İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
لأن فضلته يمكن للجنب استعمالها ويحتمل أن الجنب أولى لأنه يستفيد بغسله ما لا يستفيد المحدث وإذا تغلب من غيره أو منه على الماء فاستعمله كان مسيئا وأجزأه لأن الآخر لم يملكه وإنما رجح لشدة حاجته فصل وهل يكره العادم جماع زوجته إذا لم يخف العنت فيه روايتان إحداهما يكره لأنه يفوت على نفسه طهارة ممكنا بقاؤها والثانية لا يكره وهو قول جابر بن زيد والحسن وقتادة والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وحكي عنالأوزاعي أنه إن كان بينه وبين أهله أربع ليال فليصب أهله وإن كان بينه ثلاث فما دونها فلا يصبها والأولى جواز إصابتها من غير كراهة لأن أبا ذر قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور فقال النبي صلى الله عليه وسلم الصعيد الطيب طهور رواه أبو داود والنسائي وأصاب ابن عباس من جارية له رومية وهو عادم للماء وصلى بأصحابه وفيهم عمار فلم ينكروه قال إسحاق بن راهوية هو سنة مسنونة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ذر وعمار وغيرهما فإذا فعلا ووجدا في الماء ما يغسلان به فرجيهما غسلاهما ثم تيمما وإن لم يجدا تيمما للجنابة والحدث الأصغر والنجاسة وصليا مسألة قال ( وإذا شد الكسير الجبائر وكان طاهرا ولم يعد بها موضع الكسر مسح عليها كلما أحدث إلى أن يحلها ) الجبائر ما يعد لوضعه على الكسر لينجبر وقوله ولم يعد بها موضع الكسر أراد لم يتجاوز الكسر إلا بما لا بد من وضع الجبيرة عليه فإن الجبيرة إنما توضع على طرفي الصحيح ليرجع الكسر قال الخلال كان أبا عبد الله استحب أن يتوقى أن يبسط الشد على الجرح بما يجاوره ثم سهل في مسألة الميموني والمروذي لأن هذا مما لا ينضيط وهو شديد جدا ولا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها والصحيح ما ذكرناه إن شاء الله لأنه إذا شدها على مكان يستغني عن شدها عليه كان تاركا لغسل ما يمكنه غسله من غير ضرر فلم يجز كما لو شدها على ما لا كسر فيه فإذا شدها على طهارة وخاف الضرر ينزعها فله أن يمسح عليها إلى أن يحلها وممن رأى المسح على العصائب ابن عمر وعبيد بن عمير وعطاء وأجاز المسح على الجبائر الحسن والنخعي ومالك وإسحاق والمزني وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي في أحد قوليه يعيد كل صلاة صلاها لأن الله تعالى أمر بالغسل ولم يأت به ولنا ما روى علي رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أمسح على الجبائر رواه ابن ماجة وحديث جابر في الذي أصابته الشجة ولأنه قول ابن عمر ولم يعرف له في الصحابة مخالف ولأنه مسح على حائل أبيح له المسح عليه فلم تجب معه الإعادة كالمسح على الخف فصل ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من خمسة أوجه أحدها أنه لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها والخف بخلاف ذلك والثاني أنه يجب استيعابها بالمسح لأنه لا ضرر في تعميمها به بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه ويتلفه المسح وإن كان بعضها في محل الفرض وبعضها في غيره مسح ما حاذى محل الفرض نص عليه أحمد الثالث أنه يمسح على الجبيرة من غير توقيت بيوم وليلة ولا ثلاثة أيام لأن مسحها للضرورة فيقدر بقدرها والضرورة تدعو في مسحها إلى حلها فيقدر بذلك دون غيره الرابع أنه يمسح عليها في الطهارة الكبرى بخلاف غيرها لأن الضرر يلحق بنزعها فيها بخلاف الخف الخامس أنه لا يشترط تقدم الطهارة على شدها في إحدى الروايتين اختاره الخلال وقال قد روى حرب وإسحاق والمروذي في ذلك سهولة عن أحمد
واحتج بابن عمر وكأنه ترك قوله الأول وهو أشبه لأن هذا مما لا ينضبط ويغلظ على الناس جدا فلا بأس به ويقوي هذا حديث جابر في الذي أصابته الشجة فإنه قال إنما كان يجزئه أن يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ولم يذكر الطهارة وكذلك أمر عليا أن يمسح على الجبائر ولم يشترط طهارة ولأن المسح عليها جاز دفعا لمشقة نزعها ونزعها يشق إذا لبسها عى غير طهارة كمشتقه إذا لبسها على طهارة والرواية الثانية لا يمسح عليها إلا أن يشدها على طهارة وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه حائل يمسح عليه فكان من شرط المسح عليه تقدم الطهارة كسائر الممسوحات فعلى هذا إذا لبسها على غير طهارة ثم خاف من نزعها تيمم لها وكذا إذا تجاوز بالشد عليها موضع الحاجة وخاف من نزعها تيمم لها لأنه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه فيتيمم له كالجرح نفسه فصل ولا يحتاج مع مسحها إلى تيمم ويحتمل أن يتيمم مع مسحها فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة لأن ما على موضع الحاجة يقتضي المسح والزائد يقتضي التيمم وكذلك فيما إذا شدها على غير طهارة لأنها مختلف في إباحة المسح عليها فإذا قلنا لا يمسح عليها كان فرضها التيمم وعلى القول الآخر يكون فرضها المسح فإذا جمع بيهما خرج من الخلاف ومذهب الشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة لحديث جابر في الذي أصابته الشجة ولنا إنه محل واحد فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف ولأه ممسوح في طهارة فلم يجب له التيمم كالخف وصاحب الشجة الظاهر أنه لبسها على غير طهارة فصل ولا فرق بين كون الشد على كسر أو جرح قال أحمد إذا توضأ وخاف على جرحه الماء مسح على الخرقة وحديث جابر في صاحب الشجة إنما هو في المسح على عصابة جرح لأن الشجة اسم لجرح الرأس خاصة ولأنه حائل موضع يخاف الضرر بغسله فأشبه الشد على الكسر وكذلك إن وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه مسح عليه نص عليه أحمد قال الأثرم سألت أبا عبد الله عن الجرح يكون بالرجل يضع عليه الدواء فيخاف إن نزع الدواء إذا أراد الوضوء أن يؤذيه قال ما أدري ما يؤذيه ولكن إذا خاف على نفسه أو خوف من ذلك مسح عليه وروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه خرجت بإبهامه قرحة فأقلمها مرارة فكان يتوضأ عليها ولو انقطع إنسان أو كان بأصبه جرح خاف إن أصابه االماء أن يرزق الجرح جاز المسح عليه نص عليه أحمد وقال القاضي في اللصوق على الجرح إن لم يكن في نزعه ضرر نزعه وغسل الصحيح ويتيمم للجرح ويمسح على موضع الجرح فإن كان في نزعه ضرر حكم الجبيرة يمسح عليه فصل فإن كان في رجله شق فجعل فيه قيرا فقال أحمد ينزعه ولا يمسح عليه وقال هذا أهون هذا لا يخاف منه فقيل له متى يسع صاحب الجرح أن يمسح على الجرح فقال إذا خشي أن يزداد وجعا أو شدة وتعليل أحمد في القير بسهولته يقتضي أنه متى كان على شيء يخاف منه جاز المسح عليه كما قلنا في الأصبع المجروحة إذا جعل عليها مرارة أو عصبها مسحها وقال مالك في الظفر يسقط يكسوه مصطكا ويمسح عليه وهو قول أصحاب الرأي فصل وإذا لم يكن على الجرح عصاب فقد ذكرنا فيما تقدم أنه يغسل الصحيح ويتيمم للجرح وقد روى حنبل عن أحمد في المجروح والمجدوء يخاف عليه يمسح موضع الجرح ويغسل ما حوله يعني يمسح إذا لم يكن عليه عصاب باب المسح على الخفين المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم
حكى ابن المنذر عن ابن المبارك قال ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز وعن الحسن قال حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وروى البخاري عن سعد بن مالك والمغيرة وعمرو بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وروى أبو داود عن جرير بن عبد الله أنه توضأ ومسح على الخفين فقيل له أتفعل هذا قال ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح فقيل له قبل نزول المائدة أو بعده فقال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة وفي رواية أنه قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة متفق عليه ورواه حذيفة والمغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليهما قال أحمد ليس في قلبي من المسح شيء وفيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رفعوا إلى النبي وما وقفوا فصل وروي عن أحمد أنه قال المسح أفضل يعني من الغسل لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما طلبوا الفضل وهذا مذهب الشافعي والحكم وإسحاق لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أننه قال إن الله يحب أن يؤخذ برخصه وما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ولأن فيه مخالفة أهل البدع وقد روي عن سفيان الثوري أنه قال لشعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين أفضل من الغسل وروى حنبل عنأحمد أنه قال كله جائز المسح والغسل ما في قلبي من المسح شيء ولا من الغسل وهذا قول ابن المنذر وروي عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا على خفافهم وخلع خفيه وتوضأ وقال حبب إلي الوضوء وقال ابن عمر إني لمولع بغسل قدمي فلا تقتدوا بي وقيل الغسل أفضل أنه المفروض في كتاب الله تعالى والمسح رخصة وقد ذكرنا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب أن تقبل رخصه مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( ومن لبس خفيه وهو كامل الطهارة ثم أحدث مسح عليهما ) لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح خلافا ووجهه ما روى المغيرة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما متفق عليه فأما إن غسل إحدى رجليه فأدخلهما الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح أيضا وهو قول الشافعي وإسحاق ونحوه عن مالك وحكى بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد أنه يجوز المسح رواها أبو طالب عنه وهو قوليحيى بن آدم وأبي ثور وأصحاب الرأي لأنه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس فجاز المسح كما لو نزع الخف الأول ثم عاد فلبسه وقيل أيضا فيمن غسل رجليه ولبس خفيه ثم غسل بقية أعضائه يجوز له المسح وذلك مبني على أن الترتيب غير واجب في الوضوء وقد سبق ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين وفي لفظ لأبي داود دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان فجعل العلة وجود الطهارة فيهما جميعا وقت إدخالهما ولم توجد طهارتهما وقت لبس الأول ولأن ما اعتبرت له الطهارة اعتبر له كمالها كالصلاة ومس المصحف ولأن الأول خف ملبوس قبل رفع الحدث فلم يجز المسح عليه كما لو لبسه قبل غسل قدميه ودليل بقاء الحدث أنه لا يجوز له مس المصحف بالعضو المغسول فأما إذا نزع الخف الأول ثم لبسه فقد لبسه بعد كمال الطهارة وقول الخرقي ثم أحدث يعني الحدث الأصغر فإن جواز المسح مختص به ولا يجزىء المسح في جنابة ولا غسل واجب ولا مستحب لا نعلم في هذا خلافا
وقد روي صفوان بن عسال المرادي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم رواه الترمذي وقال حديث صحيح ولأن وجوب الغسل يندر فلا يشق إيجاب غسل القدم بخلاف الطهارة الصغرى ولذلك وجب غسل ما تحت الشعور الكثيفة وهكذا الحكم في العمامة وسائر الحوائل إلا الجبيرة وما في معناها فصل فإن تطهر ثم لبس الخف فأحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف لم يجز له المسح لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث فصل فإن تيمم ثم لبس الخف لم يكن له المسح لأنه لبسه على طهارة غير كاملة ولأنها طهارة ضرورة بطلت من أصلها فصار كاللابس له على غير طهارة ولأن التيمم لا يرفع الحدث فقد لبسه وهو محدث وإن تطهرت المستحاضة ومن به سلس البول وشبههما ولبسوا خفافا فلهم المسح عليها نص عليه أحمد لأن طهارتهم كاملة في حقهم قالابن عقيل لأنها مضطرة إلى الترخص وأحق من ترخص المضطر فإن انقطع الدم وزالت الضرورة بطلت الطهارة من أصلها ولم يكن لها المسح كالمتيمم إذا وجد الماء فصل إذا لبس خفين ثم أحدث أو لبس فوقهما خفين أو جرموقين لم يجز المسح عليهما بغير خلاف لأنهما لبسهما على حدث وإن مسح على الأولين ثم لبس الجرموقين لم يجز المسح عليهما أيضا ولأصحاب الشافعي وجه في تجويزه لأن المسح قائم مقام غسل القدم ولنا إن المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل فكأنه لبسه على حدث ولأن الخف الممسوح عليه بدل والبدل لا يكون له بدل ولأنه لبسه على طهارة غير كاملة فأشبه المتيمم وإن لبس الفوقاني قبل أن يحدث جاز المسح عليه بكل حال سواء كان الذي تحته صحيحا أو مخرقا وهو قول الحسن بن صالح والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي ومنع منه مالك في إحدى روايتيه والشافعي في أحد قوليه لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب فلا يتعلق به رخصة عامة كالجبيرة ولنا إنه خف ساتر يمكن متابعة الشيء فيه أشبه المفرد وكما لو كان الذي تحته مخرقا وقوله الحاجة تدعو إليه ممنوع فإن البلاد الباردة لا يكفي فيها خف واحد غالبا ولو سلمنا ذلك ولكن الحاجة معتبرة بدليلها وهو الإقدام على اللبس لا بنفسها فهو كالخف الواحد إذا ثبت هذا فمتى نزع الفوقاني قبل مسحه لم يؤثر ذلك وكان لبسه كعدمه وإن نزعه بعد مسحه بطلت الطهارة ووجب نزع الخفين وغسل الرجلين لزوال محل المسح ونزع أحد الخفين كنزعهما لأن الرخصة تعلقت بهما فصار كانكشاف القدم ولو أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته جاز لأن كل منهما محل للمسح فجاز المسح على ما شاء منهما كما يجوز غسل قدمه في الخف مع أن له المسح عليه ولو لبس أحد الجرموقين في إحدي الرجلين دون الأخرى جاز المسح عليه وعلى الخف الذي في الرجل الأخرى لأن الحكم تعلق به وبالخف في الرجل الأخرى فهو كما لو لم يكن تحته شيء فإن لبس خفا مخرقا فوق صحيح فعن أحمد جواز المسح قال في رواية حرب الخف المخرق إذا كان في رجليه جورب مسح وإن كان الخف منخرقا وأما إن كان تحته لفائف أو خرق فلا يجوز المسح نصل عليه أحمد في مواضع ووجهه أن القدم مستور بما يجوز المسح عليه فجاز المسح كما لو كان السفلاني مكشوفا بخلاف ما إذا كان تحته لفافة وقالالقاضي وأصحابه لا يجوز المسح إلا على التحتاني لأن الفوقاني لا يجوز المسح عليه مفردا فلم يجز المسح عليه مع غيره كالذي تحته لفافة وإن لبس مخرقا على مخرق فاستتر القدم بهما احتمل أن يكون كالتي قبلها لأن القدم مستور بالخفين فأشبه المستور بالصحيحين أو صحيح ومخرق واحتمل أن لا يجوز لأن القدم لم يستتر بخف صحيح بخلاف التي قبلها
فصل وإن لبس الخف بعد طهارة مسح فيها على العمامة أو العمامة بعد طهارة مسح فيها على الخف فقال بعض أصحابنا ظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز المسح لأنه لبس على طهارة ممسوح فيها على بدل فلم يستحب المسح باللبس فيها كما لو لبس خفا على طهارة ومسح فيها على خف وقال القاضي يحتمل جواز المسح لأنها طهارة كاملة وكل واحد منهما ليس ببدل عن الآخر بخلاف الخف الملبوس على خف ممسوح عليه فصل وإن لبس الجبيرة على طهارة مسح فيها على خف أو عمامة وقلنا ليس من شرطها الطهارة جاز المسح بكل حال وإن اشترطنا لها الطهارة احتمل أن يكون كالعمامة الملبوسة على طهارة مسح فيها على الخف واحتمل جواز المسح بكل حال لأن مسحها عزيمة وإن لبس الخف على طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح عليه لأنها عزيمة ولأنها إن كانت ناقصة فهو لنقص لم يزل فلم يمنع جواز المسح كنقص طهارة المستحاضة قبل زوال عذرها وإن لبس الجبيرة على طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح لما ذكرناه مسألة قال ( يوما وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ) قال أحمد التوقيت ما أثبت في المسح على الخفين قيل له تذهب إليه قال نعم وهو من وجوه وبهذا قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبو زيد وشريح وعطاء والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال الليث يمسح ما بدا له وكذلك قال مالك في المسافر وله في المقيم روايتان إحداهما يمسح من غير توقيت والثانية لا يمسح لما روى أبي بن عمارة قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسح على الخفين قال نعم قلت يوما قال يوما قلت ويومين قال ويومين قلت وثلاثة قال وما شئت رواه أبو داود ولأنه مسح في طهارة فلم يتوقت كمسح الرأس والجبيرة ولنا ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه مسلم وحديث صفوان بن عسال وقد ذكرناه وعن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه الإمام أحمد وقال هو أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في غزوة تبوك وهي آخر غزاة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخر فعله وحديثهم ليس بالقوي قاله أبو داود وفي إسناده مجاهيل منهم عبد الرحمن بن رزين وأيوب بن قطن ومحمد بن زايد ويحتمل أنه يمسح ما شاء إذ نزعهما عند انتهاء مدته ثم لبسهما ويحتمل أنه قال وما شئت من اليوم واليومين والثلاثة ويحتمل أنه منسوخ بأحاديثنا لأنها متأخرة لكون حديث عوف في غزوة تبوك وليس بينها وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شيء يسير وقياسهم ينتقض بالتيمم فصل إذا انقضت المدة بطل الوضوء وليس له المسح إلا أن ينزعهما ثم يلبسهما على طهارة كاملة وفيه رواية أخرى أنه يجزئه غسل قدميه كما لو خلعهما وسنذكر ذلك والخلاف فيه إن شاء الله وقال الحسن لا يبطل الوضوء ويصلي حتى يحدث ثم لا يمسح بعد حتى ينزعهما وقال داود ينزع خفيه ولا يصلي فيهما فإذا نزعهما صلى حتى يحدث لأن الطهارة لا تبطل إلا بحدث ونزع الخف ليس بحدث وكذلك انقضاء المدة ولنا أن غسل الرجلين شرط للصلاة وإنما قام المسح مقامه في المدة فإذا انقضت لم يجز أن يقوم مقامه إلا بدليل ولأنها طهارة لا يجوز ابتداؤها فيمنع من استدامتها كالمتيمم عند رؤية الماء مسألة قال ( فإن خلع قبل ذلك أعاد الوضوء ) يعني قبل انقضاء المدة إذا خلع خفيه بعد المسح عليهما بطل وضوؤه وبه قال النخعي والزهري ومكحول والأوزاعي وإسحاق وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه يجزئه غسل قدميه
