Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

حصہ V01/P072–V01/P073

والأمر من غير حصول المحبّة الذّاتيّة الحاصلة بلا ملاحظة الأسماء والصّفات وبلا توسّط إنعام المحبوب وإكرامه لا يخلو من الخلل، والفناء المطلق لا يحصل بدون هذه المحبّة المحرقة المبطلة للشّركة، (شعر): ما العشق إلّا شعلة قد أحرقت . كلّ الورى غير الحبيب الباقي قد هزّ في قتل السّوى صمصام لا . فانظر إلى ما بعد لا ما الباقي بشراك يا صاح قد احترق الورى . لم يبق غير الهنا الخلّاق المكتوب السّادس والثّلاثون في بيان أنّ الشّريعة متكفّلة بجميع السّعادات الدّينيّة والدّنيويّة والطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة وما يناسب ذلك إلى الحاجّ محمّد اللّاهوريّ حقّقنا الله سبحانه وإيّاكم بحقيقة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ويرحم الله عبدا قال آمينا. (اعلم): أنّ للشّريعة ثلاثة أجزاء: العلم والعمل والإخلاص. وما لم يتحقّق كلّ من هذه الأجزاء الثّلاثة لا تتحقّق الشّريعة، ومتى تحقّقت الشّريعة فقد تحقّق رضا الحقّ سبحانه وتعالى الّذي هو فوق جميع السّعادات الدّنيويّة والأخرويّة ورضوان من الله أكبر، فكانت الشّريعة متكفّلة بجميع السّعادات الدّنيويّة والأخرويّة، ولم يبق مطلب يقع فيه الإحتياج إلى ما وراء الشّريعة. (والطّريقة) والحقيقة اللّتان امتازت بهما الصّوفيّة خادمتان للشّريعة في تكميل جزئها الثّالث الّذي هو الإخلاص فالمقصود من تحصيل كلّ منهما تكميل الشّريعة لا أمر آخر وراء الشّريعة. والأحوال والمواجيد والعلوم والمعارف الّتي تحصل للصّوفيّة في أثناء الطّريق ليست من المقاصد بل هي أوهام وخيالات تربّى بها أطفال الطّريقة، فينبغي أن يجاوز جميع ذلك وأن يصل إلى مقام الرّضا الّذي هو نهاية مقامات السّلوك والجذبة. فإنّ المقصود من طيّ منازل الطّريقة والحقيقة ليس هو شيء غير تحصيل الإخلاص المستلزم لحصول مقام الرّضا ويوصّل إلى دولة الإخلاص. ومقام الرّضا واحد من ألوف بعد العبور به من التّجلّيات الثّلاثة ومشاهدات العارفين. (والقاصرون) هم الّذين يعدّون الأحوال والمواجيد من المقاصد ويظنّون المشاهدات والتّجلّيات من المطالب فلا جرم يبقون في حبس الوهم والخيال ويحرمون كمالات الشّريعة بهذا الإعتقاد كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ نعم إنّ حصول مقام الإخلاص والوصول إلى مرتبة الرّضا منوط بطيّ هذه الأحوال والمواجيد ومربوط بتحقّق هذه العلوم والمعارف فتكون هذه الأشياء معدّات للمطلوب ومقدّمات للمقصود. وحقيقة هذا المعنى اتّضحت للفقير بعد الإشتغال بهذا الطّريق عشر سنين بالتّمام ببركة حبيب الله عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وانجلى شاهد الشّريعة كما ينبغي. وفيما قبل وإن لم يكن لي تعلّق بالأحوال والمواجيد ولم يكن في نظري مطلب غير التّحقّق بحقيقة الشّريعة، ولكن ظهرت حقيقة الأمر بعد عشرة كاملة ظهورا بيّنا والحمد لله على ذلك حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه مباركا عليه. وخبر موت المغفور له الشّيخ ميان جمال باعث على حزن جميع الإسلام وتفرقة خواطرهم. والملتمس تعزية أولاد المرحوم المتوفّى وقراءة الفاتحة من جانب الفقير والسّلام. المكتوب السّابع والثّلاثون صدر إلى الشّيخ محمّد ال? ترىّ في التّحريض على متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والتّرغيب في تحصيل النّسبة النّقشبنديّة العليّة قدّس سرّهم قد حصل السّرور والإبتهاج بمطالعة المكتوب الشّريف الّذي صدر على وجه الكرم، وقد اندرج فيه بيان استقامتكم وثباتكم على هذه الطّريقة النّقشبنديّة والحمد لله سبحانه على ذلك يكرمكم الله سبحانه بترقّيات غير متناهية ببركة أكابر هذه الطّريقة العليّة، وطريقهم كبريت أحمر مبنيّ على متابعة السّنّة السّنيّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. ويكتب هذا الفقير بيانا لنقد وقته. وحاصله أنّ العلوم والمعارف والأحوال والمقامات قد أفيضت علىّ مدّة مديدة مثل مطر الرّبيع، وكلّما يلزم فعله فقد فعل بعناية الله تعالى والآن ما بقي تمنّ غير إحياء سنّة من السّنن المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والأحوال والمواجيد إنّما هي منظورة لأرباب الذّوق ينبغي أن يعمّر الباطن بنسبة خواجكان قدّس الله أسرارهم وأن يحلّى الظّاهر بالكلّيّة بمتابعة السّنن الظّاهرة (ع) هذا هو الشّغل والباقي خيالات وينبغي أن تؤدّوا الصّلوات الخمس في أوّل أوقاتها غير العشاء وقت الشّتاء فإنّ تأخيرها إلى ثلث اللّيل مستحبّ.

حصہ V01/P073–V01/P075

والفقير مضطرّ في هذا الأمر لا أريد تأخير أداء الصّلاة عن أوّل وقتها ولو مقدار شعرة والعجز البشريّ مستثنى. المكتوب الثّامن والثّلاثون صدر أيضا إلى الشّيخ محمّد ال? نرىّ في بيان التّعلّق بالذّات البحت تعالت وتقدّست المنزّه عن اعتبار الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات وفي مذمّة النّاقصين الّذين زعموا المنزّه عن المثل مثليّا واللّاكيفيّ كيفيّا فتعلّقوا به وافتتنوا وبيان تفاوت الأقدام في الفناء المترتّب عليه تفاوت العلوم والمعارف وأمثال ذلك قد أورث المكتوب الشّريف بوصوله فرحا كثيرا جعلنا الله سبحانه وإيّاكم معه دائما ولا يتركنا بغيره لحظة، وكلّ شيء غير ذاته البحت سبحانه وتعالى معبّر عنه بالغير والسّوى وإن كان ذلك الغير أسماء وصفات، وما قاله المتكلّمون من أنّ صفاته تعالى لا هو ولا غيره له معنى آخر فإنّهم أرادوا بالغير الغير المصطلح ونفوا الغيريّة بهذا المعنى لا بالمعنى المطلق، ونفي الخاصّ لا يستلزم نفي العامّ، ولا يمكن التّعبير عن الذّات بغير السّلوب وكلّ إثبات في مرتبة الذّات إلحاد، وأفضل التّعبيرات وأجمع العبارات فيها لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ومعناه بالفارسيّة: (بي ? ون وبي ? و كونه) ولا سبيل للعلم والشّهود والمعرفة إليه سبحانه، كلّ ما تراه العيون أو وعاه الآذان أو حواه الظّنون فهو غيره تعالى. والتّعلّق به تعلّق بالغير فيلزم نفيه بكلمة لا إله وإثبات الذّات المنزّهة عن المثل بكلمة إلّا الله وهذا الإثبات يكون أوّلا بالتّقليد ثمّ ينقلب أخيرا إلى التّحقيق. وقد زعم بعض أرباب السّلوك الّذين لم يبلغوا نهاية الأمر المثليّ والمكيّف عين المنزّه عن المثل والكيف وقالوا بإمكان تطرّق الشّهود والمعرفة إليه. وأرباب التّقليد أفضل من هؤلاء بمراتب، فإنّ تقليدهم مقتبس من مشكاة أنوار النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام ولا سبيل للخطأ إليه، ومقتدى هؤلاء القاصرين الكشف غير الصّحيح. (ع) وشتّان ما بين الطّريقين فانظروا وهؤلاء الجماعة منكرون للذّات في الحقيقة، وإن أثبتوا شهود الذّات، ولم يدروا أنّ نفس الإثبات هنا هو عين الإنكار، وقد قال إمام المسلمين الإمام الأعظم الكوفيّ رضي الله تعالى عنه: «سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك ولكن عرفناك حقّ معرفتك " وعدم أداء حقّ العبادة ظاهر، وأمّا حصول حقّ المعرفة فمبنيّ على أنّ نهاية المعرفة في الذّات تعالى شأنها ليست إلّا معرفتها بعنوان لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولا يظنّ الأبله من ذلك أنّ الخاصّ والعامّ والمبتدئ والمنتهي متساووا الأقدام في هذه المعرفة لعدم تمييزه بين العلم والمعرفة، فإنّ العلم للمبتدئ والمعرفة للمنتهي وهي لا تحصل بدون الفناء ولا تتيسّر هذه الدّولة لغير الفاني. قال المولوىّ في المثنوىّ. شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا . فليس له في كبرياه سبيل فتكون المعرفة إذا وراء العلم. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ وراء العلم والإدراك المتعارف أمرا يعبّر عنه بالمعرفة ويقال له الإدراك البسيط أيضا، (شعر): خليلي ما هذا بهزل وإنّما . حديث عجيب من بديع الغرائب غيره من المثنوىّ (شعر): إنّ للرّحمن مع أرواح ناس . اتّصالا دون كيف وقياس قلت ناسا دون نسناس الفلا . ليس ناس غير روح في الملا ولمّا كانت الأقدام متفاوتة في الفناء لا جرم وجد التّفاوت في المعرفة بين المنتهين، فمن كان فناؤه أتمّ تكون معرفته أكمل، ومن كان دونه في الفناء يكون دونه في المعرفة. وعلى هذا القياس سبحان الله انجرّ الكلام من أين إلى أين بل كان اللّائق بحالي أن أكتب من عدم حاصلي وعدم حصول مرادي وعدم ثباتي واستقامتي وطلب المعونة والمدد من الأحباب وأيّ مناسبة لي بأمثال هذه الكلمات. شعر: من لم يكن خبر له عن نفسه . هل يقدر الاخبار من هذا وذا ولكنّ الهمّة العالية والطّينة السّامية لا تتركني أن أقنع ببضاعة دنيّة ودعابة رديّة، فلا جرم أترقّى عن مرتبتي فإذا قلت فمنه أقول وإن كان لا شيئا، وإذا طلبت فإيّاه أطلب وإن لم أجد شيئا، وإن كان لي حاصل فهو حاصلي وإن لم يكن شيئا وإن كنت واصلا فإليه وصولي وإن لم يكن لي حصول.

