İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك رواه أبو داود وكره أبو عبدالله له أن ينظر إلى شعر مولاته وهو قول سعيد بن المسيب وطاوس ومجاهد والحسن وأباح له ذلك ابن عباس لما ذكرنا من الآيتين والحديثين ولأن الله تعالى قال ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات إلى قوله ليس عليكم ولا عليهم جناح النور 58 ولأنه يشق التحرز منه فأبيح له ذلك كذوي المحارم وقال أصحاب الشافعي هو محرم حكمه حكم المحارم من الأقارب في أحد الوجهين لما ذكرنا من الدليل ولأنه محرم عليها فكان محرما كالأقارب ولنا ما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سفر المرأة مع عبدها ضيعة رواه سعيد ولأنها لا تحرم عليه على التأبيد ولا يحل له استمتاعها فلم يكن محرما كزوج أختها ولأنه غير مأمون عليها إذ ليست بينهما نفرة المحرمية والملك لا يقتضي النفرة الطبيعية بدليل السيد مع أمته وإنما أبيح له من النظر ما تدعو الحاجة إليه كالشاهد والمبتاع ونحوهما وجعله بعض أصحابنا كالأجنبي لما ذكرناه والصحيح ما قلنا إن شاء الله تعالى فصل فأما الغلام فما دام طفلا غير مميز لا يجب الإستتار منه في شيء وإن عقل ففيه روايتان إحداهما حكمه حكم ذي المحرم في النظر الثانية له النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة لأن الله تعالى قال ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم النور 58 إلى قوله ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض النور 58 إلى قوله وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم النور 59 فدل على التفريق بين البالغ وغيره وقال أبو عبدالله أبو طيبة حجم نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام ووجه الرواية الأولى قوله أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء النور 31 وقيل لأبي عبدالله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام قال إذا بلغ عشر سنين فصل ومباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه حتى الفرج لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر فقال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك رواه الترمذي وقال حديث حسن ولأن الفرج يحل له الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن ويكره النظر إلى الفرج فإن عائشة رضي الله عنها قالت ما ربت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط رواه ابن ماجة وفي لفظ قالت ما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه مني وقال أحمد في رواية جعفر بن محمد في المرأة تقعد بين يدي زوجها وفي بيتها مكشوفة في ثياب رقاق لا بأس به قلت تخرج من الدار إلى بيت مكشوفة الرأس وليس في الدار إلا هي وزوجها فرخص في ذلك
فصل ويباح للسيد النظر إلى جميع بدن أمته حتى فرجها لما ذكرنا في الزوجين وسواء في ذلك سريته وغيرها لأنه مباح له الاستمتاع من جميع بدنها فأبيح له النظر إليه فإن زوج أمته حرم عليه الاستمتاع والنظر منها إلى ما بين السرة والركبة لأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجبره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة رواه أبو داود ومفهومه إباحة النظر إلى ما عداه وأما تحريم الاستمتاع بها فلا شك فيه ولا اختلاف فإنها قد صارت مباحة للزوج ولا تحل امرأة لرجلين فإن وطئها لزمه الإثم والتعزير وإن ولدت فقال أحمد لا يلحقه الولد لأنها فراش لغيره فلا يلحقه ولدها كالأجنبية فصل فيمن يباح له النظر من الأجانب ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة من بدنها من العورة وغيرها فإنه موضع حاجة وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق فقال انظروا إلى مؤتزره فلم يجدوه أنبت الشعر فلم يقطعه وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها لتكون الشهادة واقعة على عينها وقال أحمد لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها فيرجع عليها بالدرك وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة أو يستغني عن المعاملة فأما مع الحاجة وعدم الشهوة فلا بأس فصل فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد قال أحمد لا يأكل مع مطلقته هو أجنبي لا يحل له أن ينظر إليها كيف يأكل معها ينطر إلى كفها لا يحل له ذلك وقال القاضي يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين لأنه عورة ويباح له النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة وهذا مذهب الشافعي لقول الله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها النور 31 قال ابن عباس الوجه والكفين وروت عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه رواه أبو بكر وغيره ولأنه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة كوجه الرجل ولنا قول الله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب الأحزاب 53 وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه وعن أم سلمة قالت كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال صلى الله عليه وسلم احتجبن منه رواه أبو داود و كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته الخثعمية تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه عنها وعن جرير بن عبدالله قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري حديث صحيح وعن علي رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة رواهما أبو داود وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها دليل على التحريم عند عدم ذلك إذ لو كان مباحا على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه
فصل والعجوز التي لا يشتهى مثلها لا بأس بالنظر منها إلى ما يظهر غالبا لقول الله تعالى والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا النور 60 قال ابن عباس في قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن النور 30 31 قال فنسخ واستثني من ذلك القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا الآية وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهى فصل والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا كالوجه والرأس واليدين والساقين لأن عمر رضي الله عنه رأى امرأة متلثمة فضربها بالدرة وقال يا لكاع تتشبهين بالحرائر وروى أبو حفص بإسناده أن عمر كان لا يدع أمة تقنع في خلافته وقال إنما القناع للحرائر ولو كان نظر ذلك منها محرما لم يمنع من ستره بل به وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ صفية قال الناس لا ندري أجعلها أم المؤمنين أم أم ولد فقالوا إن حجبها فهي أم المؤمنين وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما ركب وطأ لها خلفه ومد الحجاب بينه وبين الناس متفق عليه وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما وقال أصحاب الشافعي يباح النظر منها إلى ما ليس بعورة وهو ما فوق السرة وتحت الركبة وسوى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى ولا يبدين زينتهن النور أمر 31 ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعي وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكروه افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل فصل فأما الطفلة التي لا تصلح للنكاح فلا بأس بالنظر إليها قال أحمد في رواية الأثرم في رجل يأخذ الصغيرة فيضعها في حجره ويقبلها فإن كان يجد شهوة فلا وإن كان لغير شهوة فلا بأس وقد روى أبو بكر بإسناده عن عمر بن حفص المديني أن الزبير بن العوام أرسل بابنة له إلى عمر بن الخطاب مع مولاة له فأخذها عمر بيده وقال ابنة أبي عبدالله فتحركت الأجراس من رجلها فأخذها عمر فقطعها وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل جرس شيطان فأما إذا بلغت حدا تصلح معه للنكاح كابنة تسع فإن عورتها مخالفة لعورة البالغة بدليل قوله عليه السلام لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار فدل على صحة الصلاة ممن لم تحض مكشوفة الرأس فيحتمل أن يكون حكمها حكم ذوات المحارم كقولنا في الغلام المراهق مع النساء وقد روى أبو بكر بن جريج قال قالت عائشة دخلت علي ابنة أخي مزينة فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض فقلت يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية فقال إذا عركت المرأة لم يجز لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى أو نحوها وذكر حديث أسماء إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه واحتج أحمد بهذا الحديث وتخصيص الحائض بهذا التحديد دليل على إباحة أكثر من ذلك في حق غيرها
