Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الإنسان بها في الليل والنهار وأفضلها التهجد لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل وأنها تفعل في وقت غفلة الناس وتركهم الطاعات فكانت أفضل ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة وآخر الليل أفضل من أوله لقول الله تعالى : كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون الذاريات : 71 ، 81 ولأن الصلاة بعد النوم اشق ولأن المصلين فيه أقل فكان أفضل ، فإن جزأ الليل ثلاثة أجزاء فالثلث الأوسط أفضل لما روى عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ولأن الطاعات في هذا الوقت أقل فكانت الصلاة فيه أفضل ، ويكره إن يقوم الليل كله لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : تصوم النهار : قلت : نعم ، قال : وتقوم الليل فقلت : نعم ، قال : لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني . + الشرح : حديث أبي هريرة رواه مسلم ، وأما الحديث الأول عن عبد الله بن عمرو بن العاص فرواه البخاري ومسلم ، وأما حديثه الآخر فرواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ ، ولفظه عندهما أن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل فقلت : بلى يا رسول الله قال : فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا وذكر الحديث ، ورويا في الصحيحين هذا اللفظ المذكور في المهذب من رواية أنس . وأعلم أنه يقع في أكثر النسخ في الحديث الأول عبد الله بن عمر بغير واو فيقتضي أن يكون عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهذا غلط صريح لا شك فيه ولا تأويل له ، وصوابه عبد الله بن عمرو بن العاص كما ذكرناه أولا ، وحديثه هذا في الصحيحين وسائر كتب الحديث . قال العلماء : التهجد أصله الصلاة كانوا قليلا من الليل ما يهجعون الذاريات : 71 قال المفسرون وأهل اللغة : الهجوع النوم في الليل . واختلفوا في معنى الآية فقيل : إن ما صلة . والمعنى كانوا يهجعون قليلا من الليل ويصلون أكثره ، وقليل معناه كان الليل الذي ينامونه كله قليلا ، وقيل بالوقف على قليلا أي كانوا قليلا من الناس . ثم يبتدأ من الليل ما يهجعون أي لا ينامون شيئا منه وضعف هذا القول . والأسحار جمع سحر وهو آخر الليل . قال الماوردي في تفسيره : قال ابن زيد : السحر السدس الآخر من الليل ، وقوله : فإن جزأ الليل ثلاثة أجزاء يقال : جزأ بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان فصيحتان حكاهما ابن السكيت وغيره ، وبعدها همزة أي قسم . أما حكم المسألة : فقيام الليل سنة مؤكدة ، وقد تطابقت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة . والأحاديث الواردة فيه في الصحيحين وغيرهما أشهر من أن تذكر ، وأكثر من أن تحصر .
قال أصحابنا وغيرهم : والتطوع المطلق بلا سبب في الليل أفضل منه في النهار لحديث أبي هريرة المذكور في الكتاب مع ما ذكره المصنف فإن قسم الليل نصفين فالنصف الآخر أفضل ، وإن قسمه أثلاثا مستوية فالثلث الأوسط أفضلها وأفضل منه السدس الرابع والخامس لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص المذكور في الكتاب في صلاة داود صلى الله عليه وسلم وهذا مراد المصنف والشافعي في المختصر وغيرهم بقولهم : الثلث الأوسط أفضل ، وينبغي أن لا يخل بصلاة الليل وإن قلت ، ويكره أن يقوم كل الليل دائما للحديث المذكور في الكتاب ، فإن قيل : ما الفرق بينه وبين صوم الدهر غير أيام النهي فإنه لا يكره عندنا فالجواب أن صلاة الليل كله دائما يضر العين وسائر البدن كما جاء في الحديث الصحيح بخلاف الصوم فإنه يستوفي في الليل ما فاته من أكل النهار ولا يمكنه نوم النهار إذا صلى الليل لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه . هذا حكم قيام دائما فأما بعض الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل واتفق أصحابنا على إحياء ليلتي العيدين ، والله أعلم . فرع في مسائل مهمة تتعلق بصلاة الليل إحداها : يسن لكل من استيقظ في الليل أن يمسح النوم عن وجهه ، وأن يتسوك وأن ينظر في السماء ، وأن يقرأ الآيات التي في آخر آل عمران إن في خلق السماوات والأرض آل عمران : 091 الآيات . ثبت كل ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . الثانية : السنة أن يفتتح صلاة الليل ركعتين خفيفتين ثم يصلي بعدهما كيف شاء لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين رواه مسلم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين رواه مسلم . الثالثة : السنة أن يسلم من كل ركعتين وسنوضحه قريبا بدلائله وفروعه إن شاء الله تعالى . الرابعة : تطويل القيام عندنا أفضل وأفضل من تكثير الركعات ، وقد سبقت المسألة بدلائلها ومذاهب العلماء فيها في أول باب صفة الصلاة . الخامسة : هل يستحب الجهر أم التوسط بينهما فيه ثلاثة أوجه سبقت بدلائلها في باب صفة الصلاة ، وذكرت هناك جملة من الأحاديث الواردة في المسألة ، وهذا الخلاف فيمن لا يتأذى بجهره أحد ولا يخاف به رياء ونحوه ، فإن اختل أحد هذين الشرطين أسر بلا خلاف ، والسنة ترتيل قراءته وتدبرها ولا بأس بترديد الآية للتدبر وإن طال ترديدها . السادسة : إذا نعس في صلاته فليتركها وليرقد حتى يذهب عنه النوم لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم وهو ناعس يذهب يستغفر فيسب نفسه رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع رواه مسلم . وعن أنس رضي الله عنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال : ما هذا قالوا لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به ، فقال : حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليقعد رواه البخاري ومسلم والأحاديث الصحيحة بهذا المعنى مشهورة .
