Qur'an&Sunnah

Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)

قسم V01/P183–V01/P184

وإن كان الرجل من أهل الصوم وهي من أهل العتق صام عن نفسه شهرين وأعتق عنها رقبة وإن كان من أهل الإطعام وهي من أهل الصوم أطعم عن نفسه ولم يصم عنها لان الصوم لا تدخله النيابة وإن كانت المرأة أمة وقلنا إن الأمة لا تملك المال فهي من أهل الصوم ولا يجزىء عنها عتق فإن قلنا إنها تملك المال أجزأ عنها العتق كالحرة المعسرة وإن قدم الرجل من السفر وهو مفطر وهي صائمة فقالت أنا مفطرة فوطئها فإن قلنا إن الكفارة عليه لم يلزمه ولم يلزمها وإن قلنا إن الكفارة عنه وعنها وجب عليها الكفارة في مالها لانها غرته بقولها إني مفطرة وإن أخبرته بصومها فوطئها وهي مطاوعة فإن قلنا إن الكفارة عنه دونها لم يجب عليه شيء وإن قلنا إن الكفارة عنه وعنها لزمه أن يكفر عنها إن كانت من أهل العتق أو الإطعام وإن كانت من أهل الصيام لزمها أن تصوم وإن وطىء المجنون زوجته وهي صائمة مختارة فإن قلنا إن الكفارة عنه دونها لم تجب وإن قلنا تجب عنه وعنها فهل يتحمل الزوج فيه وجهان قال أبو العباس لا يتحمل لانه ( لا عقل ) له وقال أبو إسحاق يتحمل لانها وجبت بوطئه والوطء كالجناية وجناية المجنون مضمونة في ماله وإن كان الزوج نائما فاستدخلت المرأة ذكره فإن قلنا الكفارة عنه دونها فلا شيء عليه وإن قلنا عنهما لم يلزمه كفارة لانه لم يفطر ويجب عليها أن تكفر ولا يتحمل الزوج لانه لم يكن من جهته فعل وإن زنى بها في رمضان فإن قلنا إن الكفارة عنه دونها وجبت عليه كفارة وإن قلنا عنه وعنها وجب عليهما كفارتان ولا يتحمل الرجل كفارتها لان الكفارة إنما تتحمل بالملك ولا ملك ههنا فصل في تكرار الجماع وإن جامع في يومين أو في أيام وجب لكل يوم كفارة لان صوم كل يوم عبادة منفردة فلم تتداخل كفاراتها كالعمرتين وإن جامع في يوم مرتين لم يلزمه للثاني كفارة لان الجماع الثاني لم يصادف صوما وإن رأى هلال رمضان ورد الحاكم شهادته فصام وجامع وجبت عليه الكفارة لانه أفطر في شهر رمضان بالجماع من غير عذر فأشبه إذا قبل الحاكم شهادته وإن طلع الفجر وهو مجامع فستدام مع العلم بالفجر وجبت عليه الكفارة لانه منع صحة صوم يوم من رمضان بجماع من غير عذر فوجبت عليه الكفارة كما لو وطىء في أثناء النهار وإن جامع وعنده أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع أو أن الشمس قد غربت ولم تكن غربت لم تجب الكفارة لانه جامع وهو معتقد أنه يحل له ذلك وكفارة الصوم عقوبة تجب مع المأثم فلا تجب مع اعتقاد الإباحة كالحد وإن أكل ناسيا فظن أنه أفطر بذلك ثم جامع عامدا فالمنصوص في الصيام أنه لا تجب الكفارة لانه وطىء وهو معتقد أنه غير صائم فأشبه إذا وطىء وعنده أنه ليل ثم بان أنه كان نهارا وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري يحتمل عندي أن تجب الكفارة لان الذي ظنه لا يبيح له الوطء بخلاف ما لو جامع وهو يظن أن الشمس قد غربت لان الذي ظن هناك يبيح له الوطء وإن أفطر بالجماع وهو مريض أو مسافر لم تجب الكفارة لانه ( يحل ) له الفطر فلا تجب الكفارة مع إباحة الفطر وإن أصبح المقيم صائما ثم سافر وجامع وجبت عليه الكفارة لان السفر لا يبيح له الفطر في هذا اليوم فكان وجوده كعدمه وإن أصبح الصحيح صائما ثم مرض وجامع لم تجب الكفارة لان المرض يبيح له الفطر في هذا اليوم وإن جامع ثم سافر لم تسقط عنه الكفارة لان السفر لا يبيح له الفطر في يومه فلا يسقط ما وجب فيه من الكفارة وإن جامع ثم مرض أو جن ففيه قولان أحدهما أنه لا تسقط عنه الكفارة لانه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة فلا يسقط الكفارة السفر

