Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
وقال أبو إسحاق تجب على مولى الأمة ولا تجب على الحرة لان فطرتها على المولى لان المولى لا تجب عليه التبوئة التامة فإذا سلم كان متبرعا فلا يسقط بذلك ما وجب عليه من الزكاة والحرة غير متبرعة بالتسليم لانه يجب عليها تسليم نفسها وإن لم يقدر على فطرتها سقطت عنها الفطرة فصل في وقت وجوب الفطرة ومتى تجب الفطرة فيه قولان قال في القديم تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر لانها قربة تتعلق بالعيد فلا يتقدم وقتها على يومه كالصلاة والأضحية وقال في الجديد تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر من رمضان والفطر من رمضان لا يكون إلا بعد غروب الشمس من ليلة العيد ولان الفطرة جعلت طهرة للصائم بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين وانقضاء الصوم بغروب الشمس فإن رزق ولدا أو تزوج امرأة واشترى عبدا ودخل عليه الوقت وهم عنده وجبت عليه فطرتهم وإن رزق الولد أو تزوج امرأة أو اشترى العبد بعد دخول الوقت أو ماتوا قبل دخول الوقت لم تجب فطرتهم وإن دخل وقت الوجوب وهم عنده ثم ماتوا قبل إمكان الأداء ففيه وجهان أحدهما تسقط كما تسقط زكاة المال والثاني لا تسقط لانها تجب في الذمة فلم تسقط بموت المرأة ككفارة الظهار ويجوز تقديم الفطرة من أول شهر رمضان لانها تجب بسببين صوم شهر رمضان والفطر منه فإذا وجد أحدهما جاز تقديمها على الآخر كزكاة المال بعد ملك النصاب وقبل الحول ولا يجوز تقديمها على شهر رمضان لانه تقديم على السببين فهو كإخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب والمستحب أن تخرج قبل صلاة العيد لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ولا يجوز تأخيرها عن يومه لقوله صلى الله عليه وسلم أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم فإن أخره حتى خرج اليوم أثم وعليه القضاء لانه حق مال وجب عليه وتمكن من أدائه فلا يسقط عنه بفوات الوقت فصل في مقدار زكاة الفطر والواجب صاع بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير والصاع خمسة أرطال وثلث لما روى عمرو بن حبيب القاضي قال حججت مع أبي جعفر فلما قدم المدينة قال ئتوني بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعايره فوجده خمسة أرطال وثلثا برطل أهل العراق فصل في جنس الحب للزكاة وفي الحب الذي يخرجه ثلاثة أوجه أحدها أنه يجوز من كل قوت لما روى أبو سعيد الخدري قال كنا نخرج صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب ومعلوم أن ذلك كله لم يكن قوت أهل المدينة فدل على أنه مخير بين الجميع وقال أبو عبيد بن حرب يجب من غالب قوته وهو ظاهر النص لانه لما وجب أداء ما فضل عن قوته وجب أن تكون من قوته وقال أبو العباس وأبو إسحاق تجب من غالب قوت البلد لانه حق يجب في الذمة تعلق بالطعام فوجب من غالب قوت البلد كالطعام في الكفارة فإن عدل عن قوت البلد إلى قوت بلد آخر نظرت فإن كان الذي انتقل إليه أجود أجزأه وإن كان دونه لم يجزه فإن كان أهل البلد يقتاتون أجناسا مختلفة ليس بعضها بأغلب من بعض فالأفضل أن يخرج من أفضلها لقوله عز وجل لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ومن أيها أخرج أجزأه وإن كان في موضع قوتهم الأقط ففيه طريقان قال أبو إسحاق يجزئه قولا وحدا لحديث أبي سعيد وقال القاضي أبو حامد فيه قولان أظهرهما أنه يجزئه للخبر والثانى لا يجزئه لانه لا تجب فيه الزكاة فأشبه اللحم
فإذا قلنا يجزئه فأخرج اللبن أجزأه لانه أكمل منه لانه يجيء منه الأقط وغيره وإن أخرج الجبن جاز لانه مثله وإن أخرج المصل لم يجزه لأنه أنقص من الأقط لانه لبن منزوع الزبد وإن كان في موضع لا قوت فيه أخرج من قوت أقرب البلاد إليه فإن كان بقربه بلدان متساويان في القوت أخرج من قوت أيهما شاء ولا يجوز في فطرة واحدة أن يخرج من جنسين لان ما خير فيه بين جنسين لم يجز أن يخرج من كل واحد منهما بعضه ككفارة اليمين لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة فإن كان عبد بين نفسين في بلدين قوتهما مختلف ففيه ثلاثة أوجه أحدها لا يجوز أن يخرج كل واحد منهما من قوته بل يخرجان من أدنى القوتين وقال أبو إسحاق يجوز أن يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته لان كل واحد منهما لم يبعض ما وجب عليه ومن أصحابنا من قال يعتبر فيه قوت العبد أو البلد الذي فيه العبد لانها تجب لحقه فاعتبر فيه قوته أو قوت بلده كالحر في حق نفسه ولا يجوز إخراج حب مسوس لان السوس أكل جوفه فيكون الصاع منه أقل من صاع ولا يجوز إخراج الدقيق وقال أبو القاسم الأنماطي يجوز لانه منصوص عليه في حديث أبي سعيد الخدري والمذهب أنه لا يجوز لانه ناقص المنفعة عن الحب فلم يجز كالخبز وأما حديث أبي سعيد فقد قال أبو داود روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع عنه باب تعجيل الصدقة كل مال وجبت فيه الزكاة بالحول والنصاب لم يجز تقديم زكاته قبل أن يملك النصاب لانه لم يوجد سبب وجوبها فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع والدية قبل القتل وإن ملك النصاب جاز تقديم زكاته قبل الحول لما روى علي كرم الله وجهه أن العباس رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعجل زكاة ماله قبل محلها فرخص له في ذلك ولانه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل محله كالدين المؤجل ودية الخطإ وفي تعجيل زكاة عامين وجهان قال أبو إسحاق يجوز لما روى علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين ولان ما جاز فيه تعجيل حق العام منه جاز تعجيل حق العامين كدية الخطإ ومن أصحابنا من قال لا يجوز لانها زكاة لم ينعقد حولها فلم يجز تقديمها كالزكاة قبل أن يملك النصاب فإن ملك مائتي شاة فعجل عنها وعما يتولد من سخالها أربع شياه فتوالدت وصارت أربعمائة أجزأه زكاة المائتين وفى زكاة السخال وجهان أحدهما لا يجوز لانه تقديم زكاة على النصاب والثاني يجوز لان السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها فجعلت كالموجودة في تعجيل زكاتها وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وماتت الأمهات وبقيت السخال فهل يجزئه ما أخرج عن الأمهات عن زكاة السخال فيه وجهان أحدهما لا يجزئه لانه عجل الزكاة عن غير السخال فلا يجزئه عن زكاة السخال والثانى يجزئه لانه لما كان حول الأمهات حول السخال كانت زكاة الأمهات زكاة السخال وإن اشترى بمائتي درهم عرضا للتجارة فأخرج عنها زكاة أربعمائة درهم ثم حال الحول والعرض يساوي أربعمائة أجزأه لان الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول والدليل عليه أنه لو ملك سلعة تساوى مائة فحال الحول وهي تساوى مائتين وجبت فيه الزكاة وإن ملك مائة وعشرين شاة فعجل عنها شاة ثم نتجت شاة سخلة قبل الحول ( لزمته شاة ) أخرى وكذلك لو ملك مائتي شاة فأخرج شاتين ثم نتجت شاة سخلة أخرى قبل الحول لزمه شاة أخرى لان المخرج كالباقي على ملكه ولهذا سقط به الفرض عند الحول فجعل كالباقي على ملكه في إيجاب الفرض فصل إذا عجل الزكاة ثم هلك النصاب
إذا عجل زكاة ماله ثم هلك النصاب أو هلك بعضه قبل الحول خرج المدفوع عن أن يكون زكاة وهل يثبت له الرجوع فيما دفع ينظر فيه فإن لم يبين أنها زكاة معجلة لم يجز له الرجوع فإن الظاهر أن ذلك زكاة واجبة أو صدقة تطوع وقد لزمت بالقبض فلم يملك الرجوع وإن بين أنها زكاة معجلة ثبت له الرجوع لانه دفع عما يستقر في الثاني فإذا طرأ ما يمنع الاستقرار ثبت له الرجوع كما لو عجل أجرة دار ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة وإن كان الذي عجل هو السلطان أو المصدق من قبله ثبت له الرجوع بين أو لم يبين لان السلطان لا يسترجعه لنفسه فلم يلحقه تهمة وإن عجل الزكاة عن نصاب ثم ذبح شاة أو أتلفها فهل له أن يرجع فيه وجهان أحدهما يرجع لانه زال شرط الوجوب قبل الحول فثبت له الرجوع كما لو هلك بغير فعله والثانى لا يرجع لانه مفرط وربما أتلف ليسترجع ما دفع فلم يجز له أن يرجع وإذا رجع فيما دفع وقد نقص في يد الفقير لم يلزمه ضمان ما نقص في أصح الوجهين لانه نقص في ملكه فلم يلزمه ضمانه ومن أصحابنا من قال يلزمه لان ما ضمن عينه إذا هلك ضمن نقصانه إذا نقص كالمغصوب فإن زاد المدفوع نظرت فإن كانت الزيادة لا تتميز كالسمن رجع فيه مع الزيادة لان السمن يتبع الأصل في الأصل في الرد كما نقول في الرد بالعيب وإن زادت زيادة تتميز كالولد واللبن لم يجب رد الزيادة لانها زيادة حدثت في