Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
وأما حتى فهي للغاية باعتبار أصل الوضع بمنزلة إلى هو المعنى الخاص الذي لأجله وضعت الكلمة قال تعالى هي حتى مطلع الفجر وقال تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وقال تعالى حتى يأذن لي أبي وقال تعالى حتى يأتيك اليقين فمتى كان ما قبلها بحيث يحتمل الامتداد وما بعدها يصلح للانتهاء به كانت عاملة في حقيقة الغاية ولهذا قلنا إذا حلف أن يلازم غريمه حتى يقضيه ثم فارقه قبل أن يقضيه دينه حنث لأن الملازمة تحتمل الامتداد وقضاء الدين يصلح منهيا للملازمة وقال في الزيادات لو قال عبده حر إن لم أضربك حتى تشتكي يدي أو حتى الليل أو حتى تصبح أو حتى يشفع فلان ثم ترك ضربه قبل هذه الأشياء حنث لأن الضرب بطريق التكرار يحتمل الامتداد والمذكور بعد الكلمة صالح للانتهاء فيجعل غاية حقيقة وإذا أقلع عن الضرب قبل الغاية حنث إلا في موضع يغلب على الحقيقة عرف فيعتبر ذلك لأن الثابت بالعرف ظاهرا بمنزلة الحقيقة حتى لو قال إن لم أضربك حتى أقتلك أو حتى تموت فهذا على الضرب الشديد باعتبار العرف فإنه متى كان قصده القتل لا يذكر لفظ الضرب وإنما يذكر ذلك إذا لم يكن قصده القتل وجعل القتل غاية لبيان شدة الضرب عادة ولو قال حتى يغشى عليك أو حتى تبكي فهذا على حقيقة الغاية لأن الضرب إلى هذه الغاية معتاد وقد تستعمل الكلمة للعطف فإن بين العطف والغاية مناسبة بمعنى التعاقب ولكن مع وجود معنى الغاية فيها يقول الرجل جاءني القوم حتى زيد ورأيت القوم حتى زيدا فيكون للعطف مع اعتبار معنى الغاية لأنه يفهم بهذا أن زيدا أفضل القوم أو أرذلهم وقد يدخل بمعنى العطف على جملة فإن ذكر له خبرا فهو خبره وإلا فخبره من جنس ما سبق يقول الرجل مررت بالقوم حتى زيد غضبان وتقول أكلت السمكة حتى رأسها فهذا مما لم يذكر خبره وهو من جنس ما سبق على احتمال أن يكون هو الأكل أو غيره ولكنه إخبار بأن رأسها مأكول أيضا ولو قال حتى رأسها بالنصب كان هذا عطفا أي وأكلت رأسها أيضا ولكن باعتبار معنى الغاية ومثل هذا في الأفعال تكون للجزاء إذا كان ما قبلها يصلح سببا لذلك وما بعدها يصلح أن يكون جزاء فيكون بمعنى لام كي قال تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي لكيلا تكون فتنة وقال تعالى وزلزلوا حتى يقول الرسول والقراءة بالنصب تحتمل الغاية معناه إلى أن يقول الرسول فيكون قول الرسول نهاية من غير أن يكون بناء على ما سبق كما هو موجب الغاية أنه لا أثر له فيما جعل غاية له ويحتمل لكي يقول الرسول والقراءة بالرفع تكون بمعنى العطف أي ويقول الرسول وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك غدا حتى تغديني فعبدي حر فأتاه فلم يغده لا يحنث لأن الإتيان ليس بمستدام فلا يحتمل الكلمة بمعنى حقيقة الغاية وما بعده يصلح جزاء فيكون المعنى لكي تغديني فقد جعل شرط بره الإتيان على هذا القصد وقد وجد وكذلك لو قال إن لم تأتني حتى أغديك فأتاه ولم يغده لم يحنث وقد يستعار للعطف المحض كما أشرنا إليه في القراءة بالرفع ولكن هذا إذا كان المذكور بعده لا يصلح للجزاء فيعتبر مجرد المناسبة بين العطف والغاية في الإستعارة وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك حتى أتغدى عندك اليوم أو إن لم تأتني حتى تتغدى عندي اليوم فأتاه ثم لم يتغد عنده في ذلك اليوم حنث لأن الكلمة بمعنى العطف فإن الفعلين من واحد فلا يصلح الثاني أن يكون جزاء للأول فحمل على العطف المحض لتصحيح الكلام وشرط البر وجود الأمرين في اليوم فإذا لم يوجدا حنث ما يزيله فما يمضي من الأزمنة بعد صحة الدليل المثبت للحكم يكون الحكم فيه باقيا بذلك لدليل على احتمال أن يطرأ ما يزيله وقبل ظهور طريان ما يزيله يكون الحكم ثابتا بذلك الدليل بمنزلة النص العام فإنه موجب للحكم في كل ما يتناوله على احتمال قيام دليل الخصوص فما لم يقم دليل الخصوص كان الحكم ثابتا بالعام وكان الاحتجاج به على الخصم صحيحا فكذلك قول القائل فيما هو منتف لا دليل على إثباته أو فيما هو ثابت بدليله لا دليل على نفيه يكون احتجاجا بذلك الدليل وذلك الدليل حجة على خصمه فأما ما لا يستند إلى دليل فلا يبقى فيه إلا الاحتجاج بقوله لا دليل فذلك يكون حجة كما قلتم
وعلى هذا الأصل قال الصلح على الإنكار باطل لأن نفي المنكر دعوى المدعي يستند إلى دليل وهو المعلوم من براءة ذمته في الأصل أو اليد التي هي دليل لملك له في عين المدعي فيكون ذلك حجة له على خصمه في إبقاء ما ثبت عليه وبعد ما ظهرت براءة ذمته في حق المدعي بهذا الدليل يكون أخذه المال رشوة على الكف عن الدعوى ولا يكون ذلك اعتياضا عن حقه فيكون باطلا بخلاف ما إذا شهد بحرية عبد إنسان ثم اشتراه بعد ذلك فإن الشراء يكون صحيحا ويلزمه الثمن للبائع لأن نفي البائع حريته ودعواه بقاء الملك له مستند إلى دليل وهو الدليل المثبت للملك له في العبد فيكون ذلك حجة له على خصمه في إبقاء ملكه وباعتباره هو إنما يأخذ العضو على ملك له وباعتباره لا يثبت الاتفاق بينهما على فساد ذلك السبب فبهذا تعين فيه وجه الصحة ووجب الثمن على المشتري ثم يعتق عليه بعدما دخل في ملكه باعتبار زعمه وعلماؤنا رحمهم الله قالوا الدليل المثبت للحكم لا يكون موجبا بقاء الحكم بوجه من الوجوه ولكن بقاؤه بعد الوجود لاستغناء البقاء عن دليل لا لوجود الدليل المنفي فعرفنا أنه ليس للدليل الذي استند إليه الحكم عمل في البقاء أصلا وأن دعوى البقاء فيما عرف ثبوته بدليله محتمل كدعوى الإثبات فيما لا يعلم ثبوته بدليله فكما أن هناك يستوي المثبت والنافي في أن قول كل واحد منهما لا يكون حجة على خصمه بغير دليل فكذلك هنا وله فارق العام فإنه موجب للحكم في كل ما تناوله قطعا على احتمال قيام دليل الخصوص فما لم يظهر دليل الخصوص كان الحكم ثابتا بنص موجب له وهنا الدليل المثبت للحكم غير متعرض للأزمنة أصلا فلا يكون ثبوته في الأزمنة بعد قيام الدليل بدليل مثبت له ولهذا لا يكون قيام دليل النفي من دليل الخصوص في شيء بل يكون نسخا كما بيناه في باب النسخ يوضحه أنه لما لم يكن ذلك الدليل عاملا الآن في شيء صار قول المتمسك به لا دليل على ارتفاعه كلاما محتملا كما أن قول خصمه قام الدليل على ارتفاعه كلام محتمل فتتحقق المعارضة بينهما على وجه لا يكون زعم أحدهما حجة على الآخر ما لم يرجح قوله بدليل وعلى هذا الأصل قلنا في الصلح على الإنكار إنه جائز لأن الدليل المثبت لبراءة ذمة المنكر أو للملك له فيما في يده غير متعرض للبقاء أصلا فكان دعوى المدعي أن المدعي حقي وملكي خبرا محتملا وإنكار المدعى عليه لذلك خبر محتمل أيضا فكما لا يكون خبر المدعي حجة على المدعى عليه في إلزام التسليم إليه لكونه محتملا فكذلك خبر المدعي عليه لا يكون حجة على المدعي في فساد الاعتياض عنه بطريق الصلح ولهذا لو صالحه أجنبي على مال جاز بالاتفاق ولو ثبت براءة ذمته في حق المدعي بدليل كما ذكره الخصم لم يجز صلحه مع الأجنبي كما لو أقر أنه مبطل في دعواه ثم صالح مع أجنبي والدليل عليه فصل الشهادة بعتق العبد على مولاه فإن الشاهد إذا اشتراه صح الشراء ولزمه الثمن لهذا المعنى وهو أن ما أخبر به الشاهد لكونه محتملا لم يصر حجة على مولى العبد حتى جاز له الاعتياض عنه بالبيع من غيره فيجوز له الاعتياض عنه بالبيع من الشاهد وإن كان زعمه معتبرا في حقه حتى إنه يعتق كما اشتراه لا من جهته حتى لا يكون ولاؤه له وما كان ذلك إلا بالطريق الذي قلنا فإن الدليل الموجب للملك للمولى لا يكون دليل بقاء ملكه بل بقاء الملك بعد ثبوته لاستغنائه عن الدليل المنفي
وعلى هذا الأصل قلنا مجهول الحال يكون حرا باعتبار الظاهر ولكن لو جنى عليه جناية فزعم الجانى أنه رقيق لا يلزمه أرش الجناية على الأحرار حتى يقوم البينة على حريته لأن ثبوت الحرية للحال ليس بدليل موجب لذلك بل باعتبار أصل الحرية لأولاد آدم وذلك لا يوجب البقاء فكان دعواه الحرية لنفسه في الحال محتملا ودعوى الغير الرق عليه محتمل فبالمحتمل لا يثبت الرق فيه لغيره ويجعل القول قوله في الحرية وبالمحتمل لا يثبت دعوى استحقاق أرش الأحرار بسبب الجناية عليه غيره حتى يقيم البينة على حريته لأن قبل إقامة البينة ليس معه إلا الإحتجاج بلا دليل وذلك دافع عنه ولا يكون حجة له على غيره وعلى هذا لو قذف إنسانا ثم زعم أنه عبد وقال المقذوف بل هو حر فإنه لا يقام حد الأحرار عليه حتى تقوم البينة للمقذوف على حريته وكذلك لو قطع يد إنسان ثم زعم أنه عبد وأنه لا قصاص عليه وكذلك لو شهد في حادثه ثم زعم المشهود عليه أنه عبد فإن شهادته لا تكون حجة حتى تقوم البينة على حريته والشافعي رحمه الله يخالفنا في جميع ذلك للأصل الذى وعلى هذا لو اشترى شقصا من دار فطلب الشفيع الشفعة وقال المشترى ما في يدك مما تدعى به الشفعة ليس بملك لك بل هي ملكه فإنه يكون القول قول مدعى الشفعة في دفع دعوى المشترى عما في يده ويكون القول قول المشترى في إنكاره حق الشفعة له حتى إن الشفيع ما لم يقم البينة على أن العين الذى في يده ملكه لا