قسم V01/P184–V01/P185

والثاني يسقط لان اليوم يرتبط بعضه ببعض فإذا خرج جزؤه عن أن يكون صائما فيه أو عن أن يكون الصوم فيه مستحقا خرج أوله عن أن يكون صوما أو مستحقا فيكون جماعه في يوم فطر أو في يوم صوم غير مستحق فلا تجب به الكفارة فصل في الوطء كله سواء في الإفطار ووطء المرأة في الدبر واللواط كالوطء في الفرج في جميع ما ذكرناه من إفساد الصوم ووجوب الكفارة والقضاء لان الجميع وطء ولان الجميع في إيجاب الحد واحد فكذلك في إفساد الصوم وإيجاب الكفارة وأما إتيان البهيمة ففيه وجهان من أصحابنا من قال يبنى ذلك على وجوب الحد فإن قلنا يجب فيه الحد أفسد الصوم وأوجب الكفارة كالجماع في الفرج وإن قلنا يجب فيه التعزير لم يفسد الصوم ولم تجب به الكفارة لانه كالوطء فيما دون الفرج في التعزير فكان مثله في إفساد الصوم وإيجاب الكفارة ومن أصحابنا من قال يفسد الصوم ويوجب الكفارة قولا واحدا لانه وطء يوجب الغسل فجاز أن يتعلق به إفساد الصوم وإيجاب الكفارة كوطء المرأة فصل فيمن عجز عن الكفارة ومن وطىء وطأ يوجب الكفارة ولم يقدر على الكفارة ففيه قولان أحدهما لا يجب لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي خذه واستغفر الله وأطعم أهلك ولانه حق مالي يجب لله تعالى لا على وجه البدل فلم يجب مع العجز كزكاة الفطر والثاني أنها تثبت في الذمة فإذا قدر لزمه أداؤها وهو الصحيح لانه حق لله تعالى يجب بسبب من جهته فلم يسقط بالعجز كجزاء الصيد فصل فيمن أغمي عليه جميع النهار إذا نوى الصوم من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار ولم يصح صومه وعليه القضاء وقال المزني يصح صومه كما لو نوى الصوم ثم نام جميع النهار والدليل على أن الصوم لا يصح أن الصوم نية وترك لو نفرد الترك عن النية لم يصح فإذا انفردت النية عن الترك لم يصح وأما النوم فإن أبا سعيد الإصطخري قال إذا نام جميع النهار لم يصح صومه كما لا يصح إذا أغمي عليه جميع النهار والمذهب أنه يصح صومه إذا نام والفرق بينه وبين الإغماء أن النائم ثابت العقل لانه إذا نبه نتبه والمغمى عليه بخلافه ولان النائم كالمستيقظ ولهذا ولايته ثابتة على ماله بخلاف المغمى عليه وإن نوى الصوم ثم أغمي عليه في بعض النهار فقد قال في كتاب الظهار و مختصر البويطي إذا كان في أوله مفيقا صح صومه وقال في كتاب الصوم إذا أفاق في بعضه أجزأه وقال في ختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى إذا كانت صائمة فأغمي عليها أو حاضت بطل صومها وخرج أبو العباس قولا آخر أنه إن كان مفيقا في طرفي النهار صح صومه فمن أصحابنا من قال المسألة على قول واحد أنه يعتبر أن يكون مفيقا في أول النهار وتأول ما سواه من الأقوال على هذا ومن أصحابنا من قال فيه أربعة أقوال أحدها أنه يعتبر الإفاقة في أوله كالنية تعتبر في أوله والثانى تعتبر الإفاقة في طرفيه كما أن في الصلاة يعتبر القصد في الطرفين في الدخول والخروج ولا يعتبر فيما بينهما والثالث أنه تعتبر الإفاقة في جميعه فإذا أغمي عليه في بعضه لم يصح صومه لانه معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة فأبطل الصوم كالحيض والرابع أنه تعتبر الإفاقة في جزء منه ولا أعرف له وجها وإن نوى الصوم ثم جن ففيه قولان قال في الجديد يبطل الصوم لانه عارض يسقط فرض الصلاة فأبطل الصوم كالحيض وقال في القديم هو كالإغماء لانه يزيل العقل والولاية فهو كالإغماء فصل ما يجوز للصائم ويجوز للصائم أن ينزل إلى الماء ويغطس فيه لما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال حدثني من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صائف يصب الماء على رأسه من شدة الحر والعطش وهو صائم

قسم V01/P185–V01/P186

ويجوز أن يكتحل لما روي عن أنس رضي الله عنه أنه كان يكتحل وهو صائم ولان العين ليس بمنفذ فلم يبطل الصوم بما وصل إليها ويجوز أن يحتجم لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حتجم وهو صائم قال في الأم ولو ترك كان أحب إلي لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والوصال في الصوم إبقاء على أصحابه قال وأكره له العلك لانه يجفف الفم ويعطش ولا يفطر لانه يدور في الفم ولا ينزل إلى الجوف منه شيء وإن تفرك وتفتت فوصل إلى الجوف منه شىء بطل الصوم ويكره له أن يمضغ الخبز فإن كان له ولد صغير ولم يكن له من يمضغ له غيره لم يكره له ذلك ومن حركت القبلة شهوته كره له أن يقبل وهو صائم والكراهة كراهية تحريم وإن لم تكن تحرك القبلة شهوته قال الشافعي رحمه الله فلا باس به وتركها أولى والأصل في ذلك ما روت عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه أرخص فيها للشيخ وكرههها للشاب ولان في حق أحدهما لا يؤمن أن ينزل فيفسد الصوم وفي الآخر يؤمن ففرق بينهما فصل فيما يتنزه عنه الصائم وينبغى للصائم أن ينزه صومه عن الغيبة والشتم فإن شوتم فليقل إنى صائم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن مرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم فصل في حكم الوصال ويكره الوصال في الصوم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إياكم والوصال إياكم والوصال قالوا إنك تواصل يا رسول الله قال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني وهل هو كراهية تنزيه أو تحريم فيه وجهان أحدهما أنه كراهة تحريم لان النهي يقتضي التحريم والثاني أنه كراهية تنزيه لانه إنما نهى عنه حتى لا يضعف عن الصوم وذلك أمر غير متحقق فلم يتعلق به إثم فإن واصل لم يبطل صومه لان النهي لا يرجع إلى الصوم فلا يوجب بطلانه فصل في فضل السحور والمستحب أن يتسحر للصوم لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تسحروا فإن في السحور بركة ولان فيه معونة على الصوم ويستحب تأخير السحور ولما روي أنه قيل لعائشة رضي الله عنها أن عبد الله يعجل الفطر ويؤخر السحور فقالت هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ولان السحور يراد ليتقوى به على الصوم فكان التأخير أبلغ في ذلك وكان أولى ويستحب أن يعجل الفطر إذا تحقق غروب الشمس لحديث عائشة رضي الله عنها ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال هذا الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لان اليهود والنصارى يؤخرون والمستحب أن يفطر على تمر فإن لم يجد فعلى الماء لما روى سلمان بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور والمستحب أن يقول عند إفطاره اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صام ثم أفطر قال اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ويستحب أن يفطر الصائم لما روى زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من فطر صائما فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء فصل تنجيز قضاء رمضان