حصہ V01/P075–V01/P077

وما وقع في عبارات بعض الأكابر قدّس الله أسرارهم العليّة من الشّهود الذّاتيّ لا يظهر معناه لغير أرباب الكمال وفهمه محال للنّاقصين والقاصرين. شعر ليس يدرى الأغبيا حال الكرام . فاقصر الاقوال واسكت والسّلام وقد حرّر في عنوان المكتوب كلمة " هو الظّاهر هو الباطن " أيّها المخدوم إنّ هو الظّاهر هو الباطن صحيح، ولكنّ هذا الفقير لا يفهم من هذا الكلام معنى التّوحيد يعني الوجوديّ من مدّة بل أنا متّفق بالعلماء في فهم معناه وموافقهم في صحّته فإنّ صحّة كلامهم قد صارت معلومة لدىّ فوق صحّة قول أرباب التّوحيد " كلّ ميسّر لما خلق له» ، (ع) لكلّ من الإنسان شأن يخصّه وما يلزم الإنسان الّذي لا بدّ له منه وهو مكلّف به امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا واِتَّقُوا الله وإذا كان الإنسان مأمورا بالإخلاص، والإخلاص لا يتصوّر بدون الفناء والمحبّة الذّاتيّة لا جرم ينبغي أن يحصّل مقدّمات الفناء الّتي هي المقامات العشرة والفناء وإن كان نفسه موهبة محضة ولكنّ مقدّماته ومباديه متعلّقة بالكسب، وإن تشرّف البعض بحقيقة الفناء من غير تجشّم كسب منه في مقدّماته وتصفية حقيقته بالرّياضات والمجاهدات وحينئذ لا يخلو حاله من أحد الأمرين، إمّا أن يوقّف في موقف الواقفين، أو يرجع إلى العالم لتكميل النّاقصين. فعلى التّقدير الأوّل لا يقع سيره في المقامات المذكورة ولا يكون له خبر عن تفاصيل التّجلّيات الأسمائيّة والصّفاتيّة. وعلى التّقدير الثّاني يقع سيره في تفاصيل المقامات حين رجوعه إلى العالم ويتشرّف بتجلّيات غير متناهية وتكون له صورة المجاهدة، ولكن هو في كمال الذّوق واللّذّة في الحقيقة بالظّاهر في الرّياضات وبالباطن في التّنعّم واللّذّات (ع) وهذى سعادات تكون نصيب من (لا يقال) إنّ الإخلاص إذا كان من جملة المأمورات الواجبة الإمتثال ولم تتحقّق حقيقته بدون الفناء يكون العلماء والصّلحاء والأخبار عاصين بترك الإخلاص لعدم تشرّفهم بحقيقة الفناء لأنّا نقول: إنّ نفس الإخلاص حاصل لهم ولو في ضمن بعض أفراد الإخلاص، والمتوقّف على الفناء إنّما هو كمال الإخلاص الّذي يشمل جميع أفراد الإخلاص ولهذا قيل لا يحصل حقيقة الإخلاص بدون الفناء دون أن يقال نفس الإخلاص. المكتوب التّاسع والثّلاثون صدر أيضا إلى الشّيخ محمّد ال? نريّ في بيان أنّ مدار الأمر على القلب وأنّه لا يفتح شيء من مجرّد الأعمال الصّوريّة والعبادات الرّسميّة وامثال ذلك رزقنا الله سبحانه الإعراض عمّا سواه والإقبال على جناب قدسه بحرمة سيّد البشر المحرّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. اعلم أنّ مدار الأمر على القلب. فإن كان القلب مفتونا ومتعلّقا بغير الحقّ سبحانه وتعالى فذلك القلب خراب وأبتر ولا يحصل شيء من مجرّد الأعمال الصّوريّة والعبادات الرّسوميّة بل لا بدّ في كلّ من سلامة القلب من الإلتفات إلى ما سواه تعالى والأعمال الصّالحة المتعلّقة بالبدن الّتي أمر الشّرع بفعلها، ودعوى سلامة القلب بدون إتيان الأعمال الصّالحة باطلة كما أنّ وجود الرّوح بلا بدن غير متصوّر في هذه النّشأة وحصول الأحوال القلبيّة من غير حصول الأعمال الصّالحة القالبيّة محال. وكثير من الملحدين يدّعون هذه الدّعوى في هذا الزّمان. نجّانا الله سبحانه عن معتقداتهم السّيّئة بحرمة حبيبه عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة. المكتوب الأربعون صدر أيضا إلى الشّيخ محمّد ال? نريّ في بيان تحصيل الإخلاص الّذي هو جزء من الاجزاء الثّلاثة للشّريعة الغرّاء وأنّ الطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة في تكميل هذا الجزء وأمثال ذلك نحمده ونصلّي على نبيّه ونسلّم. أيّها المخدوم: قد صار معلوما لي بعد طيّ منازل السّلوك وقطع مقامات الجذبة، أنّ المقصود من هذا السّير والسّلوك تحصيل مقام الإخلاص المربوط حصوله بفناء الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة. وهذا الإخلاص جزء من أجزاء الشّريعة فإنّ للشّريعة ثلاثة أجزاء: العلم والعمل والإخلاص.

حصہ V01/P077–V01/P079

فالطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة في تكميل جزء الإخلاص وهذا هو حقيقة الأمر، ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد ذلك وأكثر خلق العالم قد اطمأنّوا بالمنام والخيال واكتفوا بالجوز والموز، فماذا يدركون من كمالات الشّريعة وأنّى يصلون إلى حقيقة الطّريقة والحقيقة، فيزعمون الشّريعة قشرا والحقيقة لبّا ولا يدرون ما حقيقة المعاملة بل يغترّون بترّهات الصّوفيّة ويفتتنون بالأحوال والمقامات السّفليّة، هداهم الله سبحانه سواء الطّريق والسّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين. المكتوب الحادي والأربعون إلى الشّيخ درويش في التّحريض على متابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وبيان أنّ الطّريقة والحقيقة متمّمتان للشّريعة وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه وتعالى التّحلّي والتّزيّن بمتابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ظاهرا وباطنا بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات إنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محبوب ربّ العالمين وكلّ شيء حسن ومرغوب فهو لأجل المطلوب والمحبوب; ولهذا قال الله تعالى في كلامه المجيد إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقال تعالى وتقدّس أيضا إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وقال أيضا أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فسمّى ملّته صلّى الله عليه وسلّم صراطا مستقيما وجعل ما سواها داخلا في السّبل ومنع عن اتّباعها، وقال عليه الصّلاة والسّلام إظهارا للشّكر وإعلاما للخلق وهداية لهم " خير الهدي هدي محمّد» وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا " أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» والباطن متمّم للظّاهر ومكمّل له لا مخالفة بينهما مقدار شعرة. مثلا عدم التّكلّم بالكذب شريعة ونفي الكذب عن الخاطر طريقة وحقيقة. فإنّ ذلك النّفي لو كان بالتّعمّل والتّكلّف فطريقة وإلّا فحقيقة فكان الباطن الّذي هو الطّريقة والحقيقة متمّما ومكمّلا في الحقيقة للظّاهر الّذي هو الشّريعة، فإن ظهر لسالكي سبل الطّريقة والحقيقة في أثناء طريقهم أمور مخالفة لظاهر الشّريعة وأظهروا ذلك فهو مبنيّ على سكر الوقت وغلبة الحال، فإن جاوزوا ذلك المقام وخرجوا من مضيق السّكر إلى فضاء الصّحو، ترتفع تلك المنافاة بالكلّيّة وتكون تلك العلوم المتضادّة هباء منثورا، مثلا قالت طائفة من السّكر بالإحاطة الذّاتيّة ورأوا أنّ الحقّ محيط بالعالم بالذّات تعالى وتقدّس، وهذا الحكم مخالف لآراء علماء أهل الحقّ; فإنّهم قائلون بإحاطة علميّة، وآراء العلماء أقرب إلى الصّواب في الحقيقة، وإذا قال هؤلاء الصّوفيّة بنفسهم بأنّ ذات الحقّ سبحانه وتعالى لا يحكم عليها بحكم يكون الحكم عليها بالإحاطة والسّريان مخالفا لهذا القول. والحقّ أنّ ذاته تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا سبيل لحكم من الأحكام إليها أصلا، بل في ذلك الموطن الحيرة الصّرفة والجهالة المحضة فكيف يتطرّق السّريان والإحاطة إليها ويمكن الإعتذار من جانب الصّوفيّة القائلين بهذه الأحكام بأنّ مرادهم بالذّات هو التّعيّن الأوّل فإنّهم لمّا لم يقولوا بزيادة ذلك التّعيّن على المتعيّن قالوا لذلك التّعيّن عين الذّات وذلك التّعيّن الأوّل المعبّر عنه بالواحديّة سار في جميع الممكنات فحينئذ يصحّ الحكم بالإحاطة الذّاتيّة. (وههنا) دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ ذات الحقّ تعالى وتقدّس عند علماء أهل الحقّ منزّهة عن المثل والكيف وكلّ ما سواها زائد عليها حتّى انّ ذلك التّعيّن لو كان ثابتا عندهم لكان زائدا على الذّات وخارجا عن دائرة اللّامثليّة واللّاكيفيّة، فلا يقال لإحاطته إحاطة ذاتيّة. فكان نظر العلماء أعلى من نظر هؤلاء الصّوفيّة; فإنّ الذّات عندهم كانت داخلة فيما سواها عند العلماء. وعلى هذا القياس القرب والمعيّة الذّاتيّان وموافقة المعارف الباطنيّة لعلوم ظاهر الشّريعة بتمامها وكمالها بحيث لا يبقى مجال المخالفة في النّقير والقطمير، إنّما هي في مقام الصّدّيقيّة الّذي هو فوق مقام الولاية وفوق مقام الصّدّيقيّة مقام النّبوّة. والعلوم الحاصلة للنّبيّ بطريق الوحي منكشفة للصّدّيق بطريق الإلهام وليس بين هذين العلمين فرق سوى كون حصول أحدهما بالوحي والآخر بالإلهام، فكيف يكون للمخالفة مجال فيه وفي كلّ مقام دون مقام الصّدّيقيّة نحو من السّكر.

حصہ V01/P079–V01/P081

والصّحو التّامّ إنّما هو في مقام الصّدّيقيّة فحسب وفرق آخر بين هذين العلمين أنّ في الوحي قطعا وفي الإلهام ظنّا فإنّ الوحي بتوسّط الملك والملائكة معصومون ليس فيهم احتمال الخطأ، والإلهام وإن كان له المحلّ المعلّى والمنزل الأعلى الّذي هو القلب الّذي هو من عالم الأمر لكن للقلب نحو من التّعلّق بالعقل والنّفس، والنّفس وإن صارت مطمئنّة بالتّزكية لكنّها لا ترجع عن صفاتها أصلا باطمئنانها فكان للخطأ مجال في ذلك الميدان. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ لبقاء صفات النّفس مع وجود اطمئنانها منافع كثيرة وفوائد عديدة فإنّه لو كانت النّفس ممنوعة عن ظهور صفاتها بالكلّيّة لكان طريق التّرقّي مسدودا ولظهر في الرّوح صفة الملك بحيث تصير محبوسة في مقامها فإنّ ترقّيها إنّما هو بواسطة مخالفتها النّفس، فإن لم تبق في النّفس مخالفة فمن أين يحصل التّرقّي ولمّا رجع سيّد الكائنات عليه أفضل الصّلوات وأكمل التّسليمات من الجهاد مع الكفّار مرّة قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» فقال للجهاد مع النّفس " جهادا أكبر " ومخالفة النّفس في ذلك الموطن إنّما تكون بترك أدنى عزيمة بل بإرادتها ذلك التّرك مهما أمكن لعدم تصوّر تحقّق التّرك فيه. ويحصل بهذه الإرادة من النّدامة والخجالة والإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدسه جلّ سلطانه ما يتيسّر بها فوائد أمور سنة مثلا في ساعة لطيفة. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: كلّما يوجد فيه شمائل المحبوب وأخلاقه يكون ذلك الشّيء أيضا محبوبا بتبعيّة المحبوب وفي قوله تعالى فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله بيان لهذا الرّمز فالسّعي في متابعته عليه الصّلاة والسّلام يجرّ إلى المحبوبيّة فعلى كلّ عاقل ذي لبّ السّعي في كمال اتّباع حبيبه عليه الصّلاة والسّلام ظاهرا وباطنا. وقد انجرّ الكلام إلى التّطويل والمأمول مسامحتكم وجمال الكلام إذا كان من الجميل المطلق يزداد حسنا كلّما يزداد طولا قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ولننقل الكلام إلى محلّ آخر ونقول: إنّ حامل هذه الرّقيمة مولانا محمّد حافظ من أهل العلم وكثير العيال وبسبب قلّة أسباب المعيشة توجّه نحو العسكر فإن بذلتم في حقّه العناية والإلتفات وكلّمتم الرّئيس المنصور الأمير النّقيب السّيّد الشّيخ جيو لتحصيل الوظيفة أو الإمداد للمشار إليه يكون عين الكرم ولا نصدّع بأزيد من ذلك. المكتوب الثّاني والأربعون إلى الشّيخ محمّد المذكور أيضا في بيان أنّ أفضل المصاقيل لإزالة صداء محبّة ما سوى الحقّ من الحقيقة الجامعة القلبيّة متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة سلّمكم الله وأبقاكم واعلم أنّ الإنسان ما دام متلوّثا بدنس التّعلّقات الشّتّى محروم ومهجور ولا بدّ من تصقيل مرآة الحقيقة الجامعة من صداء محبّة ما سواه عزّ وجلّ. وأفضل المصاقيل في إزالة ذلك الصّداء متابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة، ومدار ذلك على رفع العادات النّفسانيّة ودفع الرّسوم الظّلمانيّة فطوبى لمن تشرّف بهذه النّعمة العظمى وويل لمن حرم من هذه الدّولة القصوى وبقيّة المرام أنّ أخي الأعزّ ميان مظفّر ابن المرحوم الشّيخ كهورن من أعيان النّاس وأولاد الأكابر وحوله من متعلّقاته جمع كثير فهو محلّ التّرحّم فبماذا نصدّع أزيد من ذلك والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى . المكتوب الثّالث والأربعون إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد البخاريّ في بيان أنّ التّوحيد على قسمين شهوديّ ووجوديّ وأنّ ما لا بدّ منه هو الشّهوديّ المربوط به الفناء وأنّه في مرتبة عين اليقين وما فوقه فهو حقّ اليقين وما يناسب ذلك من الأسئلة والأجوبة والتّمثيلات الموضّحة سلّمكم الله سبحانه وعصمكم عمّا يصمكم وصانكم عمّا شانكم واعلم أنّ التّوحيد الّذي يظهر في أثناء طريق هذه الطّائفة العليّة على قسمين: توحيد شهوديّ، وتوحيد وجوديّ. فالتّوحيد الشّهوديّ هو مشاهدة الواحد يعني لا يكون مشهود السّالك غير واحد. والتّوحيد الوجوديّ هو أن يعلم السّالك ويعتقد الموجود واحدا وأن يعتقد أو يظنّ غيره معدوما وأن يزعم الغير مع اعتقاد عدميّته مجالى ذلك الواحد ومظاهره. فكان التّوحيد الوجوديّ من قبيل علم اليقين والتّوحيد الشّهوديّ من قبيل عين اليقين وهو من ضروريّات هذا الطّريق.

