Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
ونظير ما قلنا من الحسيات أن مطالبة الطبيب المريض بشرب الدواء إذا كان يرجو له الشفاء يكون نظرا من الطبيب لا إضرارا به فإذا أيس من شفائه فترك مطالبته بشرب الدواء لا يكون ذلك تخفيفا عليه بل إجبارا له بما هو أشد عليه من ضرر شرب الدواء وهو ما يذوق من كأس الحمام فكذلك هنا أن الكفار لا يخاطبون بأداء الشرائع لا يتضمن معنى التخفيف عليهم بل يكون فيه بيان عظم الوزر والعقوبة فيما هو مصر عليه من الشرك والله أعلم & باب النهي & قال رضي الله عنه اعلم بأن موجب النهي شرعا لزوم الانتهاء عن مباشرة المنهي عنه لأنه ضد الأمر أما من حيث اللغة فصيغة الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يكون وصيغة النهي لبيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأما شرعا فالأمر لطلب إيجاد المأمور به على أبلغ الوجوه مع بقاء اختيار المخاطب في حقيقة الإيجاد وذلك في وجوب الائتمار والنهي لطلب مقتضى الامتناع عن الإيجاد على ابلغ الوجوه مع بقاء اختيار للمخاطب فيه وذلك بوجوب الانتهاء فإذا تبين موجب النهي قلنا مقتضى النهي قبح المنهي عنه شرعا كما أن مقتضى الأمر حسن الائتمار به شرعا ألا ترى أن التحريم لما كان ضد الإحلال كان مقتضى أحدهما ضد مقتضى الآخر ولأن صاحب الشرع جاء بتتميم المحاسن ونفي القبائح فكان نهيه موجبا قبح المنهي عنه كما كان أمره موجبا صفة الحسن للمأمور به فإن قيل لماذا لا يجعل مقتضى النهي شرعا حسن الانتهاء كما كان مقتضى الأمر حسن الائتمار قلنا لأنه يصير مقتضاهما واحدا وبينهما مغايرة على سبيل المضادة ثم الائتمار بفعل يقصده المخاطب ويضاف وجوده إلى كسبه فيحسن الائتمار لكون ذلك مضافا إليه فأما الانتهاء يكون بامتناعه عن إيجاد الفعل المنهي عنه ثم انعدامه لا يكون مضافا إلى كسبه وقصده بل الانعدام أصل فيه ما لم يوجده وإذا لم يكن مضافا إلى فعله الذي هو اختياري لا يستقيم أن يوصف امتناعه عن الإيجاد بالحسن مقصودا فعرفنا به أن قبح المنهي عنه ثابت بمقتضى وجوب الانتهاء شرحا فإن قيل تركه الفعل الذي يكون إيجادا فعل مقصود منه على ما هو مذهب أهل السنة والجماعة أن ترك الفعل فعل لما فيه من استعمال أحد الضدين والانتهاء به يتحقق قلنا هو كذلك ولكن موجب النهي هو الانتهاء وحقيقته الامتناع عن الإيجاد ثم إن دعته نفسه إلى الإيجاد يلزمه الترك ليكون ممتنعا والنهي عنه يبقى عدما كما كان ألا ترى أن الامتناع الذي به يتحقق الانتهاء يستغرق جميع العمر والترك الذي هو فعل منه لا يستغرق فإنه قبل أن يعلم به يكون منتهيا بالامتناع عنه ولا يكون مباشرا للفعل الذي هو ترك الإيجاد فإن ذلك لا يكون إلا عن قصد منه بعد العلم به وبيان هذا أن الصائم مأمور بترك اقتضاء السهرتين في حال الصوم فلا يتحقق منه هذا الفعل ركنا للصوم حتى يعلم به ويقصده والمعتدة ممنوعة من التزوج والخروج والتطيب وذلك ركن الاعتداد ويتم ذلك وإن لم تعلم به حتى يحكم بانقضاء عدتها بمضي الزمان قبل أن نشعر به وعلى هذا لو قال لامرأته إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق ثم قال لا أشاء طلاقك لم تطلق ولو قال إن أبيت طلاقك فأنت طالق ثم قال قد أبيت طلقت لأن الإباء فعل يقصده ويكسبه فيصير موجودا بقوله قد أبيت ولا يكون ذلك مستغرقا للمدة وعدم المشيئة عبارة عن امتناعه من المشيئة وذلك يستغرق عمره فلا يتحقق وجود الشرط بقوله لا أشاء ولا بامتناعه من المشيئة في جزء من عمره وإذا تبين أن مقتضى النهي قبح المنهي عنه شرعا فنقول المنهي عنه في صفة القبح قسمان قسم منه ما هو قبيح لعينه وقسم منه ما هو قبيح لغيره وهذا القسم يتنوع نوعين نوع منه ما هو قبيح لمعنى جاوره جمعا ونوع منه ما هو قبيح لمعنى اتصل به وصفا
فأما بيان القسم الأول في العبث والسفه فإنهما قبيحان شرعا لأن واضع اللغة وضع هذين الاسمين لما يكون خاليا عن الفائدة ومبنى الشرع على ما هو حكمة لا يخلو عن فائدة فما يخلو عن ذلك قطعا يكون قبيحا شرعا ومن هذا النوع فعل اللواطة فالمقصود من اقتضاء الشهوة شرعا هو النسل وهذا المحل ليس بمحل له أصلا فكان قبيحا شرعا ونظيره من العقود بيع الملاقيح والمضامين فإنه قبيح شرعا لأن البيع مبادلة المال بالمال شرعا وهو مشروع لاستنماء المال به والماء في الصلب والرحم لا مالية فيه فلم يكن محلا للبيع شرعا وكذلك الصلاة بغير الطهارة لأن الشرع قصر الأهلية لأداء الصلاة على كون المصلي طاهرا عن الحدث والجنابة فتنعدم الأهلية بانعدام صفة الطهارة وانعدام الأهلية فوق انعدام المحلية فكان كل واحد منهما قبيحا شرعا بهذا الطريق وحكم هذا النوع من المنهي بيان أنه غير مشروع أصلا لأن المشروع لا يخلو عن حكمة وبدون الأهلية والمحلية لا تصور لذلك فيعلم به أنه غير مشروع أصلا وبيان النوع الثاني من الأفعال وطء الرجل زوجته في حالة الحيض فإنه حرام منهي عنه ولكن لمعنى استعمال الأذى واستعمال الأذى مجاور للوطء جمعا غير متصل به وصفا ولهذا جاز له أن يستمتع بها فيما سوى موضع خروج الدم في قول محمد رحمه الله لأنه لا يجاور فعله استعمال الأذى وفي قول أبي حنيفة رحمه الله يستمتع بها فوق المئزر ويجتنب ما تحته احتياطا لأنه لا يأمن الوقوع في استعمال الأذى إذا استمتع بها في الموضع القريب من موضع الأذى ونظير هذا النوع من العقود والعبادات البيع وقت النداء فإنه منهي عنه لما فيه من الاشتغال عن السعي إلى الجمعة بغيره بعدما تعين لزوم السعي وذلك يجاور البيع ولا يتصل به وصفا والصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها لمعنى شغل ملك الغير بنفسه وذلك مجاور لفعل الصلاة جمعا غير متصل به وصفا فعرفنا أن قبحه لمعنى في غيره وحكم هذا النوع أنه يكون صحيحا مشروعا بعد النهي من قبل أن القبح لما كان باعتبار فعل آخر سوى الصلاة والبيع والوطء لم يكن مؤثرا في المشروع لا أصلا ولا وصفا ألا ترى أن الصائم إذا ترك الصلاة يكون فعل الصوم منه عبادة صحيحة هو مطيع فيه وإن كان عاصيا في ترك الصلاة وهنا يكون مطيعا في الصلاة وإن كان عاصيا في شغل ملك الغير بنفسه ومباشرا للوطء المملوك بالنكاح وإن كان عاصيا مرتكبا للحرام باستعمال الأذى ولهذا قلنا يثبت الحل للزوج الأول بالوطء الثاني إياها في حالة الحيض ويثبت به إحصان الواطىء أيضا وأما النوع الثالث فبيانه في الزنا فإنه وطء غير مملوك فكان قبيحا شرعا لأن الشرع قصر ابتغاء النسل بالوطء على محل مملوك فقال الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ونظيره من العقود الربا فإنه قبيح لمعنى اتصل بالبيع وصفا وهو انعدام المساواة التي هي شرط جواز البيع في هذه الأموال شرعا ومن العبادات النهي عن صوم يوم العيد وأيام التشريق فإنه قبيح لمعنى اتصل بالوقت الذي هو محل الأداء وصفا وهو أنه يوم عيد ويوم ضيافة ثم لا خلاف فيما يكون من الأفعال التي يتحقق حسا من هذا النوع أنه في صفة القبح ملحق بالقسم الأول فإن الزنا وشرب الخمر حرام لعينه غير مشروع أصلا ولهذا تتعلق بهما العقوبة التي تندرىء بالشبهات وما كان مشروعا من وجه وحراما لغيره لا يخلو عن شبهة فإيجاب العقوبة فيهما دليل ظاهر على أن حرمتهما لعينهما وذلك دليل على قبح المنهي عنه لعينه واختلفوا فيما يكون من هذا النوع من العقود والعبادات قال علماؤنا رحمهم الله موجب مطلق النهي فيها تقرير المشروع مشروعا وجعل أداء العبد إذا باشرها فاسدا إلا بدليل وقال الشافعي موجب مطلق النهي في هذا النوع انتساخ المنهي عنه وخروجه من أن يكون مشروعا أصلا إلا بدليل وحجته في ذلك أن النهي ضد الأمر