قسم V01/P186–V01/P187

إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان ولم يكن له عذر لم يجز له أن يؤخر إلى أن يدخل رمضان آخر فإن أخره حتى أدركه رمضان آخر وجب عليه لكل يوم مد من طعام لما روي عن بن عباس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان يطعم عن الأول فإن أخر سنين ففيه وجهان أحدهما يجب لكل سنة مد لانه تأخير سنة فأشبه السنة الأولى الثاني لا يجب للثانية شيء لان القضاء مؤقت فيما بين رمضانين فإذا أخر عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجبت الكفارة وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب للتأخير كفارة والمستحب أن يقضي ما عليه متتابعا لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه ولان فيه مبادرة إلى أداء الفرض ولان هذا أشبه بالأداء فإن قضاه متفرقا جاز لقوله تعالى فعدة من أيام أخر ولم يفرق ولانه تتابع وجب لاجل الوقت فسقط بفوات الوقت فإن كان عليه قضاء اليوم الأول فصام ونوى به اليوم الثاني فإنه يحتمل أن يجزئه لان تعيين اليوم غير واجب ويحتمل ألا يجزئه لانه نوى غير ما عليه فلم يجزه كما لو كان عليه عتق عن اليمين فنوى العتق عن الظهار فصل من مات وعليه صوم إذا كان عليه قضاء شيء من رمضان فلم يصم حتى مات نظرت فإن أخره لعذر اتصل حتى مات لم يجب عليه شيء لانه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه كالحج وإن زال العذر وتمكن فلم يصم حتى مات أطعم عنه لكل مسكين مد من طعام ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر أنه يصام عنه لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صوم رمضان صام عنه وليه ولانها عبادة تجب الكفارة بإفسادها فجاز أن يقضى عنه بعد الموت كالحج والمنصوص في الأم هو الأول وهو الصحيح والدليل عليه ما روى بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين ولانه عبادة لا يدخلها النيابة في حال الحياة فلا يدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة فإن قلنا إنه يصام عنه فصام عنه وليه أجزأه وإن أمر أجنبيا فصام عنه بأجرة أو بغير أجرة أجزأه كالحج وإن قلنا يطعم عنه نظرت فإن مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه عن كل يوم مسكين وإن مات بعد أن أدركه رمضان آخر ففيه وجهان أحدهما يلزمه مدان مد للصوم ومد للتأخير والثاني أنه يكفيه مد واحد للتأخير لانه إذا أخرج مدا للتأخير زال التفريط بالمد فيصير كما لو أخره من غير تفريط فلا تلزمه كفارة باب صوم التطوع والأيام التي نهي عن الصيام فيها يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال لما روى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله ويستحب لغير الحاج صوم يوم عرفة لما روى أبو قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوم يوم عاشوراء كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين سنة قبلها ماضية وسنة بعدها مستقبلة ولا يستحب ذلك للحاج لما روت أم الفضل بنت الحارث أن ناسا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرب منه ولان الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه فكان الإفطار أفضل

قسم V01/P187–V01/P188

ويستحب صوم يوم عاشوراء لحديث أبي قتادة ويستحب أن يصوم تاسوعاء لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بقيت إلى قابل يعني يوم عاشوراء لاصومن اليوم التاسع ويستحب صيام أيام البيض وهي ثلاثة أيام لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويستحب صوم يوم الاثنين ويوم الخميس لما روى أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فسئل عن ذلك فقال إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس فصل في صوم الدهر ولا يكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقا ولم يخف ضررا لما روت أم كلثوم رضي الله عنها مولاة أسماء قالت قيل لعائشة رضي الله عنها تصومين الدهر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر قالت نعم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صيام الدهر ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر وسئل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن صيام الدهر فقال أولئك فينا من السابقين يعني من صام الدهر وإن خاف ضررا أو تضييع حق كره لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء فجاء سلمان يزور أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال ما شأنك فقالت إن أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا فقال سلمان يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا إن لاهلك عليك حقا ولجسدك عليك حقا فصم وأفطر وقم ونم وائت أهلك وأعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سلمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قال سلمان ولا يجوز للمرأة أن تصوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تصومن المرأة ( وزوجها ) شاهد إلا بإذنه ولان حق الزوج فرض فلا يجوز تركه لنفل فصل إتمام صوم التطوع ومن دخل في صوم تطوع أو صلاة تطوع استحب له إتمامها فإن خرج منها جاز لما روت عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل عندك شيء فقلت لا فقال إني إذا أصوم ثم دخل علي يوما آخر فقال هل عندك شيء فقلت نعم فقال إذا أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم فصل في صوم يوم الشك ولا يجوز صوم يوم الشك لما روي عن عمار رضي الله عنه أنه قال من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فإن صام يوم الشك عن رمضان لم يصح لقوله صلى الله عليه وسلم ولا تستقبلوا الشهر استقبالا ولانه يدخل في العبادة وهو يشك في وقتها فلم يصح كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه كما لو صلى في دار مغصوبة وإن صام عن تطوع نظرت فإن لم يصله بما قبله ولا وافق عادة له لم يصح لان التطوع مجرد قربة فلا يحصل بفعل معصية وإن وافق عادة له جاز لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم فإن وصله بما قبل النصف جاز وإن وصله بما بعده لم يجز لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان فصل في صوم يوم الجمعة

