Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

حصہ V01/P400–V01/P401

(ينبغي) أن يعلم أنّ معتقدات الصّوفيّة بالاخرى أعني بعد تمام منازل السّلوك والوصول إلى أقصى درجات الولاية هي عين معتقدات أهل الحقّ فهى للعلماء بالنّقل والإستدلال وللصّوفيّة بالكشف والإلهام وإن ظهر لبعض الصّوفيّة في أثناء الطّريق بواسطة السّكر وغلبة الحال ما يخالف تلك المعتقدات ولكن إذا جاوز تلك المقامات وبلغ نهاية الأمر تكون تلك المخالفة هباء منثورا وإلّا فيبقى على تلك المخالفة ولكنّ المرجوّ أن لا يوأخذ بها فإنّ حكمه حكم المجتهد المخطئ والمجتهد مخطئ في الإستنباط وهو في الكشف ومن جملة مخالفات هذه الطّائفة الحكم بوحدة الوجود والإحاطة والقرب والمعيّة الذّاتيّات كما مرّ وكذلك إنكارهم وجود الصّفات السّبعة أو الثّمانية في الخارج بوجود زائد على ذات الحقّ جلّ شأنه فإنّ علماء أهل السّنّة ذاهبون إلى وجودها في الخارج بوجود زايد على وجود الذّات. ومنشأ إنكارهم هو أنّ مشهودهم في ذلك الوقت هو الذّات في مرآة الصّفات ومعلوم أنّ المرآة تكون مختفية من نظر الرّائي فحكموا بعدم وجودها في الخارج بواسطة ذلك الإختفاء وظنّوا أنّها لو كانت موجودة لكانت مشهودة وحيث لا شهود فلا وجود وطعنوا في العلماء بسبب حكمهم بوجود الصّفات بل حكموا بالكفر والثّنويّة أعاذنا الله سبحانه من الجراءة على الطّعن فإن تيسّر لهم التّرقّي من هذا المقام وخرج شهودهم من هذا الحجاب وزال حكم المراتب لرأوا الصّفات مغايرة للذّات ولما أنكروها ولما انجرّ أمرهم إلى طعن أكابر العلماء. (ومن جملة) مخالفاتهم حكمهم ببعض أمور يستلزم كونه تعالى فاعلا بالإيجاب فإنّهم وإن لم يطلقوا لفظ الإيجاب وأثبتوا الإرادة لكنّهم ينفون الإرادة في الحقيقة وهم يخالفون جميع أهل الملل في هذا الحكم فمن جملة هذه الامور حكمهم بأنّ الله تعالى قادر بقدرة بمعنى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ويقولون بأنّ الشّرطيّة الاولى واجبة الصّدق والثّانية ممتنعة الصّدق وهذا قول بالإيجاب بل إنكار القدرة بالمعنى المقرّر عند أهل الملل فإنّ القدرة عندهم بمعنى صحّة الفعل والتّرك واللّازم لقولهم وجوب الفعل وامتناع التّرك فأين أحدهما من الآخر ومذهبهم في هذه المسألة هو بعينه مذهب الفلاسفة وإثبات الإرادة مع القول بوجوب صدق الأولى وامتناع صدق الثّانية، وامتيازهم عن الفلاسفة بهذا الإثبات غير نافع فإنّ الإرادة هي تخصيص أحد المتساويين فحيث لا تساوي لا إرادة وههنا التّساوي معدوم للوجوب والإمتناع فافهم. ومن جملة تلك الامور بيانهم في مسألة القضاء والقدر على نهج ظاهره إثبات الإيجاب فمن جملة عباراتهم في هذا المبحث هذه العبارة: الحاكم محكوم والمحكوم حاكم وجعل الحقّ سبحانه محكوم أحد وإثبات حاكم عليه مع قطع النّظر عن إثبات الإيجاب مستقبح جدّا إنّهم ليقولون منكرا من القول وزورا. وأمثال ذلك من المخالفات كثيرة كقولهم بعدم إمكان رؤية الحقّ سبحانه الّا بالتّجلّي الصّوريّ وهذا القول مستلزم لانكار رؤية الحقّ سبحانه والرّؤية الّتي جوّزوها بالتّجلّي الصّوريّ ليست هي في الحقيقة رؤية الحقّ سبحانه بل هي ضرب من الشّبه والمثال، نظم: يراه المؤمنون بغير كيف . وإدراك وضرب من مثال وكقولهم بقدم أرواح الكمّل وأزليّتها وهذا القول أيضا مخالف لما عليه أهل الإسلام فإنّ عندهم العالم بجميع أجزائه محدث والأرواح من جملة العالم لأنّ العالم اسم لجميع ما سوى الله تعالى فافهم. (فينبغي) للسّالك قبل بلوغه كنه الأمر وحقيقته أن يعدّ تقليد علماء أهل الحقّ لازما لنفسه مع وجود مخالفة كشفه وإلهامه وأن يعتقد العلماء محقّين ونفسه مخطئا لأنّ مستند العلماء تقليد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام المؤيّدين بالوحي القطعيّ المعصومين عن الخطأ والغلط، وكشفه وإلهامه على تقدير مخالفته للأحكام الثّابتة خطأ وغلط فتقديم الكشف على أقوال العلماء تقديم له في الحقيقة على الأحكام القطعيّة المنزّلة وهو عين الضّلالة ومحض الخسارة.

حصہ V01/P401–V01/P402

وكما أنّ الإعتقاد بموجب الكتاب والسّنّة ضروريّ كذلك العمل بمقتضاهما على نهج استنبطه الأئمّة المجتهدون منهما واستخرجوا الأحكام عنهما من الحلال والحرام والفرض والواجب والسّنّة والمستحبّ والمكروه والمشتبه، والعلم بهذه الأحكام أيضا ضروريّ ولا يجوز للمقلّد أخذ الأحكام من الكتاب والسّنّة على خلاف رأي المجتهد وأن يعمل بها وينبغي أن يختار في العمل القول المختار في مذهب مجتهده الّذي قلّدة وتبعه وأن يعمل بالعزيمة مجتنبا عن البدعة وأن يسعى في جمع أقوال المجتهدين مهما أمكن ليقع العمل على القول المتّفق عليه مثلا أنّ الإمام الشّافعيّ اشترط النّيّة في الوضوء فلا يتوضّأ بلآ نيّة وكذلك قال بفرضيّة التّرتيب في غسل الأعضاء فيلتزم التّرتيب وافترض الإمام مالك الدّلك في غسل الأعضاء فيدلّك ألبتّة وكذلك قالوا ينقض الوضوء بمسّ النّساء والذّكر فيجدّد الوضوء إن مسّ أحدهما وعلى هذا القياس في سائر الأحكام الخلافيّة وبعد حصول هذين الجناحين الإعتقاديّ والعمليّ يكون متوجّها نحو العروج إلى مدارج القرب الإلهيّ جلّ سلطانه وطالبا لقطع المنازل الظّلمانيّة والمسالك النّورانيّة ولكن ينبغي أن يعلم أنّ ذلك العروج وقطع المنازل مربوط بتوجّه شيخ كامل مكمّل عالم بالطّريق بصير به هاد إليه، نظره شفاء الأمراض القلبيّة وتوجّهه دافع الأخلاق الرّديّة الغير المرضيّة فليطلب أوّلا الشّيخ فإن عرفه بمحض فضل الحقّ سبحانه فليلازمه معتقدا أنّ معرفته إيّاه نعمة عظمى وليكن منقادا له في تصرّفاته بكلّيّته قال شيخ الإسلام الهرويّ: إلهي ما هذا الّذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم ويفنى اختياره في اختيار شيخه بالكلّيّة ويخلّي نفسه عن جميع المرادات ويشدّ نطاق الهمّة في خدمته ويسعى سعيا بليغا في امتثال جميع ما يأمر به شيخه معتقدا بأنّ رأس مال سعادته فيه فإن رأى الشّيخ المقتدى به أنّ المناسب لاستعداده الذّكر يأمره به وإن رأى أنّ المناسب التّوجّه والمراقبة يشير بهما أيضا فيما هنالك وإن علم الكفاية بمجرّد الصّحبة يأمره أيضا بذلك. (وبالجملة) انّ الإحتياج إلى الذّكر مع وجود صحبة الشّيخ ليس شرطا من شرائط الطّريق أصلا بل يأمر الشّيخ بكلّ ما يراه مناسبا لحال الطّالب فإن وقع منه تقصير في بعض شرائط الطّريق يتلافاه بصحبة الشّيخ فيكون توجّهه جابرا لنقصانه. ومن لم يشرّف بصحبة مثل هذا الشّيخ فإن كان من المرادين يجذبه الحقّ سبحانه ويجتبيه إليه ويكفيه أمره بمحض عنايته الّتي لا غاية لها ولا نهاية ويعلّمه كلّ شرط وأدب لازم له ويجعل روحانيّة بعض الأكابر وسائل طريقه ودليله في قطع منازل السّلوك فإنّ توسّط روحانيّات المشائخ في قطع طريق السّلوك لازم بطريق جرى عادة الله سبحانه. وإن كان من المريدين فأمره من غير توسّط شيخ مقتدى به مشكل فينبغي أن يلتجئ إلى الله سبحانه دائما إلى أن يصل إلى شيخ مقتدى به. وينبغي أيضا أن يعدّ رعاية شرائط الطّريق لازمة وقد بيّنت تلك الشّرائط في كتب المشائخ تفصيلا فينبغي مراجعتها وملاحظة ما فيها ورعايتها بعد ذلك ومعظم شرائط الطّريق مخالفة النّفس وهي موقوفة على رعاية مقام الورع والتّقوى الّذي هو الإنتهاء من المحارم والإنتهاء من المحارم لا يتصوّر الّا بعد الإجتناب من فضول المباحات فإنّ إرخاء العنان في ارتكاب المباحات يفضي إلى ارتكاب المشتبهات والمشتبه قريب من المحرّم واحتمال الوقوع فيه أقوى ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. فاجتناب المحرّمات كان موقوفا على اجتناب فضول المباحات فلا بدّ في تحقّق الورع من اجتناب فضول المباحات ولا بدّ للتّرقّي والعروج من تحقّق الورع فإنّه مربوط به. وبيانه أنّ للأعمال جزأين امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي والإمتثال يشارك فيه القدسيّون فإن وقع التّرقّي بالإمتثال فقط لوقع للقدسيّين أيضا، والإنتهاء عن المناهي خاصّ بالإنسيّين ليس هو في القدسيّين فإنّهم معصومون بالذّات ليس فيهم مجال المخالفة حتّى ينهون عنها فلزم كون التّرقّي مربوطا بهذا الجزء وهذا الإجتناب هو عين مخالفة النّفس فإنّ الشّريعة إنّما وردت لرفع الأهواء النّفسانيّة ودفع الرّسوم الظّلمانيّة فإنّ مقتضى طبيعة النّفس إمّا ارتكاب المحرّم أو ارتكاب الفضول المفضي أخيرا للمحرّم فاجتناب الفضول هو عين مخالفة النّفس.