ملكه فلا يجب ردها مع الأصل كولد المبيعة في الرد بالعيب وإن هلك المدفوع في يد الفقير لزمته قيمته وفي القيمة وجهان أحدهما يلزمه قيمته يوم التلف كالعارية والثانى يلزمه قيمته يوم الدفع لان ما حصل فيه من زيادة حدثت في ملكه فلم يلزمه ضمانها فصل عجل الزكاة إلى فقير فمات وإن عجل الزكاة فدفعها إلى فقير فمات الفقير أو ارتد قبل الحول لم يجزه المدفوع عن الزكاة وعليه أن يخرج الزكاة ثانيا فإن لم يبين عند الدفع أنها زكاة معجلة لم يرجع وإن بين رجع فإذا رجع فيما دفع نظرت فإن كان من الذهب أو الفضة وإذا ضمه إلى ما عنده بلغ النصاب وجبت فيه الزكاة لانه قبل أن يموت الفقير كان كالباقي على حكم ملكه ولهذا لو عجله عن نصاب سقط به الفرض عند الحول فلو لم يكن كالباقى على حكم ملكه لم يسقط به الفرض وقد نقص المال عن النصاب ولما مات صار كالدين في ذمته والذهب والفضة إذا صارا دينا لم ينقطع الحول ( فيهما ) فضم إلى ما عنده وزكاه وإن كان الذي عجل شاة ففيه وجهان أحدهما يضم إلى ما عنده كما يضم الذهب والفضة والثانى لا يضم لانه لما مات صار كالدين والحيوان إذا كان دينا لا تجب فيه الزكاة فصل إذا استغنى الفقير الآخذ وإن عجل الزكاة ودفعها إلى فقير واستغنى قبل الحول نظرت فإن استغنى بما دفع إليه أجزأه لانه دفع إليه ليستغني به فلا يجوز أن يكون غناه به مانعا من الإجزاء ولانه ( قد ) زال شرط الزكاة من جهة الزكاة فلا يمنع الإجزاء كما لو كان عنده نصاب فعجل عنه شاة فإن المال قد نقص عن النصاب ولم يمنع الإجزاء عن الزكاة وإن استغنى من غيره لم يجزه ( المدفوع ) عن الزكاة وعليه أن يخرج الزكاة ثانيا وهل يرجع على ما بيناه وإن دفع إلى فقير ثم استغنى ثم افتقر قبل الحول وحال الحول وهو فقير ففيه وجهان أحدهما لا يجزئه كما لو عجل زكاة ماله ثم تلف ماله ثم استفاد غيره قبل الحول والثاني أنه يجزئه لانه دفع إليه وهو فقير وحال الحول عليه وهو فقير فصل إذا هلكت الزكاة في يد الوالي
وإن تسلف الوالي الزكاة وهلكت في يده نظرت فإن تسلف بغير مسألة ضمنها لان الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم فإذا قبض مالهم قبل محله بغير إذنهم وجب عليه الضمان كالوكيل إذا قبض مال موكله قبل محله بغير إذنه وإن تسلف بمسألة رب المال تلف من ضمان رب المال لانه وكيل رب المال فكان الهلاك من ضمان الموكل كما لو وكل رجلا في حمل شيء إلى موضع فهلك في يده وإن تسلف بمسألة الفقراء هلك من ضمانهم لانه قبض بإذنهم فصار كالوكيل إذا قبض دين موكله بإذنه فهلك في يده وإن تسلف بمسألة الفقراء ورب المال ففيه وجهان أحدهما أنه يتلف من ضمان رب المال لان جنبته أقوى لانه يملك المنع والدفع والثاني أنه من ضمان الفقراء لان الضمان يجب على من له المنفعة ولهذا يجب ضمان العارية على المستعير والمنفعة ههنا للفقراء فكان الضمان عليهم فصل ما يجب فيه الزكاة من غير حول فأما ما تجب الزكاة فيه من غير حول كالعشر وزكاة المعدن والركاز فلا يجوز فيه تعجيل الزكاة وقال أبو علي بن أبي هريرة يجوز تعجيل العشر والصحيح أنه لا يجوز لان العشر يجب بسبب واحد وهو إدراك الثمرة وانعقاد الحب فإذا عجله قدمه على سببه فلم يجز كما لو قدم زكاة المال على النصاب باب قسم الصدقات يجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه وهي الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحرم هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقض دينه ثم ليزك بقية ماله ويجوز أن يوكل من يفرق لانه حق مال فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين ويجوز أن يدفع إلى الإمام لانه نائب عن الفقراء فجاز الدفع إليه كولي اليتيم وفي الأفضل ثلاثة أوجه أحدها أن الأفضل أن يفرق بنفسه وهو ظاهر النص لانه على ثقة من أدائه وليس على ثقة من أداء غيره والثانى أن الأفضل أن يدفع إلى الإمام عادلا كان أو جائرا لما روي أن المغيرة بن شعبة قال لمولى له وهو على أمواله بالطائف كيف تصنع في صدقة مالي قال منها ما أتصدق به ومنها ما أدفع إلى السلطان فقال وفيم أنت من ذلك قال إنهم يشترون بها الأراضي ويتزوجون بها النساء فقال دفعها إليهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ندفع إليهم ولانه أعرف بالفقراء وقدر حاجاتهم ومن أصحابنا من قال إن كان عادلا فالدفع إليه أفضل وإن كان جائرا فإن تفرقته بنفسه أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم فمن سألها على وجهها فليعطها ومن سأل فوقها فلا يعطه ولانه على ثقة من أدائه إلى العادل وليس على ثقة من أدائه إلى الجائر لانه ربما يصرفه في شهواته وأما الأموال الظاهرة وهي المواشي والزروع والثمار والمعادن ففي زكاتها قولان قال في القديم يجب دفعها إلى الإمام فإن فرقها بنفسه لزمه الضمان لقوله عز وجل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ولانه مال للإمام فيه حق المطالبة فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية وقال في الجديد يجوز أن يفرقها بنفسه لانها زكاة فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن فصل في بعث السعاة للصدقة ويجب على الإمام أن يبعث السعاة لاخذ الصدقة لان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة ولان في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه وفيهم من يبخل فوجب أن يبعث من يأخذ ولا يبعث إلا حرا عدلا ثقة لان هذا ولاية وأمانة والعبد والفاسق ليسا من أهل الأمانة والولاية ولا يبعث إلا فقيها لانه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ ويحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها ولا يبعث هاشميا ولا مطلبيا ومن أصحابنا من قال يجوز لان ما يأخذه على وجه العوض
والمذهب الأول لما روي أن الفضل بن العباس رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوليه العمالة على الصدقة فلم يوله وقال أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس وفي مواليهم وجهان أحدهما لا يجوز لما روى أبو رافع قال ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال تبعني تصب منها فقلت حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال إن موالي القوم من أنفسهم وإنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة والثاني أنه يجوز لان الصدقة إنما حرمت على بني هاشم وبني المطلب للشرف بالنسب وهذا لا يوجد في مواليهم وهو بالخيار بين أن يستأجر العامل بأجرة معلومة ثم يعطيه ذلك من الزكاة وبين أن يبعثه من غير شرط ثم يعطيه أجرة المثل من الزكاة ويبعث لقبض ما سوى زكاة الزرع والثمار في المحرم لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في شهر المحرم هذا شهر زكاتكم ولانه أول السنة فكان البعث فيه أولى والمستحب للساعي أن يعد الماشية على أهلها على الماء إن كانت الماشية ترد الماء وفي أفنيتهم إن لم ترد الماء لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم وعند أفنيتهم فإن أخبره صاحب المال بالعدد وهو ثقة عدل قبل منه وإن بذل له الزكاة أخذها ويستحب أن يدعو له لقوله عز وجل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والمستحب أن يقول اللهم صل على آل فلان لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال جاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة ماله فقال له صلى الله عليه وسلم اللهم صل على آل أبي أوفى وبأي شيء دعا له جاز قال الشافعي وأحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت وإن ترك الدعاء جاز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد ( على ) فقرائهم ولم يأمره بالدعاء وإن منع الزكاة أو غل أخذ منه الفرض وعزره على المنع والغلول وقال في القديم يأخذ منه الزكاة وشطر ماله وقد مضى توجيه القولين في أول الزكاة وإن وصل الساعي قبل وجوب الزكاة ورأى أن يتسلف فعل وإن لم يسلفه رب المال لم يجبره على ذلك لانها لم تجب بعد فلا يجبر على أدائه وإن رأى أن يوكل من يقبض إذا حال الحول فعل وان رأى أن يتركه حتى يأخذه مع زكاة القابل فعل وإن قال رب المال لم يحل الحول على المال فالقول قوله فإن رأى أن يحلفه حلفه احتياطا وإن قال بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول أو قال أخرجت الزكاة عنه وقلنا إنه يجوز أن يفرق بنفسه ففيه وجهان أحدهما يجب تحليفه لانه يدعي خلاف الظاهر فإن نكل عن اليمين أخذت منه الزكاة والثاني أنه يستحب تحليفه ولا تجب لان الزكاة موضوعة على الرفق فلو أوجبنا اليمين خرجت عن باب الرفق ويبعث الساعي لزكاة الثمار والزروع في الوقت الذي يصادف فيه الإدراك ويبعث معه من يخرص الثمار فإن وصل قبل وقت الإدراك ورأى أن يخرص الثمار ويضمن رب المال زكاتها فعل وإن وصل وقد وجبت الزكاة وبذلها له أخذها ودعا له فإن كان الإمام أذن للساعي في تفرقتها فرقها وإن لم يأذن له حملها إلى الإمام والمستحب أن يسم الماشية التي يأخذها في الزكاة لما روى أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسم إبل الصدقة ولان بالوسم تتميز عن غيرها وإذا شردت ردت إلى موضعها ويستحب أن يسم التي يأخذها في زكاة الإبل والبقر في أفخاذها لانه موضع صلب فيقل الألم بوسمه ويخف الشعر فيه فيظهر ويسم الغنم في أذنها
