İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وهل للمشتري خيار فالمنصوص عن أحمد أن المشتري مخير بين أخذ المبيع برأس ماله وحصته من الربح وبين تركه نقله حنبل وحكي ذلك قولا للشافعي لأن المشتري لا يأمن الجناية في هذا الثمن أيضا ولأنه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن بعينه لكونه حالفا أو وكيلا أو غير ذلك وظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار له لأنه لم يذكره وحكي ذلك قولا للشافعي لأنه رضيه بمائة وعشرة فإذا حصل له بتسعة وتسعين فقد زاده خيرا فلم يكن له خيار كما لو اشتراه على أنه معيب فبان صحيحا أو أمي فبان صانعا أو كاتبا أو وكل في شراء معين بمائة فاشتراه بتسعين وأما البائع فلا خيار له لأنه باعه برأس ماله وحصته من الربح وقد حصل له ذلك فصل وإذا أراد الإخبار بثمن السلعة فإن كانت بحالها لم تتغير أخبر بثمنها وإن حط البائع بعض الثمن عن المشتري أو اشتراه بعد لزوم العقد لم يجزئه ويخبر بالثمن الأول لا غير ولأن ذلك هبة من أحدهما للآخر لا يكون عوضا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلحق بالعقد ويخبر به في المرابحة وهذه مسألة يأتي ذكرها إن شاء تعالى وإن كان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد وإخبر به في الثمن وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ولا أعلم عن غيرهم خلافهم فإن تغير سعرها دونها فإن غلت لم يلزمها الإخبار بذلك لأنه زيادة فيها وإن رخصت فنص أحمد على أنه لا يلزمه الإخبار بذلك ونه صادق يدون الإخبار به ويحتمل فإن أخبر بدون ثمنها ولم يتبين الحال لم يجز لأنه يجمع بين الكذب والتغرير فصل فأما أذا تغيرت السلعة فذلك على ضربين أحدهما أن تتعير بزيادة وهي نوعان أحدهما أن تزيد لنمائها كالسمن وتعلم صنعة أو يحصل منها نماء منفصل كالولد والثمرة والكسب فهذا إذا أراد إن يبيعها مرابحة أخبر بالثمن من غير زيادة لأنه القدر الذي اشتراها به وإن أخذ النماء المنفصل أو استخدم الأمة أو وطىء الثيب أخبر برأس المال ولم يلزمه تبيين الحال وروى ابن المنذر عن أحمد أنه يلزمه تبيين ذلك كله وهو قول إسحاق وقال أصحاب الرأى في الغلة يأخذها لا بأس أن يبيع مرابحة وفي الولد والثمرة لا يبيع مرابحة حتى يبين ولأنه من موجب العقد ولنا أنه صادق فيما أخبر يه من غير تغرير بالمشتري فجاز كما لو لم يزد ولأن الولد والثمرة نماء منفصل فلم يمنع من بيع المرابحة بدون ذكره كالغلة وقد بينا من قبل أنه ليس من موجبات العقد النوع الثاني أن يعمل فيها عملا مثل أن يقصرها أو يرفوها أو يجعلها أو يخيطها فهذه متى أراد أن يبيعها مرابحة أخبر بالحال على وجهه سواء عمل ذلك بنفسه أو استأجر من عمله هذا ظاهر كلام أحمد فإنه قال يبين ما اشتراه وما لزمه ولا يجوز أن يقول تحصلت علي بكذا وبه قال الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وطاوس والنخعي والأوزاعي وأبو ثور ويحتمل أن يجوز فيما استأجر عليه أن يضم الأجرة إلى الثمن ويقول تحصلت علي بكذا لأنه صادق وبه قال الشعبي والحكم والشافعي ولنا أنه تغرير بالمشتري فأنه عسى أن لو علم أن بعض ما تحصلت به لأجل الصناعة لا يرغب فيه لعدم رغبته في ذلك فأشبه ما ينقص الحيوان في مؤنته وكسوته وعلى المبتاع في خزنه الضرب الثاني أن يتغير بنقص كنقصه بمرض أو جناية عليه أو تلف بعضه أو بولادة أو عيب أو يأخذ المشتري بعضه كالصوف واللبن الموجود ونحوه فإنه يخبر بالحال على وجهه لا نعلم فيه خلافا وإن أخذ أرش العيب أو الجناية أخبر بذلك على وجهه ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يحط أرش العيب من الثمن ويخبر بالباقي لأن أرش العيب عوض ما فات به فكان ثمن الموجود هو ما بقي وفي أرش الجناية وجهان أحدهما يحطه من الثمن كأرش العيب
والثاني لا يحطه كالنماء وقال الشافعي يحطهما من الثمن ويقول تقوم علي بكذا لأنه صادق فيما أخبر به فأشبه ما لو أخبر بالحال على وجهه ولنا إن الأخبار بالحال على وجهه أبلغ في الصدق وأقرب إلى البيان ونفي التغرير بالمشتري والتدليس عليه فلزمه ذلك كما لو اشترى شيئين بثمن واحد وقسط الثمن عليهما وقياس أرش الجناية عليه على النماء والكسب غير صحيح لأن الأرش عوض نقصه الحاصل بالجناية عليه فهو بمنزلة ثمن جزء منه باعه وكقيمة أحد الثوبين إذا تلف أحدهما والنماء والكسب زيادة لم ينقص بها المبيع ولا هي عوض عن شيء منه فأما إن جنى المبيع ففداه المشترى لم يلحق ذلك بالثمن ولم يخبر به في المرابحة بغير خلاف نعلمه لأن هذا الأرش لم يزد به المبيع قيمة ولا ذاتا وإنما هو مزيل لنقصه بالجناية والعيب الحاصل بتعلقها برقبته فأشبه الدواء المزيل لمرضه الحادث عند المشتري فأما الأدوية والمؤنة والكسوة وعمله في السلعة بنفسه أو عمل غيره له بغير أجرة فإنه لا يخبر بذلك في الثمن وجها وحدا وإن أخبر بالحال على وجهه فحسن فصل وإن اشترى شيئين صفقة واحدة ثم أراد بيع أحدهما مرابحة أو اشترى اثنان شيئا فتقاسماه وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة بالثمن الذي أداه فيه فذلك قسمان أحدهما أن يكون البيع من المتقومات التي لا ينقسم الثمن عليها بالاجزاء كالثياب والحيوان والشجرة المثمرة وأشباه هذا فهذا لا يجوز بيع بعضه مرابحة حتى يخبر بالحال على وجهه نص عليه أحمد فقال كل بيع اشتراه جماعة ثم اقتسموه لا بيبع أحدهم مرابحة إلا أن يقول اشتريناه جماعة ثم اقتسمناه وهذا مذهب الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وقال الشافعي يجوز بيعه بحصته من الثمن لأن الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته بدليل ما لو كان المبيع شقصا وسيفا أخذ الشفيع المشقص بحصته من الثمن ولو اشترى شيئين فوجد أحدهما معيبا رده بحصته من الثمن وذكر ابن أبي موسى فيما اشتراه اثنان فتقاسماه رواية أخرى عن أحمد أنه يجوز بيعه مرابحة بما اشتراه لأن ذلك ثمنه فهو صادق فيما أخبره به ولنا إن قسمة الثمن على طريقة الظن والتخمين واحتنال الخطأ فيه كثير وبيع المرابحة أمانة فلم يجز هذا فيه فصار هذا كالخرص الحاصل بالظن لا يجوز أن يباع به ما يجب التماثل فيه وإنما أخذ الشفيع بالقيمة للحاجة اداعية إليه وكونه لا طريق له سوى التقويم ولأنه لو لم يأخذ بالشفعة لا تخذه الناس طريقا لإسقاطها فيؤدي إلى تفويتها بالكلية وههنا له طريق وهو الإخبار بالحال على وجهه أو بيعه مساومة القسم الثاني أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم الثمن عليها بالاجزاء كالبر والشعير المتساوي فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن وبهذا قال أبو ثور وأصحاب وإن الرأي ولانعلم فيه خلافا لأن ثمن الجزء معلوم يقينا ولذلك جاز بيع قفيز من الصبرة وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة فأخذهما على الصفة وأراد بيع أحدهما مرابحة بحصته من الثمن فالقياس جوازه لأن الثمن ينقسم عليهما نصفين لا باعتبار القيمة وكذلك لو أقاله في أى حدهما أو تعذر تسليمه كان له نصف الثمن من غير اعتبار قيمة المأخوذ منهما فكأنه أخذ كل واحد منهما منفردا ولأن الثمن وقع عليهما متساويا لتساوي صفتهما في الذمة فهما كقفيزين من صبرة وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة جرت مجرى الحادث بعد البيع فصل وإن اشترى شيئا بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين ذلك وإن اشتراه من أبيه أو ابنه أو ممن لا تقبل شهادته له لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد يجوز من غير بيان لأنه أخبر بما اشتراه عقدا صحيحا فأشبه ما لو اشتراه من أجنبي ولنا إنه متهم في الشراء منهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم فلم يجز أن يخبر بما اشتراه منهم مطلقا كما لو اشترى من مكاتبه وفارق الأجنبي فإنه لا يتهم في حقه وقياسهم يبطل بالشراء من مكاتبه
فإنه لا يجوز له بيع ما اشتراه من مكاتبه مرابحة حتى يبين أمره ولا نعلم فيه خلافا وإن اشتراه من غلام دكانه الحر فقال القاضي إذا باعه سلعة ثم اشتراها منه بأكثر من ذلك لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره ولا نعلم فيه خلافا ولأنه متهم في حقه فأشبه من لا تقبل شهادته له وقال أبو الخطاب إن فعل ذلك حيلة لم يجز وظاهره الجواز إذا لم يكن حيلة وهذا أصح لأنه أجنبي لكن لا يختص هذا بغلام دكانه بل متى فعل هذا على وجه الحيلة لم يجز وكان حراما وتدليسا على ما ذكرنا من قبل فصل فإن اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة استحب أن يخبر بالحال على وجهه فإن أخبر أنه اشتراه بعشرة ولم يبين جاز وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لأنه صادق فيما أخبر به وليس فيه تهمة ولا تغرير بالمشتري فأشبه ما لو لم يربح فيه وروي عن ابن سيرين أنه يطرح الربح من الثمن ويخبر أن رأس ماله عليه خمسة وأعجب أحمد قول ابن سيرين قال فإن باعه على ما اشتراه يبين أمره يعني يخبر أنه ربح فيه مرة ثم اشتراه وهذا محمول على الاستحباب لما ذكرنانه وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه مرابحة إلا أن يبين أمره أو يخبر أن رأس ماله عليه خمسة وهذا قول القاضي وأصحابه لأن المرابحة تضم فيها العقود فيخبر بما تقوم عليه كما تضم أجرة الخياط والقصار وقد استفاد بهذا العقد الثاني تقرير الربح في العقد الأول لأنه أمن أن يرده عليه ولأن