يستحق الشفعة عندنا لأن خبر كل واحد منهما محتمل فلا يكون حجة على خصمه في استحقاق ما في يده وعند الشافعي ملك الشفيع فيما في يده ثابت باعتبار أن قوله مستند إلى دليل مثبت فيستحق به الشفعة ونظير ما قاله علماؤنا قول المولى لعبده إن لم أدخل اليوم الدار فأنت حر ثم قال المولى بعد مضى اليوم قد دخلت وقال العبد لم تدخل فإن القول قول المولى حتى لا يعتق العبد ومعلوم أن قول العبد مستند إلى دليل من حيث الظاهر وهو أن الأصل عدم الدخول ولكن لما كان قوله في الحال محتملا وقول المولى كذلك لم يثبت استحقاقه على المولى بما هو محتمل وكذلك المفقود فإنه لا يرث أحدا من أقاربه إذا مات قبل أن يظهر حاله ومعلوم أن بقاءه حيا مستند إلى دليل وهو ما علم من حياته ولكن لما لم يكن ذلك دليلا للبقاء اعتبر في الحال الإحتمال فقيل لا يرثه أحد لإحتمال بقائه حيا ولا يرث أحدا لإحتمال أنه ميت فإن قيل عندى إذا استند قوله إلى دليل إنما يقبل قوله على خصمه في إبقاء ما هو مقصود له ففى مسألة العتق لا مقصود للعبد في نفى دخول المولى الدار وإنما مقصوده في العتق ودعواه العتق ليس بمستند إلى دليل مثبت له وكذلك دعوى من يدعى حياة المفقود بعد ما مات قريب له ليس بمقصود للمدعى حتى يعتبر فيه الإستناد إلى دليله فأما دعوى المنكر براءة ذمته أو كون ما في يده ملكا له مقصود له وهو يستند إلى دليل كما بينا وكذلك دعوى مجهول الحال الحرية لنفسه مقصود له ودعوى الشفيع الملك لنفسه فيما في يده مقصود له فإذا كان هذا مستندا إلى دليله وهو مقصود له كان حجة له على خصمه قلنا لا فرق فإن دعوى المنكر فساد الصلح غير مقصود له ولكن يترتب عليه ما هو المقصود له وهو سقوط المطالبة عنه بستليم ما التزمه بالصلح كما أن دعوى العبد أن المولى لم يدخل الدار غير مقصود له ولكن يترتب عليه ما هو مقصود له وهو عتقه باعتبار وجود الشرط ثم هناك لكون ما أخبر به محتملا لم يجعل حجة على خصمه ولا يعتبر استناده فصل
ومن الإحتجاج بلا دليل الإستدلال باستصحاب الحال وذلك نحو ما يقول بعض أصحابنا في حكم الزكاة في مال الصبي إن الأصل عدم الوجوب فيستصحبه حتى يقوم دليل الوجوب وفي الإستئناف أن وجوب الحقتين في مائة وعشرين ثابت بالنص والإجماع فيجب استصحابه حتى يقوم الدليل المغير وهذا النوع من التعليل باطل فإن ثبوت العدم وإن كان بدليل معدم فذلك لا يوجب بقاء العدم كما أن الدليل الموجد للشيء لا يكون دليل بقائه موجودا فكذلك الدليل المثبت للحكم لا يكون دليل بقائه ثابتا ألا ترى أن عدم الشراء لا يمنع وجود الشراء في المستقبل والشراء الموجب للملك لا يمنع انعدام الملك بدليله في المستقبل ولكن البقاء بعد الوجود لاستغنائه عن الدليل لا لأن الدليل المثبت له موجب لبقائه كما أن ثبوت الحياة بسببه لا يكون دليل بقاء الحياة يوضحه أن بعد ثبوت حكم هو نفي إيجاده يستدعي دليلا فمن ادعى وجوده احتاج إلى إثباته على خصمه بدليل وكذلك من ادعى بقاءه منفيا فهو محتاج إلى إثباته بدليله على الخصم إذ الدليل الأول غير موجب لذلك فليس أحدهما بالاحتجاج على صاحبه لعدم قيام الدليل بأولى من الآخر وما كان البقاء فيما يحتمل البقاء بعد الوجود إلا نظير الوجود في الأعراض التي لا تبقى وقتين فإن وجود شيء منه بدليل لا يكون دليل وجود مثله في الوقت الثاني وبيان هذا في البعير الزائد على المائة والعشرين فإن عند الخصم ينتهي به عفو الحقتين فيتم به نصاب ثلاث بنات لبون وعندنا هو ابتداء العفو لنصاب آخر وليس في إيجاب الحقتين في مائة وعشرين ما يدل على واحد من الأمرين فكان الاحتجاج به لإيجاب الحقتين بعد هذه الزيادة عند كمال الحول يكون احتجاجا بلا دليل ثم استصحاب الحال ينقسم أربعة أقسام أحدها استصحاب حكم الحال مع العلم يقينا بانعدام الدليل المغير وذلك بطريق الخبر عمن ينزل عليه الوحي أو بطريق الحس فيما يعرف به وهذا صحيح قد علمنا الاستدلال به في قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية وهذا لأنه لما علم يقينا بانعدام الدليل المغير وقد كان الحكم ثابتا بدليله وبقاؤه يستغني عن الدليل فقد علم بقاؤه ضرورة والثاني استصحاب حكم الحال بعد دليل مغير ثابت بطريق النظر والاجتهاد بقدر الوسع وهذا يصلح لإبلاء العذر وللدفع ولا يصلح للاحتجاج به على غيره لأن المتأمل وإن بالغ في النظر فالخصم يقول قام الدليل عندي بخلافه وبالتأمل والاجتهاد لا يبلغ المرء درجة يعلم بها يقينا أنه لم يخف عليه شيء من الأدلة بل يبقى له احتمال اشتباه بعض الأدلة عليه وما كان في نفسه محتملا عنده لا يمكنه أن يحتج به على غيره والثالث استصحاب حكم الحال قبل التأمل والاجتهاد في طلب الدليل المغير وهذا جهل لأن قبل الطلب لا يحصل له شيء من العلم بانتفاء الدليل المغير ظاهرا ولا باطنا ولكنه يجهل ذلك بتقصير منه في الطلب وجهله لا يكون حجة على غيره ولا عذرا في حقه أيضا إذا كان متمكنا من الطلب إلا أن لا يكون متمكنا منه وعلى هذا قلنا إذا أسلم الذمي في دار الإسلام ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى عليه زمان فعليه قضاء ما ترك بخلاف الحربي إذا أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان وعلى هذا قلنا من لم يجتهد بعد الاشتباه في أمر القبلة حتى صلى إلى جهة فإنه لا تجزيه صلاته ما لم يعلم أنه أصاب بخلاف ما إذا اجتهد وصلى إلى جهة فإنه تجزيه صلاته وإن تبين أنه أخطأ
والنوع الرابع استصحاب الحال ( لإثبات الحكم ابتداء وهذا خطأ محض وهو ضلال محض ممن يتعمده لأن استصحاب الحال ) كاسمه وهو التمسك بالحكم الذي كان ثابتا إلى أن يقوم الدليل المزيل وفي إثبات الحكم ابتداء لا يوجد هذا المعنى ولا عمل لاستصحاب الحال فيه صورة ولا معنى وقد بينا في مسألة المفقود أن الحياة المعلومة باستصحاب الحال يكون حجة في إبقاء ملكه في ماله على ما كان ولا يكون حجة في إثبات الملك له ابتداء في مال قريبه إذا مات وبعض أصحاب الشافعي يجعلونه حجة في ذلك لا باعتبار أنهم يجوزون إثبات الحكم ابتداء باستصحاب الحال بل باعتبار أنه يبقى للوارث الملك الذي كان للمورث فإن الوراثة خلافة وقد بينا أن عنده استصحاب الحال فيما يرجع إلى الإبقاء حجة على الغير ولكنا نقول هذا البقاء في حق المورث فأما في حق الوارث فصفة المالكية تثبت له ابتداء واستصحاب الحال لا يكون حجة فيه بوجه وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا ادعى عينا في يد إنسان أنه له ميراث من أبيه وأقام الشاهدين فشهدا أن هذا كان لأبيه لم تقبل هذه الشهادة وفي قول أبي يوسف الآخر تقبل لأن الوراثة خلافة فإنما يبقى للوارث الملك الذي كان للمورث ولهذا يرد بالعيب ويصير مغرورا فيما اشتراه المورث وما ثبت فهو باق لاستغناء البقاء عن دليل وهما يقولان في حق الوارث هذا في معنى ابتداء التملك لأن صفة المالكية تثبت له في هذا المال بعد أن لم يكن مالكا وإنما يكون البقاء في حق المورث أن لو حضر بنفسه يدعي أن العين ملكه فلا جرم إذا شهد الشاهدان أنه كان له كانت شهادة مقبولة كما إذا شهدا أنه له فأما إذا كان المدعي هو الوارث وصفة المالكية للوارث تثبت ابتداء بعد موت المورث فهذه الشهادة لا تكون حجة للقضاء بالملك له لأن طريق القضاء بها استصحاب الحال وذلك غير صحيح فصل ومن هذه الجملة الاستدلال بتعارض الأشباه وذلك نحو احتجاج زفر رحمه الله في أنه لا يجب غسل المرافق في الوضوء لأن من الغايات ما يدخل ومنها ما لا يدخل فمع الشك لا تثبت فرضية الغسل فيما هو غاية بالنص لأن هذا في الحقيقة احتجاج بلا دليل لإثبات حكم فإن الشك الذي يدعيه أمر حادث فلا يثبت حدوثه إلا بدليل فإن قال دليله تعارض الأشباه قلنا وتعارض الأشباه أيضا حادث فلا يثبت إلا بالدليل فإن قال الدليل عليه ما أعده من الغايات مما يدخل بالإجماع وما لا يدخل بالإجماع قلنا وهل تعلم أن هذا المتنازع فيه من أحد النوعين بدليل فإن قال أعلم ذلك قلنا فإذن عليك أن لا تشك فيه بل تلحقه بما هو من نوعه بدليله وإن قال لا أعلم ذلك قلنا قد اعترفت بالجهل فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن تقصير منك في طلبه وذلك لا يكون حجة أصلا وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين فعرفنا أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل فصل ومن هذه الجملة الاحتجاج بالاطراد على صحة العلة إما وجودا أو وجودا وعدما فإنه احتجاج بلا دليل في الحقيقة ومن حيث الظاهر هو احتجاج بكثرة أداء الشهادة وقد بينا أن كثرة أداء الشهادة وتكرارها من الشاهد لا يكون دليل صحة شهادته