وهو مذهب أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي ولأن مسح الخفين ناب من غسل الرجلين خاصة فطهورهما يبطل ما ناب كالتيمم إذا بطل برؤية الماء وجب ما ناب عنه وهذا الاختلاف مبني على وجوب الموالاة في الوضوء فمن أجاز التفريق جوز غسل القدمين لأن سائر أعضائه مغسولة ولم يبق إلا غسل قدميه فإذا غسلهما كمل وضوءه ومن منع التفريق أبطل وضوءه لفوات الموالاة فعلى هذا لو خلع الخفين قبل جفاف الماء عن يديه أجزأه غسل قدميه وصار كأنه خلعهما قبل مسحه عليهما وقال الحسن وقتادة وسليمان بن حرب لا يتوضأ ولا يغسل قدميه لأنه أزال الممسوح عليه بعد كمال الطهارة فأشبه ما لو حلق رأسه بعد المسح عليه أو قلم أظفاره بعد غسلهما ولأن النزع ليس بحدث والطهارة لا تبطل إلا بالحدث ولنا إن الوضوء بطل في بعض الأعضاء فبطل في جميعها كما لو أحدث وما ذكروه يبطل بنزع أحد الخفين فإنه يبطل الطهارة في القدمين جميعا وإنما ناب مسحه عن أحدهما وأما التيمم عن بعض الأعضاء إذا بطل فقد سبق القول فيه في موضعه وحكي عن مالك أنه إذا خلع خفيه غسل قدميه مكانه وصحت طهارته وإن أخره استأنف الطهارة لأن الطهارة كانت صحيحة في جميع الأعضاء إلى حين نزع الخفين أو انقضاء المدة وإنما بطلت في القدمين خاصة فإذا غسلهما عقب النزع لم تفت الموالاة لقرب غسلهما من الطهارة الصحيحة في بقية الأعضاء بخلاف ما إذا تراخى غسلهما ولا يصح لأن المسح قد بطل حكمه وصار الآن نضيف الغسل إلى الغسل فلم يبق للمسح حكم ولأن الاعتبار في الموالاة إنما هو لقرب الغسل من الغسل لا من حكمه فإنه متى زال حكم الغسل بطلت الطهارة ولم ينفع قرب الغسل شيئا لكون الحكم لا يعود بعد زواله إلا بسبب جديد فصل وإن نزع العمامة بعد مسحها بطلت طهارته أيضا وعلى الرواية الأخرى يلزمه مسح رأسه وغسل قدميه ليحصل الترتيب ولو نزع الجبيرة بعد مسحها فهو كنزع العمامة إلا أنه إن كان مسح عليها في غسل يعم البدن لم يحتج إلى إعادة غسل ولا وضوء لأن الترتيب والموالاة ساقطان فيه فصل ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي ويلزمه نزع الآخر وقال الزهري يغسل القدم الذي نزع الخف منه ويمسح الآخر لأنهما عضوان فأشبها الرأس والقدم ولنا إنهما في الحكم كعضو واحد ولهذا لا يجب ترتيب أحدهما على الآخر فيبطل مسح أحدهما بظهور الآخر كالرجل الواحدة وبهذا فارق الرأس والقدم فصل وانكشاف بعض القدم من خرق كنزع الخف فإن انكشفت طهارته وبقيت بطانته لم تضر لأن القدم مستورة بما يتبع الخف في البيع فأشبه ما لو لم ينكشط فصل وإن أخرج رجله إلى ساق الخف فهو كخلعه وبهذا قال إسحاق وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يبين لي أن عليه الوضوء لأن الرجل لم تظهر وحكى أبو الخطاب في رؤوس المسائل عن أحمد رواية أخرى كذلك ولنا إن استقرار الرجل في الخف شرط جواز المسح بدليل ما لو أدخل الخف فأحدث قبل استقرارها فيه لم يكن له المسح فإذا تغير الاستقرار زال شرط جواز المسح فيبطل المسح لزوال شرطه كزوال استتاره وإن كان إخراج القدم إلى ما دون ذلك لم يبطل المسح لأنها لم تزل عن مستقرها فصل كره أحمد لبس الخفين وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما لأن الصلاة مكروهة بهذه الطهارة واللبس يراد ليمسح عليه للصلاة وكان إبراهيم النخعي إذا أراد أن يبول لبس خفيه ولا يرى الأمر في ذلك واسعا لأن الطهارة كاملة فأشبه ما لو لبسه إذا خاف غلبة النعاس وإنما كرهت الصلاة لأن اشتغال قبله بمدافعة الأخبثين يذهب بخشوع الصلاة ويمنع الإتيان بها على الكمال وربما حمله ذلك على العجلة فيها ولا يضر ذلك في اللبس مسألة قال ( ولو أحدث وهو مقيم فلم يمسح حتى سافر أتم على مسح مسافر منذ كان الحدث )
لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من لم يمسح حتى سافر أنه يتم مسح المسافر وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن وهو حال ابتدائه بالمسح كان مسافرا وقوله منذ كان الحدث يعني ابتداء المدة من حين أحدث بعد لبس الخف هذا ظاهر مذهب أحمد وهو مذهب الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروي عنأحمد رواية أخرى أن ابتداءها من حين مسح بعد أن أحدث ويروي ذلك عن عمر رضي الله عنه فروى الخلال عنه أنه قال مسح إلى مثل ساعتك التي مسحت وفي لفظ قال يمسح المسافر إلى الساعة التي توضأ فيها واحتج أحمد بظاهر الحديث قوله صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر على خفيه ثلاثة أيام ولياليهن ولأن ما قبل المسح مدة لم تبح الصلاة بمسح الخف فيها فلم تحسب من المدة كما قبل الحدث وقال الشعبي وأبو ثور وإسحاق يمسح المقيم خمس صلوات لا يزيد عليها ولنا ما نقله القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان من الحدث إلى الحدث ولأن ما بعد الحدث زمان يستباح فيه المسح فكان من وقته كبعد المسح والخبر أراد أنه يستبيح المسح دون فعله والله أعلم وأما تقديره بعدد الصلوات فلا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قدره بالوقت دون الفعل فعلى هذا يمكن المقيم أن يصلي بالمسح ست صلوات وهو أن يؤخر الصلاة ثم يمسح ويصليها ووفي اليوم الثاني يعجلها فيصليها في أول وقتها قبل انقضاء مدة المسح وإن كان له عذر يبيح الجمع من سفر أو غيره أمكنه أن يصلي سبع صلوات مسألة قال ( ولو أحدث مقيما ثم مسح مقيما ثم سافر أتم على مسح مقيم ثم خلع ) اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة فروي عنه مثل ما ذكر الخرقي وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق وروي عنه أنه يمسح مسح المسافر سواء مسح في الحضر لصلاة أو أكثر منها بعد أن لا تنقضي مدة المسح وهو حاضر وهو مذهب أبي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن وهذا مسافر ولأنه سافر قبل كمال مدة المسح فأشبه من سافر قبل المسح بعد الحدث وهذا اختير الخلال وصاحبه أبي بكر وقال الخلال رجع أحمد عن وقله الأول إلى هذا وجه قول الخرقي أنها عبادة تختلف بالحضر والسفر وجد أحد طرفيها في الحضر فغلب فيها حكم الحضر كالصلاة والخبر يقتضي أن يمسح المسافر ثلاثا في سفره وهذا يتناول من ابتدأ المسح في سفره وفي مسألتنا يحتسب بالمدة التي مضت في الحضر فصل فإن شك هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر بنى على مسح حاضر لأنه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته فإن ذكر بعد أنه كان قد ابتدأ المسح في السفر جاز البناء على مسح مسافر وإن كان قد صلى بعد اليوم والليلة مع الشك ثم تيقن فعليه إعادة ما صلى مع الشك لأنه صلى بطهارة لم يكن له أن يصلي بها فهو كما لو صلى يعتقد أنه محدث ثم ذكر أنه كان على وضوئه كانت طهارته صحيحة وعليه إعادة الصلاة وإن كان مسح مع الشك صح لأن الطهارة تصح مع الشك في سببها ألا ترى أنه لو شك في الحدث فتوضأ ينوي رفع الحدث ثم تيقن أنه كان محدثا أجزأه وعكسه ما لو شك في دخول الوقت فصلى ثم تيقن أنه كان قد دخل لم يجزه وكذلك إن شك الماسح في وقت الحدث بنى على الأحوط عنده وهذا التفريع على الرواية الأولى فأما على الثانية فإنه يمسح مسح المسافر على كل حال مسألة قال ( وإذا مسح مسافر أقل من يوم وليلة ثم أقام أو قدم أتم على مسح مقيم وخلع وإذا مسح مسافر يوما وليلة فصاعدا ثم أقام أو قدم خلع ) وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه مخالفا لأنه صار مقيما لم يجز له أن يمسح مسح المسافر كمحل الوفاق ولأن المسح عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر
فإذا ابتدأها في السفر حضر في أثنائها غلب حكم الحضر كالصلاة فعل هذا لو مسح أكثر من يوم وليلة ثم دخل في الصلاة فنوى الإقامة في أثنائها بطلت صلاته لأنه قد بطل المسح فبطلت طهارته فبطلت صلاته لبطلانها ولو تلبس بالصلاة في سفينة فدخلت البلد في أثنائها بطلت صلاته لذلك مسألة قال ( ولا يمسح إلا على الخفين أو ما يقوم مقامهما من مقطوع أو ما أشبه مما يجوز الكعبين ) معناه والله أعلم يقوم مقام الخفين في ستر محل الفرض وإمكان المشي فيه وثبوته بنفسه والمقطوع من الخف القصير الساق وإنما يجوز المسح عليه إذا كان ساترا لمحل الفرض لا يرى منه الكعبان لكون ضيقا أو مشدودا وبهذا قال الشافعي وأبو ثور ولو كان مقطوعا من دون الكعبين لم يجز المسح عليه وهذا الصحيح عن مالك وحكي عنه وعن الأوزاعي جواز المسح لأنه خف يمكن متابعة المشي فيه فأشبه الساتر ولنا إنه لا يستر محل الفرض فأشبه اللالكة والنعلين فصل ولو كان للخف قدم وله شرج محاذ لمحل الفرض جاز المسح عليه إذا كان الشرج مشدودا يستر القدم ولم يكن فيه خلل يبين منه محل الفرض وقال أبو الحسن الآمدي لا يجوز ولنا أنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه فأشبه غير ذي الشرج فإن كان الخف محرما كالقصب والحرير لم يستبح المسح عليه في الصحيح من المذهب وإن مسح عليه وصلى أعاد الطهارة والصلاة لأنه عاص بلبسه فلم تستبح به الرخصة كما لا يستبيح المسافر رخص السفر لسفر المعصية ولو سافر لمعصية لم يستحب المسح أكثر من يوم وليلة لأن يوما وليلة غير مختصة بالسفر ولا هي من رخصه فأشبه غير الرخص بخلاف ما زاد على يوم وليلة فإنه من رخص السفر فلم يستبحه بسفر المعصية كالقصر والجمع فصل ويجوز المسح على كل خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه سواء كان من جلود أو لبود وما أشبهها فإن كان خشبا أو حديدا أو نحوهما فقال بعض أصحابنا لا يجوز المسح عليها لأن الرخصة وردت في الخفاف المتعارفة للحاجة ولا تدعو الحاجة إلى المسح على هذه في الغالب وقال القاضي قياس المذهب جواز المسح عليها لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه أشبه الجلود مسألة