السابعة : يستحب للرجل إذا استيقظ لصلاة الليل أن يوقظ لها امرأته ، ويستحب للمرأة إذا استيقظت لها أن توقظ زوجها لها ، ويستحب لغيرهما أيضا لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال : سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة ، ماذا أنزل من الخزائن . من يوقظ صواحب الحجرات ، يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة رواه البخاري . وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلة فقال : ألا تصليان قال : فقلت يا رسول الله أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف حين قلت ذلك ، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا الكهف : 45 رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء ، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح . وعن أبي سعيد وأبي هريرة جميعا قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتب من الذاكرين والذاكرات رواه داود والنسائي وغيرهما بإسناد صحيح . الثامنة : يستحب لمن أراد قيام الليل أن لا يعتاد منه إلا قدرا يغلب على ظنه بقرائن حاله أن يمكنه الدوام عليه مدة حياته ، ويكره بعد ذلك تركه والنقص منه لغير ضرورة ، ودلائل هذا كله في الصحيحين مشهورة ، منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا رواه البخاري ومسلم ، ومعناه لا يعاملكم معاملة المال ويقطع عنكم الثواب حتى تملوا . وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أحب إلى الله تعالى قال : أدومه وإن قل رواه البخاري ومسلم وعنها قالت : كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة رواه مسلم . وعنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته ، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة . قالت : وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح ، وما صام شهرا متتابعا إلا رمضان رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل رواه البخاري ومسلم . وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل . قال سالم : فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا . رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام حتى أصبح ، قال : ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ، أو قال : في أذنه رواه البخاري ومسلم ، والأحاديث في الصحيحين بمعنى ما ذكرته كثيرة . التاسعة : ينبغي له أن ينوي عند ثبت في الحديث الصحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه رواه النسائي وابن ماجه بإسناد صحيح على شرط مسلم .
العاشرة : يستحب استحبابا متأكدا ساعات الليل كلها وآكده النصف الآخر وأفضله عند الأسحار ، قال الله تعالى : والمستغفرين بالأسحار آل عمران : 71 وقال تعالى : وبالأسحار هم يستغفرون الذاريات : 81 وعن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة رواه مسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى من ثلث الليل الآخر يقول : من يدعو فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم . وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران أحدهما : تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث ، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين والثاني : الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى : ليس كمثله شيء . وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين ، وحاصله أن يقال : لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد ، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم . فرع : الصحيح المنصوص في الأم والمختصر أن الوتر يسمى تهجدا ، وفيه وجه أن لا يسمى تهجدا ، بل الوتر غير التهجد . فرع : عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا رواه البخاري . فرع : عن ابن عباس عن النبي صيام النهار ، وبالقيلولة على قيام الليل رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف : القيلولة في اللغة النوم نصف النهار ، وقد سبق أن أحاديث الفضائل يعمل فيها بالضعيف .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأفضل التطوع بالنهار ما كان في البيت لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . + الشرح : حديث زيد رواه البخاري ضحاك بن زيد الأنصاري النجاري بالنون والجيم كنيته أبو سعيد ، وقيل أبو خارجة وقيل أبو عبد الرحمن ، وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان كاتبا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين ، وقيل غير ذلك . قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : فعل ما لا تسن له الجماعة من التطوع في بيته أفضل منه في المسجد وغيره ، سواء في ذلك تطوع الليل والنهار ، وسواء الرواتب مع الفرائض وغيرها ، وعجيب من المصنف في تخصيصه بتطوع النهار ، وكان ينبغي أن يقول : وفعل التطوع في البيت أفضل كما قاله في التنبيه ، وكما قاله الأصحاب وسائر العلماء . ودليله الحديث المذكور مع غيره من الأحاديث الصحيحة في ذلك . وقد قدمت هذه المسألة بدلائلها من الأحاديث الصحيحة وفروعها ، وكلام الأصحاب فيها في أواخر باب صفة الصلاة ، ومن الأحاديث المهمة التي سبق هناك حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل البيت الذي يذكر الله تعالى فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت رواه البخاري ومسلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا رأيت أن الصبح تدركك فأوتر بواحدة وإن جمع ركعات بتسليمة جاز لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ( من الليل ) ثلاث عشرة ركعة ويوتر من ذلك بخمس يجلس في الآخرة ويسلم ، وأنه أوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ( ولا كلام ) وإن تطوع بركعة واحدة جاز ، لما روي أن عمر رضي الله عنه مر بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل فقال : يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة فقال : إنما هي تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص . + الشرح : حديث ابن عمر رواه الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة وفي رواية فإذا خفت وفي رواية أبي داود صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وإسنادهما صحيح . وروى البيهقي بإسناده عن الإمام البخاري أنه سئل عن هذه الرواية فقال : هي صحيحة ، ولو ذكر المصنف الروايتين كان أحسن . وحديث عائشة صحيح ، بعضه في الصحيحين وبعضه في أحدهما بمعناه ففي رواية عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها رواه مسلم ، وفي رواية كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة ثم ينهض ولا يسلم فيصلي التاسعة ثم يسلم رواه مسلم . وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه فرواه الشافعي ثم البيهقي بإسنادين ضعيفين ، ومعنى كلامه أن التطوع يسن كونه ركعتين ولا يشترط ذلك ، بل من شاء استوفى المسنون ، ومن شاء زاد عليه فزاد على ركعتين بتسليمة ، ومن شاء نقص منه فاقتصر على ركعة . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : التطوع هو الذي لا سبب له ولا حصر له ولا لعدد ركعات الواحدة منه ، وله أن ينوي عددا وله أن لا ينويه بل يقتصر على نية الصلاة فإذا شرع في تطوع ولم ينو عددا فله أن يسلم من ركعة وله أن يزيد فيجعلها ركعتين أو ثلاثا أو عشرا أو مائة أو ألفا أو غير ذلك ، ولو صلى عددا لا يعلمه ثم سلم صح بلا خلاف ، اتفق عليه أصحابنا ، ونص عليه الشافعي رحمه الله في الإملاء . وروى البيهقي بإسناده أن أبا ذر رضي الله عنه صلى عددا كثيرا فلما سلم قال له الأحنف بن قيس رحمه الله : هل تدري انصرفت على شفع أم على وتر قال : إلا أكن أدري فإن الله يدري ، إني سمعت خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول ثم بكى ثم قال : إني سمعت خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة ورواه الدارمي في مسنده بإسناد صحيح إلا رجلا اختلفوا في عدالته . وحكى صاحب التتمة وجهين فيمن نوى التطوع مطلقا : يكره له الاقتصار على ركعة بناء على أنه لو نذر صلاة هل يكفيه ركعة أم يجب ركعتان وفيه القولان المشهوران . وهذا الوجه ضعيف جدا أو غلط . وأما إذا نوى ركعة واحدة واقتصر عليها فتصح صلاته بلا خلاف ، ولو نوى عددا قليلا أو كثيرا وإن بلغت كثرته ما بلغت صحت صلاته ويستوفيه بتسليمة واحدة فإنه أكثر المنقول في الوتر ، وهذا الوجه شاذ ضعيف ، والصحيح المشهور جواز الزيادة ما شاء . قال أصحابنا : ثم إذا نوى عددا فله أن يزيد وله أن ينقص فمن أحرم بركعتين أو ركعة فله جعلها عشرا ومائة ، ومن أحرم بعشر أو مائة أو ركعتين فله جعلها ركعة ونحو ذلك قال أصحابنا .