ثم الاطراد عبارة عن سلامة الوصف عن النقوض والعوارض والناظر وإن بالغ في الاجتهاد بالعرض على الأصول المعلومة عنده فالخصم لا يعجز من أن يقول عندي أصل آخر هو مناقض لهذا الوصف أو معارض فجهلك به لا يكون حجة لك علي فتبين من هذا الوجه أنه احتجاج بلا دليل ولكنه فوق ما تقدم في الاحتجاج به من حيث الظاهر لأن من حيث الظاهر الوصف صالح ويحتمل أن يكون حجة للحكم إذا ظهر أثره عند التأمل ولكن لكونه في الحقيقة استدلالا على صحته بعدم النقوض والعوارض لم يصلح أن يكون حجة لإثبات الحكم فإن قيل أليس أن النصوص بعد ثبوتها يجب العمل بها واحتمال ورود الناسخ لا يمكن شبهة في الاحتجاج بها قبل أن يظهر الناسخ فكذلك ما تقدم قلنا أما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا احتمال للنسخ في كل نص كان حكمه ثابتا عند وفاته فأما في حال حياته فهكذا نقول إن الاحتجاج به لإثبات الحكم ابتداء صحيح فأما لإبقاء الحكم أو لنفي الناسخ لا يكون صحيحا لأن احتمال بقاء الحكم واحتمال قيام دليل النسخ فيه كان بصفة واحدة وقد قررنا هذا في باب النسخ ثم الطرديات الفاسدة أنواع منها ما لا يشكل فساده على أحد ومنها ما يكون ( بزيادة وصف في الأصل به يقع الفرق ومنها ما يكون ) بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا ومنها ما يكون استدلالا بالنفي والعدم وبيان النوع الأول فيما علل به بعض أصحاب الشافعي لكون قراءة الفاتحة ركنا في الصلاة لأنها عبادة ذات أركان لها تحليل وتحريم فكان من أركان ما له عدد السبع كالحج في حق الطواف وربما يقولون الثلاث أحد عددي مدة المسح فلا يتأدى به فرض القراءة في الصلاة كالواحد وما دون الثلاث قاصر عن السبع فلا يتأدى به فرض القراءة كما دون الآية ونحو ما يحكى عن بعضهم في أن الرجعة لا تحصل بالفعل لأن الوطء فعل ينطلق مرة ويتعلق أخرى فلا تثبت به الرجعة كالقتل ونحو ما يحكى عن بعض أصحابنا في الوضوء بغير النية أن هذا حكم متعلق بأعضاء الطهارة فلا تشترط النية في إقامته كالقطع في السرقة والقصاص هذا النوع مما لا يخفى فساده على أحد ولم ينقل من هذا الجنس شيء عن السلف إنما أحدثه بعض الجهال ممن كان بعيدا من طريق الفقهاء فأما علل السلف ما كانت تخلو عن الملاءمة أو التأثير ولهذا كان الواحد منهم يتأمل مدة فلا يقف في حادثة إلا على قياس أو قياسين والواحد من المتأخرين ربما يتمكن في مجلس واحد من أن يذكر في حادثة خمسين علة من هذا النحو أو أكثر ولا مشابهة بين غسل الأعضاء في الطهارة وبين القطع في السرقة ولا بين مدة المسح والقراءة في الصلاة ولا بين الطواف بالبيت وقراءة الفاتحة فعرفنا أن هذا النوع مما لا يخفى فساده وأما ما يكون بزيادة وصف فنحو تعليل بعض أصحاب الشافعي في مس الذكر إنه حدث لأنه مس الفرج فينتقض الوضوء به كما لو مسه عند البول فإن هذا القياس لا يستقيم إلا بزيادة وصف في الأصل وبذلك الوصف يثبت الفرق بين الفرع والأصل ويثبت الحكم به في الأصل وكذلك قولهم في إعتاق المكاتب عن الكفارة إنه تكفير بتحرير المكاتب فلا يجوز كما لو أدى بعض بدل الكتابة ثم أعتقه لأن استقامة هذا القياس بزيادة وصف في الأصل به يقع الفرق وهو أن المستوفى من البدل يكون عوضا والتكفير لا يجوز بالإعتاق بعوض ونحو ما علل بعضهم في شراء الأب بنية الكفارة إنه تكفير بتحرير أبيه فلا يجوز كما لو كان حلف بعتقه إن ملكه فإن استقامة هذا التعليل بزيادة وصف به يقع الفرق من حيث إن المحلوف بعتقه إذا عتق عند وجود الشرط لا يصير مكفرا به وإن نواه عند ذلك أبا كان أو أجنبيا والنوع الثالث نحو ما يعلل به بعض أصحاب الشافعي في أن الأخ لا يعتق على أخيه إذا ملكه
قال عتق الأخ تتأدى به الكفارة فلا يثبت بمجرد الملك كعتق ابن العم وهذا تعليل بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا فإن عندنا عتق القريب وإن كان مستحقا عند وجود الملك تتأدى به الكفارة حتى قلنا إذا اشترى أباه بنية الكفارة يجوز خلافا للشافعي رحمه الله ونحو ما علل به بعضهم في الكتاب الحالة أنها لا تمنع جواز التكفير بتحريره فتكون فاسدة كالكتابة على القيمة فإن هذا تعليل بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا لأن التكفير بإعتاق المكاتب كتابة صحيحة جائزة عندنا وربما يكون هذا الاختلاف في الأصل نحو ما يعلل به بعض أصحاب الشافعي في الإفطار بالأكل والشرب إنه إفطار بالمطعوم فلا يوجب الكفارة كما لو كان في يوم أبصر الهلال وحده ورد الإمام شهادته وأما النوع الرابع فنحو تعليل الشافعي في النكاح إنه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنه ليس بمال وفي الأخ لا يعتق على أخيه لأنه ليس بينهما بعضية وفي المبتوتة إنه لا يلحقها الطلاق لأنه ليس بينهما نكاح وفي إسلام المروي بالمروي إنه يجوز لأنه لم يجمع البدلين الطعم والثمنية وهذا فاسد لأنه استدلال بعدم وصف والعدم لا يصلح أن يكون موجبا حكما وقد بينا أن العدم الثابت بدليل لا يكون بقاؤه ثابتا بدليل فكيف يستدل به لإثبات حكم آخر فإن قيل مثل هذا التعليل كثير في كتبكم قال محمد رحمه الله ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف لأنه ليس بمال والزوائد لا تضمن بالغصب لأنه لم يغصب الولد وقال أبو حنيفة رحمه الله العقار لا يضمن بالغصب لأنه لم ينقله ولم يحوله وقال فيما لا يجب فيه الخمس لأنه لم يوجف عليه المسلمون وقال في تناول الحصاة لا تجب الكفارة لأنه ليس بمطعوم وقال في الجد لا يؤدي صدقة الفطر عن النافلة لأنه ليس عليه ذلك فهذا استدلال بعدم وصف أو حكم قلنا أولا هذا عندنا غير مذكور على وجه المقايسة بل على وجه الاستدلال فيما كان سببه واحدا معينا بالإجماع نحو الغصب فإن ضمان الغصب سببه واحد عين وهو الغصب فالاستدلال بانتفاء الغصب على انتفاء الضمان يكون استدلالا بالإجماع وكذلك وجوب ضمان المال بسبب يستدعي المماثلة بالنص وله سبب واحد عين وهو إتلاف المال فيستقيم الاستدلال بانتفاء المالية في المحل على انتفاء هذا النوع من الضمان وكذلك إذا كان دليل الحكم معلوما في الشرع بالإجماع نحو الخمس فإنه واجب في الغنيمة لا غير وطريق الاغتنام الايجاف عليه بالخيل والركاب فالاستدلال به لنفي الخمس يكون استدلالا صحيحا وقد بينا أنه إبلاء العذر في بعض المواضع لا الاحتجاج به على الخصم فأما تعليل النكاح بأنه ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال يكون تعليلا بعدم الوصف وعدم الوصف لا يعدم الحكم لجواز أن يكون الحكم ثابتا باعتبار وصف آخر لأنه وإن لم يكن مالا فهو من جنس ما يثبت مع الشبهات والأصل المتفق عليه الحدود والقصاص وبهذا الوصف لا يصير النكاح بمنزلة الحدود والقصاص حتى يثبت مع الشبهات بخلاف الحدود والقصاص فعرفنا أن بعدم هذا الوصف لا ينعدم وصف آخر يصلح التعليل به لإثباته بشهادة النساء مع الرجال وكذلك ما علل به من أخوات هذا الفصل فهو يخرج على هذا الحرف إذا تأملت فصل ومن هذا النوع الاحتجاج بأن الأوصاف محصورة عند القائسين فإذا قامت الدلالة على فساد سائر الأوصاف إلا وصفا واحدا تثبت به صحة ذلك الوصف ويكون حجة هذا طريق بعض أصحاب الطرد وقد جوز الجصاص رحمه الله تصحيح الوصف للعلة بهذا الطريق
قال الشيخ رحمه الله وقد كان بعض أصدقائي عظيم الجد في تصحيح هذا الكلام بعلة أن الأوصاف لما كانت محصورة وجميعها ليست بعلة للحكم بل العلة وصف منها فإذا قام الدليل على فساد سائر الأوصاف سوى واحد منها ثبت صحة ذلك الوصف بدليل الإجماع كأصل الحكم فإن العلماء إذا اختلفوا في حكم حادثة على أقاويل فإذا ثبت بالدليل فساد سائر الأقاويل إلا واحدا ثبت صحة ذلك القول وذلك نحو اختلاف العلماء في جارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه فإنا إذا أفسدنا قول من يقول بالرجوع إلى قول القائف وقول من يقول بالقرعة وقول من يقول بالتوقف إنه لا يثبت النسب من واحد منهما يثبت به صحة قول من يقول بأنه يثبت النسب منهما جميعا وإذا قال لنسائه الأربعة إحداكن طالق ثلاثا ووطىء ثلاثا منهن حتى يكون ذلك دليلا على انتفاء المحرمة عنهن تعين بها الرابعة محرمة فكان تقرب هذا من الأدلة العقلية قال الشيخ وعندي أن هذا غلط لا نجوز القول به وهو مع ذلك نوع من الاحتجاج بالدليل أما بيان الغلط فيه وهو أن ما يجعله هذا القائل دليل صحة علته هو الدليل على فساده لأنه لا يمكنه سلوك هذا الطريق إلا بعد قوله بالمساواة بين الأوصاف في أن كل وصف منها صالح أن يكون علة للحكم وبعد ثبوت هذه المساواة فالدليل الذي يدل على فساد بعضها هو الدليل على فساد ما بقي منها لأنه متى علم المساواة بين شيئين في الحكم ثم ظهر لأحدهما حكم بالدليل فذلك الدليل يوجب مثل ذلك الحكم في الآخر كمن يقول لغيره اجعل زيدا وعمرا في العطية سواء ثم يقول أعط زيدا درهما يكون ذلك تنصيصا على أنه يعطي عمرا أيضا درهما فعرفنا أنه لا وجه للتحرز عن هذا الفساد إلا ببيان تفاوت بين هذا الوصف وبين سائر الأوصاف في كونه علة للحكم وذلك التفاوت لا يتبين إلا ببيان التأثير أو الملاءمة فيضطر إلى بيانه شاء أو أبى ثم وإن قام الدليل على فساد سائر الأوصاف على وجه لا عمل لذلك الدليل في إفساد هذا الوصف الواحد فنحن نتيقن أن ذلك الدليل كما لا يوجب فساد هذا الوصف لا يوجب صحته فلا يبقى على تصحيح هذا الوصف دليلا سوى أنه لم يقم الدليل على فساده ولو جاز إثبات الوصف موجبا للحكم بهذا الطريق لجاز إثبات الحكم بدون هذا الوصف بهذا الطريق وهو أن يقول حكم