغ نصابا متصلا فقال القاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة وقال أبو الخطاب يقطع سارقه وهو مذهب الشافعي ووجه المذهبين ما تقدم والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها أن التي قبلها له كسره بحيث لا تبقى له قيمة تبلغ نصابا وها هنا لو كسر الذهب والفضة بكل وجه لم تنقص قيمته عن النصاب ولأن الذهب والفضة جوهرهما غالب على الصنعة المحرمة فكانت الصناعة فيهما مغمورة بالنسبة إلى قيمة جوهرهما وغيرهما بخلافهما فتكون الصناعة غالبة عليه فيكون بائعا للصناعة المحرمة فأشبه الإناء ولو سرق إناء من ذهب أو فضة قيمته نصاب إذا كان متكسرا فعليه القطع لأنه غير مجمع على تحريمه وقميته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب وإن سرق إناء معبدا لحمل الخمر ووضعه فيه ففيه القطع لأن الإناء لا تحريم فيه وإنما يحرم عليه بنيته وقصده فأشبه ما لو سرق سكينا معدة لذبح الخنازير أو سيفا يعده لقطع الطريق وإن سرق إناء فيه خمر يبلغ نصابا فقال أبو الخطاب يقطع وهو مذهب الشافعي لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وقال غيره من أصحابنا لا يقطع لأنه تبع لما لا قطع فيه فأشبه ما لو سرق مشتركا بينه وبين غيره قال أبو إسحاق بن شاقلا ولو سرق إداوة أو إناء فيه ماء فلا قطع فيه كذلك ولو سرق منديلا في طرفه دينار مشدود فعلم فيه فعليه القطع وإن لم يعلم به فلا قطع فيه لأنه لم يقصد سرقته فأشبه ما لو تعلق بثوبه وقال الشافعي يقطع لأنه سرق نصابا فأشبه ما لو سرق ما لم يعلم أن قيمته نصاب والفرق بينهما أنه علم بالمسروق هاهنا وقصد سرقته بخلاف الدينار فإنه لم يرده ولم يقصد أخذه فلا يؤاخذ به بإيجاب الحد عليه مسألة قال ( ولا يقطع الوالد فيما أخذ من مال ولده لأنه أخذ ماله أخذه ولا الوالدة فيما أخذت من مال ولدها ولا العبد فيما سرق من مال سيده ) وجملته أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم والابن والبنت والجد والجدة من قبل الأب والأم وهذا قول عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور وابن المنذر القطع على كل سارق بظاهر الكتاب إلا أن يجمعوا على شيء فيستثنى
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه وفي لفظ فكلوا من كسب أولادكم ولا يجوز قطع الإنسان بأخذ ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذه ولا أخذه ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مالا له مضافا إليه ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مال جعله الشرع له وأمره بأخذه وأكله وأما العبد إذا سرق من مال سيده فلا قطع عليه في قولهم جميعا ووافقهم أبو ثور فيهوحكي عن داود أنه يقطع لعموم الآية ولنا ما روى السائب بن يزيد قال شهدت عمر بن الخطاب وقد جاءه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له فقال إن غلامي هذا سرق فاقطع يده فقال عمر ما سرق قال سرق مرآة امرأتي ثمنها ستون درهما فقال أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم ولكنه لو سرق من غيره قطع وفي لفظ قال مالكم سرق بعضه بعضا لا قطع عليه رواه سعيد وعن ابن مسعود أن رجلا جاءه فقال عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر فقال لا قطع مالك سرق مالك وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد فتكون إجماعا وهذا يخص عموم الآية ولأن هذا إجماع من أهل العلم لأنه قول من سمينا من الأئمة ولم يخالفهم في عصرهم أحد فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين فصل والمدبر وأم الولد والمكاتب كالقن في هذا وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا يقطع سيد المكاتب بسرقة ماله لأنه عبد ما بقي عليه درهم وكل من لا يقطع الإنسان بسرقة ماله لا يقطع عبده بسرقة ماله كآبائه وأولاده وغيرهم كل على أصله وقال أبو ثور يقطع بسرقة مال من عدا سيده ونحوه قول مالك وابن المنذر ولنا حديث عمر رضي الله عنه ولأن مالهم ينزل منزلة ماله في قطعه فكذلك في قطع عبده فصل ولا يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده وإن علا وبه قال الحسن والشافعي وإسحاق والثوري وإصحاب الرأي وظاهر قول الخرقي أنه يقطع لأن لم يذكره فيمن لا قطع عليه وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه يحد بالزنا بجاريته ويقاد بقتله فيقطع بسرقة ماله كالأجنبي ووجه الأول أن بينهما قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه فلم يقطع بسرقة ماله كالأب ولأن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له فلا يجوز إتلافه حفظا للمال وأما الزنا بجاريته فيجب به الحد لأنه لا شبهة له فيها بخلاف المال فصل فأما سائر الأقارب كالإخوة والأخوات ومن عداهم فيقطع بسرقة مالهم ويقطعون بسرقة ماله وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقطع بالسرقة من ذي رحم لأنها قرابة تمنع النكاح وتبيح النظر وتوجب النفقة أشبه قرابة الولادة ولنا إنها قرابة لا تمنع الشهادة فلا تمنع القطع كقرابة غيره وفارق قرابة الولادة بهذا فصل وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر فإن كان مما ليس محرزا عنه فلا قطع فيه وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان إحداهما لا قطع عليه وهي اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لقول عمر رضي الله عنه لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي حين قال له إن غلامي سرق مرآة امرأتي أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها فهو أولى ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب ولا تقبل شهادته له ويتبسط في مال الآخر عادة فأشبه الوالد والولد والثانية يقطع وهو مذهب مالك وأبي ثور وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي لعموم الآية ولأنه سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه أشبه الأجنبي وللشافعي كالروايتين وقول ثالث أن الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة لأنه لا حق له فيه ولا تقطع بسرقة ماله لأن لها النفقة فيه