ثم مقتضى مطلق الأمر شرع المأمور به فمقتضى مطلق النهي ضده وهو انعدام كون المنهي عنه مشروعا وهذا لأن الحقيقة هو المراد من كل نوع حتى يقوم دليل المجاز ثم الحقيقة في مطلق الأمر إثبات صفة الحسن في المأمور به شرعا لعينه لا لغيره وكذلك الحقيقة في مطلق النهي إثبات صفة القبح في المنهي عنه لعينه لا لغيره وهذا لأن المطلق ينصرف إلى الكامل دون الناقص فإن الناقص موجود من وجه دون وجه ومع شبهة العدم فيه لا يثبت ما هو الحقيقة فيه فبهذا تبين أن المطلق يتناول الكامل والكمال في الأمر الذي هو طلب الإيجاد بأن يحسن المأمور به لعينه فكذلك الكمال فيما هو طلب الإعدام إثبات صفة القبح في إيجاده لعينه وإذا تقرر هذا خرج المنهي عنه من أن يكون مشروعا لمقتضى النهي وحكمه أما مقتضاه فلأن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحا والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مباحا فكذلك لا يجوز أن يكون مشروعا وبهذا تبين أن النهي بمعنى النسخ في إخراج المنهي عنه من أن يكون مشروعا وأما حكمه فوجوب الانتهاء ليكون معظما مطيعا للناهي في الانتهاء ويكون عاصيا لا محالة في ترك الانتهاء وإنما يكون عاصيا بمباشرة ما هو خلاف المشروع فعرفنا أن بالنهي يخرج من أن يكون مشروعا يقرره أن المنهي عنه لا يكون مرضيا به أصلا وإن كان لا تنعدم به الإرادة والقضاء والمشيئة بمنزلة الكفر والمعاصي فإنها تكون من العباد بالإرادة والمشيئة والقضاء ولا يكون مرضيا به قال الله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر والمشروع ما يكون مرضيا به قال الله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية فبهذا تبين أن المنهي عنه غير مشروع أصلا ثم صفة القبح في المنهي عنه وإن كان لمعنى اتصل به وصفا فذلك دليل على أنه لم يبق مشروعا لأن ذلك الوصف لا يفارق المنهي عنه ومع وجوده لا يكون مشروعا فبه يخرج من أن يكون مشروعا أصلا بمنزلة نكاح المعتدة والنكاح بغير شهود فإن النهي عنهما كان لمعنى زائد على ما به يتم العقد من فقد شرط أو زيادة صفة في المحل ثم يخرج به من أن يكون مشروعا أصلا مقيدا بما هو الحكم المطلوب من النكاح إذا تقرر هذا فالمسائل تخرج له على هذا الأصل منها أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأن ثبوتها بطريق النعمة والكرامة حتى تكون أمهاتها وبناتها في حقه كأمهاته وبناته في المحرمية فيستدعي سببا مشروعا والزنا قبيح لعينه غير مشروع أصلا فلا يصلح سببا لهذه الكرامة ومنها أن البيع الفاسد نحو الربا والبيع بأجل مجهول وبيع المال بالخمر لا يكون موجبا للملك بحال لأن الملك نعمة وكرامة ألا ترى أن صفة المالكية إذا قوبلت بالمملوكية كان معنى النعمة بالمالكية فيستدعي سببا مشروعا والقبيح لعينه لا يكون مشروعا أصلا يقرره أن النعمة تستدعي سببا مرغوبا فيه شرعا ليرغب العاقل في مباشرته لتحصيل النعمة والمنهي عنه شرعا لا يجوز أن يكون مرغوبا فيه شرعا ومنها أن الغصب لا يكون موجبا للملك عند تقرر الضمان لهذا المعنى ومنها أن استيلاء الكفار على مال المسلم لا يكون موجبا للملك لهم شرعا لأن ذلك عدوان محض فلا يكون ذلك مشروعا في نفسه ولا يصلح سببا لحكم مشروع مرغوب فيه ومنها أن صوم يوم العيد لم يبق بعد النهي صوما مشروعا حتى لا يصح التزامه بالنذر لأن الصوم المشروع عبادة والعبادة اسم لما يكون المرء بمباشرته مطيعا لربه فما يكون هو بمباشرته عاصيا مرتكبا للحرام لا يكون صوما مشروعا ومنها أن العاصي في سفره كالعبد الآبق وقاطع الطريق لا يترخص برخص المسافرين لأن ثبوت ذلك بطريق النعمة لدفع الحرج عنه عند السير المديد فإذا كان سيره معصية لم يصلح سببا لما هو نعمة في حقه إذ النعمة تستدعي سببا مشروعا وما يكون المرء عاصيا بمباشرته فإنه لا يكون مشروعا
ومنها بيع الدهن النجس فإنه لا يكون مشروعا مفيدا لحكمه لأن النجاسة لما اتصلت بالدهن وصفا فصارت بحيث لا تفارقه خرج الدهن من أن يكون محلا للبيع المشروع والتحق بودك الميتة فخرج من أن يكون محلا للبيع مفيدا لحكمه وهو الملك كما بينا في بيع الملاقيح والمضامين قال ولا يدخل على ما ذكرنا الظهار فإنه موجب للكفارة التي هي مشروعة وإن كان هو في نفسه قبيحا حراما لأنه منكر من القول وزور هذا لأن الكفارة مشروعة جزاء على ارتكاب المحظور بمنزلة الحدود لا أصلا بنفسه على سبيل الكرامة والنعمة والجزاء يستدعي سببا محظورا فيكون الظهار محظورا يحقق معنى السببية لما هو في معنى الجزاء ولا تعدم الصلاحية لذلك ولا يدخل عليه استيلاد أحد الشريكين الجارية المشتركة فإنه يثبت النسب والملك للمستولد في نصيب شريكه وذلك حكم مشروع يثبت بسبب وطء محظور لأن ثبوت النسب باعتبار وطئه ملك نفسه والنهي باعتبار أن وطأه يصادف ملك الشريك أيضا وملك الشريك مجاور لملكه جمعا غير متصل بملكه وصفا وكان في الصلاحية لثبوت النسب به بمنزلة الوطء في حالة الحيض ثم إنما يملك نصيب الشريك حكما لثبوت أمية الولد في نصيبه وكون الاستيلاد مما لا يحتمل الوصف بالتجزي وذلك غير محظور ولا يدخل على هذا الطلاق في حالة الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه فإنه منهي عنه ومع ذلك كان واقعا موجبا لحكم مشروع وهو الفرقة لأن هذا النهي لأجل الحيض وهو صفة المرأة غير متصل بالطلاق وصفا ولكنه مجاور له جمعا حين أوقعه في وقته وكان النهي لمعنى الإضرار بها من حيث تطويل العدة عليها أو تلبيس أمر العدة عليها إذا أوقع في الطهر الذي جامعها فيه وذلك غير متصل بالطلاق الذي هو سبب الفرقة أصلا ولا وصفا ولا يدخل على ما ذكرنا إحرام المجامع لأهله فإنه ينعقد موجبا أداء الأعمال وإن كان منهيا عنه لأن النهي عن الجماع مع عقد الإحرام والجماع غير متصل بالإحرام أصلا ولا وصفا ولهذا كان موجبا للقضاء والشروع بصفة الفساد غير موجب للقضاء بالاتفاق فتبين به أنه ينعقد صحيحا ثم فسد لارتكاب المحظور به ولكن الإحرام مشروع على أنه لا يخرج منه المرء بعدما شرع فيه إلا بالطريق الذي عينه الشرع للخروج منه وهو أداء الأعمال أو الدم عند الإحصار فيلزمه أداء الأعمال ليكتسب به طريق الخروج من الإحرام شرعا وذلك مشروع فيجوز أن يلزمه أداء الأعمال أيضا وكذلك لو جامعها بعدما أحرم فإنه لا يخرج إلا بأداء الأعمال لهذا المعنى ولأن الجماع في الإحرام محظور شرعا فيجوز أن يقال ما يلزمه من أداء الأعمال بعده على وجه لا يكون معتدا به في إسقاط الواجب عنه جزاء على ارتكاب ما هو محظور وكلامنا فيما هو مشروع ابتداء لا جزاء وقبل الجماع لزمه أداء الأعمال بسبب مشروع وليس إلى العبد ولاية تغيير المشروع وإن كان الأداء يفسد بفعل منه كما تفسد الصلاة بالتكلم فيها ولا يتغير به المشروع وإذا لم يصلح فعله مغيرا بقي طريق الخروج بأداء الأفعال مشروعا كما كان قبل الجماع وللشرع ولاية نفي المشروع وإخراجه من أن يكون مشروعا كما له ولاية الشرع بمطلق نهيه الذي هو دليل القبح في المنهي عنه فصلح أن يكون مخرجا للمنهي عنه من أن يكون مشروعا فلهذا لم يبق مشروعا بعد النهي وحجتنا ما ذكره محمد رحمه الله في كتاب الطلاق فإنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد وأيام التشريق فنهانا عما يتكون وعما لا يتكون والنهي عما لا يتكون لغو حتى لا يستقيم أن يقال للأعمى لا تبصر وللآدمي لا تطر ومعلوم أنه إنما نهى عن صوم شرعي فالإمساك الذي يسمى صوما لغة غير منهي عنه ومن أتى به لحمية أو مرض أو قلة اشتهاء لا يكون مرتكبا للمنهي عنه فهذا دليل على أن الصوم الذي هو عبادة مشروع في الوقت بعد النهي كما كان قبله
وتقرير هذا الكلام من وجهين أحدهما أن موجب النهي هو الانتهاء وإنما يتحقق الانتهاء عن شيء والمعدوم ليس بشيء فكان من ضرورة صحة النهي موجبا للانتهاء كون المنهي عنه مشروعا في الوقت فكيف يستقيم أن يجعل المنهي عنه غير مشروع بحكم النهي بعدما كان مشروعا وبه تبين أن النهي ضد النسخ فالنسخ تصرف في المشروع بالرفع ثم ينعدم أداء العبد باعتبار أنه لم يبق مشروعا وليس للعبد ولاية الشرع والنهي تصرف في منع المخاطب من أداء ما هو مشروع في الوقت فيكون انعدام الأداء منه انتهاء عما نهي عنه ومقتضى النهي حرمة الفعل الذي هو أداء لوجوب الانتهاء فبقي المشروع مشروعا كما كان ويصير الأداء فاسدا حراما لأن فيه ترك الانتهاء الواجب بالنهي وبيان هذا في قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فإنه كان تحريما لفعل القربان ولم يكن تحريما لعين الشجرة وكما لا يتصور تحريم قربان الشجرة بدون الشجرة لا يتحقق تحريم أداء الصوم في وقت ليس فيه صوم مشروع وبهذا الحرف يتبين الفرق بين الأفعال الحسية والعقود الحكمية والعبادات الشرعية فإنه ليس من ضرورة حرمة الأفعال الحسية انعدام التكون فقلنا تأثير التحريم في إخراجها من أن تكون مشروعة أصلا وإلحاقها بما هو قبيح لعينه ومن ضرورة تحريم العقود الشرعية بقاء أصلها مشروعا إذ لا تكون لها إذا لم تبق مشروعة وبدون التكون لا يتحقق تحريم فعل الأداء وكذلك في العبادات فكان في إبقاء المشروع مشروعا مراعاة حقيقة النهي لا أن يكون تركا للحقيقة كما قرره الخصم يوضحه أن صفة الفساد للعقد لا يكون إلا عند وجود العقد فإن الصفة لا تسبق الموصوف وكذلك فساد المؤدى من الصوم لا يسبق الأداء ولا أداء إذا لم يبق مشروعا فبه تبين أنه بقي مشروعا والمشروعات لا تكون قبيحا لعينه فعرفنا أن القبح لوصف اتصل به فصار به الأداء قبيحا فاسدا إلا في موضع يتعذر الجمع بين صفة الحرمة وبقاء الأصل فحينئذ ينعدم ضرورة ويكون ذلك نسخا من طريق المعنى في صورة النهي لا أن يكون نهيا حقيقة ولا ضرورة هنا فالصوم والصلاة يستقيم أن يكون أصله مشروعا مع كون الأداء حراما كصوم يوم الشك والصلاة في وقت مكروه وكذلك العقود الشرعية يتصور بقاء أصلها مشروعا مع حرمة مباشرة التصرف وفساده كالطلاق في حالة الحيض وفي الطهر الذي جامع فيه امرأته وتقرير آخر أن النهي يوجب إعدام المنهي عنه بفعل مضاف إلى كسب العبد واختياره لأنه ابتلاء كالأمر وإنما يتحقق الابتلاء إذا بقي للعبد فيه اختيار حتى إذا انتهى معظما لحرمة الناهي كان مثابا عليه وإذا أقدم عليه تاركا تعظيم حرمة الناهي كان معاقبا على إيجاده ولا يتحقق ذلك إلا فيما هو مشروع فبهذا تبين أن موجب النهي إنما يتحقق في العقود الشرعية والعبادات إذا كانت مشروعة بعد النهي فأما صفة القبح فهو ثابت بمقتضى النهي ولكن ثبوت المقتضى لتصحيح المقتضى لا لإبطاله وإذا انعدم المشروع بمقتضى صفة القبح ينعدم موجب النهي وبانعدامه يبطل النهي فلا يجوز إثبات المقتضى على وجه يكون مبطلا للمقتضي