فصل ومن ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو عنه أو مرض لا يرجى برؤه والخصي والشيخ والمخنث الذي لا شهوة له فحكمه حكم ذوي المحرم في النظر لقول الله تعالى أو التابعين غير أولي الإربة النور 31 أي غير أولي الحاجة إلى النساء وقال ابن عباس هو الذي لا تستحي منه النساء وعنه هو المخنث الذي لا يقوم ذكره وعن مجاهد وقتادة الذي لا رب له في النساء فإن كان المخنث ذا شهوة ويعرف أمر النساء فحكمه حكم غيره لأن عائشة قالت دخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولى الإربة من الرجال فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة أنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكم هذا فحجبوه رواه أبو داود وغيره قال ابن عبد البرليس المخنث الذي تعرف فيه الفاحشة خاصة وإنما التخنيث بشدة التأنيث في الخلقة حتى يشبه المرأة في اللين والكلام والنظر والنغمة والعقل فإذا كان كذلك لم يكن له في النساء أرب وكان لا يفطن لأمور النساء وهو من غير أولى الإربعة الذين أبيح لهم الدخول على النساء ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع ذلك المخنث من الدخول على نسائه فلما سمعه يصف ابنة غيلان وفهم أمر النشاء أمر بحجبه فصل فأما الرجل مع الرجل فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة وفي حدها روايتان إحداهما ما بين السرة والركبة والأخرى الفرجان وقد ذكرناهما في كتاب الصلاة ولا فرق بين الأمرد وذي اللحية إلا أن الأمرد إن كان جميلا يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز تعمد النظر إليه وقد روي عن الشعبي قال قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم علام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم وراء ظهره رواه أبو حفص قال المروذي سمعت أبا بكر الأعين يقول قدم علينا إنسا من خراسان صديق لأبي عبدالله ومعه غلام ابن أخت له وكان جميلا فمضى إلى أبي عبدالله فحدثه فلما قمنا خلا بالرجل وقال له من هذا الغلام منك قال ابن أختي قال إذا جئتني لا يكون معك والذي أرى لك أن لا يشمي معك في طريق فأما الغلام الذي لم يبلغ تسعا فلا عورة له يحرم النظر إليها وقد روي عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال فجاء الحسن فجعل يتمرغ عليه فوقع مقدم قميصه أراه قال فقبل زبيبته رواه أبو حفص فصل وحكم المرأة مع المرأة حكم الرجل مع الرجل سواء ولا فرق بين المسلمتين وبين المسلمة والذمية كما لا فرق بين الرجلين المسلمين وبين المسلم والذمي في النظر قال أحمد ذهب بعض الناس إلى أنها لا تضع خمارها عند اليهودية والنصرانية وأما أنا فأذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج ولا تقبلها حين تلد وعن أحمد رواية أخرى أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية ولا تدخل معها الحمام وهو مكحول وسليمان بن موسى لقول تعالى أو نسائهن والأول أولى لأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن قد كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب وقد قالت عائشة جاءت يهودية تسألها فقالت أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث وقالت أسماء قدمت علي أمي وهي راغبة يعني عن الإسلام فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلها قال نعم ولأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية فوجب أن لا يثبت الحجب بينهما كالمسلم مع الذمي ولأن الحجاب إنما يجب بنص أو قياس ولم يوجد واحد منهما فأما قوله أو نسائهن فيحتمل أن يكون المراد جملة النساء فصل فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما لها النظر إلى ما ليس بعورة
والأخرى لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة قالت كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم احتجبن منه فقلت يا رسول الله إنه ضرير لا يبصر قال أفعمياوان أنتما لا تبصرانه رواه أبو داود وغيره ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن كما أمر الرجال به ولأن النساء أحد نوعي الادميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياسا على الرجال يحققه أن المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ فإنها أشد شهوة وأقل عقلا فتسارع الفتنة إليها أكثر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك متفق عليه وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد متفق عليه ويوم فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبة العيد مضى إلى النساء فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم فأما حديث نبهان فقال أحمد نبهان روى حديثين عجيبين يعني هذا الحديث وحديث إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه وكأنه أشار إلى ضعف حديثه إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول وقال ابن عبد البر نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قال أحمد وأبو داود قال الأثرم قلت لأبي عبدالله كان حديث نبهان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وحديث فاطمة لسائر الناس قال نعم وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال مسألة قال ( وإذا زوج أمة وشرط عليه أن تكون عندهم بالنهار ويبعث بها إليه بالليل فالعقد والشرط جائزان وعلى الزوج النفقة مدة مقامها عنده ) أما الشرط فصحيح لأنه لا يحل بمقصود النكاح فإن الاستمتاع إنما يكون ليلا وإذا كان الشرط صحيحا لم يمنع صحة العقد فيكونان صحيحين وعلى الزوج النفقة في الليل لأنها سلمت إليه فيه وليس عليه نفقة النهار لأنها في مقابلة الاستمتاع وهو لا يتمكن من الاستمتاع بها في تلك الحال وإذا لم تجب نفقة النهار على الزوج وجبت على السيد لأنها في خدمته حينئذ ولأنها باقية على الأصل في وجوبها على السيد فتكون نفقتها بينهما نصفين وكذلك الكسوة وقال بعض أصحاب الشافعي ليس على الزوج شيء من النفقة لأنها لا تجب إلا بالتمكين التام ولم يوجد فلم يجب منها شيء كالحرة إذا بذلت التسليم في بعض الزمان دون بعض
ولنا إن النفقة عوض في مقابلة المنفعة فوجب منها بقدر ما يستوفيه كالأجرة في الإجارة وفارقت الحرة لأن التسليم عليها واجب في جميع الزمان فإذا امتنعت في البعض فلم تسلم ما وجب عليها تسليمه وها هنا قد سلم السيد جميع ما وجب عليه فصل فإن زوجها من غير شرط فقال القاضي الحكم فيه كما لو شرط وله استخدامها نهارا وعليه إرسالها ليلا للاستمتاع بها لأنه زمانه وذلك لأن السيد يملك من أمته منفعتين منفعة الاستخدام والاستمتاع فإذا عقد على إحداهما لم يلزمه تسليمها إلا في زمن استيفائها كما لو أجرها للخدمة لم يلزمه تسليمها إلا في زمنها وهو النهار والنفقة بينهما على قدر إقامتها عندهما وإن تبرع السيد بإرسالها ليلا ونهارا فالنفقة كلها على الزوج وإن تبرع الزوج بتركها عند السيد ليلا ونهارا لم تسقط نفقتها عنه ولو تبرع كل واحد منهما بتركها عند الآخر وتدافعاها كانت نفقتها كلها على الزوج لأن الزوجية تقتضي وجوبها ما لم يمنع من استمتاعها عدوانا أو بشرط أو نحوه ولذلك تجب نفقتها مع تعذر استمتاعها بمرض أو حيض أو نحوهما فإذا لم يكن من السيد ها هنا منع فالنفقة على الزوج لوجود الزوجية المقتضية لها وعدم المانع منها فصل فإن أراد الزوج السفر بها لم يملك ذلك لأنه يفوت خدمتها المستحقة لسيدها وأن أراد السيد السفر بها فقد توقف أحمد عن ذلك وقال ما أدري فيحتمل المنع منه لأنه يفوت حق الزوج منها فمنع منه قياسا على ما لو منعه منه مع الإقامة ولأنه مالك لإحدى منفعتيها فلم يملك منع الآخر من السفر بها كالسيد وكما لو أجرها ثم أراد السفر بها ويحتمل أن له السفر بها لأنه مالك رقبتها كسيد العبد إذا زوجه وإن شرط الزوج أن تسلم إليه الأمة ليلا ونهارا جاز وعليه نفقتها كلها وليس للسيد السفر بها لأنه لا حق له في بضعها فصل ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين لقول النبي صلى الله عليه وسلم تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك متفق عليه ويختار البكر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتزوجت يا جابر قال قلت نعم قال بكرا أم ثيبا قال قلت بل ثيبا قال فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك متفق عليه وعن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنقى أرحاما رواه الإمام أحمد في رواية وأنتق أرحاما وأرضى باليسير ويستحب أن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة لما روي عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة رواه سعيد وروى معقل بن يسار قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب إلا أنها لا تلد أفأتزوجها فنهاه ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم رواه النسائي وعن علي بن الحسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا بني هاشم عليكم بنساء الأعاجم فالتمسوا أولادهن فإن في أرحامهن البركة ويختار الجميلة لأنها أسكن لنفسه وأغض لبصره وأكمل لمودته ولذلك شرع النظر قبل النكاح وقد روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها وعن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله أي النساء خير قال التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره رواه النسائي وعن يحيى بن جعدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها رواه سعيد