حصہ V01/P081–V01/P083

فإنّ الفناء لا يتحقّق بدونه ولا يتيسّر عين اليقين بلا تحقّقه، فإنّ مشاهدة الأحديّة باستيلائها مستلزمة لعدم رؤية ما سواه بخلاف التّوحيد الوجوديّ فإنّه ليس كذلك يعني أنّه ليس بضروريّ فإنّ علم اليقين حاصل بدون تلك المعرفة; لأنّ علم اليقين ليس بمستلزم لنفي ما سواه تعالى. غاية ما في الباب أنّه مستلزم لنفي علم ما سواه وقت غلبة علم ذلك الواحد واستيلائه مثلا إذا حصل لشخص يقين بوجود الشّمس فاستيلاء هذا اليقين غير مستلزم للعلم بأنّ النّجوم منتفية ومعدومة في ذلك الوقت، ولكن حين رؤيته الشّمس لا يرى النّجوم البتّة ولا يكون مشهوده غير الشّمس، وفي هذا الوقت الّذي لا يرى فيه النّجوم يعلم أنّ النّجوم ليست بمعدومة بل يعلم أنّها موجودة ولكنّها مستورة وفي تشعشع نور الشّمس مغلوبة، وهذا الشّخص في مقام الإنكار لجماعة ينفون وجود النّجوم في ذلك الوقت ويرى أنّ تلك المعرفة غير واقعيّة. فالتّوحيد الوجوديّ الّذي هو نفي ما سوى ذات واحدة تعالت وتقدّست مخالف للعقل والشّرع، بخلاف التّوحيد الشّهوديّ فإنّه لا مخالفة في مشاهدة الواحد ونفي النّجوم وقت طلوع الشّمس مثلا، والقول بأنّها معدومة مخالف للواقع، وأمّا عدم رؤية النّجوم في ذلك الوقت فلا مخالفة فيه أصلا بل هذا إنّما هو بواسطة غلبة ظهور نور الشّمس وضعف بصر الرّائي فإن اكتحل بصر الرّائي بنور الشّمس تحصل له قوّة يرى بها أنّ النّجوم ممتازة من الشّمس وهذه الرّؤية يعني رؤية النّجوم ممتازة من الشّمس في مرتبة حقّ اليقين. وأقوال بعض المشائخ الّتي ترى مخالفة لظاهر الشّريعة الحقّة ونزّلها بعض النّاس إلى التّوحيد الوجوديّ مثل قول الحسين بن منصور الحلّاج : أنا الحقّ وقول أبي يزيد البسطاميّ : سبحاني ما أعظم شأني. وأمثال ذلك. فالاولى والأنسب تنزيلها إلى التّوحيد الشّهوديّ وإبعاد المخالفة عنها فإنّهم لمّا اختفى ما سوى الحقّ سبحانه عن نظرهم تكلّموا بهذه الألفاظ في غلبة ذلك الحال ولم يثبتوا غير الحقّ سبحانه. ومعنى: أنا الحقّ. أنّه الحقّ دون أنا فإنّه لمّا لم ير نفسه لم يثبته، لا أنّه رأى نفسه وقال إنّه الحقّ فإنّ هذا كفر. (لا يقال) إنّ عدم الإثبات مستلزم للنّفي وهو التّوحيد الوجوديّ بعينه لأنّا نقول: لا يلزم من عدم الإثبات النّفي، فإنّ في ذلك الموطن حيرة بحيث قد سقطت الأحكام فيه بالتّمام وفي قول: سبحاني أيضا تنزيه الحقّ لا تنزيه القائل نفسه فإنّ نفسه قد ارتفع عن نظره بالكلّيّة لا يتعلّق به حكم أصلا. وأمثال هذه الأقوال تظهر من البعض في مقام عين اليقين الّذي هو مقام الحيرة، فإذا ترقّوا من ذلك المقام وبلغوا مرتبة حقّ اليقين يتحاشون من أمثال تلك الكلمات ولا يتعدّون عن حدّ الإعتدال. وقد أشاع التّوحيد الوجوديّ في هذا الزّمان كثير من هذه الطّائفة المتزيّين بزيّ الصّوفيّة ولا يدرون أنّ الكمال فيما وراءه ويقنعون من العين بالعلم وينزلون أقوال المشائخ إلى متخيّلاتهم ويجعلونها مقتدى بها لأوقاتهم وسندا لأحوالهم ويروّجون سوقهم الكاسد بهذه التّخيّلات. ولئن وقع في عبارات بعض المشائخ المتقدّمين فرضا ألفاظ صريحة في التّوحيد الوجوديّ كان ينبغي حملها على أنّهم تكلّموا بهذه الكلمات في الإبتداء حين كونهم في مقام علم اليقين، ثمّ ترقّى حالهم من ذلك المقام وجاوزوا من العلم إلى العين أخيرا. لا يقال هنا إنّ أرباب التّوحيد الوجوديّ كما أنّهم يعلمون الواحد فقط كذلك هم لا يرون إلّا الواحد فقط فكان لهم نصيب من عين اليقين أيضا. (لأنّا نقول) إنّ أرباب هذا التّوحيد إنّما يرون صورة التّوحيد الشّهوديّ المثاليّة لا إنّهم تحقّقوا بذلك التّوحيد. ولا مناسبة للتّوحيد الشّهوديّ بهذه الصّورة المثاليّة في الحقيقة لأنّ وقت حصول ذلك التّوحيد وقت حيرة لا حكم بشيء في ذلك الموطن، وصاحب التّوحيد الوجوديّ مع شهوده لصورة التّوحيد الشّهوديّ المثاليّة من أرباب العلم فإنّه ينفي ما سوى الواحد، والنّفي حكم من الأحكام وهو من مقولة العلم، والعلم لا يجتمع مع الحيرة، فثبت أنّ صاحب التّوحيد الوجوديّ لا حظّ له من مقام عين اليقين.

حصہ V01/P083–V01/P084

نعم إذا وقع لصاحب التّوحيد الشّهوديّ التّرقّي من مقام الحيرة يبلغ مقام المعرفة الّتي هو مقام حقّ اليقين فيجتمع العلم في ذلك الموطن مع الحيرة والعلم الحاصل قبل الحيرة ومع الحيرة هو علم اليقين. (ويتّضح) هذا الجواب بمثال وهو أنّ شخصا رأى نفسه مثلا سلطانا في المنام بواسطة مناسبة تتعلّق بمقام السّلطنة، ووجد في نفسه لوازم السّلطنة، ومعلوم أنّ ذلك الشّخص لم يصر سلطانا بعد بهذه الرّؤية بل رأى نفسه في صورة السّلطنة المثاليّة ولا مناسبة في الحقيقة للسّلطنة بصورتها المثاليّة أصلا، إلّا أنّ هذا الشّهود ولو كان لصورة مثاليّة يؤذن بوجود الإستعداد في ذلك الشّخص للتّحقّق بحقيقة هذه الصّورة، بحيث لو اجتهد بغاية جهده وكانت عناية الحقّ جلّ شأنه شاملا حاله لبلغ مقام السّلطنة. وفرق ما بين القوّة والفعل كثير، وكم من حديد له قابليّة لأن يكون مرآة لا يصل إلى أيدي الملوك حتّى يصير مرآة بالفعل ولا يحصل له نصيب من جمالهم أين وقعت إلّا أنّي أقول: إنّ سبب تحرير هذه العلوم الغامضة هو أنّ أكثر أبناء هذا الزّمان قد تمسّك بذيل التّوحيد الوجوديّ بعضهم بالتّقليد، وبعضهم بمجرّد العلم، وبعضهم بالعلم الممزوح بالذّوق ولو في الجملة، وبعضهم بالإلحاد والزّندقة. وصاروا يرون الكلّ من الحقّ بل يرون الكلّ حقّا، وطفقوا يخرجون رقابهم بهذه الحيلة من ربقة الإسلام وتكاليف الشّريعة ويخترعون أنواع المداهنات في الأحكام الشّرعيّة، ويفرحون بهذه المعاملات الغير المرعيّة. ولئن اعترفوا بإتيان الأوامر الشّرعيّة إنّما يعترفون به بالتّبعيّة ويتخيّلون المقصود الأصليّ وراء الشّريعة العليّة حاشا وكلّا ثمّ حاشا وكلّا نعوذ بالله سبحانه من هذا الإعتقاد السّوء; فإنّ الطّريقة والشّريعة كلّ منهما عين الآخر لا مخالفة بينهما مقدار شعرة، وإنّما الفرق بينهما بالإجمال والتّفصيل والإستدلال والكشف وكلّما هو مخالف للشّريعة فهو مردود. وكلّ حقيقة ردّته الشّريعة فهو زندقة. وطلب الحقيقة مع الإستقامة في الشّريعة حال أهل الكمال من الرّجال. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة والثّبات على متابعة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات ظاهرا وباطنا. وكان العارف بالله حضرة شيخنا وقبلتنا قدّس الله سرّه في مشرب التّوحيد الوجوديّ زمانا، وبيّنه في رسائله ومكاتيبه، ثمّ رزقه الله سبحانه التّرقّي من ذلك المقام أخيرا ووجّه نحو الطّريق الأعظم وخلّصه من مضيق هذه المعرفة. نقل الشّيخ ميان عبد الحقّ الّذي هو من جملة مخلصيه عنه أنّه قال قبل مرض موته بجمعة: إنّه قد صار لي معلوما بيقين يقين أنّ التّوحيد الوجوديّ سكّة صغيرة والطّريق الأعظم غيره، وقد كنت علمت هذا سابقا ولكنّ الآن قد حصل لي يقين آخر». وكان هذا الفقير أيضا في مشرب التّوحيد مدّة حين كنت في ملازمة شيخي وحضوره ولاحت لي مقدّمات كشفيّة في تأييد هذا الطّريق وتوقيته كثيرا، ثمّ جاوزت ذلك المقام بعناية الله جلّ سلطانه وشرّفني الله سبحانه بمقام أراده لي. ولنكتف بهذا القدر فإنّ الزّيادة على ذلك موجب للإطناب. والشّيخ ميان زكريّا لا يزال يكتب في شأن منصبه ويظهر الإلتجاء إلى عتبتكم العليّة وهو في غاية الخوف من المحاسبة وجعل ملجأه ومعتصمه في عالم الحكمة جناب قدسكم وليس له ملاذ وملجأ في الظّاهر سوى توجّهاتكم العليّة، فكما سبق التفاتكم إليه كذلك يرجو أن تعينوه وتحفظوه من ذئاب الحوادث، وهو لا يتجاسر أن يعرض أحواله عليكم بنفسه لكمال رعاية الأدب معكم; ولهذا يتوسّل بالفقير إليكم في إظهار أحواله والمرجوّ أن يقترن مسئوله بالإجابة.