و الشافعي رحمه الله فعل ذلك فكان قوله فاسدا ونحن أثبتنا أصل النهي موجبا للانتهاء ثم أثبتنا المقتضى بحسب الإمكان على وجه لا يبطل به الأصل ولكن يثبت القبح والحرمة صفة لأداء العبد المشروع في الوقت فإن القبح إذا كان في وصف الشيء لا يعدم أصله كالإحرام بعد الفساد فإنه يبقى أصله وإن كان قبيحا لمعنى اتصل بوصفه وهو الفساد والعذر الذي ذكره يرجع إلى تحقيق ما ذكرنا فإن فساد الإحرام بالجماع حكم ثابت شرعا وإلى الشرع ولاية إعدام أصل الإحرام فلو كان من ضرورة صفة الفساد انعدام الأصل في المشروعات لكان الحكم بفساده شرعا معدما لأصله ألا ترى أن بسبب الردة ينعدم أصل الإحرام وإن كان ذلك من أعظم الجنايات لأن حبوط العمل بالردة حكم شرعي وبسبب الإحصار يتمكن من الخروج من الإحرام قبل أداء الأعمال وذلك جناية من العبد ولكن جواز دفع ضرر استدامة الإحرام عن نفسه حكم شرعي فيتمكن به من الخروج قبل أداء الأعمال وكان ما بيناه نهاية في التحقيق ومراعاة لحقيقة موجب النهي وإثباتا بمقتضاه بحسب الإمكان وبهذا يتبين الفرق بين الأمر والنهي على ما استدل به الخصم فإن مطلق الأمر يوجب حسن المأمور به لعينه لأنه طلب الإيجاد بأبلغ الجهات فتمام ذلك بالوجود حقيقة فكان في إثبات صفة الحسن بمقتضى الأمر على هذا الوجه تحقيق المأمور به فأما النهي فطلب الإعدام بأبلغ الجهات ولكن مع بقاء اختيار العبد فيه ليكون مبتلى كما في الأمر وحقيقة ذلك إنما يتكون به فيما هو مشروع ويبقى بعد النهي مشروعا فيثبت مقتضاه على الوجه الذي يوجبه ما هو الموجب الأصلي فيه حقيقة وكما أن المأمور به لا يصير موجودا بمقتضى الأمر لأنه ينعدم به معنى الابتلاء فكذلك المنهي عنه لا ينعدم بمجرد النهي لتحقيق معنى الانتهاء وإذا لم ينعدم بقي مشروعا لا محالة
وبيان تخريج المسائل على هذا الأصل أن نقول الصوم مشروع في كل يوم باعتبار أنه وقت اقتضاء الشهوة عادة والصوم منع النفس عن اقتضاء الشهوة لابتغاء مرضاة الله تعالى ويوم العيد كسائر الأيام في هذا فكان الصوم مشروعا فيه وبالنهي لم ينعدم هذا المعنى ثم النهي ليس لأنه صوم شرعي ولكن لما فيه من معنى رد الضيافة وإليه وقعت الإشارة في قوله عليه السلام فإنها أيام أكل وشرب وهذا المعنى باعتبار صفة اليوم وهو أنه يوم عيد فيثبت القبح في الصفة دون الأصل وهو أنه يكون حرام الأداء والمؤدى يكون عاصيا بارتكابه ما هو حرام ويبقى أصل الصوم مشروعا في الوقت لأنه مشروع باعتبار أصل اليوم ولا قبح فيه ولهذا قلنا يصح التزامه بالنذر لأنه بالنذر يصير ملتزما في ذمته ما هو عبادة مشروعة في الوقت ولا فساد في المشروع وذكر اليوم لبيان مقدار ما التزمه على ما بينا أن الوقت معيار للصوم ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله ( إنه ) لا يلزمه بالشروع وإن أفسده بعد الشروع لا يلزمه القضاء لأن الشروع أداء منه فيكون حراما فاسدا فيكون هذا مطالبا بالكف عنه شرعا لا بإتمامه فلا يكون الإفطار جناية منه على حق الشرع ولا يبقى في عهدته حتى يحتاج إلى القضاء فأما بالنذر فلا يصير مرتكبا للحرام فيصح نذره ويؤمر بالخروج عنه بصوم يوم آخر وبه يتم التحرز عن ارتكاب المحرم ولكن لو صام فيه خرج عن موجب نذره لأنه التزم المشروع في الوقت ونتيقن أنه أدى المشروع في الوقت إذا صام فيسقط عنه الواجب وإن كان الأداء فاسدا منه كمن نذر أن يعتق عبدا بعينه فعمى ذلك العبد أو كان أعمى يتأدى المنذور بإعتاقه ولا فرق بينهما فالعبد مستهلك باعتبار وصفه ( قائم باعتبار أصله والصوم في هذا الوقت مشروع باعتبار أصله فاسد الأداء باعتبار وصفه ) ولهذا لا يتأدى واجب آخر بصوم هذا اليوم لأن ذلك وجب في ذمته كاملا وبصفة الفساد والحرمة في الأداء ينعدم الكمال ضرورة وعلى هذا الصلاة في الأوقات المكروهة فالأداء منهي لمعنى هو صفة الوقت وهو أنه وقت مقارنة الشيطان الشمس على ما ورد به الأثر فلا ينعدم أصل العبادة مشروعا فيه ولكن يحرم الأداء ويلزم بالشروع كما يلزم بالنذر لأن الصلاة عبادة معلومة بأركانها والوقت ظرف لها لا معيار فلا يصير مؤديا بمجرد الشروع والمحرم هو الأداء ويتصور بهذا الشروع الأداء بدون صفة الحرمة بأن يصير حتى تبيض الشمس فلم يكن الشروع فاسدا كما لم يكن النذر فاسدا فيلزمه القضاء لهذا ولكن لا يتأدى به واجب آخر لأن النهي باعتبار وصف الوقت الذي هو ظرف للأداء يمكن نقصانا في الأداء والواجب في ذمته بصفة الكمال فلا يتأدى بالناقص إلا عصر يومه فإن الوجوب باعتبار ذلك الجزء الذي هو سبب وإنما يثبت الوجوب بصفة النقصان وقد أدى بتلك الصفة فسقط عنه الواجب وعلى هذا قلنا البيع الفاسد يكون مشروعا بأصله موجبا لحكمه وهو الملك إذا تأيد بالقبض لأن المشروع إيجاب وقبول من أهله في محله وبالشرط الفاسد لا يختل شيء من ذلك ألا ترى أن الشرط لو كان جائزا لم يكن مبدلا لأصله بل يكون مغيرا لوصفه والشرط الفاسد لا يكون معدما لأصله أيضا بل يكون مغيرا لوصفه فصار فاسدا وليس من ضرورة صفة الفساد فيه انعدام أصله لأن بالفساد يثبت صفة الحرمة وهذا السبب مشروع لإثبات الملك وملك اليمين مع صفة الحرمة يجتمع ألا ترى أن من اشترى أمة مجوسية أو مرتدة يثبت الملك له مع الحرمة وأن العصير إذا تخمر يبقى مملوكا له مع الحرمة فلهذا أثبتنا في البيع الفاسد ملكا حراما مستحق الدفع لفساد السبب ولم ينعدم به أصل المشروع بخلاف النكاح الفاسد فإنه ليس في النكاح إلا ملكا ضروريا يثبت به حل الاستمتاع ولهذا سمي ذلك الملك حلالا في نفسه ومن ضرورة فساد السبب ثبوت صفة الحرمة وبين الحرمة وبين ملك النكاح منافاة فينعدم الملك ومن ضرورة انعدامه خروج السبب من أن يكون مشروعا لأن الأسباب الشرعية تراد لأحكامها وثبوت النسب ووجوب المهر والعدة من حكم الشبهة لا من حكم أصل العقد شرعا وهذا الكلام يتضح في النكاح بغير شهود فإن قوله عليه السلام لا نكاح إلا بشهود إخبار عن عدمه بدون هذا الشرط فيكون نفيا لا نهيا بمنزلة قول الرجل لا رجل في الدار وكذلك في نكاح المحارم فإن النص الوارد فيه تحريم العين بقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى آخر الآية ولا يجتمع الحل والحرمة في محل واحد فكان ذلك نفيا للحل بالنكاح لا نهيا وكذلك نكاح المعتدة فإن قوله تعالى والمحصنات من النساء معطوف على قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم معناه وحرمت المحصنات من النساء وذلك عبارة عن منكوحة الغير ومعتدته فيكون نفيا لا نهيا وكذلك قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فقد ظهر بالدليل أن الحرمة الثابتة بالمصاهرة هي الثابتة بالنسب على أن تقوم المصاهرة مقام النسب في ذلك فكان تقديره وحرمت عليكم ما نكح آباؤكم وتصير صورة النهي عبارة عنه مجازا باعتبار هذا المعنى فكان نفيا كما هو موجب النسخ لا نهيا وكذلك قوله عليه السلام لا تنكح الأمة على الحرة فإنه إخبار فيكون نفيا للنكاح مع أن الدلالة قد قامت على أن الأمة من جملة المحرمات مضمومة إلى الحرة فإن الحل فيه على النصف من حل الحرة على ما نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى ومن ضرورة حرمة المحل انتفاء النكاح المشروع فيه كما قررناه وعلى هذا عقد الربا فإنه نوع بيع ولكنه فاسد لا بخلل في ركنه بل لانعدام شرط الجواز وهو المساواة في القدر فكما أن بوجود شرط مفسد لا ينعدم أصل المشروع فكذلك بانعدام شرط مجوز لا ينعدم أصل المشروع وثبوت ملك حرام به كما اقتضاه مثل هذا السبب