الربح أحد نوعي النماء فوجب أن يخبر به في المرابحة كالولد والثمرة فعلى هذا ينبغي أنه إذا طرح الربح من الثمن الثاني يقول تقوم علي بخمسة ولا يجوز أن يقول اشتريته بخمسة لأن ذلك كذب والكذب حرام ويصير كما لو تضم أجرة القصارة والخياطة إلى الثمن وأخبر به ولنا ما ذكرناه فيما تقدم وما ذكروه من ضم القصارة والخياطة والولد والثمرة فشيء بنوه على أصلهم لا نسلمه ثم لا يشبه هذا ما ذكره لأن المؤنة والنماء لزماه في هذا البيع الذي يلي المرابحة وهذا الربح في عقد آخر قبل هذا الشراء فأشبه الخسارة فيه وأما تقرير الربح فغير صحيح فإن العقد الأول قد لزم ولم يظهر العيب ولم يتعلق به حكمه ثم قد ذكرنا في مثل هذه المسألة أن للمشتري أن يرده على البائع إذا ظهر على عيب قديم وإذا لم يلزمه طرح النماء والغلة فههنا أولى ويجيء على هذا القول أنه لو اشتراه بعشرة ثم باعها بعشرين ثم اشتراه بعشرة فإنه يخبر أنها حصلت بغير شيء وإن اشتراها بعشرة ثم باعها بثلاثة عشر ثم اشتراها بخمسة أخبر أنها تقومت بدرهمين وإن اشتراها بخمسة عشر أخبر أنها تقومت عليه باثني عشر نص أحمد على نظير هذا وعلى هذا يطرح الربح من الثمن الثاني كيفما كان فإن لم يربح ولكن اشتراها ثانية بخمسة أخبر بها لأنها ثمن العقد الذي يلي المرابحة ولو خسر فيها مثل إن اشتراها بخمسة عشر ثم باعها بعشرة ثم اشتراها بأي ثمن كان أخبر به ولم يجز أن يضم الخسارة إلى الثمن الثاني فيخبر به في المرابحة بغير خلاف نعلمه وهذا يدل على صحة ما ذكرناه والله أعلم فصل وكل ما قلنا إنه يلزمه أن يخبر به في المرابحة ويبينه فلم يفعل فإن البيع لا يفسد به ويثبت للمشتري الخيار بين الأخذ به وبين الرد إلا في الخبر بزيادة على رأس ماله على ما قدمناه من القول فيه وإن اشتراه بثمن مؤجل ولم يبين أمره فعن أحمد إنه مخير بين أخذ بالثمن الذي وقع عليه العقد حالا وين الفسخ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي
لأن البائع لم يرض بذمة المشتريد وقد تكون ذمته دون ذمة البائع فلا يلزمه الرضى بذلك وحكى ابن المنذر عن أحمد أنه إن كان المبيع قائما كان له ذلك إلى الأجل يعني وإن شاء فسخ وإن كان قد استهلك حبس المشتري الثمن بقدر الأجل وهذا قول شريح لأنه كذلك وقع على اللبائع فيجب أن يكون للمشتري أخذه بذلك على صفته كما لو أخبر بزيادة على الثمن وكونه لم يرض بذمة المشتري لا يمنع نفوذ البيع بذلك كما أنه إذا أخبر بزيادة لم يرض ببيعه إلا بما أخبر به ولم يلتفت إلى رضاه بل وجب الرجوع إلى ما وقع به البيع الأول كذا ههنا فصل فإن ابتاعه بدنانير فأخبر أنه اشتراه بدراهم أو كان بالعكس أو اشتراه بعرض فأخبر أنه اشتره بثمن أو بثمن فأخبر فإنه اشتراه بعرض وأشباه هذا فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع باللثمن وبين الرضى به بالثمن الذي تبايعا به كسائر المواضع التي ثبت فيها ذلك فصل وإن ابتاع اثنان ثوبا بعشرين أو بذل لهما فيه اثنان وعشرين فاشترى أحدهما صاحبه فيه بذلك السعر فإنه يخبر في المرابحة بأحد وعشرين نص عليه أحمد وهذا قول النخعي وقال الشعبي يبيعه على اثنين وعشرين لأن ذلك الدرهم الذي كان أعطيه قد كان أحرزه ثم رجع بعد ذلك إلى قول إبراهيم ولا نعلم أحدا خالف ذلك لأنه اشترى نصفه الأول بعشرة ثم اشترى نصفه الثاني بأحد عشر فصار مجموعهما أحدا وعشرين فصل قال أحمد ولا بأس أن يبيع بالرقم ومعناه أن يقول بعتك هذا الثوب برقمه وهوالثمن المكتوب عليه إذا كان معلوما لهما حال العقد وهذا قول عامة الفقهاء وكرهه طاوس ولنا إنه بيع بثمن معلوم فأشبه ما لو ذكر مقداره أو ما لو قال بعتك هذا بما اشتريته به وقد علمنا قدره فإن لم يكن معلوما لهما أو لأحدهما لم يصح لأن الثمن مجهول قال أحمد والمساومة عندي أسهل من بيع المرابحة وذلك لأن بيع المرابحة تعتريه أمانة واسترسال من المشتري ويحتاج فيه إلى تبيين الحال على وجهه في المواضع التي ذكرناها ولا يؤمن هوى النفس في نوع تأويل أو غلط فيكون على خطر وغرر وتجنب ذلك أسلم وأولى فصل وبيع التولية هو البيع بمثل ثمنه من غير نقص ولا زيادة وحكمه في الإخبار بثمنه وتبيين ما يلزمه تبينه حكم المرابحة في ذلك كله ويصح بلفظ البيع ولفظ التولية مسألة قال ( وإن أخبر بنقصان من رأس ماله كان على المشتري رده أو إعطاؤه ما غلط به وله أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم شراءها بأكثر ) وجملة ذلك أنه إذا قال في المرابحة رأس مالي فيه مائة وأربح عشرة ثم عاد فقال غلطت رأس مالي فيه مائة وعشرة لم يقبل قوله في الغلط إلا ببينة تشهد أن رأس ماله عليه ما قاله ثانيا وذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وروى أبو طالب عن أحمد إذا كان البائع معروفا بالصدق قبل قوله وإن لم يكن صدوقا جاز البيع قال القاضي وظاهر كلام الخرقي أن القول قول البائع مع يمينه لأنه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه والقول قول الأمين مع يمينه كالوكيل والمضارب والظاهر أن الخرقي لم يترك ذكر ما يلزم البائع في إثبات دعواه لكونه يقبل مجرد دعواه بل لأنه عطفه على المسألة قبلها وقد ذكر فيها فعلم أنه زاد في رأس المال ولم يتعرض لما يحصل به العلم لكن قد علمنا أن العلم إنما يحصل ببينة أو إقرار كذلك علم غلطه ههنا يحصل ببينة أو إقرار من المشتري وكون البائع مؤتمنا لا يوجب قبول دعواه في الغلط كالمضارب والوكيل إذا أقرا بربح ثم قالا غلطنا أو نسينا واليمين التي ذكرها الخرقي ههنا إنما هي على نفس علمه بغلط نفسه وقت البيع لا على إثبات غلطه وعن أحمد رواية ثالثة أنه لا يقبل قول البائع وإن أقام به بينة حتى يصدقه المشتري وهو قول الثوري والشافعي لأنه أقر بالثمن وتعلق به حق الغير
فلا يقبل رجوعه ولا بينته لإقراره بكذبها ولنا إنها بينة عادلة شهدت بما يحتمل الصدق فتقبل كسائر البينات ولا يسلم أنه أقر بخلافها فإن الإقرار يكون لغير المقر وحالة إخباره بمثنها لم يكن عليه حق لغيره فلم يكن إقرار فإن لم تكن بينة أو كانت له ينة وقلنا لا تقبل بينته فادعى أن المشتري يعلم غلطه فأنكر المشتري فالقول قوله وإن طلب يمينه فقال القاضي لا يمين عليه لأنه مدع واليمين على المدعى عليه ولأنه قد أقر له فيستغني بالإقرار عن اليمين والصحيح أن عليه اليمين أنه لا يعلم ذلك لأنه ادعى عليه ما يلزمه به رد السلعة أو زيادة في ثمنها فلزمته اليمين كموضع الوفاق وليس هو ههنا مدعيا إنما هو مدعى عليه العلم بمقدار الثمن الأول ثم قال الخرقي له أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر وهذا صحيح فإنه لو باعها بهذا الثمن عالما بأن ثمنها عليه أكثر لزمه البيع بما عقد عليه لأنه تعاطى شيئا عالما بالحال فلزمه كمشتري المعيب عالما بعيبه وإذا كان البيع يلزمه بالعلم فادعى عليه لزمته اليمين فإن نكل قضي عليه وإن حلف خير المشتري بين قبوله بالثمن والزيادة التي غلط بها وحطها من الربح وبين فسخ العقد ويحتمل أنه إذا باعه بمائة وربح عشرة ثم إنه غلط بعشرة لا يلزمه حط العشرة من الربح لأن البائع رضي بربح عشرة في هذا المبيع فلا يكون له أكثر منها وكذلك إن تبين له أنه زاد في رأس ماله لا ينقص الربح من عشرة لأن البائع لم يبعه إلا بربح عشرة فأما إن قال وأربح في كل عشرة درهما أو قال ده يا زده لزمه حط العشرة من الربح في الغلط والزيادة على الثمن في الصورتين وإنما أثبتنا له الخيار لأنه دخل على أن الثمن مائة وعشرة فإذا بان أكثر كان عليه ضرر في التزامه فلم يلزمه كالمعيب وإن اختار أخذها بمائة وأحد وعشرين لم يكن للبائع خيار لأنه قد زاده خيرا فلم يكن له خيار كبائع المعيب إذا رضيه المشتري وإن اختار البائع إسقاط الزيادة عن المشتري فلا خيار له أيضا لأنه قد بذلها بالثمن الذي وقع عليه العقد وتراضيا به فصل ويجوز بيع المواضعة وهو أن يخبر برأس ماله ثم يقول بعتك هذا به وأضع عنك كذا فإن قال بوضيعة درهم من كل عشرة كره لما ذكرنا في المرابحة وصح ويطرح من كل عشرة درهما فإن كان الثمن مائة لزمه تسعون ويكون الحط عشرة وقال قوم يكون الحط من كل أحد عشر درهما فيكون ذلك تسعة دراهم وجزءا من أحد عشر جزءا من درهم وتبقى تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم وهذا غلط لأن هذا يكون حطا من كل أحد عشر وهو غير ما قاله فأما إن قال بوضيعة درهم لكل عشرة كان الوضيعة من كل أحد عشر درهما ويكون الباقي تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وحكي عن أبي ثور أنه قال الحط ههنا عشرة مثل الأولى وليس بصحيح فإنه إذا قال لكل عشرة درهما يكون الدرهم من غيرها فكأنه قال من كل أحد عشر درهما درهما وإذا قال من كل عشرة درهما كان الدرهم من العشرة لأن من للتبعيض فكأنه قال آخذ من العشرة تسعة وأحط منها درهما فصل إذا اشترى رجل نصف سلعة بعشرة واشترى آخر نصفها بعشرين ثم باعها مساومة بثمن واحد فهو بينهما نصفان لا نعلم فيه خلافا لأن الثمن عوض عنها فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيها وإن باعها مرابحة أو مواضعة أو تولية فكذلك نص عليه أحمد وهو قول ابن سيرين والحكم قال الأثرم قال أبو عبد الله رحمه الله إذا باعها فالثمن بينهما نصفان قلت أعطى أحدهما أكثر مما أعطى الآخر فقال وإن ألبس الثوب بينهما الساعة سواء فالثمن بينهما لأن كل واحد منهما يملك مثل الذي يملك صاحبه