قال ( وكذلك الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه ) إنما يجوز المسح على الجورب بالشرطين اللذين ذكرناهما في الخف أحدهما أن يكون صفيقا لا يبدو منه شيء من القدم والثاني أن يمكن متابعة المشي فيه هذا ظاهر كلام الخرقي قالأحمد في المسح على الجوربين بغير نعل إذا كان يمشي عليهما ويثبتان في رجليه فلا بأس وفي موضع قال يمسح عليهما إذا ثبتا في العقب وفي موضع قال إن كان يمشي فيه فلا ينثني فلا بأس بالمسح عليه فإنه إذا انثنى ظهر موضع الوضوء ولا يعتبر أن يكونا مجلدين قال أحمد يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن المنذر ويروى أباحه المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وعمار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن أبي أوفى وسهل بن سعد وبه قال عطاء والحسن وسعيد بن المسيب والنخعي وسعيد بن جبير والأعمش والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك وإسحاق ويعقوب ومحمد وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي ومجاهد وعمرو بن دينار والحسن بن مسلم والشافعي لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا لأنهما لا يمكن متابعة المشي فيهما فلم يجز المسح عليهما كالرقيقين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وهذا يدل على أن النعلين لم يكونا عليهما لأنهما لو كانا كذلك لم يذكر النعلين فإنه لا يقال مسحت على الخف ونعله ولأن الصحابة رضي الله عنهم مسحوا على الجوارب ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا ولأنه ساتر لمحل الفرض يثبت في القدم فجاز المسح عليه كالنعل
وقولهم لا يمكن متابعة المشي فيه قلنا لا يجوز المسح عليه إلا أن يكون مما يثبت بنفسه ويمكن متابعة المشي فيه وأما الرقيق فليس بساتر فصل وقد سئل أحمد عن جورب لخرق يمسح عليه فكره الخرق ولعل أحمد كرهها لأن الغالب عليها الخفة وأنها لا تثبت بأنفسها فإن كانت مثل جورب الصوف في الصفاقة والثبوت فلا فرق وقد قال أحمد في موضع لا يجزئه المسح على الجورب حتى يكون جوربا صفيقا يقوم قائما في رجله لا ينكسر مثل الخفين إنما مسح القوم على الجوربين أنه كان عندهم بمنزلة الخف يقوم مقام الخف في رجل الرجل يذهب فيه الرجل ويجيء مسألة قال ( فإن كان يثبت بالنعل مسح فإذا خلع النعل انتقضت الطهارة ) يعني أن الجورب إذا لم يثبت بنفسه وثبت بلبس النعل أبيح المسح عليه وتنتقض الطهارة بخلع النعل لأن ثبوت الجورب أحد شرطي جواز المسح وإنما حصل بلبس النعل فإذا خلعها زال الشرط فبطلت الطهارة كما لو ظهر القدم والأصل في هذا حديث المغيرة وقوله مسح على الجوربين والنعلين قال القاضي ويمسح على الجورب والنعل كما جاء الحديث والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم فأما أسفله وعقبه لا يسن مسحه من الخف فكذلك من النعل مسألة قال ( وإذا كان في الخف خرق يبدو منه بعض القدم لم يجز المسح عليه ) وجملته أنه إنما يجوز المسح على الخف ونحوه إذا كان ساترا لمحل الفرض فإن ظهر من محل الفرض شيء لم يجز المسح وإن كان يسيرا منم موضع الخرز أو من غيره إذا كان يرى منه القدم وإن كان فيه شق ينضم ولا يبدو منه القدم لم يمنع جواز المسح نص عليه أحمد وهو مذهب معمر وأحد قولي الشافعي وقال الثوري ويزيد بن هارون وإسحاق وابن المنذر يجوز المسح على خف وقال الأوزاعي يمسح على الخف المخرق وعلى ما ظهر من رجله وقال أبو حنيفة إن تخرق قدر ثلاث أصابع لم يجز وإن كان أقل جاز ونحوه قال الحسن وقال مالك إن كثر وتفاحش لم يجز وإلا جاز وتعلقوا بعموم الحديث وبأنه خف يمكن متابعة المشي فيه فأشبه الصحيح ولأن الغالب على خفاف العرب كونها مخرقة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمسحها من غير تفصيل فينصرف إلى الخفاف الملبوسة عندهم غالبا ولنا إنه غير ساتر للقدم فلم يجز المسح عليه كما لو كثر وتفاحش أو قياسا على غير الخف ولأن حكم ما ظهر الغسل وما استتر المسح فإذا اجتمعا غلب حكم الغسل كما لو انكشفت إحدى قدميه فصل ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق نص عليه أحمد وقيل له إن أهل الجبل يلفون على أرجلهم لفائف إلى نصف الساق قال لا يجزئه المسح على ذلك إلا أن يكون جوربا وذلك لأن اللفافة لا تثبت بنفسها إنما تثبت بشدها ولا نعلم في هذا خلافا مسألة قال ( ويمسح على ظاهر القدم ) السنة مسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه فيضع يده على موضع الأصابع ثم يجرها إلى ساقه خطا بأصابعه وإن مسح من ساقه إلى أصابعه جاز والأول المسنون ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه بذلك قال عروة وعطاء والحسن والنخعي والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وروي عن سعد أنه كان يرى مسح ظاهره وباطنه وروي أيضا عن ابن عمر وعمر بن عبد العزي والزهري ومكحول وابن المبارك ومالك والشافعي لما روى المغيرة بن شعبة قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح أعلى الخف وأسفله رواه ابن ماجة ولأنه يحاذي محل الفرض فأشبه ظاهره ولنا قول علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان أسفل لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه رواه أبو داود وعن المغيرة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما رواه أبو داود والترمذي
وقال حديث حسن صحيح وعن عمر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان رواه الخلال بإسناده ولأن باطنه ليس بمحل لفرض المسح فلم يكن محلا لمسنونه كساقه ولأن مسحه غير واجب لا يكاد يسلم من مباشرة أذى فيه تتنجس يده به فكان تركه أولى وحديثهم معلول قاله الترمذي قال وسألت أبا زرعة ومحمدا يعني البخاري عنه فقالا ليس بصحيح وقال أحمد هذا من وجه ضعيف رواه رجاء بن حيوة عن وراد كاتب المغيرة ولم يلقه وأسفل الخف ليس بمحل لفرض المسح بخلاف أعلاه فصل والمجزىء في المسح أن يمسح أكثر مقدم ظاهره خطوطا بالأصابع وقال الشافعي يجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح لأنه أطلق لفظ المسح ولم ينقل فيه تقدير فوجب الرجوع إلى ما يتناوله الاسم وقال أبو حنيفة يجزئه قدر ثلاث أصابع لقول الحسن سنة المسح خطط بالأصابع فينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأقل لفظ الجمع ثلاث ولنا أن لفظ المسح ورد مطلقا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله فيجب الرجوع إلى تفسيره وقد روى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة فذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم توضأ ومسح على الخفين فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين وقال ابن عقيل سنة المسح هكذا أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى وقال أحمد كيفما فعله فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين وقول الحسن مع ما ذكرنا لا يتنافيان فصل فإن مسح بخرقة أو خشبة احتمل الإجزاء لأنه مسح على خفيه واحتمل المنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده وإن مسح بأصبع أو أصبعين أجزأه إذا كرر المسح بها حتى يصير مثل المسح بأصابعه وقيل لأحمد يمسح بالراحتين أو بالأصابع قال بالأصابع قيل له أيجزئه بأصبعين قال لم أسمع فصل وإن غسل الخف فتوقف أحمد وأجازه ابن حامد لأنه أبلغ من المسح قال القاضي لا يجزئه لأنه أمر بالمسح ولم يفعله فلم يجزه كما لو طرح التراب على وجهه ويديه في التيمم لكن إن أمر يديه على الخفين في حال الغسل أو بعده أجزأه لأنه قد مسح مسألة قال ( وإن مسح أسفله دون أعلاه لم يجزه ) لا نعلم أحدا قال يجزئه مسح أسفل الخف إلا أشهب من أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي لأنه مسح بعض ما يحاذي محل الفرض فأجزأه كما لو مسح ظاهره والمنصوص عن الشافعي أنه لا يجزئه لأنه ليس محلا لفرض المسح فلم يجزىء مسحه كالساق وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما مسح ظاهر الخف ولا خلاف في أنه يجزىء مسح ظاهره قال ابن المنذر لا أعلم أحدا يقول بالمسح على الخفين يقول لا يجزىء المسح على أعلى الخف فصل والحكم في المسح على عقب الخف كالحكم في مسح أسفله لأنه ليس بمحل لفرض المسح فيه كأسفله مسألة قال ( والرجل والمرأة في ذلك سواء ) يعني في المسح على الخفاف وسائر أحكامه وشروطه لعموم الخبر ولأنه مسح أقيم مقام الغسل فاستوى فيه الرجال والنساء كالتيمم ولا فرق بين المستحاضة ومن به سلس البول وغيرهما وقال بعض الشافعية ليس لهما أن يمسحا على الخف أكثر من وقت صلاة لأن الطهارة التي لبسا الخف عليها لا يستباح بها أكثر من ذلك ولنا عموم قوله عليه السلام يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ولأن المسح لا يبطل بمبطلات الطهارة فلا يبطل بخروج الوقت لكن إن زال عذرهما كملا في بابهما فلم يكن لهما المسح بتلك الطهارة كالتيمم إذا أكمل بالقدرة على الماء لا يمسح بالخف الملبوس على التيمم