فإن قيل قوله تعالى وحرم الربا يوجب نفي أصله مشروعا كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم بل أولى لأنه أضاف هذا التحريم إلى نفسه وهناك الحرمة مضافة إلى الأم قلنا الربا عبارة عن الفضل فمعنى قوله تعالى وحرم الربا أي حرم اكتساب الفضل الخالي عن العوض بسبب التجارة ونحن نثبت هذه الحرمة ولكن بينا أنه ليس من ضرورة الحرمة في ملك اليمين انتفاء أصل الملك وعلى هذا قلنا بيع العبد بالخمر فإن الخمر فاسد التقوم شرعا ولم تنعدم به أصل المالية الثابتة فيه بالتمول فإن تموله ما فسد شرعا لما فيه من عرضية التخلل إذ التمول للشيء عبارة عن صيانته وادخاره لوقت الحاجة وإمساك الخمر إلى أن يتخلل لا يكون حراما شرعا بمنزلة من أحرم وله صيد فإن الصيد لا يكون متقوما في حق تصرفه حتى لا يتمكن من التصرف فيه ويكون محرم العين في حقه ولكن لا ينعدم أصل المالية فيه باعتبار ماله وهو ما بعد التحلل من الإحرام ولهذا اختلف العلماء في جواز هذا البيع فمنهم من يقول هو جائز بالقيمة ولو قضى القاضي بهذا نفذ قضاؤه فإذا تبين أنه لم ينعدم ما هو ركن العقد قلنا ينعقد العقد موجبا حكمه في محل يقبله وهو العبد ولا ينعقد موجبا للحكم في محل لا يقبله وهو الخمر حتى لا يملك الخمر وإن قبضه بحكم العقد بخلاف البيع بالميتة والدم فإنه لا مالية في الميتة والدم باعتبار الحال ولا باعتبار المآل وكذلك جلد الميتة لا مالية فيه باعتبار الحال فإنه لو ترك كذلك فإنه يفسد وإنما تحدث فيه المالية بصنع مكتسب وهو الدباغة ولهذا اتفق العلماء على بطلان هذا العقد ولو قضى قاض بجوازه لم ينفذ قضاؤه فلانعدام ما هو ركن العقد لم ينعقد العقد لأن انعقاده شرعا لا يكون بدون ركنه وعلى هذا جوزنا بيع الدهن الذي وقع فيه نجاسة لأن الدهن مال متقوم وبوقوع النجاسة فيه ما انعدم أصله ولا تغير وصفه إنما جاوره أجزاء النجاسة ولأجله حرم تناوله فيكون بمنزلة النهي الذي ورد لمعنى في غير المنهي عنه وهو غير متصل به وصفا ومثل هذا النهي لا يمنع جواز العقد كما لا يمنع كمال العبادة ولهذا يتأدى الفرض بأداء الصلاة في الأرض المغصوبة ويتأدى صوم الفرض في أيام الوصال إذا نواه لأن النهي بالمجاورة لا لمعنى اتصل بالوقت الذي يؤدى فيه الصوم إلا أن الوصال لا يتحقق لأن الشرع أخرج زمان الليل من أن يكون وقتا لركن الصوم وهو الإمساك باعتبار أن الإمساك فيه عادة فكان ذلك نسخا استعير لفظ النهي له مجازا ولا كلام في جواز ذلك إنما الكلام في موجب النهي حقيقة
ثم في البيع يمكن تمييز الدهن مما جاوره حكما فيكون البيع متناولا للدهن دون النجاسة وفي التناول لا يمكن تمييز الدهن مما جاوره فلا يحل تناوله فلهذا جاز بيع الثوب النجس ولا تجوز الصلاة فيه وعلى هذا قلنا العاصي في سفره يترخص بالرخص لأن سبب الرخصة السير المديد وهو موجود بصفة الكمال لا قبح في أصله ولا في صفته وإنما القبح في معنى جاوره وهو قصده إلى قطع الطريق أو تمرد العبد على مولاه ألا ترى أنه إذا ترك قصده بقصد الحج خرج من أن يكون عاصيا ولم يتغير سفره وإنما تبدل قصده وكذلك العبد إذا لحقه إذن مولاه لم يتغير سفره وخرج من أن يكون عاصيا وعلى هذا قلنا في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إن هذا النهي لا يعدم أصل الشهادة للقاذف حتى ينعقد النكاح بشهادته ولكن يفسد أداؤه حتى يخرج من أن يكون أهلا للعان لأن اللعان أداء وأداؤه فاسد بعد هذا النهي المطلق وعلى هذا قلنا الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأن الزنا قبيح لعينه وحرمة المصاهرة ليست تثبت بالزنا ولا بالوطء الحلال بعينه إنما الأصل فيه الولد المخلوق من الماءين وهو محترم مخلوق بخلق الله تعالى على أي وجه اجتمع الماءان في الرحم كما قال تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر فلا يتمكن فيه صفة القبح وتثبت الحرمة بطريق الكرامة له ثم تتعدى الحرمة إلى أطرافه وإلى أسباب خلقه فيقام السبب وهو الوطء في المحل الصالح لحدوث الولد فيه مقام نفس الولد في إثبات الحرمة وما قام مقام غيره في إثبات حكم فإنما تراعى صلاحية السبب للحكم في الأصل لا فيما قام مقامه بمنزلة التراب فإنه قائم مقام الماء في الطهارة وصلاحية السبب لهذا الحكم في استعمال الماء الذي هو الأصل لا في استعمال التراب فإنه تلويث ولهذا لم يكن وطء الميتة والإتيان في غير المأتى ووطء الصغيرة موجبا الحرمة لأن قيام الوطء مقام الولد في هذا الحكم باعتبار كون المحل محلا يخلق فيه الولد وذلك لا يوجد في هذه المواضع وعلى هذا قلنا في استيلاء الكفار على أموالنا إذا تم بالإحراز فهو موجب للملك لأن صفة الحرمة والقبح لهذا الفعل بواسطة العصمة في المحل وهذه الواسطة ثابتة من طريق الحكم في حقنا لا في حقهم فإنهم لا يعتقدون ذلك وولاية الإلزام منقطعة بانعدام ولايتنا عنهم في دار الحرب لأن هذه الواسطة هي العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام عندنا وقد انتهت هذه العصمة بانتهاء سببها حين أحرزوها بدارهم حتى إن في زمان الإحراز لما كانت العصمة عن الاسترقاق بالحرية المتأكدة بالإسلام ولم تنته بالإحراز الموجود منهم قلنا لا يملكون رقابنا وعلى هذا قلنا الغصب سبب موجب للملك عند تقرر الضمان لأنه قبيح بأنه غصب والملك لا يثبت به وإنما يثبت الملك للغاصب بتملك المغصوب منه بدله وهو القيمة عليه وهذا حكم شرعي لا قبح فيه بل فيه حكمة بالغة وهو التحرز عن فضل خال عن العوض سالم للمغصوب منه شرعا فإنه إذا اجتمع الأصل والبدل في ملكه يتحقق هذا المعنى فيه مع أن الملك إنما لا يبقى للمغصوب منه ليتم به شرط سلامة الضمان له فإن الضمان ضمان جبر وإنما يجبر الفائت لا القائم فكان انعدام ملكه في العين شرطا لسلامة الضمان له وشرط الشيء تبعه فإنما تراعى صلاحية السبب في الأصل لا في التبع وفي المدبر على هذا الطريق نقول لما سلم الضمان للمغصوب منه بجعل الأصل زائلا عن ملكه حكما لأن المدبر محتمل لذلك ولهذا لو اكتسب هو كسبا ثم لم يرجع من إباقه حتى مات كان ذلك الكسب للغاصب وإنما لم يثبت الملك للغاصب فيه صيانة لحق المدبر والتدبير موجب حق العتق له عند الموت ولهذا امتنع بيعه وفي القن بعد ما زال ملك المغصوب منه لا مانع من دخوله في ملك الغاصب الضامن وهذا أحق الناس به لأنه ملك عليه بدله أو نقول في المدبر لا يمكن أن يجعل الضمان بدلا عن العين لأن من شرطه انعدام ملكه في العين وهذا الشرط لا يمكن إيجاده بحق المدبر فجعلنا الضمان ضمان الجناية واجبا باعتبار الجناية على يده وهذا جائز عند الضرورة ولا ضرورة في القن فيجعل بدلا عن العين ولهذا قلنا لو أخذ القيمة بطريق الصلح بغير قضاء القاضي لا يملك عليه المدبر ويملك عليه القن
وهذا طريق في تخريج جنس هذه المسائل فصل في بيان حكم الأمر والنهي في أضدادهما قال رضي الله عنه اعلم أن العلماء يختلفون فيهما جميعا فنبين كل واحد منهما على الانفراد ليكون أوضح أما بيان حكم الأمر فقد قال بعض المتكلمين لا حكم للأمر في ضده وقال الجصاص رحمه الله الأمر بالشيء يوجب النهي عن ضده سواء كان له ضد واحد أو أضداد وقال بعضهم يوجب كراهة ضده والمختار عندنا أنه يقتضي كراهة ضده ولا نقول إنه يوجبه أو يدل عليه مطلقا وحجة الفريق الأول أن الضد مسكوت عنه والسكوت عنه لا يكون موجبا شيئا ألا ترى أن التعليق بشرط لا يوجب نفي المعلق قبل وجود الشرط لأنه مسكوت عنه فيبقى على ما كان قبل التعليق فهنا أيضا الضد مسكوت عنه فيبقى على ما كان قبل الأمر يقرره أن الأمر فيما وضع له لا يوجب حكما فيما لم يتناوله النص إلا بطريق التعدية إليه بعد التعليل فلأن لا يوجب حكما في ضد ما وضع له كان أولى وعلى قول هؤلاء الذم والإثم على من ترك الائتمار باعتبار أنه لم يأت بما أمر به قال الجصاص رحمه الله وهو قول قبيح فإن فيه قولا باستحقاق العبد العقوبة على ما لم يفعله واستحقاق العقوبة إنما هو باعتبار فعل فعله العبد ثم إنه بنى مذهبه على أن الأمر المطلق يوجب الائتمار على الفور فقال من ضرورة وجوب الائتمار على الفور حرمة الترك الذي هو ضده والحرمة حكم النهي فكان موجبا للنهي عن ضده بحكمه يوضحه أن الأمر طلب الإيجاد للمأمور به على أبلغ الجهات والاشتغال بضده يعدم ما وجب بالأمر وهو الإيجاد فكان حراما منهيا عنه لمقتضى حكم الأمر ولهذا يستوي فيه ما يكون ضد واحد أو أضداد فبأي ضد اشتغل ينعدم ما هو المطلوب ألا ترى أنه إذا قال لغيره اخرج من هذه الدار سواء اشتغل بالقعود فيها أو الاضطجاع أو القيام ينعدم ما أمر به وهو الخروج وهذا هو الحجة للفريق الثالث إلا أنهم يقولون حرمة الضد بهذا الطريق تثبت بواسطة حكم الأمر فإنما ثبت أدنى الحرمة فيه لأن ما ثبت بطريق الدلالة لا يكون مثل الثابت بالنص والثابت بالنص ثابت من كل وجه وهذا ثابت من وجه دون وجه لتحقيق حكم الأمر ويكفي لذلك أدنى الحرمة بمنزلة حرمة تثبت بالنهي لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل بالنهي عنه فتثبت به الكراهة فقط ووجه القول المختار هذا الكلام أيضا إلا أنا نقول ثبوت الحرمة بطريق الاقتضاء هنا لأن طلب الوجود بالأمر يقتضي حرمة الضد ولا يثبت بدلالة النص إلا مثل ما هو ثابت بالنص أو أقوى منه كالتنصيص على حرمة التأفيف بدليل حرمة الشتم لأن فيه ذلك الأذى وزيادة فأما ما ثبت بطريق الاقتضاء فهو ثابت لأجل الضرورة وإنما يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة ووجود أحد الضدين يقتضي انتفاء الضد الآخر كالليل مع النهار فكان وجوب الأداء بالأمر مقتضيا نفي الضد وإنما حرم الضد بهذا الاقتضاء فلهذا قلنا إن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده لا أن يكون موجبا له أو دليلا عليه وما ذكره الجصاص أن مطلق الأمر يوجب الائتمار على الفور دعوى منه وقد ذكرنا أن الرواية بخلاف ذلك