ويختار ذات العقل ويجتنب الحمقاء لأن النكاح يراد للعشرة ولا تصلح العشرة مع الحمقاء ولا يطيب العيش معها وربما تعدى ذلك إلى ولدها وقد قيل اجتنبوا الحمقاء فإن ولدها ضياع وصحبتها بلاء ويختار الحسيبة ليكون ولدها نجيبا فإنه أشبه أهلها ونزع إليهم وكان يقال إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم ويختار الأجنبية فإن ولدها أنجب ولهذا يقال اغتبروا لا تضووا يعني أنكحوا الغرائب كيلا تضعف أولادكم وقال بعضهم الغرائب أنجب وبنات العم أصبر ولأنه لا تؤمن العداوة في النكاح وإفضاؤه إلى الطلاق فإذا كان في قرابته أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها والله أعلم باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه وغير ذلك التحريم للنكاح ضربان تحريم عين وتحريم جمع ويتنوع أيضا نوعين تحريم نسب وتحريم سبب والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب فقول الله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم النساء 23 والآية التي قبلها والتي بعدها وأما السنة فروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ولا بينها وبين خالتها متفق عليه ومن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة أخرجه مسلم وأجمعت الأمة على تحريم ما نص الله تعالى على تحريمه مسألة قال ( والمحرمات نكاحهن بالأنساب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والمحرمات بالأسباب الأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء اللاتي دخل بهن وحلائل الأبناء وزوجات الأب والجمع بين الأختين ) وجملة ذلك أن المنصوص على تحريمهن في الكتاب أربع عشرة سبع بالنسب واثنتان بالرضاع وأربع بالمصاهرة وواحدة بالجمع فأما اللواتي بالنسب فأولاهن الأمهات وهن كل من انتسبت إليها بولادة سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك أو مجازا وهي التي ولدت من ولدك وإن علت من ذلك جدتاك أم أمك وأم أبيك وجدتا أمك وجدتا أبيك وجدات جداتك وجدات أجدادك وإن علوا وارثات كن أو غير وارثات كلهن أمهات محرمات ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل فقال تلك أمكم يا بني ماء السماء وفي الدعاء اللهم صل على أبينا آدمن وأمنا حواء والبنات وهن كل أنثى انتسبت إليك بولادتك كابنة الصلب وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن وارثات أو غير وارثات كلهن بنات محرمات لقوله تعالى وبناتكم فإن كل امرأة بنت آدم كما أن كل رجل ابن آدم قال الله تعالى يا بني آدم والأخوات من الجهات الثلاث من الأبوين أو من الأب أو من الأم لقوله تعالى وأخواتكم ولا تفريع عليهن والعمات أخوات الأب من الجهات الثلاث وأخوات لأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم قريبا كان الجد أو بعيدا وارثا أو غير وارث لقوله تعالى وعماتكم والخالات أخوات الأم من الجهات الثلاث وأخوات الجدات وإن علون وقد ذكرنا أن كل جدة أم فكذلك كل أخت لجدة خالة محرمة لقوله وخالاتكم وبنات الأخ كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة فهي بنت أخ محرمة من أي جهة كان الأخ لقوله تعالى وبنات الأخ وبنات الأخت كذلك أيضا محرمات لقوله سبحانه وبنات الأخت فهؤلاء المحرمات بالأنساب النوع الثاني المحرمات تحريم السبب وهو قسمان رضاع ومصاهرة فأما الرضاع فالمنصوص على التحريم فيه اثنتان الأمهات المرضعات وهن اللاتي أرضعنك وأمهاتهن وجداتهن وإن علت درجتهن على حسب ما ذكرنا في النسب محرمات بقوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة النساء 23 كل امرأة أرضعتك أمها أو أرضعتك أمك أو أرضعتها وإياها امرأة واحدة أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد كرجل له امرأتان لهما منه لبن أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى فهي أختك محرمة عليك لقوله سبحانه وأخواتكم من الرضاعة النساء 23 القسم الثاني تحريم المصاهرة والمنصوص عليه أربع أمهات النساء فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة بمجرد العقد نص عليه أحمد
وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وعمران بن حصين وكثير من التابعين وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن علي رضي الله عنه أنها لا تحرم إلا بالدخول بابنتها كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول ولنا قول الله تعالى وأمهات نسائكم النساء 23 والمعقود عليها من نسائه فتدخل أمها في عموم الآية قال ابن عباس أبهموا ما أبهم القرآن يعني عمموا حكمها في كل حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تزوج امرأة فطلقها قبل أن دخل بها لا بأس أن يتزوج ربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها رواه أبو حفص بإسناده وقال زيد تحرم بالدخول أو بالموت لأنه يقوم مقام الدخول وقد ذكرنا ما يوجب التحريم مطلقا سواء وجد الدخول أو الموت أو لا ولأنها حرمت بالمصاهرة بقبول مبهم فحرمت بنفس العقد كحليلة الابن والأب الثانية بنات النساء اللاتي دخل بهن وهن الربائب فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة وارثة أو غير وارثة على حسب ما ذكرنا في البنات إذا دخل بالأم حرمت عليه سواء كانت في حجره أو لم تكن في قول عامة الفقهاء إلا أنه روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره وهو قول داود لقول الله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم النساء 23 قال ابن المنذر وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول وقد ذكرنا حديث عبدالله بن عمرو في هذا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن ولأن التربية لا تأثير لها في التحريم كسائر المحرمات فأما الآية فلم تخرج مخرج الشرط وإنما وصفها بذلك تعريفا لها بغالب حالها وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه وإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار إذا بانت من نكاحه إلا أن يموت قبل الدخول ففيه روايتان إحداهما تحرم ابنتها وبه قال زيد بن ثابت وهي اختيار أبي بكر لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق فيقوم مقامه في تحريم الربيبة والثانية لا تحرم وهو قول علي ومذهب عامة العلماء قال ابن المنذر وأجمع عوام علماء الأمصار أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج ابنتها كذلك قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومن تبعهم لأن الله تعالى قال من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم النساء 23 وهذا نص لا يترك لقياس ضعيف وحديث عبدالله بن عمر وقد ذكرناه ولأنها فرقة قبل الدخول فلم تحرم الربيبة كفرقة الطلاق والموت لا يجري مجرى الدخول في الإحصان والإحلال وعدة الأقراء وقيامه مقامه من وجه ليس بأولى من مفارقته إياه من وجه آخر ولو قام مقامه من كل وجه فلا يترك صريح نص الله تعالى ونص رسوله لقياس ولا غيره إذا ثبت هذا فإن الدخول بها هو وطؤها كنى عنه بالدخول فإن خلا بها ولم يطأها لم تحرم ابنتها لأنها غير مدخول بها وظاهر قول الخرقي تحريمها لقوله فإن خلا بها وقال لم أطأها وصدقته لم يلتفت إلى قولها وكان حكمها حكم الدخول في جميع أمورها إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثا وفي الزنا فإنهما يجلدان ولا يرجمان وسنذكره فيما بعد إن شاء الله الثالثة حلائل الأبناء يعني أزواجهم سميت امرأة الرجل حليلة لأنها محل إزار زوجها وهي محللة له فيحرم على الرجل أزواج أبنائه وأبناء بناته من نسب أو رضاع قريبا كان أو بعيدا بمجرد العقد لقوله تعالى وحلائل أبنائكم النساء 23 ولا نعلم في هذا خلافا