فصل ولا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلما ويروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وبه قال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي وأصحاب الرأي وقال حماد ومالك وابن المنذر يقطع لظاهر الكتاب ولنا ما روى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس فدفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه وقال مال الله سرق بعضه بعضا ويروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وسأل ابن مسعود عمر عمن سرق من بيت المال فقال أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق وقال سعيد حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن الشعبي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول ليس على من سرق من بيت المال قطع ولأن له في المال حقا فيكون شبهة تمنع وجوب القطع كما لو سرق من مال له فيه شركة ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لولده أو لسيده أو لمن لا يقطع بسرقة ماله لم يقطع لذلك وإن لم يكن من الغانمين ولا أحدا من هؤلاء الذين ذكرنا فسرق منها قبل إخراج الخمس لم يقطع لأن له في الخمس حقا وإن أخرج الخمس فسرق من الأربعة الأخماس قطع وإن سرق من الخمس لم يقطع وإن قسم الخمس خمسة أقسام فسرق من خمس الله تعالى ورسوله لم يقطع وإن سرق من غيره قطع إلا أن يكون من أهل ذلك الخمس فصل وإن سرق من الوقف أو من غلته وكان من الموقوف عليهم مثل أن يكون مسكينا سرق من وقف المساكين أو من قوم معينين عليهم وقف فلا قطع عليه لأنه شريك وإن كان من غيرهم قطع لأنه لا حق له فيه فإن قيل فقد قلتم لا يقطع بالسرقة من بيت المال من غير تفريق بين غني وفقير فلم فرقتم ههنا قلنا لأن للغني في بيت المال حقا ولهذا قال عمر رضي الله عنه ما من أحد إلا وله في هذا المال حق بخلاف وقف المساكين فإنه لا حق للغني فيه فصل قال أحمد لا قطع في المجاعة يعني أن المحتاج إذا سرق ما يأكله فلا قطع عليه لأنه كالمضطر وروى الجوزجاني عن عمر أنه قال لا قطع في عام سنة وقال سألت أحمد عنه فقلت تقول به قال إي لعمري لا أقطعه إذا حملته الحاجة والناس في شدة ومجاعة وعن الأوزاعي مثل ذلك وهذا محمول على من لا يجد ما يشتريه أو لا يجد ما يشتري به فإن له شبهة في أخذ ما يأكله أو ما يشتري به ما يأكله وقد روي عن عمر رضي الله عنه أن غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني فأمر عمر بقطعهم ثم قال لحاطب إني أراك تجيعهم فدرأ عنهم القطع لما ظنه يجيعهم فأما الواجد لما يأكله أو الواجد لما يشتري به وما يشتريه فعليه القطع وإن كان بالثمن الغالي ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي ولا قطع على المرأة إذا منعها الزوج قدر كفايتها أو كفاية ولدها فأخذت من ماله سواء أخذت قدر ذلك أو أكثر منه لأنها تستحق قدر ذلك فالزائد يكون مشتركا بما يستحق أخذه ولا على الضيف إذا منع قراه فأخذ أيضا من مال المضيف لذلك مسألة قال ( ولا يقطع إلا بشهادة عدلين أو اعتراف مرتين ) وجملة ذلك أن القطع إنما يجب بأحد أمرين بينة أو إقرار لا غير فأما البينة فيشترط فيها أن يكونا رجلين مسلمين حرين عدلين سواء كان السارق مسلما أو ذميا وقد ذكرنا ذلك في الشهادة في الزنا بما أغنى عن إعادته هاهنا ويشترط أن يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه فيقولان نشهد أن هذا سرق كذا قيمته كذا من حرز ويصفا الحرز وإن كان المسروق منه غائبا فحضر وكيله وطالب بالسرقة احتاج الشاهدان أن يرفعا في نسبه فيقولان من حرز فلان ابن فلان ابن فلان بحيث يتميز من غيره فإذا اجتمعت هذه الشروط وجب القطع في قول عامتهم
قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان ووصفا ما يوجب القطع وإذا وجب القطع بشهادتهما لم يسقط بغيبتهما ولا موتهما على ما مضى في الشهادة بالزنا وإذا شهدا بسرقة مال غائب فإن كان له وكيل حاضر فطالب به قطع السارق وإلا فلا فصل وإذا اختلف الشاهدان في الوقت أو المكان أو المسروق فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس والآخر أنه سرق يوم الجمعة أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت وشهد الآخر أنه سرق من هذا البيت أو قال أحدهما سرق ثورا وقال الآخر سرق بقرة أو قال سرق ثورا وقال الآخر سرق حمارا لم يقطع في قولهم جميعا وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وإن قال أحدهما سرق ثوبا أبيض وقال الآخر أسود أو قال أحدهما سرق هرويا فقال الآخر مرويا لم يقطع أيضا وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر لأنهما لم يتفقا على الشهادة بشيء واحد فأشبه ما لو اختلفا في الذكورية والأنوثية وقال أبو الخطاب يقطع وهو قول أبي حنيفة وأصحاب الرأي لأن الاختلاف لم يرجع إلى نفس الشهادة ويحتمل أن أحدهما غلب على ظنه أنه هروي والآخر أنه مروي أو كان الثوب فيه سواد وبياض قال ابن المنذر اللون أقرب إلى الظهور من الذكورية والأنوثية فإذا كان اختلافهما فيما يبطل شهادتهما ففيما يظهر أولى ويحتمل أن أحدهما ظن المسروق ذكرا وظنه الآخر أنثى فقد أوجب هذا رد شهادتهما فكذلك هاهنا الثاني الاعتراف فيشترط فيه أن يعترف مرتين روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وزفر وابن شبرمة وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن يقطع باعتراف مرة لأنه حق يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه التكرار كحق الآدمي ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن أبي أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف فقال له وما إخالك سرقت قال بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع ولو وجب القطع بأول مرة لما أخره وروى سعيد عن هشيم وسفيان وأبو الأحوص وأبي معاوية عن الأعمش عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال شهدت عليا وأتاه رجل فأقر بالسرقة فرده وفي لفظ فانتهره وفي لفظ فسكت عنه وقال غير هؤلاء فطرده ثم عاد بعد ذلك فأقر فقال له علي شهدت على نفسك مرتين فأمر به فقطع وفي لفظ قد أقررت على نفسك مرتين ومثل هذا يشتهر فلم ينكر ولأنه يتضمن إتلافا في حد فكان من شرطه التكرار كحد الزنا ولأنه أحد حجتي القطع فيعتبر فيه التكرار كالشهادة وقياسهم ينتقض بحد الزنا عند من اعتبر التكرار ويفارق حق الآدمي لأن حقه مبني على الشح والتضييق ولا يقبل رجوعه عنه بخلاف مسألتنا فصل ويعتبر أن يذكر في إقراره شروط السرقة من النصاب والحرز وإخراجه منه فصل والحر والعبد في هذا سواء نص عليه أحمد وذلك لعموم النص فيهما ولما روى الأعمش عن القاسم عن أبيه أن عليا قطع عبدا أقر عنده بالسرقة وفي رواية قال كان عبدا يعني الذي قطعه علي ويعتبر أن يقر مرتين وروى مهنا عن أحمد إذا أقر العبد أربع مرات أنه سرق قطع وظاهر هذا أنه اعتبر إقراره أربع مرات ليكون على النصف من الحر والأول أصح لخبر علي ولأنه إقرار بحد فاستوى في عدده الحر والعبد كسائر الحدود مسألة قال ( ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع ) هذا قول أكثر الفقهاء وقال ابن أبي ليلى وداود لا يقبل رجوعه لأنه لو أقر لآدمي بقصاص أو حق لم يقبل رجوعه عنه
