İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
روي هذا عن علي رضي الله عنه والخلاف هاهنا في الضمان كالخلاف فيما إذا اصطدم الفارسان إلا أنه لا تقاص هاهنا في الضمان لأنه على غير من له الحق لكون الضمان على عاقلة كل واحد منهما وإن اتفق أن يكون الضمان على من له الحق مثل أن تكون العاقلة هي الوارثة أو يكون الضمان على المتصادمين تقاصا ولا يجب القصاص سواء كان اصطدامهما عمدا أو خطأ لأن الصدمة لا تقتل غالبا فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ ولا فرق بين البصيرين والأعميين والبصير والأعمى فإن كانتا امرأتين حاملتين فهما كالرجلين فإن أسقطت كل واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها لأنهما اشتركتا في قتله وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب واحدة لقتل صاحبتها واثنتان لمشاركتها في الحنين وإن أسقطت إحداهما دون الأخرى اشتركتا في ضمانه وعلى كل واحدة عتق رقبتين وإن أسقطتا معا ولم تمت المرأتان ففي مال كل واحدة ضمان نصف الجنينين بغرة إذا سقطا ميتين وعتق رقبتين وإن اصطدم راكب وماش فهو كما لو كانا ماشيين وإن اصطدم راكبان فماتا فهو كما لو كانا ماشيين فصل وإن اصطدم عبدان فماتا هدرت قيمتهما لأن قيمة كل واحد منهما تعلقت برقبة الآخر فسقطت بتلفه وإن مات أحدهما تعلقت قيمته برقبة الحي فإن هلك قبل استيفاء القيمة سقطت لفوات محلها وإن تصادم حر وعبد فماتا تعلقت دية الحر برقبة العبد ثم انتقلت إلى قيمة العبد ووجبت قيمة العبد في تركة الحر فيتقاصان فإن كانت دية الحر أكثر من قيمة العبد سقطت الزيادة لأنها لا متعلق لها وإن كانت قيمة العبد أكثر أخذ الفضل من تركة الجاني وفي مال الحر عتق رقبة ولا شيء على العبد لأن تكفيره بالصوم فيفوت بفواته وإن مات العبد وحده فقيمته في ذمة الحر لأن العاقلة لا تحمل العبد وإن مات الحر وحده تعلقت ديته برقبة العبد وعليه صيام شهرين متتابعين وإن مات العبد قبل استيفاء الدية سقطت وإن قتله أجنبي فعليه قيمة ويتحول ما كان متعلقا برقبته إلى قيمته لأنها بدله وقائمة مقامه وتستوفي ممن وجبت عليه مسألة قال ( وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة فغرقتا فعلى المنحدرة قيمة السفينة المصاعدة أو أرش ما نقصت إن أخرجت إلا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح فلم يقدر على ضبطها ) وجملته أن السفينتين إذا اصطدمتا لم تخلوا من حالين أحدهما أن تكونا متساويتين كاللتين في بحر أو ماء واقف أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة لأنها مسألة الكتاب ولا يخلو من حالين أحدهما أن يكون القيم بها مفرطا بأن يكون قادرا على ضبطها أو ردها عن الأخرى فلم يفعل أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل لم يكمل آلتها من الحبال والرجال وغيرهما فعلى المنحدر ضمان المصاعدة لأنها تنحط عليها من علو فيكون ذلك سببا لغرقها فتنزل المنحدرة بمنزلة السائر والمصاعدة بمنزلة الواقف وإن غرقتا جميعا فلا شيء على المصعد وعلى المنحدر قيمة المصعد أو أرش ما نقصت وإن لم تتلف كلها إلا أن يكون التفريط من المصعد بأن يمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادر ولا مفرط فيكون الضمان على المصعد لأنه المفرط وإن لم يكن من واحد منهما تفريط لكن هاجت ريح أو كان الماء شديد الجرية فلم يمكنه ضبطها فلا ضمان عليه لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها الحال الثاني أن يكونا متساويتين فإن كان القيمان مفرطين كل واحد منهما سفينة الآخر بما فيها من نفس ومال كما قلنا في الفارسين يصطدمان وإن لم يكونا مفرطين فلا ضمان عليهما وللشافعي في حال عدم التفريط قولان أحدهما عليهما الضمان لأنهما في أيديهما فلزمهما الضمان كما لو اصطدم الفارسان لغلبة الفرسين لهما
ولنا إن الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب ولا الاحتراز من ذلك فأشبه ما لو نزلت صاعقة أحرقت السفينة ويخالف الفرسين فإنه ممكن ضبطهما والاحتراز من طردهما وإن كان أحدهما مفرطا وحده فعليه الضمان وحده فإن اختلفا في تفريط القيم فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم التفريط وهو أمين فهو كالمودع وعند الشافعي أنهما إذا كانا مفرطين فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه كقوله في اصطدام الفارسين على ما مضى فصل فإن كان القيمان مالكين للسفينتين بما فيهما تقاصا وأخذ ذو الفضل فضله وإن كانا أجيرين ضمنا ولا تقاص هاهنا لأن من يجب له غير من يجب عليه وإن كان في السفينتين أحرار فهلكوا وكانا قد تعمدا المصادمة وذلك مما يقتل غالبا فعليهما القصاص وإن كانوا عبيدا فلا ضمان على القيمين إذا كانا حرين وإن لم يتعمدا المصادمة أو كان ذلك مما لا يقتل غالبا وجبت دية الأحرار على عاقلة القيمين وقيمة العبيد في أموالهما وإن كان القيمان عبدين تعلق الضمان برقبتهما فإن تلف جميعا سقط الضمان وأما مع عدم التفريط فلا ضمان على أحد وإن كان في السفينتين ودائع ومضاربات لم تضمن لأن الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان وإن كانت السفينتان بأجرة فهما أمانة أيضا لا ضمان فيهما وإن كان فيهما مال يحملانه بأجرة إلى بلد آخر فلا ضمان لأن الهلاك بأمر غير مستطاع فصل وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة فلا ضمان على الواقفة وعلى السائرة ضمان الواقفة إن كان مفرطا ولا ضمان عليه إن لم يفرط على ما قدمنا فصل وإن خيف على السفينة الغرق فألقى بعض الركبان متاعه لتخف وتسلم من الغرق لم يضمنه أحد لأنه أتلف متاع نفسه باختياره لصلاحه وصلاح غيره وإن ألقى متاع غيره بغير أمره ضمنه وحده وإن قال لغيره الق متاعك فقبل منه لم يضمنه لأنه لم يلتزم ضمانه وإن قال ألقه وأنا ضامن له أو وعلى قيمته فلزمه ضمانه له لأنه أتلف ماله بعوض لمصلحة فوجب له العوض على من التزمه كما لو قال أعتق عبدك وعلي ثمنه وإن قال ألقه وعلي وعلى ركبان السفينة ضمانه فألقاه ففيه وجهان أحدهما يلزمه ضمانه وحده وهذا نص الشافعي وهو الذي ذكره أبو بكر لأنه التزم ضمانه جميعه فلزمه ما التزمه وقال القاضي إن كان ضمان استراك مثل أن يقول نحن نضمن لك أو قال على كل واحد منا ضمان قسطه أو ربع متاعك لم يلزمه إلا ما يخصه من الضمان وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لأنه لم يضمن إلا حصته وإنما أخبر عن الباقين بالضمان فسكتوا وسكوتهم ليس بضمان وإن التزم ضمان الجميع وأخبر عن كل واحد منهم بمثل ذلك لزمه ضمان الكل وإن قال ألقه على أن أضمنه لك أنا وركبان السفينة فقد أذنوا لي في ذلك فألقاه ثم أنكروا الإذن فهو ضامن لجميعه وإن قال ألقي متاعي وتضمنه لي فقال نعم فألقاه ضمنه له وإن قال الق متاعك وعلي ضمان نصفه وعلى أخي ضمان ما بقي فألقاه فعليه ضمان النصف وحده ولا شيء على الآخر لأنه لم يضمن فصل وإذا خرق سفينة فغرقت بما فيها وكان عمدا وهو مما يغرقها غالبا ويهلك من فيها لكونهم في اللجة أو لعدم معرفتهم بالسباحة فعليه القصاص إن قتل من يجب القصاص بقتله وعليه ضمان السفينة بما فيها من مال ونفس وإن كان خطأ فعليه ضمان العبيد ودية الأحرار على عاقلته وإن كان عمد خطأ مثل أن يأخذ السفينة ليصلح موضعا فقلع لوحا أو يصلح مسمارا فنقب موضعا فهذا عمد الخطأ وذكر القاضي وهو مذهب الشافعي والصحيح أن هذا خطأ محض لأنه قصد فعلا مباحا فأفضى إلى التلف لما لم يرده فأشبه ما لو رمى صيدا فأصاب آدميا ولكن إن قصد قلع اللوح في موضع الغالب أنه لا يتلفها فأتلفها فهو عمد الخطأ وفيه ما فيه والله أعلم كتاب الجهاد