الرابعة زوجات الأب فتحرم على الرجل امرأة أبيه قريبا أو بعيدا وارثا أو غير وارث من نسب أو رضاع لقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف النساء 22 وقال البراء بن عازب لقيت خالي ومعه الراية فقلت أين تريد قال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله رواه النسائي وفي رواية قال لقيت عمي الحارث بن عمرو ومعه الراية فذكر الخبر كذلك رواه سعيد وغيره وسواء في هذا امرأة أبيه أو امرأة جده لأبيه وجده لأمه قرب أم بعد وليس في هذا بين أهل العلم خلافا علمناه والحمد لله ويحرم عليه من وطئها أبوه أو ابنه بملك يمين أو شبهة كما يحرم عليه من وطئها في عقد نكاح قال ابن المنذر الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب وممن حفظنا ذلك عنه عطاء وطاوس والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم الضرب الثاني تحريم الجمع والمذكور في الكتاب الجمع بين الأختين سواء كانتا من نسب أو رضاع حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة من أبوين كانتا أو من أب أو أم وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده لعموم الآية فإن تزوجهما في عقد واحد فسد لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى وسواء علم بذلك حال العقد أو بعده فإن تزوج إحداهما بعد الأخرى فنكاح الأول صحيح لأنه لم يحصل فيه جميع ونكاح الثانية باطل لأنه به يحصل الجمع وليس في هذا بحمد الله اختلاف وليس عليه تفريع مسألة قال ( ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) كل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت على الوجه الذي شرحناه في النسب لقول النبي صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم النسب متفق عليه وفي وراية مسلم الرضاع يحرم ما تحرم الولادة وقال النبي صلى الله عليه وسلم في درة بنت أبي سلمة إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وإياها ثويبة متفق عليه لأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن والباقيات يدخلن في عموم لفط سائر المحرمات ولا نعلم في هذا خلافا مسألة قال ( ولبن الفحل محرم ) معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلا بلبن ثاب من وطء رجل حرم الطفل على الرجل وأقاربه كما يحرم ولده من النسب لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة فيصير الطفل ولد الرجل والرجل أباه وأولاد الرجل إخوته سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته قال أحمد لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان فترضع هذه صبية وهذه صبيا لا يزوج هذا من هذا سئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما فقال لا اللقاح واحد قال الترمذي هذا تفسير لبن الفحل وممن قال بتحريمه علي وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبي والقاسم وعروة ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة أهل الحديث ورخص في لبن الفحل سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي وأبو قلابة ويروى ذلك عن ابن الزبير وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مسمين لأن الرضاع من المرأة لا من الرجل
ويروى عن زينب بنت أبي سلمة أنها أرضعتها أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير قالت وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي فيقول اقبلي علي فحدثيني أراه والدا وما ولد فهم إخوتي ثم إن عبدالله بن الزبير أرسل يخطب إلي أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية فقلت لرسوله وهل تحل له وإنما هي ابنة أخيه فقال عبدالله إنما أردت بهذا المنع لما قبلك أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة فأرسلي فسلي عن هذا فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فقالوا لها إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا فأنكحتها إياه فلم تزل عنده حتى هلك عنها ولنا ما روت عائشة رضي الله عنها أن أفلح أخا أبي القعيس أستأذن علي بعد ما أنزل الحجاب فقلت والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن الرجل لي هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قال ائذني له فإنه عمك تربت يمينك قال عروة فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب متفق عليه وهذا نص قاطع في محل النزاع فلا يعول على ما خالفه فأما حديث زينب فإن صح فهو حجة لنا فإن الزبير كان يعتقد أنها ابنته وتعتقده أباها والظاهر أن هذا كان مشهورا عندهم وقوله مع إقرار أهل عصره أولى من قول ابنه وقول قوم لا يعرفون مسألة قال ( والجمع بين المرأة وبين عمتها وبينها وبين خالتها ) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول به وليس فيه بحمد الله اختلاف إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافا وهم الرافضة والخوارج لم يحرموا ذلك ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها متفق عليه وفي رواية أبي داود لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم وهذا موجود فيما ذكرنا فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 خصصناه بما رويناه وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فكان مما أنكرا عليه رجم الزاني وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها وقالا ليس هذا في كتاب الله تعالى فقال لهمهما كم فرض ض الله عليليكم من الصلصلاة قالا خمس صلوات ت في اليوموموموم الليلة وسألهما عن عدد ركعاتها فأخبراه بذلك وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها فأخبراه فقال فهل تجدان ذلك في كتاب الله قالا لا نجده في كتاب الله قال فمن أين صرتما إلى ذلك قالا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده قال فكذلك هذا ثم لا فرق بين الخالة والعمة حقيقة أو مجازا كعمات آبائها وخالاتهم وعمات أمهاتها وخالاتهن وإن علت درجتهن من نسب كان ذلك أو من رضاع فكل شخصين لا يجوز لإحدهما أن يتزوج الآخر لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لأجل القراءة لا يجوز الجمع بينهما لتأدية ذلك إلى قطيعة الرحم القريبة لما في الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر ولا يجوز الجمع بين المرأة وأمها في العقد لما ذكرناه ولأن الأم إلى ابنتها أقرب من الأختين فإذا لم يجمع بين الأختين فالمرأة وابنتها أولى
فصل ولا يحرم الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال في قول عامة أهل العلم لعدم النص فيهما بالتحريم ودخولهما في عموم قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 ولأن إحداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكرا وفي كراهة ذلك روايتان إحداهما يكره روي ذلك عن ابن مسعود وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن وسعيد بن عبد العزيز وروى أبو حفص بإسناده عن عيسى بن طلحة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزوج المرأة على ة القطيعة ولأنه مفض إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها فأقل أحواله الكراهة والأخرى لا يكره وهو قول سليمان بن يسار والشعبي وحسين بن حسن والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي عبيد لأنه ليست بينهما قرابة تحرم الجمع فلا يقتضي كراهته كسائر الأقارب مسألة قال ( وإذا عقد على المرأة ولم يدخل بها فقد حرمت على ابنه وأبيه وحرمت عليه أمها والجد وإن علا فيما قلت بمنزلة الأب وابن الابن فيه وإن سفل بمنزلة الابن ) وجملة ذلك أن المرأة إذا عقد الرجل عقد النكاح عليها حرمت على أبيه بمجرد العقد عليها لقوله الله تعالى وحلائل أبنائكم النساء 22 وهذه من حلائل أبنائه وتحرم على أبيه لقوله سبحانه ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم النساء 22 وهذه قد نكحها أبوه وتحرم أمها عليه لقوله سبحانه وأمهات نسائكم وهذه منهن وليس في هذا اختلاف بحمد الله إلا شيء ذكرناه فيما تقدم والجد كالأب في هذا وابن الابن كالابن فيه لأنهم يدخلون في اسم الآباء والأبناء وسواء في هذا القريب والبعيد والوارث وغيره من قبل الأب والأم ومن ولد البنين أو ولد البنات وقد تقدم ذلك مسألة قال ( وكل من ذكرنا من المحرمات من النسب والرضاع فبناتهن في التحريم كلهن إلا بنات العمات والخالات وبنات من نكحهن الآباء والأبناء فإنهن محللات وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها ) وجملة ذلك أن كل محرمة تحرم ابنتها لتناول التحريم لها فالأمهات تحرم بناتهن لأنهن أخوات أو عمات أو خالات والبنات يحرم بناتهن لأنهن بنات ويحرم بنات الأخوات وبناتهن لأنهن بنات الأخت وكذلك بنات بنات الأخ إلا بنات العمات والخالات فلا يحرمن بالإجماع لقول الله تعالى وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك الأحزاب 50 فأحلهن الله لنبيه عليه