حصہ V01/P084–V01/P086

المكتوب الرّابع والأربعون إلى المذكور أيضا في مدح خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وبيان أنّ مصدّقيه من خير الأمم ومكذّبيه من أشرار بني آدم وفي التّرغيب في متابعة سنّته السّنيّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة ورد مكتوبكم الشّريف في أعزّ الأزمنة وتشرّفت بمطالعته الحمد لله سبحانه والمنّة على ما حصّلتم من ميراث الفقر المحمّديّ عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات، ومحبّة الفقراء والإرتباط بهم من نتيجة ذلك الفقر، ولم أدر ماذا أكتب في جوابه سوى أن أحرّر فقرات بعبارة عربيّة مأثورة في فضائل جدّكم الأعظم خير العرب والعجم عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها، وأجعل هذا المكتوب وسيلة لنجاة أخرويّة لا انّي أمدح به النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بل أمدح به مقالي، (شعر): ما إن مدحت محمّدا بمقالتي . لكن مدحت مقالتي بمحمّد فأقول وبالله العصمة والتّوفيق: إنّ محمّدا رسول الله " سيّد ولد آدم» ، وأكثر النّاس تبعا يوم القيامة وأكرم الأوّلين والآخرين على الله وأوّل من ينشقّ عنه القبر وأوّل شافع وأوّل مشفّع وأوّل من يقرع باب الجنّة فيفتح الله له وحامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه وهو الّذي قال عليه الصّلاة والسّلام " ونحن الآخرون ونحن السّابقون يوم القيامة» ، " وإنّى قائل قولا غير فخر وأنا حبيب الله وأنا قائد المرسلين ولا فخر» ، " وأنا خاتم النّبيّين ولا فخر وأنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، إنّ الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم ثمّ جعلهم فريقين فجعلني في خيرهم فرقة ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثمّ جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا وأنا أوّل النّاس خروجا إذا بعثوا» " وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا نصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشّرهم إذا يئسوا ولواء الكرم والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربّي يطوف عليّ ألف خادم كأنّهم بيض مكنون وإذا كان يوم القيامة كنت إمام النّبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر " لولاه لما خلق الله سبحانه الخلق ولما أظهر الرّبوبيّة، وكان نبيّا وآدم بين الماء والطّين ، (شعر): من كان هذا مقتداه بأمره . لن يبق في قيد الذّنوب وأسره فلا جرم يكون مصدّق مثل هذا الرّسول النّبيّ الكريم سيّد البشر عليه الصّلاة والسّلام خير الأمم البتّة، ويكون قوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ نقد وقتهم ووصف حالهم ويكون مكذّبوه عليه الصّلاة والسّلام شرّ بني آدم ويكون قوله تعالى الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا علامة حالهم، فيا سعادة من يشرّف بدولة اتّباع سنّته السّنيّة ومتابعة شريعته المرضيّة، واليوم يقبل الأمر اليسير المقرون بتصديق حقّيّة دينه عليه الصّلاة والسّلام مكان العمل الكثير ولا غرو فيه ألا ترى أنّ أصحاب الكهف نالوا ما نالوا من الدّرجات بواسطة حسنة واحدة وهي الهجرة والفرار عن أعداء الله تعالى بسبب نور اليقين الإيمانيّ وقت استيلاء المعاندين، وهذا كما أنّ العسكر إذا صدرت عنهم حركة يسيرة حين غلبة الأعداء واستيلاء المخالفين تكون من القبول والإعتبار بمرتبة لا تبلغها أضعاف تلك الحركة وقت الأمن والإطمئنان. وأيضا أنّه صلّى الله عليه وسلّم لمّا كان محبوب ربّ العالمين لا جرم يبلغ اتباعه صلّى الله عليه وسلّم مرتبة المحبوبيّة بسبب المتابعة; فإنّ المحبّ إذا رأى شيئا من شمائل محبوبه عند شخص يحبّ ذلك الشّخص بالضّرورة لملابسته بشمائل محبوبه وأخلاقه. وقس على ذلك حال المخالفين، (شعر): رئيس جميع العالمين محمّد . على رأس أعداه حصى وتراب فإن لم تتيسّر الهجرة الظّاهريّة ينبغي أن يراعى الهجرة الباطنيّة بكمالها، وأن يكون معهم يعني مع النّاس في الظّاهر دونهم يعني في الباطن ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا. وقد أتى موسم النّيروز ومعلوم أنّ أهل المملكة يكونون في تلك الأيّام متفرّقي البال ومتشتّتي الحال فإذا ساعدت إرادة الله سبحانه وتعالى تتيسّر الملاقاة بعد مضيّ تلك الأحوال. وزيادة الإطناب موجبة للملال. ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام والسّلام عليكم وعليهم إلى يوم القيامة.

حصہ V01/P086–V01/P088

المكتوب الخامس والأربعون كتبه إلى المذكور أيضا إظهارا لشكر تقويته الظّاهريّة أمور فقراء الخانقاه بعد ارتحال شيخه وبيّن فيه أيضا كون جامعيّة الإنسان سببا لنقصانه ككونها سببا لكماله مع ذكر فضائل شهر رمضان وما يناسب ذلك ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام وسلّمكم عن موجبات التّلهّف والتّأسّف على مرور الشّهور والأيّام، واعلم أنّ أولياء الله تعالى بحكم " المرء مع من أحبّ " مع الله تعالى وتقدّس، والتّعلّق بالبدن نوع من موانع تلك المعيّة والإتّصال. وأمّا بعد الإنفصال من هذا المقرّ الهيولانىّ والمفارقة عن الهيكل الظّلمانيّ فقرب في قرب واتّصال في اتّصال، الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب بيان لهذا المعنى، وفي قوله تعالى مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لَآتٍ تسلية للمشتاقين ورمز من ذلك البيان، ولكن أحوال العاجزين الّذين أخّرتهم العلائق والعوائق بلا دولة الحضور عند أكابر الدّين خراب وأبتر، والإستفاضة من روحانيّات الأكابر قدّس الله أسرارهم مشروطة بشرائط لا مجال لكلّ شخص في إيفائها، ولكنّ الحمد لله سبحانه ذي الإنعام والمنّة على أن جعل مربّي هؤلاء الفقراء العاجزين ومعينهم وقت ظهور هذه الحادثة الهائلة والواقعة الموحشة المفزعة من أهل بيت النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة، فصار سببا لإنتظام هذه السّلسلة العليّة، وواسطة لجمعيّة النّسبة النّقشبنديّة، ولا غرو في ذلك فإنّ هذه النّسبة العليّة لمّا كانت في هذه الدّيار غريبة جدّا وكان أهلها في هذه المملكة قد جاوزوا في القلّة حدّا كنسبة أهل البيت بين سائر النّسب، ناسب أن يكون مربّيها وحاميها من أهل البيت وكان تقويتها منهم أولى وأحرى؛ لئلّا يلزم تكميل تلك الدّولة العظمى بالغير، فكما أنّ شكر هذه النّعمة القصوى لازم للفقراء، كذلك شكر هذه الدّولة الأسمى لازم لذمّتهم. وكما أنّه يحتاج إلى الجمعيّة الباطنيّة كذلك يحتاج إلى الجمعيّة الظّاهريّة بل هذا الإحتياج مقدّم على ذلك الإحتياج. وأحوج الخلائق هو الإنسان وشدّة احتياجه إنّما هي بواسطة جامعيّته فإنّه يلزمه وحده ما يلزم الكلّ وله تعلّق بكلّ ما يحتاج إليه فتعلّقاته أكثر من تعلّقات الكلّ، وكلّ تعلّق مستلزم للإعراض عن جناب قدسه تعالى، فكان الإنسان أشدّ الخلائق وأكثرهم حرمانا من هذه الحيثيّة، (شعر): ومرتبة الإنسان في آخر الورى . لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا فإن لم يعد من بعده واغترابه . فلا شيء محروم كإنس من الورى والحال أنّ سبب أفضليّته من جميع الخلائق كان أيضا من جهة جامعيّته؛ ولهذا كان مرآته أتمّ فكلّما يظهر في مرايا جميع الخلائق فهو لائح في مرآة واحدة منه، فكان أفضل الخلائق من هذه الجهة هو الإنسان، وشرّ جميع الموجودات من تلك الجهة هو الإنسان إذ منهم محمّد عليه الصّلاة والسّلام ومنهم أبو جهل اللعين. ولا شكّ أنّكم كفيل بجمعيّة هؤلأء الفقراء في الظّاهر بتوفيق الله عزّ وجلّ، وبحكم: الولد سرّ أبيه. الرّجاء تامّ بحصول الجمعيّة الباطنيّة أيضا بسببكم. ولمّا ورد مكتوبكم الشّريف في شهر رمضان المبارك خطر في الخاطر الفاتر أن أكتب نبذة من فضائل هذا الشّهر العظيم القدر. ينبغي أن يعلم أنّ شهر رمضان شهر عظيم. وكلّ عبادة نافلة من الصّلاة والذّكر والصّدقة وأمثالها في هذا الشّهر تساوي أداء فريضة فيما سواه، ومن أدّى فريضة فيه كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، ومن فطّر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار. " وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل شهر رمضان أطلق كلّ أسير وأعطى كلّ سائل» . ومن وفّق للخيّرات والأعمال الصّالحة في هذا الشّهر كان التّوفيق رفيقه في تمام هذه السّنة. وإذا مرّ هذا الشّهر على تفرقة يكون في جميع السّنة على تفرقة. فينبغي فيه أن يجتهد في تحصيل الجمعيّة مهما أمكن مغتنما لهذا الشّهر؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى يعتق في كلّ ليلة من لياليها ألوفا ممّن استحقّ النّار . وتفتح أبواب الجنّة في هذا الشّهر وتغلّق أبواب جهنّم وتسلسل الشّياطين وتفتح أبواب الرّحمة.

حصہ V01/P088–V01/P089

وتعجيل الإفطار وتأخير السّحور من السّنن. قد بالغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب ويشبه أن تكون مبالغة لإظهار احتياجه المناسب لمقام العبوديّة. والإفطار بالتّمر سنّة . ويقرأ وقت الإفطار هذا الدّعاء: «ذهب الظّماء وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» . وأداء التّراويح وختم القرآن في هذا الشّهر من السّنن المؤكّدة ومثمر لنتائج كثيرة. وفّقنا الله سبحانه بحرمة حبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. وبقيّة الكلام أنّ الصّحيفة الشّريفة وردت في وسط شهر رمضان وإلّا ما كنت أسامح نفسي في التأخير عن امتثال الأمر، والتّكلّم ممّا بعد الشّهر المذكور حكم بالغيب، ومبنيّ على طول الأمل. وبالجملة يكون ما هو مرضاكم ولا أكون في صون نفسي بوجه من الوجوه فإنّ حقوقكم ثابتة في ذمّتنا نحن ظاهرا وباطنا. قال حضرة قبلتنا قدّس سرّه إنّ حقوق الشّيخ جيو ثابتة عليكم جميعا ومقرّرة لديكم فإنّه هو الباعث على هذه الجمعيّة وفّقنا الله. سبحانه جميعا دائما للأعمال المرضيّة بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والزّيادة على ذلك تصديع تامّ. المكتوب السّادس والأربعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ وجود الواجب تعالى وتقدّس وكذلك وحدانيّته بل نبوّة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورسالته وجميع ما جاء به من عند الله كلّها بديهيّ غير محتاج إلى فكر ودليل وذكر في إيضاح ذلك مقدّمات كثيرة ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام على أوّلهم وأفضلهم أوّلا وعلى بواقيهم ثانيا الصّلاة والسّلام (واعلم) أنّ وجود الباري تعالى وتقدّس وكذلك وحدانيّته سبحانه بل نبوّة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بل جميع ما جاء به من عند الله بديهيّ لا يحتاج إلى فكر ودليل على تقدير سلامة القوّة المدركة من الآفات الرّديّة والأمراض المعنويّة والنّظر والفكر فيها مقصور على زمن وجود العلّة وثبوت الآفة، وأمّا بعد النّجاة من المرض القلبيّ وزوال الغشاوة البصريّة فلا شيء سوى البداهة; ألا ترى أن الصّفراويّ مثلا ما دام مبتلى بعلّة الصّفراء يحتاج إثبات حلاوة السّكّر والعسل عنده إلى الدّليل، ولكن إذا تخلّص من تلك العلّة لا يحتاج إلى دليل أصلا، ولا منافاة بين احتياجه إلى الدّليل النّاشئ عن وجود الآفة وبين بداهته يعني في ذاته ألا ترى أنّ الأحول يرى الواحد اثنين ويحكم بعدم وحدته، فهو معذور في هذا الحكم. ولا يخرج حكمه هذا النّاشئ من الآفة فيه وحدة ذلك الواحد من البداهة، ولا يدخلها في النّظريّة. ومن المحقّق أنّ ميدان الإستدلال ضيّق جدّا وحصول اليقين من طريق الدّليل والنّظر والفكر متعذّر; فكان فكر إزالة المرض القلبيّ لتحصيل الإيمان اليقينيّ ضروريّا كما أنّ إزالة علّة الصّفراء في تحصيل اليقين بحلاوة السّكّر أشدّ ضرورة من إقامة الدّليل على حلاوة السّكّر، وكيف يحصل اليقين به بإقامة الدّليل عليه مع حكم وجدانه بمرارته بسبب علّة الصّفراء القائم به، وهكذا الحكم فيما نحن فيه فإنّ النّفس الأمّارة منكرة للأحكام الشّرعيّة بالذّات وحاكمة بتناقضها بالطّبع، فتحصيل اليقين بحقّيّة هذه الأحكام الصّادقة من طريق الدّليل مع وجود إنكار وجدان المستدلّ عليه عسير جدّا، فكانت تزكية النّفس ضروريّة لتعسّر حصول اليقين اللّازم الحصول بدونها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها فتقرّر أنّ منكر هذه الشّريعة الباهرة والملّة الطّاهرة الظّاهرة معلول بعلّة مثل منكر حلاوة السّكّر ولكن، (شعر): ما ضرّ شمس الضّحى في الأفق طالعة .