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسولي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة متفق عليه ولمسلم مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها رواه البخاري مسألة قال ( والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين ) معنى فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض الأعيان ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره والجهاد من فروض الأعيان لقول الله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله التوبة 41 ثم قال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما التوبة وقوله سبحانه كتب عليكم القتال البقرة 216 وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ولنا قول الله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى النساء 95 وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم وقال الله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا التوبة 122 ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه فأما الآية التي احتجوا بها فقد قال ابن عباس نسخها قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة التوبة 122 رواه الأثرم وأبو داود ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا حتى إذا تاب الله عليهم بعد ذلك وكذلك يجب على من استنفره الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفزتم فانفروا متفق عليه ومعنى الكفاية في الجهاد أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم له تبرعا بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم فصل في ثلاثة مواضع أحدهما إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الأنفال 45 وقوله واصبروا إن الله مع الصابرين الأنفال 46 وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله الأنفال 15 16 الثاني إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم
الثالث إذا استقر الإمام قوما لزمهم النفير معه لقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض التوبة 38 الآية والتي بعدها وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفرتم فانفروا فصل ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والذكورية والسلامة من الضرر ووجود النفقة فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد والمجنون لا يتأتى منه الجهاد والصبي ضعيف البنية وقد روى ابن عمر قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة متفق عليه وأما الحرية فتشترط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد كالحج وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة قالت يا رسول الله هل على النساء جهاد فقال جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها ولذلك لا يسهم لها ولا يجب على خنثى مشكل لأنه لا يعلم كونه ذكرا فلا يجب مع الشك في شرطه وأما السلام من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض وهو شرط لقول الله تعالى ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج النور 61 ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد فأما العمى فمعروف وأما الأعرج فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب كالزمانة ونحوها وأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر عليه شدة العدو فلا يمنع وجوب الجهاد لأنه ممكن منه فشابه الأعور وكذلك المرض المانع هو الشديد فأما اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب لأنه لا يتعذر معه الجهاد فهو كالعور وأما وجود النفقة فيشترط لقول الله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله التوبة 91 ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها فإن كان الجهاد على مسافة لا تقصر فيها الصلاة اشترط أن يكون واجدا للزاد ونفقة عائلته في مدة غيبته وسلاح يقاتل به ولا تعتبر الراحلة لأنه سفر قريب وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة اعتبر مع ذلك الراحلة لقول الله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون التوبة 92 فصل وأقل ما يفعل مرة في كل عام لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل عن النصرة فكذلك مبدلها وهو الجهاد فيجب في كل عام مرة إلا من عذر مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة أو يكون ينتظر المدد يستعين به أو يكون الطريق إليهم فيها مانع أو ليس فيها علف أو ماء أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام فيطمع في إسلامه إن أخر قتالهم ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال فيجوز تركه بهدنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح قريشا عشر سنين وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب ذلك لأنه فرض كفاية فوجب منه مادعت الحاجة إليه مسألة قال ( قال أبو عبد الله لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد ) روى هذه المسألة عن أحمد جماعة من أصحابه قال الأثرم قال أحمد لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وذكر له أمر العدو فجعل يبكي ويقول ما من أعمال البر أفضل منه وقال عنه غيره ليس يعدل لقاء العدو شيء ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال
والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم وقد روى ابن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال الصلاة لمواقيتها قلت ثم أي قال ثم بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل أو أي الأعمال خير قال إيمان بالله ورسوله قيل ثم أي شيء قال الجهاد سنام العمل قيل ثم أي قال حج مبرور أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروى أبو سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله متفق عليه وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله قال الترمذي هذا حديث حسن وروى الخلال بإسناده عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده مابين السماء والأرض من عمل أفضل من جهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ولأن الجهاد بذل المهجة والمال ونفعه يعم المسلمين كلهم صغيرهم وكبيرهم قويهم وضعيفهم ذكرهم وأنثاهم وغيره لا يساويه في نفعه وخطره فلا يساويه في فضله وأجره مسألة قال ( وغزو البحر أفضل من غزو البر ) وجملته أن الغزو في البحر مشروع وفضله كثير قال أنس بن مالك نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت أم حرام فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة متفق عليه قال ابن عبد البر أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعته أخت لهما ثالثة ولم نر هذا عن أحد سواه وأظنه إنما قال هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام في بيتها وينظر إلى شعرها ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب وروى أبو داود بإسناده عن أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد والغريق له أجر شهيدين وروى ابن ماجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين ولأن البحر أعظم خطرا ومشقة فإنه بين العدو وخطر الغرق ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضل من غيره فصل وقتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم فقيل له في ذلك فقال إن هؤلاء يقاتلون على دين وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم خلاد إن ابنك له أجر شهيدين قالت ولم ذاك يا رسول الله قال لأنه قتله أهل الكتاب رواه أبو داود مسألة قال ( ويغزى مع كل بر وفاجر )