السلام ولأنهن لم يذكرن في التحريم فيدخلن في قول الله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 وكذلك لا يحرم بنات زوجات الآباء والأبناء لأنهن حرمن لكونهن حلائل الآباء والأبناء ولم يوجد ذلك في بناتهن ولا وجدت فيهن علة أخرى تقتضي تحريمهن فدخلن في قوله سبحانه وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها محللات لقوله سبحانه فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم النساء 24 وهن الربائب وليس هؤلاء ممن حرمت أمهن وإنما ذكرها لأنها محللة فيشتبه حكمها فإن قيل فلم حرمت ابنة الربيبة ولم تحرم ابنة حليلة الابن قلنا لأن ابنة الربيبة ربيبة وابنة الحليلة ليست حليلة ولأن علة تحريم الربيبة أنه يشق التحرز من النظر إليها والخلوة بها بكونها في حجرة في بيته وهذا المعنى يوجد في بنتها وإن سفلت والحليلة حرمت بنكاح الأب والابن لها ولا يوجد ذلك في ابنتها مسألة قال ( ووطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة ) يعني أنه يثبت به تحريم المصاهرة فإذا زنى بامرأة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وابنتها كما لو وطئها بشبهة أو حلالا ولو وطىء أم امرأته أو ابنتها حرمت عليه امرأته نص أحمد على هذا في رواية جماعة وروي نحو ذلك عن عمران بن حصين وبه قال الحسن وعطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي
وروي عن ابن عباس أن وطء الحرام لا يحرم وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وعروة والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحرم الحرام الحلال ولأنه وطء لا تصير به الموطوءة فراشا فلا يحرم كوطء الصغيرة ولنا قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء النساء 22 والوطء يسمى نكاحا قال الشاعر إذا زنيت فأجد نكاحا فحمل في عموم الآية وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء وهو قوله سبحانه وتعالى إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا النساء 22 وهذا التغليط إنما يكون في الوطء وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها وروي الجوزجاني بإسناده عن وهب بن منبه قال ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها فذكرته لسعيد بن السيب فأعجبه ولأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح تعلق بالمحظور كوطء الحائض ولأن النكاح عقد يفسده الوطء بالشبهة فأفسده الوطء الحرام كالإحرام وحديثهم لا نعرف صحته وإنما هو من كلام ابن أشوع بعض قضاة العراق كذلك قال الإمام أحمد وقيل إنه من قول ابن عباس ووطء الصغيرة ممنوع ثم يبطل بوطء الشبهة فصل والوطء على ثلاثة أضرب مباح وهو الوطء في نكاح صحيح أو ملك يمين فيتعلق به تحريم المصاهرة بالإجماع ويعتبر محرما لمن حرمت عليه لأنها حرمت عليه على التأبيد بسبب مباح أشبه النسب الثاني الوطء بالشبهة وهو الوطء في نكاح فاسد أو شراء فاسد أو وطء امرأة ظنها امرأته أو أمته أو وطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وأشباه هذا هذا يتعلق به التحريم كتعلقه بالوطء المباح إجماعا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطىء امرأة بنكاح فاسد أو بشراء فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده وولد ولده وهذا مذهب مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي ولأنه وطء يلحق به النسب فأثبت التحريم كالوطء المباح ولا يصير الرجل محرما لمن حرمت عليه ولا يباح له به النظر إليها لأن الوطء ليس بمباح ولأن المحرمية تتعلق بكمال حرمة الوطء لأنها إباحة ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى الثالث الحرام المحض وهو الزنا فيثبت به التحريم على الخلاف المذكور ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النظر لأنه إذا لم يثبت بوطء الشبهة فالحرام المحض أولى ولا يثبت به نسب ولا يجب به المهر إذا طاوعته فيه فصل ولا فرق بينما ذكرنا بين الزنا في القبل والدبر لأنه يتعلق به التحريم فيما إذا وجد في الزوجة والأمة فكذلك في الزنا فإن تلوط بغلام فقال بعض أصحابنا يتعلق به التحريم أيضا فيحرم على اللائط أم الغلام وابنته وعلى الغلام أم اللائط وابنته قال ونص عليه أحمد وهو قول الأوزاعي لأنه وطء في الفرج فنشر الحرمة كوطء المرأة ولأنها بنت من وطئه وأمه فحرمتا عليه كما لو كانت الموطوءة أنثى وقال أبو الخطاب يكون ذلك كالمباشرة دون الفرج يكون فيه روايتان والصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء غير منصوص عليهن في التحريم فيدخلن في عموم قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 ولأنهن غير منصوص عليهن ولا في معنى المنصوص عليه فوجب أن لا يثبت حكم التحريم فيهن فإن المنصوص عليهن في هذا حلائل الأبناء ومن نكحهن الآباء وأمهات النساء وبناتهن وليس هؤلاء منهن ولا في معناهن لأن الوطء في المرأة يكون سببا للبضعية ويوجب المهر ويلحق به النسب وتصير به المرأة فراشا ويثبت أحكاما لا يثبتها اللواط فلا يجوز إلحاقه بهن لعدم العلة وانقطاع الشبهة ولذلك لو أرضع الرجل طفلا لم يثبت به حكم التحريم فها هنا أولى وإن قدر بينهما شبه من وجه ضعيف فلا يجوز تخصيص عموم الكتاب به واطراح النص بمثله
فصل ويحرم على الرجل نكاح ابنته من الزنا وأخته وبنت ابنه وبنت ابنته وبنت أخيه وأخته من الزنا وهو قول عامة الفقهاء وقال مالك والشافعي في المشهور من مذهبه يجوز ذلك كله لأنها أجنبية منه ولا تنسب إليه شرعا ولا يجري التوارث بينهما ولا تعتق عليه إذا ملكها ولا تلزمه نفقتها فلم تحرم عليه كسائر الأجانب ولنا قول الله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم النساء 23 وهذه ابنته فإنها أنثى مخلوقة من مائه هذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية انظروه يعني ولدها فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء يعني الزاني لأنها مخلوقة من مائه وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة فأشبهت المخلوقة من وطء بشبهة ولأنها بضعة منه فلم تحل له كابنته من النكاح وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين إذا ثبت هذا فلا فرق بين علمه بكونها منه مثل أن يطأ امرأة في طهر لم يصبها فيه غيره ثم يحفظها حتى تضع أو مثل أن يشترك جماعة في وطء امرأة فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره فإنها تحرم على جميعهم لوجهين أحدهما أنها بنت موطوءتهم والثاني أننا نعلم أنها بنت بعضهم فتحرم على الجميع كما لو زوج الوليان ولم يعلم السابق منهما وتحرم على أولادهم لأنها أخت بعضهم غير معلوم فإن ألحقتها القافة بأحدهم حلت لأولاد الباقين ولم تحل لأحد ممن وطىء أمها لأنها في معنى ربيبته فصل ووطء الميتة يحتمل وجهين أحدهما ينشر الحرمة لأنه معنى ينشر الحرمة المؤبدة فلم يختص بالحياة كالرضاع والثاني لا ينشرها وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه ليس بيسبب للبضعية ولأن التحريم يتعلق باستيفاء منفعة الوطء والموت يبطل المنافع وأما الرضاع فيحرم لما يحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم وهذا يحصل من لبن الميتة وفي وطء الصغيرة أيضا وجهان أحدهما ينشرها وهو قول أبي يوسف لأنه وطء لآدمية حية في القبل أشبه وطءالكبيرة والثاني لا ينشرها وهو قول أبي حنيفة لأنه ليس بسبب للبضعية أشبه وطء الميتة فصل فأما المباشرة فيما دون الفرج فإن كانت لغير شهوة لم تنشر الحرمة بغير خلاف نعلمه وإن كانت لشهوة وكانت في أحنبية لم تنشر الحرمة أيضا قال الجوزجاني سألت أحمد عن رجل نظر إلى أم امرأته في شهوة أو قبلها أو باشرها فقال أنا أقول لا يحرمه شيء من ذلك إلا الجماع وكذلك نقل أحمد بن القاسم وإسحاق بن منصور وإن كانت المباشرة لامرأة محللة له كامرأته أو مملوكته لم تحرم عليه ابنتها قال ابن عباس لا يحرم الربيبة إلا جماع أمها وبه قال طاوس وعمرو بن دينار لأن الله تعالى قال فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم النساء 23 وهذا ليس بدخول فلا يجوز ترك النص الصريح من أجله وأما تحريم أمها وتحريمها على أبي المباشر لها وابنه فإنها في النكاح تحرم بمجرد العقد قبل المباشرة فلا يظهر للمباشرة أثر وأما الأمة فمتى باشرها دون الفرج لشهوة فهل يثبت تحريم المصاهرة فيه روايتان إحداهما ينشرها روي ذلك عن ابن عمر وعبدالله بن عمرو ومسروق وبه قال القاسم والحسن ومكحول النخعي والشعبي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة وعلي بن المديني وهو أحد قولي الشافعي لأنه نوع استمتاع فتعلق به تحريم المصاهرة كالوطء في الفرج ولأنه تلذذ بمباشرة يتعلق به التحريم كما لو وطىء والثانية لا يثبت به التحريم لأنها ملامسة لا توجب الغسل فلم يثبت بها التحريم كما لو لم يكن بشهوة لأن ثبوت التحريم إما أن يكون بنص أو قياس على المنصوص ولا نص في هذا ولا هو في معنى المنصوص عليه ولا المجمع عليه فإن الوطء يتعلق به من الأحكام استقرار المهر والإحصان والاغتسال والعدة وإفساد الإحرام والصيام بخلاف اللمس وذكر أصحابنا الروايتين في جميع الصور من غير تفصيل وهذا الذي ذكرناه أقرب إلى الصواب إن شاء الله سبحانه