حصہ V01/P089–V01/P091

أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر فالمقصود من السّير والسّلوك وتزكية النّفس وتصفية القلب هو إزالة الآفات المعنويّة والأمراض القلبيّة المشار إليها بقوله تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لتتحقّق حقيقة الإيمان، فإن وجد الإيمان مع وجود هذه الآفات فإنّما هو بحسب الظّاهر فقط لأنّ وجدان النّفس الأمّارة حاكم بخلافه وهي مصرّة على كفرها، ومثل هذا الإيمان الصّوريّ مثل إيمان الصّفراويّ بحلاوة السّكّر في كون وجدانه حاكما وشاهدا بخلافه، فكما أنّ اليقين الحقيقيّ بحلاوة السّكّر إنّما يحصل بعد زوال مرض الصّفراء، كذلك حقيقة الإيمان يعني بحقّيّة الأحكام الشّرعيّة وصدقها إنّما تحصل بعد تزكية النّفس واطمئنانها، وحينئذ يصير الإيمان وجدانيّا وهذا القسم من أقسام الإيمان محفوظ من الزّوال قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ صادق في شأن صاحبه. شرّفنا الله سبحانه بشرف هذا الإيمان الكامل الحقيقيّ بحرمة النّبيّ الأمّيّ القرشيّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. المكتوب السّابع والأربعون إلى المذكور أيضا في الشّكاية من ضعف أهل الإسلام وغلبة الكفّار وترغيب السّلاطين في ترويج الدّين وتقوية المسلمين ثبّتكم الله سبحانه وتعالى على جادّة آبائكم الكرام على أفضلهم سيّد الكونين أوّلا وعلى بواقيهم ثانيا الصّلاة والتّحيّة والسّلام. اعلم أنّ السّلطان بالنّسبة إلى العالم بمثابة القلب بالنّسبة إلى البدن من بني آدم، فكما أنّ القلب إذا كان صالحا يكون البدن صالحا وإذا كان فاسدا يكون البدن فاسدا، كذلك صلاح السّلطان صلاح العالم وفساده فساده، ألا ترى أنّه ماذا جرى على أهل الإسلام في القرن السّابق وفي ابتداء الإسلام مع كمال غربته وعجز أهله وقلّتهم وضعفهم لم يورّث ذلك ولم يوجب شيئا سوى أن يكون المسلمون على دينهم والكفّار على كفرهم يعني لم يقدر الكفّار أن يغيّروا من أمور المسلمين شيئا وأن يجروا عليهم أحكام الكفر مع قوّتهم وشوكتهم وفي قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ بيان لذلك. وأمّا في القرن الماضي فقد أجرى الكفّار أحكامهم في دار الإسلام على الملأ بطريقة الغلبة والإستيلاء، حتّى عجز المسلمون عن إظهار أحكام الإسلام بحيث من أظهره قتلوه، وا ويلا ويا مصيبتا ويا حسرتا ويا حزنا على ما صار مصدّقو محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محبوب ربّ العالمين أذلّاء حقيرين عديمي المقدار، ومنكروه في غاية العزّ والإعتبار، والمسلمون في تعزية الإسلام مع قلوب مجروحة، والمعاندون يرشّون الملح على جراحاتهم بالسّخرية والإستهزاء، وشمس الهداية مستورة تحت أفق الضّلالة ونور الحقّ منزو ومنعزل في حجب الباطل. وقد وصل الآن زوال مانع ظهور الإسلام وبشارة جلوس سلطان المسلمين على سرير السّلطنة إلى مسامع الخاصّ والعامّ. فينبغي لأهل الإسلام أن يعدّوا معاونة السّلطان وإمداده لازمة لذمّتهم، وأن يدلّوه على ترويج الشّريعة وتقوية الملّة; وهذا الإمداد والتّقوية يمكن أن يكون باللّسان، وأن يكون باليد. وأسبق الإمداد باللّسان وأفضله هو تبيين المسائل الشّرعيّة وإظهار العقائد الكلاميّة على طبق الكتاب والسّنّة السّنيّة وإجماع الامّة النّبويّة لئلّا يظهر في البين ضالّ ومبتدع فيسدّ الطّريق، وينجرّ الأمر إلى الفساد. وهذا القسم من الإمداد مخصوص بعلماء أهل الحقّ المقبلين على الآخرة، فإنّ علماء الدّنيا الّذين همّتهم التّهافت على متاع الدّنيا وجمع حطامها صحبتهم سمّ قاتل وفسادهم فساد متعدّ، (شعر): إذا كان ذو علم أسيرا بنفسه . فمن ذا الّذي ينجو به من غوايته وكلّ بلاء ظهر في القرن الماضي إنّما ظهر بسبب شآمة هؤلاء الجماعة فإنّهم هم الّذين أخرجوا السّلطان من الطّريق الحقّة، بل ليست فرقة من اثنتين وسبعين فرقة إلّا ومقتداهم في اختيار طريق الضّلالة هم العلماء السّوء وقلّ من تتعدّى ضلالته إلى الغير اختار الضّلالة غير العلماء السّوء وأكثر الجهلاء المتشبّهين بالصّوفيّة في هذا الزّمان لهم حكم العلماء السّوء أيضا، فإنّ فسادهم فسادهم متعدّ. والظّاهر أنّ كلّ من يقصر في الإمداد مع وجود الإستطاعة فيه أيّ نوع كان من الإمداد ووقع الفتور على أمور أهل الإسلام يكون معاتبا.

حصہ V01/P091–V01/P093

وبناء على هذا يريد هذا الفقير أن يلقي نفسه إلى ميدان ممدّي دولة الإسلام ويجتهد فيه بقدر الإمكان فبحكم " من كثّر سواد قوم فهو منهم» يحتمل أن يكون هذا العاجز عديم الإستطاعة داخلا في زمرة هؤلاء الجماعة. وإنّ مثلي مثل عجوز جاءت بغزلها في سوق مشتري يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام لتشتريه به، والمرجوّ أن أتشرّف بشرف الحضور عن قريب إن شاء الله تعالى، والمتوقّع من جناب شرفكم حيث يسّر الله سبحانه وتعالى لك الإستطاعة وقرب السّلطان على الوجه الأتمّ أن تجتهد في ترويج الشّريعة المحمّديّة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة، وإخراج المسلمين من الكربة، والإسلام من الغربة في خلوة وجلوة. ولحامل الرّقيمة مولانا حامد وظيفة مقرّرة من الأمير صاحب الإقبال والظّاهر أنّه أخذها في العام الماضي في حضوركم، وجاء في هذه السّنة أيضا بهذا الرّجاء. يسّر لكم الله سبحانه الدّولة الحقيقة والمجازيّة. المكتوب الثّامن والأربعون إلى المذكور أيضا في التّحريض على تعظيم العلماء وطلبة العلوم الّذين هم حملة الشّريعة الغرّاء نصركم الله سبحانه على الأعداء بحرمة سيّد الأنبياء عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات. قد تشرّفت بمطالعة مكتوبكم الشّريف المرسل على وجه الإلتفات إلى الفقراء وحرّر مولانا محمّد قلي? موفّق في الكتاب أنّه قد أرسل شيء من الخراج لأجل طلبة العلوم والصّوفيّة وقد حسن تقديم طلبة العلوم على الصّوفيّة في نظر الهمّة جدّا، وبحكم الظّاهر عنوان الباطن نرجو أن يحصل تقديم هؤلاء الجماعة في الباطن أيضا. (ع) وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح وفي تقديم طلبة العلوم ترويج الشّريعة لأنّهم حملة الشّريعة النّبويّة، والملّة المصطفويّة قائمة بهم، والنّاس إنّما يسألون يوم القيامة عن الشّريعة دون التّصوّف، وكلّ من دخول الجنّة وتجنّب النّار مربوط بإتيان الشّريعة، والأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات الّذين هم أفضل الكائنات إنّما دعوا الخلق إلى الشّرائع وجعلوا مدار النّجاة عليها. والمقصود من بعثة هؤلاء الأكابر هو تبليغ الشّرائع. فأعظم الخيرات إذا هو السّعي في ترويج الشّريعة وإحياء حكم من أحكامه خصوصا في الزّمان الّذي انهدمت فيه شعائر الإسلام بحيث لو أنفق ألوفا في سبيل الله لا يساوي ذلك ترويج مسألة من المسائل الشّرعيّة فإنّ في هذا الفعل اقتداء بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام الّذين هم أعظم المخلوقات ومشاركة g لهؤلاء الاكابر، ومن المقرّر أنّ أكمل الحسنات مسلّم لهم وإنفاق الألوف ميسّر لغير هؤلاء الأكابر أيضا. وفي إقامة الشّريعة والعمل بأحكامها مخالفة النّفس أيضا لأنّ الشّريعة وردت على خلاف النّفس، وفي إنفاق الأموال موافقة النّفس أحيانا. نعم إن كان الإنفاق لتأييد الشّريعة وترويج الملّة فله درجة عليا وإنفاق فلس بهذه النّيّة يساوي إنفاق ألوف في سائر الأمنيّة فإن قيل: إنّ طالب علم أسير في يد نفسه فكيف يقدّم على صوفيّ تخلّص من رقّيّة نفسه؟ (أجيب) أنّ هذا القائل لم يفهم بعد حقيقة الكلام ولم يطّلع على أصل المرام، فإنّ طالب علم سبب لنجاة الخلائق مع وجود أسره في يد نفسه، فإنّ تبليغ الأحكام الشّرعيّة منوط به وإن لم ينتفع هو نفسه بها. والصّوفيّ مع وجود تخلّصه إنّما خلّص نفسه فقط لا التفات له إلى الخلائق. وأفضليّة من تعلّقت به نجاة كثير وجمّ غفير ممّن اقتصرت النّجاة عليه أمر مقرّر. نعم إذا رجع الصّوفيّ إلى العالم لدعوة الخلق بعد الفناء والبقاء والسّير عن الله وبالله وحصل له نصيب من مقام النّبوّة، فهو داخل في مبلّغي الشّريعة وله حكم العلماء الأشراف ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . المكتوب التّاسع والأربعون إلى المذكور أيضا في التّحريض على الجمع بين دولتي تحلية الظّاهر بإتيان الأحكام الشّرعيّة وتخلية الباطن عن علاقة ما سواه تعالى أسعدكم الله سبحانه بدولة صوريّة وسعادة معنويّة. والدّولة الصّوريّة في الحقيقة هي كون الظّاهر محلّى بالأحكام الشّرعيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والسّعادة المعنويّة هي تخلّص الباطن وخلوّه عن علاقة ما سواه والإرتباط بغيره تعالى. فيا فوز من تشرّف بهاتين الدّولتين.