والجواب عما قاله الفريق الأول أن الضد مسكوت عنه يتضح بالتقرير الذي قلنا في وجه المختار وهو أن ثبوت كراهة ضده بطريق الاقتضاء والمقتضى مسكوت عنه فإن ما يكون منصوصا عليه لا يكون ثبوته بطريق الاقتضاء ولا خلاف بيننا وبينهم أن الاقتضاء طريق صحيح لإثبات المقتضى وإن كان مسكوتا عنه بعد أن يكون محتاجا إليه وليس هذا نظير التعليق بالشرط فإن ذلك يوجب وجود الحكم ابتداء عند وجود الشرط ومن ضرورة وجود الحكم عند وجود الشرط ابتداء أن لا يكون موجودا قبله ولكن انعدامه قبل وجود الشرط عدم أصلي فلا يصير مضافا إلى الوجود عند وجود الشرط نصا ولا اقتضاء لأن العدم الأصلي لا يستدعي دليلا معدما يضاف إليه وأما ههنا وجوب الإقدام على الإيجاد يقتضي حرمة الترك والحرمة الثابتة بمقتضى الشيء تكون مضافا إليه فجعلنا قدر ما يثبت من الحرمة وهو الموجب للكراهة مضافا إلى الأمر اقتضاء وإذا تبين حكم الأمر فكذلك حكم النهي في ضده على هذه الأقاويل الأربعة فالفريق الأول يقولون لا حكم له في ضده لأنه مسكوت عنه ويستدلون على ذلك بقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فإنه لا يكون أمرا بضده وهو ترك قتل النفس إذ لو كان أمرا به لكان تارك قتل النفس مباشرا لفعل الطاعة وهو الائتمار بالأمر فإنه يكون مستحق الثواب الموعود للمطيعين وهذا فاسد وقال الجصاص رحمه الله النهي عن الشيء يوجب ضده إن كان له ضد واحد وإن كان له أضداد فلا موجب له في شيء من أضداده وبين ذلك في الحركة والسكون فإن قول القائل لا تتحرك يكون أمرا بضده وهو السكون لأن للمنهي عنه ضدا واحدا وقوله لا تسكن لا موجب له في ضده لأن له أضدادا وهي الحركة من الجهات الست فإن السكون ينعدم من أي جانب كانت الحركة فلا يتعين واحد من الأضداد مأمورا به بموجب النهي وإذا قال لغيره لا تقم فللمنهي عنه أضداد من القعود والاضطجاع فلا موجب لهذا النهي في شيء من أضداده قال لأن موجب النهي إعدام المنهي عنه بأبلغ الوجوه وإذا كان له ضد واحد فمن ضرورة وجوب الإعدام الكف عن الإيجاد فيكون النهي موجبا الأمر بالضد بحكمه واستدل على ذلك بقوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فإنه نهى عن الكتمان وهو موجب الأمر بالإظهار ولهذا وجب قبول قولها فيما تخبره لأنها مأمورة بالإظهار ونهى المحرم عن لبس المخيط لا يكون أمرا بلبس شيء عين من غير المخيط لأن للمنهي عنه أضدادا هنا وبحكم النهي لا يثبت الأمر بجميع الأضداد وليس بعضها بأولى من البعض يوضح الفرق بينهما أن مع التصريح بالنهي فيما له ضد واحد لا يستقيم التصريح بالإباحة في الضد فإنه لو قال نهيتك عن التحرك وأبحت لك السكون أو أنت بالخيار في السكون كان كلاما مختلا لأن موجب النهي تحريم المنهي عنه ومع تحريمه لا يتصور التخيير في ضده لاستحالة انعدامهما جميعا وصفة الإباحة تقتضي التخيير وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه الفريق الأول من أن الضد مسكوت عنه ولا تعويل على استدلالهم بالنهي عن قتل النفس لأنا نجعل ذلك بمنزلة التصريح بالكف عن قتل النفس لتحقيق موجب النهي والناس تكلموا في أن الأمر بالكف عن قتل النفس ما حكمه منهم من قال معنى الابتلاء لا يتحقق في مثل هذا لأن طبع كل واحد يحمله على ذلك ونيل الثواب في العمل بخلاف هوى النفس ليتحقق فيه الابتلاء
قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه ينال به ثواب المطيعين عند قصد امتثال الأمر وإظهار الطاعة وهكذا نقول إذا ثبت ذلك بحكم النهي فأما إذا كان للمنهي عنه أضداد يستقيم التصريح بالإباحة في جميع الأضداد بأن تقول لا تسكن وأبحت لك التحرك من أي جهة شئت فعرفنا أنه لا موجب لهذا النهي في شيء من الأضداد وقول من يقول بأن مثل هذا النهي يكون أمرا بأضداده يؤدي إلى القول بأنه لا يتصور من العبد فعل مباح أو مندوب إليه فإن المنهي عنه محرم وأضداده واجب بالأمر الثابت بمقتضى النهي فكيف يتصور منه فعل مباح أو مندوب إليه وفي اتفاق العلماء على أن أقسام الأفعال التي يأتي بها العبد عن قصد أربعة واجب ومندوب إليه ومباح ومحظور دليل على فساد قول هذا القائل وأما الفريق الثالث فيقولون موجب النهي في ضده إثبات سنة تكون في القوة كالواجب لأن هذا أمر ثبت بطريق الدلالة فيكون موجبه دون موجب الثابت بالنص وعلى القول المختار يحتمل أن يكون مقتضيا هذا المقدار على قياس ما بينا في الأمر وكذلك إذا كان للمنهي عنه أضداد فإنه يثبت هذا القدر من المقتضي في أي أضداده يأتي به المخاطب ولهذا قلنا بأن النهي عن لبس المخيط في حالة الإحرام يثبت أن السنة لبس الإزار والرداء وذلك أدنى ما يقع به الكفاية من غير المخيط فأما قوله ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فهو نسخ وليس بنهي بمنزلة قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد وإنما كان هذا أمرا بالإظهار بواسطة أن الكتمان لم يبق مشروعا وهو نظير قوله لا نكاح إلا بشهود وقد بينا تحقيق هذا المعنى فيما سبق فأما بيان فائدة الأصل المذكور في هذا الفصل من مسائل الفقه أن نقول لما كان الأمر مقتضيا كراهة الضد لم يكن ضده مفسدا للعبادة إلا أن يكون مفوتا لما هو واجب بصيغة الأمر ولكن يكون مكروها في نفسه فإن المأمور بالقيام في الصلاة إذا قعد لا تفسد صلاته لأنه لم يفت بهذا الضد ما هو الواجب بالأمر وهو القيام إذا أتى به بعد القعود ولكن القعود مكروه في نفسه ولكون النهي مقتضيا في ضده ما بينا من صفة السنة قلنا لا ينعدم بالضد ما هو موجب صيغة النهي فإن ركن العدة الامتناع من الخروج والتزوج ثبت ذلك بصيغة النهي قال تعالى ولا يخرجن وقال ولا تعزموا عقدة النكاح فإن فعلت ذلك لم ينعدم به مأمور ما هو ركن الاعتداد حتى تنقضي العدة بخلاف الكف في باب الصوم فإنه واجب بصيغة الأمر نصا قال تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل فينعدم الأداء بمباشرة الضد وهو الأكل وعلى هذا قلنا العدتان تنقضيان بمضي مدة واحدة لأن الكف في العدة ثابت بمقتضى النهي ولا تضايق فيما هو موجب النهي نصا وهو التحريم ولا يتحقق أداء الصومين في يوم واحد لتضايق الوقت في ركن كل صوم وهو الكف إلى وقت فإنه ثابت بالأمر نصا ولا يتحقق اجتماع الكفين في وقت واحد وعلى هذا قال أبو يوسف رحمه الله من سجد في صلاته على مكان نجس ثم سجد على مكان طاهر جازت صلاته لأن المأمور به السجود على مكان طاهر ومباشرة الضد بالسجود على مكان نجس لا يفوت المأمور به فيكون مكروها في نفسه ولا يكون مفسدا للصلاة وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تفسد به الصلاة لأن تأدي المأمور به لما كان باعتبار المكان فما يكون صفة للمكان الذي يؤدى الفرض عليه يجعل بمنزلة الصفة له حكما فيصير هو كالحامل للنجاسة إذا سجد على مكان نجس والكف عن حمل النجاسة مأمور به في جميع الصلاة فيفوت ذلك بالسجود على مكان نجس كما أن الكف عن اقتضاء الشهوة لما كان مأمورا به في جميع وقت الصوم يتحقق الفوات بالأكل في جزء من الوقت فيه وعلى هذا قال أبو يوسف بترك القراءة في شفع من التطوع لا يخرج عن حرمة الصلاة لأنه مأمور بالقراءة في الصلاة وذلك نهي عن ضده اقتضاء فترك القراءة ما لم يكن مفوتا للفرض لا يكون مفسدا ومع احتمال أداء شفع آخر بهذه التحريمة لا يتحقق فوات هذا الفرض فتبقى التحريمة صحيحة قابلة لبناء شفع آخر عليها وإن فسد أداء الشفع الأول بترك القراءة
وقال محمد رحمه الله القراءة فرض من أول الصلاة إلى آخرها حكما ولهذا لا يصلح الأمي خليفة للقارىء وإن كان قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وأتى بفرض القراءة في محلها وإذا كان مستديما حكما يتحقق فوات ما هو الفرض بترك القراءة في ركعة فيخرج به من تحريمة الصلاة وقال أبو حنيفة رحمه الله كل شفع من التطوع صلاة على حدة ولهذا تفترض القراءة في كل ركعة من الشفع عندنا كما تفترض في كل ركعة من الفجر إلا أن بترك القراءة في ركعة من التطوع لا يفوت ما هو المأمور به من القراءة في الصلاة نصا فلا تنقطع التحريمة وبترك القراءة في الركعتين يفوت ما هو الفرض قطعا فيكون ذلك قطعا للتحريمة وهكذا نقول في الفجر فإن بترك القراءة في ركعة يفسد الفرض ولكن لا تنحل التحريمة بل تنقلب تطوعا في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله وفي الرواية الأخرى يقول في التطوع احتمال بناء شفع آخر عليه قائم فإذا فعل ذلك كان الكل في حكم صلاة واحدة ولا تنقطع التحريمة بترك القراءة في ركعة منها ومثل هذا الاحتمال غير موجود في الفجر حتى إن في ظهر المسافر لبقاء هذا الاحتمال بنية الإقامة قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله لا تفسد بترك القراءة في ركعة منها حتى إذا نوى الإقامة أتم صلاته وقضى ما ترك من القراءة في الشفع الثاني فيجزيه ذلك وعلى هذا نقول إن بترك القراءة في التطوع في الركعتين جميعا لا تنحل التحريمة عنده لاحتمال بناء شفع آخر عليه كما في فصل المسافر ولكنه يفسد لتحقق فوات ما هو فرض في هذه الصلاة فإنه وإن بنى الشفع الثاني على تحريمته لا يخرج به من أن يكون الشفع الأول صلاة على حدة حقيقة وحكما ولهذا لا يفسد الشفع الأول بمفسد يعترض في الشفع الثاني والمسائل التي تخرج على هذا الأصل يكثر تعدادها والله أعلم فصل في بيان أسباب الشرائع قال رضي الله عنه اعلم بأن الأمر والنهي على الأقسام التي بيناها لطلب أداء المشروعات ففيها معنى الخطاب بالأداء بعد الوجوب بأسباب جعلها الشرع سببا لوجوب المشروعات والموجب هو الله تعالى حقيقة لا تأثير للأسباب في الإيجاب بأنفسها والخطاب يستقيم أن يكون سببا موجبا للمشروعات إلا أن الله تعالى جعل أسبابا أخر سوى الخطاب سبب الوجوب تيسيرا للأمر على العباد حتى يتوصل إلى معرفة الواجبات بمعرفة الأسباب الظاهرة وقد دل على ما بينا قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإن الألف واللام دليل على أن المراد أقيموا الصلاة التي أوجبتها عليكم بالسبب الذي جعلته سببا لها وأدوا الزكاة الواجبة عليكم بسببها كقول القائل أد الثمن فإنما يفهم منه الخطاب بأداء الثمن الواجب بسببه وهو البيع