يعني مع كل إمام قال أبو عبد الله وسئل عن الرجل يقول أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنما يوفر الفيء عليهم فقال سبحان الله هؤلاء قوم سوء هؤلاء القعدة مثبطون جهال فيقال أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو أليس كان قد ذهب الإسلام ما كانت تصنع الروم وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وبإسناده عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال والإيمان بالأقدار ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم قال الله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض البقرة 251 فصل قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضيع المسلمين وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فصل ولا يستصحب الأمير معه مخذلا وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والجهاد مثل أن يقول الحر أو البر شديد والمشقة شديدة ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش وأشباه هذا ولا مرجفا وهو الذي يقول هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار واطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوراتهم أو إيواء جواسيسهم ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد لقول الله تعالى ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة التوبة 46 47 ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم وإن خرج معه أحد هؤلاء لم يسهم له ولم يرضخ وإن أظهر عون المسلمين لأنه يحتمل أن يكون أظهره نفاقا وقد ظهر دليله فيكون مجرد ضرر فلا يستحق مما غنموا شيئا وإن كان الأمير أحد هؤلاء لم يستحب الخروج معه لأنه إذا منع خروجه تبعا فمتبوعا أولى ولأنه لا تؤمن المضرة على من صحبه مسألة قال ( ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو ) الأصل في هذا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار التوبة 123 ولأن الأقرب أكثر ضررا وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له وعمن وراءه والاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه قيل لأحمد يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له تركت قتال العدو عندك وجئت إلى هاهنا قال هؤلاء أهل الكتاب فقال أبو عبد الله سبحان الله ما أدري ما هذا القول يترك العدو عنده ويجىء إلى هاهنا أفيكون هذا أو يستقيم هذا وقد قال الله تعالى قاتلوا الذين يلونكم من الكفار التوبة 123 ولو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد الترك أحد وهذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه متبرعا بالجهاد والكفاية حاصلة بغيره من أهل الديوان وأجناد المسلمين والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية فكان له أن يجاهد حيث شاء ومع من شاء إذا ثبت هذا فإن كان له عذر في البداية بالأبعد لكونه أخوف أو لمصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه أو لكون الأقرب مهادنا أو يمنع من قتاله مانع فلا بأس بالبداية بالأبعد لكونه موضع حاجة
فصل وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك وينبغي أن يبتدىء بترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون من بإزائهم من المشركين ويأمر بعمل حصونهم وحفر خنادقهم وجميع مصالحهم ويأمر في كل ناحية أميرا يقلده أمر الحروب وتدبير الجهاد ويكون ممن له رأي وعقل ونجدة وبصر بالحرب ومكايدة العدو ويكون فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين وإنما يبدأ بذلك لأنه لا يأمن عليها من المشركين ويغزو كل قوم من يليهم إلا أن يكون في بعض الجهات من لا يفي به من يليه فينقل إليهم قوما من آخرين ويتقدم إلى من يؤمره أن لا يحمل المسلمين على مهلكة ولا يأمرهم بدخول مطمورة يخاف أن يقتلوا تحتها فإن فعل ذلك فقد أساء ويستغفر الله تعالى وليس عليه عقل ولا كفارة إذا أصيب واحد منهم بطاعته لأنه فعل ذلك باختياره ومعرفته فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع قال القاضي ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمام احتياطا للفروج فإن بعث الإمام جيشا وأمر عليهم أميرا فقتل أو مات فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أمروا عليهم خالد بن الوليد فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فرضي أمرهم وصوب رأيهم وسمى خالدا يومئذ سيف الله فصل قال أحمد قال عمر وفروا الأظفار في أرض العدو فإنه سلاح قال أحمد يحتاج إليها في أرض العدو ألا ترى أنه إذا أراد أن يحل الحبل أو الشيء فإذا لم يكن له أظفار لم يستطع وقال عن الحكم بن عمرو أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نخفي الأظفار في الجهاد فإن القوة في الأظفار فصل قال أحمد يشيع الرجل إذا خرج ولا يتلقونه شيع علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ولم يتلقه وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ويزيد راكب وأبوبكر رضي الله عنه يمشي فقال له يزيد يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل أنا فأمشي معك قال لا أركب ولا تنزل إنني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله وشيع أبو عبد الله أبا الحارث الصائغ ونعلاه في يديه وذهب إلى فعل أبي بكر أراد أن تغبر قدماه في سبيل الله وقال عن عوف بن مالك الخثعمي عن النبي صلى الله عليه وسلم من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار قال أحمد ليس للخثعمي صحبة وهو قديم مسألة قال ( وتمام الرباط أربعون يوما ) معنى الرباط الإقامة بالثغر مقويا للمسلمين على الكفار والثغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم وأصل الرباط من رباط الخيل لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم كل يعد لصاحبه فسمي المقام بالثغر رباطا وإن لم يكن فيه خيل وفضله عظيم وأجره كبير قال أحمد ليس يعدل الجهاد عندي والرباط شيء والرباط دفع عن المسلمين وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو فالرباط أصل الجهاد وفرعه والجهاد أفضل منه للعناء والتعب والمشقة وقد روي في فضل الرباط أخبار منها ما روى سلمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه فإن مات جرى عليه عمله الذي يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان رواه مسلم
وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال على المنبر إني كنت كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤ منكم لنفسه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل رواه أبو داود والأثرم وغيرهم إذا ثبت هذا فإن الرباط يقل ويكثر فكل مدة أقامها بنية الرباط فهو رباط قل أو كثر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم رباط يوم و رباط ليلة قال أحمد يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط وقال عن أبي هريرة ومن رابط يوما في سبيل الله كتب له أجر الصائم القائم ومن زاد زاده الله وروى سعيد بن منصور بإسناده عن عطاء الخراساني عن أبي هريرة رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الحرام أو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط وتمام الرباط أربعون يوما روي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر وقد ذكرنا خبر أبي هريرة وروى أبو الشيخ في كتاب الثواب بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تمام الرباط أربعون يوما وروي عن نافع عن ابن عمر أنه قد على عمر بن الخطاب من الرباط فقال له كم رابطت قال ثلاثين يوما قال عزمت عليك إلا رجعت حتى تتمها أربعين يوما وإن رابط أكثر فله أجره كما قال أبو هريرة ومن زاد زاده الله فصل وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفا لأنهم أحوج ومقامه به أنفع قال أحمد أفضل الرباط أشدهم كلبا وقيل لأبي عبد الله فأين أحب إليك أن ينزل الرجل بأهله قال كل مدينة معقل للمسلمين مثل دمشق وقال أرض الشام أرض المحشر ودمشق موضع يجتمع إليه الناس إذا غلبت الروم قيل لأبي عبد الله فهذه الأحاديث التي جاءت إن الله تكفل بالشام ونحو هذا قال ما أكثر ما جاء فيه وقيل له إن هذا في الثغور فأنكره وقال أرض القدس أين هي ولا يزال أهل الغرب ظاهرين هم أهل الشام ففسر أحمد الغرب في هذا الحديث بالشام وهو حديث صحيح رواه مسلم وإنما فسره بذلك لأن الشام يسمى مغربا لأنه مغرب للعراق كما يسمى العراق مشرقا ولهذا قيل ولأهل المشرق ذات عرق وقد جاء في حديث مصرحا به لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم بالشام وفي الحديث عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال وهم بالشام رواه البخاري في صحيحه وفي خبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال طائفة بدمشق ظاهرين أخرجه البخاري في التاريخ وقد رويت في الشام أخبار كثيرة منها حديث عبد الله بن حوالة الأزدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستجندون أجنادا جندا بالشام وجندا بالعراق وجندا باليمن فقلت خر لي يا رسول الله قال عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق باليمن ويشق من غدره فإن الله تكفل لي بالشام وأهله رواه أبو داود بمعناه وكان أبو إدريس إذا روى هذا الخبر قال ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه
وروي عن الأوزاعي قال أتيت المدينة فسألت من بها من العلماء فقيل محمد بن المنكدر ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقلت والله لأبدأن بهذا قبلهم فدخلت إليه فأخذ بيدي وقال من أي إخواننا أنت قلت من أهل الشام قال من أيهم قلت من أهل دمشق قال حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون للمسلمين ثلاثة معاقل فمعقلهم في الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية دمشق ومعقلهم من الدجال بيت المقدس ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء رواه أبو نعيم في الحلية وفي خبر آخر عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام أخرجه أبو داود وروى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن أبي النضر أن عوف بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أوصني قال عليك بجبل الخمر قال وما جبل الخمر قال أرض المحشر وبإسناده عن عطاء الخراساني بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله أهل المقبرة ثلاث مرات فسئل عن ذلك فقال تلك مقبرة تكون بعسقلان فكان عطاء يرابط بها كل عام أربعين يوما حتى مات وروى الدارقطني في كتابه المخرج على الصحيحين بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على مقبرة فقيل له يا رسول الله أي مقبرة هي قال مقبرة بأرض العدو يقال له عسقلان يفتتحها ناس من أمتي يبعث الله منها سبعين ألف شهيد فيشفع الرجل في مثل ربيعة ومضر ولكل عروس وعروس الجنة عسقلان وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أريد أن أغزو فقال عليك بالشام وأهله ثم الزم من الشام عسقلان فإنها إذا دارت الرحى في أمتي كان أهلها في راحة وعافية فصل ومذهب أبي عبد الله كراهة نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة وهو قول الحسن والأوزاعي لما روى يزيد بن عبد الله قال قال عمر لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر رواه الأثرم بإسناده ولأن الثغور المخوفة لا يؤمن ظفر العدو بها وبمن فيها واستيلاؤهم على الذرية والنساء قيل لأبي عبد الله فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم وقال كيف لا أخاف الإثم وهو يعرض ذريته للمشركين وقال كنت آمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام قبل اليوم فأنا أنهى عنه الآن لأن الأمر قد اقترب وقال لا بد لهؤلاء القوم من يوم قيل فذلك في آخر الزمان قال فهذا آخر الزمان قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها قال هذا للواحدة ليس الذرية وهذا من كلام أحمد محمول على أن غير أهل الثغر لا يستحب لهم الانتقال بأهلهم إلى ثغر مخوف فأما أهل الثغر فلا بد لهم من السكنى بأهلها لولا ذلك لخربت الثغور تعطلت وخص الثغور المخوفة بدليل أنه اختار سكنى دمشق ونحوها مع كونها ثغرا لأن الغالب سلامتها وسلامة أهلها فصل ويستحب لأهل الثغر أن يجتمعوا في المسجد الأعظم لصلواتهم كلها ليكون أجمع لهم وإذاحضر النفير صادفهم مجتمعين فيبلغ الخبر جميعهم وإن جاء خبر يحتاجون إلى سماعه أو أمر يراد إعلامهم به يعلمونه ويراهم عين الكفار فيعلم كثرتهم فيخوف بهم قال أحمد إن كانوا متفرقين يرى الجاسوس قلتهم قال وبلغني عن الأوزاعي أنه قال في المساجد التي بالثغر لو أن لي عليها ولاية لسمرت أبوابها ولم يقل لخربتها حتى تكون صلاتهم في موضع واحد حتى إذا جاء النفير وهم متفرقون لم يكونوا مثلهم إذا كانوا في موضع واحد
فصل وفي الحرس في سبيل الله فضل كبير قال ابن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وقال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله حارس الحرس وعن سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية قال من يحرسنا الليلة قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله قال فاركب فركب فرسا له وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نفرق من قبلك الليلة فلما أصبحنا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال هل أحسستم فارسكم الليلة قالوا لا فثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته وسلم قال أبشروا قد جاءكم فارسكم فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نزلت الليلة قال لا إلا مصليا أو قاضيا حاجة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها رواه أبو داود وعن عثمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها رواه ابن سنجر مسألة قال ( وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما ) روي نحو هذا عن عمر وعثمان وبه قال مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وسائر أهل العلم وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أجاهد فقال ألك أبوان قال نعم قال ففيهما فجاهد وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية فقال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان قال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما وعن أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك باليمن أحد قال نعم أبواي قال أذنا لك قال لا قال فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما رواهن أبو داود ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين يقدم فأما إن كان أبواه غير مسلمين فلا إذن لهما وبذلك قال الشافعي وقال الثوري لا يغزو إلا بإذنهما لعموم الأخبار ولنا إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهدون وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما منهم أبو بكر الصديق وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأبوه رئيس المشركين يومئذ قتل ببدر وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد فأنزل الله تعالى لا تجد قوما المجادلة 22 الآية وعموم الأخبار مخصص بما رويناه فأما إن كان أبواه رقيقين فعموم كلام الخرقي يقتضي وجوب استئذانهما لعموم الأخبار ولأنهما أبوان مسلمان فأشبها الحرين ويحتمل أن لا يعتبر إذنهما لأنه لا ولاية لهما وإن كانا مجنونين فلا إذن لهما لأنه لا يمكن استئذانهما مسألة قال ( وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لهما وكذلك كل الفرائض لا طاعة لهما في تركها )
يعني إذا وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه لأنه صار فرض عين وتركه معصية ولا طاعة لأحد في معصية الله وكذلك كل ما وجب مثل الحج والصلاة في الجماعة والجمع والسفر للعلم الواجب قال الأوزاعي لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج والقتال لأنها عبادة تعينت عليه فلم يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة ولأن الله تعالى قال ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 ولم يشترط إذن الوالدين فصل وإن خرج في جهاد تطوع بإذنهما فمعناه منه بعد سيره وقيل وجوبه فعليه الرجوع لأنه معنى لو وجد في الابتداء منع فإذا وجد في أثنائه منع كسائر الموانع إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع أو يحدث له عذر من مرض أو ذهاب نفقة أو نحوه فإن أمكنه الإقامة في الطريق وإلا مضى مع الجيش فإذا حضر الصف تعين عليه بحضوره ولم يبق لهما إذن وإن كان رجوعهما عن الإذن بعد تعين الجهاد عليه لم يؤثر رجوعهما شيئا وإن كانا كافرين فأسلما ومنعاه كان ذلك كمنعهما بعد إذنهما سواء وحكم الغريم يأذن في الجهاد ثم يمنع منه حكم الوالد على ما فصلناه فأما إن حدث للإنسان في نفسه عذر من مرض أو عمى أو عرج فله الانصراف سواء التقى الزحفان أو لم يلتقيا لأنه لا يمكنه القتال ولا فائدة في مقامه فصل وإن أذن له والداه في الغزو وشرطا عليه أن لا يقاتل فحضر القتال تعين عليه وسقط شرطهما كذلك قال الأوزاعي