قسم V01/P188–V01/P189

ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده فإن وصله بيوم قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده فصل في صوم يوم الفطر ولا يجوز صوم يوم الفطر ويوم النحر فإن صام فيه لم يصح لما روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين أما يوم الأضحى فتأكلون فيه من لحم نسككم وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم فصل في صوم أيام التشريق ولا يجوز أن يصوم في أيام التشريق صوما غير صوم التمتع فإن صام لم يصح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق واليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان وهل يجوز فيها صوم التمتع فيه قولان قال في القديم يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي وقال في الجديد لا يجوز لان كل يوم لا يجوز فيه صوم غير التمتع لا يجوز فيه صوم التمتع كيوم العيد فصل النية في رمضان ولا يجوز أن يصوم في رمضان عن غير رمضان حاضرا كان أو مسافرا فإن صام عن غيره لم يصح صومه عن رمضان لانه لم ينوه ولا يصح عما نواه لان الزمان مستحق لصوم رمضان فلا يصح فيه غيره فصل في فضل ليلة القدر ويستحب طلب ليلة القدر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ويطلب ذلك في ليالى الوتر من العشر ( الأواخر ) من شهر رمضان لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال التمسوها في العشر الأواخر من شهر رمضان في كل وتر قال الشافعي رحمه الله والذي يشبه أن تكون ليلة إحدى وعشرين أو ليلة ثلاث وعشرين والدليل عليه ما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين قال أبو سعيد وانصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين في صبيحة يوم إحدى وعشرين وروى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أريت ليلة القدر ثم أنسيتها ورأيتني أسجد في ماء وطين فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أثر الماء والطين على جبهته قال الشافعي رحمه الله ولا أحب ترك طلبها فيها كلها قال أصحابنا إذا قال لامرأته أنت طالق ليلة القدر فإن كان ذلك في رمضان قبل مضي ليلة من ليالي العشر حكم بالطلاق في الليلة الأخيرة من الشهر وإن كان قد مضت ليلة وقع الطلاق في السنة الثانية في مثل تلك الليلة التي قال فيها ذلك والمستحب أن يقول فيها اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني لما روت عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول قال تقولين اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني كتاب الاعتكاف الاعتكاف سنة حسنة لما روى أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان وفي حديث عائشة رضي الله عنها فلم يزل يعتكف حتى مات ويجب بالنذر لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه فصل في شروط صحة الاعتكاف ولا يصح إلا من مسلم عاقل فأما الكافر فلا يصح منه لانه من فروع الإيمان ولا يصح من الكافر كالصوم