ويستحب أن يكتب في ماشية الزكاة لله أو زكاة وفي ماشية الجزية جزية أو صغارا لان ذلك أسهل ما يمكن ولا يجوز للساعي ولا للإمام أن يتصرف فيما يحصل عنده من الفرائض حتى يوصلها إلى أهلها لان الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم فلا يجوز التصرف في مالهم بغير إذنهم فإن أخذ نصف شاة أو وقف عليه شيء من المواشي وخاف هلاكه أو خاف أن يؤخذ في الطريق جاز له بيعه لانه موضع ضرورة وإن لم يبعث الإمام الساعي وجب على رب المال أن يفرق الزكاة بنفسه على المنصوص لانه حق للفقراء والإمام نائب عنهم وإذا ترك النائب لم يترك من عليه أداءه ومن أصحابنا من قال إن قلنا إن الأموال الظاهرة يجب دفع زكاتها إلى الإمام لم يجز أن يفرق بنفسه لانه مال توجه حق القبض فيه إلى الإمام فإذا لم يطلب الإمام لم يفرق كالخراج والجزية فصل وجوب النية للزكاة ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل مرىء ما نوى ولانها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصلاة وفي وقت النية وجهان أحدهما يجب أن ينوي حال الدفع لانه عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في بتدائها كالصلاة والثانى يجوز تقديم النية عليها لانه يجوز التوكيل فيها ونيته غير مقارنة لاداء الوكيل فجاز تقديم النية عليها بخلاف الصلاة ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه لان الصدقة قد تكون نفلا فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين ولا يلزمه تعيين المال المزكى عنه وإن كان له نصاب حاضر ونصاب غائب فأخرج الفرض فقال هذا عن الحاضر أو الغائب أجزأه لانه لو أطلق النية لكانت عن أحدهما فلم يضر تقييده بذلك فإن قال إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته وإن لم يكن سالما فهو عن الحاضر فإن كان الغائب هالكا أجزأه لانه لو أطلق وكان الغائب هالكا لكان هذا عن الحاضر وإن قال إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته أو تطوع لم يجزه لانه لم يخلص النية للفرض وإن قال إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته وإن لم يكن سالما فهو تطوع وكان سالما أجزأه لانه أخلص النية للفرض ولانه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلم يضر التقييد وإن كان له من يرثه فأخرج مالا وقال إن كان قد مات مورثي فهذا عن زكاة ما ورثته منه وكان قد مات لم يجزه لانه لم يبن النية على أصل لان الأصل بقاؤه وإن وكل من يؤدي الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الدفع إلى الفقراء أجزأه وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه لان الزكاة فرض على رب المال فلم تصح من غير نية وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل ففيه طريقان من أصحابنا من قال يجوز قولا واحدا لان الذي عليه الفرض قد نوى في وقت الدفع إلى الوكيل فتعين المدفوع للزكاة فلا يحتاج بعد ذلك إلى النية ومن أصحابنا من قال يبنى على جواز تقديم النية فإن قلنا يجوز أجزأه وإن قلنا لا يجوز وإن دفعها إلى الإمام ولم ينو ففيه وجهان أحدهما يجزئه وهو ظاهر النص لان الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية ومن أصحابنا من قال لا يجزئه وهو الأظهر لان الإمام وكيل للفقراء ولو دفع إلى الفقراء لم يجز إلا بالنية عند الدفع فكذلك إذا دفع إلى وكيلهم وتأول هذا القائل قول الشافعى رحمه الله على من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرا فإنه يجزئه لانه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته فصل مصارف الزكاة الثمانية ويجب صرف جميع الصدقات إلى ثمانية أصناف وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل
وقال المزني وأبو حفص الباب شامي يصرف خمس الركاز إلى من يصرف إليه خمس الفىء والغنيمة لانه حق مقدر بالخمس فأشبه خمس الفيء والغنيمة وقال أبو سعيد الإصطخري تصرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء لانه قدر قليل فإذا قسم على ثمانية أصناف لم يقع ما يدفع إلى كل واحد منهم موقعا من الكفاية والمذهب الأول والدليل عليه قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم فإن كان الذي يفرق الزكاة هو الإمام قسمها على ثمانية أسهم سهم للعامل وهو أول ما يبدأ به لانه يأخذه على وجه العوض وغيره يأخذه على وجه المواساة فإن كان السهم قدر أجرته دفعه إليه وإن كان أكثر من أجرته رد الفضل على الأصناف وقسمه على سهامهم وإن كان أقل من أجرته تمم ومن أين يتمم قال الشافعي يتمم من سهم المصالح ولو قيل يتمم من حق سائر الأصناف لم يكن به بأس فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما يتمم من سهم سائر الأصناف لانه يعمل لهم فكانت أجرته عليهم والثاني يتمم من سهم المصالح لان الله تعالى جعل لكل صنف سهما فلو قسمنا ذلك على الأصناف نقصنا حقهم وفضلنا العامل عليهم ومن أصحابنا من قال الإمام بالخيار إن شاء تمم من سهم المصالح وإن شاء تمم من سهامهم لانه يشبه الحاكم لانه يستوفي به حق الغير على وجه الأمانة ويشبه الوكيل فخير بين حقيهما ومنهم من قال إن كان قد بدأ بنصيبه فوجده ينقص تمم من سهامهم وإن كان قد بدأ بسهام الأصناف فأعطاهم ثم وجد سهم العامل ينقص تممه من سهم المصالح لانه يشق سترجاع ما دفع إليهم ومنهم من قال إن فضل عن قدر حاجة الأصناف شيء تمم من الفضل وإن لم يفضل عنهم شيء تمم من سهم المصالح والصحيح هو الطريق الأول ويعطى الحاشر والعريف من سهم العامل لانهم من جملة العمال وفي أجرة الكيال وجهان قال أبو علي بن أبي هريرة على رب المال لانها تجب للإيفاء والإيفاء حق على رب المال فكانت أجرته عليه وقال أبو إسحاق تكون من الصدقة لانا لو أوجبنا ذلك على رب المال زدنا على الفرض الذي وجب عليه في الزكاة فصل سهم الفقراء وسهم للفقراء والفقير هو الذي لا يجد ما يقع موقعا من كفايته فيدفع إليه ما تزول به حاجته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة أو بضاعة يتجر فيها حتى لو حتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له ويحسن التجارة فيها وجب أن يدفع إليه فإن عرف لرجل مال ودعى أنه فتقر لم يقبل قوله إلا ببينة لانه ثبت غناه فلا يقبل دعوى الفقر إلا ببينة كما لو وجب عليه دين آدمي وعرف له مال فادعى الإعسار فإن كان قويا فادعى أنه لا كسب له اعطي لما روى عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة فصعد بصره إليهما وصوب ثم قال أعطيكما بعد أن أعلمكما أنه لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب وهل يحلف فيه وجهان أحدهما لا يحلف لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلف الرجلين والثاني يحلف لان الظاهر أنه يقدر على الكسب مع القوة فصل في سهم المساكين وسهم للمساكين والمسكين هو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته إلا أنه لا يكفيه وقال أبو إسحاق المسكين هو الذي لا يجد ما يقع موقعا من كفايته فأما الذي يجد ما يقع موقعا من كفايته فهو الفقير والأول أظهر لان الله تعالى بدأ بالفقراء والعرب لا تبدأ إلا بالأهم فالأهم فدل على أن الفقير أمس حاجة ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر فدل على أن الفقر أشد