فصل ومن نظر إلى فرج امرأة بشهوة فهو كلمسها لشهوة فيه أيضا روايتان إحداهما ينشر الحرمة في الموضع الذي ينشرها اللمس روي عن عمر وابن عمر وعامر بن ربيعة وكان بدريا وعبدالله بن عمرو فيمن يشتري الخادم ثم يجردها أو يقبلها لا يحل لابنه وطؤها وهو قول القاسم والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة لما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها وابنتها وفي لفظ لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها والثانية لا يتعلق به التحريم وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم لقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 ولأنه نظر من غير مباشرة فلم يوجب التحريم كالنظر إلى الوجه والخبر ضعيف قاله الدارقطني وقيل هو موقوف على ابن مسعود ثم يحتمل أنه كني بذلك عن الوطء وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر حرمة وقال بعض أصحابنا لا فرق بين النظر إلى الفرج وسائر البدن لشهوة والصحيح خلاف هذا فإن غير الفرج لا يقاس عليه لما بينهما من الفرق ولا خلاف نعلمه في أن النظر إلى الوجه لا يثبت الحرمة فكذلك غيره ولا خلاف أيضا في أن النظر إذا وقع من غير شهوة لا ينشر حرمة لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا كان لغير شهوة فالنظر أولى وموضع الخلاف في اللمس والنظر فيمن بلغت سنا يمكن الاستمتاع منها كابنة تسع فما زاد فأما الطفلة فلا يثبت فيها ذلك وقد روي عن أحمد في بنت سبع إذا قبلها حرمت عليه أمها قال القاضي هذا عندي محمول على السن الذي توجد معه الشهوة فصل فإن نظرت المرأة إلى فرج رجل لشهوة فحكمه في التحريم حكم نظره إليها نص عليه أحمد لأنه معنى يوجب التحريم فاستوى فيه الرجل والمرأة كالجماع وكذلك ينبغي أن يكون حكم لمسها له وقبلتها إياه لشهوة لما ذكرنا فصل فأما الخلوة بالمرأة فالصحيح أنها لا تنشر حرمة وقد روي عن أحمد إذا خلا بالمرأة وجب الصداق والعدة ولا يحل له أن يتزوج أمها وابنتها قال القاضي هذا محمول على أنه حصل مع الخلوة مباشرة فيخرج كلامه على إحدى الروايتين اللتين ذكرناهما فأما مع خلوه من ذلك فلا يؤثر في تحريم الربيبة لما في ذلك من مخالفة قوله سبحانه فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم النساء 23 وقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 وأما الخلوة بأجنبية أو أمته فلا تنشر تحريما لا نعلم في ذلك خلافا وكل من حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين لأنه إذا حرم العقد المراد للوطء فالوطء أولى مسألة قال ( وإن تزوج أختين من نسب أو رضاع في عقد واحد فسد وإن تزوجهما في عقدين فالأولى زوجته والقول فيهما القول في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها ) وجملة ذلك أن الجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها محرم فمن جمع بينهما فعقد عليهما معا لم يصح العقد في واحدة منهما لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما ولا مزية لإحداهما على الأخرى فيبطل فيهما كما لو زوجت المرأة لرجلين وهكذا لو تزوج خمسة في عقد واحد بطل في الجميع لذلك وإن تزوجهما في عقدين فنكاح الأول صحيح لأنه لا جمع فيه ونكاح الثانية باطل لأن الجمع يحصل به فبالعقد على الأولى تحرم الثانية ولا يصح عقده عليها حتى تبين الأولى منه ويزول نكاحها وعدتها فصل فإن تزوجهما في عقدين ولم يدر أولاهما فعليه فرقتهما معا
قال أحمد في رجل تزوج أختين لا يدري أيتهما تزوج أولا نفرق بينه وبينهما وذلك لأن إحداهما محرمة عليه ونكاحها باطل ولا نعرف المحللة له فقد اشتبهتا عليه ونكاح إحداهما يصح ولا تتيقن بينونتها منه إلا بطلاقهما جميعا أو فسخ نكاحهما فوجب ذلك كما لو زوج الوليان ولم يعرف الأول منهما وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس وسواء فعل ذلك بقرعة أو بغير قرعة ولا يخلو من ثلاثة أقسام أحدها أن لا يكون دخل بواحدة منهما فله أن يعقد على إحداهما في الحال بعد فراق الأخرى الثاني إذا دخل بإحداهما فإن أراد نكاحها فارق التي لم يصبها بطلقة ثم ترك المصابة حتى تنقضي عدتها ثم نكحها لأننا لا نأمن أن تكون هي الثانية فيكون قد أصابها في نكاح فاسد فلهذا اعتبرنا انقضاء عدتها ويحتمل أن يجوز له العقد عليها في الحال لأن النسب لا حق به ولا يصان ذلك عن مائة وإن أحب نكاح الأخرى فارق المصابة بطلقة ثم انتظرها حتى تنقضي عدتها ثم تزوج أختها القسم الثالث إذا دخل بهما فليس له نكاح واحدة منهما حتى يفارق الأخرى وتنقضي عدتها من حين فرقتها وتنقضي عدة الأخرى من حين أصابها وإن ولدت منه إحداهما أو هما جميعا فالنسب لا حق به لأنه إما من نكاح صحيح أو نكاح فاسد وكلاهما يلحق النسب فيه وإن لم يرد نكاح واحدة منهما فارقهما بطلقة طلقة فصل فأما المهر فإن لم يدخل بواحدة منهما فلإحداهما نصف المهر ولا نعلم من يستحقه منهما فيصطلحان عليه وإن لم يفعلا أقرع بينهما فكان لمن خرجت قرعتها مع يمينها وقال أبو بكر اختياري أن يسقط المهر إذا كان مجبرا على الطلاق قبل الدخول وإن دخل بواحدة منهما أقرع بينهما فإن وقعت لغير المصابة فلها نصف المهر وللمصابة مهر المثل بما استحل من فرجها وإن وقعت على المصابة فلا شيء للأخرى وللمصابة المسمى جميعه وإن أصابهما معا فلإحداهما المسمى وللأخرى مهر المثل يقرع بينهما فيه إن قلنا إن الواجب في النكاح الفاسد مهر المثل وإن قلنا بوجوب المسمى فيه وجب ها هنا لكل واحد منهما فصل قال أحمد إذا تزوج امرأة ثم تزوج أختها ودخل بها اعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية إنما كان كذلك لأنه لو أراد العقد على أختها في الحال لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطوءة كذلك لا يجوز الوطء لامرأته حتى تنقضي عدة أختها التي أصابها مسألة قال ( وإن تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد واحد ثبت نكاح الأجنبية ) وجملة ذلك أنه إذا عقد النكاح على أخته وأجنبية معا بأن يكون لرجل أخت وابنة عم إحداهما رضيعة المتزوج فيقول له زوجتكهما معا فيقبل ذلك فالمنصوص هنا صحة نكاح الأجنبية ونص فيمن تزوج حرة وأمة على أنه يثبت نكاح الحرة ويفارق الأمة وقيل فيه روايتان إحداهما يفسد فيهما وهو أحد قولي الشافعي واختيار أبي بكر لأنها لفظة واحدة جمعت حلالا وحراما فلم تصح كما لو جمع بين أختين والثانية يصح في الحرة وهي أظهر الروايتين وهذا قول مالك والثوري وأصحاب الرأي لأنها محل قابل للنكاح أضيف إليها عقد صادر عن أهله لم يجتمع معها فيه مثلها فصح كما لو انفردت به وفارق العقد على الأختين لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى وها هنا قد تعينت التي بطل النكاح فيها فعلى هذا القول يكون لها من المسمى بقسط مهر مثلها منه وفيه وجه آخر أن لها نصف المسمى وأصل هذين الوجهين إذا تزوج امرأتين يجوز له نكاحهما بمهر واحد هل يكون بينهما على قدر صداقهما أو نصفين على وجهين يأتي ذكرهما إن شاء الله فصل ولو تزوج يهودية ومجوسية ومحللة أو محرمة في عقد واحد فسد في المجوسية والمحرمة وفي الأخرى وجهان وإن نكح أربع حرائر وأمة فسد في الأمة وفي الحرائر وجهان وإن نكح العبد حرتين وأمة بطل نكاح الجميع وإن تزوج امرأة وابنتها فسد فيهما لأن الجمع بينهما محرم فلم يصح فيهما كالأختين