وابن المنذر لأن صار واجبا عليه فلم يبق لهما في تركه طاعة ولو خرج بغير إذنهما فحضر القتال ثم بدا له الرجوع لم يجز له ذلك فصل ومن عليه دين حال أو مؤجل لم يجز له الخروج إلى الغزو إلا بأذن غريمه إلا أن يترك وفاء أو يقيم به كفيلا أو يوثقه برهن وبهذا قال الشافعي ورخص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه لأنه لا تتوجه المطالبة به ولا حبسه من أجله فلم يمنع من الغزو كما لو لم يكن عليه دين ولنا إن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها وقد جاء أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا تكفر عني خطاياي قال نعم إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك رواه مسلم وأما إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لغريمه لأنه تعلق بعينه فكان مقدما على ما في ذمته كسائر فروض الأعيان ولكن يستحب له أن لا يتعرض لمظان القتل من المبارزة والوقوف في أول المقاتلة لأن فيه تغريرا بتفويت الحق وإن ترك وفاء أو أقام كفيلا فله الغزو بغير إذن نص عليه أحمد فيمن ترك وفاء لأن عبد الله بن حرام أبا جابر بن عبد الله خرج إلى أحد وعليه دين كثير فاستشهد وقضاه عنه ابنه بعلم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذمه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينكر فعله بل مدحه وقال زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه وقال لابنه جابر أشعرت أن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا مسألة قال ( ويقاتل أهل الكتاب والمجوس ولا يدعون لأن الدعوة قد بلغتهم ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا ) أما قوله في أهل الكتاب والمجوس لا يدعون قبل القتال فهو على عمومه لأن الدعوة قد انتشرت وعمت فلم يبق منهم من لم تبلغه الدعوة إلا نادرا بعيد وأما قوله يدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا فليس بعام فإن من بلغته الدعوة منهم لا يدعون وإن وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعي قبل القتال وكذلك إن وجد من أهل الكتاب من لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال
قال أحمد إن الدعوة قد بلغت وانتشرت ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة وذلك لما روى بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أوجيش أمره بتقوى الله في خاصته وبمن معه من المسلمين وقال إذالقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم رواه أبو داود ومسلم وهذا يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة فاستغني بذلك عن الدعاء عند القتال قال أحمد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام ولا أعرف اليوم أحدا يدعى قد بلغت الدعوة كل أحد فالروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام وإن دعا فلا بأس وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون آمنون وإبلهم تسقى على الماء فقتل المقاتلة وسبى الذرية متفق عليه وعن الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الديار من ديار المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم متفق عليه وقال سلمة بن الأكوع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم رواه أبو داود ويحتمل الأمر بالدعوة في حديث بريدة على الاستحباب فإنها مستحبة في كل حال وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا حين أعطاه الراية يوم خيبر وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم وهم ممن بلغتهم الدعوة رواه البخاري ودعا خالد بن الوليد طليحة الأسدي حين تنبأ فلم يرجع فأظهره الله عليه ودعا سلمان أهل فارس فإذا ثبت هذا فإن كان المدعو من أهل الكتاب أو مجوسا دعاهم إلى الإسلام فإن أبوا دعاهم إلى إعطاء الجزية فإن أبوا قاتلهم وإن كانوا من غيرهم دعاهم إلى الإسلام فإن أبوا قاتلهم ومن قتل منهم قبل الدعاء لم يضمن لأنه لا إيمان له ولا أمان فلم يضمن كنساء من بلغته الدعوة وصبيانهم مسألة قال ( ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا ) وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام قسم أهل كتاب وهم اليهود والنصارى ومن اتخذ التوراة والإنجيل كتابا كالسامرة والفرنج ونحوهم فهؤلاء تقبل منهم الجزية ويقرون على دينهم إذا بذلوها لقول الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وقسم لهم شبهة كتاب وهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم وإقرارهم بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذين القسمين وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب وهم من عدا هذين القسمين من عبدة الأوثان ومن عبد ما استحسن وسائر الكفار فلا تقبل منهم الجزية ولا يقبل منهم سوى الإسلام هذا ظاهر المذهب وهو مذهب الشافعي وروي عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب وهو مذهب أبي حنيفة لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق فيقرون ببذل الجزية كالمجوس وحكي عن مالك أنها تقبل من جميع الكفار إلا كفار قريش لحديث بريدة الذي في المسألة قبل هذه وهو عام ولأنهم كفار فأشبهوا المجوس ولنا عموم قوله تعالى فاقتلوا المشركين
وقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله خص منهما أهل الكتاب بقوله تعالى من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 والمجوس بقوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب فمن عداها يبقى على مقتضى العموم ولأن الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في أخذ الجزية من المجوس ولم يأخذ عمر منهم الجزية حتى روى له عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وثبت عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وهذا يدل على أنهم لم يقبلوا الجزية ممن سواهم فإنهم إذا توقفوا فيمن له شبهة كتاب ففيمن لا شبهة له أولى ثم أخذ الجزية منهم للخبر المختص بهم فيدل على أنهم لم يأخذوها من غيرهم ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب يدل على اختصاص أهل الكتاب ببذل الجزية إذ لو كان عاما في جميع الكفار لم يختص أهل الكتاب بإضافتها إليهم ولأنهم تغلظ كفرهم لكفرهم بالله وجميع كتبه ورسله ولم تكن لهم شبهة فلم يقروا ببذل الجزية كقريش وعبدة الأوثان من العرب ولأن تغليظ الكفر له أثر في تحتم القتل وكونه لا يقر بالجزية بدليل المرتد وأما المجوس فإن لهم شبهة كتاب والشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما يبنى على الاحتياط فحرمت دماؤهم ولم يثبت حل نسائهم وذبائحهم لأن الحل لا يثبت بالشبهة ولأن الشبهة لما اقتضت تحريم دمائهم اقتضت تحريم ذبائحهم ونسائهم ليثبت التحريم في المواضع كلها تغليبا له على الإباحة ولا نسلم أنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق مسألة قال ( وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقل منهم والمكثر ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير إلا أن يفجأهم عدو غالب يخافون كلبه فلا يمكنهم أن يستأذنوه ) قوله المقل منهم والمكثر يعني به والله أعلم الغني والفقير أي مقل من المال ومكثر منه ومعناه أن النفير يعم جميع الناس ممن كان من أهل القتال حين الحاجة إلى نفيرهم لمجيء العدو إليهم ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ المكان والأهل والمال ومن يمنعه الأمير من الخروج أو من لا قدرة له على الخروج أو القتال وذلك لقول الله تعالى انفروا خفافا وثقالا التوبة 41 وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفرتم فانفروا وقد ذم الله تعالى الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الأحزاب فقال تعالى ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا الأحزاب 13 ولأنهم إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع فلم يجز لأحد التخلف عنه فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال خير رجالتنا سلمة بن الأكوع وأعطاه سهم فارس وراجل