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق ما إخالك سرقت عرض له ليرجع ولأنه حد لله تعالى ثبت بالاعتراف فقبل رجوعه عنه كحد الزنا ولأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعه عنه شبهة لاحتمال أن يكون كذب على نفسه في اعترافه ولأنه أحد حجتي القطع فيبطل بالرجوع عنه كالشهادة ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط كما لو رجع الشهود وفارق حق لآدمي فإنه مبني على الشح والضيق ولو رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم لم يبطل برجوعهم ولم يمنع استيفاءها إذا ثبت هذا فإنه إذا رجع قبل القطع سقط ولم يسقط غرم المسروق لأنه حق آدمي ولو أقر مرة واحدة لزمه غرامة المسروق دون القطع وإن كان رجوعه وقد قطع بعض المفصل لم يتممه إن كان يرجى برؤه لكونه قطع قليلا وإن قطع الأكثر فالمقطوع بالخيار إن شاء تركه وإن شاء قطعه ليستريح من تعليق كفه ولا يلزم القاطع قطعه لأن قطعه تداو وليس بحد فصل قال أحمد لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره وهذا قول عامة الفقهاء روي عن عمر أنه أتي برجل فسأله أسرقت قل لا فقال لا فتركه وروي معنى ذلك عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وابن مسعود وأبي الدرداء وبه قال إسحاق وأبو ثور وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسارق ما إخالك سرقت وقال لماعز لعلك قبلت أو لمست وعن علي رضي الله عنه أن رجلا أقر عنده بالسرقة فانتهره وروي أنه طرده وروي أنه رده ولا بأس بالشفاعة في السارق ما لم يبلغ الإمام فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعافوا الحدود فيما فما بينكم فما بلغني من حد وجب وقال الزبير بن العوام في الشفاعة في الحد يفعل ذلك دون السلطان فإذا بلغ الإمام فلا أعفاه الله إن أعفاه وممن رأى ذلك الزبير وعمار وابن عباس وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي وقال مالك إن لم يعرف بشر فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام وأما من عرف بشر وفساد فلا أحب أن يشفع له أحد ولكن يترك حتى يقام الحد عليه وأجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه لأن ذلك إسقاط حق وجب لله تعالى وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين شفع أسامة في المخزومية التي سرقت وقال أتشفع في حد من حدود الله تعالى وقال ابن عمر من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله في حكمه مسألة قال ( وإذا اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا ) وبهذا قال مالك وأبو ثور وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا لأن كل واحد لم يسرق نصابا فلم يجب عليه قطع كما لو انفرد بدون النصاب وهذا القول أحب إلي لأن القطع هاهنا لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه فلا يجب والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه لأنه مما يدرأ بالشبهات واحتج أصحابنا بأن النصاب أحد شرطي القطع فإذا اشترك الجماعة فيه كالواحد قياسا على هتك الحرز ولأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلا يشترك الجماعة في حمله وبين أن يخرج كل واحد منه جزءا ونص أحمد على هذا وقال مالك إن انفرد كل واحد بجزء منه لم يقطع واحد منهم كما لو انفرد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منها لم يجب القصاص
ولنا إنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراج النصاب فلزمهم القطع كما لو كان ثقيلا فحملوه وفارق القصاص فإنه تعتمد المماثلة ولا توجد المماثلة إلا أن توجد أفعالهم في جميع أجزاء اليد وفي مسألتنا القصد الزجر من غير اعتبار مماثلة والحاجة إلى الزجر عن إخراج المال وسواء داخلا الحرز معا أو دخل أحدهما فأخرج بعض النصاب ثم دخل الآخر فأخرج باقيه لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج النصاب فلزمهما القطع كما لو حملاه معا فصل فإن كان أحد الشريكين ممن لا قطع عليه كأبي المسروق منه قطع شريكه في أحد الوجهين كما لو شاركه في قطع يد ابنه والثاني لا يقطع وهو أصح لأن سرقتهما جميعا صارت علة لقطعهما وسرقة الأب لا تصلح موجبة للقطع لأنه أخذ ما له أخذه بخلاف قطع يد ابنه فإن الفعل تمحض عدوانا وإنما سقط القصاص لفضيلة الأب لا لمعنى في فعله وهاهنا فعله قد تمكنت الشبهة منه فوجب أن لا يجب القطع به كاشتراك العامد والخاطىء وإن أخرج كل واحد منهما نصابا وجب القطع على شريك الأب لأنه انفرد بما يوجب القطع وإن أخرج الأب نصابا وشريكه دون النصاب ففيه الوجهان وإن اعترف اثنان بسرقة نصاب ثم رجع أحدهما فالقطع على الآخر لأنه اختص بالإسقاط فيختص بالسقوط ويحتمل أن يسقط عن شريكه لأن السبب السرقة منهما وقد اختار أحد جزأيها وكذلك لو أقر بمشاركة آخر في سرقة نصاب ولم يقر الآخر ففي القطع وجهان فصل قال أحمد في رجلين دخلا دارا أحدهما في سفلها جمع المتاع وشده بحبل والآخر في علوها مد الحبل فرمى به وراء الدار فالقطع عليهما لأنهما اشتركا في إخراجه وإن دخلا جميعا فأخرج أحدهما المتاع وحده فقال أصحابنا القطع عليهما وبه قال أبو حنيفة وصاحباه إذا أخرج نصابين وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر القطع على المخرج وحده لأنه هو السارق وإن أخرج أحدهما دون النصاب والآخر أكثر من نصاب فتما نصابين فعند أصحابنا وأبي حنيفة وصاحبيه يجب القطع عليهما وعند الشافعي وموافقيه لا قطع على من لم يخرج نصابا فإن أخرج أحدهما نصابا والآخر دون النصاب فعند أصحابنا عليهم القطع وعند الشافعي القطع على مخرج النصاب وحده وعند أبي حنيفة لا قطع على واحد منهما لأن المخرج لم يبلغ نصبا بعدد السارقين وقد ذكرنا وجه ما قلنا فيما تقدم وإن نقبا حرزا ودخل أحدهما فقرب المتاع من النقب وأدخل الخارج يده فأخرجه فقال أصحابنا قياس قول أحمد أن القطع عليهما وقال الشافعي القطع على الخارج لأنه مخرج المتاع وقال أبو حنيفة لا قطع على واحد منهما ولنا إنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج المتاع فلزمهما القطع كما لو حملاه معا فأخرجاه وإن وضعه في النقب فمد الآخر يده فأخذه فالقطع عليهما ونقل عن الشافعي في هذه المسألة قولان كالمذهبين في الصورة التي قبلها فصل وإن نقب أحدهما وحده ودخل الآخر وحده فأخرج المتاع فلا قطع على واحد منهما لأن الأول لم يسرق والثاني لم يهتك الحرز وإنما سرق من حرز هتكه غيره فأشبه ما لو نقب رجل وانصرف وجاء آخر فصادف الحرز مهتوكا فسرق منه وإن نقب رجل وأمر غيره فأخرج المتاع فلا قطع أيضا على واحد منهما وإن كان المأمور صبيا لأن المميز له اختيار فلا يكون آلة للآمر كما لو أمره بقتل إنسان فقتله وإن كان غير مميز وجب القطع على الآمر لأنه آلته وإن اشترك رجلان في النقب ودخل أحدهما فأخرج المتاع وحده أو أخذه وناوله للآخر خارجا من الحرز أو رمى به إلى خارج الحرز فأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده لأنه مخرج المتاع وحده مع المشاركة في النقب وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا قطع عليهما لأن الداخل لم ينفصل عن الحرز ويده على السرقة فلم يلزمه القطع كما لو أتلفه داخل الحرز ولنا إن المسروق خرج من الحرز ويده عليه فوجب عليه القطع كما لو خرج به ويخالف إذا أتلفه فإنه لم يخرجه من الحرز