وإنما يجوز الزيادة والنقص بشرط زاد أو نقص بلا تغيير النية عمدا بطلت صلاته بلا خلاف . مثاله : نوى ركعتين فقام إلى ثالثة بنية الزيادة جاز ، وإن قام بلا نية عمدا بطلت صلاته ، وإن قام ناسيا لم تبطل لكن يعود إلى القعود ويتشهد ويسجد للسهو ، فلو بدا له في القيام وأراد أن يزيد فهل يشترط العود إلى القعود ثم يقوم منه أم له المضي فيه وجهان مشهوران أصحهما : الاشتراط لأن القيام إلى الثالثة شرط ولم يقع معتدا به ، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته ، ولو نوى ركعتين فصلى أربعا ساهيا ثم نوى إكمال صلاته أربعا صلى ركعتين آخرتين ولا يحسب ما سها به . ولو نوى أربعا ثم نوى الاقتصار على ركعتين جاز وسلم منهما ، فلو سلم قبل تغير النية عمدا بطلت صلاته ، وإن سلم سهوا أتم أربعا وسجد للسهو ، فلو أراد بعد سلامه أن يقتصر على الركعتين جاز فيسجد للسهو ويسلم ثانيا ، لأن سلامه الأول وقع سهوا فهو غير محسوب . ثم إن تطوع بركعة فلا بد من التشهد عقبها ويجلس متوركا كما سبق بيانه في بابه ، وإن زاد على ركعة فله أن يقتصر على تشهد واحد في آخر صلاته ، وهذا التشهد ركن لا بد منه ، وله أن يتشهد في كل ركعتين كما في الفرائض الرباعية ، فإن كان العدد وترا فلا بد من التشهد في الآخرة أيضا ، وهذا إذا كانت صلاته أربعا ، فإن كانت ستا أو عشرا أو عشرين أو أكثر من ذلك شفعا كانت أو وترا ففيها أربعة أوجه : الصحيح : الذي قطع به العراقيوان وآخرون أنه يجوز أن يتشهد في كل ركعتين وإن كثرت التشهدات ، ويتشهد في الآخرة ، وله أن يقتصر على تشهد في الآخرة ، وله أن يتشهد في كل أربع أو ثلاث أو ست وغير ذلك ، ولا يجوز أن يتشهد في كل ركعة لأنه اختراع صورة في الصلاة لا عهد بها . والثاني : لا يجوز الزيادة على يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين إن كان العدد شفعا ، فإن كان وترا لم يجز بينهما أكثر من ركعة ، وبهذا الوجه قطع القاضي حسين وصاحبا التتمة والتهذيب وغيرهم ، وهو قوي ، وظاهر السنة يقتضيه . والثالث : أنه لا يجلس إلا في الآخرة ، حكاه صاحبا الإبانة والبيان وهو غلط . والرابع : يجوز التشهد في كل الحرمين والغزالي وهو ضعيف أو باطل ، قال الرافعي : لم يذكر هذا غير الإمام والغزالي قال : ولا خلاف في جواز الاقتصار على تشهد في آخر الصلاة ، قال : والمذهب جواز التشهد في كل ركعتين ، قال : فإن اقتصر على تشهد قرأ السورة في كل الركعات ، وإن صلى بتشهدين ففي استحباب قراءة السورة فيما بعد التشهد الأول القولان المعروفان في الفرائض ، وقد سبق بيان هذه المسألة في فصل القراءة من باب صفة الصلاة . قال أصحابنا : ولا خلاف أن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين في نوافل الليل والنهار ، وقد تكرر بيان هذا في مواضع سبقت وبالله التوفيق . فرع : في مذاهب العلماء في يجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة وأن الأفضل في صلاة الليل والنهار أن يسلم من كل ركعتين ، وبهذا قال مالك وأحمد و داود وابن المنذر ، وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير ، وقال أبو حنيفة : التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار سواء في الفضيلة ولا يزيد على ذلك . وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة ولا يزيد على ثمان ، وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعا واختاره إسحاق .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليصل سجدتين من قبل أن يجلس فإن دخل وقد حضرت الجماعة لم يصل التحية لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ولأنه يحصل به التحية كما يحصل حق الدخول إلى الحرم بحجة الفرض . + الشرح : حديث أبي قتادة صحيح طرق ، منها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين هذا لفظ البخاري ومسلم ، والمراد بالسجدتين في رواية المصنف ركعتان ، وقد تكررت الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك ، وأما حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فرواه مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه . أما حكم المسألة : فأجمع العلماء على استحباب تحية المسجد ويكره أن يجلس من غير تحية بلا عذر لحديث أبي قتادة المصرح بالنهي وسواء عندنا دخل في وقت النهي عن الصلاة أم في غيره كما سنوضحه بدليله في بابه إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : وتحية المسجد ركعتان للحديث ، فإن صلى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة جاز ، وكانت كلها تحية لاشتمالها على الركعتين ، ولو صلى على جنازة أو سجد لتلاوة أو شكر أو صلى ركعة واحدة لم تحصل التحية ، لصريح الحديث الصحيح ، هذا هو المذهب . وحكى الرافعي وجها أنها تحصل لحصول عبادة وإكرام المسجد والصواب الأول ، وإذا جلس والحالة هذه كان مرتكبا للنهي ، قال أصحابنا : ولا يشترط أن ينوي بالركعتين التحية ، بل إذا صلى ركعتين بنية الصلاة مطلقا أو نوى ركعتين نافلة راتبة أو غير راتبة أو صلاة فريضة مؤداة أو مقضية أو منذورة أجزأه ذلك وحصل له ما نوى ، وحصلت تحية المسجد ضمنا ولا خلاف في هذا . قال أصحابنا : وكذا لو نوى الفريضة وتحية المسجد أو الراتبة وتحية المسجد حصلا جميعا بلا خلاف ، وأما قول الرافعي في الصورة الأولى : إنه يجوز أن يطرد فيه الخلاف فيمن ينوي بغسله الجنابة هل تحصل الجمعة وقول الشيخ أبي