الحادثة كذا لأنه لم يقم الدليل على فساد هذا الحكم وما قاله من الاستدلال بالحكم فهو وهم لأن بإفساد مذهب الخصم لا يثبت صحة مذهب المدعي للحكم بوجه من الوجوه وكيف يثبت ذلك والمبطل دافع والمدعي للحكم مثبت وحجة الدفع غير حجة الإثبات ثم الدليل على أن بقيام دليل الفساد في سائر الأوصاف لا تثبت صحة الوصف الذي ادعاه المعلل في الشرعيات أن من أحكام الشرع ما هو غير معلول أصلا بل الحكم فيه ثابت بالنص فبقيام الدليل على فساد سائر الأوصاف لا ينعدم احتمال قيام الدليل على فساد هذا الوصف حقيقة ولا حكما من هذا الوجه لجواز أن يكون هذا النص غير معلول أصلا وبه فارق العقليات ثم احتمال الصحة والفساد في هذا الوصف بالإجماع كان مانعا من جعله حجة لإثبات الحكم قبل قيام الدليل على فساد سائر الأوصاف فكذلك بعده لأن احتمال تعينه قائم باب وجوه الاعتراض على العلل قال رضي الله عنه العلل نوعان طردية ومؤثرة والاعتراض على كل نوع من وجهين فاسد وصحيح فالاعتراضات الفاسدة على العلل المؤثرة أربعة المناقضة وفساد الوضع ووجود الحكم مع عدم العلة والمفارقة بين الأصل والفرع والصحيحة أربعة الممانعة ثم القلب المبطل ثم العكس الكاسر ثم المعارضة بعلة أخرى فأما المناقضة فإنها لا ترد على العلل المؤثرة لأن التأثير لا يتبين إلا بدليل الكتاب أو السنة أو الإجماع
وهذه الأدلة لا تتناقض فإن أحكام الشرع عليها تدور ولا تناقض في أحكام الشرع وقد بينا أنه لا توجد العلة بدون الحكم على الوجه الذي ظهر أثرها في الحكم بل لا بد أن ينعدم الحكم لتغير وصف بنقصان أو زيادة وبه تتبدل العلة فتنعدم العلة المؤثرة التي أثبت المعلل الحكم بها وانعدام الحكم عند انعدام العلة لا يكون دليل انتقاض العلة وهو نظير الشاهد فإنه مع استجماع شرائط الأداء إذا ترك لفظة الشهادة أو زاد عليها فقال فيما أعلم فإنه لا يجوز العمل بشهادته وكان ذلك باعتبار انعدام العلة الموجبة للعمل بشهادته معنى وبيان هذا أنا إذا عللنا في تكرار المسح بالرأس أنه مسح مشروع في الطهارة فلا يستن تثليثه كالمسح بالخف لا يدخل الاستنجاء بالأحجار نقضا لأن المسح هناك غير مشروع في الطهارة إنما المشروع إزالة النجاسة العينية حتى لو تصور خروج الحدث من غير أن يتنجس شيء مما هو طاهر لم يجب المسح أصلا وإزالة النجاسة غير المسح وهو لا يحصل بالمرة إلا نادرا فعرفنا أن انعدام الحكم لانعدام العلة وأما فساد الوضع فهو اعتراض فاسد على العلة المؤثرة لأنه دعوى لا يمكن تصحيحها فإن تأثير العلة إنما يثبت بدليل موجب للحكم كما بينا ومعلوم أنه لا يجوز دعوى فساد الوضع في الكتاب والسنة والإجماع وأما وجود الحكم مع عدم العلة فإن الحكم يجوز أن يكون ثابتا بعلة أخرى لأن ثبوته بعلة لا ينافي كونه ثابتا بعلة أخرى ألا ترى أن الحكم يجوز أن يثبت بشهادة الشاهدين ويجوز أن يثبت بشهادة أربعة حتى إذا رجع اثنان قبل القضاء يبقى القضاء واجبا بشهادة الباقيين وكذلك يجوز أن يكون الأصل معلولا بعلتين يتعدى الحكم بإحداهما إلى فروع وبالأخرى إلى فروع أخر فلا يكون انعدام العلة مع بقاء الحكم في موضع ثابتا بالعلة الأخرى دليل فساد العلة فأما المفارقة فمن الناس من ظن أنها مفاقهة ولعمري المفارقة مفاقهة ولكن في غير هذا الموضع فأما على وجه الاعتراض على العلل المؤثرة تكون مجادلة لا فائدة فيها في موضع النزاع وبيان هذا من وجوه ثلاثة أحدها أن شرط صحة القياس لتعدية الحكم إلى الفروع تعليل الأصل ببعض أوصافه لا بجميع أوصافه وقد بينا أنه متى كان التعليل بجميع أوصاف الأصل لا يكون مقايسة فبيان المفارقة بين الأصل والفرع بذكر وصف آخر لا يوجد ذلك في الفرع ويرجع إلى بيان صحة المقايسة فأما أن يكون ذلك اعتراضا على العلة فلا ثم ذكر وصف آخر في الأصل يكون ابتداء دعوى والسائل جاهل مسترشد في موقف المنكر إلى أن تتبين له الحجة لا في موضع الدعوى وإن اشتغل بإثبات دعواه فذلك لا يكون سعيا في إثبات الحكم المقصود وإنما يكون سعيا في إثبات الحكم في الأصل وهو مفروغ عنه ولا يتصل ما يثبته بالفرع إلا من حيث إنه ينعدم ذلك المعنى في الفرع وبالعدم لا يثبت الاتصال وقد بينا أن العدم لا يصلح أن يكون موجبا شيئا فكان هذا منه اشتغالا بما لا فائدة فيه والثالث ما بينا أن الحكم في الأصل يجوز أن يكون معلولا بعلتين ثم يتعدى الحكم إلى بعض الفروع بإحدى العلتين دون الأخرى فبان انعدام في الفرع الوصف الذي يروم به السائل الفرق وإن سلم له أنه علة لإثبات الحكم في الأصل فذلك لا يمنع المجيب من أن يعدي حكم الأصل إلى الفرع بالوصف الذي يدعيه أنه علة للحكم وما لا يكون قدحا في كلام المجيب فاشتغال السائل به يكون اشتغالا بما لا يفيد وإنما المفاقهة في الممانعة حتى يبين المجيب تأثير علته فالفقه حكمة باطنة وما يكون مؤثرا في إثبات الحكم شرعا فهو الحكمة الباطنة والمطالبة به تكون مفاقهة فأما الإعراض عنه والاشتغال بالفرق يكون قبولا لما فيه احتمال أن لا يكون حجة لإثبات الحكم واشتغالا بإثبات الحكم بما ليس بحجة أصلا في موضع النزاع وهو عدم العلة فتبين أن هذا ليس من المفاقهة في شيء والله أعلم فصل الممانعة
قال رضي الله عنه اعلم بأن الممانعة أصل الاعتراض على العلة المؤثرة من حيث إن الخصم المجيب يدعي أن حكم الحادثة ما أجاب به فإذا لم يسلم له ذلك يذكر وصفا يدعي أنه علة موجبة للحكم في الأصل المجمع عليه وأن هذا الفرع نظير ذلك الأصل فيتعدى ذلك الحكم بهذا الوصف إلى الفرع وفي هذا الحكم دعويان فهو أظهر في الدعوى من الأول أي حكم الحادثة وإن كانت المناظرة لا تتحقق إلا بمنع دعوى السابق عرفنا أنها لا تتحقق إلا بمنع هذه الدعاوى أيضا فيكون هو محتاجا إلى إثبات دعاويه بالحجة والسائل منكر فليس عليه سوى المطالبة لإقامة الحجة بمنزلة المنكر في باب الدعاوى والخصومات وإليه أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم حيث قال للمدعي ( ألك بينة ) وبالممانعة يتبين العوار ويظهر المدعي من المنكر والملزم من الدافع بعدما ثبت شرعا أن حجة أحدهما غير حجة الآخر ثم الممانعة على أربعة أوجه ممانعة في نفس العلة وممانعة في الوصف الذي يذكر المعلل أنه علة وممانعة في شرط صحة العلة أنه موجود في ذلك الوصف وممانعة في المعنى الذي به صار ذلك الوصف علة للحكم أما الممانعة في نفس العلة فكما بينا أن كثيرا من العلل إذا تأملت فيها تكون احتجاجا بلا دليل وذلك لا يكون حجة على الخصم لإثبات الحكم وبيان هذا فيما علل به الشافعي رحمه الله في النكاح أنه ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحدود والقصاص وهذا النوع لا يصلح حجة لإيجاب الحكم عندنا على ما بينا فترك الممانعة فيه تكون قبولا من الخصم ما لا يكون حجة أصلا وذلك دليل الجهل فكانت الممانعة في هذا الموضع دليل المفاقهة وأما ممانعة الوصف الذي هو العلة فبيانه فيما علل به أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما أن الإيداع من الصبي تسليط على الاستهلاك فإن مثل هذا الوصف لا بد أن يكون ممنوعا عند الخصم لأن بعد ثبوته لا يبقى للمنازعة في الحكم معنى ونحو ما علل به أبو حنيفة فيمن اشترى قريبه مع غيره أن الأجنبي رضي بالذي وقع العتق به بعينه ونحو ما علل به علماؤنا في صوم يوم النحر أنه مشروع لأنه منهي عنه والنهي يدل على تحقق المشروع ليتحقق الانتهاء عنه كما هو موجب النهي فإن عند الخصم مطلق النهي بمنزلة النسخ حتى ينعدم به المشروع أصلا فلا بد من هذه الممانعة لمن يريد الكلام في المسألة على سبيل المفاقهة وأما الممانعة في الشرط الذي لا بد منه ليصير الوصف علة بيانه فيما ذكرنا أن من الأوصاف ما يكون مغيرا حكم الأصل ومن شرط صحة العلة أن لا يكون مغيرا حكم النص وذلك نحو تعليل الأشياء الأربعة بالطعم فإنه يغير حكم النص لأن الحكم في نصوص الربا حرمة الفضل على القدر وثبوت الحرمة إلى غاية وهو المساواة والتعليل بالطعم يثبت في المنصوص حرمة فضل لا على القدر وحرمة مطلقة لا إلى غاية المساواة يعني في الحفنة من الحنطة وفيما لا يدخل تحت القدر من المطعومات التي هي فرع في هذا الحكم فلا بد من هذه الممانعة لأن الحكم لا يثبت بوجود ركن الشيء مع انعدام شرطه وأما الممانعة في المعنى الذي يكون به الوصف علة موجبة للحكم شرعا فهو المطالبة ببيان التأثير لما بينا أن العلة به تصير موجبة للحكم شرعا وهي الحكمة الباطنة التي يعبر عنها بالفقه والحاصل أن في الدعوى والإنكار يعتبر المعنى دون الصورة فقد يكون المرء مدعيا صورة وهو منكر معنى ألا ترى أن المودع إذا ادعى رد الوديعة يكون منكرا للضمان معنى ولهذا كان القول قوله مع اليمين وإنما جعل الشرع اليمين في جانب المنكر والبكر إذا قالت بلغني النكاح فرددت وقال الزوج بل سكتت فالقول قولها عندنا وهي في الصورة تدعي الرد ولكنها تنكر ثبوت ملك النكاح عليها في المعنى فكانت منكرة لا مدعية