مسألة قال ( وإذا اشترى أختين فأصاب إحداهما لم يصب الأخرى حتى تحرم الأولى ببيع أو نكاح أو هبة وما أشبهه ويعلم أنها لست بحامل فإن عادت إلى ملكه لم يصب واحدة منهما حتى تحرم عليه الأولى ) الكلام في هذه المسألة في فصول ستة الفصل الأول أنه يجوز الجمع بين الأختين في الملك بغير خلاف بين أهل العلم وكذلك بينها وبين عمتها وخالتها ولو اشترى جارية فوطئها حل له شراء أختها وعمتها وخالتها لأن الملك يقصد به التمول دون الاستمتاع وكذلك حل له شراء المجوسية والوثنية والمعتدة والمزوجة والمحرمات عليه بالرضاع والمصاهرة الفصل الثاني أنه لا يجوز الجمع بين الأختين من إمائه في الوطء نص عليه أحمد في رواية الجماعة وكرهه عمر وعثمان وعلي وعمار وابن عمر وابن مسعود وممن قال بتحريمه عبيد الله بن عبدالله بن عتبة وجابر بن زيد وطاوس ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وروي عن ابن عباس أنه قال أحلتهما آية وحرمتهما آية ولم أكن لأفعله ويروى ذلك عن علي أيضا يريد بالمحرمة قوله وأن تجمعوا بين الأختين النساء 23 وبالمحللة قوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم المؤمنون 6 وقد روى ابن منصور عن أحمد وسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين أحرام هو قال لا أقول حرام ولكن ننهى عنه وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم وقال داود وأهل الظاهر لا يحرم استدلالا بالآية المحللة لأن حكم الحرائر في الوطء مخالف لحكم الإماء ولهذا تحرم الزيادة على أربع في الحرائر وتباح في الإماء بغير حصر والمذهب تحريمه للآية المحرمة فإنه يريد بها الوطء والعقد جميعا بدليل أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن وآية الحل مخصوصة بالمحرمات جميعهن وهذه منهن ولأنها امرأة صارت فراشا فحرمت أختها كالزوجة الفصل الثالث أنه إذا كان في ملكه أختان فله وطء إحداهما في قول أكثر أهل العلم وقال الحكم وحماد لا يقرب واحدة منهما وروي ذلك عن النخعي وذكره أبو الخطاب مذهبا لأحمد ولنا إنه ليس يجمع بينهما في الفراش فلم يحرم كما لو كان في ملكه إحداهما فقط الفصل الرابع أنه إذا وطىء إحداهما فليس له وطء الأخرى قبل تحريم الموطوءة على نفسه بإخراج عن ملكه أو تزويج هذا قول علي وابن عمر والحسن والأوزاعي وإسحاق والشافعي فإن رهنها لم تحل له أختها لأن منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريهما ولهذا يحل له بإذن المرتهن في وطئها ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه وقال قتادة إن استبرأها حلت له أختها لأنه قد زال فراشه ولهذا لو أتت بولد فنفاه بدعوى الاستبراء انتفى فأشبه ما لو زوجها ولنا قول علي وابن عمر ولأنه لم يزل ملكه عنها ولا حلها له فأشبه ما لو وطئت بشبهة فاستبرأها من ذلك الوطء ولأن ذلك لا يمنعه وطأها فلا يأمن عوده إليها فيكون ذلك ذريعة إلى الجمع بينهما وإن حرم إحداهما على نفسه لم تبح الأخرى لأن هذا لا يحرمها إنما هو يمين يكفر ولو كان يحرمها إلا أنه لعارض متى شاء أزاله بالكفارة فهو كالحيض والنفاس والإحرام والصيام وإن كاتب إحداهما فظاهر كلام الخرقي أنه لا تحل له الأخرى وقال أصحاب الشافعي تحل له الأخرى لأنها حرمت عليه بسبب لا يقدر على رفعه فأشبه التزويج ولنا إنه بسبيل من استباحتها بما لا يقف على غيرهما فلم تبح له أختها كالمرهونة الفصل الخامس أنه إذا أخرجها من ملكه لم تحل له أختها حتى يستبرىء المخرجة ويعلم براءتها من الحمل ومتى كانت حاملا منه لم تحل له أختها حتى تضع حملها لأنه يكون جامعا ماءه في رحم أختين بمنزلة نكاح الأخت في عدة أختها
فصل فإن وطىء أمتيه الأختين معا فوطء الثانية محرم ولا حد فيه ولأن وطأه في ملكه ولأنها مختلف في حكمها وله سبيل إلى استباحتها بخلاف أخته من الرضاع المملوكة له ولا يحل له وطء إحداهما حتى يحرم الأخرى ويستبرئها وقال القاضي وأصحاب الشافعي الأولى باقية على الحل لأن الوطء الحرام لا يحرم الحلال إلا أن القاضي قال لا يطؤها حتى يستبرىء الثانية ولنا إن الثانية قد صارت فراشا له يلحقه نسب ولدها فحرمت عليه أختها كما لو وطئها ابتداء وقولهم إن الحرام لا يحرم الحلال ليس بخبر صحيح وهو متروك بما لو وطىء الأولى في حيض أو نفاس أو إحرام حرمت عليه أختها وتحرم عليه أمها وابنتها على التأبيد وكذلك لو وطىء امرأة بشبهة في هذا الحال ولو وطىء امرأة حرمت عليه ابنتها سواء وطئها حراما أو حلالا الفصل السادس أنه متى زال ملكه عن الموطوءة زوالا أحل له أختها فوطئها ثم عادت الأولى إلى ملكه فليس له وطء إحداهما حتى تحرم الأخرى بإخراج عن ملكه أو تزويج نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي لا يحرم عليه واحدة منهما لأن الأولى لم تبق فراشا فأشبه ما لو وطىء أمة ثم اشترى أختها ولنا إن هذه صارت فراشا وقد رجعت إليه التي كانت فراشا فحرمت عليه كل واحدة منهما يكون أختها فراشا كما لو انفردت به فأما إن استفرش أمة واشترى أختها فإن المشتراة لم تكن فراشا له بل هي محرمة عليه بافتراش أختها ولو أخرج الموطوءة عن ملكه ثم عادت إليه قبل وطء أختها فهي حلال له وأختها محرمة عليه لأن أختها فراشه فصل وحكم المباشرة من الإماء فيما دون الفرج والنظر إلى الفرج بشهوة فيما يرجع إلى تحريم الأخت كحكمه في تحريم الربيبة والصحيح أنه لا يحرم لأن الحل ثابت بقوله أو ما ملكت أيمانكم النساء 3 ومخالفة ذلك إنما ثبتت بقوله وأن تجمعوا بين الأختين النساء 23 ) والمراد به الجمع في العقد أو الوطء ولم يوجد واحد منهما ولا ما في معناهما فصل وإن وطىء أمته ثم أراد نكاح أختها فقد سئل أحمد عن هذا فقال لا يجمع بين الأختين الأمتين فيحتمل أنه أراد أن النكاح لا يصح وهي إحدى الروايات عن مالك قال القاضي هو ظاهر كلام أحمد لأن النكاح تصير به المرأة فراشا فلم يجز أن ترد على فراش الأخت كالوطء ولأنه فعل في الأخت ما ينافي إباحة أختها المفترشة فلم يجز كالوطء ويحتمل أن يصح النكاح ولا تباح المنكوحة حتى تحرم أختها وهو مذهب أبي حنيفة قال أبو الخطاب وهو ظاهر كلام أحمد لأنه سبب يستباح به الوطء فجاز أن يرد على وطء الأخت ولا يبيح كالشراء وقال الشافعي يصح النكاح وتحل له المنكوحة وتحرم أختها لأن النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين فإذا اجتمعا وجب تقديم الأقوى ووجه الأول ما ذكرنا ولأن وطء مملوكته معنى يحرم أختها لعلة الجمع فمنع صحة نكاحها كالزوجية ويفارق الشراء فإنه لا يقصد به الوطء ولهذا صح شراء الأختين ومن لا يحل له وقولهم النكاح أقوى من الوطء ممنوع وإن سلم فالوطء أسبق فيقدم ويمنع صحة ما يطرأ عليه مما ينافيه كالعدة تمنع ابتداء نكاح الأخت وكذلك وطء الأمة يحرم نكاح ابنتها وأمها ولأن هذا بمنزلة نكاح الأخت في عدة أختها لكونه لم يستبرىء الموطوءة
فصل فإن زوج الأمة الموطوءة أو أخرجها عن ملكه فله نكاح أختها فإن عادت الأمة إلى ملكه فالزوجية بحالها وحلها باق لأن النكاح صحيح وهو أقوى ولا تحل له الأمة وعنه أنه ينبغي أن تحرم إحداهما لأن أمته التي كانت فراشا قد عادت إليه والمنكوحة مستفرشة فأشبه أمتيه التي وطىء إحداهما بعد تزويج الأخرى ثم طلق الزوج أختها وإن تزوج امرأة ثم اشترى أختها صح الشراء ولم تحل له لأن النكاح كالوطء فأشبه ما لو وطىء أمته ثم اشترى أختها فإن وطىء أمته حرمت عليه حتى يستبرىء الأمة ثم تحل له زوجته دون أمته لأن النكاح أقوى وأسبق وإنما وجب الاستبراء لئلا يكون جامعا لمائه في رحم أختين ويحتمل أن يحرما عليه جميعا حتى تحرم إحداهما كالأمتين مسألة قال ( وعمة الأمة وخالتها في ذلك كأختها ) يعني في تحريم الجمع بينهما في الوطء والتفصيل فيهما كالتفصيل في الأختين على ما ذكرنا مسألة قال ( ولا بأس أن يجمع بين من كانت زوجة رجل وابنته من غيرها ) أكثر أهل العلم يرون الجمع بين المرأة وربيبتها جائزا لا بأس به فعله عبدالله بن جعفر وصفوان بن أمية وبه قال سائر الفقهاء إلا الحسن وعكرمة وابن أبي ليلى رويت عنهم كراهيته لأن إحداهما لو كانت ذكرا حرمت عليه الأخرى فأشبه المرأة وعمتها ولنا قول الله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم النساء 24 ) ولأنهما لا قرابة بينهما فأشبهتا الأجنبيتين ولأن الجمع حرم خوفا من قطيعة الرحم القريبة بين المتناسبين ولا قرابة بين هاتين وبهذا يفارق ما ذكروه فصل ولو كان لرجل ابن من غير زوجته ولها بنت من غيره أو كان له بنت ولها ابن جاز تزويج أحدهما من الآخر في قول عامة الفقهاء وحكي عن طاوس كراهيته إذا كان مما ولدته المرأة بعد وطء الزوج لها والأول أولى لعموم الآية والمعنى الذي ذكرناه فإنه ليس بينهما نسب ولا سبب يقتضي وكونه أخا لأختها لم يرد الشرع بأنه سبب للتحريم فبقي على الإباحة لعموم الآية ومتى ولدت المرأة من ذلك الرجل ولدا صار عما لولد ولديهما وخالا فصل وإن تزوج امرأة لم تحرم أمها ولا ابنتها على أبيه ولا ابنه متى تزوج امرأة وزوج ابنه أمها جاز لعدم أسباب التحريم فإذا ولد لكل واحد منهما ولد كان ولد الابن خال ولد الأب وولد الأب عم ولد الابن ويروى أن رجلا أتى عبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين إني تزوجت امرأة وزوجت ابني بأمها فأخبرنا فقال عبد الملك إن أخبرتني بقرابة ولدك من ولد ابنك أخبرتك فقال الرجل يا أمير المؤمنين هذا العريان بن الهيثم الذي وليته قائم سيفك إن علم ذلك فلا تخبرني فقال العريان أحدهما عم والآخر خاله فصل وإذا تزوج رجل بامرأة وزوج ابنه بنتها أو أمها فزفت امرأة كل واحد منهما إلى صاحبه فوطئها فإن وطء الأول يوجب عليه مهر مثلها لأنه وطء شبهة ويفسخ به نكاحها من زوجها لأنها صارت بالوطء حليلة ابنه أو أبيه ويسقط به مهر الموطوءة عن زوجها لأن الفسخ جاء من قبلها بتمكينها من وطئها ومطاوعتها عليه ولا شيء لزوجها على الواطىء لأنه لم يلزمه شيء يرجع به ولأن المرأة مشاركة في إفساد نكاحها بالمطاوعة فلم يجب على زوجها شيء كما لو انفردت به ويحتمل أن يلزمه لزوجها نصف مهر مثلها لأنه أفسد نكاحها قبل الدخول أشبه المرأة تفسد نكاحه بالرضاع وينفسخ نكاح الواطىء أيضا لأن امرأته صارت أما لموطوءته أو بنتا لها ولها نصف المسمى فأما وطء الثاني فيوجب مهر المثل للموطوءة خاصة فإن أشكل الأول انفسخ النكاحان ولكل واحدة مهر مثلها على واطئها ولا يثبت رجوع أحدهما على الآخر ويجب لامرأة كل واحد منهما على الآخر نصف المسمى ولا يسقط بالشك مسألة قال ( وحرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلائل للمسلمين ) ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب وممن روي عنه ذلك عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وسلمان وجابر وغيرهم