فصل وسئل أحمد عن الإمام إذا غضب على الرجل فقال اخرج عليك أن لا تصحبني فنادى بالنفير يكون إذنا له قال لا إنما قصد له وحده فلا يصحبه حتى يأذن له قال وإذا نودي بالصلاة والنفير فإن كان العدو بالبعد إنما جاءهم طليعة للعدو صلوا ونفروا إليهم وإذا استغاثوا بهم وقد ورد العدو أغاثوا ونصروا وصلوا على ظهور دوابهم ويؤمون والغياث عندي أفضل من صلاة الجماعة والطالب والمطلوب في هذا الموضع يصلي على ظهر دابته وهو يسير أفضل إن شاء الله تعالى وإذا سمع النفير وقد أقيمت الصلاة يصلي ويخفف ويتم الركوع والسجود ويقرأ بسور قصار وقد نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جنب يعني غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب قال ولا يقطع الصلاة إذا كان فيها وإذا جاء النفير والإمام يخطب يوم الجمعة لا ترى أن ينفروا قال ولا تنفر الخيل إلا على حقيقة ولا تنفر على الغلام إذا أبق إذا أنفروهم فلا يكون هلاك الناس بسبب غلام وإذا نادى الإمام الصلاة جامعة لأمر يحدث فيشاور فيه لم يتخلف عنه أحد إلا من عذر مسألة قال ( ولا يدخل مع المسلمين من النساء إلى أرض العدو إلا الطاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ) وجملته أنه يكره دخول النساء الشواب أرض العدو لأنهن لسن من أهل القتال وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء الخور والجبن عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن وقد روى حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر سادسة ست نسوة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلينا فجئنا فرأينا منه الغضب فقال مع من خرجتن فقلنا يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين به في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق فقال قمن حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال فقلت لها يا جدة ما كان ذلك قالت تمرا قيل للأوزاعي هل كانوا يغزون معهم بالنساء في الصوائف قال لا إلا بالجواري فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء ومعالجة الجرحى فلا بأس به لما روينا من الخبر وكانت أم سليم ونسيبة بنت كعب تغزوان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأما نسيبه فكانت تقاتل وقطعت يدها يوم اليمامة وقالت الربيع كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم لسقي الماء ومعالجة الجرحى وقال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فإن قيل فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج معه من تقع عليها القرعة من نسائه وخرج بعائشة مرات قيل تلك امرأة واحدة يأخذها لحاجته إليها ويجوز مثل ذلك للأمير عند حاجته ولا يرخص لسائر الرعية لئلا يفضي إلى ما ذكرنا فصل ينبغي للأمير أن يرفق بجيشه ويسير بهم سير أضعفهم لئلا يشق عليهم وإن دعت الحاجة إلى الجد في السير جاز له فإن النبي صلى الله عليه وسلم جد في السير جدا شديدا حين بلغه قول عبد الله بن أبي ليخرجن الأعز منها الأذل المنافقون 8 ليشتغل الناس عن الخوض فيه وإن عمر جد في السير حين استصرخ على صفية امرأته ولا يميل الأمير مع موافقيه في المذهب والنسب على مخالفيه فيهما لئلا يكسر قلوبهم فيخذلونه عند حاجته إليهم ويكثر المشاورة لذوي الرأي من أصحابه فإن الله تعالى قال وشاورهم في الأمر آل عمران 159 ويتخير المنازل لأصحابه وإذا وجد رجل رجلا قد أصيب فرسه ومع الآخر فضل استحب له حمله ولم يجب نص عليه أحمد فإن خاف تلفه فقال القاضي يجب عليه بذل فضل مركوبه ليحيى به صاحبه كما يلزمه فضل طعامه للمضطر إليه وتخليصه من عدوه
فصل وسئل أحمد عن الرجلين يشتريان الفرس بينهما يغزوان عليه يركب هذا عقبه وهذا عقبه ما سمعت فيه بشيء وأرجو أن لا يكون به بأس قيل له أيما أحب إليك يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق قال يرافق هذا أرفق يتعاونون وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره فلا بأس بالنهد قد تناهد الصالحون وكان الحسن إذا سافر ألقى معهم ويزيد أيضا بعدما يلقي ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئا من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعا وكان الحسن البصري يدفع إلى وكيلهم مثل واحد منهم ثم يعود فيأتي سرا بمثل ذلك يدفعه إليه وقال أحمد ما أرى أن يغزو ومعه مصحف يعني لا يدخل به أرض العدو لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو رواه أبو داود والأثرم مسألة قال ( وإذا غزا الأمير بالناس لم يجز لأحد أن يتعلف ولا يحتطب ولا يبارز علجا ولا يخرج من العسكر ولا يحدث حدثا إلا بإذنه ) يعني لا يخرج من العسكر لتعلف وهو تحصيل العلف للدواب ولا الاحتطاب ولا غيره إلا بإذن الأمير لقول الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه النور 62 ولأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو فيأخذوه أو طليعة لهم أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك وإذا كان بإذن الأمير لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم ويطلع لهم وأما المبارزة فتجوز بإذن الأمير في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه لم يعرفها وكرهها ولنا إن حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وبارز علي عمرو بن عبد ود في غزوة الخندق فقتله وبارز مرحبا يوم حنين وقيل بارزه محمد بن مسلمة وبارزه قبل ذلك عامر بن الأكوع فاستشهد وبارز البراء بن مالك مرزبان الزأرة فقتله وأخذ سلبه فبلغ ثلاثين ألفا وروي عنه أنه قال قتلت تسعة وتسعين رئيسا من المشركين مبارزة سوى من شاركت فيه وبارز شبر بن علقمة أسوارا فقتله فبلغ سلبه اثني عشر ألفا فنقله إياه سعد ولم يزل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبارزون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ولم ينكره منكر فكان ذلك إجماعا وكان أبو ذر يقسم أن قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم الحج 19 نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وقال أبو قتادة بارزت رجلا يوم حنين فقتلته إذا ثبت هذا فإنه ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن وبه قال الثوري وإسحاق ورخص فيها مالك والشافعي وابن المنذر لخبر أبي قتادة فإنه لم يعلم أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أكثر من حكينا عنهم المبارزة لم يعلم منهم استئذان
ولنا إن الإمام أعلم بفرسانه وفرسان العدو ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه كان معرضا نفسه للهلاك فيكسر قلوب المسلمين فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام ليختار للمبارزة من يرضاه لها فيكون أقرب إلى الظفر وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب المشركين فإن قيل فقد أبحتم له أن ينغمس في الكفار وهو سبب لقتله قلنا إذا كان مبارزا تعلقت قلوب الجيش به وارتقبوا ظفره فإن ظفر جبر قلوبهم وسرهم وكسر قلوب الكفار وإن قتل كان بالعكس والمنغمس يطلب الشهادة لا يترقب منه ظفر ولا مقاومة فافترقا وأما مبارزة أبي قتادة فغير لازمة فإنها كانت بعد التحام الحرب رأى رجلا يريد أن يقتل مسلما فضربه أبو قتادة فالتفت إلى أبي قتادة فضمه ضمة كاد يقتله وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها بل المختلف فيها أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب يدعو إلى المبارزة فهذا هو الذي يعتبر له إذن الإمام لأن عين الطائفتين تمتد إليهما وقلوب الفريقين تتعلق بهما وأيهما غلب سر أصحابه وكسر قلوب أعدائه بخلاف غيره إذا ثبت هذا فالمبارزة تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة ومباحة ومكروهة أما المستحبة فإذا خرج علج يطلب البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير لأن فيه ردا عن المسلمين وإظهارا لقوتهم والمباح أن يبتدىء الرجل الشجاع بطلبها فيباح ولا يستحب لأنه لا حاجة إليها ولا يأمن أن يغلب فيكسر قلوب المسلمين إلا أنه لما كان شجاعا واثقا من نفسه أبيح له لأنه بحكم الظاهر غالب والمكروه أن