ثم أصل الوجوب في المشروعات جبر لا صنع للعبد فيه ولا اختيار فإن الموجب هو الله تعالى تعبد العباد بما أوجبها عليهم فكما لا صنع لهم في صفة العبودية الثابتة عليهم لا صنع لهم في أصل الوجوب وباعتبار الأسباب التي جعلها الشرع سببا لا اختيار لهم في أصل الوجوب أيضا كما أنه لا اختيار لهم في السبب فأما وجوب الأداء الثابت بالخطاب لا ينفك عن اختيار يكون فيه للعبد عند الأداء وبه يتحقق معنى العبادة والابتلاء في المؤدي وهذا لأن التكليف بقدر الوسع شرعا وأصل الوجوب يثبت بتقرر السبب مع انعدام الخطاب بالأداء الثابت بالأمر والنهي فإن من مضى عليه وقت الصلاة وهو نائم تجب عليه الصلاة حتى يؤدى الفرض إذا انتبه فالخطاب موضوع عن النائم وكذلك المغمى عليه إذا لم يبق لتلك الصفة أكثر من يوم وليلة أو المجنون إذا لم يزدد جنونه على يوم وليلة يثبت حكم وجوب الصلاة في حقه حتى يلزمه القضاء والخطاب موضوع عنه ألا ترى أن المجنون أو المغمى عليه لو كان كافرا فكما أفاق أسلم لم تلزمه قضاء الصلوات لما لم يثبت الوجوب في تلك الحالة في حقه لانعدام الأهلية فإن الأسباب إنما توجب على من يكون أهلا للوجوب عليه وكذلك المغمى عليه في جميع شهر رمضان أو المجنون في بعض الشهر يثبت الوجوب في حقهما حتى يجب القضاء بعد الإفاقة والخطاب موضوع عنهما وكذلك الزكاة على أصل الخصم تجب على الصبي والمجنون والخطاب موضوع عنهما وبالاتفاق يجب عليهما العشر وصدقة الفطر وكذلك يجب عليهما حقوق العباد عند تحقق الأسباب منهما أو من الولي على سبيل النيابة عنهما كالصداق الذي يلزمهما بتزويج الولي إياهما والعتق الذي يستحقه القريب عليهما عند دخوله في ملكهما بالإرث وإن كان الخطاب موضوعا عنهما إذا تقرر هذا فنقول الأسباب التي جعلها الشرع موجبا للمشروعات هي الأسباب التي تضاف المشروعات إليها وتتعلق بها شرعا لأن إضافة الشيء إلى الشيء في الحقيقة تدل على أنه حادث به كما يقال كسب فلان أي حدث له باكتسابه وقد يضاف إلى الشرط مجازا أيضا على معنى أن وجوده يكون عند وجود الشرط ولكن المعتبر هو الحقيقة حتى يقوم دليل المجاز وتعلق الشيء بالشيء يدل على نحو ذلك فحين رأينا إضافة الصلاة إلى الوقت شرعا وتعلقها بالوقت شرعا أيضا حتى تتكرر بتكررها مع أن مطلق الأمر لا يوجب التكرار وإن كان معلقا بشرط ألا ترى أن الرجل إذا قال ( لغيره ) تصدق بدرهم من مالي لدلوك الشمس لا يقتضي هذا الخطاب التكرار ورأينا أن وجوب الأداء الثابت بقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس غير مقصور على المرة الواحدة ثبت أن تكرار الوجوب باعتبار تجدد السبب بدلوك الشمس في كل يوم ثم وجوب الأداء مرتب عليه بحكم هذا الخطاب وحرف اللام في قوله تعالى لدلوك الشمس دليل على تعلقها بذلك الوقت كما يقال تأهب للشتاء وتطهر للصلاة ولم يتعلق بها وجودا عندها فعرفنا أن تعلق الوجوب بها بجعل الشرع ذلك الوقت سببا لوجوبها فنقول وجوب الإيمان بالله تعالى كما هو بأسمائه وصفاته بإيجاب الله وسببه في الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم لمن وجب عليه وهذه الآيات غير موجبة لذاتها وعقل من وجب عليه غير موجب عليه أيضا ولكن الله تعالى هو الموجب بأن أعطاه آلة يستدل بتلك الآلة على معرفة الواجب كمن يقول لغيره هاك السراج فإن أضاء لك الطريق فاسلكه كان الموجب للسلوك في الطريق هو الأمر بذلك لا الطريق بنفسه ولا السراج فالعقل بمنزلة السراج والآيات الدالة على حدث العالم بمنزلة الطريق والتصديق من العبد والإقرار بمنزلة السلوك في الطريق فهو واجب بإيجاب الله تعالى حقيقة وسببه الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم ولهذا تسمى علامات فإن العلم للشيء لا يكون موجبا لنفسه ولا نعني أن هذه الآيات توجب وحدانية الله تعالى ظاهرا أو حقيقة وإنما نعني أنها في الظاهر سبب لوجوب التصديق والإقرار على العبد ولكون هذه الآيات دائمة لا تحتمل التغير بحال إذ لا يتصور للمحدث أن يكون غير محدث في شيء من الأوقات فكان فرضية الإيمان بالله تعالى دائما بدوام سببه غير محتمل للنسخ والتبديل بحال ولهذا صححنا إيمان الصبي العاقل لأن السبب متقرر في حقه والخطاب بالأداء موضوع عنه بسبب الصبا لأن الخطاب بالأداء يحتمل السقوط في بعض الأحوال ولكن صحة الأداء باعتبار تقرر السبب الموجب لا باعتبار وجوب الأداء كالبيع بثمن مؤجل سبب لجواز أداء الثمن قبل حلول الأجل وإن لم يكن الخطاب بالأداء متوجها حتى يحل الأجل والمسافر إذا صام في شهر رمضان كان صحيحا منه فرضا لتقرر السبب في حقه وإن كان الخطاب بالأداء موضوعا عنه قبل إدراك عدة من أيام أخر وهذا لأن صحة الأداء تكون بوجود ما هو الركن ممن هو أهل والركن هو التصديق والإقرار والأهلية لذلك لا تنعدم بالصبا فبعد ذلك بامتناع صحة الأداء لا يكون إلا بحجر شرعي والقول بالحجر لأحد عن الإيمان بالله تعالى محال فأما الصلاة فواجبة بإيجاب الله تعالى بلا شبهة وسبب وجوبها في الظاهر هو الوقت في حقنا وأمرنا بأدائها بقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أي لوجوبها بدلوك الشمس والدليل عليه أنها تنسب إلى الوقت شرعا فيقال فرض الوقت وصلاة الفجر والظهر وإنما يضاف الواجب إلى سببه وكذلك يتكرر الوجوب بتكرر الوقت والخطاب لا يوجب التكرار وهي لا تضاف إلى الخطاب شرعا وليس هنا سوى الوقت والخطاب فتبين بهذا أن الوقت هو السبب ولهذا لا يجوز تعجيلها قبل الوقت ويجوز بعد دخول الوقت مع تأخير لزوم الأداء بالخطاب إلى آخر الوقت
فإن قيل لا يفهم من وجوب العبادة شيء سوى وجوب الأداء ولا خلاف أن وجوب الأداء بالخطاب فما الذي يكون واجبا بسبب الوقت قلنا الواجب بسبب الوقت ما هو المشروع نفلا في غير الوقت الذي هو سبب للوجوب وبيان هذا في الصوم فإنه مشروع نفلا في كل يوم وجد الأداء أو لم يوجد وفي رمضان يكون مشروعا واجبا بسبب الوقت سواء وجد خطاب الأداء بوجود شرطه وهو التمكن من الأداء أو لم يوجد ألا ترى أن من كان مغمى عليه أو نائما في وقت الصلاة ثم أفاق بعد مضي الوقت يصير مخاطبا بالأداء لوجوبها عليه لوجود السبب وهو الوقت ولو كان هذا المغمى عليه أو النائم غير بالغ ثم بلغ بعد مضي الوقت ثم أفاق وانتبه لم يكن عليه قضاؤها وقد صار مخاطبا عند الإفاقة في الموضعين بصفة واحدة ولكن لما انعدمت الأهلية عند وجود السبب لم يثبت الوجوب في حقه فلما وجدت الأهلية في الفصل الأول ثبت الوجوب ومن باع بثمن مؤجل فالثمن يجب بنفس العقد والخطاب بالأداء متأخر إلى مضي الأجل فهذا مثله وسبب وجوب الصوم شهود الشهر في حال قيام الأهلية ولهذا أضيف إلى الشهر شرعا ويتكرر بتكرر الشهر ولم يجب الأداء قبل وجود الشهر وجاز بعد وإن كان الأداء متأخرا كما في حق المريض والمسافر فإن الأمر بالأداء في حقهما بعد إدراك عدة من أيام أخر والوجوب ثابت في الشهر بتقرر سببه حتى لو صاما كان ذلك فرضا ألا ترى أن من كان مسافرا الصوم ولو كان بالغا في رمضان مسافرا لزمه الأداء إذا صار مقيما وحالهما عند الإقامة بصفة واحدة فعرفنا أن الوجوب ثبت في حق أحدهما بتقرر سببه دون الآخر وبيان ما قلنا في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه معناه في رمضان غير بالغ ثم صار مقيما بعدما بلغ خارج رمضان لا يلزمه فليصم فيه لأن الوقت ظرف للصوم وإنما يفهم من هذا فليصم فيه الصوم الواجب بشهوده ولهذا ظن بعض المتأخرين ممن صنف في هذا الباب أن سبب الوجوب أيام الشهر دون الليالي لأن صلاحية الأداء مختص بالأيام قال رضي الله عنه وهذا غلط عندي بل في السببية للوجوب الأيام والليالي سواء فإن الشهر اسم لجزء من الزمان يشتمل على الأيام والليالي وإنما جعله الشرع سببا لإظهار فضيلة هذا الوقت وهذه الفضيلة ثابتة لليالي والأيام جميعا والرواية محفوظة في أن من كان مفيقا في أول ليلة من الشهر ثم جن قبل أن يصبح ومضى الشهر وهو مجنون ثم أفاق يلزمه القضاء ولو لم يتقرر السبب في حقه بما شهد من الشهر في حالة الإفاقة لم يلزمه القضاء ( وكذلك المجنون إذا أفاق في ليلة من الشهر ثم جن قبل أن يصبح ثم أفاق بعد مضي الشهر يلزمه القضاء ) والدليل عليه أن نية أداء الفرض تصح بعد دخول الليلة الأولى بغروب الشمس قبل أن يصبح ومعلوم أن نية أداء الفرض قبل تقرر سبب الوجوب لا يصح ألا ترى أنه لو نوى قبل غروب الشمس لم تصح نيته وأيد ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته فإنه نظير قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وقد بينا في الصلاة أن في تقرر الوجوب بتقرر السبب لا يعتبر التمكن بالأداء فإن من أسلم في آخر الوقت بحيث لا يتمكن من أداء الصلاة في الوقت يلزمه فرض الوقت فهنا وإن لم يثبت التمكن من الأداء بشهود الليل يتقرر سبب الوجوب ولكن بشرط احتمال الأداء في الوقت ولهذا لو أسلم في آخر يوم من رمضان قبل الزوال أو بعده لم يلزمه الصوم وإن أدرك جزءا من الشهر لأنه ليس هنا معنى احتمال الأداء في الوقت وقد قررنا هذا فيما سبق