فصل ما يدفع للمسكين ويدفع إلى المسكين تمام الكفاية فإن ادعى عيالا لم يقبل إلا ببينة لانه يدعي خلاف الظاهر فصل في سهم المؤلفة قلوبهم وسهم للمؤلفة وهم ضربان مسلمون وكفار فأما الكفار فضربان ضرب يرجى خيره وضرب يخاف شره وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم وهل يعطون بعده فيه قولان أحدهما يعطون لان المعنى الذي أعطاهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يوجد بعده والثانى لا يعطون لان الخلفاء رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعطوهم قال عمر رضي الله عنه إنا لا نعطي على الإسلام شيئا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فإذا قلنا إنهم يعطون فإنهم لا يعطون من الزكاة لان الزكاة لا حق فيها لكافر وإنما يعطون من سهم المصالح وأما المسلمون فهم أربعة أضرب أحدها قوم لهم شرف فيعطون ليرغب نظراؤهم في الإسلام لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم والثانى قوم أسلموا ونيتهم في الإسلام ضعيفة فيعطون لتقوى نيتهم لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن لكل أحد منهم مائة من الإبل وهل يعطى هذان الفريقان بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيه قولان أحدهما لا يعطون لان الله تعالى أعز الإسلام فأغنى عن التالف بالمال والثاني يعطون لان المعنى الذي به اعطوا قد يوجد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومن أين يعطون فيه قولان أحدهما من الصدقات للآية والثاني من خمس الخمس لان ذلك مصلحة فكان من سهم المصالح والضرب الثالث قوم يليهم قوم من الكفار إن أعطوا قاتلوهم والضرب الرابع قوم يليهم قوم من أهل الصدقات إن أعطوا جبوا الصدقات وفي هذين الضربين أربعة أقوال أحدهما يعطون من سهم المصالح لان ذلك مصلحة والثاني من سهم المؤلفة من الصدقات للآية والثالث من سهم الغزاة لانهم يغزون والرابع وهو الصحيح أنهم يعطون من سهم الغزاة ومن سهم المؤلفة لانهم جمعوا معنى الفريقين فصل في سهم الرقاب وسهم للرقاب وهم المكاتبون فإذا لم يكن مع المكاتب ما يؤدي في الكتابة وقد حل عليه نجم أعطي ما يؤديه وإن كان معه ما يؤديه لم يعط لانه غير محتاج إليه فإن لم يكن معه شيء ولا حل عليه نجم ففيه وجهان أحدهما لا يعطى لانه لا حاجة به إليه قبل حلول النجم والثاني يعطى لانه يحل عليه النجم والأصل أنه ليس معه ما يؤدي فإن دفع إليه ثم أعتقه المولى أو أبرأه من المال أو عجز نفسه قبل أن يؤدي المال إلى المولى رجع عليه لانه دفع إليه ليصرفه في دينه ولم يفعل فإن سلمه إلى المولى وبقيت عليه بقية فعجزه المولى ففيه وجهان أحدهما لا يسترجع من المولى لانه صرفه فيما عليه والثاني يسترجع لانه إنما دفع إليه ليتوصل به إلى العتق ولم يحصل ذلك وإن ادعى أنه مكاتب لم يقبل إلا ببينة فإن صدقه المولى ففيه وجهان أحدهما يقبل لان ذلك إقرار على نفسه والثاني لا يقبل لانه منهم لأنه ربما واطأه حتى يأخذ الزكاة فصل في سهم الغارمين وسهم للغارمين وهم ضربان ضرب غرم لاصلاح ذات البين وضرب غرم لمصلحة نفسه فأما الأول فضربان أحدهما من تحمل دية مقتول فيعطى مع الفقر والغنى لقوله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة الغازي في سبيل الله أو العامل عليها أو الغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إليه والثاني من حمل مالا في غير قتل لتسكين فتنة ففيه وجهان أحدهما يعطى مع الغنى لانه غرم لإصلاح ذات البين فأشبه إذا غرم دية مقتول والثاني لا يعطى مع الغنى لانه مال حمله في غير قتل فأشبه إذا ضمن ثمنا في بيع وأما من غرم لمصلحة نفسه فإن كان قد أنفق في غير معصية دفع إليه مع الفقر
وهل يعطى مع الغنى فيه قولان قال في الأم لا يعطى لانه يأخذ لحاجته إلينا فلم يعط مع الغنى كغير الغارم وقال في القديم والصدقات من الأم يعطى لانه غارم في غير معصية فأشبه إذا غرم لإصلاح ذات البين فإن غرم في معصية لم يعط مع الغنى وهل يعطى مع الفقر ينظر فيه فإن كان مقيما على المعصية لم يعط لأنه يستعين به على المعصية وإن تاب ففيه وجهان أحدهما يعطى لان المعصية قد زالت والثانى لا يعطى لانه لا يؤمن أن يرجع إلى المعصية ولا يعطى الغارم إلا ما يقضي به الدين فإن أخذ ولم يقض به الدين أو أبرىء منه أو قضي عنه قبل تسليم المال سترجع منه وإن دعى أنه غارم لم يقبل إلا ببينة فإن صدقه غريمه فعلى الوجهين كما ذكرنا في المكاتب إذا ادعى الكتابة وصدقه المولى فصل سهم سبيل الله وسهم في سبيل الله وهم الغزاة الذين إذا نشطوا غزوا فأما من كان مرتبا في ديوان السلطان من جيوش المسلمين فإنهم لا يعطون من الصدقة بسهم الغزاة لانهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء ويعطى الغازي مع الفقر والغنى للخبر الذي ذكرناه في الغارم ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس إن كان فارسا وما يعطي السائس وحمولة تحمله إن كان راجلا والمسافة مما يقصر فيها الصلاة فإن أخذ ولم يغز سترجع منه فصل في سهم ابن السبيل وسهم لابن السبيل وهو المسافر أو من ينشىء السفر وهو محتاج في سفره فإن كان سفره في طاعة اعطي ما يبلغ به مقصده وإن كان في معصية لم يعط لان ذلك إعانة على معصية وإن كان سفره في مباح ففيه وجهان أحدهما لا يعطى لانه غير محتاج إلى هذا السفر والثانى يعطى لان ما جعل رفقا بالمسافر في طاعة الله جعل رفقا بالمسافر في مباح كالفطر والقصر فصل التسوية بين الأصناف ويجب أن يسوى بين الأصناف في السهام ولا يفضل صنفا على صنف لان الله تعالى سوى بينهم والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن وأقل ما يجزىء أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف لان الله تعالى أضاف إليهم بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة فإن دفع لاثنين ضمن نصيب الثالث وفي قدر الضمان قولان أحدهما القدر المستحب وهو الثلث والثاني أقل جزء من السهم لان هذا القدر هو الواجب فلا يلزمه ضمان ما زاد وإن جتمع في شخص واحد سببان ففيه ثلاث طرق من أصحابنا من قال لا يعطى بالسببين بل يقال له ختر أيهما شئت فنعطيك به ومنهم من قال إن كانا سببين متجانسين مثل أن يستحق بكل واحد منهما لحاجته إلينا كالفقير الغارم لمصلحة نفسه أو يستحق بكل واحد منهما لحاجتنا إليه كالغازى الغارم لإصلاح ذات البين لم يعط إلا بسبب واحد وإن كانا سببين مختلفين مثل أن يكون بأحدهما يستحق لحاجتنا إليه وبالآخر يستحق لحاجته إلينا أعطي بالسببين كما قلنا في الميراث إذا جتمع في شخص واحد جهتا فرض لم يعط بهما وإن جتمع فيه جهة فرض وجهة تعصيب أعطي بهما ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يعطى بالسببين لان الله تعالى جعل للفقير سهما وللغارم سهما وهذا فقير غارم والثاني يعطى بسبب واحد لانه شخص واحد فلا يأخذ سهمين كما لو نفرد بمعنى واحد فصل في سهم العامل وإن كان الذي يفرق الزكاة رب المال سقط سهم العامل لانه لا عمل له فيقسم الصدقة على سبعة أصناف لكل صنف سهم على ما بيناه وإن كان في الأصناف أقارب له لا تلزمه نفقتهم فالمستحب أن يخص الأقارب لما روت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الصدقة على المسلم صدقة وهي على ذي القرابة صدقة وصلة فصل في نقل الزكاة
ويجب صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن نقل إلى الأصناف في بلد آخر ففيه قولان أحدهما يجزئه لانهم من أهل الصدقة فأشبه أصناف البلد الذي فيه المال والثانى لا يجزئه لانه حق واجب لاصناف بلد فإذا نقل عنهم إلى غيرهم لم يجزه كالوصية بالمال لاصناف بلد ومن أصحابنا من قال القولان في جواز النقل ففي أحدهما يجوز وفي الثاني لا يجوز فأما إذا نقل فإنه يجزئه قولا واحدا والأول هو الصحيح فإن كان له أربعون شاة عشرون في بلد وعشرون في بلد آخر قال الشافعي إذا أخرج الشاة في أحد البلدين كرهت وأجزأه فمن أصحابنا من قال إنما أجاز ذلك على القول الذي يقول يجوز نقل الصدقة فأما على القول الآخر فلا يجوز حتى يخرج في كل بلد نصف شاة ومنهم من قال يجزئه ذلك قولا واحدا لان في إخراج نصف شاة في كل بلد ضررا في التشريك بينه وبين الفقراء والصحيح هو الأول لانه قال كرهت وأجزأه فدل على أنه على أحد القولين ولو كان قولا واحدا لم يقل كرهت وفي الموضع الذي تنقل إليه طريقان من أصحابنا من قال القولان فيه إذا نقل إلى مسافة تقصر فيها الصلاة فأما إذا نقل إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة فإنه يجوز قولا واحدا لان ذلك في حكم البلد بدليل أنه لا يجوز فيه القصر والفطر والمسح على الخفين ومنهم من قال القولان في الجميع وهو الأظهر وإن وجبت عليه الزكاة وهو من أهل الخيم الذين ينتجعون لطلب الماء والكلأ فإنه ينظر فيه فإن كانوا متفرقين كان موضع الصدقة من عند المال إلى حيث تقصر فيه الصلاة فإذا بلغ حدا تقصر فيه الصلاة لم يكن ذلك موضع الصدقة وإن كان في حلل مجتمعة ففيه وجهان أحدهما أنه كالقسم قبله والثاني أن كل حلة كالبلد وإن وجبت الزكاة وليس في البلد الذي فيه المال