قسم V01/P189–V01/P190

وأما من زال عقله كالمجنون والمبرسم فلا يصح منه لانه ليس من أهل العبادات فلم يصح منه الاعتكاف كالكافر فصل في اعتكاف المرأة ولا يجوز للمرأة أن تعتكف بغير إذن الزوج لان ستمتاعها ملك له فلا يجوز إبطاله عليه بغير إذنه ولا يجوز للعبد أن يعتكف بغير إذن مولاه لان منفعته لمولاه فلا يجوز إبطالها عليه بغير إذنه فإن نذرت المرأة الاعتكاف بإذن الزوج أو نذر العبد بإذن مولاه نظرت فإن كان غير متعلق بزمان يعينه لم يجز أن يدخل فيه بغير إذنه لان الاعتكاف ليس على الفور وحق الزوج والمولى على الفور فقدم على الاعتكاف وإن كان النذر متعلقا بزمان يعينه جاز أن يدخل فيه بغير إذنه لانه تعين عليه فعله بإذنه وإن عتكفت المرأة بإذن الزوج أو العبد بإذن مولاه نظرت فإن كان في تطوع جاز له أن يخرجه منه لانه لا يلزمه بالدخول فجاز إخراجه منه وإن كان في فرض متعلق بزمان يعينه لم يجز له إخراجه منه لانه تعين عليه فعله في وقته فلا يجوز إخراجه منه وإن كان في فرض غير متعلق بزمان يعينه ففيه وجهان أحدهما لا يجوز إخراجه منه لانه وجب بإذنه ودخل فيه بإذنه فلم يجز إخراجه منه والثاني أنه إن كان متتابعا لم يجز إخراجه منه لانه لا يجوز له الخروج منه فلا يجوز إخراجه منه كالمنذور في زمان بعينه وإن كان غير متتابع جاز إخراجه منه لانه يجوز له الخروج منه فجاز إخراجه منه كالتطوع فصل في اعتكاف المكاتب وأما المكاتب فإنه يجوز له أن يعتكف بغير إذن مولاه لانه لا حق للمولى في منفعته فجاز أن يعتكف بغير إذنه كالحر ومن نصفه حر ونصفه عبد ينظر فيه فإن لم يكن بينه وبين المولى مهايأة فهو كالعبد وإن كان بينهما مهايأة ففي اليوم الذي هو للمولى كالعبد لا يعتكف لان حق السيد متعلق بمنفعته وفي اليوم الذي هو له كالمكاتب لان حق المولى لا يتعلق بمنفعته فصل اشتراط المسجد ولا يصح الاعتكاف من الرجل إلا في المسجد لقوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد فدل على أنه لا يكون إلا في المسجد ولا يصح الاعتكاف من المرأة إلا في المسجد لان من صح اعتكافه في المسجد لم يصح اعتكافه في غير المسجد كالرجل فصل في فضل المسجد الجامع والأفضل أن يعتكف في المسجد الجامع لان رسول الله صلى الله عليه وسلم عتكف في المسجد الجامع ولان الجماعة في صلاته أكثر ولأنه يخرج من الخلاف فإن الزهري قال لا يجوز في غيره وإن نذر أن يعتكف في مسجد غير المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى جاز أن يعتكف في غيره لانه لا مزية لبعضها على بعض فلم يتعين وإن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لزمه أن يعتكف فيه لما روي أن عمر رضي الله عنه قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك ولانه أفضل من سائر المساجد ولا يجوز أن يسقط فرضه بما دونه وإن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة أو المسجد الأقصى ففيه قولان أحدهما أنه يلزمه أن يعتكف فيه لانه مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه فتعين بالنذر كالمسجد الحرام والثانى لا يتعين لانه مسجد لا يجب قصده بالشرع فلم يتعين بالنذر كسائر المساجد فصل في الاعتكاف بصوم والأفضل أن يعتكف بصوم لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في شهر رمضان فإن عتكف بغير صوم جاز لحديث عمر رضي الله عنه إني نذرت أني أعتكف ليلة في الجاهلية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك ولو كان الصوم شرطا فيه لم يجزه بالليل وحده

قسم V01/P190–V01/P191

فإن نذر أن يعتكف يوما بصوم فعتكف بغير صوم ففيه وجهان قال أبو علي الطبري يجزيه الاعتكاف عن النذر وعليه أن يصوم يوما لانهما عبادتان تنفرد كل واحدة منهما عن الأخرى فلم يلزمه الجمع بينهما بالنذر كالصوم والصلاة وقال عامة أصحابنا لا يجزئه وهو المنصوص في الأم لان الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف فلزمه بالنذر كالتتابع ويخالف الصوم والصلاة لان إحداهما ليست بصفة مقصودة في الأخرى فصل في زمن الاعتكاف ويجوز الاعتكاف في جميع الأزمان والأفضل أن يعتكف في العشر ( الأواخر ) من شهر رمضان لحديث أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما ويجوز أن يعتكف ما شاء من ساعة ويوم وشهر كما يجوز أن يتصدق بما شاء من قليل وكثير وإن نذر اعتكافا مطلقا أجزأه ما يقع عليه الاسم كما يجزئه في نذر الصوم والصدقة ما يقع عليه الاسم قال الشافعي رحمه الله وأحب أن يعتكف يوما وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف فإن أبا حنيفة رحمه الله لا يجيز أقل من يوم وإن نذر اعتكاف العشر الآخر دخل فيه ليلة الحادي والعشرين قبل غروب الشمس ليستوفي الفرض بيقين كما يغسل جزءا من رأسه ليستوفي غسل الوجه بيقين ويخرج منه بهلال شوال تاما كان الشهر أو ناقصا لان العشر عبارة عما بين العشرين إلى آخر الشهر وإن نذر عتكاف عشرة أيام من آخره وكان الشهر ناقصا عتكف بعد الشهر يوما آخر لتمام العشرة لان العشرة عبارة عن عشرة آحاد بخلاف العشر فصل في نذر الاعتكاف وإن نذر أن يعتكف شهرا نظرت فإن كان شهرا بعينه لزمه اعتكافه ليلا ونهارا سواء كان الشهر تاما أو ناقصا لان الشهر عبارة عما بين الهلالين تم أو نقص وإن نذر عتكاف نهار الشهر لزمه بالنهار دون الليل لانه خص النهار فلم يلزمه بالليل فإن فاته الشهر ولم يعتكف فيه لزمه قضاؤه ويجوز أن يقضيه متتابعا ومتفرقا لان التتابع في أدائه بحكم الوقت فإذا فات سقط كالتتابع في صوم رمضان وإن نذر أن يعتكف متتابعا لزمه قضاؤه متتابعا لان التتابع ههنا بحكم النذر فلم يسقط بفوات الوقت قال في الأم إذا نذر اعتكاف شهر وكان قد مضى الشهر لم يلزمه لان الاعتكاف في شهر ماض محال وإن نذر اعتكاف شهر غير معين واعتكف شهرا بالأهلة أجزأه تم الشهر أو نقص لان اسم الشهر يقع عليه وإن اعتكف شهرا بالعدد لزمه ثلاثون يوما لان الشهر بالعدد ثلاثون يوما ثم ينظر فيه فإن شرط التتابع لزمه متتابعا لقوله صلى الله عليه وسلم من نذر نذرا سماه لزمه الوفاء به وإن شرط أن يكون متفرقا جاز أن يكون متفرقا ومتتابعا لان المتتابع أفضل من المتفرق فجاز أن يسقط أدنى الفرضين بأفضلهما كما لو نذر أن يعتكف في غير المسجد الحرام فإن له أن يعتكف في المسجد الحرام وإن أطلق النذر جاز متفرقا ومتتابعا كما لو نذر صوم شهر وإن نذر اعتكاف يوم لزمه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس ليستوفي الفرض بيقين وهل يجوز له أن يفرقه في ساعات أيام فيه وجهان أحدهما يجوز كما يجوز أن يعتكف شهرا من شهور والثانى لا يجوز لان اليوم عبارة عما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس فصل وإن نذر اعتكاف يومين لزمه اعتكافهما وفي الليلة التي بينهما ثلاثة أوجه أحدهما أنه يلزمه اعتكافها لانه ليل يتخلل نهاري الاعتكاف فلزمه اعتكافه كليالي العشر والثاني أنه إن شرط التتابع لزمه اعتكافه لانه لا ينفك منه اليومان فلزمه اعتكافه وإن لم يشرط التتابع لم يلزمه اعتكافه لانه قد ينفك منه اليومان ولا يلزمه اعتكافه والثالث أنه لا يلزمه شرط التتابع فيه أو أطلق وهو الأظهر لانه زمان لم يتناوله نذره فلم يلزمه اعتكافه دليله ما قبله وما بعده وإن نذر اعتكاف ليلتين لزمه اعتكافهما وفي اليوم الذي بينهما الأوجه الثلاثة وإن نذر اعتكاف ثلاثين يوما لزمه اعتكاف ثلاثين يوما وفي لياليها الأوجه الثلاثة فصل اشتراط النية في الاعتكاف