حصہ V01/P402–V01/P404

فإن قيل: إنّ في امتثال الأوامر أيضا مخالفة النّفس فإنّ النّفس لا تريد الإشتغال بالعبادة فيكون الإمتثال أيضا مستلزما للتّرقّي وفي الملائكة لمّا كانت مخالفة الإمتثال مفقودة لم يكن سببا لترقّيهم فالقياس مع الفارق (قلت) إنّ عدم إرادة النّفس العبادة وعدم رضاها بها إنّما هو بسبب كونها طالبة لفراغها بحيث لا تريد أن تكون مقيّدة ومشغولة بشيء وهذا الفراغ وعدم الإشتغال أيضا داخلان في المحرّم او الفضول فجاءت مخالفة النّفس في امتثال الأوامر من طريق اجتناب المحرّم والفضول لا من طريق أداء الأوامر يعني المأمورات فقط حتّى يقال: إنّه موجود في الملائكة أيضا فالقياس صحيح. فكلّ طريق مخالفة النّفس فيه أكثر فهو أقرب الطّرق ولا شكّ أنّ رعاية مخالفة النّفس في طريقة النّقشبنديّة أكثر منها في سائر الطّرق فإنّ هؤلاء الأكابر اختاروا العمل بالعزيمة والإجتناب عن الرّخصة ومن المعلوم أنّ كلّا من اجتناب المحرّم والفضول موجود في العزيمة ومرعىّ فيها بخلاف الرّخصة فانّ فيها اجتناب المحرّم فقط. فإن قيل: يمكن أن يكون المختار عند أرباب سائر الطّرق أيضا العزيمة. قلت: إنّ في أكثر الطّرق سماعا ورقصا ويبلغ الأمر فيه حدّ الرّخصة بعد تمحّل كثير وأين فيه المجال للعزيمة بعد وكذلك ذكر الجهر لا يتصوّر فيه ما فوق الرّخصة وقد أحدث مشائخ سائر الطّرق أمورا محدثة في طرقهم لبعض نيّات صحيحة، نهاية التّصحيح في تلك الامور الحكم بالرّخصة بخلاف أكابر هذه السّلسلة العليّة فإنّهم لا يجوّزون مقدار شعرة من مخالفة السّنّة فتكون مخالفة النّفس في هذا الطّريق أتمّ فيكون أقرب الطّرق فيكون اختيار هذا الطّريق للطّالب أولى وأنسب لأنّ الطّرق في نهاية الأقربيّة والمطلب في كمال الرّفعة. (وقد ترك جماعة) من متأخّري خلفائهم أوضاع هؤلاء الأكابر وأحدثوا في هذا الطّريق بعض الامور واختاروا السّماع والرّقص والجهر ومنشأ ذلك عدم الوصول إلى حقيقة نيّات أكابر هذه الطّريقة العليّة فخالوا أنّهم يكملون ويتمّمون هذه الطّريقة بهذه المحدثات والمبتدعات ولم يدروا أنّهم يسعون بها في تخريبها ويجتهدون في إضاعتها والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. المكتوب السّابع والثّمانون والمائتان إلى أخيه الحقيقيّ منبع الحقائق وميان غلام محمّد في بيان الجذبة والسّلوك وبيان المعارف المناسبة لهذين المقامين بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ وختمهم بأفضلهم وأكملهم محمّد الّذي جاء بالصّدق صلوات الله سبحانه وبركاته عليه وعليهم وعلى من تابعهم أجمعين إلى يوم الدّين آمين. ولقد رأيت الطّالبين ينزلون المسلك الطّويل والمطلب الرّفيع بواسطة دناءة الهمّة وخسّة الفطرة وعدم وجدان صحبة الشّيخ الكامل المكمّل إلى منزلة طريق قصير ومقصد وضيع ويقنعون بكلّما يتيسّر لهم في الطّريق من حقير وخطير ويظنّون ذلك مقصدا ويزعمون أنفسهم بحصوله كملة وأرباب نهاية ويطبّقون من خسّة الفطرة واستيلاء قواهم المتخيّلة أحوالهم النّاقصة على الأحوال الكاملة الّتي بيّنها الكملة الواصلون من تمام أمرهم ونهاية سيرهم كما قيل، (ع): وصار الفأر في رؤياه ناقة ويكتفون من البحر المحيط بقطرة بل بصورة قطرة ومن بحر عمّان برشحة بل بصورة رشحة ويتصوّرون المثاليّ غير المثاليّ ويسكنون عن غير المكيّف بالمكيّف ويتخيّلون المثليّ لا مثليّا وينخدعون عن اللّامثليّ بالمثليّ، وأحوال جماعة آمنوا باللّامثليّ بالتّقليد واعتقدوه أفضل من أحوال هؤلاء الطّالبين الّذين لم يتمّ سلوكهم والظّامئين القانعين بالسّراب بمراتب فإنّه فرق كثير بين المحقّ والمبطل والمصيب والمخطئ فويل للطّالبين القاصرين المنقطعين عن المطلب الّذين يظنّون المحدث قديما ويزعمون المثاليّ لا مثاليّا إن لم يكونوا معذورين بالخطأ في الكشف ويؤاخذون بهذا الخطأ والغلط، ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.

حصہ V01/P404–V01/P405

وهذا كما إذا كان شخص مثلا طالب كعبة وتوجّه إليها بكمال الشّوق فاستقبله في أثناء الطّريق اتّفاقا بيت شبيه بالكعبة ولو بحسب الصّورة فخاله كعبة وصار معتكفا هناك وشخص آخر له علم بخواصّ الكعبة بالأخذ عن الواصلين إليها وصدّق بوجودها بحسب علمه فهذا الشّخص وإن لم يخط خطوة في طلب الكعبة ولكنّه لم يعتقد غير الكعبة كعبة ومحقّ في تصديقه فحاله أفضل من حال الطّالب المذكور المخطئ نعم إذا لم يعتقد الطّالب الغير الواصل إلى المطلب غير المطلب مطلبا فحاله أفضل من حال مقلّد محقّ لم يضع قدمه في طريق المطلب فإنّه مع وجود حقّيّة تصديقه بالمطلوب قاطع لمسافة طريق المطلوب ولو في الجملة فله تتحقّق المزيّة. (وطائفة) منهم أيضا جعلوا أنفسهم بهذا الكمال والخيال والوصال الوهميّ في مسند المشيخة ودعوة الخلق وضيّعوا بعلّة منقصتهم استعداد كثير من المستعدّين للكمالات وأزالوا بشؤم برودة صحبتهم حرارة طلب الطّالبين ضلّوا فأضلّوا ضاعوا فأضاعوا وتخيّل هذه الكمالات وتوهّم الوصال في المجذوبين غير السّالكين أكثر منه في السّالكين المجذوبين الغير الواصلين فإنّ المبتدي والمنتهي متشابهان في صورة الجذبة ومتساويان في العشق والمحبّة في الظّاهر وإن لم يكن بينهما مناسبة في الحقيقة وكانت أحوال كلّ منهما مغايرة لأحوال الآخر وممتازة عنها، (ع): ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ فإنّ كلّ شيء يوجد في البداية فهو معلول وإلى غرض ما محمول وحيث كان ما في الإنتهاء بالحقّ فهو للحقّ وسيذكر تفصيل هذا الكلام عن قريب إن شاء الله تعالى وتكون هذه المشابهة الصّوريّة والمناسبة الضّروريّة باعثة على ذلك التّخيّل وحيث كانت الجذبة مقدّمة على السّلوك في طريقة النّقشبنديّة العليّة كثر هذا القسم من التّخيّل والتّوهّم في مجاذيب هذا الطّريق الّذين لم يشرّفوا بعد بدولة السّلوك وقد يحصل لجماعة منهم تقلّبات في مقام الجذبة وتنقّلات عن حال إلى حال فيظنّون ذلك قطع منازل السّلوك وطيّ مسالك السّير إلى الله ويزعمون أنفسهم بتلك التّقلّبات من المجذوبين السّالكين فتقرّر في الخاطر الفاتر أن أكتب فقرات في بيان حقيقة السّلوك والجذبة وبيان الفرق ما بين هذين المقامين مع ذكر بعض خواصّ مميّزة لكلّ واحد منهما عن الآخر وبيان الفرق بين جذبة المبتدي وجذبة المنتهي وحقيقة مقام التّكميل والإرشاد وعلوم أخر مناسبة لذلك المقام ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ولو كره المجرمون فشرعت فيه بحسن توفيقه سبحانه وهو سبحانه يهدي السّبيل وهو نعم المولى ونعم الوكيل وهذا المكتوب مشتمل على مقصدين وخاتمة المقصد الأوّل في بيان معارف متعلّقة بمقام الجذبة والمقصد الثّاني في بيان ما يتعلّق بالسّلوك والخاتمة في بعض العلوم والمعارف الّتي علمها كثير المنفعة للطّالبين. المقصد الأوّل: اعلم أنّ المجذوب غير تامّ السّلوك وإن كان له جذب قويّ داخل في زمرة أرباب القلوب من أيّ طريق كان منجذبا فإنّه لا يمكن له تجاوز مقام القلب والإتّصال بمقلّب القلب من غير سلوك وتزكية نفس فإنّ انجذابهم قلبيّ وحبّهم عرضيّ لا ذاتيّ ولا أصليّ فإنّ النّفس ممتزجة بالرّوح في هذا المقام والظّلمة مختلطة بالنّور في هذا المعاملة ولا يتصوّر الخروج عن مضيق مقام القلب بالكلّيّة والإتّصال بمقلّب القلب وحصول الإنجذاب الرّوحيّ نحو المطلوب بدون تخلّص الرّوح من النّفس لاجل التّوجّه إلى المطلوب، وانفكاك النّفس عن الرّوح ونزولها إلى مقام العبوديّة وما دام هذان مجتمعين في الحقيقة لا يتصوّر الإنجذاب الرّوحيّ الخالص فإنّ الحقيقة الجامعة القلبيّة قائمة مستحكمة، وتخلّص الرّوح عن النّفس إنّما يتصوّر بعد قطع منازل السّلوك وطيّ مسالك السّير إلى الله وتحقّق السّير في الله بل بعد حصول مقام الفرق بعد الجمع الّذي يتعلّق بالسّير عن الله بالله، شعر: هل كلّ ذي ذكر يحويه معترك .

حصہ V01/P405–V01/P406

أو كلّ من نال من ملك سليمان فظهر الفرق بين جذب المنتهي وجذب المبتدي، وشهود المجذوبين أرباب القلوب من وراء حجاب الكثرة علموا هذا المعنى او لا وليس مشهودهم الّا عالم الأرواح الّذي هو شبيه في اللّطافة والإحاطة والسّريان بموجده صورة فإنّ الله خلق آدم على صورته وبهذه المناسبة يزعمون شهود الرّوح شهود الحقّ تعالى وتقدّس وعلى هذا القياس الإحاطة والسّريان والقرب والمعيّة فإنّ نظر السّالك لا ينفذ الّا إلى المقام الفوق لا إلى مقام فوق الفوق والمقام الّذي فوق مقامهم هو مقام الرّوح فلا ينفذ نظرهم إلى ما فوق مقام الرّوح ولا يكون مشهودهم شيئا غير الرّوح والنّظر إلى ما فوق مقام الرّوح موقوف على الوصول إلى مقام الرّوح وحال المحبّة والإنجذاب أيضا كحال الشّهود وشهود الحقّ سبحانه بل محبّته والإنجذاب إليه تعالى مربوط بحصول الفناء المعبّر عنه بنهاية السّير إلى الله، شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا . فليس له في كبرياه سبيل وإطلاق الشّهود في هذا المقام من ضيق ميدان العبارة والّا معاملة هؤلاء الأكابر متعارفة بما وراء وراء الشّهود وكما أنّ مقصدهم لا مثليّ ولا كيفيّ كذلك اتّصالهم أيضا لا مثليّ ولا كيفيّ لا سبيل للمثاليّ إلى اللّامثاليّ لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه، شعر. إنّ للرّحمن مع أرواح ناس . اتّصالا دون كيف وقياس وإحاطته تعالى وسريانه وقربه ومعيّته عند المحقّقين أرباب السّلوك الواصلين إلى نهاية الأمر كلّها علميّة وهم موافقون لعلماء أهل الحقّ شكر الله سعيهم والحكم بالقرب الذّاتيّ وأمثاله عندهم من عدم الحاصل والبعد والمقرّبون لا يحكمون بالقرب قال واحد من الكبراء: من قال أنا قريب فهو بعيد ومن قال أنا بعيد فهو قريب وهذا هو التّصوّف والعلم المتعلّق بالتّوحيد الوجوديّ منشؤه المحبّة والإنجذاب القلبيّ. وأرباب القلوب الّذين لا جذبة لهم بل يقطعون المنازل بطريق السّلوك لا مناسبة لهذا العلم بهم وكدلك المجذوبون المتوجّهون بالسّلوك من القلب إلى مقلّب القلب بالكلّيّة يتبرّءون من هذه العلوم ويستغفرون منها. وبعض المجذوبين وإن سلكوا طريق السّلوك وطووا المنازل ولكن لا ينقطع نظرهم عن المقام المألوف ولا يقدرون التّوجّه إلى الفوق فلا يترك أمثال هذه العلوم أذيالهم ولا يقدرون الخروج من هذه الورطة والتّخلّص منها؛ ولهذا يكون فيهم ضعف وعرج في العروج إلى مدارج القرب والصّعود إلى معارج القدس (ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظّالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليّا واجعل لنا من لدنك نصيرا). وعلامة الوصول إلى نهاية المطلب التّبرّي من هذه العلوم فإنّه كلّما تحصل زيادة المناسبة بالتّنزيه يوجد عدم مناسبة العالم بالصّانع أزيد ولا معنى حينئذ في اعتقاد انّ العالم عين الصّانع أو في ظنّ أنّ الصّانع محيط بالعالم بالذّات ما للتّراب وربّ الأرباب. معرفة: قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه الأقدس: نحن ندرج النّهاية في البداية ومعنى هذه العبارة هو أنّ الإنجذاب والمحبّة اللّذين يتيسّران للمنتهين في الإنتهاء مندرجان في هذا الطّريق في الإنجذاب والمحبّة اللّذين يحصلان في الإبتداء فإنّ انجذاب المنتهي روحيّ وفي المبتدي جذب قلبيّ ومن حيث انّ القلب برزخ بين الرّوح والنّفس يحصل في ضمن الجذب القلبيّ الجذب الرّوحىّ أيضا وتخصيص هذا الإندراج بهذا الطّريق مع أنّه حاصل في جميع الجذبات بهذا المعنى مبنيّ على أنّ أكابر هذه الطّريقة وضعوا طريقا خاصّا لحصول هذا المعنى وعيّنوا مسلكا مخصوصا للوصول إلى هذا المطلب ويحصل هذا المعنى لغيرهم على سبيل الإتّفاق وليس لهم في ذلك ضابطة. وأيضا إنّ لهؤلاء الأكابر شأنا خاصّا في مقام الجذبة ليس هو لغيرهم فإن كان فنادر ولهذا يحصل لبعضهم في هذا المقام من غير قطع منازل السّلوك فناء وبقاء شبيهان بفناء أرباب السّلوك وبقائهم ويتيسّر لهم شرب من مقام التّكميل شبيه بمقام السّير عن الله بالله يربّون به المستعدّين وسيجيء تحقيق هذا المبحث عن قريب إن شاء الله تعالى.