وسبب وجوب الحج البيت ولهذا يضاف إليه شرعا قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ولهذا لا يتكرر بتكرر وقت الأداء لأن ما هو السبب غير متجدد فأما الوقت فهو شرط جواز الأداء وليس بسبب للوجوب ولا يقال بدخول شوال يدخل الوقت ويتأخر الأداء إلى يوم عرفة فعرفنا أن الوقت سبب للوجوب إذ لو لم يكن سببا له لم يكن إضافة الوقت إليه مفيدا ويقال أشهر الحج كما يقال وقت الصلاة فعرفنا أنه سبب فيه وهذا لأن عندنا يجوز الأداء كما دخل شوال ولكن هذه عبادة تشتمل على أركان بعضها مختص بوقت ومكان وبعضها لا يختص فما كان مختصا بوقت أو مكان لا يجوز في غير ذلك الوقت كما لا يجوز في غير ذلك المكان وما لم يكن مختصا بوقت فهو جائز في جميع وقت الحج حتى إن من أحرم في رمضان وطاف وسعى لم يكن سعيه معتدا به من سعى الحج حتى إذا طاف للزيارة يوم النحر تلزمه إعادة السعي ولو كان طاف وسعى في شوال كان سعيه معتدا به حتى لا يلزمه إعادته يوم النحر لأن السعي غير مؤقت فجاز أداؤه في أشهر الحج وأما الوقوف موقت فلم يجز أداؤه قبل وقته كما لا يجوز أداء طواف الزيارة يوم عرفة لأنه موقت بيوم النحر وكما لا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول وهو نظير أركان الصلاة فإن السجود ترتب على الركوع فلا يعتد به قبل الركوع ولا يدل ذلك على أن الوقت ليس بوقت الأداء وبهذا تبين أن الوقت ليس بسبب للوجوب ولكنه شرط جواز الأداء ووجوب الأداء فيه وكذلك الاستطاعة بالمال ليس بسبب للوجوب فإن هذه عبادة بدنية وإنما كان البيت سببا لوجوبها لأنها عبادة هجرة وزيارة تعظيما لتلك البقعة فلا يصلح المال سببا لوجوبها ولا هو شرط لجواز الأداء أيضا فالأداء من الفقير صحيح وإن كان لا يملك شيئا وإنما المال شرط وجوب الأداء فإن السفر الذي يوصله إلى الأداء لا يتهيأ له بدون الزاد والراحلة إلا بحرج عظيم والحرج مدفوع فعرفنا أن المال شرط وجوب الأداء وهو نظير عدة من أيام أخر في باب الصوم ( في حق المسافر ) الاداء بتجدد هذه الأيام وهنا أيضا لا يتكرر وجوب الأداء بتجدد ملك الزاد والراحلة فعرفنا أنه شرط لوجوب الأداء وسبب وجوب الطهارة الصلاة فإنها تضاف إليها شرعا فيقال تطهر للصلاة فأما الحدث فهو شرط وجوب الأداء بالأمر وهو قوله تعالى فاغسلوا فإنه شرط وجوب الأداء حتى كان الأداء جائزا قبله ولا يتكرر وجوب وجوهكم الآية لا أن يكون سببا للوجوب وكيف يكون سببا ( للوجوب ) وهو ناقض للطهارة فما كان مزيلا للشيء رافعا له لا يصلح سببا لوجوبه ولهذا جاز الأداء بدونه وكان الوضوء على وضوء نورا على نور ولا يجب الأداء مع تحقق الحدث بدون وجوب الصلاة فإن الجنب إذا حاضت لا يجب عليها الاغتسال ما لم تطهر لأنه ليس عليها وجوب الصلاة وبهذا تبين أن الطهارة ليست بعبادة مقصودة ولكنها شرط الصلاة وما يكون شرطا للشيء يتعلق به صحته ووجوبه بوجوب الأصل بمنزلة استقبال القبلة فإن وجوبه بوجوب الصلاة والشهود في باب النكاح ثبوتها بثبوت النكاح لكون الشهود شرطا في النكاح
وسبب وجوب الزكاة المال بصفة أن يكون نصابا ناميا ألا ترى أنه يضاف إلى المال وأنه يتضاعف بتضاعف النصب في وقت واحد ولكن الوجوب بواسطة غنى المالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صدقة إلا عن ظهر غنى والغنى لا يحصل بأصل المال ما لم يبلغ مقدارا وذلك في النصاب شرعا والوجوب بصفة اليسر ولا يتم ذلك إلا إذا كان المال ناميا ولهذا يضاف إلى سبب النماء أيضا فيقال زكاة السائمة وزكاة التجارة فأما مضي الحول فهو شرط لوجوب الأداء من حيث إن النماء لا يحصل إلا بمضي الزمان ولهذا جاز الأداء بعد كمال النصاب قبل حولان الحول وجواز الأداء لا يكون قبل تقرر سبب الوجوب حتى لو أدى قبل كمال النصاب لم يجز فإن قيل الزكاة يتكرر وجوبها في مال واحد باعتبار الأحوال وبتكرر الشرط لا يتجدد الواجب قلنا ليس كذلك بل يتكرر الوجوب بتجدد النماء الذي هو وصف للمال وباعتباره يكون المال سببا للوجوب فإن لمضي كل حول تأثيرا في حصول النماء المطلوب من عين السائمة بالدر والنسل والمطلوب من ربح عروض التجارة زيادة القيمة وسبب وجوب صدقة الفطر على المسلم الغني رأس يموله بولايته عليه ولهذا يضاف إليه فيقال صدقة الرأس ويتضاعف الواجب بتعدد الرؤوس من الأولاد الصغار والمماليك وإنما عرفنا هذا بقوله عليه السلام أدوا عن كل حر وعبد وقال عليه السلام أدوا عمن تمونون وحرف عن للانتزاع فأما أن يكون المراد طريق الانتزاع بالوجوب على الرأس ثم أداء الغير عنه وهذا باطل فإنه لا يجب على الكافر والرقيق والفقير والصغير فعرفنا أن المراد انتزاع الحكم عن سببه وفيه تنصيص على أن الرأس بالصفة التي قلنا هو السبب الموجب للوجوب وأما الفطر فهو شرط وجوب الأداء والإضافة إليه بطريق المجاز على معنى أن الوجوب عنده يكون وإنما جعلنا الفطر شرطا والرأس سببا مع وجود الإضافة إليهما لأن تضاعف الواجب بتعدد الرؤوس دليل محكم على أنه سبب والإضافة دليل محتمل فقد بينا أن الإضافة قد تكون إلى الشرط مجازا ولأن التنصيص على المئونة دليل على أن سبب الوجوب الرأس دون الفطر فالمئونة إنما تجب عن الرؤوس ولهذا اشتمل هذا الواجب على معنى المئونة وعلى معنى العبادة لأن صفة الغنى فيمن يجب عليه الأداء يعتبر لوجوب الأداء وذلك دليل كونه عبادة وصفة المئونة في المؤدي دليل على أنه بمنزلة النفقة وجواز الأداء قبل الفطر دليل على أن الفطر ليس بسبب في وجوب الأداء بشهود وقت الفطر في حق من لا يؤدي الصوم أصلا دليل على أن الفطر شرط وجوب الأداء فإن الكافر إذا أسلم ليلة العيد أو الصبي بلغ أو العبد عتق يلزمه الأداء بطلوع الفجر من يوم الفطر ولهذا لو أسلم بعد طلوع الفجر لم يلزمه وإن أدرك اليوم لأن وقت الفطر عن رمضان في حق وجوب الصدقة عند طلوع الفجر فإذا انعدمت الأهلية عند ذلك لم يجب الأداء وتكرر الوجوب بتكرر الفطر في كل سنة بمنزلة تكرر وجوب الزكاة بتكرر الحول فإن الوصف الذي لأجله كان الرأس موجبا وهو المئونة يتجدد بمضي الزمان كما أن النماء الذي لأجله كان المال سببا للوجوب يتجدد بتجدد الحول
وسبب وجوب العشر الأرض النامية باعتبار حقيقة النماء وسبب وجوب الخراج الأرض النامية باعتبار التمكن من طلب النماء بالزراعة ولهذا لو اصطلم الزرع آفة لم يجب العشر ولا الخراج ولهذا لم يجتمع العشر والخراج بسبب أرض واحدة بحال لأن كل واحد منهما مئونة الأرض النامية إلا أن العشر الواجب جزء من النماء فلا بد من حصول النماء ليثبت حكم الوجوب في محله بسببه ولهذا كان في العشر معنى المئونة ومعنى العبادة فباعتبار أصل الأرض هو مئونة لأن تملك الأرض سبب لوجوب مئونة شرعا وباعتبار كون الواجب جزءا من النماء فيه معنى العبادة بمنزلة الزكاة وفي الخراج معنى المئونة باعتبار أصل الأرض ومعنى المذلة باعتبار التمكن من طلب النماء بالزراعة فالاشتغال بالزراعة مع الإعراض عن الجهاد سبب للمذلة على ما روي أن النبي عليه السلام رأى شيئا من آلات الزراعة في دار فقال ما دخل ( هذا ) بيت قوم إلا ذلوا ولهذا يتكرر وجوب العشر بتجدد الخارج لتجدد الوصف وهو النماء ولا يتكرر وجوب الخراج في حول واحد بحال ولهذا جاز تعجيل الخراج قبل الزراعة ولم يجز تعجيل العشر لأن الأرض باعتبار حقيقة النماء توجب العشر وذلك لا يتحقق قبل الزراعة ولهذا أوجب أبو حنيفة رحمه الله العشر في قليل الخارج وكثيره وفي كل ما يستنبت في الأرض مما له ثمرة باقية وما ليست له ثمرة باقية سواء لأن الوجوب باعتبار صفة النماء ولا معتبر بصفة الغنى فيمن يجب عليه باعتبار النصاب لأجله وسبب وجوب الجزية الرأس باعتبار صفة معلومة وهو أن يكون كافرا حرا له بنية صالحة للقتال ولهذا يضاف إليه فيقال جزية الرأس ويتكرر الوجوب بتكرر الحول بمنزلة تكرر وجوب الزكاة فإن المعنى الذي كان الرأس سببا موجبا باعتبار نصرة القتال وهذا لأن أهل الذمة يصيرون منا دارا والقتال بنصرة الدار واجب على أهلها ولا تصلح أبدانهم لهذه النصرة لميلهم إلى أهل الدار المعادية لدارنا اعتقادا فأوجب عليهم في أموالهم جزية عقوبة لهم على كفرهم وخلفا عن النصرة التي قامت بإصرارهم على الكفر في حقنا ولهذا تصرف إلى المجاهدين الذين يقومون بنصرة الدار وهذه النصرة يتجدد وجوبها بتجدد الحاجة في كل وقت فكذلك ما كان خلفا عنها بتجدد وجوبها إلا أنه لا نهاية للحاجة إلى المال فيعتبر الوقت لتجدد الوجوب كما يعتبر في الزكاة وسبب وجوب العقوبات ما يضاف إليه نحو الزنا للرجم والجلد والسرقة للقطع وشرب الخمر والقذف للحد والقتل العمد للقصاص وسبب وجوب الكفارات التي هي دائرة بين العقوبة والعبادة ما يضاف إليه من سبب متردد بين الحظر والإباحة نحو اليمين المعقودة على أمر في المستقبل إذا حنث فيها والظهار عند العود والفطر في رمضان بصفة الجناية والقتل بصفة الخطأ