وحكى أبو بكر عن أحمد رواية أخرى أن الثمن بينهما على قدر رؤوس أموالهما لأن بيع المرابحة يقتضي أن يكون الثمن في مقابلة رأس المال فيكون مقسوما بينهما على حسب رؤوس أموالهما ولم أجد عن أحمد رواية بما قال أبو بكر وقيل هذا وجه خرجه أبو بكر وليس برواية والمذهب الأول لأن الثمن عوض المبيع وملكهما متساو فيه فكان ملكهما كعوضه متساويا كما لو باعاه مساواة فصل ومتى باعاه السلعة برقمها ولا يعلمانه أو جهلا رأس المال في المرابحة أو المواضعة أو التولية أو جهل ذلك أحدهما أو جهل قدر الربح أو قدر الوضيعة فالبيع باطل لأن العلم بالثمن شرط لصحة البيع فلا يثبت بدونه ولو باعه بمائة ذهبا وفضة لم يصح البيع وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح ويكون نصفين لأن الإطلاق يقتضي التسوية كالإقرار ولنا إن قدر كل واحد منهما مجهول فلم يصح كما لو قال بمائة بعضها ذهب وقوله إنه يقتضي التسوية لا يصح فإنه لو فسره بغير ذلك صح وكذلك لو أقر له بمائة ذهبا وفضة فالقول قوله في قدر كل واحد منهما مسألة قال ( وإذا باع شيئا واختلفا في ثمنه تحالفا فإن شاء المشتري أخذه بعد ذلك بما قال البائع وإلا انفسخ البيع بينهما والمبتدىء باليمين البائع ) والكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة أحدها أنه إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فقال البائع بعتك بعشرين وقال المشتري بل بعشرة ولأحدهما بينة حكم بها وإن لم يكن لهما بينة تحالفا وبهذا قال شريح وأبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية وعنه القول قول المشتري مع يمينه وبه قال أبو ثور وزفر لأن البائع يدعي عشرة زائدة ينكرها المشتري والقول قول المنكر وقال الشعبي القول قول البائع أو يترادان البيع وحكاه ابن المنذر عن إمامنا رحمه الله وروى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع رواه سعيد وابن ماجة وغيرهما والمشهور في المذهب الأول ويحتمل أن يكون معنى القولين واحداع وأن القول قول البائع مع يمينه فإذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به وإن أبى حلف أيضا وفسخ البيع بينهما لأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا ولأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه فإن البائع يدعي عقدا بعشرين ينكره المشتري والمشتري يدعي عقدا بعشرة ينكره البائع والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في حقهما وهذا الجواب عما ذكروه الفصل الثاني أن المبتدىء باليمين البائع فيحلف ما بعته بعشرة وإنما بعته بعشرين فإن شاء المشتري أخذه بما قال البائع وإلا يحلف ما اشتريته بعشرين وإنما اشتريته بعشرة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبتدىء بيمين المشتري لأنه منكر واليمين في جنبته أقوى ولأنه يقضي بنكوله وينفصل الحكم وما كان أقرب إلى فصل الخصومة كان أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فالقول ما قال البائع وفي لفظ فالقول ما قال البائع والمشتري بالخيار رواه الإمام أحمد ومعناه إن شاء أخذ وإن شاء حلف ولأن البائع أقوى جنبة لأنهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه فكان أقوى كصاحب اليد وقد بينا أن كل واحد منهما منكر فيتساويان من هذا الوجه والبائع إذا نكل فهو بمنزلة نكول المشتري يحلف الآخر ويقضي له فهو سواء الفصل الثالث أنه إذا حلف البائع فنكل المشتري عن اليمين قضي عليه وإن نكل البائع حلف المشتري وقضى له وإن حلفا جميعا لم ينفسخ البيع بنفس التحالف لأنه عقد صحيح فتنازعهما وتعارضهما لا يفسخه كما لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه لكن إن رضي أحدهما بما قال صاحبه أقر العقد بينهما وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما الفسخ هذا ظاهر كلام أحمد ويحتمل أن يقف الفسخ على الحاكم وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن العقد صحيح وأحدهما ظالم وإنما يفسخه الحاكم لتعذر إمضائه في الحكم
فأشبه نكام المرأة إذا زوجها الوليان وجهل السابق منهما ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أو يترادان البيع وظاهره استقلالهما بذلك وفي القصة أن ابن مسعود رضي الله عنه باع الأشعث بن قيس رقيقا من رقيق الإمارة فقال عبد الله بعتك بعشرين ألفا قال الأشعث اشتريت منك بعشرة آلاف فقال عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه فالقول قول البائع أو يترادان البيع قال فإني أرد البيع رواه سعيد عن هشيم عن ابن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابن مسعود وروي أيضا حديثا عن عبد الملك بن عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك وهو ظاهر في أنه يفسخ من غير حاكم لأنه جعل الخيار إليه فأشبه من له خيار الشرط أو الرد بالعيب ولأنه فسخ لإستدراك الظلامة فأشبه الرد بالعيب ولا يشبه النكاح لأن لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق وإذا فسخ العقد فقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن الفسخ ينفذ ظاهرا وباطنا لأنه فسخ لإستدراك الظلامة فهو كالرد بالعيب أو فسخ عقد بالتحالف فوقع في الظاهر والباطن كالفسخ باللعان وقال أبو الخطاب إن كان البائع ظالما لم يفسخ العقد في الباطن لأنه كان يمكنه إمضاء العقد واستيفاء حقه فلا ينفسخ العقد في الباطن ولا يباح له التصرف في المبيع لأنه غاصب فإن كان المشتري ظالما انفسخ البيع ظاهرا وباطنا لعجز البائع عن استيفاء حقه فكان له الفسخ كما لو أفلس المشتري ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ولهم وجه ثالث أنه لا ينفسخ في الباطن بحال وهذا فاسد لأنه لو علم أنه لم ينفسخ في الباطن بحال لما أمكن فسخه في الظاهر فإنه لا يباح لكل واحد منهما التصرف فيما رجع إليه بالفسخ ومتى علم أن ذلك محرم مع منع منه ولأن الشارع جعل للمظلوم منهما الفسخ ظاهرا وباطنا فانفسخ بفسخه في الباطن كالرد بالعيب ويقوى عندي أنه إن فسخه الصادق منهما انفسخ ظاهرا وباطنا لذلك وإن فسخه الكاذب عالما بكذبه لم ينفسخ بالنسبة إليه لأنه لا يحل له الفسخ فلم يثبت حكمه بالنسبة إليه ويثبت بالنسبة إلى صاحبه فيباح له التصرف فيما رجع إليه لأنه رجع إليه بحكم الشرع من غير عدوان منه فأشبه ما لو رد عليه المبيع بدعوى العيب ولا عيب فيه مسألة قال ( فإن كانت السلعة تالفة تحالفا ورجعا إلى قيمة مثلها إلا أن يشاء المشتري أن يعطي الثمن على ما قال البائع فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه في الصفة ) وجملته أنهما إذا اختلفا في ثمن السلعة بعد تلفها فعن أحمد فيها روايتان إحداهما يتحالفان مثل ما لو كانت قائمة وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك والأخرى القول قول المشتري مع يمينه اختارها أبو بكر وهذا قول النخعي والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة لقوله عليه السلام في الحديث والسلعة قائمة فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند تلفها ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة في ثمنها واختلفا في عشرة زائدة البائع يدعيها والمشتري ينكرها والقول قول المنكر وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه فيما عداه يبقى على القياس ووجه الرواية الأولى عموم قوله إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار وقال أحمد ولم يقل فيه والمبيع قائم إلا يزيد بن هارون قال أبو عبد الله وقد أخطأ رواة الحلف عن المسعودي لم يقولوا هذه الكلمة ولكنها في حديث معن ولأن كل واحد منهما مدع ومنكر فيشرع اليمين كحال قيام السلعة وما ذكروه من المعنى يبطل بحال قيام السلعة فإن ذلك لا يختلف بقيام السلعة وتلفها وقولهم تركناه للحديث قلنا ليس في الحديث تحالفا وليس ذلك بثابت في شيء من الأخبار
قال ابن المنذر وليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه وعلى أنه إذا خولف الأصل لمعنى وجب تعدية الحكم بتعدي ذلك المعنى فنقيس عليه بل يثبت الحكم بالبينة فإن التحالف إذ ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة فمع تعذر ذلك أولى فإذا تحالفا فإن رضي أحدهما بما قال الآخر لم يفسخ العقد لعدم الحاجة إلى فسخه وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما فسخه كما له ذلك في حال بقاء السلعة ويرد الثمن الذي قبضه البائع إلى المشتري ويدفع المشتري قيمة السلعة إلى البائع فإن كان من جنس واحد وتساويا بعد التقابض تقاصا وينبغي أن يشرع التحالف ولا الفسخ فيما إذا كانت قيمة السلعة مساوية للثمن الذي ادعاه المشتري ويكون القول قول المشتري مع يمينه لأنه لا فائدة في يمين البائع ولا فسخ البيع لأن الحاصل بذلك الرجوع إلى ما ادعاه المشتري وإن كانت القيمة أقل فلا فائدة للبائع في الفسخ فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ لأن ذلك ضرر عليه من غير فائدة ويحتمل أن يشرع لتحصيل الفائدة للمشتري ومتى اختلفا في قيمة السلعة رجعا إلى قيمة مثلها موصوفا بصفاتها فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم والقول قول الغارم فصل وإن تقابلا المبيع أو رد بعيب بعد قبض البائع الثمن ثم اختلفا في قدره فالقول قول البائع لأنه منكر لما يدعيه المشتري بعد انفساخ العقد فأشبه ما لو اختلفا في القبض فصل وإن قال بعتك هذا العبد بألف فقال بل هو والعبد الآخر بألف فالقول قول البائع