عمرو بن الصلاح في الصورة الثانية إنه ينبغي أن يطرد فيها الخلاف فيمن نوى بغسله الجنابة والجمعة ، فليس كما قالا ، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا الذي ذكراه ، بل كلهم مصرحون بحصول الصلاة في الصورتين ، وحصول التحية فيهما وبأنه لا خلاف فيه ويفارق مسألة غسل الجمعة لأنها سنة مقصودة وأما التحية فالمراد بها أن لا ينتهك المسجد بالجلوس بغير صلاة والله أعلم . فرع : لو تكرر دخوله في المسجد في الساعة الواحدة مرارا ، قال صاحب التتمة : تستحب التحية لكل مرة وقال المحاملي في اللباب : أرجو أن تجزيه التحية مرة واحدة ، والأول أقوى وأقرب إلى ظاهر الحديث . فرع : قال أصحابنا : تكره التحية في حالتين إحداهما : إذا دخل والإمام في المكتوبة أو وقد شرع المؤذن في الإقامة الثاني : إذا دخل المسجد الحرام فلا يشتغل بها عن الطواف ، وأما إذا دخل والإمام يخطب يوم الجمعة أو غيره فلا يجلس حتى يصلي التحية ويخففها ، وسنوضحها بدلائلها حيث ذكرها المصنف في صلاة الجمعة إن شاء الله تعالى .
فرع : لو جلس في المسجد قبل التحية وطال الفصل فاتت ، ولا يشرع قضاؤها بالاتفاق كما سبق بيانه ، فإن لم يطل الفصل فالذي قاله الأصحاب إنها تفوت بالجلوس فلا يفعلها بعده ، وذكر الأصحاب هذه المسألة في كتاب الحج في مسألة الإحرام لدخول الحرم ، وقاسوا عليها أن من دخله بغير إحرام لا يقضيه ، بل فاته بمجرد الدخول كما تفوت التحية بالجلوس ، وذكر الإمام أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا في كتابه المصنف في العبادات أنه لو نسى التحية وجلس ثم ذكرها بعد ساعة صلاها ، وهذا غريب . وقد ثبت عن جابر رضي الله عنه قال : جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أركعت ركعتين قال : لا : قال : قم فاركعهما رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه البخاري أيضا بمعناه فالذي يقتضيه هذا الحديث أنه إذا ترك التحية جهلا بها أو سهوا يشرع له فعلها ما لم يطل الفصل ، وهذا هو المختار وعليه يحمل قول ابن عبدان ويحمل كلام الأصحاب على ما إذا طال الفصل لئلا يصادم الحديث الصحيح ، وهذا الذي اختاره متعين لما فيه من موافقة الحديث ، والجمع بين كلام الأصحاب وابن عبدان والحديث ، والله أعلم .
فصل في مسائل تتعلق بباب صلاة التطوع
إحداها : يستحب ركعتان عقب الوضوء للأحاديث الصحيحة فيها ، وقد أوضحت المسألة بدلائلها في آخر الباب في صفة الوضوء ، ويستحب لمن أريد قتله بقصاص أو في حد أو غيرهما أن يصلي قبيله إن أمكنه لحديث أبي هريرة : أن خبيب بن عدي الصحابي رضي الله عنه حين أخرجه الكفار ليقتلوه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دعوني أصلي ركعتين . فكان أول من صلى الركعتين عند القتل رواه البخاري ومسلم . المسألة الثانية : من السنن ركعتا الإحرام وكذا ركعتا الطواف إذا قلنا بالأصح إنهما لا يجبان . المسألة الثالثة : السنة لمن قدم من سفر أن يصلي ركعتين في المسجد أول قدومه لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين رواه البخاري ومسلم واحتج به البخاري في لمسألة . المسألة الرابعة : صلاة الاستخارة سنة وهي أن من أراد أمرا من الأمور صلى ركعتين بنية صلاة الاستخارة ثم دعا بما سنذكره إن شاء الله تعالى ، واتفق أصحابنا وغيرهم على أنها سنة لحديث جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني استخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا لأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال : عاجل أمري وآجله ، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا لأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال : عاجل أمري وآجله ، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به . ويسمي حاجته رواه البخاري في مواضع من صحيحه ، وفي بعضها ثم رضني به ، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة : قل يا أيها الكافرون وفي الثانية : قل هو الله أحد ثم ينهض بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره . المسألة الخامسة : قال القاضي حسين وصاحبا التهذيب والتتمة والروياني في أواخر كتاب لجنائز من كتابه البحر : يستحب صلاة التسبيح للحديث الوارد فيها وفي هذا لاستحباب نظر لأن حديثها ضعيف ، وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروف ، فينبغي ألا يفعل بغير حديث ، وليس حديثها بثابت ، وهو ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس رضي الله عنه : يا عباس يا عماه ألا أعطيك ، ألا أمنحك ، ألا أحبوك ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره ، قديمه وحديثه خطأه وعمده صغيره وكبيره سره وعلانيته ، أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ، ثم تركع وتقولها وأنت راكع عشرا وترفع رأسك من لركوع فتقولها عشرا ، ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا ثم تسجد فقولها عشرا ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصليها كل يوم فافعل ، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة ، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة ، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة ، فإن لم تفعل ففي كل عمرك مرة رواه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه وغيرهم ، ورواه الترمذي من رواية أبي رافع بمعناه .