فأما سبب المشروع من المعاملات فهو تعلق البقاء المقدور بتعاطيها وبيان ذلك أن الله تعالى حكم ببقاء العالم إلى قيام الساعة وهذا البقاء إنما يكون ببقاء الجنس وبقاء النفس فبقاء الجنس بالتناسل والتناسل بإتيان الذكور الإناث في موضع الحرث والإنسان هو المقصود بذلك فشرع لذلك التناسل طريقا لا فساد فيه ولا ضياع وهو طريق الازدواج بلا شركة ففي التغالب فساد العالم وفي الشركة ضياع الولد لأن الأب إذا اشتبه يتعذر إيجاب مئونة الولد عليه وبالأمهات عجز عن اكتساب ذلك بأصل الجبلة فيضيع الولد وبقاء النفس إلى أجله إنما يقوم بما تقوم به المصالح للمعيشة وذلك بالمال وما يحتاج إليه كل واحد لكفايته لا يكون حاصلا في يده وإنما يتمكن من تحصيله بالمال فشرع سبب اكتساب المال وسبب اكتساب ما فيه كفاية لكل واحد وهو التجارة عن تراض لما في التغالب من الفساد والله لا يحب الفساد ولأن الله تعالى جعل الدنيا دار محنة وابتلاء كما قال تعالى إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه والإنسان الذي هو مقصود غير مخلوق في الدنيا لنيل اللذات وقضاء الشهوات بل للعبادة التي هي عمل بخلاف هوى النفس قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فعرفنا أن ما جعل لنا في الدنيا من اقتضاء الشهوات بالأكل وغير ذلك ليس لعين اقتضاء الشهوة بل لحكم آخر وهو تعلق البقاء المقدور بتعاطيها إلا أن في الناس مطيعا وعاصيا فالمطيع يرغب فيه لا لقضاء الشهوة بل لاتباع الأمر والعاصي يرغب فيه لقضاء شهوة النفس فيتحقق البقاء المقدور بفعل الفريقين وللمطيع الثواب باعتبار قصده إلى الإقدام عليه والعاصي مستوجب للعقاب باعتبار قصده في اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء تبارك الله الحكيم الخبير القدير هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير فصل في بيان المشروعات من العبادات وأحكامها قال رحمه الله هذه المشروعات تنقسم على أربعة أقسام فرض وواجب وسنة ونفل فالفرض اسم لمقدر شرعا لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو مقطوع به لكونه ثابتا بدليل موجب للعلم قطعا من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع وفي الاسم ما يدل على ذلك كله فإن الفرض لغة التقدير قال الله تعالى فنصف ما فرضتم أي قدرتم بالتسمية وقال تعالى سورة أنزلناها وفرضناها أي قطعنا الأحكام قطعا وفي هذا الاسم ما ينبىء عن شدة الرعاية في الحفظ لأنه مقطوع به وما ينبىء عن التخفيف لأنه مقدر متناه كيلا يصعب علينا أداؤه ويسمى مكتوبة أيضا لأنها كتبت علينا في اللوح المحفوظ وبيان هذا القسم في الإيمان بالله تعالى والصلاة والزكاة والصوم والحج فإن التصديق بالقلب والإقرار باللسان بعد المعرفة فرض مقطوع به إلا أن التصديق مستدام في جميع العمر لا يجوز تبديله بغيره بحال والإقرار لا يكون واجبا في جميع الأحوال وإن كان لا يجوز تبديله بغيره من غير عذر بحال والعبادات التي هي أركان الدين مقدرة متناهية مقطوع بها وحكم هذا القسم شرعا أنه موجب للعلم اعتقادا باعتبار أنه ثابت بدليل مقطوع به ولهذا يكفر جاحده وموجب للعمل بالبدن للزوم الأداء بدليله فيكون المؤدي مطيعا لربه والتارك للأداء عاصيا لأنه بترك الأداء مبدل للعمل لا للاعتقاد وضد الطاعة العصيان ولهذا لا يكفر بالامتناع عن الأداء فيما هو من أركان الدين لا من أصل الدين إلا أن يكون تاركا على وجه الاستخفاف فإن استخفاف أمر الشارع كفر فأما بدون الاستخفاف فهو عاص بالترك من غير عذر فاسق لخروجه من طاعة ربه فالفسق هو الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها ولهذا كان الفاسق مؤمنا لأنه غير خارج من أصل الدين وأركانه اعتقادا ولكنه خارج من الطاعة عملا والكافر رأس الفساق في الحقيقة إلا أنه اختص باسم هو أعظم في الذم فاسم الفاسق عند الإطلاق يتنازل المؤمن العاصي باعتبار أعماله
فأما الواجب فهو ما يكون لازم الأداء شرعا ولازم الترك فيما يرجع إلى الحل والحرمة والاسم مأخوذ من الوجوب وهو السقوط قال الله تعالى فإذا وجبت جنوبها أي سقطت على الأرض فما يكون ساقطا على المرء عملا بلزومه إياه من غير أن يكون دليله موجبا للعلم قطعا يسمى واجبا أو هو ساقط في حق الإعتقاد قطعا وإن كان ثابتا في حق لزوم الأداء عملا والفرض والواجب كل واحد منهما لازم إلا أن تأثير الفرضية أكثر ومنه سمي الحز في الخشبة فرضا لبقاء أثره على كل حال ويسمى السقوط على الأرض وجوبا لأنه قد لا يبقى أثره في الباقي فما كان ثابتا بدليل موجب للعمل والعلم قطعا يسمى فرضا لبقاء أثره وهو العلم به أدى أو لم يؤد وما كان ثابتا بدليل موجب للعمل غير موجب للعلم يقينا باعتبار شبهة في طريقه يسمى واجبا وقيل الاسم مشتق من الوجبة وهي الاضطراب قال القائل وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر أي اضطراب فلنوع شبهة في دليله يتمكن فيه اضطراب فسمي واجبا وهذا نحو تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة وتعديل الأركان والطهارة في الطواف والسعي في الحج وأصل العمرة والوتر والشافعي ينكر هذا القسم ويلحقه بالفرض فإن كان إنكاره ذلك للاسم فقد بينا معنى الاسم وإن كان للحكم فهو إنكار فاسد لأن ثبوت الحكم بحسب الدليل ولا خلاف بيننا وبينه أن هذا التفاوت يتحقق في الدليل فإن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين لاحتمال الغلط من الراوي وهو دليل موجب للعمل بحسن الظن بالراوي وترجح جانب الصدق بظهور عدالته فيثبت حكم هذا القسم بحسب دليله وهو أنه لا يكفر جاحده لأن دليله لا يوجب علم اليقين ويجب العمل به لأن دليله موجب للعمل ويضلل جاحده إذا لم يكن متأولا بل كان رادا لخبر الواحد فإن كان متأولا في ذلك مع القول بوجوب العمل بخبر الواحد فحينئذ لا يضلل ولوجوب العمل به يكون المؤدي مطيعا والتارك من غير تأويل عاصيا معاقبا وهذا لأن الدلالة قامت لنا على أن الزيادة على النص نسخ فلا يثبت إلا بما يثبت النسخ به والنسخ لا يثبت بخبر الواحد فكذلك لا نثبت الزيادة فلا يكون موجبا للعلم بهذا المعنى ولكن يجب العمل به لأن في العمل تقرير الثابت بالنص لا نسخ له إلا أن هذا يشكل على بعض الناس قبل التأمل على ما حكي عن يوسف بن خالد السمتي رحمه الله قدمت على أبي حنيفة رضي الله عنه فسألته عن الصلاة المفروضة كم هي فقال خمس فسألته عن الوتر فقال واجب فقلت لقلة تأملي كفرت فتبسم في وجهي ثم تأملت فعرفت أن بين الواجب والفريضة فرق كما بين السماء والأرض فيرحم الله أبا حنيفة ويجازيه خيرا على ما هداني إليه وبيان هذا أن فرضية القراءة في الصلوات ثابتة بدليل مقطوع به وهو قوله تعالى فاقرؤوا ما تيسر من القرآن وتعيين الفاتحة ثابت بخبر الواحد فمن جعل ذلك فرضا كان زائدا على النص ومن قال يجب العمل به من غير أن يكون فرضا كان مقررا للثابت بالنص على حاله وعاملا بالدليل الآخر بحسب موجبه وفي القول بفرضية ما ثبت بخبر الواحد رفع للدليل الذي فيه شبهة عن درجته أو حط للدليل الذي لا شبهة فيه عن درجته وكل واحد منهما تقصير لا يجوز المصير إليه بعد الوقوف عليه بالتأمل وكذلك أصل الركوع والسجود ثابت بالنص وتعديل الأركان ثابت بخبر الواحد فلو أفسدنا الصلاة بترك التعديل كما نفسدها بترك الفريضة كنا رفعنا خبر الواحد عما هو درجته في الحجة ولو لم ندخل نقصانا في الصلاة بترك التعديل كنا حططناه عن درجته من حيث إنه موجب للعمل وكذلك الوتر فإنه ثابت بخبر الواحد فلو لم نثبت صفة الوجوب فيه عملا كان فيه إخراج خبر الواحد من أن يكون موجبا للعمل ولو جعلناه فرضا كنا قد ألحقنا خبر الواحد بالنص الذي هو مقطوع به