فصل ويجوز المسح على العمامة قال ابن المنذر وممن مسح على العمامة أبو بكر الصديق وبه قال عمر وأنس وأبو أمامة وروي عن سعيد بن مالك وأبي الدرداء رضي الله عنهم وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول والأوزاعي وأبو ثور وابن المنذر وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا يمسح عليها لقول الله تعالى وامسحوا برؤوسكم المائدة 6 ولأنه لا تلحقه المشقة في نزعها فلم يجز المسح عليها كالكمين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار قال أحمد هو من خمسة وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم روى الخلال بإسناده عن عمر أنه قال من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله ولأنه حائل في محل ورد الشرع بمسحه فجاز المسح عليه كالخفين ولأن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين والآية لا تنفي ما ذكرناه فإن النبي صلى الله عليه وسلم مبين لكلام الله مفسر له وقد مسح النبي صلى الله عليه وسلم على العمامة وأمر بالمسح عليها وهذا يدل على أن المراد بالآية المسح على الرأة أو حائله ومما يبين ذلك أن المسح في الغالب لا يصيب الرأس وإنما يمسح على الشعر وهو حائل بين اليد وبينه فكذلك العمامة فإنه يقال لمن لمس عمامته أو قبلها قبل رأسه ولمسه وكذلك أمر بمسح الرجلين واتفقنا على جواز المسح حائلهما فصل ومن شروط جواز المسح على العمامة أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وشبههما من جوانب الرأس فإنه يعفى عنه بخلاف الخرق اليسير في الخف فإنه لا يعفى عنه لأن هذا الكشف جرت العادة به لمشقة التحرز عنه فإن كان تحت العمامة قلنسوة يظهر بعضها فالظاهر جواز المسح عليهما لأنهما صارا كالعمامة الواحدة ومن شروط جواز المسح عليها أن تكون على صفة عمائم المسلمين بأن يكون تحت الحنك منها شيء لأن هذا عمائم العرب وهي أكثر سترا من غفيرها ويشق نزعها فيجوز المسح عليها سواء كانت لها ذؤابة أو لم يكن قاله القاضي وسواء كانت صغيرة أو كبيرة وإن لم يكن تحت الحنك منها شيء ولا لها ذؤابة لم يجز المسح عليها لأنها على صفة عمائم أهل الذمة ولا يشق نزعها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط رواه أبو عبيد قال والاقتعاط أن لا يكون تحت الحنك منها شيء وروي أنعمر رضي الله عنه رأى رجلا ليس تحت حنكه من عمامته شيء فحنكه بكور منها وقال ما هذه الفاسقية فامتنع المسح عليها للنهي عنها وسهولة نزعها وإن كانت ذات ذؤابة ولم تكن محنكة ففي المسح عليها وجهان أحدهما جوازه لأنه لا تشبه عمائم أهل الذمة إذ ليس من عادتهم الذؤابة والثاني لا يجوز لأنها داخلة في عموم النهي ولا يشق نزعها فصل وإذا كان بعض الرأس مكشوفا مما جرت العادة بكشفه استحب أن يمسح عليه مع العمامة نص عليه أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وناصيته في حديث المغيرة بن شعبة وهو حديث صحيح قاله الترمذي وهل الجمع بينهما واجب وقد توقف أحمد عنه فيخرج فيها وجهان أحدهما وجوبه للخبر ولأن العمامة نابت عما استتر فبقي الباقي على مقتضى الأصل كالجبيرة والثاني لا يجب لأن العمامة نابت عن الرأس فتعلق الحكم بها وانتقل الفرض إليها فلم يبق لما ظهر حكم ولأن وجوبهما معا يفضي إلى الجمع بين بدل ومبدل في عضو واحد فلم يجز من غير ضرورة كالخف وعلى هذا تخرج الجبيرة ولا خلاف في أن الأذنين لا يجب مسحهما لأنه لم ينقل ذلك وليسا من الرأس إلا على وجه التبع فصل وإن نزع العمامة بعد المسح عليها بطلت طهارته نص عليه أحمد
وكذلك إن انكشف رأسه إلا أن يكون ييسرا مثل إن حك رأسه أو رفعها لأجل الوضوء فلا بأس قال أحمد إذا زالت العمامة عن هامته لا بأس ما لم ينقضها أو يفحش ذلك وذلك لأن هذا مما جرت العادة به فيشق التحرز عنه وإن انتقضت العمامة بعد مسحها بطلت طهارته لأن ذلك بمنزلة نزعها وإن انتقص بعضها ففيه روايتان ذكرهما ابن عقيل إحداهما لا تبطل طهارته لأنه زال بعض الممسوح عليه مع بقاء العضو مستورا فلم تبطل الطهارة ككشط الخف مع بقاء البطانة والثانية تبطل قال القاضي لو انتقض منها كور واحد بطلت لأنه زال الممسوح عليه فأشبه نزع الخف فصل واختلف في وجوب استيعاب العمامة بالمسح فروي عن أحمد أنه قال يمسح على العمامة كما يمسح على رأسه فيحتمل أنه أراد التشبيه في صفة المسح دون الاستيعاب وإنه يجزىء مسح بعضها لأنه ممسوح على وجه الرخصة فأجزأ مسح بعضه كالخف ويحتمل أنه أراد التشبيه في الاستيعاب فيخرج فيها من الخلاف ما في وجوب استيعاب الرأس وفيه روايتان أظهرها وجوب استيعابه بالمسح فكذلك في العمامة لأن مسح العمامة بدل من الجنس فيقدر بقدر المبدل كقراءة غير الفاتحة من القرآن بدلا من الفاتحة يجب أن يكون بقدرها ولو كان البدل تسبيحا لم يتقدر بقدرها ومسح الخف بدل من غير الجنس لأنه بدل عن الغسل فلم يتقدر به كالتسبيح بدلا عن القرآن وقال القاضي يجزىء مسح بعضها كإجزاء المسح في الخف على بعضه ويختص ذلك بأكوارها وهي دوائرها دون وسطها وحده فإن مسح وسطها ففيه وجهان أحدهما يجزئه كما يجزىء مسح بعض دوائرها والثاني لا يجزئه ما لو مسح أسفل الخلف فصل والتوقيت في مسح العمامة كالتوقيت في مسح الخف لما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يمسح على الخفين والعمامة ثلاثا في السفر ويوما وليلة للمقيم رواه الخلال بإسناده إلا أنه منم رواية شهر بن حوشب ولأنه ممسوح على وجه الرخصة فتوقت بذلك كالخف فصل والعمامة المحرمة كالعمامة الحرير والمغصوبة لا يجوز المسح عليها لما ذكرنا في الخف المغضوب وأن لبست المرأة عمامة لم يجز المسح عليها لما ذكرنا من التشبيه بالرجال فكانت محرمة في حقها وإن كان لها عذر فعذا يندر فلم يرتبط الحكم به فصل ولا يجوز المسح على القلنسوة الطاقية نص عليه أحمد قال هارون الحمال سئل أبو عبد الله عن المسح على الكلتة فلم يره وذلك لأنها لا تستر جميع الرأس في العادة ولا يدور عليه وأما القلانس المبطنات كدنيات القضاة والمنوميات قالإسحاق بن إبراهيم قال أحمد لا يمسح على القلنسوة وقال ابن المنذر ولا نعلم أحدا قال بالمسح على القلنسوة إلا أن أنسا مسح على قلنسوته وذلك لأنها لا مشقة في نزعها فلم يجز المسح عليها كالكلتة ولأنها أدنى من العمامة غير المحنكة التي ليس لها ذؤابة وقال أبو بكر الخلال إن مسح إنسان على القلنسوة لم أر به بأسا لأن أحمد قال في رواية الميموني أنا أتوفاه وإن ذهب إليه ذاهب لم يعنفه قالالخلال وكيف يعنفه وقد روي عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحاح ورجال ثقات فروى الأثرم بإسناده عن عمر أنه قال إن شاء حسر عن رأسه وإن شاء مسح على قلنسوته وعمامته وروى بإسناده عن أبي موسى أنه خرج من الخلاء فمسح على القلنسوة ولأنه ملبوس معتاد يستر الرأس فأشبه العمامة المحنكة وفارق العمامة التي ليست محنكة ولا ذؤابة لها لأنها منهي عنها فصل وفي مسح الرأس على مقنعتها روايتان إحداهما يجوز لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها ذكره ابن المنذر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالمسح على الخفين والخمار ولأنه ملبوس للرأس معتاد يشق نزعه فأشبه العمامة والثانية لا يجوز المسح عليه فإن أحمد سئل كيف تمسح المرأة على رأسها قال من تحت الخمار ولا تمسخ على الخمار قال وقد ذكروا أن أم سلمة كانت تمسح على خمارها
وممن قال لا تسمح على خمارها نافع والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز لأنه ملبوس لرأس المرأة فلم يجز المسح عليه كالوقاية ولا يجزىء المسح على الوقاية رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا لأنها لا يشق نزعها فهي كالطاقية للرجل والله أعلم باب الحيض الحيض دم يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة ثم يعتادها في أوقات معلومة لحكمة تربية الولد فإذا حملت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته ولذلك لا تحيض الحامل فإذا وضعت الولد قلبه الله تعالى بحكمته لبنا يتغذى به الطفل ولذلك قلما تحيض المرضع فإذا خلت المرأة من حمل وضاع بقي ذلك الدم لا مصرف له فيستقر في مكان ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة وقد يزيد على ذلك ويقل ويطول شهر المرأة يقصر على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع وسمي حيضا من قولهم حاض السيل قال عمارة بن عقيل أجالت حصاهن الذراري وحيضت عليهن حيضات السيول الطواحم فمنها أنه يحرم وطء الحائض في الفرج لقول الله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله البقرة 222 ومنها أنه يمنع فعل الصلاة والصوم بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم أليست إحداكن إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي رواه البخاري وقالت حمنة للنبي صلى الله عليه وسلم أي أستحاض حيضة شديدة منكرة وقد منعتني الصوم والصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ومنها أنه يسقط وجوب الصلاة دون الصيام لما روي أن معاذة قالت سألت عائشة فقلت ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت أحرورية أنت فقلت لست بحرورية ولكني أسأل فقالت كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة متفق عليه إنما قالت لها عائشة ذلك لأن الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة ومنها أنه يمنع قراءة القرآن لقوله عليه السلام لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن ومنها أنه يمنع اللبث في المسجد والطواف بالبيت لأنه في معنى الجنابة ومنها أنه يحرم الطلاق لقول الله تعالى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1 ولما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض أمره النبي صلى الله عليه وسلم برجعتها وإمساكها حتى تطهر ومنها أنه يمنع صحة الطهارة لأن حدثها مقيم ومنها أنه يوجب الغسل عند انقطاعه لقوله عليه السلام امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي متفق عليه وهو علم على البلوغ لقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ولا تنقضي العدة في حق المطلقة وأشباهها إلا به لقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة 288 وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمة وإذا ثبت هذا فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض ليعلم ما يتعلق به من الأحكام قال أحمد رحمه الله الحيض يدور على ثلاثة أحاديث حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة وفي رواية حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة وسنذكر هذه الأحاديث وغيرها في مواضعها إن شاء الله تعالى مسألة قال ( وأقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشرة يوما ) هذا الصحيح من مذهب أبي عبد الله وقال الخلال مذهب أبي عبد الله لا اختلاف فيه أن أقل الحيض يوم وأكثره خمسة عشر يوما وقيل عنه أكثره سبعة عشر يوما وللشافعي قولان كالروايتين في أقله وأكثره وقالإسحاق بن راهويه قالعطاء الحيض يوم واحد وقال سعيد بن جبير أكثره ثلاثة عشر يوما وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه أقله واحد وقال سعيد بن جبير أكثره ثلاثة عشر يوما وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة لما روى واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة وقالأنس قرء المرأة ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشرة
ولا يقول أنس ذلك إلا توقيفا وقال مالك بن أنس ليس لأقله حد يجوز أن يكون ساعة لأنه لو كان لأقله حد لكانت المرأة لا تدع الصلاة حتى يمضي ذلك الحد ولنا إنه ورد في الشرع مطلقا منم غير تجديد ولا حد له في اللغة ولا في الشريعة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض والإحراز والتفرق وأشباهها وقد وجد حيض معتاد يوما وقال عطاء رأيت من النساء من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر وقال أحمد حدثني يحيى بن آدم قال سمعت شريكا يقول عندنا امرأة تحيض كل خمسة عشر يوما حيضا مستقيما وقال ابن المنذر قال الأوزاعي عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشيا يرون أن حيض تدع له الصلاة وقال الشافعي رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام وذكر إسحاق بن راهوية عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال تحيض امرأتي يومين وقال إسحاق قالت امرأة من أهلنا معروفة لم أفطر منذ عشرين سنة في شهر رمضان إلا يومين وقولهن يجب الرجوع إليه لقوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن البقرة 228 قلولا أن قولهن مقبول ما حرم عليهن الكتمان وجرى ذلك مجرى قوله ولا تكتموا الشهادة البقرة 283 ولم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من الأعصار فلا يكون حيضا بحال وحديث واثلة يرويه محمد بن أحمد الشامي وهو ضعيف عن حماد بن المنهال وهو مجهول وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب وهو ضعيف قال ابن عيينة وهو محدث لا أصل له وقال أحمد في حديث أنس ليس هو شيئا هذا من قبل الجلد بن أيوب قيل إن محمد بن إسحاق رواه وقال ما أراه سمعه إلا من الحسن بن دينار وضعفه جدا قال وقال يزيد بن زريع ذاك أبو حنيفة لم يحتج إلا بالجلد بن أيوب وحديث الجلد قد روي عن علي رضي الله عنه ما يعارضه فإنه قال ما زاد على خمسة عشر استحاضة وأقل الحيض يوم وليلة فصل وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما لأن كلام أحمد لا يختلف أن العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة وقال إسحاق توقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل قال أبو بكر أقل الطهر مبني على أكثر الحيض فإن قلنا أكثره خمسة عشر يوما فأقل الطهر خمسة عشر وإن قلنا أكثره سبعة عشر فأقل الطهر ثلاثة عشر وهذا كأنه بناء على أن شهر المرأة لا يزيد على ثلاثين يوما يجتمع لها في حيض وطهر وأما إذا زاد شهرها على ذلك تصور أن يكون حيضها سبعة عشر وطهرها خمسة عشر وأكثر وقال مالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة أقل الطهر خمسة عشر وذكر أبو ثور أن ذلك لا يختلفون فيه ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه امرأة جاءته وقد طلقها زوجها فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض طهرت عند كل قرء وصلت فقال علي لشريح قل فيها فقال شريح إن جاءت ببينة من بطانة أهلها من يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك وإلا فهي كاذبة فقال علي قالون وهذا بالرومية ومعناه جيد وهذا لا يقوله إلا توقيفا ولأنه قول صحابي انتشر ولم نعلم خلافه رواه الإمام أحمد بإسناده ولا يجيء إلا على قولنا أقله ثلاثة عشر وأقل الحيض يوم وليلة وهذا في الطهر بين الحيضتين فأما الطهر في أثناء الحيضة فلا توقيت فيه فإن ابن عباس قال أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل وروي أن الطهر إذا كان أقل من يوم لا يلتفت إليه لقولعائشة لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ولأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى فلا يثبت الطهر بمجرد انقطاعه كما لو انقطع أقل من ساعة
مسألة قال ( فمن أطبق بها الدم فكانت ممن تميز فتعلم إقباله بأنه أسود ثخين منتن وإدباره رقيق أحمر تركت الصلاة في إقباله فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكل صلاة وصلت ) قوله أطبق بها الدم يعني امتد وتجاوز أكثر الحيض فهذه مستحاضة قد اختلط حيضها باستحاضتها فتحتاج إلى معرفة الحيض من الاستحاضة لترتب على كل واحد منهما حكمه ولا تخلو من أربعة أحوال مميزة لا عادة لها ومعتادة لا تمييز لها ومن لها عادة وتمييز ومن لا عادة لها ولا تمييز أما المميزة فهي التي ذكرها الخرقي في هذه المسألة وهي التي لدمها إقبال وإدبار بعضه أسود ثخين منتن وبعضه أحمر مشرق أو أصفر أو لا رائحة له ويكون الدم الأسود أو الثخين لا يزيد على أكثر الحيض ولا ينتقص عن أقله فحكم هذه أن حيضها زمان الدم الأسود أو الثخين أو المنتن فإن انقطع فهي مستحاضة تغتسل للحيض وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة وتصلي وذكر أحمد المستحاضة فقال لها سنن وذكر المعتادة ثم قال وسنة أخرى إذا جاءت فزعمت أنها تستحاض فلا تطهر قيل لها أنت الآن ليس لك أيام معلومة فتجلسيها ولكن انظري إلى إقبال الدم وإدباره فإذا أقبلت الحيضة وإقبالها أن ترى دما أسود يعرف فإذا تغير دمها وكان إلى الصفرة والرقة فذلك دم استحاضة فتغسلي وصلي وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز إنما الاعتبار بالعادة خاصة لما روت أم سلمة أن امرأة كان تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لتنظر عدة الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثقر بثوب ثم لتصل رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وهو أحد الأحاديث الثلاثة التي قال الإمام أحمد إن الحيض يدور عليها ولنا ما روت عائشة قال جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي متفق عليه والنسائي وأبي داود إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق وقال ابن عباس أما ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة وقال إنها والله لن ترى الدم الذي هو الدم بعد أيام محيضها إلا كغسالة ماء اللحم وحديث أم سلمة إنما يدل على اعتبار العادة ولا نزاع فيه وحديث فاطمة هو أحد الثلاثة التي يدور عليها الحيض فصل ظاهر كلام الخرقي أن المميزة إذا عرفت التمييز جلسته من غير اعتبار تكرار وهو ظاهر كلام أحمد فيما رويناه عنه وكذلك قال ابن عقيل لأن معنى التمييز أن يتميز أحد الدمين عن الآخر في الصفة وهذا يوجد بأول مرة وبهذا قال الشافعي وقال القاضي وأبو الحسن الآمدي إنما تجلس المميزة من التمييز ما تكرر مرتين أو ثلاثا بناء على الروايتين فيما تثبت به العادة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي أمرها بترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة من غير اعتبار أمر آخر ثم مده إلى حين إدباره ولأن التمييز أمارة بمجرده فلم يحتج إلى ضم غيره إليه كالعادة وعند القاضي إنما تجلس من التمييز ما وافق العادة لأنه يعتبر التكرار ومتى تكرر صار عادة فصل فإن لم يكن الأسود مختلفا مثل أن ترى في كل شهر ثلاثة أسود ثم يصير أحمر ويعبر أكثر الحيض فالأسود وحده حيض ولو لم يعبر أكثر الحيضان جميع الدم حيضا لأنه دم أمكن أن يكون حيضا كان حيضا كما لو كان كله أحمر