قال الترمذي : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة التسبيح غير حديث قال : ولا يصح منه كبير شيء ، قال : قد رأى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح ، وذكروا الفضل فيه . وقد قال العقيلي : ليس في صلاة لتسبيح حديث يثبت ، وكذا ذكر أبو بكر بن العربي وآخرون ، أنه ليس فيها حديث صحيح ولا حسن والله أعلم . السادسة في صلاة الحاجة : عن ابن أبي أوفي رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ، ثم ليثن على الله عز وجل وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب لعرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين رواه الترمذي وضعفه . السابعة : يكره تخصيص ليلة لجمعة بصلاة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي رواه مسلم . الثامنة : قد سبق أن النوافل لا تشرع الجماعة فيها إلا في العيدين والكسوفين والاستسقاء ، وكذا التراويح والوتر بعدها إذا قلنا بالأصح : إن لجماعة فيها أفضل ، وأما باقي النوافل كالسنن الراتبة مع الفرائض والضحى والنوافل المطلقة فلا تشرع فيها الجماعة ، أي لا تستحب ، لكن لو صلاها جماعة جاز ، ولا يقال : إنه مكروه وقد نص الشافعي رحمه الله في مختصري البويطي والربيع على أنه لا بأس بالجماعة في النافلة ودليل جوازها جماعة أحاديث كثيرة في الصحيح منها حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه في بيته بعد ما اشتد النهار ومعه أبو بكر رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه فقام وصفنا خلفه ثم سلم وسلمنا حين سلم رواه البخاري ومسلم ، وثبتت الجماعة في النافلة مع رسول لله صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأنس بن مالك وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم ، وأحاديثهم كلها في الصحيحين إلا حديث حذيفة ففي مسلم فقط ، والله أعلم . التاسعة : ينبغي لكل أحد المحافظة على النوافل والإكثار منها على حسب ما سبق بيانه في الباب ، وقد سبقت دلائله ، من أهمها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، فإن انتقص من فريضته شيئا قال الرب سبحانه وتعالى : اذكروا هل لعبدي من تطوع فتكمل به ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك رواه لترمذي والنسائي وآخرون ، قال الترمذي : حديث حسن ، ورواه أبو داود من رواية أبي هريرة هكذا ، ثم رواه من رواية تميم الداري بمعناه بإسناد صحيح .
العاشرة : الصلاة المعروفة بصلاة لرغائب ، وهي ثنتا عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب ، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب ، وإحياء علوم لدين ، ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك ، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابا نفيسا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد رحمه لله . فرع في مذاهب العلماء في كيفية ركعات التطوع قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز في لنفل المطلق أن يسلم من ركعة وركعتين ، وأنه يجوز أن يجمع بين ركعات كثيرة سواء كان بالليل أم بالنهار ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز لاقتصار على ركعة في صلاة أبدا ، قال : ويجوز نوافل النهار ركعتين وأربعا ولا يزيد عليها ، ونوافل الليل ركعتين وأربعا وستا وثمانيا ولا يزيد ، وقد سبقت الأحاديث الصحيحة في فصل الوتر المصرحة بدلائل مذهبنا . فرع : مذهبنا أن الأفضل في نفل الليل والنهار أن يسلم من كل ركعتين ، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان ومالك وأحمد ، واختاره ابن المنذر ، وحكى عن ابن عمر وإسحاق بن راهوية أن الأفضل في النهار أربعا . وقال الأوزاعي وأبو حنيفة : صلاة الليل مثنى وصلاة لنهار إن شاء أربعا وإن شاء ركعتين ، دليلنا الحديث السابق صلاة الليل والنهار مثنى وهو صحيح كما بيناه قريبا ، وقد ثبت في كون صلاة النهار ركعتين ما لا يحصى من الأحاديث ، وهي مشهورة في الصحيح كحديث ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده ، وكذا قبل العصر وبعد المغرب والعشاء ، وحديث ركعتي الضحى ، وتحية المسجد ، وركعتي الاستخارة ، وركعتين إذا قدم من سفر ، وركعتين بعد الوضوء ، وغير ذلك . وأما لحديث المروي عن أبي أيوب رضي الله عنه يرفعه : أربع قبل الظهر لا تسليم فيهن يفتح لهن أبواب السماء فضعيف متفق على ضعفه ، وممن ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأبو داود والبيهقي ومداره على عبيدة بن معتب وهو ضعيف والله أعلم . فرع : مذهبنا أنه إذا أقيمت الصلاة كره أن يشتغل بنافلة سواء تحية المسجد وسنة الصبح وغيرها ونقله ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابنه وأبي هريرة و سعيد بن جبير وعروة بن الزبير وابن سيرين وأحمد و إسحاق وأبي ثور ونقل عن ابن مسعود ومسروق والحسن البصري ومكحول ومجاهد وحماد بن أبي سليمان أنه لا يأتي بصلاة سنة الصبح والإمام في الفريضة قال : وقال مالك : إن لم يخف أن يفوته الإمام بالركعة فليصل خارجا قبل أن يدخل ، وإن خاف فوت الركعة فليركع مع الإمام ، وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو حنيفة : اركعهما في ناحية المسجد ما دمت تتيقن أنك تدرك الركعة الأخيرة ، فإن خشيت فوت الأخيرة فادخل مع الإمام .