مع يمينه وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي يتحالفان لأنهما اختلفا في أصل عوضي العقد فيتحالفان كما لو اختلفا في الثمن ولنا إن البائع ينكر بيع العبد الزائد فكان القول قوله بيمينه كما لو ادعى شراءه منفردا فصل وإن اختلفا في عين المبيع فقال بعتك هذا العبد قال بل بعتني هذه الجارية فالقول قول كل واحد منهما فيما ينكره مع يمينه لأن كل واحد منهما يدعي عقدا على عين ينكرها المدعى عليه والقول قول المنكر فإن حلف البائع ما بعتك هذه الجارية أقرت في يده إن كانت في يده وردت عليه إن كان مدعيها قد قبضها وأما العبد فإن كان في يد البائع أقر في يده ولم يكن للمشتري طلبه لأنه لا يدعيه وعلى البائع رد الثمن إليه لأنه لم يصل إليه المعقود عليه وإن كان في يد المشتري فعليه رده إلى البائع لأنه لم يعترف أنه لم يشتره وليس للبائع طلبه إذا بذل له ثمنه لاعترافه ببيعه وإن لم يعطه ثمنه فله فسخ البيع واسترجاعه لأنه تعذر عليه الوصول إلى ثمنه فملك الفسخ كما لو أفلس المشتري وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه ثبت العقدان لأنهما لا يتنافيان فأشبه ما لو ادعى أحدهما البيع فيهما جميعا وأنكره الآخر وإن أقام أحدهما بينة بدعواه دون الآخر ثبت ما قامت عليه البينة دون ما لم تقم عليه فصل فإن اختلفا في صفة الثمن رجع إلى نقد البلد نص عليه في رواية الأثرم لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها نص عليه في رواية جماعة فيحتمل أنه أراد إذا كان هو الأغلب والمعاملة به أكثر لأن الظاهر وقوع المعاملة به فهو كما لو كان في البلد نقد واحد ويحتمل أنه ردهما إليه مع التساوي لأن فيه توسطا بينهما وتسوية بين حقيهما وفي العدول إلى غيره ميل على أحدهما فكان التوسط أولى وعلى مدعي ذلك اليمين لأن ما قاله خصمه محتمل فتجب اليمين لنفي ذلك الاحتمال كوجوبها على المنكر وإذا لم يكن في البلد إلا نقدان متساويان فينبغي أن يتحالفا لأنهما اختلفا في الثمن على وجه لم يترجح قول أحدهما فيتحالفان كما لو اختلفا في قدره فصل وإن اختلفا في أجل أو رهن أو في قدرهما أو في شرط خيار أو ضمين أو غير ذلك من الشروط الصحيحة
ففيه روايتان إحداهما يتحالفان وهو قول الشافعي لأنهما اختلفا في صفة العقد فوجب أن يتحالفا قياسا على الاختلاف في الثمن والثانية القول قول من ينفي ذلك مع يمينه وهو قول أبي حنيفة لأن الأصل عدمه فالقول قول من ينفيه كأصل العقد لأنه منكر والقول قول المنكر فصل وإن اختلفا فيما يفسد العقد أو شرط فاسد فقال بعتك بخمر أو خيار مجهول فقال بل بعتني بنقد معلوم أو خيار ثلاث فالقول قول من يدعي الصحة مع يمينه لأن ظهور تعاطي المسلم الصحيح أكثر من تعاطيه للفاسد وإن قال بعتك مكرها فأنكره فالقول قول المشتري لأن الأصل عدم الإكراه وصحة البيع وإن قال بعتك وأنا صبي فالقول قول المشتري نص عليه وهو قول الثوري وإسحاق لأنهما اتفقا على العقد واختلفا فيما يفسده فكان القول قول من يدعي الصحة كالتي قبلها ويحتمل أن يقبل قول من يدعي الصغر لأنه الأصل وهو قول بعض أصحاب الشافعي ويفارق ما إذا اختلفا في شرط فاسد أو إكراه لوجهين أحدهما أن الأصل عدمه وههنا الأصل بقاؤه والثاني أن الظاهر من المكلف أنه لا يتعاطى إلا الصحيح وههنا ما ثبت أنه كان مكلفا وإن قال بعتك وأنا مجنون فإن لم يعلم له حال جنون فالقول قول المشتري لأن الأصل عدمه وإن ثبت أنه كان مجنونا فهو كالصبي ولو قال العبد بعتك وأنا غير مأذون لي في التجارة فالقول قول المشتري نص عليه في رواية مهنا لأنه مكلف والظاهر أنه لا يعقد إلا عقدا صحيحا فصل وإن مات المتبايعان فورثتهما بمنزلتهما في جميع ما ذكرناه لأنهم يقومون مقامهما في أخذ مالهما وإرث حقوقهما فكذلك ما يلزمهما أو يصير لهما فصل وإن اختلفا في التسليم فقال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن وقال المشتري لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع والثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن فإن كان عينا أو عرضا بعرض جعل بينهما عدل فيقبض منهما ثم يسلم إليهما وهذا قول الثوري وأحد قولي الشافعي وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع على الإطلاق وهو قول ثان للشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يجبر المشتري على تسليم الثمن لأن للبائع حب سالمبيع على تسليم الثمن ومن استحق ذلك لم يكن عليه التسليم قبل الاستيفاء كالمرتهن ولنا إن تسليم المبيع يتعلق به استقرار البيع وتمامه فكان تقديمه أولى سيما مع تعلق الحكم بعينه وتعلق حق البائع بالذمة وتقديم ما تعلق بالعين أولى لتأكده ولذلك يقدم الدين الذي به الرهن في ثمنه على ما تعلق بالذمة ويخالف الرهن فإنه لا تتعلق به مصلحة عقد الرهن والتسليم ههنا يتعلق به مصلحة عقد البيع وأما إذا كان الثمن عينا فقد تعلق الحق بعينه أيضا كالبيع فاستويا وقد وجب لكل واحد منهما على صاحبه حق قد استحق قبضه فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه ووجه الرواية الأخرى أن الذي يتعلق به استقرار البيع وتمامه هو البيع فوجب تقديمه ولأن الثمن لا يتعين بالتعيين فأشبه غير المعين وإذا ثبت هذا وأوجبنا التسليم على البائع فسلمه فلا يخلو المشتري من أن يكون موسرا أو معسرا فإن كان موسرا والثمن معه أجبر على تسليمه وإن كان غائبا قريبا في بيته أو بلده حجر عليه في المبيع وسائر ماله حتى يسلم الثمن خوفا من أن يتصرف في ماله يضر بالبائع وإن كان غائبا عن البلد في مسافة القصر فالبائع مخير بين أن يصبر إلى أن يوجد وبين فسخ العقد لأنه قد تعذر عليه الثمن فهو كالمفلس وإن كان دون مسافة القصر فله الخيار في أحد الوجهين لأن فيه ضررا عليه والثاني لا خيار له لأن ما دون مسافة القصر بمنزلة الحاضر وإن كان المشتري معسرا فللبائع الفسخ في الحال والرجوع في المبيع وهذا كله مذهب الشافعي ويقوي عندي أنه لا يجب عليه تسليم المبيع حتى يحضر الثمن ويتمكن المشتري من تسليمه لأن البائع إنما رضي ببذل المبيع بالثمن فلا يلزمه دفعه قبل حصول عوضه
ولأن المتعاقدين سواء في المعاوضة فيستويان في التسليم وإنما يؤثر ما ذكر من الترجيح في تقديم التسليم مع حضور العوض الآخر لعدم الضرر فيه وأما مع الحظر المحوج إلى الحجر أو المحجوز للفسخ فلا ينبغي أن يثبت شرع الحجر لا يندفع به الضرر ولأنه يقف على الحاكم ويتعذر ذلك في الغالب ولأن ما أثبت الحجر والفسخ بعد التسليم فهو أولى أن يمنع التسليم لأن المنع أسهل من الرفع والمنع قبل التسليم أسهل من المنع بعده ولذلك ملكت المرأة منع نفسها قبل قبض صداقها قبل تسليم نفسها ولم تملكه بعد التسليم ولأن للبائع منع المبيع قبل قبض ثمنه أو كونه بمنزلة المقبوض لإمكان تقبيضه وإلا فلا وكل موضع قلنا له الفسخ فله ذلك بغير حكم حاكم لأنه فسخ للبيع للإعسار بثمنه فملكه البائع كالفسخ في عين ماله إذا أفلس المشتري وكل موضع قلنا يحجر عليه فذلك إلى الحاكم لأن ولاية الحجر إليه فصل فإن هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر فللبائع الفسخ في الحال لأنه إذا ملك الفسخ مع حضوره فمع فربه أولى وإن كان موسرا أثبت البائع ذلك عند الحاكم ثم إن وجد الحاكم له مالا قضاه وإلا باع المبيع وقضى ثمنه منه وما فضل فهو للمشتري وإن أعوز في ذمته ويقوي عندي أن للبائع الفسخ بكل حال لأننا أبحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيدا عن البلد لما عليه من ضرر التأخير فههنا مع العجز عن الاستيفاء بكل حال أولى ولا يندفع الضرر برفع الأمر إلى الحاكم لعجز البائع عن إثباته عند الحاكم وقد يكون البيع في مكان لا حاكم فيه والغالب أنه لا يحضره من يقبل الحاكم شهادته فإحالته على هذا تضييع لماله وهذا الفروع تقوي ما ذكرته من أن للبائع منع المشتري من قبض المبيع قل إحضار ثمنه لما في ذلك من الضرر فصل وليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل الاستبراء وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكى عن مالك في القبيحة وقال في الجميلة يضعها على يدي عدل حتى تستبرأى لأن التهمة تلحقه فيها فمنع منها ولنا إنه بيع عين لا خيار فيها قد قبض ثمنها فوجب تسليمها كسائر المبيعات وما ذكروه من التهمة لا يمكنه من التسلط على منعه من قبض مملوكته كالقبيحة ولأنه إذا كان استبرأها قبل بيعها فاحتمال وجود المحل فيها بعيد نادر وإن كان لم يستبرئها فهو ترك التحفظ لنفسه ولو طالب المشتري البائع بكفيل لئلا تظهر حاملا لم يكن له ذلك لأنه ترك التحفظ لنفسه حال العقد فلم يكن له كفيل كما لو طلب كفيلا بالثمن المؤجل مسألة قال ( ولا يجوز بيع الآبق ) وجملته أن بيع العبد الآبق لا يصح سواء علم مكانه أو جهله وكذلك ما في معناه من الجمل الشارد والفرس العائر وشبههما وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن ابن عمر أنه اشترى من بعد ولده بعيرا شاردا وعن ابن سيرين لا بأس بيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا وعن شريح مثله ولنا ما روى أبو هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رواه مسلم وهذا بيع غرر ولأنه غير مقدور على تسليمه فلم يجز بيعه كالطير في الهواء فإن حصل في يد إنسان جاز بيعه لإمكان تسليمه مسألة قال ( ولا الطائر قبل أن يصاد ) وجملة ذلك أنه إذا باع طائرا في الهواء لم يصح مملوكا أو غير مملوك أما المملوك فلأنه غير مقدور عليه وعليه المملوك لا يجوز لعلتين إحداهما العجز عن تسليمه والثانية أنه غير مملوك له والأصل في هذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر وقيل في تفسيره هو بيع الطير في الهواء والسمك في الماء ولا نعلم في هذا خلافا ولا فرق بين كون الطائر يألف الرجوع أو لا يألفه لأنه لا يقدر على تسليمه الآن وإنما يقدر عليه إذا عاد