قسم V01/P191–V01/P192

ولا يصح الاعتكاف إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ولانها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم والصلاة فإن كان الاعتكاف فرضا لزمه تعيين النية للفرض لتميزه عن التطوع وإن دخل في الاعتكاف ثم نوى الخروج منه ففيه وجهان أحدهما يبطل لانه قطع شرط صحته فأشبه إذا قطع نية الصلاة والثاني لا يبطل لانه قربة تتعلق بمكان فلم يخرج منه بنية الخروج كالحج فصل في خروج المعتكف ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدني إلي رأسه لارجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان فإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه لان الاعتكاف هو اللبث في المسجد فإذا خرج منه فقد فعل ما ينافيه من غير عذر فبطل كما لو أكل في الصوم ويجوز أن يخرج رأسه ورجله ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة رضي الله عنها ولان بإخراج الرأس والرجل لا يصير خارجا ولهذا لو حلف لا خرجت من الدار فأخرج رأسه أو رجله لم يحنث فصل ما يجوز له الخروج ويجوز أن يخرج لحاجة الإنسان ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة رضي الله عنها ولان ذلك خروج لما لا بد له منه فلم يمنع منه وإن كان للمسجد سقاية لم يلزمه قضاء الحاجة فيها لان ذلك نقصان مروءة وعليه في ذلك مشقة فلم يلزمه وإن كان بقربه بيت صديق له لم يلزمه قضاء الحاجة فيه لانه ربما احتشم وشق عليه فلم يكلف ذلك وإن كان له بيتان قريب وبعيد ففيه وجهان أظهرهما أنه لا يجوز أن يمضي إلى البعيد فإن خرج إليه بطل اعتكافه لانه لا حاجة له إليه فأشبه إذا خرج لغير حاجة وقال أبو علي بن أبي هريرة يجوز أن يمضي إلى الأبعد ولا يبطل اعتكافه لانه خروج لحاجة الإنسان فأشبه إذا لم يكن له غيره فصل ويجوز أن يمضي إلى البيت للأكل ولا يبطل اعتكافه وقال أبو العباس لا يجوز فإن خرج بطل اعتكافه لانه يمكنه أن يأكل في المسجد فلا حاجة به إلى الخروج والمنصوص هو الأول لان الأكل في المسجد ينقص من المروءة فلم يلزمه فصل الخروج للأذان وفي الخروج إلى المنارة الخارجة عن رحبة المسجد ليؤذن ثلاثة أوجه أحدها يجوز فإن خرج لم يبطل اعتكافه لانها بنيت للمسجد فصارت كالمنارة التي في رحبة المسجد والثاني لا يجوز لانها خارجة من المسجد فأشبه غير المنارة وقال أبو إسحاق المروزي إن كان المؤذن ممن قد ألف الناس صوته جاز أن يخرج ولا يبطل اعتكافه لان الحاجة تدعو إليه لإعلام الناس بالوقت وإن لم يألفوا صوته لم يجز أن يخرج فإن خرج بطل اعتكافه لانه لا حاجة به إليه فصل الخروج للجنازة وإن عرضت صلاة الجنازة نظرت فإن كان في اعتكاف تطوع فالأفضل أن يخرج لان صلاة الجنازة فرض على الكفاية فقدمت على الاعتكاف وإن كان في اعتكاف فرض لم يخرج لانه تعين عليه فرضه فلا يجوز تركه لصلاة الجنازة التي لم يتعين عليه فرضها فإن خرج بطل اعتكافه لانه غير مضطر إلى الخروج فإن غيره يقوم مقامه فيه فصل في الخروج لعيادة المريض ويجوز أن يخرج في اعتكاف التطوع لعيادة المريض لانها تطوع والاعتكاف تطوع فخير بينهما فإن اختار الخروج بطل اعتكافه لانه خروج غير مضطر إليه وإن خرج لما يجوز الخروج له من حاجة الإنسان والأكل فسأل عن المريض في الطريق ولم يعرج عليه جاز ولم يبطل اعتكافه وإن وقف بطل اعتكافه لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي ولا تقف ولانه لم يترك الاعتكاف بالمسألة فلم يبطل اعتكافه وبالوقوف يترك الاعتكاف فبطل فصل في الخروج لاداء الجمعة وإن حضرت الجمعة وهو من أهل الفرض والاعتكا في غير الجامع لزمه أن يخرج إليها لان الجمعة فرض بالشرع فلا يجوز تركها بالاعتكاف