دليلنا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا لمكتوبة رواه مسلم وعن ابن بحينه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل وقد أقيمت صلاة الصبح فكلمه بشيء لا ندري ما هو فلما انصرفنا أحطنا به نقول ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعا رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه ولفظ البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي ركعتين وقد أقيمت الصلاة فلما انصرف قال : ألصبح أربعا وعن عبد الله بن سرجس قال : دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد ، ثم دخل مع رسول لله صلى الله عليه وسلم فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا فلان بأي الصلاتين اعتددت بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا رواه مسلم . فرع : تصح النوافل وتقبل وإن كانت الفرائض ناقصة لحديثي أبي هريرة وتميم الداري السابقين في المسألتين التاسعة والعاشرة . وأما لحديث المروي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل المصلي مثل التاجر لا يخلص له ربحه حتى يخلص رأس ماله ، كذلك المصلي لا تقبل نافلته حتى يؤدي الفريضة فحديث ضعيف بين البيهقي وغيره ضعفه ، قال البيهقي : ولو صح لحمل على نافلة تكون صحتها متوقفة على صحة الفريضة كسنة المغرب والعشاء والظهر بعدها ليجمع بينه وبين حديثي أبي هريرة وتميم والله أعلم . & باب سجود التلاوة &
قال المصنف رحمه الله تعالى : سجود التلاوة مشروع للقارىء والمستمع لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بسجدة كبر وسجد وسجدنا ( معه ) فإن ترك القارىء سجد المستمع ، لأنه توجه عليهما فلا يتركه احدهما بترك الآخر . وأما من سمع القارىء وهو غير مستمع إليه فقال الشافعي : لا أؤكد عليه كما أؤكد على المستمع ، لما روى عن عثمان وعمران بن الحصين رضي الله عنهم : السجدة على من استمع وعن ابن عباس رضي الله عنهما السجدة لمن جلس لها وهو سنة غير واجب . لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : عرضت النجم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسجد منا أحد . + الشرح : حديث ابن عمر رضي الله عنهما رواه البخاري ومسلم بلفظه إلا قوله : ( كبر ) فليس في روايتهما ، وهذا اللفظ في رواية أبي داود وإسنادهما ضعيف وأما حديث زيد بن ثابت فرواه البخاري ومسلم بمعناه ولفظ رواية البخاري عن زيد قال : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم : والنجم فلم يسجد فيها ورواية مسلم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم : والنجم إذا هوى فلم يسجد فيها . وأما الأثر عن ابن عباس فصحيح ذكره البيهقي وكذا الأثران عن عثمان وعمران ذكرهما البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم . أما حكم المسألة : فسجود التلاوة سنة للقارىء والمستمع بلا خلاف ، وسواء كان القارىء في صلاة أم لا ، وفي وجه شاذ ضعيف ، لا يسجد المستمع لقراءة مصل ، غير إمامه حكاه الرافعي وسواء سجد القارىء أم لم يسجد يسن للمستمع أن يسجد . هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور وقال الصيدلاني : لا يسن له السجود إذا لم يسجد القارىء ، واختاره إمام الحرمين ولو استمع إلى قراءة محدث أو كافر أو صبي فوجهان الصحيح استحباب السجود لأنه استمع سجدة . والثاني : لا ، لأنه كالتابع للقارىء وأما الذي لا يستمع لكن يسمع بلا إصغاء ولا قصد ففيه ثلاثة أوجه الصحيح : المنصوص في البويطي وغيره أنه يستحب له ولا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع والثاني : أنه كالمستمع والثالث : لا يسن له السجود ، وبه قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي . فرع : المصلي إن كان منفردا سجد لقراءة نفسه ، فلو قرأ السجدة فلم يسجد ثم بدا له أن يسجد لم يجز لأنه تلبس بالفرض فلا يتركه للعود إلى سنة ، لأنه يصير زائدا ركوعا ، فلو بدا له قبل بلوغ حد الركعتين جاز ، ولو هوى لسجود التلاوة ثم بدا له فرجع جاز ، كما لو قرأ بعض التشهد الأول ولم يتمه جاز بلا شك قال أصحابنا : ويكره للمصلي الإصغاء إلى قراءة غير إمامه ، فإن أصغى المنفرد لقراءة قارىء في الصلاة أو غيرها لم يجز أن يسجد لأنه ممنوع من هذا الإصغاء ، فإن سجد بطلت صلاته ، وإن كان المصلي إماما فهو كالمنفرد فيما ذكرناه ، قال أصحابنا : ولا يكره له قراءة آية السجدة في الصلاة سواء كانت صلاة جهرية أو سرية ، هذا مذهبنا وسنذكر مذاهب العلماء فيه إن شاء الله تعالى .