مسألة قال ( ولا يقطع وإن اعترف أو قامت بينة حتى يأتي مالك المسروق يدعيه ) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو بكر يقطع ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة وهذا قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لعموم الآية ولأن موجب القطع ثبت فوجب من غير مطالبة كحد الزنا ولنا إن المال يباح بالبذل والإباحة فيحتمل أن مالكه أباحه إياه أو وقفه على المسلمين أو على طائفة السارق منهم أو أذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة وعلى هذا يخرج الزنا فإنه لا يباح بالإباحة ولأن القطع أوسع في الإسقاط ألا ترى أنه إذا سرق مال ابنه لم يقطع ولو زنى بجاريته حد ولأن القطع شرع لصيانة مال الآدمي فله به تعلق فلم يستوف من غير حضور مطالب به والزنا حق لله تعالى محض فلم يفتقر إلى طلب به إذا ثبت هذا فإن وكيل المالك يقوم مقامه في الطلب وقال القاضي إذا أقر بسرقة مال غائب حبس حتى يحضر الغائب لأنه يحتمل أن يكون قد أباحه ولو أقر بحق مطلق لغائب لم يحبس لأنه لا حق عليه لغير الغائب ولم يأمر بحبسه فلم يحبس وفي مسألتنا تعلق به حق الله تعالى وحق الآدمي فحبس لما عليه من حق الله تعالى فإن كانت العين في يده أخذها الحاكم وحفظها للغائب وإن لم يكن في يده شيء فإذا جاء الغائب كان الخصم فيها فصل ولو أقر بسرقة من رجل فقال المالك لم تسرق مني ولكن غصبتني أو كان لي قبلك وديعة فجحدتني لم يقطع لأن إقراره لم يوافق دعوى المدعي وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي وإن أقر أنه سرق نصابا من رجلين فصدقه أحدهما دون الآخر أو قال الآخر بل غصبتنيه أو جحدتنيه لم يقطع وبه قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور إذا قال الآخر غصبتنيه أو جحدتنيه قطع ولنا إنه لم يوافق على سرقة نصاب فلم يقطع كالتي قبلها وإن وافقاه جميعا قطع وإن حضر أحدهما فطالب ولم يحضر الآخر لم يقطع لأن ما حصلت المطالبة به لا يوجب القطع بمفرده وإن أقر أنه سرق من رجل شيئا فقال الرجل قد فقدته من مالي فينبغي أن يقطع لما روي عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقالوا إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده قال ثعلبة أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار أخرجه ابن ماجة
فصل ومن ثبتت سرقته ببينة عادلة فأنكر لم يلتفت إلى إنكاره وإن قال أحلفوه لي إن سرقت منه لم يحلف لأن السرقة قد ثبتت بالبينة وفي إحلافه عليها قدح في الشهادة وإن قال الذي أخذته ملك لي كان لي عنده وديعة أو رهنا أو ابتعته منه أو وهبه لي أو أذن لي في أخذه أو غصبه مني أو من أبي أو بعضه لي فالقول قول المسروق منه مع يمينه لأن اليد ثبتت له فإن حلف سقطت دعوى السارق ولا قطع عليه لأنه يحتمل ما قال ولهذا أحلفنا المسروق منه وإن نكل قضينا عليه بنكوله وهذه إحدى الروايتين وهو منصوص الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه يقطع لأن سقوط القطع بدعواه يؤدي إلى أن لا يجب قطع سارق فتفوت مصلحة الزجر وعنه رواية ثالثة أنه إن كان معروفا بالسرقة قطع لأنه يعلم كذبه وإلا سقط عنه القطع والأول أولى لأن الحدود تدرأ بالشبهات وإفضاؤه إلى سقوط القطع لا يمتنع اعتباره كما أن الشرع اعتبر في شهادة الزنا شروطا لا يقع معها إقامة حد ببينة أبدا على أنه لا يفضي إليه لازما فإن الغالب من السراق أنهم لا يعلمون هذا ولا يهتدون إليه وإنما يختص بعلم هذا الفقهاء الذين لا يسرقون غالبا وإن لم يحلف المسروق منه قضي عليه وسقط الحد وجها واحدا كتاب قطاع الطريق الأصل في حكمهم قول الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض المائدة 33 وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن ابن عمر أنه قال نزلت هذه الآية في المرتدين وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعبد الكريم لأن سبب نزولها قصة العرنيين وكانوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة فاستاقوا إبل الصدقة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الحرة حتى ماتوا قال أنس فأنزل الله تعالى في ذلك إنما جزاء الذين يحاربون الله المائدة 33 الآية أخرجه أبو داود والنسائي ولأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار لا من المسلمين ولنا قول الله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم المائدة 34 والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله البقرة 278 279 مسألة قال ( والمحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة ) وجملته أن المحاربين الذين تثبت لهم أحكام المحاربة التي نذكرها بعد تعتبر لهم شروط ثلاثة أحدها أن يكون ذلك في الصحراء فإن كان ذلك منهم في القرى والأمصار فقد توقف أحمد رحمه الله فيهم وظاهر كلام الخرقي أنهم غير محاربين وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق وقطع الطريق إنما هو في الصحراء ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه وقال كثير من أصحابنا هو قاطع حيث كان وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور لتناول الآية بعمومها كل محارب ولأن ذلك إذا وجد في المصر كان أعظم خوفا وأكثر ضررا فكان بذلك أولى وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر مثل أن كبسوا دارا فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا أدركهم الغوث فليس هؤلاء بقطاع طريق لأنهم في موضع يلحقهم الغوث عادة وإن حضروا قرية أو بلدا ففتحوه وغلبوا على أهله أو محلة منفردة بحيث لا يدركهم الغوث عادة فهم محاربون لأنهم لا يلحقهم الغوث فأشبه قطاع الطريق في الصحراء
الشرط الثاني أن يكون معهم سلاح فإن لم يكن معهم سلاح فهم غير محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم ولا نعلم في هذا خلافا فإن عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين لأنه لا سلاح معهم ولنا إن ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف فأسيه الحديد الشرط الثالث أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا فأما إن أخذوه مختفين فهم سراق وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئا فليسوا بمحاربين لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق مسألة قال ( فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وإن عفا صاحب المال وصلب حتى يشتهر ودفع إلى أهله ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد ثم حسمتا وخلي ) روينا نحو هذا عن ابن عباس وبه قال قتادة ومجلز وحماد والليث والشافعي وإسحاق وعن أحمد أنه إذا قتل وأخذ المال قتل وقطع لأن كل واحدة من الجنايتين توجب حدا منفردا فإذا اجتمعا وجب حدهما معا كما لو زنى وسرق وذهبت طائفة إلى أن الإمام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي لأن أو تقتضي التخيير كقوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة المائدة 89 وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبي الزناد وأبي ثور وداود وروي عن ابن عباس ما كان في القرآن ( أو ) فصاحبه بالخيار وقال أصحاب الرأي إن قتل قتل وإن أخذ المال قطع وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير بين قتله وصلبه وبين قتله وقطعه وبين أن يجمع له ذلك كله لأنه قد وجد منه ما يوجب القتل والقطع فكان للإمام فعلهما كما لو قتل وقطع في غير قطع طريق وقال مالك إذا قطع الطريق فرآه الإمام جلدا ذا رأي قتله وإن كان جلدا لا رأي له قطعه ولم يعتبر فعله ولنا على أنه لا يقتل إذا لم يقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق فأما ( أو ) فقد قال ابن عباس مثل قولنا فإما أن يكون توقيفا أو لغة وأيهما كان فهو حجة يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداءة بالأخف ككفارة اليمين وما