أحد من الأصناف نقلها إلى أقرب البلاد إليه لانهم أقرب إلى المال وإن وجد فيه بعض الأصناف ففيه ( طريقان ) أحدهما يغلب حكم المكان فيدفع إلى من في بلد المال من الأصناف والثاني يغلب حكم الأصناف فيدفع إلى من في بلد المال من الأصناف سهمهم وينقل الباقي إلى بقية الأصناف في غير بلد المال وهو الصحيح لان ستحقاق الأصناف أقوى لانه ثبت بنص الكتاب وعتبار البلد ثبت بخبر الواحد فقدم من ثبت حقه بنص الكتاب فصل هل يرد من صنف لآخر فإن قسم الصدقة على الأصناف فنقص نصيب بعضهم عن كفايتهم ونصيب الباقين على قدر كفايتهم دفع إلى كل واحد منهم ما قسم له ولا يدفع إلى من نقص سهمه عن كفايته من نصيب الباقين شيء لان كل صنف منهم ملك سهمه فلا ينقص حقه لحاجة غيره وإن كان نصيب بعضهم ينقص عن كفايته ونصيب البعض يفضل عن كفايته فإن قلنا إن المغلب عتبار البلد الذي فيه المال صرف ما فضل إلى بقية الأصناف في البلد وإن قلنا إن المغلب عتبار الأصناف صرف الفاضل إلى ذلك الصنف الذي فضل عنهم بأقرب البلاد فصل في صرف زكاة الفطر وإن وجبت عليه الفطرة وهو في بلد وماله فيه وجب إخراجها إلى الأصناف في البلد لان مصرفها مصرف سائر الزكوات وإن كان ماله في بلد وهو في بلد آخر ففيه وجهان أحدهما أن الاعتبار بالبلد الذى فيه المال والثاني أن الاعتبار بالبلد الذي هو فيه لان الزكاة تتعلق بعينه فاعتبر الموضع الذي هو فيه كالمال فى سائر الزكوات فصل توريث حق الزكاة وإذا وجبت الزكاة لقوم معينين في بلد فلم يدفع إليهم حتى مات بعضهم نتقل حقه إلى ورثته لانه تعين حقه في حال الحياة فنتقل بالموت إلى ورثته فصل لا زكاة لهاشمي أو لمطلبي
ولا يجوز دفع الزكاة إلى هاشمي لقوله صلى الله عليه وسلم نحن أهل بيت لا تحل لنا الصدقة ولا يجوز دفعها إلى مطلبي لقوله صلى الله عليه وسلم إن بني هاشم وبني المطلب شىء واحد وشبك بين أصابعه ولانه حكم متعلق بذوي القربى فاستوى فيه الهاشمي والمطلبي كاستحقاق الخمس وقال أبو سعيد الإصطخري إن منعوا حقهم من الخمس جاز الدفع إليهم لانهم إنما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس فإذا منعوا من الخمس وجب أن يدفع إليهم والمذهب الأول لان الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس وفي مواليهم وجهان أحدهما يدفع إليهم والثاني لا يدفع وقد بينا وجه المذهبين في سهم العامل فصل لا زكاة لكافر ولا يجوز دفعها إلى كافر لقوله عليه السلام أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فصل في الغني ولا يجوز دفعها إلى غني من سهم الفقراء لقوله صلى الله عليه وسلم لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب فصل في المكتسب ولا يجوز دفعها إلى من يقدر على كفايته بالكسب للخبر ولان غناه بالكسب كغناه بالمال فصل فيمن تلزمه نفقته ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من الأقارب والزوجات من سهم الفقراء لان ذلك إنما جعل للحاجة ولا حاجة بهم مع وجوب النفقة فصل من أخذ الزكاة فبان أنه غني فإن دفع الإمام الزكاة إلى من ظاهره الفقر ثم بان أنه غني لم يجزه ذلك عن الفرض فإن كان باقيا سترجع منه ودفع إلى فقير وإن كان فائتا أخذ البدل وصرف إلى فقير فإن لم يكن للمدفوع إليه مال لم يجب على رب المال ضمانه لانه قد سقط الفرض عنه بالدفع إلى الإمام ولا يجب على الإمام لانه أمين غير مفرط ( فلا يضمنه ) فهو كالمال الذي يتلف في يد الوكيل وإن كان الذي دفع إليه رب المال فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة واجبة لم يكن له أن يرجع لانه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع فإذا ادعى الزكاة كان متهما فلم يقبل قوله ويخالف الإمام فإن الظاهر من حاله أنه لا يدفع إلا الزكاة فثبت له الرجوع ( فصل ) وإن كان قد بين أنها زكاة رجع فيها إن كانت باقية وفي بدلها إن كانت فائتة فإن لم يكن للمدفوع إليه مال فهل يضمن رب المال الزكاة فيه قولان أحدهما لا يضمن لانه دفع إليه بالاجتهاد ( فهو ) كالإمام والثاني يضمن لانه كان يمكنه أن يسقط الفرض بيقين بأن يدفعها إلى الإمام فإذا فرق بنفسه فقد فرط فلزمه الضمان بخلاف الإمام وإن دفع الزكاة إلى رجل ظنه مسلما وكان كافرا أو إلى رجل ظنه حرا فكان عبدا فالمذهب أن حكمه حكم ما لو دفع إلى رجل ظنه فقيرا فكان غنيا ومن أصحابنا من قال يجب الضمان ههنا قولا واحدا لان حال الكافر والعبد لا يخفى فكان مفرطا في الدفع إليهما وحال الغني قد يخفى فلم يكن مفرطا فصل في قضاء الزكاة عن الميت ومن وجبت عليه الزكاة وتمكن من أدائها فلم يفعل حتى مات وجب قضاء ذلك من تركته لانه حق مال لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي فإن جتمع مع الزكاة دين آدمي ولم يتسع المال للجميع ففيه ثلاثة أقوال أحدها يقدم دين الآدمي لان مبناه على التشديد والتأكيد وحق الله تعالى مبني على التخفيف ولهذا لو وجب عليه قتل قصاص وقتل ردة قدم قتل القصاص والثاني تقدم الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحج فدين الله عز وجل أحق أن يقضى والثالث أنه يقسم بينهما لانهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء وبالله التوفيق باب صدقة التطوع لا يجوز أن يتصدق بصدقة تطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقة عياله لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندي دينار قال أنفقه على نفسك قال عندي آخر
قال أنفقه على ولدك قال عندي آخر قال أنفقه على أهلك قال عندي آخر قال أنفقه على خادمك قال عندي آخر قال أنت أعلم به وقال صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ولا يجوز لمن عليه دين وهو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دينه لانه حق واجب فلم يجز تركه لصدقة التطوع كنفقة عياله فإن فضل عما يلزمه استحب له أن يتصدق لقوله صلى الله عليه وسلم وليتصدق الرجل من ديناره وليتصدق من درهمه وليتصدق من صاع بره وليتصدق من صاع تمره وروى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أطعم مؤمنا جائعا أطعمه الله من ثمار الجنة وإن سقى مؤمنا على ظمإ سقاه الله تعالى من الرحيق المختوم يوم القيامة ومن كسى مؤمنا عاريا كساه الله تعالى من خضر الجنة ويستحب الإكثار منه في شهر رمضان لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان فإن كان ممن يصبر على الإضاقة استحب له التصدق بجميع ماله لما روى عمر رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لاهلك فقلت أبقيت لهم مثله وأتى أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لاهلك فقال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شىء أبدا وإن كان ممن لا يصبر على الإضاقة كره له ذلك لما روى جابر قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المغازي فأتاه من ركنه الأيسر فقال يا رسول الله خذها صدقة فوالله ما أصبحت أملك مالا غيرها فأعرض عنه ثم جاءه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ثم ( جاءه ) من بين يديه فقال له مثل ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتها مغضبا فحذفه بها حذفة لو أصابه لأوجعه أو عقره ثم قال يأتي أحدكم بماله كله فيتصدق به ثم يجلس بعد ذلك يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى فصل في تخصيص الأقارب بالزكاة والأفضل أن يخص بالصدقة الأقارب لقوله صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة عبد الله بن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهما وفعلها في السر أفضل لقوله عز وجل إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ولما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلة الرحم تزيد في العمر وصدقه السر تطفيء غضب الرب وصنائع المعروف تقي مصارع السوء ( فصل ) وتحل صدقة التطوع للأغنياء ولبني هاشم وبني المطلب لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنهما أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقيل له أتشرب من الصدقة فقال إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة كتاب الصيام صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان فصل شروط وجوب الصوم ويتحتم وجوب ذلك على كل مسلم بالغ عاقل طاهر قادر مقيم فأما الكافر فإنه إن كان أصليا لم يخاطب به في حال كفره لانه لا يصح منه وإن أسلم لم يجب عليه القضاء لقوله تعالى ? < قل للذين وسلم قال بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف > ?