وإذا سجد الإمام لزم المأموم السجود معه ، فإن لم يسجد بطلت صلاته بلا خلاف لتخلفه عن الإمام ، ولو لم يسجد الإمام لم يسجد المأموم ، فإن خالف وسجد بطلت صلاته بلا خلاف ، ويستحب أن يسجد بعد سلامه ليتداركها ولا يتأكد ولو سجد الإمام ولم يعلم المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود لا تبطل صلاة المأموم لأنه تخلف بعذر ، ولكن لا يسجد ، فلو علم والإمام بعد في السجود لزمه السجود ، ولو هوى المأموم ليسجد معه فرفع الإمام وهو في الهوى رجع معه ولم يسجد ، وكذا الضعيف البطيء الحركة الذي هوى مع الإمام لسجود التلاوة فرفع الإمام رأسه قبل انتهائه إلى الأرض لا يسجد بل يرجع معه بخلاف سجود نفس الصلاة فإنه لا بد أن يأتي به ، وإن رفع الإمام لأنه فرض . وأما المأموم فيكره له قراءة السجدة ويكره له أيضا الإصغاء إلى قراءة غير إمامه كما سبق . فلو سجد لقراءة نفسه أو لقراءة غير إمامه بطلت صلاته ، لأنه زاد سجودا عمدا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وسجدات التلاوة أربع عشرة في قوله الجديد ، سجدة في آخر الأعراف عند قوله تعالى : ويسبحونه وله يسجدون الأعراف : 602 وسجدة في الرعد عند قوله سبحانه وتعالى : بالغدو والآصال الأعراف : 502 ، الرعد : 51 ، النور : 63 وسجدة في النحل عند قوله تعالى : ويفعلون ما يؤمرون النحل : 05 وسجدة في بني إسرائيل عند قوله تعالى : ويزيدهم خشوعا الإسراء : 901 وسجدة في مريم عند قوله تعالى : خروا سجدا وبكيا مريم : 85 وسجدتان في الحج إحداهما : عند قوله تعالى : إن الله يفعل ما يشاء الحج : 81 والثانية : عند قوله تعالى : وافعلوا الخير لعلكم تفلحون الحج : 77 وسجدة في الفرقان عند قوله تعالى : وزادهم نفورا الفرقان : 06 وسجدة في النمل عند قوله تعالى : رب العرش العظيم النمل : 52 ، 62 وسجدة في ألم تنزيل عند قوله تعالى : وهم لا يستكبرون السجدة : 51 وسجدة في حم السجدة عند قوله تعالى : وهم لا يستكبرون فصلت : 83 وثلاث سجدات في المفصل إحداها : في آخر النجم فاسجدوا لله واعبدوا النجم : 26 والثانية : في إذا السماء انشقت الانشقاق : 12 عند قوله عز وجل : وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون الانشقاق : 12 والثالثة : في آخر إقرأ : واسجد واقترب العلق : 91 والدليل عليه ما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان وفي القديم : سجود التلاوة إحدى عشرة سجدة وأسقط سجدات المفصل ، لما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة . + الشرح : حديث عمرو رواه أبو داود والحاكم بإسناد حسن ، وحديث ابن عباس رواه أبو داود والبيهقي بإسناد ضعيف . وضعفه البيهقي وغيره ، ومذهبنا أن سجدات التلاوة هذه الأربع عشرة ، وفي القديم أنها إحدى عشرة كما حكاه المصنف وهذا القديم ضعيف في النقل ، ودليله باطل كما سنذكره إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء . ومواضع السجدات كما ذكره المصنف ولا خلاف في شيء منها ، إلا في موضعين . أحدهما : سجدة حم السجدة فيها وجهان لأصحابنا حكاهما القاضي في تعليقه والبغوي وغيرهما أصحهما عند ( يسأمون ) كما ذكره المصنف ، وبهذا قطع الأكثرون الثاني : أنها عند قوله تعالى : إن كنتم إياه تعبدون النحل : 411 . وحكى ابن المنذر هذا المذهب عن عمر بن الخطاب والحسن البصري وابن سيرين وأصحاب ابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي صالح وطلحة بن مصرف وزيد بن الحارث ومالك والليث رضي الله عنهم ، وحكى الأول عن ابن المسيب وابن سيرين أيضا وأبي وائل والثوري وإسحاق رحمهم الله . وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد . ( الموضع الثاني ) سجدة النمل الصواب أنها عند قوله تعالى : رب العرش العظيم التوبة : 921 ، المؤمنون : 68 كما ذكره المصنف . وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي والقاضي أبو الطيب في كتابه المجرد ، وصاحب الشامل ، وشذ العبدري من أصحابنا فقال في كتابه الكفاية : هي عند قوله : ويعلم ما تخفون وما تعلنون النمل : 52 قال : هذا مذهبنا ، ومذهب أكثر الفقهاء ، وقال مالك : هي عند قوله تعالى : رب العرش العظيم التوبة : 921 ، 68 وهذا الذي ادعاه العبدري ، ونقله عن مذهبنا باطل مردود ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما سجدة ( ص ) فهي عند قوله تعالى : وخر راكعا وأناب ص : 42 وليست من سجدات التلاوة وإنما هي سجدة شكر لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقرأ ( ص ) فلما مر بالسجدة تشزنا بالسجود فلما رآنا قال : إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود فنزل وسجد وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سجدها نبي الله داود توبة ، وسجدناها شكرا فإن قرأها في الصلاة فسجد فيها ففيه وجهان : أحدهما : تبطل صلاته لأنها سجدة شكر فبطلت بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة والثاني : لا تبطل لأنها تتعلق بالتلاوة فهي كسائر سجدات التلاوة . + الشرح : حديث أبي سعيد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري وقوله : تشزنا هو بتاء مثناة فوق ، ثم الشين المعجمة ، ثم زاي مشددة ثم نون مشددة أيضا أي تهيأنا ، وحديث ابن عباس رواه النسائي والبيهقي وضعفه ، قال أصحابنا : سجدة ( ص ) ليست من عزائم السجود معناه ليست سجدة تلاوة ولكنها سجدة شكر ، هذا هو المنصوص وبه قطع الجمهور . وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي : هي سجدة تلاوة من عزائم السجود والمذهب الأول ، قال أصحانا : إذا قلنا بالمذهب فقرأها في غير الصلاة استحب أن يسجد لحديث أبي سعيد هذا ، وحديث عمرو بن العاص السابق . وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ( ص ) رواه . وإن قرأها في الصلاة ينبغي أن لا يسجد ، فإن خالف وسجد ناسيا أو جاهلا لم تبطل صلاته ، ولكن يسجد للسهو ، وإن سجدها عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته على أصح الوجهين ، وقد ذكرهما المصنف بدليلهما ، ولو سجد إمامه في ( ص ) لكونه يعتقدها فثلاثة أوجه أصحها : لا يتابعه ، بل إن شاء نوى مفارقته لأنه معذور ، وإن شاء ينتظره قائما كما لو قام إلى خامسة لا يتابعه ، بل إن شاء فارقه وإن شاء انتظره فإن انتظره لم يسجد للسهو لأن المأموم لا سجود عليه والثاني : لا يتابعه أيضا وهو مخير في المفارقة والانتظار كما سبق فإن انتظره سجد للسهو بعد سلام الإمام لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلا ، وأن لسجود السهو توجها عليهما ، فإذا أخل به الإمام سجد المأموم . والثالث : يتابعه في سجوده في ( ص ) حكاه الروياني في البحر لتأكد متابعة الإمام وتأويله والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في حكم سجود التلاوة : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه سنة وليس واجبا ، وبهذا قال جمهور العلماء ، وممن قال به عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي وابن عباس وعمران بن الحصين ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وغيرهم رضي الله عنهم . وقال أبو حنيفة رحمه الله : سجود التلاوة واجب على القارىء والمستمع ، واحتج له بقول الله تعالى : فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون الانشقاق : 12 وبقوله تعالى : فاسجدوا لله واعبدوا النجم : 26 وبالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للتلاوة ، وقياسا على سجود الصلاة ، واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة منها حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد فيها رواه البخاري ومسلم كما سبق بيانه .
فإن قالوا : لعله سجد في وقت آخر قلنا : لو كان كذلك لم يطلق الراوي نفي السجود ، فإن قالوا : لعل زيدا قرأها بعد الصبح أو العصر ولا يحل السجود ذلك الوقت بالإتفاق ، قلنا : لو كان سبب الترك ما ذكروه لم يطلق زيد النفي وزمن القراءة ، ومن الدلائل حديث الأعرابي خمس صلوات في اليوم والليلة قال : هل علي غيرها قال : لا إلا أن تتطوع رواه البخاري ومسلم وسبق مرات ، واحتج به الشافعي في المسألة ، ومنها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء السجدة قال : يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد عمر وفي رواية قال : ( إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء ) روى البخاري الروايتين بلفظهما وهذا الفعل والقول من عمر رضي الله عنه في هذا الموطن والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب . ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر به ولا معارض له ولا قدرة لهم على هذا ، وقياسا على سجود الشكر ، ولأنه يجوز سجود التلاوة على الراحلة بالاتفاق في السفر ، فلو كان واجبا لم يجز كسجود صلاة الفرض . وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها فيه أنها وردت في ذم الكفار وتركهم السجود استكبارا وجحودا ، والمراد بالسجود في الآية الثانية سجود الصلاة والأحاديث محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة والله أعلم . فرع : في مذاهبهم في عدد سجدات التلاوة : قد ذكرنا أن مذهبنا الصحيح أنها أربع عشرة منها سجدتان في الحج ، وثلاث في المفصل ، وليس ( ص ) سجدة تلاوة ، وقال أبو حنيفة : هي أربع عشرة كقولنا ، وأشهرهما إحدى عشرة أسقط سجدات المفصل . وعن أحمد روايتان إحداهما أربع عشرة كقولنا والثانية خمس عشرة ، فأثبت ص وهذا مذهب إسحاق ابن راهويه وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي من أصحابنا كما سبق . وأجمعوا على السجدة الأولى في الحج ، واختلفوا في الثانية ، فممن أثبتها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي وابن عمر وأبو الدرداء وأبو موسى وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وزر بن حبيش ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود رضي الله عنهم . قال ابن المنذر : قال أبو إسحاق يعني السبيعي التابعي الكبير : أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين وحكى ابن المنذر عن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وجابر بن زيد وأصحاب الرأي إسقاطها ، وعن ابن عباس روايتان . قال ابن المنذر : وبإثباتها أقول . واختلف العلماء في سجدات المفصل وهي النجم ، إذا السماء انشقت الانشقاق : 1 ، واقرأ ، فأثبتهن الجمهور من الصحابة فمن بعدهم وحذفهن جماعة ، احتج أصحابنا للمذهب بحديث عمرو بن العاص المذكور في الكتاب وهو صحيح كما بيناه ، وهو وإن كان فيه سجدة ص فهي محمولة على السجود فيها على أنه سجود شكر كما سنوضح دليله إن شاء الله تعالى . وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه سجد في إذا السماء انشقت انشقت وقال : سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه وفي رواية مسلم : في إذا السماء انشقت ، واقرأ باسم ربك ومعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم سنة سبع من الهجرة ، وقد سبق أن حديث ابن عباس في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة ليس بصحيح ، ولو صح قدمت عليه أحاديث أبي هريرة الصحيحة الصريحة المثبتة للسجود ، والعمدة في السجدة الثانية في الحج حديث عمرو بن العاص كما ذكرناه .
وأما حديث عقبة بن عامر قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : في الحج سجدتان قال : نعم ، ومن لم يسجدها فلا يقرأهما فرواه أبو داود والترمذي وقالا : ليس إسناده بالقوى ، وهو من رواية ابن لهيعة وهو متفق على ضعف روايته وإنما ذكرته لأبينه لئلا يغتر به ، وعن ابن عباس قال : سجدة ص ليست من عزائم السجود ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها رواه البخاري ، وفيها حديث أبي سعيد المذكور في الكتاب ، وقد بيناه والله أعلم .