فإن قيل فالغائب في مكان بعيد لا يقدر على تسليمه في الحال قلنا الغائب يقدر على استحضاره والطير لا يقدر صاحبه على رده إلا أن يرجع هو بنفسه ولا يستقل مالكه برده فيكون عاجزا عن تسليمه لعجزه عن الواسطة التي يحصل بها تسليمه بخلاف الغائب وإن باعه الطير في البرج نظرت فإن كان البرج مفتوحا لم يجز لأن الطير إذا قدر على الطيران لم يمكن تسليمه فإن كان مغلقا ويمكن أخذه جاز بيعه وقال القاضي إن لم يمكن أخذه بتعب ومشقة لم يجز بيعه لعدم القدرة على تسليمه وهذا مذهب الشافعي وهو ملغى بالبعيد الذي لا يمكن إحضاره إلا بتعب ومشقة وفرقوا بينهما بأن البعيد تعلم الكلفة التي يحتاج إليها في إحضاره بالعادة وتأخير التسليم مدته معلومه ولا كذلك في إمساك الطائر والصحيح إن شاء الله تعالى أن تفاوت المدة في إحضار ولا البعيد واختلاف المشقة أكثر من التفاوت والاختلاف في إمساك طائر من البرج والعادة تكون في هذا كالعادة في ذاك فإذا صح في البعيد مع كثرة التفاوت وشدة اختلاف المشقة فهذا أولى مسألة قال ( ولا السمك في الآجام ) هذا قول أكثر أهل العلم روي عن ابن مسعود أنه نهى عنه قال إنه غرر وكره ذلك الحسن والنخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور ولا نعلم لهم مخالفا لما ذكرنا من الحديث والمعنى لا يجوز بيعه في الماء إلا أن يجتمع ثلاثة شروط أحدها أن يكون مملوكا الثاني أن يكون الماء رقيقا لا يمنع مشاهدته ومعرفته الثالث أن يمكن اصطياده وإمساكه فإن اجتمعت هذه الشروط جاز بيعه لأنه مملوك معلوم مقدر على تسليمه فجاز بيعه كالموضوع في الطست وإن اختل شرط مما ذكرنا لم يجز بيعه لذلك وإن اختلت الثلاثة لم يجز بيعه لثلاث علل وإن اختل اثنان منها لم يجز بيعه لعلتين وروي عن عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى فيمن له أجمة يحبس السمك فيها يجوز بيعه لأنه يقدر على تسليمه ظاهرا أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في كيله ووزنه ونقله ولنا ما روي عن ابن عمر وابن مسعود أنهما قالا لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وهذا منه ولأنه لا يقدر على تسليمه إلا بعد اصطياده أشبه الطير في الهواء والعبد الآبق لأنه مجهول فلم يصح بيعه كاللبن في الضرع والنوى في التمر ويفارق ما ذكروه لأن ذلك من مؤنة القبض وهذا يحتاج إلى مؤنة القبض وهذا يحتاج إلى مؤنة ليمكن قبضه فأما إن كانت له بركة فيها سمك له يمكن اصطياده بغير كلفة والماء رقيق لا يمنع مشاهدته صح بيعه وإن لم يمكن إلا بمشقة وكلفة يسيرة بمنزلة كلفة اصطياد الطائر من البرج فالقول فيه كالقول في بيع الطائر في البرج على ما ذكرنا فيه من الخلاف وإن كانت كثيرة وتتطاول المدة فيه لم يجز بيعه للعجز عن تسليمه والجهل لوقت إمكان التسليم فصل إذا أعد بركة أو مصفاة ليصطاد فيها السمك فحصل فيها سمك ملكه لأنه آلة معدة للاصطياد فإنه الشبكة ولو استأجرة البركة أو الشبكة أو استعارهما للاصطياد جاز وما حصل فيهما ملكه وإن كانت البركة غير معدة للاصطياد لم يملك ما حصل فيها من السمك لأنها غير معدة له فأشبهت أرضه إذا دخل فيها صيد أو حصل فيها سمك ومتى تصب شبكة أو شركا أو فخا أو أحبولة ملك ما وقع فيها من الصيد لأنه بمنزلة يده وكذلك لو نصب المناجل للصيد وسمى فقتلت صيدا حل له أكله وكان كذبحه ولو وقع في شبكته أو شبهها شيء كان مضمونا عليه فعلم بذلك أنه كيده ولو أعد لمياه الأمطار مصانع أو بركا أو أواني ليحصل فيها الماء ملكه بحصوله فيها أنها في باب الإعداد كالشباك للاصطياد
ولو أعد سفينة للاصطياد كالتي يجعل فيها الضوء ويضرب صواني الصفر ليثب السمك فيها كان حصوله فيها كحصوله في شبكته لكونها صارت من الآلات المعدة له ولو لم يعدها لذلك لم يملك ما وقع فيها ومن سبق إليه فأخذه ملكه كالأرض التي لم تعد للاصطياد مثل أرض الزرع إذا دخلها ماء فيه سمك ثم نضب عنه أو دخل فيها ظبي أو عشش فيها طائر أو سقط فيها جراد أو حصل فيها ملح لم يملكه صاحبها لأنه ليس من نماء الأرض ولا مما هي معدة له لكنه يكون أحق به إذ ليس لغيره التخطي في أرضه ولا الانتفاع بها فإن تخطى وأخذه أخطأ وملكه قال أحمد في ورشان على نخلة قوم صاده إنسان هو للصائد وقال في طيرة لقوم أفرخت في دار جيرانهم إن الفرخ يتبع الأم برد فراخها على أصحاب الطيرة واختار ابن عقيل في المأخوذ من أملاك الناس من صيد وكلأ وشبهه أنه لا يملكه بأخذه لأنه سبب منهي عنه فلم يفد الملك كالبيع المنهي عنه إذ السبب لا يختلف بين كونه بيعا أو غيره لقوله عليه السلام من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والصحيح الأول ولا نسلم أن السبب منهي عنه فإن السبب الأخذ وليس بمنهي عنه إنما نهى عن الدخول وهو غير السبب بخلاف البيع ولأن النهي ههنا لحق آدمي فلا يمنع الملك كبيع المصراة والمعيب وتلقي الركبان والنجش وبيعه على بيع أخيه ولو أعد أرضه للملح فجعلها ملاحة ليحصل فيها الماء فيصير ملحا كالأرض التي على ساحل البحر يجعل إليها طريقا للماء فإذا امتلأت قطعه عنها أو تكون أرضه سبخة يفتح إليها الماء من عين أو يجمع فيها ماء المطر فيصير ملحا ملكه بذلك لأنها معدة له فأشبهت البركة المعدة للصيد وإن لم يكن أعدها لذلك لم يملك ما صحل فيها كما قدمنا في مثلها فإن قيل فقد روي عن أحمد في إنسان رمى طيرا ببندق فوقع في دار قوم فهو لهم دونه وهذا يدل على أنهم ملكوه بحصوله في دارهم قلنا هذا محمول على أنه وقع ممتنعا فصاده أهل الدار فملكوه باصطيادهم كذلك قال ابن عقيل ويتعين حمله على هذا لأنهم إذا لم يملكوا ما حصل في دارهم بفعل الله تعالى فما حصل بفعل آدمي أولى ولأنه وقع في الدار بعد الضربة المثبتة له التي يملك بها الصيد فأشبه ما لو أطارت الريح ثوب إنسان فألقته في دارهم ولو كانت آلة الصيد كالشبكة والشرك والمناجل غير منصوبة للصيد ولا قصد بها الاصطياد فتعلق بها صيد لم يملكه صاحبها بذلك لأنها غير معدة للصيد في هذه الحال فأشبهت الأرض التي ليس معدة له فصل وما حصل من الصيد في كلب إنسان أو صقره أو فهده وكان استرسل بإرسال صاحبه فهو له لأنه أكد من الشبكة لأنه حيوان يحصل بفعله وقصده وإرسال صاحبه فهو كسهمه ولأن الله تعالى قال فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة 4 وإن استرسل بنفسه فحكمه حكم الصيد الحاصل في أرض إنسان في أنه لا يملكه وليس لغيره أخذه فإن أخذه غيره ملكه كالكلأ وكذلك ما يحصل في بهيمة إنسان من الحشيش في المرعى مسألة قال ( والوكيل إذا خالف فهو ضامن إلا أن يرضى الأمر فيلزمه ) وجملة ذلك أن الوكيل إذا خالف موكله فاشترى غير ما أمره بشرائه أو باع ما لم يؤذن له في بيعه أو اشترى غير ما عين له فعليه ضمان ما فوت على المالك أو تلف لأنه خرج عن حال الأمانة وصار بمنزلة الغاصب فأما قوله إلا أن يرضى الأمر فيلزمه يعني إذا اشترى غير ما أمر بشرائه بمثن في ذمته فإن الشراء صحيح ويقف على إجازة الموكل فإن أجازه لزمه وعليه الثمن وإن لم يقبل لزم الوكيل ويتعين حمله على هذه الصورة لأنه قد بين في موضع آخر فقال إلا أن يكون اشتراه بعين المال فيبطل الشراء وذكره في كتاب العتق أيضا فلذلك تعين حمل هذه المسألة على ما قلنا وإنما صح الشراء
لأنه متصرف في ذمته لا في مال غيره وسواء نقد الثمن من مال الموكل أم لا لأن الثمن هو الذي في الذمة والذي نقده عوضه ولذلك قلنا إنه إذا اشترى في الذمة ونقده الثمن بعد ذلك كان له البدل وإن خرج مغصوبا لم يبطل العقد وإنما وقف على إجازة الأمر لأنه قصد الشراء له فإن أجازه لزمه وعليه الثمن وإن لم يقبله لزم من اشتراه فصل وإن اشترى بعين مال الأمر أو باع بغير إذنه أو اشترى لغير موكله شيئا بعين ماله أو باع ماله بغير إذنه ففيه روايتان إحداهما البيع باطل ويجب رده وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر والثانية البيع والشراء صحيحان ويقف على إجازة المالك فإن أجازه نفذ ولزم البيع وإن لم يجز بطل وهذا مذهب مالك وإسحاق وقول أبي حنيفة في البيع فأما الشراء فعنده يقع للمشتري بكل حال ووجه هذه الرواية ما روى عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار والشاة فأخبرته فقال بارك الله في صفقة يمينك رواه الأثرم وابن ماجة ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فيب أن يقف على إجازته كالوصية ووجه الرواية الأولى قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح يعني ما لا تملك لأنه ذكره جوابا له حين سأله أنه يبيع الشيء ثم يمضي فيشتريه ويسلمه ولاتفاقنا على صحة بيع ماله الغائب ولأنه باع ما لا يقدر على تسليمه فأشبه الطير في الهواء والوصية يتأخر فيها القبول عن الإيجاب ولا يعتبر أن يكون لها مجيز حال وقوع العقد ويجوز فيها من الغرر ما لا يجوز في البيع فأما حديث عروة فتحمله على أن وكالته كانت مطلقة بدليل أنه سلم وتسلم وليس ذلك لغير المالك باتفاقنا فصل ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها رواية