حصہ V01/P406–V01/P408

وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ الرّوح كان لها قبل تعلّقها بالبدن نحو من التّوجّه إلى المقصود فلمّا تعلقت بالبدن زال عنها ذلك التّوجّه وأكابر هذه السّلسلة العليّة وضعوا طريقا لظهور ذلك التّوجّه ولكن لمّا كانت الرّوح متعلّقة بالبدن انتقل ذلك التّوجّه إلى القلب فيحصل لهم فيه توجّه قلبيّ جامع لتوجّه النّفس والرّوح ولا شكّ أنّ التّوجّه الرّوحيّ مندرج في التّوجّه القلبيّ وأمّا التّوجّه الرّوحيّ في المنتهين فهو بعد فناء الرّوح وبقائه بالوجود الحقّانيّ المعبّر عنه بالبقاء بالله، والتّوجّه الرّوحيّ الّذي هو في ضمن التّوجّه القلبيّ بل توجّه الرّوح الّذي كان قبل تعلّقها بالبدن فهو توجّه مع وجود وجود الرّوح لم يتطرّق الفناء إليها أصلا والفرق بين توجّه الرّوح مع وجود وجودها وبين توجّهها مع فنائها كثير فإطلاق النّهاية على ذلك التّوجّه الرّوحيّ المندرج إنّما هو باعتبار توجّهها الّذي يبقى في النّهاية هو فقط فالمراد باندراج النّهاية في البداية اندراج صورة النّهاية في البداية لا حقيقتها فإنّ اندراجها في البداية محال ويمكن أن يكون عدم إتيان لفظ الصّورة لأجل التّرغيب في طلب هذا الطّريق والحقّ ما حقّقت بعون الله تعالى والسّابقون الّذين انجذابهم من غير تعمّل وكسب بل بتوجّه وحضور فذلك الإنجذاب أيضا قلبيّ وأثر من توجّه الرّوح السّابق فإنّه لم يزل بالكلّيّة بواسطة تعلّقها بالبدن والكسب والتّعمّل لظهور التّوجّه السّابق إنّما هو لجماعة نسوا التّوجّه السّابق بواسطة ذلك التّعلّق وكأنّ الكسب لأجل التّنبيه على التّوجّه السّابق والتّذكير لتلك الدّولة الغائبة الضّائعة ولكنّ استعداد النّاسين للتّوجّه السّابق ألطف من استعداد السّابقين المذكورين فإنّ نسيان التّوجّه السّابق بالكلّيّة يخبر عن التّوجّه الكلّيّ إلى المتوجّه إليه بالفعل وعن الفناء فيه بخلاف عدم نسيان التّوجّه السّابق فإنّه ليس كذلك. (غاية ما في الباب) أنّ السّابقين يحصل لهم ذلك التّوجّه على سبيل الشّمول لكلّيّتهم والسّريان فيها ويأخذ بدنهم أيضا حكم روحهم كما هو شأن المحبوبين المرادين. والفرق بين شمول المحبّين وشمول السّابقين كالفرق بين حقيقة الشّيء وصورته كما هو الظّاهر لأربابه. نعم إنّ هذا النّوع من الشّمول متحقّق أيضا في المحبّين والواصلين والمريدين الكاملين ولكنّه كالبرق فيهم ليس بدائميّ والتّوجّه الدّائميّ إنّما هو من خاصّة المحبوبين. معرفة: إنّ المجذوبين أرباب القلوب إذا حصل لهم تمكّن ورسوخ في مقام القلب وتيسّر لهم معرفة وصحو مناسب لذلك المقام يقدرون على إيصال الفائدة إلى الطّالبين ويحصل للطّالبين في صحبتهم انجذاب ومحبّة قلبيّة وإن لم يبلغوا من جهتهم مرتبة الكمال فإنّهم لم يبلغوا بعد بأنفسهم حدّ الكمال فلا يقدرون على أن يكونوا واسطة لحصول الكمال لغيرهم ومشهور أنّ النّاقص لا يجيء منه كامل، وإفادتهم على كلّ حال أزيد من إفادة أرباب السّلوك وإن بلغوا نهاية السّلوك وحصل لهم جذب المنتهين ولكنّهم لم ينزلوا إلى مقام القلب بطريق السّير عن الله بالله فإنّ المنتهي غير المرجوع ليس له مرتبة التّكميل والإفادة لأنّه لم يبق فيه مناسبة بالعالم وتوجّه إليه حتّى يقدر على الإفادة وإطلاق البرزخ على الشّيخ المقتدى به إنّما هو باعتبار نزوله إلى مقام البرزخيّة الّذي هو مقام القلب وأخذه من كلا جهتي الرّوح والنّفس حظّا وافرا فمن جهة الرّوح يستفيد من الفوق ومن جهة النّفس يفيد من دونه لأنّه اجتمع فيه التّوجّه إلى الحقّ سبحانه بالتّوجّه إلى الخلق بحيث لا يكون أحدهما حجابا للآخر فالإفادة والإستفادة حاصلتان له معا وبعض المشائخ أراد ببرزخيّة الشّيخ برزخيّته بين الحقّ والخلق. وقال للشّيخ البرزخ جامعا بين التّشبيه والتّنزيه ولا يخفى أنّ مثل هذه البرزخيّة الّتي مبناها على السّكر غير لائقة بمقام المشيخة الّذي مبناه على الصّحو فإنّ نفوسهم في هذا المقام مندرجة في غلبات أنوار الرّوح وذلك الإندراج هو الّذي صار منشأ للسّكر وفي مقام برزخيّة القلب يتفرّق كلّ من النّفس والرّوح ويمتاز عن الآخر فلا يكون فيه مجال للسّكر بالضّرورة بل فيه كلّه صحو فإنّه هو المناسب لمقام الدّعوة هذا.

حصہ V01/P408–V01/P409

فإذا نزل الشّيخ الكامل إلى مقام القلب تحصل له المناسبة بالعالم بواسطة البرزخيّة ويكون واسطة لحصول الكمالات لمستعدّي الكمالات وحيث كان المجذوب المتمكّن أيضا في مقام القلب له مناسبة بالعالم لا يبخل بالتّوجّه إلى أهل العالم وقد اكتسب نصيبا من الإنجذاب وحصل المحبّة وإن كانا قلبيّين فلا جرم انكشف له طريق الإفادة بل أقول: إنّ كمّيّة إفادة المجذوب المتمكّن أزيد من كمّيّة إفادة المنتهي المرجوع وكيفيّة إفادة المنتهي المرجوع أزيد من كيفيّة إفادة المجذوب فإنّ المنتهي المرجوع وإن حصلت له المناسبة بالعالم لكنّها في الصّورة فقط وفي الحقيقة هو مفارقه ومنصبغ بلون الأصل وباق به ومناسبة هذا المجذوب بالعالم في الحقيقة وهو من جملة إفادة العالم وباق بالبقاء الّذي به بقاء العالم فبواسطة المناسبة الحقيقيّة تكون استفادة الطّالبين منه أكثر بالضّرورة ومن المنتهي المرجوع أقلّ ولكنّ إفادة كمال مراتب الولاية مخصوصة بالمنتهي فلا جرم يكون المنتهي في كيفيّة الإفادة أرجح وأيضا ليس في المنتهي همّة وتوجّه في الحقيقة والمجذوب صاحب همّة وتوجّه فيقدّم أمور الطّالبين ويرقّيهم بالهمّة والتّوجّه وإن لم يبلّغهم حدّ الكمال. وأيضا إنّ نهاية التّوجّه الّذي يحصل للطّالبين من المجذوبين هي ذلك التّوجّه السّابق للرّوح الّذي نسوه فيتذكّرونه في صحبتهم ويحصل ثانيا بطريق الإندراج في التّوجّه القلبيّ بخلاف التّوجّه الحاصل في صحبة المنتهين فإنّه توجّه حادث لم يكن موجودا قبل ذلك أصلا وكان موقوفا على فناء الرّوح بل على بقائها بالوجود الحقّانيّ فلا بدّ أن يكون التّوجّه الأوّل سهل الحصول والتّوجّه الثّاني متعسّر الوجود وكلّما هو اسهل فهو أزيد وكلّما هو متعسّر فهو أقلّ ومن هنا قالوا: إنّ الشّيخ المقتدى به ليس بواسطة في تحصيل جهة الجذبة فإنّ تلك النّسبة كانت حاصلة له أوّلا أو وصار محتاجا إلى التّنبيه والتّعليم بواسطة ولهذا يقال لمثل هذا الشّيخ شيخ التّعليم لا شيخ التّربية وفي جهة السّلوك لا بدّ من شيخ مقتدى به لقطع منازل السّلوك وتربيته ضروريّة فيها لا يجوز لشيخ مقتدى به أن يأذن لمثل هذا المجذوب المتمكّن بالإجازة العامّة وأن يجلسه في مقام التّكميل والمشيخة فإنّ بعض الطّالبين يكون استعدادهم عاليا جدّا وتكون قابليّتهم للكمال والتّكميل على الوجه الأتمّ، فإن وقع مثل هذا الطّالب في صحبة ذلك المجذوب يحتمل أن يضيع ذلك الإستعداد فيها وأن تزول عنه تلك القابليّة كما إذا كانت للأرض مثلا قابليّة تامّة لزراعة البرّ فيها فإن زرعوا فيها بذرا جيّدا من الحنطة تنبت زرعا جيّدا على قدر استعدادها وأن يزرعوا فيها بذر قمح رديء أو بذر حمّص تكون مسلوب القابليّة فضلا عن الإنبات. فإن رأى الشّيخ المقتدى به فرضا مصلحة في رخصته وإجازته ووجد فيه صلاحيّة الإفادة ينبغي أن يقيّد إفادته وإجازته ببعض القيود مثل ظهور مناسبة الطّالب لطريق إفادته وعدم إضاعة استعداده في صحبته وعدم طغيان نفسه بتلك الرّياسة واقتداء النّاس به فإنّ هوى النّفس ما زال عنه بعد لعدم تزكية النّفس فيه فإذا علم أنّ الطّالب قد بلغ نهاية الإستفادة منه وغاية إفادته إيّاه وفي استعداد الطّالب قابليّة للتّرقّي ينبغي أن يظهر له هذا المعنى وأن يأذن له ليتمّ أمره من شيخ آخر ولا يظهر له أنّه منته لئلّا يكون قاطعا لطريق النّاس بهذه الحيلة. والحاصل يذكر له من أمثال هذه الشّرائط ما يعلم أنّه مناسب لوقته وحاله ويأذن له بعد وصيّة تامّة بها. وأمّا المنتهي المرجوع فلا يحتاج في إفادته وتكميله إلى أمثال هذه القيود فإنّ له بواسطة جامعيّته مناسبة بجميع الطّرق والإستعدادات يمكن أن يستفيد منه كلّ شخص على قدر استعداده ومناسبته وإن كان التّفاوت بالسّرعة والبطئ بواسطة قوّة المناسبة وضعفها متصوّرا في صحبة الشّيوخ المقتدى بهم أيضا ولكنّهم متساوو الأقدام في أصل الإفادة.