يبرز الضعيف المنة الذي لا يثق من نفسه فتكره له المبارزة لما فيه من كسر قلوب المسلمين لقتله ظاهرا فصل إذا خرج كافر يطلب البراز جاز رميه وقتله لأنه مشرك لا عهد له ولا أمان له فأبيح قتله كغيره إلا أن تكون العادة جارية بينهم أن من خرج يطلب المبارزة لا يعرض له فيجري ذلك مجرى الشرط وإذا خرج إليه أحد يبارزه بشرط أن لا يعينه عليه سواء وجب الوفاء بشرطه لأن المؤمنين عند شروطهم فإن انهزم المسلم تاركا للقتال أو مثخنا بجراحته جاز لكل أحد قتله لأنه المسلم إذا صار إلى هذه الحال فقد انقضى قتاله وإن كان المسلم شرط عليه أن لا يقاتل حتى يرجع إلى صفه وفى له بالشرط إلا أن يترك قتاله أو ثخنه بالجراح فيتبعه ليقتله أو يجيز عليه فيجوز أن يحولوا بينه وبينه فإن قاتلهم قاتلوه لأنه إذا منعهم إنقاذه فقد نقض أمانه وإن أعان الكفار صاحبهم فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم أيضا ويقاتلون من أعان عليه ولا يقاتلونه لأنه ليس بصنع من جهته فإن كان قد استنجدهم أو علم منه الرضا بفعلهم صار ناقضا لأمانه وجاز لهم قتله وذكر الأوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم وإن أثخن بالجراح قيل له فخاف المسلمون على صاحبهم وقال وإن لأن المبارزة إنما تكون هكذا ولكن لو حجزوا بينهما وخلوا سبيل العلج قال فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمين صاحبهم ولنا إن حمزة وعليا أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين أثخن عبيدة فصل وتجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحرب خدعة وهو حديث حسن صحيح وروي أن عمرو بن عبد ود بارز عليا كرم الله وجهه فلما أقبل عليه قال ما برزت لأقاتل اثنين فالتفت عمرو فوثب عليه فضربه فقال عمرو خدعتني فقال علي الحرب خدعة فصل قال أحمد إذا غزوا في البحر فأراد رجل أن يقيم بالساحل يستأذن الولي الذي هو على جميع المراكب ولا يجزئه أن يستأذن الوالي الذي في مركبه مسألة قال ( ومن أعطي شيئا يستعين به في غزاته فما فضل فهو له فإن لم يعط لغزاة بعينها رد ما فضل في الغزو ) وجملته أن من أعطي شيئا من المال يستعين به في الغزو لم يخل إما أن يعطى لغزوة بعينها أو في الغزو مطلقا فإن أعطى لغزوة بعينها فما فضل بعد الغزو فهو له
هذا قول عطاء ومجاهد وسعيد بن المسيب وكان ابن عمر إذا أعطى شيئا في الغزو يقول لصاحبه إذا بلغت وادي القرى فشأنك به ولأنه أعطاه على سبيل المعاونة والنفقة لا على سبيل الإجارة فكان الفاضل له كما لو وصى أن يحج عنه فلان حجة بألف وإن أعطاه شيئا لينفقه في سبيل الله أو في الغزو مطلقا ففضل منه فضل أنفقه في غزاة أخرى لأنه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة فلزمه إنفاق الجميع فيها كما لو وصى أن يحج عنه بألف فصل ومن أعطي شيئا ليستعين به في الغزو فقال أحمد لا يترك لأهله منه شيئا لأنه ليس يملكه إلا أن يصير إلى رأس مغزاة فيكون كهيئة ماله فيبعث إلى عياله منه ولا يتصرف فيه قبل الخروج لئلا يتخلف عن الغزو فلا يكون مستحقا لما أنفقه إلا أن يشتري منه سلاحا أو آلة الغزو فإن قصد إعطاءه لمن يغزو به فقال أحمد لا يتخذ منه سفرة فيها طعام فيطعم منها أحدا لأنه إنما أعطيها لينفقها في جهة مخصوصة وهي الجهاد مسألة قال ( وإذا حمل الرجل على دابة فإذا رجع من الغزو فهي له إلا أن يقول هي حبيس فلا يجوز أن تباع إلا أن تصير في حال لا تصلح فيه للغزو فتباع وتجعل في حبيس آخر وكذلك المسجد إذا ضاق بأهله إذا كان في مكان لا ينتفع به جاز أن يباع ويجعل في مكان ينتفع به وكذلك الأضحية إذا أبدلها بخير منها ) قوله حمل الرجل على دابة يعني أعطيها ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه إلا أن تكون عارية فتكون لصاحبها أو حبيسا فتكون حبيسا بحاله قال عمر رضي الله عنه حملت على فرس عتيق في سبيل الله فأضاعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننته بائعه برخص فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه متفق عليه وهذا يدل على أنه ملكه لولا ذلك ما باعه ويدل على أنه ملكه بعد الغزو لأنه أقامه للبيع بالمدينة ولم يكن ليأخذه من عمر ثم يقيمه للبيع في الحال فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه وذكر أحمد نحوا من هذا الكلام وسئل متى يطيب له الفرس قال إذا غزا عليه قيل له فإن العدو جاءنا فخرج على هذا الفرس في الطلب إلى خمسة فراسخ ثم رجع قال لا حتى يكون غزا قيل له فحديث ابن عمر إذا بلغت وادي القرى فشأنك به قال ابن عمر كان يصنع ذلك في ماله ورأى أنه إنما يستحقه إذا غزا عليه وهذا قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن المسيب وسالم والقاسم ويحيى الأنصاري ومالك والليث والثوري ونحوه عن الأوزاعي قال ابن المنذر ولا أعلم أحدا يقول إن له يبيعه في مكانه وكان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنه في غير سبيل الله إلا أن يقول له شأنك به ما أردت ولنا حديث عمر وليس فيه ما اشترط مالك فأما إذا قال هي حبيس فلا يجوز بيعها وقد سبق شرح هذه المسألة في باب الوقف ويأتي شرح حكم الأضحية في بابها إن شاء الله فصل قال أحمد لا يركب دواب السبيل في حاجة ويركبها ويستعملها في سبيل الله ولا يركب في الأمصار والقرى ولا بأس أن يركبها ويعلفها وأكره سباق الرمك على الفرس الحبيس وسهم الفرس الحبيس لمن غزا عليه ولا يباع الفرس الحبيس إلا من علة إذا عطب يصير للطحن ويصير ثمنه في مثله أو ينفق ثمنه على الدواب الحبيس وإذا أراد أن يشتري فرسا ليحمل عليه فقال أحمد يستحب شراؤها من غير الثغر ليكون توسعه على أهل الثغر في الجلب
مسألة قال ( وإذا سبى الإمام فهو مخير إن رأى قتلهم وإن رأى من عليهم وأطلقهم بلا عوض وإن رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم وإن رأى فادى بهم وإن رأى استرقهم أي ذلك رأى فيه نكاية للعدو وحظا للمسلمين فعل ) وجملته أن من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب أحدها النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والولدان متفق عليه وكان عليه السلام يسترقهم إذا سباهم الثاني الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء القتل والمن بغير عوض والمفاداة بهم واسترقاقهم الثالث الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء القتل أو المن والمفاداة ولا يجوز استرقاقهم وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعي وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وعن مالك كمذهبنا وعنه لا يجوز المن بغير عوض لأنه لا مصلحة فيه وإنما يجوز للإمام فعل ما فيه المصلحة وحكي عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى وقالوا لو من عليه أو فاداه كما صنع بأسارى بدر ولأن الله تعالى قال فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء محمد 4 فخير بين هذين بعد الأسر لا غير وقال أصحاب الرأي إن شاء ضرب أعناقهم وإن شاء استرقهم لا غير ولا يجوز من ولا فداء لأن الله تعالى قال فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 بعد قوله فإما منا بعد وإما فداء محمد 4 وكان عمر بن عبد العزيز وعياض بن عقبة يقتلان الأسارى ولنا على جواز المن والفداء قول الله تعالى فإما منا بعد وإما فداء محمد 4 وأن النبي صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن أثال وأبي عزة الشاعر وأبي العاص بن الربيع وقال في أسارى بدر لو كان مطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له وفادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا كل رجل منهم بأربعمائة وفادى يوم بدر رجلا برجلين وصاحب العضباء برجلين وأما القتل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرا وقتل أبا غزة يوم أحد وهذه قصص عمت واشتهرت وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم مرات وهو دليل على جوازها ولأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين وبقاؤه ضرر عليهم فقتله أصلح ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى إسلامه بالمن عليه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم والدفع عنهم فالمن عليه أصلح ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان والإمام أعلم بالمصلحة فينبغي أن يفوض ذلك إليه وقوله تعالى فاقتلوا المشركين التوبة 5 ) عام لا ينسخ به الخاص بل ينزل على ما عدا المخصوص ولهذا لم يحرموا استرقاقه فأما عبدة الأوثان ففي استرقاقهم روايتان إحداهما لا يجوز وهو مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز في العجم دون العرب بناء على قوله في أخذ الجزية ولنا إنه كافر لا يقر بالجزية فلم يقر بالاسترقاق كالمرتد وقد ذكرنا الدليل عليه إذا ثبت هذا فإن هذا تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة فمتى رأى المصلحة في خصلة من هذه الخصال تعينت عليه ولم يجز العدول عنها ومتى تردد فيها فالقتل أولى قال مجاهد في أمرين أحدهما يقتل الأسرى وهو أفضل وكذلك قال مالك وقال إسحاق الاثخان أحب إلي أن يكون معروفا يطمع به في الكثير