قسم V01/P192

وهل يبطل اعتكافه بذلك أم لا فيه قولان قال في البويطي لا يبطل لانه خروج لا بد له منه فلم يبطل الاعتكاف كالخروج لقضاء حاجة الإنسان وقال في عامة كتبه يبطل اعتكافه لانه كان يمكنه الاحتراز من الخروج بأن يعتكف في الجامع فإن لم يفعل بطل اعتكافه كما لو دخل في صوم الشهرين المتتابعين في شعبان فخرج منه بصوم رمضان فإن تعين عليه أداء شهادة لزمه الخروج لادائها لانه تعين لحق آدمي فقدم على الاعتكاف وهل يبطل اعتكافه بذلك ينظر فيه فإن كان قد تعين عليه تحملها لم يبطل لانه مضطر إلى الخروج وإلى تسببه وإن لم يتعين عليه تحملها فقد روى المزني رضي الله عنه أنه قال يبطل الاعتكاف وقال في المعتكفة إذا طلقت تخرج وتعتد ولا يبطل اعتكافها فنقل أبو العباس جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما يبطل فيهما لان التسبب حصل باختياره والثاني لا يبطل لانه مضطر إلى الخروج وحمل أبو إسحاق المسألتين على ظاهرهما فقال في الشهادة يبطل وفي العدة لا يبطل لان المرأة لا تتزوج لتطلق فتعتد والشاهد إنما يتحمل ( الشهادة ) ليؤدي ولان المرأة محتاجة إلى التسبب وهو النكاح للنفقة والعفة والشاهد غير محتاج إلى التحمل فصل في الخروج لعذر المرض الشديد ومن مرض مرضا لا يؤمن معه تلويث المسجد كإطلاق الجوف وسلس البول خرج كما يخرج لحاجة الإنسان وإن كان مرضا يسيرا يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة لم يخرج فإن خرج بطل اعتكافه وإن كان مرضا حتى يحتاج فيه إلى الفراش ويشق معه المقام في المسجد ففيه قولان بناء على القولين في المريض إذا أفطر في صوم الشهرين المتتابعين وإن أغمي عليه فأخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه قولا واحدا لانه لم يخرج باختياره فصل بطلان الاعتكاف بسكر أو ردة قال في الأم وإن سكر فسد اعتكافه ثم قال وإن ارتد ثم أسلم بنى على اعتكافه واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق فمنهم من قال لا يبطل فيهما قولا واحدا لانهما لم يخرجا من المسجد وتأول قوله في السكران إذا سكر فأخرج لانه لا يجوز إقراره في المسجد أو أخرج ليقام عليه الحد ومنهم من قال يبطل فيهما لان السكران خرج عن أن يكون من أهل المقام في المسجد والمرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادات وتأول قوله في المرتد إذا ارتد في اعتكاف غير متتابع أنه يرجع ويتم ما بقي ومنهم من حمل المسألتين على ظاهرهما فقال في السكران يبطل لانه ليس من أهل المقام في المسجد لانه لا يجوز إقراره فيه فصار كما لو خرج من المسجد والمرتد من أهل المقام لانه يجوز إقراره فيه فصل في حيض المعتكفة وإن حاضت المعتكفة خرجت من المسجد لانه لا يمكنها المقام في المسجد وهل يبطل اعتكافها ينظر فيه فإن كان الاعتكاف في مدة لا يمكن حفظها من الحيض لم يبطل وإذا طهرت بنت عليه كما لو حاضت في صوم شهرين متتابعين وإن كان في مدة حفظها من الحيض بطل كما لو حاضت في صوم ثلاثة أيام متتابعة فصل في إحرام المعتكف وإن أحرم المعتكف بالحج فإن أمكنه أن يتم الاعتكاف ثم يخرج لم يجز أن يخرج فإن خرج بطل اعتكافه لانه غير محتاج إلى الخروج وإن خاف فوت الحج خرج ( إلى الحج ) لان الحج يجب بالشرع فلا يتركه بالاعتكاف فإذا خرج بطل اعتكافه لان الخروج حصل باختياره لانه كان يسعه أن يؤخره فصل فيمن خرج ناسيا وإن خرج من المسجد ناسيا لم يبطل اعتكافه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولانه لو أكل فى الصوم ناسيا لم يبطل فكذلك إذا خرج من الاعتكاف ناسيا لم يبطل وإن أخرج مكرها محمولا لم يبطل اعتكافه للخبر ولانه لو أوجر الصائم في فيه طعاما لم يبطل صومه فكذلك هذا وإن أكره حتى خرج بنفسه ففيه قولان كالصائم إذا أكره حتى أكل بنفسه