ولان في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيرا عن الإسلام وإن كان مرتدا لم يخاطب به في حال الردة لانه لا يصح منه وإن أسلم وجب عليه قضاء ما تركه في حال الكفر لانه التزم ذلك بالإسلام فلم يسقط ذلك بالردة كحقوق الآدميين فصل لا يجب صوم على صبي وأما الصبي فلا تجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ويؤمر بفعله لسبع سنين إذا أطاق الصوم ويضرب على تركه لعشر قياسا على الصلاة فإن بلغ لم يجب عليه قضاء ما تركه في حال الصغر لانه لو وجب عليه ذلك لوجب عليه أداؤه في الصغر لانه يقدر على فعله ولان أيام الصغر تطول فلو أوجبنا عليه قضاء ما يفوت لشق فصل فيمن زال عقله بجنون ومن زال عقله بجنون لم يجب عليه الصوم لقوله صلى الله عليه وسلم وعن المجنون حتى يفيق فإن أفاق لم يجب عليه قضاء ما فاته في حال الجنون لانه صوم فات في حال يسقط فيه التكليف لنقص فلم يجب قضاؤه كما لو فات في حال الصغر وإن زال عقله بالإغماء لم يجب عليه في الحال لانه لا يصح منه فإن أفاق وجب عليه القضاء لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر والإغماء مرض ويخالف الجنون فإنه نقص ولهذا لا يجوز الجنون على الأنبياء ويجوز عليهم الإغماء فإن أسلم الكافر أو أفاق المجنون في أثناء يوم من رمضان استحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يلزمهم ذلك لان المجنون أفطر لعذر والكافر وإن أفطر بغير عذر إلا أنه لما أسلم جعل كالمعذور فيما فعل في حال الكفر ولهذا لا يؤاخذ بقضاء ما تركه ولا بضمان ما أتلفه ولهذا قال الله عز وجل قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولا يأكل عند من لا يعرف عذره لانه إذا تظاهر بالأكل عرض نفسه للتهمة وعقوبة السلطان وهل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا فيه وجهان أحدهما يجب لانه أدرك جزءا من وقت الفرض ولا يمكن فعل ذلك الجزء من الصوم إلا بيوم فوجب أن يقضيه بيوم كما نقول في المحرم إذا وجب عليه في كفارة نصف مد فإنه يجب بقسطه صوم نصف يوم ولكن لما لم يمكن فعل ذلك إلا بيوم وجب عليه صوم يوم والثاني لا يجب وهو المنصوص في البويطي لانه لم يدرك من الوقت ما يمكن الصوم فيه لان الليل يدركه قبل التمام فلم يلزمه كمن أدرك من أول وقت الصلاة قدر ركعة ثم جن فإن بلغ الصبي في أثناء يوم من رمضان نظرت فإن كان مفطرا فهو كالكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق في جميع ما ذكرناه وإن كان صائما ففيه وجهان أحدهما يستحب له إتمامه لانه صوم نفل فاستحب إتمامه ويجب قضاؤه لانه لم ينو به الفرض من أوله فوجب قضاؤه والثانى أنه يلزمه ويستحب قضاؤه لانه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة فلزمه إتمامها كما لو دخل في صوم التطوع ثم نذر إتمامه فصل في صوم الحائض والنفساء وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم لانه لا يصح منهما فإذا طهرتا وجب عليهما القضاء لما روت عائشة رضي الله عنها أنها قالت في الحيض كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة فوجب القضاء على الحائض بالخبر وقسنا النفساء عليها لانها في معناها فإن طهرت في أثناء النهار ستحب لها أن تمسك بقية النهار ولا يجب فصل من عجز عن الصوم ومن لا يقدر على الصوم بحال وهو الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه فإنه لا يجب عليهما الصوم لقوله عز وجل وما جعل عليكم في الدين من حرج لما ذكرناه في الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق وفي الفدية قولان أحدهما لا تجب لانه اسقط عنهما فرض الصوم فلم تجب عليهما الفدية كالصبي والمجنون
والثاني يجب عن كل يوم مد من طعام وهو الصحيح لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الشيخ الكبير يطعم عن كل يوم مسكينا وعن أبي هريرة أنه قال من أدركه الكبر فلم يستطع صوم رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح وقال ابن عمر رضي الله عنهما إذا ضعفت عن الصوم أطعم عن كل يوم مدا وروي أن أنسا ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم وإن لم يقدر على الصوم لمرض يخاف زيادته ويرجو البرء لم يجب عليه الصوم للآية فإذا برىء وجب عليه القضاء لقوله عز وجل فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وإن أصبح صائما وهو صحيح ثم مرض أفطر لانه أبيح له الفطر للضرورة والضرورة موجودة فجاز له الفطر فصل في صيام المسافر فأما المسافر فإنه إن كان سفره دون أربعة برد لم يجز له أن يفطر لانه إسقاط فرض للسفر فلا يجوز فيما دون أربعة برد كالقصر وإن كان سفره في معصية لم يجز له أن يفطر لان ذلك إعانة على المعصية وإن كان سفره أربعة برد في غير معصية فله أن يصوم وله أن يفطر لما روت عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال يا رسول الله أصوم في السفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت فصم وإن شئت فأفطر فإن كان ممن لا يجهده الصوم في السفر فالأفضل أن يصوم لما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال للصائم في السفر إن أفطرت فرخصة وإن صمت فهو أفضل وعن عثمان بن أبي العاص أنه قال الصوم أحب إلي ولانه إذا أفطر عرض الصوم للنسيان وحوادث الزمان فكان الصوم أفضل وإن كان يجهده الصوم فالأفضل أن يفطر لما روى جابر رضي الله عنه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل تحت شجرة يرش عليه الماء فقال ما بال هذا قالوا صائم يا رسول الله فقال ليس من البر الصيام في السفر فإن صام المسافر ثم أراد أن يفطر فله أن يفطر لان العذر قائم فجاز له أن يفطر كما لو صام المريض ثم أراد أن يفطر ويحتمل عندي أنه لا يجوز له أن يفطر في ذلك اليوم لانه دخل في فرض المقيم فلا يجوز له أن يترخص برخصة المسافر كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد أن يقصر ومن أصبح في الحضر صائما ثم سافر لم يجز له أن يفطر في ذلك اليوم وقال المزني له أن يفطر كما لو أصبح الصبح صائما ثم مرض فله أن يفطر والمذهب الأول والدليل عليه أنه عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا بدأ بها في الحضر ثم سافر لم يثبت له رخصة السفر كما لو دخل في الصلاة في الحضر ثم سافر في أثنائها ويخالف المريض فإن ذلك مضطر إلى الإفطار والمسافر مختار وإن قدم المسافر وهو مفطر أو برىء المريض وهو مفطر ستحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يجب ذلك لانهما أفطرا لعذر ولا يأكلان عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة والعقوبة وإن قدم المسافر وهو صائم أو برىء المريض وهو صائم فهل لهما أن يفطرا فيه وجهان قال أبو علي بن أبي هريرة يجوز لهما الإفطار لانه أبيح لهما الفطر من أول النهار ظاهرا وباطنا فجاز لهما الإفطار في بقية النهار كما لو دام السفر والمرض وقال أبو إسحاق لا يجوز لهما الإفطار لأنه زال سبب الرخصة قبل الترخص فلم يجز الترخص كما لو قدم المسافر وهو في الصلاة فإنه لا يجوز له القصر فصل في صوم الحامل والمرضع وإن خافت الحامل أو المرضع على أنفسهما من الصوم أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة لانهما أفطرتا للخوف على أنفسهما فوجب عليهما القضاء دون الكفارة كالمريض وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء بدلا عن الصوم
وفي الكفارة ثلاثة أقوال قال في الأم يجب عن كل يوم مد من طعام وهو الصحيح لقوله عز وجل وعلى الذين يطيقونه فدية قال ابن عباس رضي الله عنه نسخت هذه الآية وبقيت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا الثانى أن الكفارة مستحبة غير واجبة وهو قول المزني لانه إفطار لعذر فلم تجب به الكفارة كإفطار المريض والثالث أنه يجب على المرضع دون الحامل لان الحامل أفطرت لمعنى فيها كالمريض والمرضع أفطرت لمنفصل عنها فوجبت عليها الكفارة فصل في اشتراط الرؤية للصوم ولا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال فإن غم عليهم وجب عليهم ستكمال شعبان ثلاثين يوما ثم يصومون لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر ستقبالا فإن أصبحوا في يوم الثلاثين وهم يظنون أنه من شعبان فقامت البينة أنه من رمضان لزمهم قضاؤه لانه بان أنه من رمضان وهل يلزمهم إمساك بقية النهار فيه قولان أحدهما لا يلزمهم لانهم أفطروا لعذر فلم يلزمهم إمساك بقية النهار كالحائض إذا طهرت والمسافر إذا قدم والثانى يلزمهم لانه أبيح لهم الفطر بشرط أنه من شعبان وقد بان أنه من رمضان فلزمهم الإمساك فإن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة لما روى سفيان بن سلمة قال أتانا كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونحن بخانقين إن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في بلد آخر فإن كانا بلدين متقاربين وجب على أهل البلدين الصوم وإن كانا بلدين متباعدين وجب على من رأى ولا يجب على من ير لما روى كريب قال قدمت الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال أنت رأيت فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى تكمل العدة أو نراه قلت أولا تكتفي برؤية معاوية قال هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل في الشهادة على الرؤية وفي الشهادة التي يثبت بها رؤية هلال شهر رمضان قولان قال في البويطي لا تقبل إلا من عدلين لما روى الحسين بن حريث الجدلي جديلة قيس قال خطبنا أمير مكة الحارث بن حاطب فقال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤيته فإن لم نره فهذا شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما وقال في القديم و الجديد يقبل من عدل واحد وهو الصحيح لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالصيام ولانه إيجاب عبادة فقبل من واحد حتياطا للفرض فإن قلنا يقبل من واحد فهل يقبل من العبد والمرأة فيه وجهان أحدهما يقبل لان ما قبل فيه قول الواحد قبل من العبد والمرأة كأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم والثانى لا يقبل وهو الصحيح لان طريقها طريق الشهادة بدليل أنه لا تقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل فلم يقبل من العبد والمرأة كسائر الشهادات ولا يقبل في هلال الفطر إلا شاهدان لأنه إسقاط فرض فاعتبر فيه العدد احتياطا للفرض فإن شهد واحد على رؤية هلال رمضان فقبل قوله وصاموا ثلاثين يوما وتغيمت السماء ففيه وجهان أحدهما أنهم لا يفطرون لانه إفطار بشاهد واحد