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما إذا اختلف المتبايعان في الثمن بعد هلاك السلعة فالقول قول المشتري مع يمينه وهو في الصورة يدعي بيعا بأقل الثمنين ولكنه في المعنى منكر للزيادة التي يدعيها البائع فعرفنا أنه إنما يعتبر المعنى في الدعوى والإنكار دون الصورة إذا ثبت هذا فنقول هذه الوجوه من الممانعة تكون إنكارا من السائل فلا حاجة به إلى إثبات إنكاره بالحجة واشتغاله بذلك يكون اشتغالا بما لا يفيد وقوله إن الحكم في الأصل ما تعلق بهذا الوصف فقط بل به وبقرينة أخرى يكون إنكارا صحيحا من حيث المعنى وإن كان دعوى من حيث الصورة لأن الحكم المتعلق بعلة ذات وصفين لا يثبت بوجود أحد الوصفين وذلك نحو ما يعلل به الشافعي رحمه الله في اليمين المعقودة على أمر في المستقبل لأنها يمين بالله مقصودة فيتعدى الحكم بهذا الوصف إلى الغموس فإنا نقول الحكم في الأصل ثبت بهذا الوصف مع قرينة وهو توهم البر فيها فيكون هذا منعا لما ادعاه الخصم والخصم هو المحتاج إلى إثبات دعواه بالحجة فأما قول السائل ليس المعنى في الأصل ما قلت وإنما المعنى فيه كذا هو إنكار صورة ولكنه من حيث المعنى دعوى وهو دعوى غير مفيد في موضع النزاع لأنه لا يمكنه أن يقول في موضع النزاع لتقرير ذلك المعنى سوى أن هذا المعنى معدوم في موضع النزاع وعدم العلة لا يوجب عدم الحكم وإن كان هذا يصلح للترجيح به من وجه على ما نبينه إن شاء الله تعالى فصل القلب والعكس قال رضي الله عنه تفسير القلب لغة جعل أعلى الشيء أسفله وأسفله أعلاه من قول القائل قلبت الإناء إذا نكسه أو هو جعل بطن الشيء ظهرا والظهر بطنا من قول القائل قلبت الجراب إذا جعل باطنه ظاهرا وظاهره باطنا وقلبت الأمر إذا جعله ظهرا لبطن وقلب العلة على هذين الوجهين وهو نوعان أحدهما جعل المعلول علة والعلة معلولا وهذا مبطل للعلة لأن العلة هي الموجبة شرعا والمعلول هو الحكم الواجب به فيكون فرعا وتبعا للعلة وإذا جعل التبع أصلا والأصل تبعا كان ذلك دليل بطلان العلة وبيانه فيما قال الشافعي في الذمي إنه يجب عليه الرجم لأنه من جنس من يجلد بكره مائة فيرجم ثيبه كالمسلم فيقلب عليه فنقول في الأصل إنما يجلد بكره لأنه يرجم ثيبه فيكون ذلك قلبا مبطلا لعلته باعتبار أن ما جعل فرعا صار أصلا وما جعله أصلا صار تبعا وكذلك قوله القراءة ركن يتكرر فرضا في الأوليين فيتكرر أيضا فرضا في الأخريين كالركوع وهذا النوع من القلب إنما يتأتى عند التعليل بحكم لحكم فأما إذا كان التعليل بوصف لا يرد عليه هذا القلب إذ الوصف لا يكون حكما شرعيا يثبت بحكم آخر وطريق المخلص عن هذا القلب أن لا يذكر هذا على سبيل التعليل بل على سبيل الاستدلال بأحد الحكمين على الآخر فإن الاستدلال بحكم على حكم طريق السلف في الحوادث روينا ذلك عن النبي عليه السلام وعن الصحابة رضي الله عنهم ولكن شرط هذا الاستدلال أن يثبت أنهما نظيران متساويان فيدل كل واحد منهما على صاحبه هذا على ذاك في حال وذاك على هذا في حال بمنزلة التوأم فإنه يثبت حرية الأصل لأحدهما أيهما كان بثبوته للآخر ويثبت الرق في أيهما كان بثبوته للآخر وذلك نحو ما يقوله علماؤنا رحمهم الله وبيانه فيما قال علماؤنا إن الصوم عبادة تلزم بالنذر فتلزم بالشروع كالحج فلا يستقيم قلبهم علينا لأن الحج إنما يلزم بالنذر لأنه يلزم بالشروع لأنا نستدل بأحد الحكمين على الآخر بعد ثبوت المساواة بينهما من حيث إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله تعالى على وجه يكون المعنى فيها لازما والرجوع عنها بعد الأداء حرام وإبطالها بعد الصحة جناية فبعد ثبوت المساواة بينهما يجعل هذا دليلا على ذاك تارة وذاك على هذا تارة
وكذلك قولنا في الثيب الصغيرة من يكون موليا عليه في ماله تصرفا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالبكر وفي البكر البالغة من لا يكون موليا عليه في ماله تصرفا لا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالرجل يكون استدلالا صحيحا بأحد الحكمين على الآخر إذ المساواة قد تثبت بين التصرفين من حيث إن ثبوت الولاية في كل واحد منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف بنفسه فلا يستقيم قلبهم إذا ذكرنا هذا على وجه الاستدلال لأن جواز الاستدلال بكل واحد منهما على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة وهو المقصود بالاستدلال بخلاف ما علل به الشافعي فإنه لا مساواة بين الجلد والرجم أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا ومن حيث الشرط الرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعي عليه الجلد كالثيوبة وكذلك لا مساواة بين ركن القراءة وبين الركوع فإن الركوع فعل هو أصل في الركعة والقراءة ذكر هو زائد حتى إن العاجز عن الأذكار القادر على الأفعال يؤدي الصلاة والعاجز عن الأفعال القادر على الأذكار لا يؤديها ويسقط ركن القراءة بالاقتداء عندنا وعند خوف فوت الركعة بالاتفاق ولا يسقط ركن الركوع وكذلك لا مساواة بين الشفع الثاني والشفع الأول في القراءة فإنه يسقط في الشفع الثاني شطر ما كان مشروعا في الشفع الأول وهو قراءة السورة والوصف المشروع فيه في الشفع الأول وهو الجهر بالقراءة ومع انعدام المساواة لا يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر والقلب يبطل التعليل على وجه المقايسة والنوع الثاني من القلب هو جعل الظاهر باطنا بأن يجعل الوصف الذي علل به الخصم شاهدا عليه لصاحبه في إثبات ذلك الحكم بعد أن كان شاهدا له وهذه معارضة فيها مناقضة لأن المطلوب هو الحكم فالوصف الذي يشهد بإثباته من وجه وينفيه من وجه آخر يكون متناقضا في نفسه بمنزلة الشاهد الذي يشهد لأحد الخصمين على الآخر في حادثة ثم للخصم الآخر عليه في عين تلك الحادثة فإنه يتناقض كلامه بخلاف المعارضة بعلة أخرى فإنه لا يكون فيها معنى التناقض بل للاشتباه يتعذر العمل إلى أن يتبين الرجحان لأحدهما على الآخر فأما ما يشهد لك على خصمك وبخصمك عليك في حادثة واحدة في وقت واحد بأنه يتحقق فيه التعارض مع التناقض وبيان ذلك فيما علل به الشافعي في صوم رمضان بمطلق النية إنه صوم فرض فلا يتأدى إلا بتعيين النية كصوم القضاء فإنما نقلب عليه فنقول إنه صوم فرض فبعد ما تعين مرة لا يشترط لأدائه تعيين بنية أخرى كصوم القضاء وعلل في سنة التكرار في المسح بالرأس فإنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه واليدين فإنا نقلب عليه فنقول ركن في الوضوء فبعد إكماله بالزيادة على المفروض في محل الفريضة لا يسن تثليثه كالمغسولات وإقامة الفرض هنا يحصل بمسح الربع وبالاستيعاب يحصل الإكمال بالزيادة على الفريضة في محل الفريضة كما في المغسولات بالغسل ثلاثا يحصل الإكمال بالزيادة على القدر المفروض وهو الاستيعاب في محل المفروض فإن قيل هذا القلب إنما يتأدى بزيادة وصف وبهذه الزيادة يتبدل الوصف ويصير شيئا آخر فيكون هذا معارضة لا قلبا قلنا نعم في هذا زيادة وصف ولكنها تفسير للحكم على وجه التقرير له لا على وجه التغيير فإنا نبين بهذه الزيادة أن صوم رمضان لما تعين مشروعا في الزمان وغيره ليس بمشروع كان قياسه من القضاء ما بعد التعيين بالشروع فيه والاستيعاب في المسح بالرأس لما لم يكن ركنا كان قياسه من المغسولات بعد حصول الاستيعاب ما إذا حصل الإكمال في المغسولات بالزيادة بعد الاستيعاب فيكون تقريرا لذلك الوصف بهذا التفسير لا تغييرا وتفسير العكس لغة وهو رد الشيء على سننه وراءه مأخود من عكس المرآة فإن نورها يرد نور بصر الناظر فيما وراءه على سننه حتى يرى وجهه كأن له في المرآة وجها وعينا يبصر به وكذلك عكس الماء نور الشمس فإنه يرد نورها حتى يقع على جدار بمقابلة الماء كأن في الماء شمسا
ثم العكس في العلة على وجهين أحدهما رد الحكم على سننه بما يكون قلبا لعلته حتى يثبت به ضد ما كان ثابتا بأصله نحو قولنا في الشروع في صوم النفل إن ما يلتزم بالنذر يلتزم بالشروع كالحج وعكسه إن ما لا يلتزم بالنذر لا يلتزم بالشروع كالوضوء فيكون العكس على هذا المعنى ضد الطرد وهذا لا يكون قادحا في العلة أصلا بل يصلح مرجحا لهذا النوع من العلة على العلة التي تطرد ولا تنعكس على ما نبينه في بابه والنوع الآخر ما يكون عكسا يوجب الحكم لا على سنن حكم الأصل بل على مخالفة حكم الأصل وذلك نحو ما يعلل به الشافعي في أن الصوم عبادة لا يمضي في فاسدها فلا تصير لازمة بالشروع فيها كالوضوء وعكسه الحج فهذا التعليل له نظير التعليل الأول لنا ونحن إذا قلنا بأن ما يلتزم بالنذر من العادة يلتزم بالشروع كالحج فهو يقول ينبغي أن يستوي حكم الشروع فيه بنية النفل وحكم الشروع فيه على ظن أنه عليه كالحج فيكون في هذا العكس نوع كسر للعلة حيث تمكن الخصم به من إثبات حكم هو مخالف للحكم الأول ولكنه ليس بقوي فإن الحكم الذي تعلقه مجمل غير مفسر وما علقنا به من الحكم مفسر فالمفسر أولى من المجمل ثم هو تعلق به حكم التسوية والحكم المقصود شيء آخر يختلف فيه الفرع والأصل على سبيل التضاد فإن في الأصل يستويان حتى يجب القضاء فيهما وفي الفرع عنده يستويان حتى يسقط القضاء فيهما وإنما يستقيم هذا التعليل إذا كان المقصود عين التسوية ولأنه