حصہ V01/P409–V01/P410

والإلتجاء إلى جناب الحقّ سبحانه والإعتصام بحبله المتين لازم للشّيخ المقتدى به حين إفادة الطّالب خوفا من مكره سبحانه في ضمن هذا الإشتهار بل ينبغي له أنّ ينفكّ عن هذا الإلتجاء في جميع الامور الّتي يمنحه الله سبحانه إيّاها في وقت من الأوقات وفي جميع الأحوال والأفعال فضلا عن هذا الأمر ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. المقصد الثّاني في بيان ما يتعلّق بالسّلوك. (اعلم) أنّ الطّالب إذا كان متوجّها إلى فوق بطريق السّلوك فمتى بلغ اسما هو ربّه وصار فانيا ومستهلكا فيه يصحّ إطلاق الفناء عليه وبعد البقاء بهذا الإسم يسلم إطلاق البقاء عليه وبهذا الفناء والبقاء يشرّف بأوّل مرتبة من مراتب الولاية ولكن ههنا تفصيل وبسط الكلام فيه ضروريّ. تمهيد: إنّ الفيض الوارد من ذات الحقّ سبحانه وتعالى وتقدّس على نوعين نوع يتعلّق بالإيجاد والإبقاء والتّخليق والتّرزيق والإحياء والإماتة وأمثالها ونوع آخر يتعلّق بالإيمان والمعرفة وسائر كمالات الولاية والنّبوّة. والنّوع الأوّل من الفيض بتوسّط الصّفات فقط والنّوع الثّاني فعلى البعض بتوسّط الصّفات وعلى البعس لآخر بتوسّط الشّئونات والفرق بين الصّفات والشّئونات دقيق جدّا لا يظهر الّا على آحاد من الأولياء المحمّديّ المشرب ولم يعلم أنّه تكلّم به أحد وبالجملة انّ الصّفات موجودة في الخارج بوجود زائد على وجود الذّات، والشّئونات مجرّد اعتبارات في الذّات ولنوضّح هذا المبحث بمثال وهو أنّ الماء مثلا ينزل من فوق إلى تحت بالطّبع وهذا الفعل الطّبيعيّ يوهم اعتبار الحياة والعلم والقدرة والإرادة فيه فإنّ أرباب العلم ينزلون من أعلى إلى أسفل بواسطة ثقلهم وبمقتضى علمهم ولا يتوجّهون إلى جهة الفوق. والعلم تابع للحياة، والإرادة تابع للعلم. و القدرة أيضا ثابتة فإنّ الإرادة تخصيص أحد المقدورين وهذه الإعتبارات المثبتة يعني الموهومة في ذات الماء بمنزلة الشّئونات فلو أثبتت صفات زائدة لذات الماء مع وجود هذه الإعتبارات لكانت بمنزلة الصّفات الموجودة بوجود زائد ولا يصحّ أن يقال للماء بالإعتبار الأوّل أنّه حيّ عالم قادر مريد بل لا بدّ لصحّة إطلاق هذه الأسامي من ثبوت صفات زائدة فما وقع في عبارة بعض المشائخ من إطلاق الأسامي المذكورة على الماء مبنيّ على عدم الفرق بين الشّئون والصّفات وكذلك الحكم بنفي وجود تلك الصّفات أيضا محمول على عدم ذلك الفرق. والفرق الآخر بين الشّئون والصّفات هو أنّ مقام الشّئون مواجه لذي الشّأن ومقام الصّفات ليس كذلك. ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والأولياء الّذين على قدمه رضوان الله عليهم أجمعين وصول الفيض الثّاني إليهم بواسطة الشّئونات وسائر الأنبياء عليهم السّلام والأولياء الّذين على أقدامهم وصول هذا الفيض بل الفيض الأوّل أيضا إليهم بواسطة الصّفات. فأقول: إنّ الإسم الّذي هو ربّه صلّى الله عليه وسلّم وواسطة وصول الفيض الثّاني إليه ظلّ شأن العلم وهذا الشّأن جامع لجميع الشّئون الإجماليّة، وظلّه عبارة عن قابليّة الذّات تعالت وتقدّست لذلك الشّأن بل لجميع الشّئون الإجماليّة والتّفصيليّة ولكن باعتبار شمول شأن العلم لها يعني لا بالذّات. ينبغي أن يعلم أنّ هذه القابليّة وإن كانت برزخا بين الذّات وبين شأن العلم ولكن لمّا كانت إحدى جهتيها لا لونيّة وهي جهة الذّات لا يظهر لونها في البرزخ فذلك البرزخ منصبغ بلون جهة أخرى وهي جهة شأن العلم فلا جرم قلنا إنّها ظلّ ذلك الشّأن وأيضا إنّ ظلّ الشّيء عبارة عن ظهور الشّيء ولو شبها ومثالا في مرتبة ثانية وحيث كان حصول البرزخ بعد حصول الطّرفين لا جرم ينكشف هذا البرزخ وقت المكاشفة تحت ذلك الشّأن فناسب إطلاق الظّلّ باعتبار هذا الظّهور بالضّرورة. والأسماء الّتي هي أرباب طائفة من الأولياء الّذين على قدمه صلّى الله عليه وسلّم في وصول الفيض الثّاني ظلال تلك القابليّة الجامعة وكالتّفاصيل لذلك الظّلّ المجمل. وأرباب سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وواسطة وصول الفيض الأوّل والثّاني إليهم قابليّات اتّصاف الذّات بالصّفات الموجودة الزّائدة.

حصہ V01/P410–V01/P411

(وأرباب) طائفة من الأولياء الّذين على أقدامهم في حقّ وصول الفيض الأوّل والثّاني صفات وواسطة وصول الفيض الأوّل إليه صلّى الله عليه وسلّم قابليّة اتّصاف الذّات بجميع الصّفات وكأنّ القابليّات الّتي هي وسائل فيضان الفيوض لسائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ظلال هذه القابليّة الجامعة وكالتّفاصيل لذلك الجامع المجمل ووسائط وصول الفيض الأوّل إلى طائفة هم على قدمه صلّى الله عليه وسلّم أيضا على حدة فانّها صفات فكأنّ وسائل وصول الفيض الاوّل في محمّدىّ المشارب مغايرة لوسائط وصول الفيض الثّانى بخلاف غيرهم فانّها واحدة فيهم وبعض المشائخ قدّس الله أسرارهم جعل ربّه صلّى الله عليه وسلّم منحصرا في قابليّة الاتّصاف ومنشأه عدم الفرق بين الشّئون والصّفات بل عدم العلم بمقام الشّئون والله يحقّ الحقّ وهو يهدى السّبيل. (فتحقّق) انّ ربّه صلّى الله عليه وسلّم ربّ الارباب في مقام الشّئون وفى موطن الصّفات وواسطة لوصول كلا الفيضين وعلم أيضا انّ وصول فيض مراتب كمالات ولايته عليه الصّلاة والسّلام من الذّات من غير توسّط امر زائد لانّ الشّئون عين الذّات واعتبار الزّيادة فيها من منتزعات العقل ولهذا كان التّجلّى الذّاتىّ مخصوصا به صلّى الله عليه وسلّم ولمّا اخذ كمّل تابعيه الفيض من طريقه حصل لهم أيضا شرب من هذا المقام والآخرون لمّا كانت في وصول الفيض إليهم وساطة الصّفات في البين والصّفات موجودة بوجود زائد وقع في البين حاجز حصين وكان التّجلّي الصّفاتيّ متعيّنا لهم. ينبغي أن يعلم أنّ قابليّة الإتّصاف وإن كانت اعتباريّة وليس لها وجود زائد والصّفات موجودة دون قابليّاتها ولكن لمّا كانت القابليّات كالبرازخ بين الذّات والصّفات بل بين الشّئون والصّفات ومن شأن البرزخ أن يأخذ لون طرفيه أخذت القابليّات أيضا لون الصّفات وحصلت الحائليّة، شعر: وما قلّ هجران الحبيب وإن غدا . قليلا ونصف الشّعر في عين ضائر فلاح من هذا البيان أنّ ظهور الذّات تعالت وتقدّست من غير حجاب ليس بمناف للتّجلّي الشّهوديّ ولكنّه مناف للتّجلّي الوجوديّ ولهذا لم يكن في جانب وصول فيض كمالات الولاية إليه صلّى الله عليه وسلّم حائل وفي جانب وصول الفيض الوجوديّ حصل الحائل في البين وهو قابليّة الإتّصاف كما مرّ. لا يقال: لمّا كانت الشّئون وقابليّاتها من الإعتبارات العقليّة ثبت لها الوجود الذّهنيّ فلزم منه الحجاب العلميّ، غاية ما في الباب أنّ حجب الصّفات خارجيّة وحجب الشّئون علميّة لأنّا نقول: إنّ الموجود الذّهنيّ لا يكون حجابا بين الموجودين الخارجيّين فإنّ حجاب الموجود الخارجيّ لا يكون الّا موجودا خارجيّا ولو سلم فالحجاب العلميّ يمكن ارتفاعه من البين بحصول بعض المعارف بخلاف الخارجيّ فإنّه لا يمكن زواله.

حصہ V01/P411–V01/P413

(فإذا علمت هذه المقدّمات فاعلم) انّ السّالك إذا كان محمّديّ المشرب فمنتهى سيره المسمّى بالسّير إلى الله إلى ظلّ الشّأن الّذي هو اسمه يعني ربّه وبعد الفناء في ذلك الإسم يشرّف بالفناء في الله وإذا صار باقيا به تيسّر له البقاء بالله أيضا وبهذا الفناء والبقاء يكون داخلا في أوّل مرتبة من الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإن لم يكن محمّديّ المشرب يصل إلى قابليّة صفة أو نفس صفة هي ربّه فإذا كان فانيا في هذا الإسم يعني الصّفة أو القابليّة الّتي وصل إليها لا يطلق عليها الفاني في الله وكذلك لا يكون باقيا بالله على تقدير بقائه بها فإنّ اسم الله عبارة عن مرتبة جامعة لجميع الشّئون والصّفات وحيث كانت الزّيادة في جهة الشّئون اعتباريّة كانت الشّئون عين الذّات وبعضها عين البعض الآخر فالفناء في اعتبار واحد فناء في جميع الإعتبارات بل فناء في الذّات وكذلك البقاء باعتبار واحد بقاء بجميع الإعتبارات فإطلاق الفاني في الله والباقي بالله يصحّ في هذه الصّورة بخلافها في جانب الصّفات فإنّها موجودة بوجود زائد على الذّات ومغايرتها للذّات ومغايرة بعضها للبعض الآخر تحقيقيّة فالفناء في صفة واحدة لا يستلزم الفناء في جميعها وهكذا الحال في البقاء فلا جرم لا يقال لهذا الفاني فانيا في الله وللباقي باقيا بالله بل يصحّ أن يقال له الفاني والباقي مطلقا أو مقيّدا بصفة يعني الفانيّ في صفة العلم والباقي بتلك الصّفة فيكون فناء المحمّديّين أتمّ بالضّرورة وبقاؤهم أكمل وأيضا لمّا كان عروج المحمّديّ إلى جانب الشّئون ولا مناسبة بين الشّئون والعالم أصلا لأنّ العالم ظلّ الصّفات لا ظلّ الشّئون لزم أن يكون فناء السّالك في شأن مستلزما للفناء المطلق على نهج لا يبقى من وجود السّالك ولا من أثره شيء أصلا. وهكذا على تقدير البقاء يكون باقيا بتمامه وكلّيّته بذلك الشّأن بخلاف الفاني في الصّفات فإنّه ينخلع عن نفسه بالتّمام ولا يزول أثره لأنّ وجود السّالك أثر تلك الصّفة وظلّها فظهور الأصل لا يكون ماحيا لوجود الظّلّ بالكلّيّة والبقاء على مقدار الفناء فالمحمّديّ يكون أمينا عن الرّجوع إلى الصّفات البشريّة ومحفوظا من خوف الرّدّ إلى مرتبة البهيميّة لأنّه منخلع عن نفسه بالكلّيّة وصار باقيا به سبحانه فيكون العود ممنوعا على هذا التّقدير بخلافه في صورة الفناء الصّفاتيّ فإنّ العود هناك ممكن لبقاء أثر وجود السّالك ويمكن أن يكون وقوع الإختلاف بين المشائخ في جواز رجوع الواصل وعدم جوازه من هذه الجهة والحقّ هو أنّه إن كان محمّديّا فمحفوظ من العود والّا ففي الخطر وكذلك الإختلاف الواقع في زوال أثر وجود السّالك بعد فنائه حيث قال بعضهم بزوال العين والأثر والبعض الآخر لم يجوّز زوال الأثر والحقّ في هذا الباب أيضا تفصيل فإن كان محمّديّا يزول عنه العين والأثر كلاهما والّا فلا يزول عنه الأثر لأنّ أصل الصّفة الّتي هي أصله باق فلا يمكن زوال ظلّه رأسا. وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ المراد بزوال العين والأثر الزّوال الشّهوديّ لا الوجوديّ فإنّ القول بالزّوال الوجوديّ مستلزم للإلحاد والزّندقة وجماعة من هذه الطّائفة تصوّروا الزّوال زوالا وجوديّا فهربوا من زوال أثر الممكن وتيقّنوا أنّ القول به إلحاد وزندقة والحقّ ما حقّقت بإعلامه سبحانه والعجب أنّهم مع قولهم بالزّوال الوجوديّ قالوا بزوال العين ألم تعلموا أنّ القول بزوال عين الوجود كالحكم بزوال الأثر مستلزم للإلحاد والزّندقة وبالجملة انّ الزّوال الوجوديّ محال في العين والأثر والشّهوديّ ممكن في كليهما بل واقع ولكنّه مخصوص بمحمّديّ المشرب فالمحمّديّون ينخلعون عن القلب بالتّمام ويتّصلون بمقلّب القلب وهم متخلّصون عن تقلّب الأحوال ومحرّرون عن رقّيّة السّوى بالكلّيّة ولمّا كان وجود الآثار لازما لغيرهم وتقلّب الأحوال نقد وقتهم ليس لهم مخلّص من مقام القلب لأنّ تقلّب الأحوال ووجود الآثار من شعب الحقيقة الجامعة القلبيّة فيكون شهود غيرهم في الحجاب دائما فإنّ حجاب المطلوب إنّما يكون على مقدار ثبوت بقايا وجود السّالك وحيث كان الأثر باقيا فالحجاب هو ذلك الأثر.