وإن كان مختلفا مثل أن يرى في الشهر الأول خمسة أسود وفي الثاني أربعة وفي الثالث ثلاثة أو في الأول خمسة وفي الثاني ستة وفي الثالث سبعة أو في الأول خمسة وفي الثاني أربعة وفي الثالث ستة أو غير ذلك من الاختلاف فعلى قولنا الأسود حيض في كل حال وعلى قول القاضي الأسود حيض فيما وافق العادة فقط وهو ثلاث في الأولى وخمس في الثانية وأربع في الثالثة وما زاد عليه إن تكرر فهو حيض وإن لم يتكرر فليس بحيض وعلى قوله لا تجلس منه في الشهر الأول والثاني إلا اليقين الذي تجلسه من لا تمييز لها فإن كانت مبتدأة لم تجلس إلا يوما وليلة وهل تجلس الذي يتكرر في الشهر الثالث أو الرابع ينبني على الروايتين فيما تثبت به العادة ويكون حكمها حكم المبتدأة التي ترى دما لا يعبر أكثر الحيض الأحمر ها هنا كالطهر هناك والأسود كالدم هناك فإن كانت ناسية وكان الأسود في أثناء الشهر وقلنا إنها تجلس من أول الشهر جلست ها هنا من أول الشهر ما تجلسه الناسية وإن كان أحمد ولا تنتقل إلى الأسود حتى يتكرر فإذا تكرر انتقلت إليه وعلمنا أنه حيض فتقضي ما صامته من الفرض فيه فصل فإذا رأت أسود بين أحمرين أو أحمر بين أسودين وانقطع لدون كثر الحيض فالجميع حيض إذا تكرر لأن الأحمر أشبه بالحيض من الطهر وإن عبر أكثر الحيض وكاد الأسود بمفرده يصلح أن يكون حيضا فهو حيض والأحمر كله استحاضة لأن الأحمر الأول أشبه بالأحمر الثاني الذي حكمنا بأنه استحاضة وتلفق الأسود إلى الأسود فيكون حيضا ولا فرق بين كون الأسود قليلا أو كثيرا إذا كان بانضمامه إلى بقية الأسود يبلغ أقل الحيض ولا يزيد على أكثره ولا يكون بين طرفيهما من يزيد على أكثر الحيض وكذلك لا فرق بين كون الأحمر قليلا أو كثيرا إذا كان زمنه يصلح أن يكون طهرا فأما إن كان زمنه لا يصلح أن يكون طهرا مثل الشيء اليسير أو ما دون اليوم على إحدى الروايتين فإنه يلحق بالدمين الذي هو بينهما لأنه لو كان الدم منقطعا لم يحكم بكونه طهرا فإذا كان الدم جاريا كان أولى فلو رأت يوما دما كان الدم منقطعا لم يحكم بكونه طهرا فإذا كان الدم جاريا كان أولى فلو رأت يوما دما أسود ثم رأت الثاني دما أحمر ثم رأت الثالث أسود ثم صار أحمر وعبر لفقت الأسود إلى الأسود وباقي الدم استحاضة وإن رأت نصف يوم أسود ثم صار أحمر ثم رأت الثاني كذلك ثم رأت الثالث كله أسود ثم صار أحمر وعبر فصار حيضها يومين وإن قلنا لا يكون أقل من يوم فحيضها الأيام الثلاثة الأولى والباقي استحاضة وإن رأت نصف يوم أسود ثم نصف أحمر وعبر إلى العاشر ثم رأته كله أسود ثم صار أحمر وعبر فالأسود حيض كله ونصف اليوم الأول ولو رأت بين الأسود وبين الأحمر نقاء يوما أو أكثر لم يتغير الحكم الذي ذكرناه لأن الأحمر محكوم بأنه استحاضة مع اتصاله بالأسود فمع انفصاله عنه أولى فصل إذا رأت في شهر خمسة أسود ثم صار أحمر واتصل وفي الثاني كذلك ثم صار الثالث كله أحمر ثم رأت في الرابع مثل الأول ثم رأت في الخامس خمسة أحمر ثم صار أسود واتصل فحيضها الأسود من الأول والثاني والرابع وأما الثالث والخامس فلا تمييز لها فيهما لأن حكم الأسود في الخامس سقط لعبوره فإن قلنا العادة تثبت بمرتين جلست ذلك في الأشهر الثلاثة وهي الثالث والرابع والخامس وإن قلنا لا تثبت إلا بثلاثة جلست ذلك من الخامس لأنها قد رأت ذلك في ثلاثة أشهر وقيل لا تثبت لها عادة وتجلس ما تجلسه من الخامس من الدم الأسود لأنه أشبه بدم الحيض فصل إذا رأت في كل شهر خمسة عشر يوما دما أسود وخمسة عشر أحمر فالأسود كله حيض لأنه يصلح أن يكون حيضا وقد رأت فيه أمارة الحيض فيثبت كونه حيضا
مسألة قال ( فإن لم يكن دمها منفصلا وكانت لها أيام من الشهر تعرفها أمسكت عن الصلاة فيها واغتسلت إذا جاوزتها ) هذا القسم الثاني وهي من لها عادة ولا تمييز لها لكون دمها غير منفصل أي على صفة لا تختلف ولا يتميز بعضه من بعض على ما ذكرنا في المميزة وكذلك إن كان منفصلا إلا أن الدم الذي يصلح للحيض دون أقل الحيض أو فوق أكثره فهذه لا تمييز لها فإذا كانت لها عادة قبل أن تستحاض جلست أيام عادتها واغتسلت عند انقضائها ثم تتوضأ بعد ذلك لوقت كل صلاة وتصلي وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا اعتبار بالعادة إنما الاعتبار بالتمييز فإن لم تكن مميزة استطهرت بعد زمان عادتها بثلاثة أيام إن لم تجاوز خمسة عشر يوما وهي بعد ذلك مستحاضة واحتج بحديث فاطمة الذي ذكرناه ولنا حديث أم سلمة وقد روي في حديث فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي متفق عليه وفي لفظ قال فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي متفق عليه وروت أم حبيبة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الدم فقال لها امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي رواه مسلم وروى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة أخرجه أبو داود والترمذي ولا حجة له في الحديث على ترك العادة في حق من لا تمييز لها فصل ولا يختلف المذهب أن العادة لا تثبت بمرة وظاهر مذهب الشافعي أنها تثبت بمرة وقال بعضهم تثبت بمرتين لأن المرأة الأولى التي استفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها إلى الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة ولأن ذلك أقرب إليها فوجب ردها إليه ولنا إن العادة مأخوذة من المعاودة ولا تحصل المعاودة بمرة واحدة والحديث حجة لنا لأنه قال لتنظر عدة الليالي والأيام التي تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها و كان يخبر بها عن دوام الفعل وتكراره ولا يحصل ذلك بمرة ولا يقال لمن فعل شيئا مرة كان يفعل وفي الحديث الآخر تدع الصلاة أيام أقرائها والأقراء جمع وأقله ثلاثة وسائر الأحاديث الدالة على العادة تدل على هذا ولا نفهم من اسم العادة فعل مرة بحال واختلفت الرواية هل تثبت بمرتين أو ثلاث فعنه أنها تثبت بمرتين لأنها مأخوذة من المعاودة وقد عاودتها في المرة الثانية وعنه لا تثبت إلا بثلاث لظاهر الأحاديث ولأن العادة لا تطلق إلا على ما كثر وأقله ثلاثة ولأن أكثر ما يعتبر له التكرار اعتبر ثلاثا كأيام الخيار في المصراة فصل وتثبت العادة بالتمييز فإذا رأت دما أسود خمسة أيام في ثلاثة أشهر أو شهرين على الرواية الأخرى ثم صار أحمر واتصل ثم صار في سائر الأشهر دما مبهما كانت عادتها زمن الدم الأسود فصل والعادة على ضربين متفقة ومختلفة فالمتفقة أن تكون أياما متساوية كأربعة في كل شهر فإذا استحيضت جلست الأربعة فقط وأما المختلفة فإن كانت على ترتيب مثل إن كانت ترى في شهر ثلاثة وفي الثاني أربعة وفي الثالث خمسة ثم تعود إلى ثلاثة ثم إلى أربعة على ما كانت فهذه إذا استحيضت في شهر فعرفت نوبته عملت عليه ثم على الذي بعده ثم على الذي بعده على العادة وإن نسيت نوبته حيضناه اليقين وهو ثلاثة أيام ثم تغتسل وتصلي بقية الشهر وإن أيقنت أنه غير الأول وشكت هل هو الثاني أو الثالث جلست أربعة لأنها اليقين ثم تجلس من الشهرين الآخرين ثلاثة ثلاثة ثم تجلس في الرابع أربعة ثم تعود إلى الثلاثة كذلك أبدا ويجزئها غسل واحد عند انقضاء المدة التي جلستها كالناسية إذا جلست أقل الحيض لأن ما زاد على اليقين مشكوك فيه
فلا نوجب عليا الغسل بالشك ويحتمل وجوب الغسل عليها أيضا عند مضي أكثر عادتها لأن يقين الحيض ثابت وحصول الطهارة بالغسل مشكوك فيه فلا تزول عن اليقين بالشك ولأن هذه متيقنة وجوب الغسل عليها في أحد الأيام الثلاثة في اليوم الخامس وقد اشتبه عليها وصحة صلاتها تقف على الغسل فيجب عليها لتخرج على العهدة بيقين كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها وهذا الوجه أصح لما ذكرنا وتفارق الناسية فإنها لا تعلم لها حيضا زائدا على ما جلسته وهذه تتيقن لها حيضا زائدا على ما جلسته تقف صحة صلاتها على غسلها منه فوجب ذلك فعلى هذا يلزمها غسل ثان عقيب اليوم الخامس في كل شهر وإن جلست في رمضان ثلاثة أيام قضت خمسة أيام لأن الصوم كان في ذمتها ولا نعلم أن اليومين اللذين صامتهما أسقطا الفرض من ذمتها فيبقي على الأصل ويحتمل أن يلزمها في كل شهر ثلاثة أغسال غسل عقب اليوم الثالث وغسل عقب الرابع وغسل عقب الخامس لأن عليها عقيب الرابع غسلا في أحد الأشهر وكل شهر يحتمل أن يكون هو الشهر الذي يجب الغسل فيه بعد الرابع فيلزمها ذلك كما قلنا في الخامس وإن كان الاختلاف على غير ترتيب مثل أن تحيض من شهر ثلاثة ومن الثاني خمسة ومن الثالث أربعة وأشباه ذلك فإنن كان هذا يمكن ضبطه ويعتادها على وجه لا يختلف فالحكم فيه كالذي قبله وإن كان غير مضبوط جلست الأقل من كل شهر وهي الثلاثة إن لم يكن لها أقل منها واغتسلت عقيبه وذكر ابن عقيل في هذا الفصل أن قياس المذهب أن فيه رواية ثانية وهي إجلاسها أكثر عادتها في كل شهر كالناسية للعدد تجلس أكثر الحيض وهذا لا يصح إذ فيه أمرها بترك الصلاة وإسقاطها عنها مع يقين وجولها عليها فإننا متى أمرناها بترك الصلاة خمسة أيام في كل شهر ونحن نعلم وجوبها عليها في يومين منها في شهر وفي يوم في شهر آخر فقد أمرناها بترك الصلاة الواجبة يقينا فلا يحل ذلك ولا تسقط الصلاة الواجبة بالاشتباه كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها وفارقت الناسية فإننا لا نعلم عليها صلاة وابة يقينا والأصل بقاء الحيض