والثاني أنهم يفطرون وهو المنصوص في الأم لانه بينه ثبت بها الصوم فجاز الإفطار باستكمال العدد منها كالشاهدين وقوله إن هذا إفطار بشاهد لا يصح لان الذي ثبت بالشاهد هو الصوم والفطر ثبت على سبيل التبع وذلك يجوز كما نقول إن النسب لا يثبت بقول أربع نسوة ثم لو شهد أربع نسوة بالولادة ثبتت الولادة وثبت النسب على سبيل التبع للولادة وإن شهد ثنان على رؤية هلال رمضان فصاموا ثلاثين يوما والسماء مصحية فلم يروا الهلال ففيه وجهان قال أبو بكر بن الحداد لا يفطرون لان عدم الهلال مع الصحو يقين والحكم بالشاهدين ظن واليقين يقدم على الظن وقال أكثر أصحابنا يفطرون لان شهادة ثنين يثبت بها الصوم والفطر فوجب أن يثبت بها الفطر وإن غم عليهم الهلال وعرف رجل الحساب ومنازل القمر وعرف بالحساب أنه من شهر رمضان ففيه وجهان قال أبو العباس يلزمه الصوم لانه عرف الشهر بدليل فأشبه إذا عرف بالبينة والثانى أنه لا يصوم لانا لم نتعبد إلا بالرؤية ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن رأى هلال شوال وحده أفطر وحده لقوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ويفطر لرؤية هلال شوال سرا لانه إذا أظهر الفطر عرض نفسه للتهمة وعقوبة السلطان فصل في صوم الأسير وإن اشتبهت الشهور على أسير لزمه أن يتحرى ويصوم كما يلزمه أن يتحرى في وقت الصلاة وفي القبلة فإن تحرى وصام فوافق الشهر أو ما بعده أجزأه فإن وافق شهرا بالهلال ناقصا وشهر رمضان الذي صامه الناس كان تاما ففيه وجهان أحدهما يجزئه وهو ختيار الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله لان الشهر يقع على ما بين الهلالين ولها لو نذر صوم شهر فصام شهرا ناقصا بالأهلة أجزأه والثاني أنه يجب عليه صوم يوم وهو ختيار شيخنا القاضي أبي الطيب الطبري رحمه الله وهو الصحيح عندي لانه فاته صوم ثلاثين يوما وقد صام تسعة وعشرين يوما فلزمه صوم يوم وإن وافق صومه شهرا قبل رمضان قال الشافعي رحمه الله لا يجزئه ولو قال قائل يجزئه كان مذهبا قال أبو إسحاق المروزي لا يجزئه قولا واحدا وقال سائر أصحابنا فيه قولان أحدهما يجزئه لانه عبادة تفعل في السنة مرة فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطإ كالوقوف بعرفة إذا أخطأ الناس ووقفوا قبل يوم عرفة الثاني لا يجزئه وهو الصحيح لانه تعين له تيقن الخطإ فيما يؤمن مثله في القضاء فلم يعتد بما فعله كما لو تحرى في وقت الصلاة فصلى قبل الوقت فصل وجوب النية للصوم ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل مرىء ما نوى ولانه عبادة محضة فلم يصح من غير نية كالصلاة وتجب النية لكل يوم لان صوم كل يوم عبادة منفردة يدخل وقتها بطلوع الفجر ويخرج وقتها بغروب الشمس ولا يفسد بفساد ما قبله ولا بفساد ما بعده فلم تكفه نية واحدة كالصلاة ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل لما روت حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له وهل تجوز نيته مع طلوع الفجر فيه وجهان من أصحابنا من قال يجوز لانه عبادة فجاز بنية تقارن بتداءها كسائر العبادات وقال أكثر أصحابنا لا يجوز إلا بنية من الليل لحديث حفصة رضي الله عنها ولان أول وقت الصوم يخفى فوجب تقديم النية عليه بخلاف سائر العبادات فإذا قلنا بهذا فهل تجوز النية في جميع الليل فيه وجهان من أصحابنا من قال لا يجوز إلا في النصف الثاني قياسا على أذان الصبح والدفع من المزدلفة قال أكثر أصحابنا تجوز في جميع الليل لحديث حفصة ولانا لو أوجبنا النية في النصف الثاني ضاق ذلك على الناس وشق فإن نوى بالليل ثم أكل أو جامع لم تبطل نيته وحكي عن أبي إسحاق أنه قال تبطل لان الأكل ينافي الصوم فأبطل النية والمذهب الأول
وقيل إن أبا إسحاق رجع عن ذلك والدليل عليه أن الله تعالى أحل الأكل إلى طلوع الفجر فلو كان الأكل يبطل النية لما جاز أن يأكل إلى الفجر لانه يبطل النية فصل النية في صيام التطوع وأما صوم التطوع فإنه يجوز بنية قبل الزوال وقال المزني لا يجوز إلا بنية من الليل كالفرض والدليل على جوازه ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أصبح عندكم اليوم شيء تطعموناه يا عائشة فقالت لا فقال إنى إذا صائم ويخالف الفرض لان النفل أخف من الفرض والدليل عليه أنه يجوز ترك القيام وستبال القبلة في النفل مع القدرة ولا يجوز في الفرض وهل تجوز نيته بعد الزوال فيه قولان روى حرملة أنه يجوز لانه جزء من النهار فجازت نية النفل فيه كالنصف الأول وقال في القديم و الجديد لا تجوز لان النية لم تصحب معظم العبادة فأشبه إذا نوى مع غروب الشمس ويخالف النصف الأول لان النية هناك صحبت معظم العبادة ومعظم الشيء يجوز أن يقوم مقام الجميع ولهذا لو أدرك معظم الركعة مع الإمام جعل مدركا للركعة ولو أدرك دون المعظم لم يجعل مدركا لها فإن صام التطوع بنية من النهار فهل يكون صائما من أول النهار أو من وقت النية فيه وجهان قال أبو إسحاق يكون صائما من وقت النية لان ما قبل النية لم توجد فيه قصد القربة فلم يجعل صائما فيه وقال أكثر أصحابنا إنه صائم من أول النهار لانه لو كان صائما من وقت النية لم يضره الأكل قبله فصل في تعيين النية ولا يصح صوم رمضان إلا بتعيين النية وهو أن ينوي أنه صائم من رمضان لانه فريضة وهو قربة مضافة إلى وقتها فوجب تعيين الوقت في نيتها كصلاة الظهر والعصر وهل يفتقر إلى نية الفرض فيه وجهان قال أبو إسحاق يلزمه أن ينوي صوم فرض رمضان لان صوم رمضان قد يكون نفلا في حق الصبي فيفتقر إلى نية الفرض لتميزه من صوم الصبي وقال أبو علي بن أبي هريرة لا يفتقر إلى ذلك لان رمضان في حق البالغ لا يكون إلا فرضا فلا يفتقر إلى تعيين الفرض فإن نوى في ليلة الثلاثين من شعبان فقال إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان أو عن تطوع وكان من رمضان لم يصح لعلتين إحداهما أنه لم يخلص النية لرمضان والثاني أن الأصل أنه من شعبان فلم تصح نية رمضان ولانه شاك في دخول وقت العبادة فلم تصح نيته كما لو شك في دخول وقت الصلاة وإن قال إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان وإن لم يكن من رمضان فأنا صائم عن تطوع لم يصح لعلة واحدة وهو أن الأصل أنه من شعبان فلا يصح بنية الفرض فإن قال ليلة الثلاثين من رمضان إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان أو مفطر وكان من رمضان لم يصح صومه لانه لم يخلص النية للصوم فإن قال إن كان غد من رمضان فأنا صائم عن رمضان وإن لم يكن فأنا مفطر وكان من رمضان صح صومه لانه أخلص النية للفرض وبنى على الأصل لان الأصل أنه من رمضان ومن دخل في الصوم ونوى الخروج منه بطل صومه لان النية شرط في جميعه فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية فبطل وإذا بطل البعض بطل الجميع لانه لا ينفرد بعضه عن بعض ومن أصحابنا من قال لا تبطل لانه عبادة تتعلق الكفارة بجنسها فلم تبطل بنية الخروج كالحج والأول أظهر لان الحج لا يخرج منه بما يفسده والصوم يخرج منه بما يفسده فكان كالصلاة فصل في الدخول في الصوم والخروج منه