أريد به الترتيب بدىء فيه بالأغلظ فالأغلظ ككفارة الظهار والقتل ويدل عليه أيضا أن العقوبات تختلف باختلاف الإجرام ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق وقد سووا بينهم مع اختلاف جناياتهم وهذا يرد على مالك فإنه إنما اعتبر الجلد والرأي دون الجنايات وهو مخالف للأصول التي ذكرناها وأما قول أبي حنيفة فلا يصح لأن القتل لو وجب لحق الله تعالى لم يخير الإمام فيه كقطع السارق وكما لو انفرد بأخذ المال ولأن الحدود لله تعالى إذا كان فيها قتل سقط ما دونه كما لو سرق وزنى وهو محصن وقد روي عن ابن عباس قال وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة الأسلمي فجاء ناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحابه فنزل جبريل عليه السلام بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وقيل إنه رواه أبو داود وهذا كالمسند وهو نص فإذا ثبت هذا فإن قاطع الطريق لا يخلو من أحوال خمس الأولى إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب وقتله متحتم لا يدخله عفو
أجمع على هذا كل أهل العلم قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم روي ذلك عن عمر وبه قال سليمان بن موسى والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولأنه حد من حدود الله تعالى فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود وهل يعتبر التكافؤ بين القاتل والمقتول فيه روايتان إحداهما لا يعتبر بل يؤخذ الحر بالعبد والمسلم بالذمي والأب بالابن لأن هذا القتل حد لله تعالى فلا تعتبر فيه المكافأة كالزنا والسرقة والثانية تعتبر المكافأة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر والحد فيه انحتامه بدليل أنه لو تاب قبل القدرة عليه سقط انحتام ولم يسقط القصاص فعلى هذه الرواية إذا قتل المسلم ذميا أو الحر عبدا أو أخذ ماله قطعت يده ورجله من خلاف لأخذه المال وغرم دية الذمي وقيمة العبد وإن قتله ولم يأخذ مالا غرم ديته ونفي وذكر القاضي أنه إنما يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال وإن قتله لغير ذلك مثل أن يقصد قتله لعداوة بينهما فالواجب قصاص غير متحتم وإذا قتل صلب لقول الله تعالى أو يصلبوا المائدة 33 والكلام فيه في ثلاثة أمور أحدها في وقته ووقته بعد القتل وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي ومالك والليث وأبو حنيفة وأبو يوسف يصلب حيا ثم يقتل مصلوبا يطعن بالحربة لأن الصلب عقوبة وإنما يعاقب الحي لا الميت ولأنه جزاء على المحاربة فيشرع في الحياة كسائر الأجزية ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه فلا يجوز ولنا إن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف فيجب تقديم الأول في اللفظ كقوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله البقرة 158 ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع كان قتلا بالسيف ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتل وأحسن القتل هو القتل بالسيف وفي صلبه حيا تعذيب له وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان وقولهم إنه جزاء على المحاربة قلنا لو شرع لردعه لسقط بقتله كما يسقط سائر الحدود مع القتل وإنما شرع الصلب ردعا لغيره ليشتهر أمره وهذا يحصل بصلبه بعد قتله وقولهم يمنع تكفينه ودفنه قلنا هذا لازم لهم لأنهم يتركونه بعد قتله مصلوبا الثاني في قدره ولا توقيت فيه إلا قدر ما يشتهر أمره قال أبو بكر لم يوقت أحمد في الصلب فأقول يصلب قدر ما يقع عليه الاسم والصحيح توقيته بما ذكر الخرقي من الشهرة لأن المقصود يحصل به وقال الشافعي يصلب ثلاثا وهو مذهب أبي حنيفة وهذا توقيت بغير توقيف فلا يجوز مع أنه في الظاهر يفضي إلى تغيره ونتنه وأذى المسلمين برائحته ونظره ويمنع تغسيله وتكفينه ودفنه فلا يجوز بغير دليل الثالث في وجوبه وهذا واجب حتم في حق من قتل وأخذ المال لا يسقط بعفو ولا غيره وقال أصحاب الرأي إن شاء الإمام صلب وإن شاء لم يصلب ولنا حديث ابن عباس أن جبريل نزل بأن من قتل وأخذ المال صلب ولأنه شرع حدا فلم يتخير بين فعله وتركه كالقتل وسائر الحدود إذا ثبت هذا فإنه إذا اشتهر أنزل ودفع إلى أهله فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن فصل وإن مات قبل قتله لم يصلب لأن الصلب من تمام الحد وقد فات الحد بموته فيسقط ما هو من تتمته وإن قتل في المحاربة بمثقل قتل كما لو قتل بمحدد لأنهما سواء في وجوب القصاص بهما وإن قتل بآلة لا يجب القصاص بالقتل بها كالسوط والعصا والحجر الصغير فظاهر كلام الخرقي أنهم يقتلون أيضا لأنهم دخلوا في العموم
الحال الثاني قتلوا ولم يأخذوا المال فإنهم يقتلون ولا يصلبون وعن أحمد رواية أخرى أنهم يصلبون لأنهم محاربون يجب قتلهم فيصلبون كالذين أخذوا المال والأولى أصح لأن الخبر المروي فيهم قال فيه ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يذكر صلبا ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده فيجب أن تكون عقوبتهم أغلظ ولو شرع الصلب ها هنا لاستويا والحكم في تحتم القتل وكونه حدا ها هنا كالحكم فيه إذا قتل وأخذ المال فصل وإذا جرح المحارب جرحا في مثله قصاص فهل يتحتم فيه القصاص على روايتين إحداهما لا يتحتم لأن الشرع لم يرد بشرع الحد في حقه بالجراح فإن الله تعالى ذكر في حدود المحاربين القتل والصلب والقطع والنفي فلم يتعلق بالمحاربة غيرها فلا يتحتم بخلاف القتل فإنه حد فتحتم كسائر الحدود فحينئذ لا يجب فيه أكثر من القصاص والثانية يتحتم لأن الجراح تابعة للقتل فيثبت فيها مثل حكمه ولأنه نوع قود أشبه القود في النفس والأولى أولى وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه كالجائفة فليس فيه إلا الدية وإن جرح إنسانا وقتل آخر اقتص منه للجراح وقتل للمحاربة وقال أبو حنيفة تسقط الجراح لأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سوى القتل ولنا إنها جناية يجب بها القصاص في غير المحاربة فيجب بها في المحاربة كالقتل ولا نسلم أن القصاص في الجراح حد وإنما هو قصاص متمحض فأشبه ما لو كان الجرح في غير المحاربة وإن سلمنا أنه حد فإنه مشروع مع القتل فلم يسقط به كالصلب وكقطع اليد والرجل الحال الثالث أخذ المال ولم يقتل فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى وهذا معنى قوله سبحانه ( من خلاف ) وإنما قطعنا يده اليمنى للمعنى الذي قطعنا به يمنى السارق ثم قطعنا رجله اليسرى لتتحقق المخالفة وليكون أرفق به في إمكان مشيه ولا ينتظر اندمال اليد في قطع الرجل بل يقطعان معا يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم ثم برجله لأن الله تعالى بدأ بذكر الأيدي ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين فأما إن كان معدوم اليد والرجل إما لكونه قد قطع في قطع طريق أو سرقة أو قصاص أو لمرض فمقتضى كلام الخرقي سقوط القطع عنه سواء كانت اليد اليمنى والرجل اليسرى أو بالعكس لأن قطع زيادة على ذلك يذهب بمنفعة الجنس أما منفعة البطش أو المشي أو كليهما وهذا مذهب أبي حنيفة وعلى الرواية التي تستوفي أعضاء السارق الأربعة بقطع ما بقي من أعضائه