في هذا العكس ينص على حكم آخر سوى ما ذكرناه في التعليل فلا يكون إبطالا بطريق النظر وإنما يكون العكس دفعا لما فيه من الإبطال والمناقضة فإذا عرى عن ذلك لم يكن دفعا ولأنه علل بحكم مجمل لا يتصل بالمتنازع فيه إلا بكلام هو ابتداء وليس للسائل دلك فظهر أن العكس سؤال ضعيف فصل في المعارضة وقد بينا تفسير المعارضة فيما مضى وهذا الفصل لبيان أقسامها وتمييز الفاسد من الصحيح منها فيقول المعارضة نوعان نوع في علة الأصل ونوع في حكم الفرع فالذى في حكم الفرع على خمسة أوجه معارضة بالتنصيص على خلاف حكم العلة في ذلك المحل بعينه ومعارضة بتغيير هو تفسير لذلك الحكم على وجه التقرير له ومعارضة بتغيير فيه إجلال بموضع الخلاف ومعارضة فيها نفى ما لم يثبته المعلل أو إثبات ما لم ينفه المعلل ولكنه يتصل بموضع التعليل ومعارضة بإثبات حكم في غير المحل الذى أثبت المعلل الحكم فيه بعلته والذى في علة الأصل أنواع ثلاثة معارضة بذكر علة في الأصل لا تتعدى إلى فرع ومعارضة بذكر علة تتعدى إلى فرع الحكم فيه متفق عليه ومعارضة بعلة تتعدى إلى فرع الحكم فيه مختلف فيه وبيان الوجه الأول من الأوجه الخمسة في تكرار المسح بالرأس فإن الخصم يقول ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالمغسول ونحن نعارضه بقولنا مسح في الطهارة فلا يسن تثليثه كالمسح بالخف فهذه معارضة صحيحه لما فيها من التنصيص على خلاف حكم علته في ذلك المحل بعينه وبيان الوجه الثاني في هذا الموضع أيضا فإنا نقول ركن في الوضوء فبعد الإكمال بالزيادة على القدر المفروض في محل الفريضة لا يسن تثليثه كما في المغسولات فهذه معارضة بتغيير هو تفسير للحكم في تقريره وهذان وجهان صحيحان في المعارضة المحوجة إلى الترجيح لأن عند صحة المعارضة يصار إلى الترجيح
وبيان الوجه الثالث فيما يعلل به في غير الأب والجد هل تثبت لهم ولاية التزويج على الصغيرة فنقول إنها صغيرة فتثبت عليها ولاية التزويج كالتى لها أب وهم يعارضون ويقولون هذه صغيرة فلا تثبت عليها ولاية التزويج للأخ كالتى لها أب فتكون هذه معارضة بتغيير فيه إخلال بموضع النزاع لأن موضع النزاع ثبوت ولاية التزويج على اليتيمة لا تعيين الولى المزوج لها وهو في معارضته علل لنفى الولاية بشخص بعينه ولكنه يقول إن موضع النزاع إثبات الولاية للأقارب سوى الأب والجد على الصغيرة وأقربهم الأخ فنحن بهذه المعارضة ننفى ولاية الأخ عنها ثم ولاية من وراء الأخ منتفية عنها بالأخ فمن هذا الوجه يظهر معنى الصحة في هذه المعارضة وإن لم يكن قويا وبيان الوجه الرابع فيما ذكرنا في النوع الثاني من العكس وذلك فيما يعلل به في مسألة الكافر يشترى عبدا مسلما إنه مال يملك الكافر بيعه فيملك شراءه كالعبد الكافر فيقولون وجب أن يستوى حكم شرائه ابتداء وحكم استدامه الملك فيه كالعبد الكافر فنقول في هذه المعارضة إثبات ما لم ينفعه بالتعليل وهو التسوية بين أصل الشراء وبين استدامة الملك فلا تكون متصلة بموضع النزاع إلا بعد البناء بإثبات التسوية بين الإستدامة وابتداء الشراء وليس للسائل هذا البناء فلم تكن هذه المعارضة صحيحه بطريق النظر وإن كان يظهر فيها معنى الصحة عند إثبات التسوية بينهما وبيان الوجه الخامس فيما يقوله أبو حنيفة رضى الله عنه في المرأة إذا نعى إليها زوجها فاعتدت وتزوجت بزوج آخر وولدت منه أولادا ثم جاء الزوج الأول حيا فإن نسب الأولاد يثبت من الأول لأنه صاحب فراش صحيح عليها وثبوت النسب باعتبار الفراش وهما يعارضان بأن الثاني صاحب فراش حاضر ومع صفة الفساد يثبت النسب من صاحب الفراش الحاضر كما لو تزوج امرأة بغير شهود ودخل بها فهذه معارضة بإثبات حكم في غير المحل الذي وقع التعليل إذ الفاسد غير الصحيح والكلام في أن النسب بعدما صار مستحقا بثبوته لشخص هل هو يجوز أن يثبت لغيره باعتبار فراشه فإن الأول بفراشه السابق يصير مستحقا نسب أولادها ما بقي فراشها فيقع الكلام بعد هذا في الترجيح أن أصل الفراش للثاني باعتبار كونه حاضرا وكونه صاحب الماء هل يترجح على الفراش الصحيح الذي للغائب حتى ينتسخ به حكم الاستحقاق الثابت بفراشه أم لا وأبو حنيفة يقول هذا لا يكون صالحا للترجيح لأن الشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه والفاسد من الفراش مع هذه القرائن لا يكون مثلا للصحيح فلا ينسخ به حكم الاستحقاق الثابت بالصحيح وبعدما صار النسب مستحقا لزيد لا يمكن إثباته لعمرو بوجه ما والنكاح بغير شهود ليس من هذا المحل في شيء فعرفنا أنه معارضة في غير محل الحكم فأما وجوه المعارضة في علة الأصل فهي فاسدة كلها لما بينا أن ذكر علة أخرى في الأصل لا يبقى تعليله بما ذكره المعلل لجواز أن يكون في الأصل وصفان فيتعدى الحكم بأحد الوصفين إلى الفروع دون الآخر ثم إن كان الوصف الذي يذكره المعارض لا يتعدى إلى فرع فهو فاسد لما بينا أن حكم التعليل التعدية فما لا يفيد حكمه أصلا يكون فاسدا من التعليل فإن كان يتعدى إلى فرع فلا اتصال له بموضع النزاع إلا من حيث إنه تنعدم تلك العلة في هذا الموضع وقد بينا أن عدم العلة لا يوجب عدم الحكم فعرفنا أنه لا اتصال لتلك العلة بموضع النزاع في النفي ولا في الإثبات وكذلك إن كانت تتعدى إلى فرع مختلف فيه فالمتعدية إلى فرع مجمع عليه تكون أقوى من المتعدية إلى فرع مختلف فيه ولما تبين فساد تلك تبين فساد هذا بطريق الأولى ومن الناس من يزعم أن هذه معارضة حسنة فيها معنى الممانعة لأن بالإجماع علة الحكم أحد الوصفين لا كلاهما فإذا ظهرت صحة علة السائل بظهور حكمها وهو التعدية يتبين فساد العلة الأخرى بيانه أنا نقول في تعليل الحنطة إنه باع مكيلا بمكيل من جنسه متفاضلا ثم تعدى الحكم بها إلى الحص وغيره
والخصم يعارض فيقول باع مطعوما بمطعوم من جنسه متفاضلا لتعدي الحكم به إلى المطعومات التي هي غير مقدرة كالتفاح ونحوها وقد ثبت باتفاق الخصمين أن علة الحكم أحدهما فإذا ثبت صحة ما ادعاه أحدهما علة انتفى الآخر بالإجماع فكانت في هذه المعارضة ممانعة من هذا الوجه ولكنا نقول لا تنافي بين العلتين ذاتا لجواز أن يعلق الحكم بكل واحد منهما فمن أنكر صحة ما ادعاه خصمه من العلة لا يفسد ذلك بمجرد تصحيح علته بل بذكر معنى مفسد في علة خصمه كما أنه لا يثبت وجه صحة علته بإفساد علة خصمه بل بمعنى هو دليل الصحة في علته فعرفنا أن هذه المعارضة فاسدة أيضا ثم السبيل في كل كلام يذكره أهل الطرد على سبيل المفارقة إذا كان فقيها أن يذكره على وجه الممانعة فيكون ذلك فقها صحيحا من السائل على حد الإنكار لا بد من قبوله منه وبيان ذلك أن الخصم يقول في عتق الرهن إن هذا تصرف من الراهن مبطل لحق المرتهن عن المرهون فلا ينفذ بغير رضاه كالبيع والفرق لنا بين هذا وبين البيع أن ذاك يحتمل الفسخ بعد وقوعه فيمكن القول بانعقاده على وجه يتمكن المرتهن من فسخه والعتق لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه وهو بهذا التعليل يلغي أصل العتق ولا نسلم له هذا الحكم في الأصل ثم من شرط صحة العلة أن لا يكون مغيرا حكم الأصل فإن كان هو بالتعليل يغير حكم الأصل فيجعل الحكم فيه الإلغاء دون الانعقاد على وجه التوقف منعناه من التعليل لأنه ينعدم به شرط صحة التعليل وإن أثبت به حكم الأصل وهو امتناع اللزوم بعد الانعقاد في محله لمراعاة حق المرتهن فهذا لا تصور له فيما لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه وكذلك إن رده على إعتاق المريض فإن ذلك عندنا ليس يلغو فإن كان يعلل لإلغاء العتق من الراهن فهذا تعليل يتغير به حكم الأصل وذلك غير صحيح عندنا فنمنعه بهذا الطريق وعلى الوجه الذى هو حكم الأصل وهو تأخير تنفيذ الوصية عن قضاء الدين لا يمكنه إثباته بهذا التعليل في الفرع فكانت الممانعة صحيحة بهذا الطريق وكذلك تعليل الخصم في قتل العمد بأنه قتل آدمى مضمون فيكون موجبا للمال كالخطأ فإن الفرق بين الفرع والأصل لأهل الطرد أن في الخطأ لا يمكن إيجاب مثل المتلف من جنسه وهنا المثل من جنسه واجب والأولى أن يقول في الأصل المال إنما يجب حلفا عما هو الأصل لفوات الأصل وهو بهذا التعليل يوجب المال في الفرع أصلا فيكون في هذا التعليل يعرض بحكم الأصل بالتغيير وشرط صحة التعليل أن لا يكون متعرضا لحكم الأصل فنمنعه من التعليل بهذا الطريق حتى يكون كلاما من السائل على حد الإنكار صحيحا فصل في وجوه دفع المناقضة قد ذكرنا أن المناقضة لا ترد على العلل المؤثرة لأن دليل الصحة فيها بالتأثير الثابت بالإجماع وإنما يرد النقض على العلل الطردية لأن دليل صحتها الإطراد وبالمناقضة ينعدم الإطراد ثم تقع الحاجة إلى معرفة وجه دفع النقض صورة أو سؤالا معتبرا عن العلل والحاصل فيه أن المجيب متى وفق بين ما ذكر من العلة وبين ما يورد نقضا عليها بتوفيق بين فإنه يندفع النقض عنه وإذا لم يمكنه التوفيق بينهما يلزمه سؤال النقض بمنزلة التناقض الذي يقع في مجلس القاضي من الدعوى والشهادة وبين شهادة الشهود فإن ذلك ينتفى بتوفيق صحيح بين