وسقوط الصلاة فتبقى عليه فصل ولا تكون المرأة معتادة حتى تعرف شهرها ووقت حيضها وطهرها وشهر المرأة عبارة عن المدة التي لها فيها حيض وطهر وأقل ذلك أربعة عشر يوما تحيض يوما وتطهر ثلاثة عشر وإن قلنا أقل الطهر خمسة عشر يوما فأقصر ما يكون الشهر ستة عشر يوما وأكثره لا حد له لكون أكثر الطهر لا حد له والغالب أنه الشهر المعروف بين الناس فإذا عرفت أن شهرها ثلاثون يوما ووأن حيضها منه خمسة أيام وطهرها خمسة وعشرون وعرفت أوله فهي معتادة وإن عرفت أيام حيضها وأيام طهرها فقد عرفت شهرها وإن عرفت أيام حيضها ولم تعرف أيام طهرها أو أيام طهرها ولم تعرف أيام حيضها فليست معتادة لكنها متى جهلت شهرها رددناها إلى الغالب فحيضناها من كل شهر حيضة كما رددناها في عدد أيام الحيض إلى ست أو إلى سبع لكونه الغالب فصل القسم الثالث من أقسام المستحاضة من لها عادة وتمييز وهي من كانت لها عادة فاستحيضت ودمها متميز بعضه أسود وبعضه أحمر فإن كان الأسود في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز في الدلالة فيعمل بهما وإن كان أكثر من العادة أو أقل ويصلح أن يكون حيضا ففيه روايتان إحداهما يقدم التمييز فيعمل به وتدع العادة وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله فكانت ممن تميز تركت الصلاة في إقباله ولم يفرق بين معتادة وغيرها واشترط في ردها إلى العادة أن لا يكون دمها متصلا وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن صفة الدم أمارة قائمة به والعادة زمان منقض ولأنه خارج يوجب الغسل فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني وظاهر كلام أحمد اعتبار العادة وهو قول أكثر الأصحاب
لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد أم حبيبة والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة ولم يفرق ولم يستفصل بين كونها مميزة أو غيرها وحديث فاطمة قد روي فيه ردها إلى العادة في لفظ آخر ردها إلى التمييز فتعارضت روايتان وبقيت الأحاديث الباقية خالية عن معارض فيجب العمل بها على أن حديث فاطمة قضية عين وحكاية حال يحتمل أنها أخبرته أنها لا عادة لها أو علم ذلك من غيرها أو قرينة حالها وحديث عدي بن ثابت عام في كل مستحاضة فيكون أولى ولأن العادة أقوى لكونها لا تبطل دلالتها واللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته فما لا تبطل دلالته أقوى وأولى فصل ومن كان حيضها خمسة أيام من أولى كل شهر فاستحيضت وصارت ترى ثلاثة أيام دما أسود في أول كل شهر فمن قدم العادة ثال تجلس خمسة في كل شهر كما كانت تجلس قبل الاستحاضة ومن قدم التمييز جعل حيضها الثلاثة التي ترى الدم الأسود فيها إلا أنها لا تترك الصلاة في الشهر الأول فيما زاد على الثلاثة لأنا لا نعلم أنها مستحاضة إلا بتجاوز الدم أكثر الحيض ولا نعلم ذلك في الشهر الأول فإذا عبر الدم أكثر الحيض في الشهر الأول لنا أنه استحاضة فلا تجلس في الثاني ما زاد على الدم الأسود فإن رأت في كل شهر عشرة دما أسود ثم صار أحمر واتصل فمن قال إنها لا تلتفت إلى ما زاد على العادة حتى تتكرر لم يحيضها في الشهرين الأولين أو الثلاثة إلا خمسة قدر عادتها ومن قال إنها إذا زادت على العادة جلسته بأول مرة أجلسها في الشهر الأول خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتصلي وفي الثاني تجلس أيام العادة وهي الخمسة الأولى من الشهر عند من يقدم العادة على التمييز ومن قدم التمييز لم يعتبر فيه التكرار أجلسها العشرة كلها فإذا تكرر ثلاثة أشهر على هذا الوصف فقال القاضي تجلسس العشرة في الشهر الرابع على الروايتين جميعا لأن الزيادة على العادة تثبت بتكرر الأسود ويحتمل أن لا تجلس زيادة على عادتها على قول من يقدم العادة على التمييز لأنا لو جعلنا الزائد على العادة من التمييز حيضا بتكرره لجعلنا الناقص عنها استحاضة بتكرره فكانت لا تجلس فيما إذا رأت ثلاثة أسود ثم صار أحمر أكثر من الثلاثة والأمر بخلاف ذلك فصل فإن كان حيضها خمسا من أول شهر فاستحيضت فصارت ترى خمسة أسود ثم يصير أحمر ويتصل فالأسود حيض بلا خلاف لموافقته زمن العادة والتمييز وإن رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود وعبر سقط حكم الأسود لعبوره أكثر الحيض وكان حيضها الأحمر لموافقته زمن العادة وإن رأت مكان العادة أحمر ثم خمسة أسود ثم صار أحمر واتصل فمن قدم العادة حيضها أيام العادة وإذا تكرر الأسود فقال القاضي يصير حيضا وأما من يقدم التمييز فإنه يجعل الأسود وحده حيضا مسألة قال ( فإن كانت لها أيام أنسيتها فإنها تقعد ستا أو سبعا في كل شهر ) هذه من القسم الرابع من أقسام المستحاضة وهي من لا عادة لها ولا تمييز وهذا القسم نوعان أحدهما الناسية ولها ثلاثة أحوال أحدها أن تكون ناسية لوقتها وعددها وهذه يسميها الفقهاء المتحيرة والثانية أن تنسى عددها وتذكر وقتها والثالثة أن تذكر عددها وتنسى وقتها فالناسية لهما هي التي ذكر الخرقي حكمها وأنها تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة يكون ذلك حيضها ثم تغتسل وهي فيما بعد ذلك مستحاضة تصوم وتصلي وتطوف وعن أحمد أنها تجلس أقل الحيض ثم إن كانت تعرف شهرها وهو مخالف للشهر المعروف جلست ذلك من شهرها وإن لم تعرف شهرها جلست من الشهر المعروف لأنه الغالب وقال الشافعي في الناسية لهما لا حيض لها بيقين وجميع زمنها مشكوك فيه تغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها وله قول آخر إنها تجلس اليقين وقال بعض أصحابه الأول أصح لأن هذه لها أيام معروفة ولا يمكن ردها إلى غيرها فجميع زمانها مشكوك فيه
وقد روت عائشة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تغتسل لكل صلاة متفق عليه ولنا ما روت حمنة بنت جحش قالت كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه فوجدته في بيت أختي زينت بنت جحش فقلت يا رسول الله إني استحاض حيضة كبيرة شديدة فما تأمرني فيها قد منعتني الصيام والصلاة قال أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم قلت هو أكثر من ذلك إنما اثج ثجا فقال النبي صلى الله عليه وسلم سآمرك أمرين أيهما صنعت أجزأ عنك فإن قويت عليهما فأنت أعلم فقال لها إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزئك وكذلك فافعلي كما يحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن فإن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حتى تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعا ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين وتغتسلين للصبح فافعلي وصومي إن قويت على ذلك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعجب الأمرين إلي رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح قال وسألت محمدا عنه فقال هو حديث حسن وحكي ذلك عن أحمد أيضا وهو بظاهره يثبت الحكم في حق الناسية لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصلها هل هي مبتدأة أو ناسية ولو افترق الحال لاستفصل وسأل واحتمال أن تكون ناسية أكثر فإن حمنة امرأة كبيرة وكذلك قال أحمد ولم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن تمييزها لأنه قد جرى من كلامها من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن السؤال عنه ولم يسألها هل لها عادة فيردها إليها لاستغنائه عن ذلك لعلمه إياه إذ كان مشتهرا وقد أمر به أختها أم حبيبة فلم يبق إلا أن تكون ناسية ولأن لها حيضا لا تعلم قدره فيرد إلى غالب عادات النساء كالمبتدأ ولأنها لا عادة لها ولا تمييز فأشبهت المبتدأة وقولهم لها أيام معروفة قلنا قد زالت المعرفة فصار وجدوها كالعدم وأما أمره أم حبيبة بالغسل لكل صلاة فإنما هو ندب كأمره لحمنة في هذا الخبر فإن أم حبيبة كانت معتادة ردها إلى عادتها وهي التي استفتت لها أم سلمة على أن حديث أم حبيبة إنما روي عن الزهري وأنكر الليث بن سعد فقال لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة ولكنه شيء فعلته هي فصل قوله ستا أو سبعا الظاهر أنه ردها إلى اجتهاده ورأيها فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها أو ما يكون أشبه بكونه حيضا ذكره القاضي في بعض المواضع وذكر في موضع آخر أنه خيرها بين ست وسبع لا على طريق الاجتهاد كما خير واطىء الحائض بين التكفير بدينار أو نصف دينار بدليل أن حرف أو للتخيير والأول إن شاء الله أصح لأنا لو جعلناها مخيرة أفضى إلى تخييرها في اليوم السابع بين أن تكون الصلاة عليها واجبة وبين كونها محرمة وليس لها في ذلك حيرة بحال أما التكفير ففعل اختياري يمكن التخيير فيه بين إخراج دينار أو نصف دينار والواجب نصف دينار في الحالين لأن الواجب لا يتخير بين فعله وتركه وقولهم ان أو للتخيير قلنا وقد يكون للاجتهاد كقول الله تعالى فإما منا بعد وإما فداء محمد 4 وإما ك أو في وضعها وليس للإمام في الأسرى إلا فعل ما يؤدية إليه اجتهاده أنه الأصلح فصل ولا تخلو الناسية من أن تكون جاهلة بشهرها أو عالمة به فإن كانت جاهلة بشهرها رددناها إلى الشهر الهلالي فحيضناها في كل شهر حيضة لحديث حمنة ولأنه الغالب فترد إليه كردها إلى الست والسبع وإن كانت عالمة بشهرها حيضناها في كل شهر من شهورها حيضة