ويدخل في الصوم بطلوع الفجر ويخرج منه بغروب الشمس لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغابت الشمس من ههنا فقد أفطر الصائم ويجوز أن يأكل ويشرب ويباشر إلى طلوع الفجر لقوله تعالى فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل فإن جامع قبل طلوع الفجر وأصبح وهو جنب جاز صومه لانه لما أذن في المباشرة إلى طلوع الفجر ثم أمر بالصوم دل على أنه يجوز أن يصبح صائما وهو جنب وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير حتلام ثم يصوم فإن طلع الفجر وفي فيه طعام فأكله أو كان مجامعا فستدام بطل صومه وإن لفظ الطعام أو أخرج مع طلوع الفجر صح صومه وقال المزني إذا أخرج مع طلوع الفجر لم يصح صومه لان الجماع إيلاج وإخراج وإذا بطل بالإيلاج بطل بالإخراج والدليل على أنه يصح صومه هو أن الإخراج ترك الجماع وما علق على فعل شيء لا يتعلق بتركه كما لو حلف ألا يلبس هذا الثوب وهو عليه فبدأ بنزعه لم يحنث وإن أكل وهو يشك في طلوع الفجر صح صومه لان الأصل بقاء الليل وإن أكل وهو يشك في غروب الشمس لم يصح صومه لان الأصل بقاء النهار فصل فيما يحرم على الصائم ويحرم على الصائم الأكل والشرب لقوله عز وجل وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل وإن أكل أو شرب وهو ذاكر للصوم عالم بالتحريم مختار بطل صومه لانه فعل ما ينافي الصوم من غير عذر فبطل فإن ستعط أو صب الماء في أذنه فوصل إلى دماغه بطل صومه لما روى لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ستنشقت فأبلغ في الوضوء إلا أن تكون صائما فدل على أنه إذا وصل إلى الدماغ شيء بطل صومه ولان الدماغ أحد الجوفين فبطل الصوم بالواصل إليه كالبطن وإن حتقن بطل صومه لانه إذا بطل بما يصل إلى الدماغ بالسعوط فلان يبطل بما يصل إلى الجوف بالحقنة أولى وإن كانت به جائفة أو آمة فداواها فوصل الدواء إلى الجوف أو الدماغ أو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه فوصلت الطعنة إلى جوفه بطل صومه لما ذكرناه في السعوط أو الحقنة وإن زرق في إحليله شيئا أو أدخل فيه ميلا ففيه وجهان أحدهما يبطل صومه لانه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه فتعلق بالواصل إليه كالفم والثاني أنه لا يبطل لان ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فهو بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئا فصل في بيان المأكول ولا فرق بين أن يأكل ما يؤكل أو ما لا يؤكل فإن ستف ترابا أو بتلع حصاة أو درهما أو دينارا بطل صومه لان الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف وهذا ما أمسك ولهذا يقال فلان يأكل الطين ويأكل الحجر ولانه إذا بطل الصوم بما يصل إلى الجوف مما ليس يؤكل كالسعوط والحقنة وجب أيضا أن يبطل بما يصل مما ليس بمأكول وإن قلع ما بقي بين أسنانه بلسانه وبتلعه بطل صومه وإن جمع في فيه ريقا كثيرا فبتلعه ففيه وجهان أحدهما أنه يبطل صومه لانه بتلع ما يمكنه الاحتراز منه مما لا حاجة به إليه فأشبه إذا قلع ما بين أسنانه وبتلعه والثاني لا يبطل لانه وصل إلى جوفه من معدنه فأشبه ما يبتلعه من ريقه على عادته فإن أخرج البلغم من صدره ثم بتلعه أو جذبه من رأسه ثم بتلعه بطل صومه
وإن ستقاء بطل صومه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ستقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه ولان القيء إذا صعد ثم تردد فرجع بعضه إلى الجوف فيصير كطعام بتلعه فصل حرمة المباشرة للصائم ويحرم عليه المباشرة في الفرج لقوله عز وجل فالآن باشروهن إلى قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل فإن باشرها في الفرج بطل صومه لانه أحد ما ينافي الصوم فهو كالأكل وإن باشرها فيما دون الفرج فأنزل أو قبل فأنزل بطل صومه وإن لم ينزل لم يبطل صومه لما روى جابر قال قبلت وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت قبلت وأنا صائم فقال أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم فشبه القبلة بالمضمضة وقد ثبت أنه إذا تمضمض فوصل الماء إلى جوفه أفطر وإن لم يصل لم يفطر فدل على أن القبلة مثلها وإن جامع قبل طلوع الفجر فأخرج مع الطلوع وأنزل لم يبطل صومه لان الإنزال تولد من مباشرة هو مضطر إليها فلم يبطل الصوم وإن نظر وتلذذ فأنزل لم يبطل صومه لانه إنزال من غير مباشرة فلم يبطل الصوم كما لو نام فحتلم وإن ستمنى فأنزل بطل صومه لانه إنزال عن مباشرة فهو كالإنزال عن القبلة ولان الاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبية في الإثم والتعزير فكذلك في الإفطار فصل من أتى بمفطر ناسيا وإن فعل ذلك كله ناسيا لم يبطل صومه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أكل ناسيا أو شرب ناسيا فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله تعالى فنص على الأكل والشرب وقسنا عليهما كل ما يبطل الصوم من الجماع وغيره فإن فعل ذلك وهو جاهل بتحريمه لم يبطل صومه لانه يجهل تحريمه فهو كالناسي وإن فعل ذلك به بغير ختياره بأن أوجر الطعام في حلقه مكرها لم يبطل صومه وإن شد امرأته ووطئها وهي مكرهة لم يبطل صومها وإن ستدخلت المرأة ذكر رجل وهو نائم لم يبطل صومه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه فدل على أن كل ما حصل بغير اختياره لم يجب به القضاء ولان النبي صلى الله عليه وسلم أضاف أكل الناسى إلى الله تعالى فأسقط به القضاء فدل على أن كل ما حصل بغير فعله لا يوجب القضاء وإن أكره حتى أكل بنفسه أو أكره المرأة حتى مكنت ( من الوطء ) فوطئها ففيه قولان أحدهما يبطل الصوم لانه فعل ما ينافي الصوم لدفع الضرر وهو ذاكر للصوم فبطل صومه كما لو أكل لخوف المرض أو شرب لدفع العطش والثاني لا يبطل لانه وصل إلى جوفه بغير ختياره فأشبه إذا أوجر في حلقه وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه أو دماغه فقد نص فيه على قولين فمن أصحابنا من قال القولان إذا لم يبالغ فأما إذا بالغ بطل صومه قولا واحدا وهو الصحيح لان النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة إذا استنشقت فبالغ في الوضوء إلا أن تكون صائما فنهاه عن المبالغة فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل الصوم لم يكن للنهي عن المبالغة معنى لان المبالغة منهي عنها في الصوم وما تولد من سبب منهي عنه فهو كالمباشرة والدليل عليه أنه إذا جرح إنسانا فمات جعل كأنه باشر قتله ومن أصحابنا من قال هي على قولين بالغ أو لم يبالغ أحدهما أنه يبطل صومه لقوله صلى الله عليه وسلم لمن قبل وهو صائم أرأيت لو تمضمضت فشبه القبلة بالمضمضة وإذا قبل وأنزل بطل صومه فكذلك إذا تمضمض فنزل الماء إلى جوفه وجب أن يبطل صومه والثاني لا يبطل لانه وصل إلى جوفه بغير اختياره فلم يبطل صومه كغبار الطريق وغربلة الدقيق
وإن أكل أو جامع وهو يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع أو يظن أن الشمس قد غربت ولم تكن غربت لزمه القضاء لما روى حنظلة قال كنا في المدينة في شهر رمضان وفي السماء شيء من السحاب فظننا أن الشمس قد غربت فأفطر بعض الناس فأمر عمر رضي الله عنه من كان أفطر أن يصوم يوما مكانه ولانه مفرط لانه كان يمكنه أن يمسك إلى أن يعلم فلم يعذر فصل في قضاء الصوم ومن أفطر في رمضان بغير جماع من غير عذر وجب عليه القضاء لقوله صلى الله عليه وسلم من ستقاء فعليه القضاء ولأن الله تعالى أوجب القضاء على المريض والمسافر مع وجود العذر فلان يجب مع عدم العذر أولى ويجب عليه إمساك بقية النهار لانه أفطر بغير عذر فلزمه إمساك بقية النهار ولا تجب عليه الكفارة لان الأصل عدم الكفارة إلا فيما ورد به الشرع وقد ورد الشرع بإيجاب الكفارة في الجماع وما سواه ليس في معناه لان الجماع أغلظ ولهذا يجب به الحد في ملك الغير ولا يجب فيما سواه فبقي على الأصل وإن بلغ ذلك السلطان عزره لانه محرم ليس فيه حد ولا كفارة فثبت فيه التعزير كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبية فصل في الإفطار بالجماع وإن أفطر بالجماع من غير عذر وجب عليه القضاء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي واقع أهله في رمضان بقضائه ولانه إذا وجب القضاء على المريض والمسافر وهما معذوران فعلى المجامع أولى ويجب عليه إمساك بقية النهار لانه أفطر بغير عذر وفي الكفارة ثلاثة أقوال أحدها يجب على الرجل دون المرأة لانه حق مال يختص بالجماع فاختص به الرجل دون المرأة كالمهر والثاني يجب على كل واحد منهما كفارة لانها عقوبة تتعلق بالجماع فاستوى فيها الرجل والمرأة كحد الزنا والثالث يجب عليه عنه وعنها كفارة لان الأعرابي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن فعل مشترك بينه وبينها فأوجب عتق رقبة فدل على أن ذلك عنه وعنها فصل في صفة كفارة الإفطار بالجماع والكفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي وقع على امرأته في يوم من شهر رمضان أن يعتق رقبة قال لا أجد قال صم شهرين متتابعين قال لا أستطيع قال أطعم ستين مسكينا قال لا أجد فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق من تمر فيه خمسة عشر صاعا قال خذه وتصدق به قال على أفقر من أهلي والله ما بين لابتي المدينة أحوج من أهلي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال خذه وستغفر الله تعالى وأطعم أهلك فإن قلنا يجب عليه دونها عتبر حاله فإن كان من أهل العتق أعتق وإن كان من أهل الصوم صام وإن كان من أهل الإطعام أطعم وإن قلنا يجب على كل واحد منهما كفارة عتبر حال كل واحد منهما بنفسه فمن كان من أهل العتق أعتق ومن كان من أهل الصوم صام ومن كان من أهل الإطعام أطعم كرجلين أفطرا بالجماع فإن قلنا يجب عليه كفارة عنه وعنها عتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أعتق وإن كانا من أهل الإطعام أطعم وإن كانا من أهل الصيام وجب على كل واحد منهما صوم شهرين متتابعين لان الصوم لا يتحمل وإن ختلف حالهما نظرت فإن كان الرجل من أهل العتق وهي من أهل الصوم أعتق رقبة ويجزىء عنهما لان من فرضه الصوم إذا أعتق أجزأه وكان ذلك أفضل من الصوم وإن كان من أهل الصوم وهي من أهل الإطعام لزمه أن يصوم شهرين ويطعم عنها ستين مسكينا لان النيابة تصح في الإطعام وإنما أوجبنا كفارتين لان الكفارة لا تتبعض فوجب تكميل نصف كل واحدة منهما