واحدة وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا لأن حكيم بن حزام قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل يأتيني فيلتمس من البيع ما عندي فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك فصل ولو باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت فحكمه حكم ما لو باعها من غير علمه في قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة وأبو ثور والشافعي وقال ابن أبي ليلى سكوته إقرار لأنه دليل على الرضى فأشبه سكوت البكر في الإذن في نكاحها ولنا إن السكوت محتمل فلم يكن إذنا كسكوت الثيب وفارق سكوت البكر لوجود الحياء المانع من الكلام في حقها وليس ذلك بموجود ههنا فصل وإذا وكل رجلين في بيع سلعته فباع كل واحد منهما السلعة من رجل بثمن مسمى فالبيع للأول منهما روي هذا عن شريح وابن سيرين والشافعي وابن المنذر وحكي عن ربيعة ومالك أنهما قالا هي للذي بدأ بالقبض ولنا إنه قد روي في حديث إذا باع المجيزان فهو للأول رواه ابن ماجة ولأن الوكيل الثاني زالت وكالته بانتقاء ملك الموكل عن السلعة فصار بائعا ملك غيره إذنه فلم يصح كما لو قبض الأول أو كما لو زوج أحد الوليين بعد الأول مسألة قال ( وبيع الملامسة والمنابذة غير جائز ) لا نعلم بين أهل العلم في فساد هذين البيعين وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة متفق عليه والملامسة أن يبيعه شيئا ولا يشاهده على أنه متى لمسه وقع البيع والمنابذة أن يقول أي ثوب نبذته إلي فقد اشتريته بكذا
هذا ظاهر كلام أحمد ونحوه قال مالك والأوزاعي وفيما روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ونهى عن الملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة في تفسيرها قال هو لمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة أن ينبذ كل واحد ثوبه ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه وعلى ما فسرناه به لا يصح البيع فيهما لعلتين إحداهما الجهالة والثانية كونه معلقا على شرط وهو نبذ الثوب إليه أو لمسه له وإن عقد البيع قبل نبذه فقال بعتك ما تلمسه من هذه الثياب أو ما أنبذه إليك فهو غير معين ولا موصوف فأشبه ما لو قال بعتك واحدا فصل ومن البيوع المنهي عنها بيع الحصاة فإن أبا هريرة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة رواه مسلم واختلف في تفسيره فقيل هو أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم وقيل هو أن يقول بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا وقيل هو أن يقول بعتك هذا بكذا على أني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع وكل هذه البيوع فاسدة لما فيها من الغرر والجهل ولا نعلم فيه خلافا فصل وروى أنس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة أخرجه البخاري والمخاضرة بيع الزرع الأخضر والثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع والمحاقلة بيع الزرع بحب من جنسه قال جابر المحاقلة أن يبيع الزرع بمائة فرق حنطة قال الأزهري الحقل القراح المزروع والحواقل المزارع وفسر أبو سعيد المحاقلة باستكراء الأرض بالحنطة مسألة قال ( وكذا بيع الحمل غير أمه واللبن في الضرع ) معناه بيع الحمل في البطن دون الأم ولا خلاف في فساده قال ابن المنذر وقد أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز وإنما لم يجز بيع الحمل في البطن لوجهين أحدهما جهالته فإنه لا نعلم صفته أو حياته والثاني أنه غير مقدور على تسليمه بخلاف الغائب فإنه يقدر على الشروع في تسليمه وقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح قال أبو عبيد الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة والمضامين ما في أصلاب الفحول فكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضر به الفحل في عامه أو في أعوام وأنشد إن المضامين التي في الصلب ماء الفحول في الظهور الحدب وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المجر قال ابن الأعرابي المجر ما في بطن الناقة والمجر الربا والمجر القمار والمجر المحاقلة والمزابنة فصل وقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع حبل الحبلة متفق عليه معناه نتاج النتاج قاله أبو عبيدة وعن ابن عمر قال كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم رواه مسلم وكلا البيعين فاسد أما الأول فلأنه بيع معدوم وإذا لم يجز بيع الحمل فبيع حمله أولى وأما الثاني فلأنه بيع إلى أجل مجهول فصل ولا يجوز بيع اللبن في الضرع وبه قال الشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ونهى عنه ابن عباس وأبو هريرة وكرهه طاوس ومجاهد وحكي عن مالك أنه يجوز أياما معلومة إذا عرفا حلابها لسقي الصبي كلبن الظئر وأجازه الحسن وسعيد بن جبير ومحمد بن مسلمة ولنا ما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع وراه الخلال بإسناده ولأنه مجهول الصفة والمقدار فأشبه الحمل لأنه بيع عين لم يخلق فلم يجز كبيع ما تحمل الناقة والعادة في ذلك تختلف وأما لبن الظئر فإنما جاز للحضانة لأنه موضع حاجة
فصل واختلفت الرواية في بيع الصوف على الظهر فروي أنه لا يجوز بيعه لما ذكرنا من الحديث ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالعقد كأعضائه وروي عنه أنه يجوز بشرط جزء في الحال لأنه معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالرطبة وفارق الأعضاء فإنه لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان والخلاف فيه كالخلاف في اللبن في الضرع فإن اشتراه بشرط القطع فتركه حتى طال فحكمه حكم الرطبة إذا اشتراها فتركها حتى طالت فصل ولا يجوز بيع ما تجهل صفته كالمسك في الفأر وهو الوعاء الذي يكون فيه قال الشاعر إذا التاجر جاء بفأرة من المسك راحت في مفارقهم تجري فإن فتح وشاهد ما فيه جاز بيعه وإن لم يشاهده لم يجز يعه للجهالة وقد قال بعض الشافعية يجوز لأن بقاءه في فأره مصلحة له فإنه يحفظ رطوبته وذكاء رائحته فأشبه ما مأكوله في جوفه ولنا إنه يبقى خارج وعائه من غير ضرر وتبقى رائحته فلم يجز بيعه مستورا كالدر في الصدف وأما ما مأكوله في جوفه فإخراجه يفضي إلى تلفه والتفصيل في بيعه مع وعائه كالتفصيل في بيع السمن في ظرفه ومن ذلك البيض في الدجاج والنوع من التمر لا يجوز بيعها للجهل بهما ولا نعلم في هذا خلافا نذكره فصل فأما بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع بالذوق إن كان مطعوما أو بالشم إن كان مشموما صح بيعه وشراؤه وإن لم يمكن جاز بيعه كالبصير وله خيار الخلف في الصفة وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأثبت أبو حنيفة له الخيار إلى معرفته بالمبيع إما بحسه أو ذوقه أو وصفه وقال عبيد الله بن الحسن شراؤه جائز وإذا أمر إنسانا بالنظر إليه لزمه وقال الشافعي لا يجوز إلا على الوجه الذي يجوز فيه بيع المجهول أو يكون قد رآه بصيرا ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير المبيع فيه لأنه مجهول الصفة عند العاقد فلم يصح كبيع البيض في الدجاج والنوع في التمر ولنا إنه يمكن الاطلاع على المقصود ومعرفته فأشبه بيع البصير ولأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه فكذلك شم الأعمى وذوقه وأما البيض والنوع فلا يمكن الاطلاع عليه ولا وصفه بخلاف مسألتنا مسألة قال ( وبيع عسب الفحل غير جائز ) عسب الفحل ضرابه وبيعه وأخذ عوضه وتسمى الأجرة عسب الفحل مجازا وإجارة الفحل للضراب حرام وبه قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك جوازه قال ابن عقيل ويحتمل عندي الجواز لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه وهذه منفعة مقصودة والماء تابع والغالب حصوله عقيب نزوه فيكون كالعقد على الظئر ليحصل اللبن في بطن الصبي ولنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع عسب الفحل رواه البخاري وعن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضراب الجمل رواه مسلم ولأنه مما لا يقدر على تسليمه فأشبه إجارة الآبق ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته ولأن المقصود هو الماء وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد وهو مجهول وإجارة الظئر خولف فيه الأصل لمصلحة بقاء الآدمي فلا يقاس عليه ما ليس مثله فعلى هذا إذا أعطى أجرة لعسب الفحل فهو حرام على الآخذ لما ذكرناه ولا يحرم على المعطى لأنه بذل ماله لتحصيل مباح يحتاج إليه ولا يمتنع هذا كما في كسب الحجام فإنه خبيث وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الذي حجمه وكذلك أجرة الكسح والصحابة أباحوا شراء المصاحف وكرهوا بيعها وإن أعطى صاحب الفحل هدية أو أكرمه من غير إجارة جاز وبه قال الشافعي لما روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا كان إكراما فلا بأس ولأنه سبب مباح فجاز أخذ الهدية عليه كالحجامة وقال أحمد في رواية ابن القاسم لا يأخذ