حصہ V01/P093–V01/P094

(ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث والزّيادة تصديع المكتوب الخمسون في مذمّة الدّنيا الدّنيّة إلى السّيّد المذكور أيضا أكرمكم الله سبحانه بالحرّيّة من رقّيّة ما سواه وجعلكم متوجّها إليه سبحانه بالتّمام ومشغوفا به على الدّوام بحرمة سيّد البشر المحرّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام اعلم: أنّ هذه الدّنيا حلو في الظّاهر ولها طراوة صوريّة، ولكنّها في الحقيقة سمّ قاتل ومتاع باطل، وليس في التّعلّق والإرتباط بها طائل، مقبولها مخذول ومفتونها مجنون، وحكمها حكم نجاسة طليت بالذّهب، ومثلها مثل سمّ مخلوط بالسّكّر، والعاقل هو الّذي لا يغترّ بمثل هذا المتاع الكاسد ولا يتعلّق بمثل هذا الشّيء الفاسد; ولهذا قال الفقهاء لو أوصى بماله للعقلاء فهو للزّهّاد لأنّهم يرغبون عن الدّنيا، ورغبتهم عنها تدلّ على كمال عقلهم وفطنتهم. والزّيادة على ذلك إطناب وبقيّة المرام أنّ الشّيخ زكريّا مبتلى بمنصب استيفاء الخراج في هذا السّنّ وأنّه مع وجود هذا الإبتلاء خائف دائما من المحاسبة العاجلة الّتي هي في غاية السّهولة بالنّسبة إلى المحاسبة الآجلة، ويرى وثيقته العظمى في عالم الأسباب توجّهكم الشّريف، ويرجو أن يكون كونه من خدمة العتبة العليّة ظاهرا في الدّيوان الجديد أيضا يعني معلوما عند أربابها، (شعر): ألا أعطني قلبا ترى من جسارة الأ . سود وإن ألفيتني قبل ثعلبا يسّر الله سبحانه الدّولة الصّوريّة والمعنويّة بحرمة النّبيّ الأمّيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. المكتوب الحادي والخمسون إلى المذكور أيضا في التّرغيب في ترويج الشّريعة الغرّاء على صاحبها الصّلاة والسّلام نسأل الله سبحانه تقوى أركان الشّريعة الغرّاء ورواج أحكام الملّة السّمحة البيضاء بتوسّل وجود سلالة العظام الشّريفة. (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث والنّجاة لغرباء أهل الإسلام في مثل هذه الأيّام من لجّة بحر الضّلالة إنّما ترجى من سفينة أهل بيت خير البشر معدن الرّسالة عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها قال عليه الصّلاة والسّلام «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها هلك» . فينبغي صرف الهمّة العليا في تحصيل هذه السّعادة العظمى. وقد تيسّر لكم بعناية الله سبحانه وتعالى الجاه والجلال والعظمة والشّوكة كلّها، فإن انضمّت هذه العلاوة إلى هذه المذكورات مع وجود الشّرف الذّاتيّ، فقد أحرزتم قصب السّبق في ميدان السّعادة على جميع الأقران وهذا الفقير متوجّه نحوكم بإرادة إظهار أمثال هذه الكلمات في تأييد الشّريعة الحقّة وترويجها. ورأوا هلال شهر رمضان في دهلى وفهم غرضي حضرة الوالدة في التّوقّف فتوقّفت بالضّرورة لإستماع ختم القرآن. والأمر عند الله سبحانه وتعالى والمرجوّ من الله حصول سعادة الدّارين. المكتوب الثّاني والخمسون إلى السّيّد المذكور أيضا في مذمّة النّفس الأمّارة وبيان مرضها الذّاتيّ وبيان علاج إزالة ذلك المرض قد تشرّفت بمطالعة مكتوب الأخ المكرّم الّذي جعل هذا الدّاعي المخلص ممتازا به على وجه الشّفقة والرّأفة عظّم الله سبحانه أجركم ورفع قدركم وشرح صدركم ويسّر أمركم بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ثبّتنا الله سبحانه وتعالى على متابعته ظاهرا وباطنا ويرحم الله عبدا قال آمينا. وإنّى أردت أن أحرّر فقرات في الشّكاية من صاحب السّوء والنّديم السّيّء الخلق.

حصہ V01/P094–V01/P096

فالمرجوّ الإصغاء إليه بسمع القبول فاعلم أيّها المخدوم المكرّم: أنّ النّفس الأمّارة الإنسانيّة مجبولة على حبّ الجاه والرّياسة وجميع همّتها التّرفّع على جميع الأقران، ومتمنّاها بالذّات أن يكون الخلائق كلّهم محتاجين إليها ومنقادين إلى أوامرها ونواهيها ولا تريد أن تكون هي محتاجة إلى الشّيء ومحكومة لأحد أبدا، وهذه كلّها هي دعوى الألوهيّة منها والشّركة مع خالقها المنزّه عن المثل والشّبه جلّ سلطانه، بل هي البعيدة عن السّعادة غير راضية بالشّركة بل تريد أن تكون هي الحاكمة فقط لا غير ويكون الكلّ تحت حكمها وقد ورد في الحديث القدسيّ " عاد نفسك فإنّها انتصبت لمعاداتي» فتربية النّفس بإعطاء مراداتها من الجاه والرّياسة والتّرفّع والتّكبّر، إمدادها في الحقيقة لعداوة الله عزّ وجلّ وتقويتها لذلك، فينبغي أنّ يدرك شناعة هذا الأمر جدّا وقد ورد في الحديث القدسيّ " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في شيء منهما أدخلته في ناري ولا أبالي» وإنّما كانت الدّنيا الدّنيّة مبغوضة عند الحقّ سبحانه وملعونة بسبب أنّ حصولها ممدّ ومعاون في حصول مرادات النّفس، فمن أمدّ العدوّ لا جرم يستحقّ اللّعن والطّرد. وإنّما صار الفقر فخرا محمّديّا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ في الفقر عدم حصول مراد النّفس وحصول عجزها. والمقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والحكمة في التّكليفات الشّرعيّة هو تعجيز هذه النّفس الأمّارة وتخريبها، وقد وردت الشّرائع لرفع الهوى النّفسانيّ، وكلّما يعمل شيء بمقتضى الشّريعة يزول من الهوى النّفسانيّ بقدره ولهذا كان فعل شيء من الأحكام الشّرعيّة أفضل في إزالة الهوى النّفسانيّ من رياضات ألف سنة ومجاهداتها الّتي كانت من قبل النّفس، بل هذه الرّياضات والمجاهدات الّتي لم تقع على مقتضى الشّريعة الغرّاء مؤيّدة ومقوّية للهوى النّفسانيّ. ولم تقصر البراهمة والجوكيّة في الرّياضات والمجاهدات شيئا، ولكنّها لمّا لم تكن على وفق الشّريعة لم ينتفعوا بها أصلا ولم يحصل لهم غير تقوية النّفس وتربيتها. فمن صرف مثلا دانقا بنيّة أداء الزّكاة الّتي أمر بها الشّرع فهو أنفع في تخريب النّفس من صرف ألف دينار من قبل نفسه، وكذلك أكل الطّعام يوم عيد الفطر بحكم الشّريعة أنفع في دفع الهوى من صيام سنين من قبل نفسه، وأداء ركعتي الفجر مع الجماعة الّتي هي سنّة من السّنن أفضل من قيام تمام اللّيلة بالنّافلة مع ترك الجماعة في الفجر. وبالجملة: انّ النّفس ما لم تتزكّ من خبث ماليخوليا دعوى السّيادة والرّفعة فالنّجاة محال، ففكر إزالة هذا المرض ضروريّ كيلا يفضي إلى الموت الأبديّ، وكلمة لا إله إلّا الله الّتي وضعت لنفي الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة أنفع في تزكية النّفس وأنسب لتطهيرها، واختار أكابر الطّريقة قدّس الله أسرارهم لتزكية النّفس هذه الكلمة الطّيّبة، (شعر): ما دمت لم تضرب بلا عنق السّوى . في قصر إلّا الله لست بواصل وما دامت النّفس في مقام البغي والعناد ونقض العهد والفساد ينبغي أنّ يجدّد الإيمان بتكرار هذه الكلمة قال عليه الصّلاة والسّلام «جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله " بل لا بدّ من تكرار هذه الكلمة في جميع الأوقات، فإنّ النّفس الأمّارة في مقام الخبث دائما. وقد ورد عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في فضائل هذه الكلمة حديث «لو وضعت السّموات والأرض في كفّة الميزان وهذه الكلمة في كفّة لترجّحت هذه الكفّة على الأخرى» والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة الأكمل والسّلام الأوفى. المكتوب الثّالث والخمسون إلى السّيّد المذكور أيضا في بيان أنّ اختلاف علماء السّوء موجب لفساد العالم وما يناسب ذلك ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام. قد سمعت أنّ سلطان الإسلام والمسلمين أمر جنابكم من حسن نشأته الإسلاميّة الّتي أودعت في جبلّته أن تنتخب أربعة أنفار من العلماء المتديّنين ليلازموه ويبيّنوا له المسائل الشّرعيّة حتّى لا يقع أمر على خلاف الشّريعة. الحمد لله سبحانه على ذلك، وماذا يكون للمسلمين أحسن بشارة من ذلك وأيّ شيء يكون لأهل الماتم أشدّ تسلية ممّا هناك.

حصہ V01/P096–V01/P097

ولكنّ الفقير حيث كنت متوجّها نحو جانبكم العالي بواسطة هذا الغرض كما أظهرت ذلك مكرّرا لا أسامح نفسي ولا أرخّص لها في السّكوت والقعود عن الكتابة في هذا الباب بالضّرورة، فالمرجوّ مسامحتكم إيّاي فإنّ صاحب الغرض مجنون والمعروض الآن هو أنّ العلماء المتديّنين أقلّ من القليل وهم الّذين جاوزوا حبّ الجاه والرّياسة وخلّفوه وراءهم وليس لهم مقصد ومطلب سوى ترويج الشّريعة وتأييد الملّة فإنّه إذا كان فيهم حبّ الجاه يأخذ كلّ واحد منهم طرفا ممّا يلائم مرامه ويتمسّك به ويظهر من ذلك الطّرف أفضليّته ويورد الإختلافات ويوقع الخلافيّات في البين ويجعل ذلك وسيلة لقرب السّلطان فيكون مهمّ الدّين لا محالة أبتر وأقطع، واختلافات العلماء هي الّتي ألقت العالم إلى البلاء في القرن السّابق فإذا كان هذا الدّاء مستمرّا وتلك الصّحبة دائمة من أين يرجى ترويج الشّريعة وكيف يكون المجال لتأييد الملّة; بل يكون باعثا على التّخريب والعياذ بالله سبحانه من ذلك، ومن فتنة العلماء السّوء، فإن انتخبتم لهذا الغرض عالما واحدا فهو أفضل وأحسن، فإن تيسّر ذلك من علماء الآخرة فنعمت السّعادة فإنّ صحبته كبريت أحمر، فإن لم يتيسّر فاختاروا أفضل هذا الجنس بعد التّأمّل الصّحيح ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه. ولا أدرى ماذا أكتب. فكما أنّ نجاة الخلائق مربوطة بوجود العلماء كذلك خسران العالم أيضا منوط بهم. وأفضل العلماء أفضل العالم وشرّهم شرّ الخلائق قد نيطت الهداية والضّلالة بهم رأى واحد من الأعزّة إبليس اللّعين قاعدا على الفراغ على خلاف عادته فسأله عن سرّ ذلك يعني متعجّبا فقال اللعين: إنّ علماء هذا الوقت قد كفوني مؤنتي وتكفّلوا لي بالإغواء والإضلال والغرض إقدامكم على هذا الأمر وشزوعكم فيه بعد رعاية الفكر الصّحيح والتّأمّل الصّادق فإنّ الأمر إذا خرج من اليد لا يقبل العلاج. وإنّي وإن كنت مستحييا من إظهار أمثال هذه الكلمات لأرباب الفطانة الصّحيحة ولكن لمّا علمت أنّ هذا الأمر وسيلة للسّعادة العظمى كنت باعثا على التّصديع. المكتوب الرّابع والخمسون إلى السّيّد المذكور أيضا في بيان أنّ الإجتناب من صحبة المبتدع لازم وانّ ضرر صحبتهم فوق ضرر صحبة الكفّار وأنّ شرّ الفرق المبتدعة الشّيعة الشّنيعة وما يناسب ذلك عظّم الله سبحانه أجركم ورفع قدركم ويسّر أمركم وشرح صدركم بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلاة الأوفى والسّلام الأوفر. قد ورد أنّ من لم يشكر النّاس لم يشكر الله، فشكر إحساناتكم لازم لنا فإنّكم كنتم أوّلا سببا لجمعيّة حضرة شيخنا، فطلبنا الحقّ سبحانه ببركتكم في تلك الجمعيّة ونلنا حظّا وافرا من تلك الأمنيّة، ولمّا بلغت النّوبة هذه الطّبقة بحكم: كبرت بموت الكبراء كنتم مرّة ثانية واسطة اجتماع الفقراء وباعثا على انتظام نظام الطّالبين الغرباء فجزاكم الله سبحانه عنّا خير الجزاء، (شعر): ولو أنّ لي في كلّ منبت شعرة . لسانا يبثّ الشّكر كنت مقصّرا والمأمول من الحقّ سبحانه أن يحفظكم عمّا لا يليق بجنابكم في الدّنيا والآخرة بحرمة جدّكم سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. وقد بعد هذا الفقير عن صحبتكم ونأى ولا أدري أنّ أيّ قسم من النّاس في مجلسكم الشّريف ومن أنيسكم وجليسكم في محفلكم المنيف، (شعر): من مقلتي طار المنام تفكّرا .