حصہ V01/P413–V01/P414

معرفة: إذا وصل السّالك من طريق سلوك غير متعارف إلى مرتبة من مراتب فوق اسم هو ربّه وصار فانيا ومستهلكا في تلك المرتبة من غير أن يصل إلى ذلك الإسم فإطلاق الفناء في الله في هذه الصّورة أيضا جائز وكذلك البقاء بتلك المرتبة فتخصيص الفناء في الله بذلك الإسم اعتباريّ لكونه أوّل مرتبة من مراتب الفناء. معرفة: إنّ السّلوك على أنواع فسلوك البعض من غير تقدّم الجذبة وفي البعض الجذبة مقدّمة على سلوكهم وجماعة تحصل لهم الجذبة في أثناء قطع منازل السّلوك وطائفة يتيسّر لهم طيّ منازل البسّلوك ولكنّهم لا يصلون إلى حدّ الجذبة فتقدّم الجذبة للمحبوبين وباقي الأقسام متعلّقة بالمحبّين وسلوك المحبّين عبارة عن طىّ المقامات العشرة المشهورة بالتّرتيب والتّفصيل وفى سلوك المحبّين تحصل خلاصة المقامات العشرة لا حاجة لهم إلى التّرتيب والتّفصيل، والعلم بوحدة الوجود من الإحاطة والسّريان والمعيّة الذّاتيّة كلّ ذلك مربوط بالجذبة المتقدّمة أو المتوسّطة وليس للسّلوك الخاصّ وجذبة المنتهين مناسبة بأمثال هذه العلوم ولا مناسبة أيضا بين حقّ اليقين المخصوص بالمنتهين وبين العلوم المناسبة بالتّوحيد الوجوديّ ففى كلّ موضع بيّن فيه حقّ اليقين المخصوص بمقام المجذوبين مناسبا لمقام أرباب التّوحيد الوجوديّ فهو حقّ اليقين المخصوص بالمجذوب المبتدي أو المتوسّط. معرفة: قال بعض المشائخ: إذا بلغ شغل الطّالب الجذبة فدليله بعد ذلك هو تلك الجذبة فحسب يعني أنّه لا يحتاج إلى توسّط دليل آخر بل تلك الجذبة كافية له فإن أراد بهذه الجذبة جذبة السّير في الله فنعم إنّها كافية ولكن لفظ الدّليل مناف لهذه الإرادة لأنّه لا مسافة بعد السّير في الله حتّى يحتاج في قطعها إلى دليل وكذلك الجذبة المتقدّمة يعني على السّلوك أيضا ليست بمرادة هنا كما هو معلوم من العبارة فيكون المراد بها بالضّرورة جذبة المتوسّط وكفايتها في الوصول إلى المطلوب ليس بمعلوم فإنّ كثيرا من المتوسّطين قد توقّفوا وتقاعدوا من العروج إلى فوق عند حصول هذه الجذبة وزعموا تلك الجذبة جذبة النّهاية فإن كانت كافية لما كانت تتركهم في أثناء الطّريق نعم إذا كانت الجذبة المتقدّمة المتعلّقة بالمحبوبين كافية فلها مجال يمكن أن تجرّ المحبوبين بسلسلة العناية ولا تتركهم في أثناء الطّريق ولكن كون هذه الكفاية في حقّ جميع الجذبات المتقدّمة ممنوع أيضا بل الجذبة إذا آل أمرها إلى السّلوك فكافية والّا فمجذوب أبتر وليس من المحبوبين. (الخاتمة) قالت طائفة من المشائخ قدّس الله أسرارهم: إنّ التّجلّي الذّاتيّ مزيل للشّعور ومعطّل للحسّ وقد أخبر بعضهم عن حاله بأنّه سقط ووقع على الأرض عند ظهور هذا التّجلّي الذّاتي وبقي مدّة مديدة من غير حسّ وحركة حتّى ظنّ النّاس أنّه قد مات، وبعضهم منع الكلام وغيره في التّجلّي الذّاتيّ وحقيقة هذا الكلام أنّ التّجلّي هو في حجاب اسم من الأسماء وبقاء الحجاب بواسطة بقايا أثر وجود صاحب التّجلّي يعني المتجلّى له وعدم الشّعور أيضا بواسطة تلك البقيّة فإن كان فانيا بالتّمام وشرّف بالبقاء بالله لا يسلب التّجلّي عنه الشّعور أصلا، شعر: يحرق بالنّار من يمسّ بها . ومن هو النّار كيف يحترق بل أقول: إنّ التّجلّي الّذي في الحجاب ليس هو تجلّيا ذاتيّا بل داخل في التّجلّي الصّفاتيّ والتّجلّي المخصوص به صلّى الله عليه وسلّم بلا حجاب. وعلامة وجود الحجاب فقدان الشّعور وفقدان الشّعور من البعد وعلامة عدم الحجاب وجود الشّعور والشّعور في كمال الحضور. وقد أخبر واحد من الأكابر عليه الرّحمة والغفران عن حال صاحب هذا التّجلّي بالأصالة والإستقلال حيث قال (شعر). وأغمي موسى من تجلّي صفاته . وأنت ترى ذات الاله وتبسّم و هذا التّجلّي الذّاتيّ الّذي لا حجاب فيه دائميّ للمحبوبين وبرقيّ للمحبّين فإنّ أبدان المحبوبين أخذت حكم أرواحهم وسرت تلك النّسبة في كلّيّتهم وهذه السّراية في المحبّين على سبيل النّدرة وما وقع في الحديث النّبويّ من قوله عليه الصّلاة والسّلام لي مع الله وقت.

حصہ V01/P414–V01/P415

ليس المراد بالوقت هذا التّجلّي البرقيّ فإنّ هذا التّجلّي في حقّه عليه الصّلاة والسّلام الّذي هو رئيس المرادين دائميّ بل هو نوع من خصوصيّات هذا التّجلّي الدّائميّ واقع على سبيل النّدرة والقلّة كما لا يخفى على أربابه. معرفة: إنّ المشائخ قدّس الله أسرارهم في حديث لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل على قسمين فطائفة أرادوا بالوقت الوقت المستمرّ وطائفة أخرى قالوا بندرة الوقت والحقّ أنّ الوقت النّادر مع وجود استمرار الوقت متحقّق أيضا كما مرّت الإشارة إليه آنفا وتحقّق هذا الوقت النّادر عند هذا الحقير هو في حين أداء الصّلاة وكأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أشار بقوله وقرّة عيني في الصّلاة. إلى ذلك وأيضا قال صلّى الله عليه وسلّم: «أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة " وقال تبارك وتعالى (واُسْجُدْ واِقْتَرِبْ). وكلّ وقت فيه القرب الإلهيّ أزيد فمجال الغير فيه أشدّ انتفاء وما قال بعض المشائخ قدّس الله أسرارهم مخبرا عن حاله ووقته واستمراره " حالي في الصّلاة كحالى قبل الصّلاة " ينافي الأحاديث المذكورة بل النّصّ المذكور ينفي المساواة والإستمرار. ينبغي أن يعلم أنّ استمرار الوقت متحقّق والكلام إنّما هو في أنّ الحالة النّادرة مع وجود استمرار الوقت هل هي متحقّقة أو لا والّذي لم يطّلعوا على ندرة الوقت قالوا بنفيها والّذين لهم حظّ من ذلك المقام اعترفوا بها. والحقّ أنّ الّذين أعطوا الجمعيّة في الصّلاة بتبعيّته عليه الصّلاة والسّلام واحتظّوا بدولة قرب ذلك الشّرب أقلّ قليل رزقنا الله سبحانه بكمال كرمه نصيبا من هذا المقام بحرمة محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. معرفة: إنّ المنتهين من أرباب الصّفات قريبون من المجذوبين في العلوم والمعارف وكلا الطّائفتين على وصف واحد في الشّهود فإنّ كليهما من أرباب القلوب غاية ما في الباب أنّ أرباب الصّفات مطّلعون على التّفاصيل بخلاف المجذوبين وأيضا إنّ أرباب الصّفات فيهم بواسطة السّلوك والعروج إلى فوق زيادة قرب بالنّسبة إلى المجذوبين الّذين لا عروج لهم ولكنّ محبّة الأصل آخذة بيد المجذوبين وإن كان في البين حجب ولا عجب لو اعتبر في المجذوبين بحكم المرء مع من أحبّ قرب الأصل ومعيّته فالمجذوبون لهم مناسبة بالمحبوبين في المحبّة فإنّ الحبّ الذّاتيّ ولو مع الحجب متحقّق في المجذوبين أيضا. معرفة: قد وقع في عبارة البعض من هذه الطّائفة أنّ للأقطاب تجلّي الصّفات وللأفراد تجلّي الذّات وفي هذا الكلام مجال للتّأمّل فإنّ القطب محمّديّ المشرب والمحمّديّون لهم التّجلّي الذّاتيّ نعم إنّ في هذا التّجلّي أيضا تفاوتا كثيرا فإنّ القرب الّذي للأفراد ليس للأقطاب ولكن لكليهما نصيب من التّجلّي الذّاتيّ الّا أن نقول: إنّه يمكن أن يكون مراده من القطب قطب الأوتاد الّذي هو على قدم إسرافيل عليه السّلام لا على قدم محمّد صلّى الله عليه وسلّم. معرفة: إنّ الله خلق آدم على صورته والله تعالى منزّه عن الشّبه والمثال وخلق روح آدم الّتي هي خلاصته على صورة لا شبهيّة ولا مثليّة فكما أنّ الحقّ سبحانه لا مكانيّ كانت الرّوح أيضا لا مكانيّة ونسبة الرّوح إلى البدن كنسبته تعالى وتقدّس إلى العالم لا داخلة فيه ولا خارجة عنه ولا متّصلة به ولا منفصلة عنه لا نفهم فيها نسبة سوى القيّوميّة ومقوّم كلّ ذرّة من ذرّات البدن هو الرّوح كما أنّ الله تبارك وتعالى قيّوم العالم وقيّوميّته تعالى للبدن بواسطة الرّوح وكلّ فيض يرد منه سبحانه على البدن فمحلّ وروده ابتداء هو الرّوح ثمّ يصل ذلك الفيض بواسطة الرّوح إلى البدن ولمّا كانت الرّوح مخلوقة على صورة لا شبهيّة ولا مثليّة لا جرم كان فيها مجال للّاشّبهيّ واللّامثاليّ الحقيقيّ لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكنّ يسعني قلب عبدي المؤمن فإنّ الأرض والسّماء لمّا كانا مع وجود الوسعة فيهما داخلين في دائرة المكان ومتّسمين بسمة الشّبه والمثال ليس فيهما مجال اللّامكانيّ المقدّس عن الشّبه والمثال فإنّ اللّامكانيّ لا يسعه المكانيّ واللّا مثاليّ لا يتمكّن في المثاليّ فلا جرم تحقّق السّعة والمجال في قلب عبده المؤمن الّذي هو لا مكانىّ ومنزّه عن الشّبه والمثال.