فصل وإن أسلم الأسير صار رقيقا في الحال وزال التخيير وصار حكمه حكم النساء وبه قال الشافعي في أحد قوليه وفي الآخر يسقط القتل ويتخير بين الخصال الثلاث لما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسروا رجلا من بني عقيل فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد علام أخذت وأخذت سابقة الحاج فقال أخذت بجريرة حلفائك من ثقيف فقد أسرت رجلين من أصحابي فمضى النبي صلى الله عليه وسلم فناداه يا محمد يا محمد فقال له ما شأنك فقال إني مسلم فقال لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح وفادى به النبي صلى الله عليه وسلم الرجلين رواه مسلم ولأنه سقط القتل بإسلامه فبقي باقي الخصال على ما كانت عليه ولنا إنه أسير يحرم قتله فصار رقيقا كالمرأة والحديث لا ينافي رقه فقد يفادى بالمرأة وهي رقيق كما روى سلمة بن الأكوع أنه غزا مع أبي بكر فنفله امرأة فوهبها للنبي صلى الله عليه وسلم فبعث بها إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى ففداهم بتلك المرأة إلا أنه لا يفادي به ولا يمن عليه إلا بإذن الغانمين لأنه صار مالا لهم ويحتمل أن يجوز المن عليه لأنه كان يجوز المن عليه مع كفره فمع إسلامه أولى لكون الإسلام حسنة يقتضي إكرامه والإنعام عليه لا منع ذلك في حقه ولا يجوز رده إلى الكفار إلا أن يكون له ما يمنعه من المشركين من عشيرة أو نحوها وإنما جاز فداؤه لأنه يتخلص به من الرق فأما إن أسلم قبل أسره حرم قتله واسترقاقه والمفاداة به سواء أسلم وهو في حصن أو جوف أو مضيق أو غير ذلك لأنه لم يحصل في أيدي الغانمين بعد فصل فإن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم على إعطاء الجزية لم يجز ذلك في نسائهم وذراريهم لأنهم صاروا غنيمة بالسبي وأما الرجال فيجوز ذلك فيهم ولا يزول التخيير الثابت فيهم وقال أصحاب الشافعي يحرم قتلهم كما لو أسلموا ولنا إنه بدل لا تلزم الإجابة إليه فلم يحرم قتلهم كبدل عبدة الأوثان فصل وإذا أسر العبد صار رقيقا للمسلمين لأنه مال لهم استولى عليه فكان للغانمين كالبهيمة وإن رأى الإمام قتله لضرر في بقائه جاز قتله لأن مثل هذا لا قيمة له فهو كالمرتد وأما من يحرم قتلهم غير النساء والصبيان كالشيخ والزمن والأعمى والراهب فلا يحل سبيهم لأن قتلهم حرام ولا نفع في اقتنائهم فصل ذكر أبو بكر أن الكافر إذا كان مولى مسلم لم يجز استرقاقه لأن في استرقاقه تفويت ولاء المسلم المعصوم وعلى قوله لا يسترق ولده أيضا إذا كان عليه ولاء لذلك وإن كان معتقه ذميا جاز استرقاقه لأن سيده يجوز استرقاقه فاسترقاق مولاه أولى وهذا مذهب الشافعي وظاهر كلام الخرقي جواز استرقاقه لأنه يجوز قتله وهو من أهل الكتاب فجاز استرقاقه كغيره ولأن سبب جواز الاسترقاق قد تحقق فيه وهو الاستيلاء عليه مع كون مصلحة المسلمين في استرقاقه ولأنه إن كان المسبي امرأة أو صبيا لم يجز فيه سوى الاسترقاق فيتعين ذلك فيه وما ذكره يبطل بالقتل فإنه يفوت الولاء وهو جائز فيه وكذلك من عليه ولاء لذمي يجوز استرقاقه وقولهم إن سيده يجوز استرقاقه غير صحيح فإن الذمي لا يجوز استرقاقه ولا تفويت حقوقه وقد قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا مسألة قال ( وسبيل من استرق منهم وما أخذ منهم على إطلاقهم سبيل تلك الغنيمة ) يعني من صار منهم رقيقا بضرب الرق عليه أو فودي بمال فهو كسائر الغنيمة يخمس ثم يقسم أربعة أخماسه بين الغانمين لا نعلم في هذا خلافا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين ولأنه مال غنمه المسلمون فأشبه الخيل والسلاح فإن قيل فالأسر لم يكن للغانمين فيه حق فكيف تعلق حقهم ببدله قلنا إنما يفعل الإمام في الاسترقاق ما يرى فيه المصلحة لأنه لم يصر مالا
فإذا صار مالا تعلق حق الغانمين به لأنهم أسروه وقهروه وهذا لا يمنع ألا ترى أن من عليه الدين إذا قتل قتلا يوجب القصاص كان لورثته الخيار فإذا اختاروا الدية تعلق حق الغرماء بها مسألة قال ( وإنما يكون له استرقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو مجوسا فأما ما سوى هؤلاء من العدو فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء ) قد ذكرنا فيما تقدم أن غير أهل الكتاب لا يجوز استرقاق رجالهم في إحدى الروايتين فصل فأما النساء والصبيان فيصيرون رقيقا بالسبي ومنع أحمد من فداء النساء بالمال لأن في بقائهن تعريضا لهن للإسلام لبقائهن عند المسلمين وجوز أن يفادى بهن أسارى المسلمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع ولأن في ذلك استنقاذ مسلم متحقق إسلامه فاحتمل تفويت غرضية بالإسلام من أجله ولا يلزم من ذلك احتمال فواتها لتحصيل المال فأما الصبيان فقال أحمد لا يفادى بهم وذلك لأن الصبي يصير مسلما بإسلام سابيه فلا يجوز رده إلى المشركين وكذلك المرأة إذا أسلمت لم يجز ردها إلى الكفار ولا غيره لقول الله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن الممتحنة 10 ولأن في ردها إليهم تعريضا لها للرجوع عن الإسلام واستحلال ما لا يحل منها وإن كان الصبي غير محكوم بإسلامه كالذي سبي مع أبويه لم يجز فداؤه بمال وهل يجوز فداؤه بمسلم يحتمل وجهين فصل ولم يجوز أحمد بيع شيء من رقيق المسلمين لكافر سواء كان الرقيق مسلما أو كافرا وهذا قول الحسن قال أحمد ليس لأهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون شيئا قال وكتب عمر بن الخطاب ينهى عنه أمراء الأمصار هكذا حكى أهل الشام وليس له إسناد وجوز أبو حنيفة والشافعي ذلك لأنه لا يمنع من إثبات يده عليه فلا يمنع من ابتدائه كالمسلم ولنا قول عمر ولم ينكر فيكون إجماعا ولأن فيه تفويتا للإسلام الذي يظهر وجوده فإنه إذا بقي رقيقا للمسلمين الظاهر إسلامه فيفوت ذلك ببيعه لكافر بخلاف ما إذا كان رقيقا لكافر في ابتدائه فإنه لم يثبت له هذه الغرضية والدوام يخالف الابتداء لقوته فصل ومن أسر أسيرا لم يكن له قتله حتى يأتي به الإمام فيرى فيه رأيه لأنه إذا صار أسيرا فالخيرة فيه إلى الإمام وقد روي عن أحمد كلام يدل على إباحة قتله فإنه قال لا يقتل أسيرا غيره إلا أن يشاء الوالي فمفهومه أن له قتل أسيره بغير إذن الوالي لأن له أن يقتله ابتداء فكان له قتله دواما كما لو هرب منه أو قاتله فإن امتنع الأسير أن ينقاد معه فله إكراهه بالضرب وغيره فإن لم يمكنه إكراهه فله قتله وإن خافه أو خاف هربه فله قتله أيضا وإن امتنع من الانقياد معه لجرح أو مرض فله قتله أيضا وتوقف أحمد عن قتله والصحيح أنه يقتله كما يذفف على جريحهم ولأن تركه حيا ضرر على المسلمين وتقوية للكفار فتعين القتل كحالة الابتداء إذا أمكنه قتله وكجريحهم إذا لم يأسره فأما أسير غيره فلا يجوز له قتله إلا أن يصير إلى حال يجوز قتله لمن أسره وقد روى يحيى بن أبي كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتعاطين أحدكم أسير صاحبه إذا أخذه فيقتله رواه سعيد فإن قتل أسيره أو أسير غيره قبل ذلك أساء ولم يلزمه ضمانه وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي إن قتله قبل أن يأتي به الإمام لم يضمنه وإن قتله بعد ذلك غرم ثمنه لأنه أتلف من الغنيمة ما له قيمة فضمنه كما لو قتل امرأة