فقيل له ألا يكون مثل الحجام يعطي وإن كان منهيا عنه فقال لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى في مثل هذا شيئا كما بلغنا في الحجام ووجهه أن ما منع أخذ الأجرة عليه منع قبول الهدية كمهر البغي وحلوان الكاهن قال القاضي هذا مقتضى النظر لكن ترك مقتضاه في الحجام فيبقى فيما عداه على مقتضى القياس والذي ذكرناه أرفق بالناس وأوفق للقياس وكلام أحمد يحمل على الورع لا على التحريم مسألة قال ( والنجش منهي عنه وهو أن يزيد في السلعة وليس هو مشتريا لها ) النجش أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليقتدي به المستام فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه فيغتر بذلك فهذا حرام وخداع قال البخاري الناجش آكل ربا خائن وهو خدع باطل ولا يحل وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تلقوا الركبان ولا بيع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا بيع حاضر لباد متفق عليهما ولأن في ذلك تغريرا بالمشتري وخديعة له وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الخديعة في النار فإن اشترى مع النجش فالشراء صحيح في قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أن البيع باطل اختاره أبو بكر وهو قول مالك لأن النهي يقتضي الفساد ولنا إن النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد فلم يؤثر في البيع ولأن النهي لحق الآدمي فلم يفسد العقد كتلقي الركبان وبيع المعيب والمدلس وفارق ما كان لحق الله تعالى لأن حق الآدمي يمكن جبره بالخيار أو زيادة في الثمن لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فللمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء كما في تلقي الركبان وإن كان يتغابن بمثله فلا خيار له وسواء كان النجش بمواطأة من البائع أو لم يكن وقال أصحاب الشافعي إن لم يكن ذلك بمواطأة البائع وعلمه فلا خيار له واختلفوا فيما إذا كان بمواطأة منه فقال بعضهم لا خيار للمشتري لأن التفريط منه حيث اشترى ما لا يعرف قيمته ولنا إنه تغرير بالعاقد فإذا كان مغبونا ثبت له الخيار كما في تلقي الركبان ويبطل ما ذكره بتلقي الركبان فصل ولو قال البائع أعطيت بهذه السلعة كذا وكذا فصدقه المشتري واشتراها بذلك ثم بان كاذبا فالبيع صحيح وللمشتري الخيار أيضا لأنه في معنى النجش فصل وقوله عليه السلام لا يبع بعضكم على بيع بعض معناه أن الرجلين إذا تبايعا فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار فقال أنا أبيعك مثل هذه السلعة دون هذا الثمن أو أبيعك خيرا منها بثمنها أو دونه أو عرض عليه سلعة رغب فيها المشتري ففسخ البيع واشتري هذه فهذا غير جائز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه ولما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه وكذلك إن اشترى على شراء أخيه وهو أن يجيء إلى البائع قل لزوم العقد فيدفه في المبيع أكثر من الثمن الذي اشترى به فهو محرم أيضا لأنه في معنى المنهي عنه ولأن الشراء يسمى بيعا فيدخل في النهي ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب على خطبة أخبه وهو في معنى الخاطب فإن خالف وعقد فالبيع باطل لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد ويحتمل أنه صحيح لأن المحرم هو عرض سلعته على المشتري أو قوله الذي فسخ البيع من أجله وذلك سابق على البيع ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر فالبيع المحصل للمصلحة أولى ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش وهذا مذهب الشافعي فصل وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يسم الرجل على سوم أخيه ولا يخلو من أربعة أقسام أحدها أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري وهو الذي تناوله النهي
الثاني أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم باع فيمن يزيد فروى أنس أن رجلا من الأنصار شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الشدة والجهد فقال له أما بقي لك شيء فقال بلى قدح وحلس قال فأتني بهما فأتاه بهما فقال من يبتاعهما فقال رجل أخذتهما بدرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من يزيد على درهم من يزيد على درهم فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه رواه الترمذي وقال حديث حسن وهذا أيضا إجماع المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة الثالث أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا على عدمه فلا يجوز له السوم أيضا ولا الزيادة استدلالا بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية وأبا جهم خطباها فأمرها أن تنكح أسامة وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه كما نهى عن سوم أخيه فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر الرابع أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح فقال القاضي لا تحرم المساومة وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة استدلالا بحديث فاطمة ولأن الأصل إباحة السوم والخطبة فحرم منع ما وجد فيه التصريح بالرضا وما عداه يبقى على الأصل ولو قيل بالتحريم ههنا لكان وجها حسنا فإن النهي عام خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها فتبقى هذه الصورة على مقتضى العموم ولأنه وجد منه دليل الرضا أشبه ما لو صرح به ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي في الدلالة وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا لأنها جاءت مستشيرة للنبي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك دليلا على الرضا فكيف ترضى وقد نهاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا تفوتينا بنفسك فلم تكن تفعل شيئا قبل مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه في الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه فصل بيع التلجئة باطل وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة والشافعي هو صحيح لأن البيع تم بأركانه وشروطه خاليا عن مقارنة مفسد فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا البيع بغير شرط ولنا إنهما ما قصدا البيع فلم يصح منهما كالهازلين ومعنى بيع التلجئة أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره ملكه فيواطىء رجلا على أن يظهر أنه اشتراه منه ليحتمي بذلك ولا يريدان بيعا حقيقيا مسألة قال ( فإن باع حاضر لباد فالبيع باطل ) وهو أن يخرج الحضري إلى البادي وقد جلب السلعة فيعرفه السعر ويقول أنا أبيع لك فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض والبادي ههنا من يدخل البلدة من غير أهلها سواء كان بدويا أو من قرية أو بلدة أخرى نهى النبي صلى الله عليه وسلم الحاضر أن يبيع له قال ابن عباس نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد قال فقلت لابن عباس ما قوله حاضر لباد قال لا يكون له سمسارا متفق عليه وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض رواه مسلم وابن عمر وأبو هريرة وأنس والمعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص ويوسع عليهم السعر فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في تعليله إلى هذا المعنى وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله وابن عمر وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث والشافعي ونقل أبو إسحاق بن شاقلا في جملة سماعاته أن الحسن بن علي المصري سأل أحمد عن بيع حاضر لباد فقال لا بأس به
فقال له فالخبر الذي جاء بالنهي قال كان ذلك مرة فظاهر هذا صحة البيع وأن النهي اختص بأول الإسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك وهذا قول مجاهد وأبي حنيفة وأصحابه والمذهب الأول لعموم النهي وما يثبت في حقهم يثبت في حقا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل وظاهر كلام الخرقي أنه يحرم بثلاثة شروط أحدهما أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع له والثاني أن يكون البادي جاهلا بالسعر لقوله فيعرفه السعر ولا يكون التعريف إلا لجاهل وقد قال أحمد في رواية أبي طالب إذا كان البادي عارفا بالسعر لم يحرم والثالث أن يكون قد جلب السلع للبيع لقوله وقد جلب السلع والجالب هو الذي يأتي بالسلع ليبيعها وذكر القاضي شرطين آخرين أحدهما أن يكون مريدا لبيعها بسعر يومها الثاني أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه وضيق في تأخير بيعه وقال أصحاب الشافعي إنما يحرم بشروط أربعة وهي ما ذكرنا إلا حاججة الناس إلى متاعه فمتى اختل منها شرط لم يحرم البيع وإن اجتمعت هذه الشروط فالبيع حرام وقد صرح الخرقي ببطلانه ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد قال سألت أحمد عن الرجل الحضري ببيع للبدوي فقال أكره ذلك وأرد البيع في ذلك وعن أحمد رواية أخرى أن البيع صحيح وهو مذهب الشافعي لكون النهي لمعنى في غير المنهي عنه ولنا إنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه فصل فأما الشراء لهم فيصح عند أحمد وهو قول الحسن وكرهت طائفة الشراء لهم كما كرهت البيع يروى عن أنس قال كان يقال هي كلمة جامعة يقول لا تبيعن له شيئا ولا تبيعن له شيئا وعن مالك في ذلك روايتان ووجه القول الأول أن النهي غير متناول للشراء بلفظه ولا هو في معناه فإن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر ليتسع عليهم السعر ويزول عنهم الضرر وليس ذلك في الشراء لهم إذ لا ينضررون لعدم الغبن للبادين بل هو دفع الضرر عنهم والخلق في نظر الشارع على السواء فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر وأما إن أشار الحاضر على البادي من غير أن يباشر البيع له فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله والأوزاعي وابن المنذر وكرهه مالك والليث وقول الصحابي حجة ما لم يثبت خلافه فصل قال ابن حامد ليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون وهذا مذهب الشافعي وكان مالك يقول يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس به بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا واحتج له بما روى الشافعي وسعيد بن منصور عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر أنه مر بحاطب في سوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بكل درهم فقال له عمر قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون بسعرك فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت ولأن في ذلك إضرارا بالناس إذا زاد تبعه أصحاب المتاع وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع ولنا ما روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله غ السعر فسعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق إني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي سعيد مثله فوجه الدلالة من وجهين أحدهما أنه لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه الثاني أنه علل بكونه مظلمة والظلم حرام ولأنه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان كما اتفق الجماعة عليه قال بعض أصحابنا التسعير سبب الغلاء لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون
ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلا فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها فتغلوا الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه فيكون حراما فأما حديث عمر فقد روى فيه سعيد والشافعي أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع كيف شئت وهذا رجوع إلى ما قلنا وما ذكروه من الضرر موجود فيما باع في بيته ولا يمنع منه مسألة قال ( ونهى عن تلقي الركبان ) فإن تلقوا واشترى منهم فهم بالخيار إذا دخلوا السوق وعرفوا أنهم قد غبنوا إن أحبوا أن يفسخوا البيع فسخوا روي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب فيشترون منهم الأمتعة قبل أن تهبط الأسواق فربما غبنوهم غبنا بينا فيضرونهم وربما أضروا بأهل البلد لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم ولاذين يتلقونهم لا يبيعونها سريعا ويتربصون بها السعر فهو في معنى بيع الحاضر للبادي فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وروى طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لباد وعن أبي هريرة مثله متفقه عليهما وكرهه أكثر أهل العلم منهم عمر بن عبد العزيز ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وحكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسا وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع فإن خالف وتلقى الركبان واشتراى منهم فالبيع صحيح في قول الجميع وقاله ابن عبد البر وحكي عن أحمد رواية أخرى أن البيع فاسد لظاهر النهي والأول أصح لأن أبا هريرة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تلقوا الجلب فمن تلقاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار رواه مسلم والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح ولأن النهي لا لمعنى في البيع بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار فأشبه بيع المصراة وفارق بيع الحاضر للبادي فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار إذ ليس الضرر عليه إنما هو على المسلمين فإذا تقرر هذا فللبائع الخيار إذا علم أنه قد غبن وقال أصحاب الرأي لا خيار له وقد روينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ولا قول لأحد مع قوله وظاهر المذهب أنه لا خيار له إلا مع الغبن لأنه إنمال ثبت لأجل الخديعة ودفع الضرر ولا ضرر مع عدم الغبن وهذا ظاهر مذهب الشافعي ويحمل إطلاق الحديث في إثبات الخيار على هذا لعلمنا بمعناه ومراده لأنه معنى يتعلق الخيار بمثله ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار إذا أتى السوق فيفهم منه أنه أشار إلى معرفعته بالغبن في السوق ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع ولم يقدر الخرقي الغبن المثبت للخيار وينبغي أن يتقيد بما يخرج عن العادة لأن ما دون ذلك لا ينضبط وقال أصحاب مالك إنما نهى عن تلقي الركبان لما يفوت به من الرفق لأهل السوق لئلا يقطع عنهم ماله جلسوا من ابتغاء فضل الله تعالى قال ابن القاسم فإن تلقاها متلق فاشتراها عرضت على أهل السوق فيشتركون فيها وقال الليث بن سعد تباع في السوق وهذا مخالف لمدلول الحديث فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيار للبائع إذا دخل السوق ولم يجعلوا له خيارا وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيار له يدل على أن النهي عن تلقي الركبان لحقه لا لحق غيره ولأن الجالس في السوق كالمتلقي في أن كل واحد منهما مبتغ لفضل الله تعالى فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما وإلحاق الضرر به دفعا للضرر عن مثله وليس رعاية حق الجالس أولى من رعاية حق الملتقي ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في سلعته فلا يعرج على مثل هذا والله أعلم
فصل فإن تلقى الركبان فباعهم شيئا فهو بمنزلة الشراء منهم ولهم الخيار إذا غبنهم غبنا يخرج عن العادة وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقالوا في الآخر النهي عن الشراء دون البيع فلا يدخل البيع فيه وهذا مقتضى قول أصحاب مالك لأنهم عللوا ذلك بما ذكرنا عنهم ولا يتحقق ذلك في البيع لهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تلقوا الركبان والبائع داخل في هذا ولأن النهي عنه لما فيه من خديعتهم وغبنهم وهذا ف يالبيع كهو في الشراء والحديث قد جاء مطلقا ولو كان مختصا بالشراء لألحق به ما في معناه وهذا في معناه فصل فإن خرج لغير قصد التلقي فلقي ركبا فقال القاضي ليس له الابتياع منهم ولا الشراء وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ويحتمل أن لا يحرم عليه ذلك وهو قول الليث بن سعد والوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأنه لم يقصد التلقي فلم يتناوله النهي ووجه الأول أنه إنما نهى عن التلقي دفعا للخديعة والغبن عنهم وهذا متحقق سواء قصد التلقي أو لم يقصده فوجب المنع منه كما لو قصد فصل وإن تلقى الجلب في أعلى الأسواق فلا بأس فإن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تتلقى السلع حتى يهبط بها الأسواق رواه البخاري ولأنه إذا صار في السوق فق 9 ر في محل البيع والشراء فلم يدخل في النهي كالذي وصل إلى وسطها فصل والاحتكار حرام لما روي عن الأثرم عن أبي أمامة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطعام وروي أيضا بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من احتكر فهو خاطىء وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج مع أصحابه فرأى طعاما كثيرا قد ألقي على باب مكة فقال ما هذا الطعام فقالوا جلب إلينا فقال بارك الله فيه وفيمن جلبه فقيل له فإنه قد احتكر قال ومن احتكره قالوا فلان مولى عثمان وفلان مولاك فأرسل إليهما فقال ما حملكما على احتكار طعام المسلمين قالا نشتري بأموالنا ونبيع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتى يضر به الله بالجذام أو الإفلاس قال الراوي فأما مولى عثمان فباعه وقال والله لا أحتكره أبدا وأما مولى عمر فلم يبعه فرأيته مجذوما وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجالب مرزوق والمحتكر ملعون فصل والاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط أحدها أن يشتري فلو جلب شيئا أو أدخل من غلته شيئا فادخره لم يكن محتكرا روي عن الحسن ومالك وقال الأوزاعي الجالب ليس بمحتكر لقوله الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ولأن الجالب لا يضيق على أحد ولا يضر به بل ينفع فإن الناس إذا علموا عنده طعاما معدا للبيع كان ذلك أطيب لقلوبهم من عدمه الثاني أن يكون المشتري قوتا فأما الإدام والحلواء والعسل والزيت وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرم قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار قال إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره وهذا قول عبد الله بن عمرو وكان سعيد بن المسيب وهو راوي حديث الاحتكار يحتكر الزيت قال أبو داود كان يحتكر النوى والخيط والبزر ولأن هذه الأشياء مما لا تعم الحاجة إليها فأشبهت الثياب والحيوانات الثالث يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار كالحرمين والثغور قال أحمد الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور فظاهر هذا أن البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد ولابصرة ومصر لا يحرم فيها الاحتكار لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبا الثاني أن يكون في حال الضيق بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها ويضيقون على الناس فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحرم مسألة قال ( وبيع العصير ممن يتخذه خمرا باطل ) وجملة ذلك أن بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم وكرهه الشافعي