حصہ V01/P415–V01/P417

والتّخصيص بقلب المؤمن مبنيّ على أنّ قلب غير المؤمن هابط عن أوج اللّامكانيّ ومأسور للشّبهيّ والمثاليّ وآخذ حكمه ولمّا كان داخلا في دائرة المكانيّ بسبب ذلك النّزول والأسر واكتسب المثاليّة ضيّع تلك القابليّة أولئك كالأنعام بل هم أضلّ وكلّ من أخبر عن وسعة قلبه من المشائخ فمراده لا مكانيّة القلب فإنّ المكانيّ وإن كان وسيعا ضيّق ألا ترى أنّ العرش مع وجود عظمته ووسعته لمّا كان مكانيّا كان حكمه في جنب اللّامكانيّ الّذي هو الرّوح كحكم الخردلة بل أقلّ بل أقول: إنّ هذا القلب لمّا كان محلّ تجلّي أنوار القدم بل وجد بقاء بالقدم لو وقع فيه العرش وما فيه لصار مضمحلّا ومتلاشيا بحيث لا يبقى منه أثر كما قال سيّد الطّائفة في هذا المقام: إنّ المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر وهذا لباس متفرّد مخيط على قدر قدّ الرّوح خاصّة وليست هذه الخصوصيّة للملائكة أيضا فإنّهم داخلون في دائرة المكانيّ ومتّصفون بالمثاليّ فلا جرم كان الإنسان خليفة الرّحمن ولا عجب فيه فإنّ صورة الشّيء خليفة الشّيء وما لم يخلق على صورة شيء لا يليق بخلافة الشّيء وما لم يكن لائقا بالخلافة لا يقدر أن يتحمّل ثقل أمانة أصله لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه قال تبارك وتعالى (إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والْأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا) كثير الظّلم على نفسه بحيث لا يبقي من وجوده ولا من توابع وجوده أثرا ولا حكما كثير الجهل حتّى لا يكون له إدراك يتعلّق بالمقصود ولا علم له نسبة إلى المطلوب بل العجز عن الادراك في ذلك الموطن ادراك والإعتراف بالجهل معرفة. أكثرهم معرفة بالله أكثرهم تحيّرا فيه. تنبيه: فإن وقع في بعض العبارات لفظ موهم بالظّرفيّة والمظروفيّة في شأنه تعالى وتقدّس ينبغي أن يحمله على ضيق ميدان العبارة وأن يجعل المراد والمقصود من الكلام مطابقا لآراء أهل السّنّة. معرفة: إنّ العالم صغيرة وكبيره مظاهر الأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ شأنه ومرايا الشّئونات والكمالات الذّاتيّة وهو سبحانه كان كنزا مكنونا وسرّا مخزونا فأراد أن يعرض نفسه من الخلاء إلى الملأ وأن يورد الإجمال على التّفصيل فخلق العالم ليدلّ على أصله وليكون علامة لحقيقته ولا نسبة بين العالم والصّانع سوى أنّ العالم مخلوقه ودليل على كمالاته المخزونة تعالى وتقدّس وكلّ حكم وراء ذلك من جنس الإتّحاد والعينيّة والإحاطة والمعيّة من السّكر وغلبة الحال والأكابر المستقيمو الأحوال الّذين ذاقوا شرابا من قدح الصّحو والوصال يتبرّءون من هذه العلوم ويستغفرون من مثل هذا الحال وإن حصل لبعضهم هذه العلوم في أثناء الطّريق ولكنّهم يجاوزونها بالاخرى ويمنحون علوما أزليّة مطابقة لعلوم الشّريعة. (ولنبيّن) لتحقيق هذا المبحث مثالا انّ العالم النّحرير ذا فنون مثلا أراد أن يبرز كمالاته المخزونة إلى عرصة الظّهور وأن يجلّي فنونه المكنونة إلى الملأ فأوجد الحروف والأصوات ليظهر في حجب تلك الحروف والأصوات كمالاته المخزونة وفنونه المكنونة ففى هذه الصّورة لا مناسبة بين تلك الحروف والأصوات وبين المعاني المخزونة بل بين العالم الموجد لها أصلا الّا أنّ العالم موجدها وهي دالّة على كمالاته المخزونة ولا معنى في القول بأنّ تلك الحروف والأصوات عين ذلك العالم الموجد أو عين تلك المعاني وكذلك الحكم بالإحاطة والمعيّة غير واقع في تلك الحادثة بل المعاني على صرافتها المخزونة نعم حيث تحقّق بين المعاني وصاحبها وبين الحروف والأصوات مناسبة الدّاليّة والمدلوليّة ربّما يحدث في التّخيّل بعض المعاني الزّائدة والأوهام الغير الواقعة والعالم ومعانيه والمخزونة منزّهان ومبرّآن بالحقيقة عن تلك النّسبة الزّائدة وهذه الحروف والأصوات موجودة في الخارج لا إنّ العالم والمعاني موجود فقط والحروف والأصوات أوهام وخيالات فكذلك العالم الّذي هو عبارة عمّا سواه تعالى موجود في الخارج بالوجود الظّلّيّ والكون الطّبيعيّ لا إنّه أوهام وخيالات فإنّ هذا المذهب هو عين مذهب السّوفسطائيّ حيث يقولون: إنّ العالم أوهام وخيالات وإثبات الحقيقة للعالم لا يخرجه عن أن يكون أوهاما وخيالات بل تكون الحقيقة موجودة لا العالم فإنّ العالم وراء تلك الحقيقة المفروضة.

حصہ V01/P417–V01/P418

تنبيه: إنّ المراد بمظهريّة العالم ومرآتيّته للأسماء والصّفات كونه مظهرا ومرآءة لصور الأسماء والصّفات لا لأعيان الأسماء والصّفات فإنّ الإسم كالمسمّى لا يكون محاطا بالمرآة أصلا والصّفة كالموصوف لا تكون مقيّدة بمظهر قطعا، شعر: وجلّ اسمه سبحانه مثل ذاته . كذا وصفه من أن يحاطا بمظهر معرفة: إنّ كمّل أتباعه صلّى الله عليه وسلّم وإن كان لهم بواسطة اتّباعه صلّى الله عليه وسلّم نصيب من التّجلّي الذّاتيّ الّذي هو من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم بالأصالة ولسائر الأنبياء عليهم السّلام تجلّي الصّفات وتجلّي الذّات أشرف من تجلّي الصّفات ولكن ينبغي أن يعلم أنّ للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في تجلّي الصّفات من مراتب القرب ما ليس لكمّل التّابعين من هذه الامّة مع وجود تجلّي الذّات بطريق التّبعيّة وهذا كما أنّ شخصا مثلا إذا وصل إلى الشّمس بطيّ مدارج العروج محبّة لجمالها حتّى لم يبق بينه وبين الشّمس غير حائل رقيق وشخص آخر مع وجود محبّته لذات الشّمس عاجز عن العروج إلى تلك المراتب وإن لم يكن بينه وبين الشّمس حائل أصلا فلا شكّ أنّ الشّخص الأوّل أقرب إلى الشّمس وأعلم بكمالاتها الدّقيقة فكلّ من فيه القرب أزيد ومعرفته أكثر فهو أفضل وكماله أوفر فلا يبلغ وليّ من أولياء هذه الامّة الّتي هي خير الامم مع وجود أفضليّة نبيّهم مرتبة نبيّ من الأنبياء وإن حصل بمتابعة نبيّه نصيب من مقام به الأفضليّة والفضل الكلّيّ إنّما هو للأنبياء عليهم السّلام والأولياء طفيليّون. وليكن هذا آخر الكلام والحمد لله سبحانه على ذلك وعلى جميع نعمائه والصّلاة والسّلام على أفضل أنبيائه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعلى الصّدّيقين والشّهداء والصّالحين. المكتوب الثّامن والثّمانون والمائتان إلى السّيّد أنبياء المانك? وريّ في المنع عن أداء صلاة النّقل بالجماعة كصلاة ليلة العاشوراء والبراءة وغيرها وما يناسب ذلك الحمد لله الّذي شرّفنا بمتابعة سيّد المرسلين وجنّبنا عن ارتكاب المبتدعات في الدّين، والصّلاة والسّلام على من قمع بنيان الضّلالة ورفع أعلام الهداية وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار ينبغي أن يعلم أنّ لأكثر النّاس في هذا الزّمان من الخواصّ والعوامّ اهتماما تامّا في أداء النّوافل ولكنّهم يتساهلون في أداء المكتوبات ولا يراعون فيها السّنن والمستحبّات الّا قليلا يرون النّوافل عزيزة والفرائض حقيرة وذليلة قلّما يؤدّون الفرائض في أوقاتها المستحبّة لا يهتمّون لإدراك تكبير التّحريمة مع الجماعة بل لا يبالون بفوت نفس الجماعة أيضا وإنّما يغتنمون أداء نفس الفرائض بالتّكاسل والتّساهل ويؤدّون النّوافل بالجمعيّة التّامّة ورعاية كمال الإهتمام في يوم عاشوراء وليلة البراءة واللّيلة السّابعة والعشرين من رجب وليلة أوّل جمعة منه وهي الّتي يسمّونها ليلة الرّغائب ويظنّون فعلهم هذا حسنا ومستحسنا ولا يدرون أنّه من تسويلات الشّيطان الّذي يرى السّيّئات في صورة الحسنات. قال شيخ الإسلام مولانا عاصم الدّين الهروىّ في حاشية شرح الوقاية: إنّ التّطوّع بالجماعة وترك الفرض بالجماعة من تسويلات الشّيطان. (ينبغي) أن يعلم أنّ أداء النّوافل بالجماعة من البدع المذمومة والمكروهة ومن جملة البدع الّتي قال خاتم الرّسالة عليه الصّلاة والسّلام في شأنها " من أحدث في ديننا هذا فهو ردّ».

حصہ V01/P418–V01/P419

(واعلم) أنّ أداء النّوافل بالجماعة مكروه مطلقا في بعض الرّوايات الفقهيّة وفي بعض آخر الكراهة مشروطة بالتّداعي والجمعيّة فعلى هذا لو صلّى اثنان النّفل في ناحية المسجد من غير تداع يجوز بلا كراهة وفي الثّلاثة اختلاف المشايخ والأربعة مكروهة بالإتّفاق في بعض الرّوايات وفي البعض الآخر الأصحّ أنّها مكروهة في الفتاوى السّراجيّة كره التّطوّع بالجماعة بخلاف التّراويح وصلاة الكسوف وفي الفتاوى الغياثيّة قال الشّيخ الإمام السّرخسيّ رحمه الله: التّطوّع بجماعة خارج رمضان إنّما يكره إذا كان على سبيل التّداعي أمّا إذا اقتدى واحد أو اثنان لا يكره وفي الثّلاث اختلاف وفي الأربع يكره بلا خلاف وذكر في الخلاصة أنّ التّطوّع بجماعة إذا كان على سبيل التّداعي يكره وأمّا إذا صلّوا بجماعة بغير أذان وإقامة في ناحية المسجد لا يكره وقال شمس الأئمّة الحلوانيّ: إذا كان سوى الإمام ثلاثة لا يكره بالإتّفاق وفي الأربع اختلاف والأصحّ أنّه يكره وفي الفتاوى الشّافية: ولا يصلّي التّطوّع بالجماعة الّا في شهر رمضان وذلك إنّما يكره إذا كان على سبيل التّداعي يعني بأذان وإقامة امّا لو اقتدى واحد او اثنان لا على سبيل التّداعي فلا يكره وإذا اقتدى ثلاثة اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى وإن اقتدى أربعة كره اتّفاقا وأمثال هذه الرّوايات كثيرة والكتب الفقهيّة بها مملوءة فإن وجدت رواية مجوّزة لأداء النّفل بالجماعة مطلقا ساكتة عن ذكر العدد ينبغي حملها على المقيّد الواقع في رواية أخرى وأن يراد بالمطلق المقيّد وأن يقصر الجواز على اثنين أو ثلاث لأنّ العلماء الحنفيّة وإن كانوا يجرون المطلق على إطلاقه في الاصول ولا يحملونه على المقيّد ولكنّهم جوّزوا حمل المطلق على المقيّد في الرّوايات بل عدّوه لازما فإن لم يحمل على طريق فرض المحال ويجرى على إطلاقه لكان هذا المطلق معارضا على ذلك المقيّد إذا تساويا في القوّة. والمساواة في القوّة ممنوعة فإنّ رواية الكراهة مع وجود كثرتها مختارة ومفتى بها بخلاف رواية الإباحة ولو سلّم مساواتها أقول: إنّ التّرجيح على تقدير تعارض أدلّة الكراهة وأدلّة الإباحة في جانب الكراهة فإنّ فيه رعاية الإحتياط كما هو مقرّر عند أهل أصول الفقه فالّذين يصلّون صلاة النّفل يوم عاشوراء وليلة البراءة وليلة الرّغائب بجماعة عظيمة بحيث يجتمع في المساجد مائتان أو ثلثمائة رجل ويستحسنون تلك الصّلاة بمثل ذلك الإجتماع والجماعة مرتكبون أمرا مكروها باتّفاق الفقهاء، واستحسان القبائح من أعظم القبايح فإنّ اعتقاد الحرام مباحا منجرّ إلى الكفر وظنّ المكروه حسنا أقلّ منه بمرتبة واحدة فينبغي ملاحظة شناعة هذا الفعل كمال الملاحظة واعتمادهم في دفع الكراهة على عدم التّداعي نعم إنّ عدم التّداعي يدفع الكراهة على بعض الرّوايات ولكنّه مخصوص بمقتد واحد واثنين وهو أيضا مشروط بكونه في ناحية المسجد وبدونه خرط القتاد مع أنّ التّداعي عبارة عن إعلام بعض بعضا آخر لأداء صلاة النّفل وهذا المعنى متحقّق في تلك الجماعة فإنّهم يعلّمون بعضهم بعضا قبيلة قبيلة في يوم عاشوراء وغيره ويقولون ينبغي أن نذهب إلى مسجد الشّيخ الفلانيّ أو العالم الفلانيّ وأنّ نؤدّي الصّلاة هناك بالجمعيّة وهم قد اعتبروا هذا الفعل فمثل هذا الإعلام أبلغ من الأذان والإقامة فثبت التّداعي أيضا وإذا جعلنا التّداعي مخصوصا بالأذان والإقامة كما وقع في بعض الرّوايات وأردنا بهما حقيقة الأذان والإقامة فالجواب هو ما مرّ آنفا من أنّ عدم الكراهة مخصوص بواحد واثنين مع شرط آخر على ما مرّ ذكره.