فإن كانت يده اليمنى مقطوعة قطعت رجله اليسرى وحدها ولو كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى مقطوعة قطعت يمنى يديه ولم يقطع غير ذلك وجها واحدا وهو مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأنه وجد في محل الحد ما يستوفي فاكتفى باستيفائه كما لو كانت اليد ناقصة بخلاف التي قبلها وإن كان ما وجب قطعه أشل فذكر أهل الطب أن قطعه يفضي إلى تلفه لم يقطع وكان حكمه حكم المعدوم وإن قالوا لا يفضي إلى تلفه ففي قطعه روايتان ذكرناهما في قطع السارق الحال الرابع إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا الحال الخامس إذا تابوا قبل القدرة عليهم ويأتي ذكر حكمهما إن شاء الله تعالى مسألة قال ( ولا يقطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله ) وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال مالك وأبو ثور للإمام أن يحكم عليه حكم المحارب لأنه محارب لله ولرسوله ساع في الأرض بالفساد فيدخل في عموم الآية ولأنه لا يعتبر الحرز فكذلك النصاب
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار ولم يفصل ولأن هذه جناية تعلقت بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد كالقتل يغلظ بالانحتام كذلك ها هنا تتغلظ بقطع الرجل معها ولا تتغلظ بما دون النصاب وأما الحرز فهو معتبر فإنهم لو أخذوا مالا مضيعا لا حافظ له لم يجب القطع وإن أخذوا ما يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا قطعوا على قياس قولنا في السرقة وقياس قول الشافعي وأصحاب الرأي أنه لا يجب القطع حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا ويشترط أيضا أن لا تكون لهم شبهة فيما يأخذونه من المال على ما ذكرنا في المسروق مسألة قال ( ونفيهم أن يشردوا فلا يتركوا يأوون في بلد ) وجملته أن المحاربين إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا فإنهم ينفون من الأرض لقول الله تعالى أو ينفوا من الأرض المائدة 33 ويروى عن ابن عباس أن النفي يكون في هذه الحالة وهو قول النخعي وقتادة وعطاء الخراساني والنفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان فلا يتركون يأوون بلدا ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري وعن ابن عباس أنه ينفي من بلده إلى بلد غيره كنفي الزاني وبه قال طائفة من أهل العلم قال أبو الزناد كان منفى الناس إلى باضع من أرض الحبشة وذلك أقصى تهامة اليمن وقال مالك يحبس في البلد الذي ينفى إليه كقوله في الزاني وقال أبو حنيفة نفيه حسبه حتى يحدث توبة ونحو هذا قال الشافعي فإنه قال في هذه الحال يعزرهم الإمام وإن رأى أن يحبسهم حبسهم وقيل عنه النفي طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود الله تعالى وروي ذلك عن ابن عباس وقال ابن سريج يحبسهم في غير بلدهم وهذا مثل قول مالك وهذا أولى لأن تشريدهم إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق ويؤذون به الناس فكان حبسهم أولى وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى معناها أن نفيهم طلب الإمام لهم فإذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم ولنا ظاهر الآية فإن النفي الطرد والإبعاد والحبس إمساك وهما يتنافيان فأما نفيهم إلى غير مكان معين فلقوله سبحانه أو ينفوا من الأرض المائدة 33 وهذا يتناول نفيه من جميعها وما ذكروه يبطل بنفي الزاني فإنه ينفى إلى مكان يحتمل أن يوجد منه الزنا فيه ولم يذكر أصحابنا قدر مدة نفيهم فيحتمل أن تتقدر مدته بما تظهر فيه توبتهم وتحسن سيرتهم ويحتمل أن ينفوا عاما كنفي الزاني مسألة قال ( فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال إلا أن يعفى لهم عنها ) لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور والأصل في هذا قول الله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم المائدة 34 فعلى هذا يسقط عنهم تحتم القتل والصلب والقطع والنفي ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه فأما إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء من الحدود لقول الله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم المائدة 34 فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدرة فمن عداهم يبقى على قضية العموم ولأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص وبعدها الظاهر أنها تقيه من إقامة الحد عليه ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيبا في توبته والرجوع عن محاربته وإفساده فناسب ذلك الإسقاط عنه وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة
فصل وإن فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص المحاربة كالزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة لأنها حدود الله تعالى فتسقط بالتوبة كحد المحاربة إلا حد القذف فإنه لا يسقط لأنه حق آدمي ولأن في إسقاطها ترغيبا في التوبة ويحتمل أن لا تسقط لأنها لا تختص المحاربة فكانت في حقه كهي في حق غيره وإن أتى حدا قبل المحاربة ثم حارب وتاب قبل القدرة عليه لم يسقط الحد الأول لأن التوبة إنما يسقط بها الذنب الذي تاب منه دون غيره فصل وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح ففيه روايتان إحداهما يسقط عنه لقول الله تعالى واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما النساء 16 وذكر حد السارق ثم قال فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه المائدة 39 وقال النبي صلى الله عليه وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له ومن لا ذنب له لا حد عليه وقال في ماعز لما أخبر بهربه هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه ولأنه خالص حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب والرواية الثانية لا يسقط وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لقول الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 وهذا عام في التائبين وغيرهم وقال تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة 38 ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وقد جاؤوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم توبة فقال في حق المرأة لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد عليهم ولأن الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل ولأنه مقدور عليه فلم يسقط عند الحد بالتوبة كالمحارب بعد القدرة عليه فإن قلنا بسقوط الحد بالتوبة فهل يسقط بمجرد التوبة أو بها مع إصلاح العمل فيه وجهان أحدهما يسقط بمجردها وهو ظاهر قول أصحابنا لأنها توبة مسقطة للحد فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه والثاني يعتبر إصلاح العمل لقول الله تعالى فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما النساء 16 وقال فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه المائدة 39 فعلى هذا القول يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته وصلاح نيته وليست مقدرة بمدة معلومة وقال بعض أصحاب الشافعي مدة ذلك سنة وهذا توقيت بغير توقيت فلا يجوز فصل وحكم الردء من القطاع حكم المباشر بهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي ليس على الردء إلا التعزير لأن الحد يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلق بالمعين كسائر الحدود ولنا إنه حكم يتعلق بالمحاربة فاستوى فيه الردء والمباشر كاستحقاق الغنيمة وذلك لأن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء بخلاف سائر الحدود فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم فيجب قتل جميعهم وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم وصلبهم كما لو فعل الأمرين كل واحد منهم فصل وإن كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه لم يسقط الحد عن غيره في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يسقط الحد عن جميعهم ويصير القتل للأولياء إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفو لأن حكم الجميع واحد فالشبهة في فعل واحد شبهة في حق الجميع