قال ابن المنذر ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك وروى الخلال بإسناده أن حذيفة وطلحة والجارود بن المعلى وأذينة العبدي تزوجوا نساء من أهل الكتاب وبه قال سائر أهل العلم وحرمته الإمامية تمسكا بقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولا تمسكوا بعصم الكوافر البقرة 221 ولنا قول الله تعالى اليوم أحل لكم الطيبات المائدة 5 إلى قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن المائدة 5 وإجماع الصحابة فأما قوله سبحانه ولا تنكحوا المشركات البقرة 221 فروي عن ابن عباس أنها نسخت بالآية التي في سورة المائدة وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى لأنهما متقدمتان والآية التي في آخر المائدة متأخرة عنهما وقال آخرون ليس هذا نسخا فإن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب بدليل قوله سبحانه لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين البينة 1 وقال إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين البينة وقال لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا المائدة 82 وقال ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) ( البقرة 105 وسائر آي القرآن يفصل بينهما فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب وهذا معنى قول سعيد بن جبير وقتادة ولأن ما احتجوا به عام في كل كافرة وآتينا خاصة في حل أهل الكتاب والخاص يجب تقديمه إذا ثبت هذا فالأولى أن لا يتزوج كتابية لأن عمر قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب طلقوهن فطلقوهن إلا حذيفة فقال له عمر طلقها قال تشهد أنها حرام قال هي حرة طلقها قال تشهد أنها حرام قال هي حرة قال قد علمت أنها حرة ولكنها لي حلال فلما كان بعد طلقها فقيل له ألا طلقتها حين أمرك عمر قال كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي لي ولأنه ربما مال إليها قلبه ففتنته وربما كان بينهما ولد فيميل إليها فصل وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم هم أهل التوراة والإنجيل قال الله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا الأنعام 156 فأهل التوراة اليهود والسامرة وأهل الإنجيل النصارى ومن واقفهم في أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم وأما الصابئون فاختلف فيهم السلف كثيرا فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى ونص عليه الشافعي وعلق القول فيهم في موضع آخر وعن أحمد أنه قال بلغني أنهم يسبتون فهؤلاء إذا يشبهون اليهود والصحيح فيهم أنهم كانوا يوافقون النصارى أو اليهود في أصل دينهم ويخالفونهم في فروعه فهم ممن وافقوه إن خالفوهم في أصل الدين فليس هم منه والله أعلم وأما من سوى هؤلاء من الكفار مثل المتمسك بصحف إبراهيم وشيت وزبور داود فليسوا بأهل كتاب ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم وهذا قول الشافعي وذكر القاضي فيهم وجها آخر أنهم من أهل الكتاب ويحل ذبائحهم ونكاح نسائهم ويقرون بالجزية لأنهم تمسكوا بكتاب من كتب الله فأشبهوا اليهود والنصارى ولنا قول الله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا الأنعام 156 ولأن تلك الكتب كانت مواعظ وأمثالا لا أحكام فيها فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على الأحكام فصل وليس للمجوس كتاب ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم نص عليه أحمد وهو قول عامة الفقهاء إلا أبا ثور فإنه أباح ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولأنه يروى أن حذيفة تزوج مجوسية ولأنهم يقرون بالجزية فأشبهوا اليهود والنصارى
ولنا قول الله تعالى ولا تنكحوا المشركات البقرة 221 ) وقوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر الممتحنة 10 فرخص من ذلك في أهل الكتاب فمن عداهم يبقى على العموم ولم يثبت أن للمجوس كتابا وسئل أحمد أيصح عن علي أن للمجوس كتابا فقال هذا باطل واستعظمه جدا ولو ثبت أن لهم كتابا فقد بينا أن حكم أهل الكتاب لا يثبت لغير أهل الكتابين وقوله عليه السلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب دليل على أنه لا كتاب لهم وإنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم في حقن دمائم وإقرارهم بالجزية لا غير وذلك أنهم لما كانت لهم شبهة كتاب غلب ذلك في تحريم دمائهم فيجب أن يغلب حكم التحريم لنسائهم وذبائحهم فإننا إذا غلبنا الشبهة في التحريم فتغليب الدليل الذي عارضته الشبهة في التحريم أولى ولم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية وضعف أحمد رواية من روى عن حذيفة أنه تزوج مجوسية وقال أبو وائل يقول تزوج يهودية وهو أوثق ممن روي عنه أنه تزوج مجوسية وقال ابن سيرين كانت امرأة حذيفة نصرانية ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجيح على أنه لو ثبت ذلك عن حذيفة فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفة الكتاب وقول سائر العلماء وأما إقرارهم بالجزية فلأننا غلبنا حكم التحريم لدمائهم فيجب أن يغلب حكم التحريم في ذبائحهم ونسائهم فصل وسائر الكفار غير أهل الكتاب كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم وذلك لما ذكرنا من الآيتين وعدم المعارض لهما والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه ففي حلها أولى مسألة قال ( وإذا كان أحد أبوي الكافرة كتابيا والآخر وثنيا لم ينكحها مسلم ) وجملته أنه إذا كان أحد أبوي الكتابية غير كتابي لم يحل نكاحها سواء كان وثنيا أو مجوسيا أو مرتدا وبهذا قال الشافعي فيما إذاكان الأب غير كتابي لأن الولد ينسب إلى أبيه ويشرف بشرفه وينسب إلى قبيلته وإن كانت الأم غير كتابية فله فيه قولان ولنا إنها غير متمحضة من أهل الكتاب فلم يجز للمسلم نكاحها كما لو كان أبوها وثنيا ولأنها مولودة بين من يحل وبين من لا يحل فلم يحل كالسمع والبغل ويحتمل أن تحل بكل حال لدخولها في عموم الآية المبيحة ولأنها كتابية تقر على دينها فأشبهت من أبواها كتابيان والحكم فيمن أبواها غير كتابين كالحكم فيمن أحد أبويها كذلك لأنها إذا حرمت لكون أحد أبويها وثنيا فلأن تحرم إذا كانا وثنيين أولى والاحتمال الذي ذكرناه ثم يتحقق ها هنا اعتبارا بحال نفسها دون أبيها مسألة قال ( وإذا تزوج كتابية فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير دين أهل الكتاب أجبرت على الإسلام فإن لم تسلم حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها ) الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة الفصل الأول أن الكتابي إذا انتقل إلى غير دين أهله الكتاب لم يقر عليه لا نعلم في هذا خلافا فإنه إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله بالجزية كعباده الأوثان وغيرها مما يستحسنه فالأصلي منهم لا يقر على دينه فالمنتقل إليه أولى وإن انتقل إل المجوسية لم يقر أيضا لأنه انتقل إلى أنقص من دينه فلم يقر عليه كالمسلم إذا ارتد فأما إن انتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب كاليهودي يتنصر أو النصراني يتهود ففيه روايتان إحداهما لا يقر أيضا لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه فلم يقر عليه كالمرتد والثانية يقر عليه نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال وصاحبه وقول أبي حنيفة لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب فأشبه المنتقل وللشافعي قولان كالروايتين فأما المجوسي إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله عليه لم يقر كأهل ذلك الدين