حصہ V01/P419–V01/P420

(ينبغي) أن يعلم أنّ بناء أداء النّفل على الإخفاء والسّتر لكونه مظنّة رياء وسمعة والجماعة منافية له والمطلوب في أداء الفرض الإظهار والإعلان لأنّه مبرّأ عن شائبة الرّياء والسّمعة فيكون المناسب أن يؤدّى بالجماعة أو نقول: إنّ كثرة الإجتماع مظنّة حدوث الفتنة ولهذا اشترطوا في أداء صلاة الجمعة حضور السّلطان أو نائبه حتّى يتحقّق الأمن من حدوث الفتنة وفي تلك الجماعات المكروهات احتمال إيقاظ الفتنة القويّة أيضا فلا يكون هذا الإجتماع معروفا بل يكون منكرا وفي الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " فاللّازم لولاة الامور وقضاة الإسلام وأهل الإحتساب منع هذا الإجتماع ومراعاة الزّجر بأبلغ الوجوه في هذا الباب حتّى يتحقّق استيصال هذه البدعة المنجرّة إلى الفتنة والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. المكتوب التّاسع والثّمانون والمائتان إلى مولانا بدر الدّين في بيان أسرار القضاء والقدر وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الّذي كشف سرّ القضاء والقدر على الخواصّ من عباده وستر عن العوامّ لمكان الضّلال عن سواء السّبيل واقتصاده والصّلاة والسّلام على من أكمل به الحجّة البالغة وقطع به إعذار العصاة الهالكة وعلى آله وأصحابه البررة الأتقياء الّذين آمنوا بالقدر ورضوا بالقضاء والقدر ممّا قد كثر فيه الحيرة والضّلال غلب على أكثر ناظريها باطل الوهم والخيال حتّى قال بعضهم بمحض الجبر فيما يصدر عن العبد بالإختيار ونفى بعضهم نسبته إلى الواحد القهّار وأخذ طائفة بطرف الإقتصاد في الإعتقاد الّذي هو الصّراط المستقيم والمنهج القويم ولقد وفّق لهذا الطّريق الفرقة النّاجية الّذين هم أهل السّنّة والجماعة رضي الله عنهم وعن أسلافهم وأخلافهم فتركوا الإفراط والتّفريط واختاروا الوسط والبين روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنّه سأل جعفر الصّادق رضي الله عنه فقال: يا ابن رسول الله هل فوّض الله الأمر إلى العباد فقال: الله تعالى أجلّ من أن يفوّض الرّبوبيّة إلى العباد فقال له هل جبرهم على ذلك فقال: الله تعالى أعدل من أن يجبرهم على ذلك ثمّ يعذّبهم فقال وكيف ذلك فقال بين بين لا جبر ولا تفويض ولا كره ولا تسليط لهذا قال أهل السّنّة: إنّ الأفعال الإختياريّة للعباد مقدورة الله تعالى من حيث الخلق والإيجاد ومقدورة العباد على وجه آخر من تعلّق يعبّر عنه بالإكتساب فحركة العبد باعتبار نسبتها إلى قدرته تعالى تسمّى خلقا وباعتبار نسبتها إلى قدرة العبد كسبا له غير أنّ الأشعريّ منهم ذهب إلى أن لا مدخل لإختيار العباد في أفعالهم أصلا الّا أنّ الله سبحانه أوجد الأشياء عقيب اختيارهم بطريق جري العادة إذ لا تأثير للقدرة الحادثة عنده وهذا المذهب مائل إلى الجبر ولهذا يسمّى بالجبر المتوسّط قال الاستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ بتأثير القدرة الحادثة في أصل الفعل وحصول الفعل بمجموع القدرتين وقد جوّز اجتماع المؤثّرين على أثر واحد بجهتين مختلفتين وقال القاضي أبو بكر الباقلّانيّ بتأثير القدرة الحادثة في وصف الفعل بأن تجعل الفعل موصوفا بمثل كونه طاعة ومعصية والمختار عند العبد الضّعيف تأثير القدرة الحادثة في أصل الفعل وفي وصفه معا إذ لا معنى للتّأثير في الوصف بدون التّأثير في الأصل إذ الوصف أثره المتفرّع عليه لكنّه محتاج إلى تأثير زائد على تأثير أصل الفعل إذ وجود الوصف زائد على وجود الأصل ولا محذور في القول بالتّأثير وإن كبر ذلك على الأشعريّ إذ التّأثير في القدرة أيضا بإيجاد الله سبحانه كما أنّ نفس القدرة بإيجاده تعالى. والقول بتأثير القدرة هو الأقرب إلى الصّواب ومذهب الأشعريّ داخل في دائرة الجبر في الحقيقة إذ لا اختبار عنده حقيقة ولا تأثير للقدرة الحادثة عنده أصلا الّا أنّ الفعل الاختياريّ عند الجبريّة لا ينسب إلى الفاعل حقيقة بل مجازا وعند الأشعريّ ينسب إلى الفاعل حقيقة وإن لم يكن الإختيار ثابتا له حقيقة لأنّ الفعل ينسب إلى قدرة العبد حقيقة سواء كانت القدرة مؤثّرة ولو في الجملة كما هو مذهب غير الأشعريّ من أهل السّنّة أو مدارا محضا كما هو مذهبه وبهذا يتميّز مذهب أهل الحقّ عن مذهب أهل الباطل.

حصہ V01/P420–V01/P421

ونفي الفعل عن الفاعل حقيقة وإثباته له مجازا كما هو مذهب الجبريّة كفر محض وإنكار على الضّروريّ قال صاحب التّمهيد: ومن الجبريّة من قال بأنّ الفعل من العبد ظاهرا ومجازا إمّا في الحقيقة لا استطاعة له والعبد كالشّجرة إذا حرّكتها الرّيح تحرّكت فكذلك العبد مجبور كالشّجرة وهذا كفر ومن اعتقد هذا يصير كافرا وقال أيضا في مذهب الجبريّة: قولهم أن ليس للعبد أفعال على الحقيقة لا في الخير ولا في الشّرّ وما يفعله العبد فالفاعل هو الله سبحانه وهذا كفر. فإن قلت: إذا لم يكن لقدرة العبد تأثير في الأفعال ولم يكن الإختيار له حقيقة فما معنى نسبة الأفعال إلى العبد حقيقة عند الأشعريّ قلت: إنّ القدرة وإن لم يكن لها تأثير في الأفعال الّا أنّه سبحانه جعلها مدارا لوجود الأفعال بأن يخلق الله تعالى الأفعال عقب صرف قدرتهم واختيارهم إلى الأفعال بطريق جري العادة وكأنّ القدرة علّة عادية لوجود الأفعال فيكون للقدرة مدخل في صدور الأفعال عادة لأنّها لم توجد بدونها عادة وإن لم يكن لها تأثير في الأفعال فباعتبار العلّة العادية تنسب إلى العباد أفعالهم حقيقة هذا هو النّهاية في تصحيح مذهب الأشعريّ والكلام بعد محلّ تأمّل (اعلم) أنّ أهل السّنّة والجماعة آمنوا بالقدر بأنّ القدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه من الله سبحانه لأنّ معنى القدر هو الإحداث والإيجاد ومعلوم أن لا محدث ولا موجد الّا الله سبحانه لا إله الّا هو خالق كلّ شيء فاعبدوه والمعتزلة والقدريّة أنكروا القضاء والقدر وزعموا أنّ أفعال العباد حاصلة بقدرة العبد وحدها قالوا: لو قضى الله الشّرّ ثمّ عذّبهم على ذلك لكان ذلك جورا منه سبحانه وهذا جهل منهم لأنّ القضاء لا يسلب القدرة والإختيار عن العبد لأنّه قضى بأنّ العبد يفعله أو يتركه باختياره. (غاية ما في الباب) أنّه يوجب الإختيار وهو محقّق للاختيار لا مناف له وأيضا إنّه منقوض بأفعال الباري تعالى لأنّ فعله سبحانه بالنّظر إلى القضاء إمّا واجب أو ممتنع لأنّه إن تعلّق القضاء بالوجود فيجب أو بالعدم فيمتنع فإن كان وجوب الفعل بالإختيار منافيا له لم يكن الباري تعالى مختارا وهذا كفر ولا يخفى أنّ القول باستقلال قدرة العبد في إيجاد أفعاله مع كمال ضعفه في غاية السّخافة ومنشأ نهاية السّفاهة ولهذا بالغ مشائخ ما وراء النّهر شكر الله تعالى سعيهم في تضليلهم في هذه المسألة حتّى قالوا: إنّ المجوس أسعد حالا منهم حيث لم يثبتوا الّا شريكا واحدا. والمعتزلة أثبتوا شركاء لا تحصى وزعمت الجبريّة أنّه لا فعل للعبد أصلا وأنّ حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة لهم أصلا ولا اختيار وزعموا أنّ العباد لا يثابون بالخير ولا يعاقبون بالشّرّ. والكفّار والعصاة معذورون غير مسئولين لأنّ الأفعال كلّها من الله تعالى والعبد مجبور في ذلك وهذا كفر وهؤلاء المرجئة الملعونون الّذين يقولون بأنّ المعصية لا تضرّ والعاصي لا يعاقب وروي عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال " لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيّا " ومذهبهم باطل بالضّرورة للفرق الظّاهر بين حركة البطش وحركة الإرتعاش ونعلم قطعا أنّ الأوّل باختياره دون الثّاني والنّصوص القطعيّة تنفي هذا المذهب أيضا كقوله تعالى جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقوله سبحانه فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إلى غير ذلك.