ولنا إنها شبهة اختص بها واحد فلم يسقط الحد عن الباقين كما لو اشتركوا في وطء امرأة وما ذكروه لا أصل له فعلى هذا لا حد على الصبي والمجنون وإن باشرا القتل وأخذا المال لأنهما ليسا من أهل الحدود وعليهما ضمان ما أخذ من المال في أموالهما ودية قتيلهما على عاقلتهما ولا شيء على الردء لهما لأنه إذا لم يثبت ذلك للمباشر لم يثبت لمن هو تبع له بطريق الأولى وإن كان المباشر غيرهما لم يلزمهما شيء لأنهما لم يثبت في حقهما حكم المحاربة وثبوت الحكم في حق الردء ثبت بالمحاربة فصل وإن كان فيهم امرأة ثبت في حقها حكم المحاربة فمتى قتلت وأخذت المال فحدها حد قطاع الطريق وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب عليها الحد ولا على من معها لأنها ليست من أهل المحاربة كالرجل فأشبهت الصبي والمجنون ولنا إنها تحد في السرقة فيلزمها حكم المحاربة كالرجل وتخالف الصبي والمجنون ولأنها مكلفة يلزمها القصاص وسائر الحدود فلزمها هذا الحد كالرجل إذا ثبت هذا فإنها إن باشرت القتل أو أخذ المال ثبت حكم المحاربة في حق من معها لأنهم ردء لها وإن فعل ذلك غيرها ثبت حكمه في حقها لأنها ردء له كالرجل سواء وإن قطع أهل الذمة الطريق أو كان مع المحاربين المسلمين ذمي فهل ينتقض عهدهم بذلك فيه روايتان فإن قلنا ينتقض عهدهم حلت دماؤهم وأموالهم بكل حال وإن قلنا لا ينتقض عهدهم حكمنا عليهم بما نحكم على المسلمين فصل وإذا أخذ المحاربون المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى فإن كانت الأموال موجودة ردت إلى مالكها وإن كانت تالفة أو معدومة وجب ضمانها على آخذها وهذا مذهب الشافعي ومقتضى قول أصحاب الرأي أنها إن كانت تالفة لم يلزمهم غرامتها كقولهم في المسروق إذا قطع السارق ووجه المذهبين ما تقدم في السرقة ويجب الضمان على الآخذ دون الردء لأن وجود الضمان ليس بحد فلا يتعلق بغير المباشر له كالغصب والنهب ولو تاب المحاربون قبل القدرة عليهم وتعلقت بهم حقوق الآدميين من القصاص والضمان لاختص ذلك بالمباشر دون الردء لذلك ولو وجب الضمان في السرقة لتعلق بالمباشر دون الردء لما ذكرنا والله أعلم فصل إذا اجتمعت الحدود لم تخل من ثلاثة أقسام القسم الأول أن تكون خالصة لله تعالى فهي نوعان أحدهما أن يكون فيها قتل مثل أن يسرق ويزني وهو محصن ويشرب الخمر ويقتل في المحاربة فهذا يقتل ويسقط سائرها وهذا قول ابن مسعود وعطاء والشعبي والنخعي والأوزاعي وحماد ومالك وأبي حنيفة وقال الشافعي يستوفى جميعها لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كقطع اليد قصاصا ولنا قول ابن مسعود قال سعيد حدثنا حسان بن على حدثنا مجالد عن عامر عن مسروق عن عبد الله قال إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك وقال إبراهيم يكفيه القتل وقال حدثنا هشيم أخبرنا حجاج عن إبراهيم والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك وهذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة والتابعين ولم يظهر لها مخالف فكانت إجماعا ولأنها حدود لله تعالى فيها قتل فسقط ما دونه كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فإنه يكتفي بقتله ولا يقطع ولأن هذه الحدود تراد لمجرد الزجر ومع القتل لا حاجة إلى زجره ولا فائدة فيه فلا يشرع ويفارق القصاص فإن فيه غرض التشفي والانتقام ولا يقصد منه مجرد الزجر إذا ثبت هذا فإنه إذا وجد ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة أو القتل للردة أو لترك الصلاة فينبغي أن يقتل للمحاربة ويسقط الرجم لأن في القتل للمحاربة حق آدمي في القصاص وإنما أثرت المحاربة في تحريمه وحق الآدمي يجب تقديمه
النوع الثاني أن لا يكون فيها قتل فإن جميعها يستوفى من غير خلاف نعلمه ويبدأ بالأخف فالأخف فإذا شرب وزنى وسرق حد للشرب أو لا ثم حد للزنا ثم قطع للسرقة وإن أخذ المال في المحاربة قطع لذلك ويدخل فيه القطع للسرقة ولأن محل القطعين واحد فتداخلا كالقتلين وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يتخير بين البداءة بحد الزنا وقطع السرقة لأن كل واحد منهما ثبت بنص القرآن ثم يحد للشرب ولنا إن حد الشرب أخف فيقدم كحد القذف ولا نسلم أن حد الشرب غير منصوص عليه في السنة ومجمع على وجوبه وهذا التقديم على سبيل الاستحباب ولو بدأ بغيره جاز ووقع الموقع ولا يوالي بين هذه الحدود لأنه ربما أفضى إلى تلفه بل متى برأ من حد أقيم الذي يليه القسم الثاني الحدود الخاصة للآدمي وهو القصاص وحد القذف فهذه تستوفى كلها ويبدأ بأخفها فيحد للقذف ثم يقطع ثم يقتل لأنها حقوق للآدميين أمكن استيفاؤها فوجب كسائر حقوقهم وهذا قول الأوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة يدخل ما دون القتل فيه احتجاجا بقول ابن مسعود وقياسا على الحدود الخالصة لله تعالى ولنا إن ما دون القتل حق لآدمي فلم يسقط به كذنوبهم وفارق حق الله تعالى فإنه مبني على المسامحة القسم الثالث أن تجتمع حدود الله وحدود الآدميين وهذه ثلاثة أنواع أحدها أن لا يكون فيها قتل فهذه تستوفى كلها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وعن مالك أن حدي الشرب والقذف يتداخلان لاستوائهما فهما كالقتلين والقطعين ولنا إنهما حدان من جنسين لا يفوت بهما المحل فلم يتداخلا كحد الزنا والشرب ولا نسلم استواءهما فإن حد الشرب أربعون وحد القذف ثمانون وإن سلم استواءهما لم يلزم تداخلهما لأن ذلك لو اقتضى تداخلهما لوجب دخولهما في حد الزنا لأن الأقل مما يتداخل يدخل في الأكثر وفارق القتلين والقطعين لأن المحل يفوت بالأول فيتعذر استيفاء الثاني وهذا بخلافه فعلى هذا يبدأ بحد القذف لأنه اجتمع فيه معنيان خفته وكونه حقا لآدمي شحيح إلا إذا قلنا حد الشرب أربعون فإنه يبدأ به لخفته ثم بحد القذف وأيهما قدم فالآخر يليه ثم بحد الزنا فإنه لا إتلاف فيه ثم بالقطع هكذا ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يبدأ بالقطع قصاصا لأنه حق آدمي متمحض فإذا برأ حد للقذف إذا قلنا هو حق آدمي ثم يحد للشرب فإذا برأ حد للزنا لأن حق الآدمي يجب تقديمه لتأكده النوع الثاني أن تجتمع حدود الله تعالى وحدود الآدمي وفيها قتل فإن حدود الله تعالى تدخل في القتل سواء كان من حدود الله تعالى كالرجم في الزنا والقتل للمحاربة أو الردة أو لحق آدمي كالقصاص لما قدمناه وأما حقوق الآدمي فتستوفى كلها ثم إن كان القتل حقا لله تعالى استوفيت الحقوق كلها متوالية لأنه لا بد من فوات نفسه فلا فائدة في التأخير وإن كان القتل حقا لآدمي انتظرت باستيفائه الثاني برأه من الأول لوجهين أحدهما أن الموالاة بينهما يحتمل أن تفوت نفسه قبل القصاص فيفوت حق الآدمي والثاني أن العفو جائز فتأخيره يحتمل أن يعفو الولي فيحيا بخلاف القتل حقا لله سبحانه