حصہ V01/P097–V01/P099

من كان من ندمائكم وضجيعكم وأيقنوا أنّ فساد صحبة المبتدع أزيد من فساد صحبة الكافر، وأخبث جميع المبتدعين وأخسّهم طائفة يبغضون أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد قال الله تعالى في القرآن المجيد لهؤلاء الطّائفة كفّارا حيث قال سبحانه وتعالى (ليغيظ بهم الكفّار) والمبلّغون للقرآن والشّريعة هم الأصحاب، فإن كان الأصحاب مطعونا فيهم يلزم الطّعن في القرآن والشّريعة، والقرآن جمعه عثمان بن عفّان عليه الرّضوان فإن كان عثمان مطعونا فيه كان القرآن مطعونا فيه أعاذنا الله سبحانه ممّا يعتقده الزّنادقة والإختلاف الواقع بين الأصحاب عليهم الرّضوان وكذا الجدال والقتال ليس بمحمول على الهوى النّفسانيّ فإنّ نفوسهم قد تزكّت في صحبة خير البشر وتخلّصت من وصف الأمّاريّة، ولكنّ الّذي نعتقده أنّ الحقّ كان في طرف عليّ كرّم الله وجهه والخطأ في طرف مخالفيه، ولكنّ هذا الخطأ خطأ اجتهاديّ وهو لا يبلغ حدّ الفسق بل لا مجال للملامة في مثل هذا الخطأ وللمخطئ فيه درجة واحدة من الثّواب. ويزيد البعيد عن السّعادة ليس من الأصحاب فلا كلام لأحد في كونه بعيدا عن ساحة السّعادة فإنّ الأمر الّذي فعله هو لا يفعله كفّار إفرنج، وقد توقّف بعض العلماء من أهل السّنّة في لعنه لا لكونه راضيا عنه أو بفعله بل رعاية لاحتمال رجوعه وتوبته. وينبغي أن يقرأ في المجلس الشّريف كلّ يوم شيء من كتب قطب الزّمان مخدوم العالم ليعلم أنّه كيف مدح أصحاب النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وبأيّ نوع من الآداب ذكرهم حتّى يكون المخالفون محجوبين ومخذولين. وقد غالى هذه الطّائفة الباغية الطّاغية في هذه الأيّام غلوّا كثيرا وعتوا عتوّا كبيرا وانتشروا في الآفاق والأكناف فكتبنا في بيان فسادهم كلمات بهذا السّبب; لئلّا تتطرّق هذه الطّائفة إلى المجلس الشّريف وكيلا يكون لهم اعتبار في ذلك المحفل المنيف. ثبّتكم الله سبحانه على الطّريقة المرضيّة. المكتوب الخامس والخمسون إلى السّيّد عبد الوهّاب البخاريّ في إظهار المحبّة قد ظهرت في قلبي محبّة لجنابكم من مدّة مديدة غير الإرتباط الّذي تحقّق سابقا، فنحن مشغولون بدعائكم الخير من ظهر الغيب بلا اختيار. بناء على تلك المحبّة وحيث ورد من سيّد الكائنات ومفخر الموجودات عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات " من أحبّ أخاه فليعلم إيّاه» رأيت أنّ إظهار حبّي أولى وأنسب، وبهذه المحبّة المتعلّقة بأقرباء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حصل في اليد حبل الرّجاء التّامّ رزقنا الله سبحانه الإستقامة على محبّتهم بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب السّادس والخمسون إلى الشّيخ عبد الوهّاب أيضا في تفويض شخص من السّادات إنّ جناب قدس السّادات كثير البركات بواسطة الجزئيّة من سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات أجلّ من أنّ يبيّن منقبتهم ومحمدتهم باللّسان إلّا أن نجترئ في هذا الباب ليكون مدحهم سببا لسعادتنا بل إنّما نمدح أنفسنا في ضمنه ونظهر المودّة الّتي أمرنا الله بها اللهمّ اجعلنا من محبّيهم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. وحامل العريضة هذه السّيّد أحمد من زمرة السّادات ومن جملة طلبة العلوم ومن جماعة الصّالحين. وقد توجّه إلى تلك الحدود من جهة ضيق المعيشة، فإن كان في الباب العالي مجال فالمشار إليه لائق بالنّظر والإمداد، ومستحقّ في الغاية، وإلّا فينبغي تفويضه إلى شخص من المخلصين ليجعله مطمئنّا من جهة المعيشة، ولمّا تيقّنت أنّ لجانبكم توجّها أتمّ في أحوال الفقراء والمحتاجين وعلى الخصوص في إمداد السّادات العظام أقدمنا على تحرير كلمات والمذكور وإن لم يستسعد وقت الذّهاب بسعادة الرّخصة إلّا أنّه داخل في زمرة المخلصين. رزقنا الله سبحانه الإستقامة والإخلاص في محبّتهم. والزّيادة على ذلك انبساط.

حصہ V01/P099–V01/P102

المكتوب السّابع والخمسون إلى الشّيخ محمّد يوسف في النّصيحة رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة آبائكم الكرام بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (اعلم) أنّ السّؤدد والرّياسة والحشمة موروثة في جماعتكم، فينبغي أن تكون معيشتكم ومعاشرتكم على نهج يتيسّر لكم استحقاق هذه الوراثة، أعني تحلية الظّاهر بظاهر الشّريعة وتزيين الباطن بباطنها الّذي هو عبارة عن الحقيقة، فإنّ الطّريقة والحقيقة عبارتان عن حقيقة الشّريعة، والطّريقة هي نفس تلك الحقيقة لا انّ الشّريعة أمر والطّريقة والحقيقة أمران آخران مغايران لها، فإنّ اعتقاد ذلك إلحاد وزندقة. وظنّ الفقير بكم حسن جدّا واجعل بعض الوقائع شاهدا لهذا المعنى وقد أظهرت نبذة من ذلك لوالدكم الماجد وبقيّة المرام أنّ الشّيخ عبد الغنيّ رجل محلّى بالصّلاح وحسن الشّيمة، فإن راجع خدمتكم في أمر من الأمور فالمرجوّ منكم بذل الإلتفات إليه والسّلام والإكرام. المكتوب الثّامن والخمسون إلى السّيّد محمود في بيان أنّ هذا الطّريق كلّه سبع خطوات وأنّ مشائخ النّقشبنديّة اختاروا ابتداء السّير من عالم الأمر بخلاف مشائخ السّلاسل الأخر وأنّ طريق هؤلاء الأكابر هو طريق الأصحاب الكرام وما يناسب ذلك قد ورد مكتوبكم الشّريف ولمّا فهمت منه شوقكم إلى استماع كلمات هؤلاء الطّائفة العليّة أردت أن أحرّر بالضّرورة كلمات إجابة للمسئول وترغيبا في المأمول. أيّها المخدوم إنّ هذا الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه كلّه سبع أقدام بعدد اللّطائف السّبع الإنسانيّة: قدمان منها في عالم الخلق يتعلّقان بالقالب أعني البدن العنصريّ والنّفس وخمسة منها في عالم الأمر مربوطة بالقلب والرّوح والسّرّ والخفىّ والأخفى، وفي كلّ قدم من هذه الأقدام السّبع ترتفع عشرة آلاف حجاب نورانيّة كانت تلك الحجب أو ظلمانيّة " إنّ لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة» ففي القدم الأولى الّتي توضع في عالم الأمر يظهر التّجلّي الأفعاليّ، وفي الثّانية التّجلّي الصّفاتيّ، ويقع الشّروع في التّجلّيات الذّاتيّة في الثّالثة ثمّ وثمّ على تفاوت درجاتها، كما لا يخفى على أربابها، وفي كلّ خطوة من الخطوات السّبع يبعد السّالك عن نفسه ويقرب من ربّه سبحانه حتّى يتمّ القرب بتمام هذه الأقدام، فحينئذ يتشرّف بالفناء والبقاء ويبلغ درجة الولاية الخاصّة. واختار مشائخ النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة ابتداء هذا السّير من عالم الأمر وهم يقطعون مسافة عالم الخلق أيضا في ضمن هذا السّير، بخلاف مشائخ سلاسل أخر قدّس الله أسرارهم ولهذا كان طريق النّقشبنديّة أقرب الطّرق. فلا جرم صارت نهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم (ع) يدلّ على حسن الزّمان ربيعه وطريق هؤلاء الأكابر هو بعينه طريق الصّحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فإنّ ما حصل للأصحاب في أوّل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بطريق اندراج النّهاية في البداية قلّما يحصل لكمّل الأولياء في النّهاية، ولهذا كان الوحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه أفضل من أويس القرنيّ الّذي هو خير التّابعين لنيله صحبة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة. سئل عبد الله بن المبارك : أيّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: والله للغبار الّذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرّة ، فينبغي أن يتأمّل في أنّه إذا كان بداية جماعة بحيث اندرجت فيها نهاية غيرهم ماذا تكون نهايتهم؟ وكيف يسعها إدراك الآخرين: وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ (شعر): لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها . برأت ساحتهم من أفحش الكلم هل يقطع الثّعلب المحتال سلسلة . قيّدت بها اسد الدّنيا بأسرهم رزقنا الله سبحانه وإيّاكم محبّة هؤلاء الطّائفة العزيزي الوجود. والورقة وإن كانت محقّرة ولكنّها قد اندرجت فيها معارف عالية وحقائق سامية، فينبغي إعزازها يعني من أجلها.

حصہ V01/P102–V01/P104

المكتوب التّاسع والخمسون إلى السّيّد محمود أيضا في بيان أنّه لا بدّ في حصول النّجاة من أمور ثلاثة وأنّها لا تتصوّر بدون اتّباع أهل السّنّة والجماعة وأنّ العلم والعمل متعلّقان بالشّريعة والإخلاص منوط بسلوك طريق الصّوفيّة وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والإقبال على جناب قدسه بالكلّيّة. وقد وردت الصّحيفة الشّريفة المشتملة على المفاوضة المنيفة فصارت موجبة للفرح، واتّضحت المقدّمات المنبئة عن محبّة الفقراء والإخلاص لهؤلاء الطّائفة الغرباء، اللهمّ زد. واندرج فيها أيضا طلب الفوائد فاعلم أيّها المخدوم. ولا بدّ للإنسان من ثلاثة أشياء حتّى تتيسّر النّجاة الأبديّة: العلم والعمل والإخلاص. والعلم على قسمين: قسم المقصود منه العمل وقد تكفّل ببيانه علم الفقه. وقسم المقصود منه مجرّد الإعتقاد واليقين القلبيّ وذكر هذا القسم في علم الكلام بالتّفصيل على مقتضى آراء أهل السّنّة والجماعة الّذين هم الفرقة النّاجية. ولا إمكان للنّجاة ولا مطمع لأحد فيها بدون اتّباع هؤلاء الأكابر فإن وقعت المخالفة لهم مقدار شعرة فالأمر في خطر أيّ خطر. وهذا الكلام قد بلغ من الصّحّة مرتبة اليقين بالكشف الصّحيح والإلهام الصّريح أيضا لا احتمال فيه للتّخلّف. فطوبى لمن وفّق لمتابعتهم وتشرّف بتقليدهم وويل لمن خالفهم واعتزلهم ورفض أصولهم وخرج من زمرتهم فضلّ وأضلّ وأنكر الرّؤية والشّفاعة وخفي عليه فضيلة الصّحبة وفضل الصّحابة وحرم محبّة أهل بيت الرّسول ومودّة أولاد البتول فمنع من خير كثير نالها أهل السّنّة. واتّفقت الصّحابة على أنّ أفضلهم أبو بكر قال الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه - وهو أعلم بأحوال الصّحابة -: اضطرّ النّاس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يجدوا تحت أديم السّماء خيرا من أبي بكر فولّوه رقابهم وهذا تصريح منه بأنّ الصّحابة متّفقون على أفضليّة الصّدّيق فيكون إجماعا على أفضليّته في الصّدر الأوّل فيكون قطعيّا لا يسوغ إنكاره. وأهل بيت الرّسول مثلهم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك قال بعض العارفين إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعل أصحابه كالنّجوم وبالنّجوم هم يهتدون. وشبّه أهل بيته بسفينة نوح إشارة إلى أنّ راكب السّفينة لا بدّ له من رعاية النّجوم ليأمن من الهلاك وبدون رعاية النّجوم النّجاة ممتنعة. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الإنكار على بعض إنكار على جميعهم، فإنّهم في فضيلة صحبة خير البشر مشتركون، وفضيلة الصّحبة فوق جميع الفضائل والكمالات، ولهذا لم يبلغ أويس القرنيّ الّذي هو خير التّابعين مرتبة أدنى من صحبه عليه الصّلاة والسّلام فلا تعدل بفضيلة الصّحبة شيئا كائنا ما كان، فإنّ إيمانهم ببركة الصّحبة وشهود نزول الوحي صار شهوديّا. ولم يتّفق لأحد بعد الصّحابة هذه المرتبة من الإيمان، والأعمال متفرّعة على الإيمان كمالها بحسب كمال الإيمان، وما جرى بينهم من المشاجرات والمنازعات فمحمول على محامل صالحة وحكم بالغة ما كانت عن هوى وجهل ولكن عن اجتهاد وعلم، فإن أخطأ بعضهم في الإجتهاد فللمخطئ أيضا درجة عند الله سبحانه. هذا هو الطّريق الوسط بين الإفراط والتّفريط الّذي اختاره أهل السّنّة والجماعة وهو الطّريق الأسلم والسّبيل الأحكم. وبالجملة انّ العلم والعمل مستفادان من الشّريعة، وتحصيل الإخلاص الّذي هو بمنزلة الرّوح للعلم والعمل مربوط بسلوك طريقة الصّوفيّة. وما لم يقطع السّالك مسافة السّير إلى الله ولم يتحقّق له السّير في الله فهو بعيد من حقيقة الإخلاص ومحروم من كمالات المخلصين أهل الإختصاص. نعم قد يتحقّق الإخلاص في بعض الأعمال لعامّة المؤمنين بالتّعمّل والتّكلّف ولو في الجملة ولكنّ الإخلاص الّذي نحن في صدد بيانه هو الإخلاص في جميع الأفعال والأقوال والحركات والسّكنات من غير تعمّل وتكلّف فيه. وحصول هذا الإخلاص منوط بانتفاء الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة الّذي هو مربوط بالفناء والبقاء. والوصول بالولاية الخاصّة والإخلاص الّذي يحتاج فيه إلى التّعمّل والتّكلّف لا يكون له دوام، ولا بدّ من سقوط التّكلّف في حصول الدّوام الّذي هو مرتبة حقّ اليقين.