ثم وجوه الدفع أربعة دفع بمعنى الوصف الذى جعله علة بما هو ثابت بصيغته ظاهرا ودفع بمعنى الوصف الذى هو ثابت بدلالته وهى التى صارت بها حجة وهو التأثير الذى قلنا ودفع بالحكم الذى هو المقصود ودفع بالغرض المطلوب بالتعليل فبيان الوجه الأول في تكرار المسح بالرأس فإنا يقول مسح فلا يسن تثليثه كالمسح بالخف فيورد عليه الإستنجاء بالأحجار نقضا فندفعه بمعنى الوصف الثابت بصيغته ظاهرا وهو قولنا مسح فإن في الإستنحاء بالأحجار لا معتبر بالمسح بل المعتبر إزالة النجاسة حتى لو تصور خروج الحدث من غير أن يتلوث شيء منه من ظاهر البدن لا يجب المسح والدليل عليه أن الإستطابة بالماء بعد إزالة عين النجاسة بالحجر فيه أفضل ومعلوم أن في العضو الممسوح لا يكون الغسل بعد المسح أفضل وكذلك إذا قلنا في الخارج من غير السبيلين إنه حدث لأنه خارج نجس يورد عليه ما إذا لم يسل عن رأس الجرح ودفع هذا النقض بمعنى الوصف ظاهرا وهو قولنا خارج فما لم يسل فهو طاهر لتقشير الجلد عنه وليس بخارج إنما الخارج ما يفارق مكانه وتحت كل موضع من الجلد كمن يكون في البيت إذا رفع البنيان الذي كان هو مستترا به يكون ظاهرا ولا يكون خارجا وإنما يسمى خارجا من البيت إذا فارق مكانه ولهذا لا يجب تطهير ذلك الموضع لأنه ما لم يصر خارجا من مكانه لا يعطى له حكم النجاسة وبيان الوجه الثاني في هذين الفصلين أيضا فإن تأثير قولنا مسح أنه طهارة حكمية غير معقولة المعنى وهى مبنية على التخفيف ألا ترى أنه لا تأثير للمسح في إثبات صفة الطهارة بعد تنجس المحل حقيقة وأنه يتأدى ببعض المحل للتخفيف فلا يرد عليه الإستنجاء لأن المطلوب هناك إزالة عين النجاسة ولهذا لا يتم باستعمال الحجر في بعض المحل دون البعض فباعتبار الإستيعاب فيه والقصد إلى تطهير المحل بإزالة حقيقة النجاسة عنه يشبه الإستنجاء الغسل في الأعضاء المغسولة دون المسح لهت وكذلك قولنا الخارج النجس كان حجة التأثير لها هو وجوب التطهير في ذلك الموضع فإن بالإجماع غسل ذلك الموضع للتطهير واجب ووجوب التطهير في البدن باعتبار ما يكون منه لا يحتمل التجزى فيندفع ما إذا لم تسل النجاسة لأنه لم يجب هناك تطهير ذلك الموضع بالغسل فعرفنا أنه انعدم الحكم لانعدام العلة وهذا يكون مرجحا للعلة فكيف يكون نقضا وسنقرر هذا في بيان ترجيح العلة التي تنعكس على العلة التي لا تنعكس وبيان الوجه الثالث فيما يعلل به في النذر بصوم يوم النحر أنه يوم فيصح إضافة النذر إليه كسائر الأيام فيورد عليه يوم الحيض نقضا ووجه الدفع بالحكم الذي هو المقصود بالتعليل وهو صحة إضافة النذر بالصوم إليه وذلك اليوم يصح إضافة النذر بالصوم إليه فإنها لو قالت لله علي أن أصوم غدا يصح نذرها وإن حاضت من الغد وإنما فسد نذرها بالإضافة إلى الحيض لا إلى اليوم وكذلك يعلل في التكفير بالمكاتب فنقول عقد الكتابة يحتمل الفسخ فلا تخرج الرقبة من جواز التكفير بعتقها كالبيع والإجارة فيورد عليه نقضا ما إذا أدى بعض بدل الكتابة وطريق الدفع بالحكم وهو أن هذا العقد لا يخرج الرقبة من أن تكون محلا للتكفير بها وهنا العقد لا يخرج الرقبة من ذلك ولكن معنى المعاوضة هو الذي يمنع صحة التكفير بذلك التحرير وبعض أهل النظر يعبرون عن هذا النوع من الدفع بأن التعليل للجملة فلا يرد عليه الإفراد نقضا وفقهه ما ذكرنا وبيان الوجه الرابع من الدفع فيما عللنا به الخارج من غير السبيلين فإنه خارج نجس فيكون حدثا كالخارج من السبيلين فيورد عليه دم الاستحاضة مع بقاء الوقت نقضا
وللدفع فيه وجهان أحدهما أن ذلك حدث عندنا ولكن يتأخر حكمه إلى ما بعد خروج الوقت ولهذا تلزمها الطهارة بعد خروج الوقت وإن لم يكن خروج الوقت حدثا والحكم تارة يتصل بالسبب وتارة يتأخر عنه فهذا الدفع من جملة الوجه الثالث ببيان أنه حدث بالجملة والثاني أن المقصود بهذا التعليل التسوية بين الفرع والأصل وقد سوينا فإن الخارج المعتاد من السبيل إذا كان دائما يكون حدثا موجبا للطهارة بعد خروج الوقت لا في الوقت فكذلك الذي هو غير المعتاد والذي هو خارج من غير سبيل وكذا إذا عللنا في أن السنة في التأمين الإخفاء بقولنا إنه ذكر لا يدخل عليه الأذان ولا التكبيرات التي يجهر بها الإمام لأن الغرض التسوية بين التأمين وبين سائر الأذكار في أن الأصل هو الإخفاء وذلك ثابت إلا إن جهر الإمام بالتكبيرات لا لأنها ذكر بل لإعلام من خلفه بالانتقال من ركن إلى ركن والجهر بالأذان والإقامة كذلك أيضا ولهذا لا يجهر المقتدي بالتكبيرات ولا يجهر المنفرد بالتكبيرات ولا بالأذان والإقامة فيدفع النقض ببيان الغرض المطلوب بالتعليل وهو التسوية بين هذا الذكر وبين سائر أذكار الصلاة وبعض أهل النظر يعبرون عن هذا فيقولون مقصودنا بهذا التعليل التسوية بين الفرع والأصل وقد سوينا بينهما في موضع النقض كما سوينا في موضع التعليل فيتبين به وجه التوفيق بطريق يندفع به التناقض والله أعلم & باب الترجيح & قال رضي الله عنه الكلام في هذا الباب في فصول أحدها في معنى الترجيح لغة وشريعة والثاني في بيان ما يقع به الترجيح والثالث في بيان المخلص من تعارض يقع في الترجيح والرابع في بيان ما هو فاسد من وجوه الترجيح فأما الأول فنقول تفسير الترجيح لغة إظهار فضل في أحد جانبي المعادلة وصفا لا أصلا فيكون عبارة عن مماثلة يتحقق بها التعارض ثم يظهر في أحد الجانبين زيادة على وجه لا تقوم تلك الزيادة بنفسها فيما تحصل به المعارضة أو تثبت به المماثلة بين الشيئين ومنه الرجحان في الوزن فإنه عبارة عن زيادة بعد ثبوت المعادلة بين كفتي الميزان وتلك الزيادة على وجه لا تقوم منها المماثلة ابتداء ولا يدخل تحت الوزن منفردا عن المزيد عليه مقصودا بنفسه في العادة نحو الحبة في العشرة وهذا لأن ضد الترجيح التطفيف وإنما يكون التطفيف بنقصان يظهر في الوزن أو الكيل بعد وجود المعارضة بالطريق الذي تثبت به المماثلة على وجه لا تنعدم به المعارضة فكذلك الرجحان يكون بزيادة وصف على وجه لا تقوم به المماثلة ولا ينعدم بظهوره أصل المعارضة ولهذا لا تسمى زيادة درهم على العشرة في أحد الجانبين رجحانا لأن المماثلة تقوم به أصلا وتسمى زيادة الحبة ونحوها رجحانا لأن المماثلة لا تقوم بها عادة وكذلك في الشريعة هو عبارة عن زيادة تكون وصفا لا أصلا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال للوازن زن وأرجح فإنا معشر الأنبياء هكذا نزن ولهذا لا بثبت حكم الهبة في مقدار الرجحان لأنه زيادة تقوم وصفا لا مقصودا بسببه بخلاف زيادة الدرهم على العشرة فإنه يثبت فيه الحكم الهبة حتى لو لم يكن متميزا كان الحكم فيه كالحكم في هبة المشاع لأنه مما تقوم به المماثلة فإنه يكون مقصودا بالوزن فلا بد من أن يجعل مقصودا في التمليك بسببه وليس ذلك إلا الهبة فإن قضاء العشرة يكون بمثلها عشرة فيتبين أن بالرجحان لا ينعدم أصل المماثلة لأنه زيادة وصف بمنزلة زيادة وصف الجودة وما يكون مقصودا بالوزن تنعدم به المماثلة ولا يكون ذلك من الرجحان في شيء وعلى هذا قلنا في العلل في الأحكام إن ما يصلح علة للحكم ابتداء لا يصلح للترجيح به وإنما يكون الترجيح بما لا يصلح علة موجبة للحكم
وبيان ذلك في الشهادات فإن أحد المدعيين لو أقام شاهدين وأقام الآخر أربعة من الشهود لم يترجح الذي شهد له أربعة لأن زيادة الشاهدين في حقه علة تامة للحكم فلا يصلح مرجحا للحجة في جانبه وكذلك زيادة شاهد واحد لأحد المدعيين لأنه من جنس ما تقوم به الحجة أصلا فلا يقع الترجيح به أصلا وإنما يقع الترجيح بما يقوى ركن الحجة أو يقوى معنى الصدق في الشهادة وذلك في أن تتعارض شهادة المستور مع شهادة العدل بأن أقام أحد المدعيين مستورين والآخر عدلين فإنه يترجح الذي شهد به العدلان بظهور ما يؤكد معنى الصدق في شهادة شهوده وكذلك في النسب أو النكاح لو ترجح حجة أحد الخصمين باتصال القضاء بها لأن ذلك مما يؤكد ركن الحجة فإن بقضاء القاضى يتم معنى الحجة في الشهادة ويتعين جانب الصدق وعلى هذا قلنا في العلتين إذا تعارضتا لا تترجح إحداهما بانضمام علة أخرى إليها وإنما هذا تترجح بقوة الأثر فيها فبه يتأكد ما هو الركن في صحة العلة وكذلك الخبران إذا تعارضا لا يترجح أحدهما على الآخر بخبر آخر بل بما به يتأكد معنى الحجة فيه وهو الإتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يرجح المشهور بكثرة رواته على الشاذ لظهور زيادة القوة فيه من حيث الإتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم ويترجح بفقه الرواى وحسن ضبطه وإتقانه لأنه يتقوى به معنى الإتصال برسول الله على الوجه الذى وصل إلينا بالنقل وكذلك الآيتان إذا وقعت المعارضة بينهما لا تترجح إحداهما بآية أخرى بل تترجح بقوة في معنى الحجة وهو أنه نص مفسر والآخر مؤول وكذلك لا يترجح أحد الخبرين بالقياس فعرفنا أن ما يقع به الترجيح هو ما لا يصلح علة للحكم ابتداء بل ما يكون مقويا لما به صارت العلة موجبة للحكم وعلى هذا قلنا لو أن رجلا جرح رجلا جراحة وجرحه آخر عشر جراحات فمات من ذلك فإن الدية عليهما نصفان لأن كل جراحة علة تامة ولا يترجح أحدهما بزيادة عدد في العلة في جانبه حتى يصير