النوع الثالث أن يتفق الحقان في محل واحد ويكون تفويتا كالقتل والقطع قصاصا واحدا فإن كان فيه ما هو حالص لحق الله تعالى كالرجم في الزنا وما هو حق لآدمي كالقصاص قدم القصاص لتأكد حق الآدمي وإن اجتمع القتل للقتل في المحاربة والقصاص بدىء بأسبقهما لأن القتل في المحاربة فيه حق لآدمي أيضا فيقدم أسبقهما فإن سبق القتل في المحاربة استوفي ووجب لولي المقتول الآخر ديته في مال الجاني وإن سبق القصاص قتل قصاصا ولم يصلب لأن الصلب من تمام الحد وقد سقط الحد بالقصاص فسقط الصلب كما لو مات ويجب لولي المقتول في المحاربة ديته لأن القتل تعذر استيفاؤه وهو القصاص فصار الوجوب إلى الدية وهكذا لو مات القاتل في المحاربة وجبت الدية في تركته لتعذر استيفاء القتل من القاتل ولو كان القصاص سابقا فعفا ولي المقتول استوفي للمحاربة سواء عفا مطلقا أو إلى الدية وهذا مذهب الشافعي وأما القطع فإذا اجتمع وجوب القطع في يد أو رجل قصاصا وحدا قدم القصاص على الحد المتمحض لله تعالى لما ذكرناه سواء تقدم سببه أو تأخر وإن عفا ولي الجناية استوفي الحد فإذا قطع يدا وأخذ المال في المحاربة قطعت يده قصاصا وينتظر برؤه فإذا برأ قطعت رجله للمحاربة لأنهما حدان وإنما قدم القصاص في القطع دون القتل لأن القطع في المحاربة حد محصن وليس بقصاص والقتل فيها يتضمن القصاص ولهذا لو فات القتل في المحاربة وجبت الدية ولو فات القطع لم يجب له بدل وإذا ثبت أنه يقدم القصاص على القطع في المحاربة فقطع يده قصاصا فإن رجله تقطع وهل تقطع يده الأخرى نظرنا فإن كان المقطوع بالقصاص قد كان يستحق القطع بالمحاربة قبل الجناية الموجبة للقصاص فيه لم يقطع أكثر من العضو الباقي من العضوين اللذين استحق قطعهما لأن محل القطع ذهب بعارض حادث فلم يجب قطع بدله كما لو ذهبت بعدوان أو بمرض وعلى هذا لو ذهب العضوان جميعا سقط القطع عنه بالكلية وإن كان سبب القطع قصاصا سابقا على محاربته أو كان المقطوع غير العضو الذي وجب قطعه في المحاربة مثل أن وجب عليه القصاص في يساره بعد وجوب قطع يمناه في المحاربة فهل تقطع اليد الأخرى للمحاربة على وجهين بناء على الروايتين في قطع يسرى السارق بعد يمينه إن قلنا تقطع ثم قطعت هاهنا وإلا فلا وإن شرق وأخذ المال في المحاربة قطعت يده اليمنى لأسبقهما فإن كانت المحاربة سابقة قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتاه وهل تقطع يسرى يديه للسرقة على الروايتين فإن قلنا تقطع انتظر برؤه من القطع للمحاربة لأنهما حدان وإن كانت السرقة سابقة قطعت يمناه للسرقة ولا تقطع رجله للمحاربة حتى تبرأ يده وهل تقطع يسرى يديه للمحاربة على وجهين فصل وإن سرق وقتل في المحاربة ولم يأخذ المال قتل حتما ولم يصلب ولم تقطع يده لأنهما حدان فيهما قتل فدخل ما دون القتل فيه ولم يصلب لأن الصلب من تمام حد قاطع الطريق إذا أخذ المال مع القتل ولم يوجد وهذان حدان كل واحد منهما منفصل عن صاحبه فإذا اجتمعا تداخلا وإن قتل في المحاربة جماعة قتل بالأول حتما وللباقين ديات أوليائهم لأن قتله استحق بقتل الأول وتحتم بحيث لا يسقط فتعينت حقوق الباقين في الدية كما لو مات فصل إذا شهد عدلان على رجل أنه قطع عليهما الطريق وعلى فلان وأخذ متاعهم لم تقبل شهادتهم لأنهما صارا خصمين له بقطعه عليهما وإن قالا نشهد أن هذا قطع الطريق على فلان وأخذ متاعه قبلت شهادتهما ولم يشأ لهما الحاكم هل قطع عليكما معه أم لا لأنه لا يسألهما ما لم يدع عليهما وإن عاد المشهود له فشهد عليه أنه قطع عليهما الطريق وأخذ متاعهما لم تقبل شهادته لأنه صار عدوا له بقطعه الطريق عليه وإن شهد شاهدان أن هؤلاء عرضوا لنا في الطريق وقطعوها على فلان قبلت شهادتهما لأنه لم يثبت كونهما خصمين بما ذكراه كتاب الأشربة الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع
أما الكتاب فقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه المائدة 90 إلى قوله فهل أنتم منتهون المائدة 91 وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وكل خمر حرام رواه أبو داود والإمام أحمد وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه رواه أبو داود وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر وأجمعت الأمة على تحريمه وإنما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا هي حلال لقول الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93 فبين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية وتحريم الخمر وأقاموا عليهم الحد لشربهم إياها فرجعوا إلى ذلك فانعقد الإجماع فمن استحلها الآن فقد كذب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه فيكفر بذلك ويستتاب فإن تاب وإلا قتل وروى الجوزجاني بإسناده عن ابن عباس أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فقال له عمر ما حملك على ذلك فقال إن الله عز وجل يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93 وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأحد فقال عمر للقوم أجيبوا الرجل فسكتوا عنه فقال لابن عباس أجبه فقال إنما أنزلها الله تعالى عذرا للماضين لمن شربهما قبل أن تحرم وأنزل إنما الخمر والميسر والأنصاب المائدة 90 حجة على الناس ثم سأل عمر الحد فيها فقال علي بن أبي طالب إذا شرب هذى وإذا هذي افترى فاجلدوه ثمانين جلدة فجلده عمر ثمانين جلدة وروى الواقدي أن عمر قال له أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك وروى الخلال بإسناده عن محارب بن دثار أن أناسا شربوا بالشام الخمر فقال لهم يزيد بن أبي سفيان شربتم الخمر قالوا نعم يقول الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا المائدة 93 فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه إن أتاك كتابي هذا نهارا فلا تنتظر بهم إلى الليل وإن أتاك ليلا فلا تنتظر بهم نهارا حتى تبعث بهم إلي لئلا يفتنوا عباد الله فبعث بهم إلى عمر فشاور فيهم الناس فقال لعلي ما ترى فقال أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله وإن زعموا أنها حرام فاجلدوهم ثمانين فقد افتروا على الله وقد أخبرنا الله عز وجل بحد ما يفتري بعضنا على بعض فحدهم عمر ثمانين ثمانين إذا ثبت هذا فالمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتذ وقذف زبده وما عداه من الأشربة المسكرة فهو محرم وفيه اختلاف نذكره إن شاء الله تعالى مسألة قال ( ومن شرب مسكرا قل أو كثر جلد ثمانين جلدة إذا شربها وهو مختار لشربها وهو يعلم أن كثيرها يسكر )