حصہ V01/P104–V01/P106

وأولياء الله تعالى كلّما يفعلونه يفعلونه لله جلّ وعلا لا لحظوظ نفوسهم فإنّ نفوسهم كانت فداء الحقّ سبحانه ولا حاجة لهم إلى تصحيح النّيّة في حصول الإخلاص فإنّ نيّتهم قد صحّت بالفناء في الله والبقاء بالله، فإنّ شخصا مثلا إذا كان أسيرا في يد نفسه فكلّما يفعله، يفعله لحظّ نفسه نوى أو لم ينو، ومتى زال تعلّقه بنفسه وتخلّص من ربقة رقّيّتها وحصل بدله التّعلّق بالحقّ جلّ وعلا فلا جرم يفعل كلّما يفعله لله نوى أو لم ينو فإنّ النّيّة إنّما يحتاج إليها في المحتمل، وأمّا المتعيّن فلا حاجة فيه إلى التّعيين ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . وصاحب الإخلاص الدّائم هو من المخلصين بفتح اللّام ومن لا دوام في إخلاصه بل هو في كسب الإخلاص دائما فهو من المخلصين بكسر اللّام وشتّان ما بينهما. والنّفع الّذي يحصل في العلم والعمل من طريق الصّوفيّة هو أن تكون العلوم الكلاميّة الإستدلاليّة كشفيّة، وأن يحصل اليسر التّامّ في أداء الأعمال وأن يزول الكسل النّاشئ من جانب النّفس والشّيطان. (ع) وهذي سعادات تكون نصيب من والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب السّتّون إلى السّيّد محمود أيضا في بيان نفي الخواطر ودفع الوساوس الكلّيّة وما يناسب ذلك شرّف الله سبحانه وتعالى بدوام التّعلّق بجناب قدسه، فإنّ حقيقة الحرّيّة إنّما هي في ذلك التّحقّق، ومنع الخواطر، ودفع الوساويس حاصل في طريقة خواجكان قدّس الله أسرارهم على الوجه الاتمّ، حتّى جلس بعض مشائخ هذه الطّائفة الأربعين لملاحظة خطور الخواطر ومنعها عن ساحة صدره في هذه المدّة كلّها، قال حضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه في هذا المقام: إنّ المراد بعدم خطور الخواطر ودفعها هي الخواطر الّتي تكون مانعة من دوام التّوجّه إلى المطلوب لا دفع الخواطر مطلقا يقول واحد من مخلصي هذه السّلسلة العليّة مخبرا عن حاله بحكم وأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ : إنّ نفي الخواطر عن القلب يبلغ حدّا لو أعطيت عمر نوح على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام فرضا لا يخطر على قلبي شيء من الخواطر، لا أنّه متكلّف في هذا الدّفع فإنّ كلّ شيء كان حصوله بالتّكلّف فهو مؤقّت لا يقبل الدّوام بل لو تكلّف في إتيان الخواطر وإيقاعها سنين لا يتيسّر أصلا، وتعيين الأربعين ينبئ عن التّكلّف. والتّكلّف إنّما هو في مرتبة الطّريقة، وأمّا الحقيقة فهي التّخلّص من التّعمّل والتّكلّف يادكرد في الطّريقة ويادداشت في الحقيقة، فتحقّق أنّ دوام التّوجّه إلى المطلوب على تقدير تحقّق منع الخواطر المؤقّت بوقت من العشر والأربعين محال لما مرّ من أنّ التّكلّف في مرتبة الطّريقة والدّوام غير متصوّر في الطّريقة وإنّما هو في الحقيقة، وذلك لعدم مجال للتّكلّف في ذلك الموطن، فورود الخاطر وخطوره في مرتبة التّكلّف يكون مانعا من دوام التّوجّه. والّذي يحصل لقلوب مبتدئى هذه السّلسلة العليّة من دوام التّوجّه فهو أمر آخر. وما نحن بصدد بيانه فعبارة عن يادداشت الّذي هو نهاية مرتبة الكمال. قال حضرة الخواجه عبد الخالق قدّس سرّه ليس وراء يادداشت غير الأوهام والظّنون يعني ليس وراءه مرتبة أخرى والمقصود من إظهار أمثال هذه الأحوال هو ترغيب طالبي هذه الطّريقة العليّة وإن لم يزد للمنكرين غير الإنكار شيئا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا . قال في المثنوىّ، (شعر): خاب الّذي قد يرى ذا القبح كالحسن . وفاز من كان فيه حدّة البصر النّيل كان دما للقبط ولبني . يعقوب ماء وذا من أعظم العبر والسّلام والإكرام. المكتوب الحادي والسّتّون إلى السّيّد محمود أيضا في التّحريض على صحبة الشّيخ الكامل المكمّل والإجتناب عن صحبة النّاقص وما يناسب ذلك رزقكم الله سبحانه الزّيادة في طلبه والإجتناب عن كلّ ما ينافي الوصول إلى المطلب بحرمة سيّد البشر المحرّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. قد شرّف مكتوبكم الشّريف بوصوله، ولمّا كان منبئا عن الطّلب والشّوق ومشعرا بوجود الهيام والظّمأ والذّوق، كان لدى النّظر مستحسنا جدّا فإنّ وجود الطّلب مبشّر بحصول المطلوب، وحصول الهيام مقدّمة الوصول إلى المقصود.

حصہ V01/P106–V01/P107

وقال أحد من الأعزّة: إن طلبت تعطى وإن لم تعط تزاد فينبغي أن يعدّ حصول دولة الطّلب نعمة عظمى، وأن يحترز من كلّ ما ينافيها لئلّا يتطرّق الفتور إليها من غير شعور وكيلا تؤثّر البرودة في تلك الحرارة. ومعظم أسباب المحافظة عليها هو القيام بشكر حصول تلك الدّولة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ودوام الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه حتّى لا يصرف وجه طلبه عن كعبة جماله اليزاليّ، فإن لم تتيسّر حقيقة الإلتجاء والتّضرّع ينبغي أن لا يقصر في صورة الإلتجاء والتّضرّع " فإن لم تبكوا فتباكوا " بيان لهذا المعنى، وهذه المحافظة إنّما هي إلى زمان الوصول إلى الشّيخ الكامل المكمّل ثمّ بعد الوصول إليه لا شيء عليه سوى تفويض جميع مراداته إليه وكونه كالميّت بين يدي الغسّال لديه. والفناء الأوّل هو الفناء في الشّيخ، ويكون هذا الفناء وسيلة الفناء في الله، (شعر): من أجل كونك في البداية أحولا . لا بدّ من شيخ يقودك أوّلا فإنّ طريق الإفادة والإستفادة مبنيّ على وجود المناسبة بين الطّرفين. والطّالب لا بدّ له أوّلا من برزخ ذي جهتين لكونه في الإبتداء في غاية الدّناءة ونهاية الخساسة وعدم مناسبته أصلا لجناب قدسه جلّ سلطانه من هذه الحيثيّة، وذلك البرزخ هو الشّيخ الكامل المكمّل. وأقوى أسباب وقوع الفتور على طلب الطّالب هو الإنابة إلى الشّيخ النّاقص، وهو الّذي جلس على مسند المشيخة بدون إتمام أمره بالسّلوك والجذبة، فصحبته سمّ قاتل للطّالب والإنابة إليه مرض مهلك. ومثل هذه الصّحبة تورث الإنحطاط والتّنزّل للاستعداد العالي، بل ترميه من الذّروة إلى الحضيض؛ ألا ترى أنّ المريض إذا أكل مثلا دواء من طبيب ناقص في الطّبّ فلا جرم يكون ذلك سعيا واجتهادا منه في زيادة مرضه وتضييع قابليّة إزالة مرضه، وهذا الدّواء وإن أورث تسكين الوجع وتخفيف ما في أوّل وهلة ولكن في الحقيقة هو عين المضرّة، فإن وصل هذا المريض فرضا إلى طبيب حاذق يجتهد هذا الطّبيب أوّلا في إزالة تأثير ذلك الدّواء ويعالجه بالمسهّلات يعني لإخراجه ثمّ يشرع في معالجة إزالة المرض بعد زوال ذلك التّأثير. ومدار طريق هؤلاء الأكابر على الصّحبة لا يحصل فيه شيء من القيل والقال والسّماع العاري عن الأحوال بل يورث ذلك فتورا في طلب التّرقّي إلى مدارج القرب والكمال، ويحتمل أن يقع السّير إلى جانب دهلى وأكره بعد أيّام فإن أوصلت نفسك هناك واستفدت بالمشافهة شيئا ثمّ رجعت بلا تأخير يكون حسنا. والزّيادة على ذلك تصديع. وأجوبة بقيّة الأسئلة أنّ الشّيخ ناجا صاحب المعارف والإبتهاج مغتنم في ذلك الطّرف فإنّه رجل محتشم وعظيم الشّأن جدّا ولكنّ استعدادك إلى طريقه قليلة جدّا، وحصول المطلوب من غير رابطة المناسبة متعسّر، والأمر مفوّض إليكم فإن كتبتم من أحوالكم شيئا في بعض الأحيان لنكتب من هذا الجانب في جوابه شيئا لكان مناسبا فإنّ تلك الحيثيّة تكون باعثة على تحريك سلسلة الإخلاص دائما. المكتوب الثّاني والسّتّون إلى جناب المرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّ الجذبة الّتي هي قبل السّلوك ليست من المقاصد بل هي وسيلة لقطع منازل السّلوك بالسّهولة والجذبة الّتي من المقاصد إنّما هي بعد السّلوك وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أنّ طريق الوصول مركّب من جزأين: جذبة وسلوك. وبعبارة أخرى تصفية وتزكية، والجذبة الّتي هي مقدّمة على السّلوك ليست من المقاصد، والتّصفية الّتي قبل التّزكية ليست من المطالب. والجذبة المقصودة والتّصفية المطلوبة إنّما هما الحاصلتان بعد تمام السّلوك، وحصول التّزكية الّتي. هي في السّير في الله. وفائدة الجذبة والتّصفية السّابقتين للسّلوك والتّزكية إنّما هي تسهيل مسالك السّلوك فإنّ الأمر لا يحصل بدون السّلوك، وجمال المطلوب لا يتجلّى من غير قطع المنازل. والجذبة الأولى كالصّورة للجذبة الثّانية لا مناسبة بينهما في الحقيقة يعني سوى هذا المراد باندراج النّهاية في البداية كما ورد ذلك في عبارات مشائخ هذه السّلسلة العليّة هو اندراج صورة النّهاية في البداية وإلّا فالبداية لا تسع حقيقة النّهاية ولا مناسبة بين النّهاية والبداية.

سوالات