القتل مضافا إليه دون صاحبه بل يصير مضافا إلى فعلهما على وجه التساوى ولو قطع أحدهما يده ثم جز الآخر رقبته فالقاتل هو الذى جز رقبته دون الآخر لزيادة قوة فيما هو علة القتل من فعله وهو أنه لا يتوهم بقاؤه حيا بعد فعله بخلاف فعل الآخر وعلى هذا الأصل رجحنا سبب استحقاق الشفعة للشريك في نفس المبيع على السبب في حق الشريك في حقوق المبيع ثم رجحنا الشريك في نفس المبيع على الجار لزيادة وكادة في الإتصال الذى ثبت بالجوار فإن اتصال الملكين في حق الشريك في نفس المبيع في كل جزء في حق الشريك في حقوق المبيع الإتصال فيما هو بيع من المبيع وفي حق الجار لا اتصال من حيث الإختلاط فيما هو مقصود ولا فيما هو تبع وإنما الإتصال من حيث المجاورة بين الملكين مع تميز أحدهما من الآخر ثم من كان جواره من ثلاث جوانب لا يترجح على من كان جواره من جانب واحد لأن الموجود في جانبه زيادة العلة من حيث العدد فلا يثبت به الترجيح وعلى هذا قلنا صاحب القليل يساوى صاحب الكثير في استحقاق الشقص المبيع بالشفعة لأن الشركة بكل جزء علة تامة لإستحقاق جميع الشقص المبيع بالشفعة فإنما وجد في جانب صاحب الكثير كثرة العلة وبه لا يقع الترجيح وهكذا يقول الشافعي في اعتبار أصل الترجيح فإنه لا يرجح صابح الكثير هنا حتى يكون لصاحب القليل حق المزاحمة معه مع الأخذ بالشفعة إلا أنه يجعل الشفعة من جملة موافق الملك فتكون مقسومة بين الشفعاء على قدر الملك كالولد والربح والثمار من الأشجار المشتركة أو يجعل هذا بمنزلة ملك المبيع فيجعله مقسوما على مقدار ما يلتزم كل واحد من المشترين من بدله وهو الثمن حتى إذا باع عبدا بثلاثة آلاف درهم من رجلين على أن يكون على أحدهما ألف درهم على الآخر بعينه ألفا درهم فإن الملك بينهما في المبيع يكون أثلاثا على قدر الملك
وهذا غلط منه لأنه جعل الحكم مقسوما على قدر العلة أو بنى العلة على الحكم وذلك غير مستقيم وعلى هذا اتفقت الصحابة في امرأة ماتت عن ابنى عم أحدهما زوجها فإن للزوج النصف والباقى بينهما بالعصوبة ولا يترجح الزوج بسبب الزوجية لأن ذلك علة أخرى لإستحقاق الميراث سوى ما يستحق به العصوبة فلا يترجح علته بعلة أخرى ولكن يعتبر كل واحد من السببين في حق من اجتمع في حقه السببان بمنزلة ما لو وجد كل واحد منهما في شخص آخر وكذلك قال أكثر الصحابة في انبى عم أحدهما أخ لأم إنه لا يترجح بالأخوة لأم على الآخر ولكن له السدس بالفرضية والباقى بينهما نصفان بالعصوبة وقال ابن مسعود رضي الله عنه يترجح ابن العم الذى هو أخ لأم لأن الكل قرابة فتقوى إحدى الجهتين بالجهة الأخرى بمنزلة أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب وأخذنا بقول أكثر الصحابة لأن العصوبة المستحقة بكونه ابن عم مخالف للمستحق بالأخوة ولهذا يكون استحقاق ابن العم العصوبة بعد استحقاق الأخ بدرجات والترجيح بقرابة الأم في استحقاق العصوبة إنما يكون عند اتحاد جهة العصوبة والإستواء في المنزلة كما في حق الأخوين فحينئذ يقع الترجيح بقرابة الأم لأنه لا يستحق بها العصوبة ابتداء فيجوز أن تتقوى بها علة العصوبة في جانب الأخ لأب وأم إذ الترجيح يكون بعد المعارضة والمساواة فأما قرابة الأخوة فهى ليست من جنس قرابة ابن العم حتى تتقوى بها العصوبة الثابتة لابن العم الذى هو أخ لأم بل يكون هذا السبب بمنزلة الزوجية فتعتبر حال اجتماعها في شخص واحد بحال انفراد كل واحد من السببين في شخص آخر وكثير من المسائل تخرج على ما ذكرنا من الأصل في هذا الفصل إذا تأملت فصل وما ينتهى إليه ما يقع به الترجيح في الحاصل أربعة أحدها قوة الأثر والثاني قوة الثبات على الحكم المشهود به والثالث كثرة الأصول والرابع عدم الحكم عند عدم العلة أما الوجه الأول فلأن المعنى الذي به صار الوصف حجة الأثر فمهما كان الأثر أقوى كان الاحتجاج به أولى لصفة الوكادة فيما به صار حجة فذلك نحو دليل الاستحسان مع القياس ونحو الأخبار إذا تعارضت فإن الخبر لما كان حجة لمعنى الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يزيد معنى الاتصال وكادة من الاشتهار وفقه الراوي وحسن ضبطه واتقانه كان الاحتجاج به أولى فإن قيل أليس أن الشهادات متى تعارضت لم يترجح بعضها بقوة عدالة بعض الشاهد وهي إنما صارت حجة باعتبار العدالة ثم بعد ظهور عادلة الفريقين لا يقع الترجيح بزيادة معنى العدالة قلنا العدالة ليست بذي أنواع متفاوتة حتى يظهر لبعضها قوة عند المقابلة بالبعض وهي عبارة عن التقوى والانزجار عن ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه وذلك مما لا يمكن الوقوف فيه على حد أن يرجح البعض بزيادة قوة عند الرجوع إلى حده بخلاف تأثير العلة فإن قوة الأثر عند المقابلة تظهر على وجه لا يمكن إنكاره وبيان هذا في مسائل منها أن الشافعي علل في طول الحرة أنه يمنع نكاح الأمة لأن في هذا العقد إرقاق جزء منه مع استغنائه عنه فلا يجوز كما لو كان تحته حرة وهذا الوصف بين الأثر فإن الإرقاق نظير القتل من وجه ألا نرى أن الإمام في الأسارى يتخير بين القتل والاسترقاق فكما يحرم عليه قتل ولده شرعا يحرم عليه إرقاقه مع استغنائه عنه وقلنا هذا النكاح يجوز لعبد المسلم فإن المولى إذا دفع إليه مالا وأذن له في أن ينكح به ما شاء من حرة أو أمة جاز له أن ينكح الأمة فلما كان طول الحرة لا يمنع نكاح الأمة للعبد المسلم لا يمنع للحر لوجود الحرة في الدنيا
وتأثير ما قلنا أن تأثير الرق في تنصيف الحل الذى يترتب عليه عقد النكاح وحقيقة التنصيف في أن يكون حكم العبد في النصف الباقى له وحكم الحر في جميع ذلك سواء فما يكون شرطا في حق الحر يكون شرطا في حق العبد كالمشهود وخلو المرأة عن العدة ومال لا يكون شرطا في حق العبد لا يكون شرطا في حق الحر كالخطبة وتسمية المهر لا يكون في حق العبد ثم تظهر قوة التأثير لما قلنا في الرجوع إلى الأصول فإن الرق من أوصاف النقصان والحرية من أوصاف الكمال وهذا الحل كرامة يختص به البشر فكيف يجوز القول بأنه يتسع الحل بسبب الرق حتى يحل للعبد ما لا يحل للحر وبزداد قوة بالنظر في أحوال البشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل أمته بزيادة اتساع في حله حتى جاز له نكاح تسع نسوة أو إلى ما لا يتناهى على حسب ما اختلفوا فيه فتبين بهذا تحقيق معنى الكرامة في زيادة الحل وظهر أنه لا يجوز القول بزيادة حل العبد على حل الحر ويظهر ضعف أثر علته في الرجوع إلى الأصول فإن إرقاق الماء دون التضييع لا محالة ويحل له أن يضيع ماءه بالعزل عن الحرة بإذنها فلأن يجوز تعريض ما به الرق بنكاح الأمة كان أولى ويزداد ضعفا بالرجوع إلى أحوال البشر فإنه من ملك نفسه على وجه يأمن أن يقع في الحرام يجوز له نكاح الأمة ولا يحل له قتل ولده إذا أمن جانبه بحال من الأحوال وعلى هذا قلنا للحر أن يتزوج أمة على أمة لأن ذلك جائز للعبد فيجوز للحر من الوجه الذى قررنا ولا يجوز للعبد أن ينكح أمة على حرة كما لا يجوز ذلك للحر لأن العبد في النصف الباقى له مثل الحر في الحكم وعلل في حرمة نكاح الأمة الكتابية على المسلم بأنها أمة كافرة فلا يجوز نكاحها للمسلم كالمجوسية وهذا بين الأثر من وجهين أحدهما أن الرق مؤثر في حرمة النكاح حتى لا يجوز نكاح الأمة على الحرة والكفر كذلك فإذا اجتمع الوصفان في شخص تغلظ معنى الحرمة فيها فيلتحق بالكفر المتغلظ بعدم الكتاب في المنع من النكاح والثاني أن جواز نكاح الأمة بطريق الضرورة عند خشية العنت وهذه الضرورة ترتفع بحل الأمة المسلمة فلا حاجة إلى حل الأمة الكتابية للمسلم بالنكاح وقلنا نحن اليهودية والنصرانية دين يجوز للمسلم نكاح الحرة من أهلها فيجوز نكاح الأمة كدين الإسلام وتأثيره فيما بينا أن الرق يؤثر في التنصيف من الجانبين فيما يبتنى على الحل إلا أن ما يكون متعددا فالتنصيف يظهر في العدد كالطلاق والعدة والقسم والنكاح الذى يبتنى على الحل في جانب الرجل متعدد فالتنصيف يظهر في العدد وفي جانب المرأة غير متعدد فإنها لا تحل لرجلين بحال ولكن من حيث الأحوال متعدد حال تقدم نكاحها على نكاح الحرة وحال التأخر وحال المقارنة فيظهر التنصيف باعتبار الأحوال وفي الحال الواحد يجتمع معنى الحل ومعنى الحرمة فيترجح معنى الحرمة بمنزلة الطلاق والعدة فإن طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان وفي الحقيقة هما حالتان حالة الإنفراد عن الحرة بالسبق وحالة الإنضمام إلى الحرة بالمقارنة أو التأخر فتكون محللة في إحدى الحالتين دون الأخرى ثم تظهر قوة هذا الأثر بالتأمل في الأصول فإن الحل تارة يثبت بالنكاح وتارة بملك اليمين ووجدنا أن الأمة الكتابية كالأمة المسلمة في الحل بملك اليمين فكذلك في الحل بالنكاح ولسنا نسلم أنه يتغلظ كفر الكتابية برقها في حكم النكاح فإنه لو كان كذلك لم يحل بملك اليمين كالمجوسية ثم النقصان أو الخبث الثابت بكل واحد منهما من وجه سوى الوجه الآخر وإنما يظهر التغليظ عند إمكان إثبات الاتحاد بينهما ومع اختلاف الجهة لا يتأتى ذلك وقد بينا أن انضمام علة إلى علة لا يوجب قوة في الحكم