حصہ V01/P421–V01/P423

(واعلم) أنّ كثيرا من النّاس لضعف هممهم وقصور نيّاتهم يطلبون الإعتذار ودفع السّؤال عن أنفسهم فيميلون إلى مذهب الأشعريّ بل إلى مذهب الجبريّ فتارة يقولون بأن لا اختيار للعبد حقيقة ونسبة الفعل إليه مجاز وتارة يقولون بضعف الإختيار المستلزم للإجبار ومع ذلك يسمعون كلام بعض الصّوفيّة في هذا المقام من أنّ الفاعل واحد ليس الّا هو وأن لا تأثير لقدرة العبد في الأفعال أصلا وأنّ حركاته بمنزلة حركات الجمادات بل وجود العبد ذاتا وصفة كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده، وأمثال هذا الكلام ازدادهم جراءة على المداهنة والمساهلة في الأقوال والأفعال فنقول في تحقيق هذا الكلام والله سبحانه أعلم بحقيقة المرام: إنّ الإختيار لو لم يكن ثابتا للعبد حقيقة كما هو مذهب الأشعريّ لما نسب الله تعالى الظّلم إلى العباد إذ لا اختيار لهم ولا تأثير لقدرتهم وإنّما هي مدار محض عنده وقد نسب الله سبحانه الظّلم إليهم في غير موضع من كتابه المجيد ومجرّد المداريّة بدون التّأثير ولو في الجملة لا يوجب الظّلم منهم. نعم إنّ الإيلام والتّعذيب للعباد منه تعالى من غير أن يكون الإختيار ثابتا لهم ليس بظلم أصلا إذ هو سبحانه مالك على الإطلاق يتصرّف في ملكه كيف يشاء أمّا نسبة الظّلم إليهم فمستلزم لثبوت الإختيار لهم واحتمال المجاز في هذه النّسبة خلاف المتبادر فلا يرتكب من غير ضرورة وأمّا القول بضعف الإختيار فلا يخلو إمّا يراد به الضّعف بالنّسبة إلى اختياره تعالى فمسلّم ولا نزاع فيه لأحد وكذا الضّعف بمعنى عدم الإستقلال في صدور الأفعال أيضا مسلّم. وأمّا الضّعف بمعنى عدم المدخليّة للاختيار في الأفعال فممنوع وهو أوّل المسألة وسند المنع قد مرّ مفصّلا. ينبغي أن يعلم أنّ الله تعالى كلّف عباده بقدر طاقتهم واستطاعتهم وخفّف في التّكليف لضعف خلقهم قال الله تبارك وتعالى يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا كيف وهو سبحانه حكيم رءوف رحيم ولا يليق بالرّحمة والرّأفة والحكمة تكليف ما لا يستطيع له العبد فلم يكلّف برفع الصّخرة العظيمة الّتي لا يقدر على رفعها العبد بل كلّف بما هو يسير على العبد من الصّلاة المشتملة على القيام والرّكوع والسّجود والقراءة الميسّرة وكلّ ذلك يسير غاية اليسر وكذا الصّوم مثلا في نهاية السّهولة والزّكاة أيضا كذلك إذ قدّر بربع العشر ولم يقدّر بالكلّ والنّصف مثلا لئلّا يثقل على العباد ومن كمال الرّأفة جعل للمأمور به خلفا إن تعسّر الأصل فجعل للوضوء خلفا هو التّيمّم وكذا حكم بأنّ من لم يقدر على القيام صلّى قاعدا وأنّ من لم يقدر على القعود صلّى مضطجعا وكذا من لم يقدر على الرّكوع والسّجود صلّى موميا إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على النّاظر في الأحكام الشّرعيّة بنظر الإعتبار والإنصاف فيجد تمام التّكليفات الشّرعيّة في غاية اليسر ونهاية السّهولة ويطالع كمال الرّحمة منه سبحانه بالعباد في صفحات التّكليفات، ومصداق تخفيف التّكليفات تمنّي العوامّ في زيادة التّكليف من المأمورات فإنّ بعضهم يتمنّى الزّيادة في الصّوم المفروض وبعضهم في الصّلوات المفروضات وعلى هذا القياس وما هذا التّمنّي الّا لكمال التّخفيف. وعدم وجدان اليسر في أداء الأحكام للبعض مبنيّ على وجود ظلمات نفسانيّة وكدورات طبيعيّة ناشئة عن هوى النّفس الأمّارة المنتصبة لمعاداة الله سبحانه قال الله سبحانه: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) .

حصہ V01/P423–V01/P424

وقال تعالى وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخاشِعِينَ فكما أنّ مرض الظّاهر موجب العسر في أداء الأحكام كذلك مرض الباطن أيضا موجب لذلك العسر وقد ورد الشّرع الشّريف لإبطال رسوم النّفس الأمّارة ورفع هواجسها فهوى النّفس ومتابعة الشّريعة على طرفي نقيض فلا جرم يكون وجود ذلك العسر دليل وجود هوى النّفس فيقدّر وجود الهوى بقدر العسر فإذا انتفى الهوى كلّيّة انتفى العسر رأسا وأمّا كلام بعض الصّوفيّة المذكور سابقا في نفي الإختيار وضعفه فاعلم أنّ كلامهم إن لم يكن مطابقا لأحكام الشّريعة فلا اعتبار له أصلا فكيف يصلح للحجّة والتّقليد وإنّما الصّالح للحجّة والتّقليد أقوال العلماء من أهل السّنّة فما وافق أقوالهم من كلام الصّوفيّة يقبل وما خالفهم لا يقبل على أنّا نقول: إنّ الصّوفيّة المستقيمة الأحوال لا يتجاوزون الشّريعة أصلا لا في الأحوال ولا في الأعمال ولا في الأقوال ولا في العلوم ولا في المعارف ويعلمون أنّ بقيّة الخلاف مع الشّريعة ناشية عن سقم في الحال وخلل فيه ولو صدق الحال ما خالف الشّريعة الحقّة وبالجملة خلاف الشّريعة دليل الزّندقة وعلامة الإلحاد. (غاية ما في الباب) أنّ الصّوفيّ لو تكلّم بكلام مخالف للشّريعة ناش عن الكشف في غلبة الحال وسكر الوقت فهو معذور وكشفه غير صحيح وغير صالح للتّقليد بل ينبغي أن يحمل كلامه ويصرف عن ظاهره فإنّ كلام السّكارى يحمل ويصرف عن الظّاهر هذا ما تيسّر لي في هذا المقام بعون الله سبحانه وحسن توفيقه تعالى الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى. المكتوب التّسعون والمائتان إلى الملّا محمّد هاشم في بيان الطّريق الّذي خصّه الله سبحانه به في أوائل حاله ووفّقه لتسليك الطّالبين إليه وبيان الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وبيان اندراج النّهاية في البداية وبيان الحضور المعتبر عند أكابر هذا الطّريق المعبّر عنه بالنّسبة النّقشبنديّة مع ذكر بعض الأحوال والأذواق والمعارف الحاصلة له في الطّريقة النّقشبنديّة وغيرها وبيان جذبات هؤلاء الأكابر وما يناسبه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين. (اعلم) أنّ الطّريق الّذي هو أقرب وأسبق وأوفق وأوثق وأسلم وأحكم وأصدق وأدلّ وأعلى وأجلّ وأرفع وأكمل هو الطّريقة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أرواح أهاليها وأسرار مواليها وكلّ عظمة هذا الطّريق وعلوّ شأن هؤلاء الأكابر بواسطة التزام متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واجتناب البدعة الغير المرضيّة وهم الّذين اندرجت نهاية الأمر في بدايتهم كالأصحاب الكرام عليهم الرّضوان من الملك المنّان وكان شعورهم وحضورهم على سبيل الدّوام وصار فوق شعور الآخرين بعد الوصول إلى درجة الكمال.

حصہ V01/P424–V01/P425

أيّها الأخ، أرشدك الله إلى سواء الطّريق لمّا ظهر في هذا الدّرويش هوس هذا الطّريق وصارت عناية الحقّ جلّ وعلا هاديته وأوصلته إلى صاحب الولاية ومعدن الحقيقة هادي طريق اندراج النّهاية في البداية وإلى السّبيل الموصّل إلى درجات الولاية مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا وإمامنا محمّد الباقي قدّس الله سرّه أحد كبار خلفاء طائفة حضرات الأكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم فعلم هذا الدّرويش ذكر اسم الذّات وتوجّه بالطّريق المعهود حتّى ظهر في التذاذ تامّ وعرض لي البكاء من كمال الشّوق ثمّ ظهر بعد يوم واحد كيفيّة الذّهول وعدم الشّعور المعتبرة عند هؤلاء الأكابر المسمّاة بالغيبة فرأيت في تلك الغيبة بحرا محيطا ووجدت صور العالم وأشكاله كالظّلّ في ذلك البحر واستولت هذه الغيبة شيئا فشيئا وامتدّت وصارت تمتدّ أحيانا إلى ساعتين من نهار وأحيانا إلى أربع ساعات وكانت في بعض الأوقات تستوعب اللّيل ولمّا عرضت هذه الواقعة على حضرة الشّيخ قال: قد حصل نحو من الفناء ومنع عن الذّكر وأمر بحفظ ذلك الحضور وبعد يومين حصل لي الفناء المصطلح فعرضته على حضرة الشّيخ فقال: عليك بالإشتغال بشأنك ثمّ بعد ذلك حصل فناء الفناء فعرضته عليه فقال: هل تجد تمام العالم في محلّ واحد ومتّصلا بعضه ببعض قلت: نعم فقال: إنّ المعتبر في حصول فناء الفناء هو حصول عدم الشّعور مع وجود رؤية هذا الإتّصال فحصل في تلك اللّيلة فناء الفناء بتلك الصّفة فعرضته عليه وعرضت ما حصل بعد الفناء من الحالة وقلت: إنّي أجد علمي بالنّسبة إلى الحقّ سبحانه حضوريّا وأجد الأوصاف الّتي كانت منسوبة إلى منسوبة إلى الحقّ سبحانه ثمّ بعد ذلك ظهر نور محيط بجميع الأشياء فظننته الحقّ سبحانه وتعالى وكان لون ذلك النّور سوادا فعرضته عليه فقال الحقّ جلّ وعلا مشهود ولكنّ ذلك الشّهود في حجاب النّور وقال: إنّ هذا الإنبساط الّذي يرى في ذلك النّور هو في العلم وإنّما يرى منبسطا كذلك بواسطة تعلّق ذات الحقّ جلّ وعلا بالأشياء المتعدّدة الواقعة أعلى وأدنى فينبغي نفي الإنبساط ثمّ شرع ذلك النّور الأسود المنبسط في الإنقباض والتّضايق حتّى صار كنقطة فقال: ينبغي نفي تلك النّقطة أيضا حتّى ينجرّ الأمر إلى الحيرة ففعلت كذلك حتّى زالت تلك النّقطة الموهومة أيضا من البين وانجرّ الأمر إلى الحيرة الّتي هناك شهود الحقّ سبحانه لنفسه بنفسه فلمّا عرضته عليه قال: هذا الحضور هو الحضور المعتبر عند النّقشبنديّة ونسبتهم عبارة عن هذا الحضور ويقال لهذا الحضور حضورا بلا غيبة أيضا واندراج النّهاية في البداية يتصوّر في ذلك الموطن وحصول هذه النّسبة للطّالب في هذا الطّريق كأخذ الطّالب في سلاسل أخر الأذكار والأوراد من شيخه ليعمل بها ويصل إلى مقصوده، (ع): وقس من حال بستاني ربيعي وكان حصول هذه النّسبة العزيزة الوجود لهذا الدّرويش بعد مضيّ شهرين وبضعة أيّام من ابتداء تعليم الذّكر وبعد تحقّق هذه النّسبة حصل فناء آخر يقال له الفناء الحقيقيّ وحصل للقلب من الوسعة ما ليس لتمام العالم من العرش إلى مركز الفرش قدر في جنبه مقدار خردلة وبعد ذلك رأيت نفسي وكلّ فرد من أفراد العالم بل كلّ ذرّة منه الحقّ جلّ وعلا وبعد ذلك رأيت كلّ ذرّة فرادى فرادى عين نفسي ورأيت نفسي عين جميع الذّرّات حتّى وجدت تمام العالم مضمحلّا في ذرّة واحدة ثمّ بعد ذلك رأيت نفسي بل جميع ذرّة منبسطا ووسيعا بحيث يسع تمام العالم وأضعافه بل وجدت نفسي وكلّ ذرّة نورا منبسطا ساريا في كلّ ذرّة، وصور العالم وأشكاله مضمحلّ في ذلك النّور ومتلاش فيه بل وجدت كلّ ذرّة مقوّما لتمام العالم ولمّا عرضت ذلك قال: إنّ مرتبة حقّ اليقين في التّوحيد هي هذا وجمع الجمع عبارة عن هذا المقام ثمّ وجدت صور العالم وأشكاله الّتي كنت وجدتها أوّلا عين الحقّ سبحانه موهومة في ذلك الوقت وما كنت وجدته من الذّرّات عين الحقّ سبحانه وجدت جميعها من غير تفاوت وتمييز موهومة فعرضت لي حينئذ غاية الحيرة فتذكّرت في ذلك الوقت عبارة الفصوص الّتي كنت سمعتها من والدي الماجد عليه الرّحمة حيث قال: إن شئت قلت إنّه أيّ العالم حقّ وإن شئت قلت: إنّه خلق وإن شئت قلت: إنّه من وجه حقّ ومن وجه خلق وإن شئت قلت بالحيرة لعدم تمييز بينهما فصارت هذه العبارة مسكّنة لذلك الإضطراب في الجملة وبعد ذلك أتيت ملازمة شيخنا وعرضت عليه حالي فقال ما كان حضورك صافيا بعد عليك بالإشتغال بأمرك حتّى يظهر تميّز الموجود من الموهوم فقرأت عليه عبارة الفصوص المشعرة بعدم التّمييز فقال: إنّ الشّيخ ما بين حال الكامل وعدم التّمييز أيضا ثابت بالنّسبة إلى البعض فكنت مشغولا حسب الأمر فأظهر الحقّ سبحانه وتعالى بعد يومين بمحض توجّه حضرة شيخنا تمييزا بين الموجود والموهوم حتّى وجدت الموجود الحقيقيّ ممتازا من الموهوم المتخيّل ورأيت الصّفات والأفعال والآثار الّتي ترى من الموهوم صادرة عن الحقّ سبحانه ووجدت تلك الصّفات والأفعال أيضا موهومة ولم أر في الخارج موجودا غير ذات واحدة ولمّا عرضت ذلك قال: هذا هو مرتبة الفرق بعد الجمع ونهاية السّعي إلى هنا وبعد ذلك يظهر ما استودع في قابليّة كلّ شخص واستعداده وقال مشائخ الطّريقة لهذا المرتبة " مقام التّكميل».

سوالات