قسم V01/P192–V01/P193

وإن أخرجه السلطان لإقامة الحد عليه فإن كان قد ثبت الحد بإقراره بطل اعتكافه لانه خرج باختياره وإن ثبت بالبينة ففيه وجهان أحدهما يبطل لانه اختار سببه وهو الشرب والسرقة والثاني لا يبطل لانه لم يشرب ولم يسرق ليخرج ويقام عليه الحد فصل فيمن خرج لخوف وإن خاف من ظالم فخرج واستتر لم يبطل اعتكافه لانه مضطر إلى الخروج بسبب هو معذور فيه فلم يبطل اعتكافه فصل إذا زال عذر الخروج وإن خرج لعذر ثم زال العذر وتمكن من العود فلم يعد بطل اعتكافه لانه ترك الاعتكاف من عذر فأشبه إذا خرج من غير عذر فصل في حرمة المباشرة للمعتكف ولا يجوز للمعتكف المباشرة بشهوة لقوله عز وجل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد فإن جامع في الفرج ذاكرا للاعتكاف عالما بالتحريم فسد اعتكافه لانه أحد ما ينافي الاعتكاف فأشبه الخروج من المسجد وإن ( باشر ) فيما دون الفرج بشهوة أو قبل بشهوة ففيه قولان قال في الإملاء يبطل وهو الصحيح لانها مباشرة محرمة في الاعتكاف فبطل بها كالجماع وقال في الأم لا يبطل لانها مباشرة لا تبطل الحج فلم تبطل الاعتكاف كالقبلة بغير شهوة وقال أبو إسحاق لو قال قائل إنه لو أنزل بطل وإن لم ينزل لم تبطل كالقبلة في الصوم كان مذهبا وهذا قول لم يذهب إليه أحد من أصحابنا ويخالف الصوم فإن القبلة فيه لا تحرم على الإطلاق فلم تبطل على الإطلاق والقبلة في الاعتكاف محرمة على الإطلاق فأبطلته على الإطلاق فصل ما يجوز من المباشرة ويجوز أن يباشر من غير شهوة ولا يبطل اعتكافه ( لحديث ) عائشة رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدني إلي رأسه لارجله فإن باشر ناسيا لم يبطل اعتكافه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولان كل عبادة أبطلتها مباشرة العامد لم تبطلها مباشرة الناسي كالصوم وإن باشر وهو جاهل بالتحريم لم يبطل لان الجاهل كالناسي وقد بينا ذلك في الصلاة والصوم فصل ما يجوز للمعتكف ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف لان النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف ولم ينقل أنه غير شيئا من ملابسه ولو فعل ذلك لنقل ويجوز أن يتطيب لانه لو حرم التطيب عليه لحرم ترجيل الشعر كالإحرام وقد روت عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترجل شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف فدل على أنه لا يحرم عليه التطيب ويجوز أن يتزوج ويزوج لانها عبادة لا تحرم الطيب فلا تحرم النكاح كالصوم ويجوز أن يقرأ القرآن ويقرىء غيره ويدرس العلم ويدرس غيره لان ذلك كله زيادة خير لا يترك به شرط من شروط الاعتكاف ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله وضيعته ويبيع ويبتاع لكنه لا يكثر منه لان المسجد ينزه عن أن يتخذ موضعا للبيع والشراء فإن أكثر من ذلك كره لاجل المسجد ولم يبطل به الاعتكاف وقال فى القديم إن فعل ذلك والاعتكاف منذور رأيت أن يستقبله ووجهه أن الاعتكاف هو حبس النفس على الله عز وجل فإذا أكثر من البيع والشراء صار قعوده في المسجد للبيع والشراء لا للاعتكاف والصحيح أنه لا يبطل والأول مرجوع عنه لان ما لا يبطل قليله الاعتكاف لم يبطل كثيره كالقراءة والذكر فصل ويجوز أن يأكل في المسجد لانه عمل قليل لا بد منه ويجوز أن يضع فيه المائدة لان ذلك أنظف للمسجد ويغسل فيه اليد وإن غسل في الطست فهو أحسن فصل إذا فعل ما يبطل اعتكافه إذا فعل في الاعتكاف ما يبطله من خروج أو مباشرة أو مقام في البيت بعد زوال العذر نظرت فإن كان ذلك في تطوع لم يبطل ما مضى من الاعتكاف لان ذلك القدر لو أفرده واقتصر عليه أجزأه ولا يجب عليه إتمامه لانه لا يجب عليه المضي في فاسده فلا يلزمه بالشروع كالصوم

قسم V01/P193–V01/P194

وإن كان اعتكافه منذورا نظرت فإن لم يشرط فيه التتابع لم يبطل ما مضى من اعتكافه لما ذكرناه في التطوع ويلزمه أن يتمم لان الجميع قد وجب عليه وقد فعل البعض فوجب الباقي وإن كان قد شرط التتابع بطل التتابع ويجب عليه أن يستأنف ليأتي به على الصفة التي وجبت عليه والله أعلم كتاب الحج الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان وفي العمرة قولان قال في الجديد هي فرض لما روت عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أعلى النساء جهاد قال جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة وقال في القديم ليست بفرض لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أهي واجبة قال لا وأن تعتمر خير لك والصحيح هو الأول لان هذا الحديث يرفعه ابن لهيعة وهو ضعيف فيما ينفرد به ولا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة بالشرع لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحج كل عام قال لا بل حجة واحدة وروى سراقة بن مالك قال قلت يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد قال بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ومن حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته ثم أراد دخول مكة لحاجة نظرت فإن كان لقتال أو دخلها خائفا من ظالم يطلبه ولا يمكنه أن يظهر لاداء النسك جاز أن يدخل بغير إحرام لان النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام لانه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع النسك وإن كان دخوله لتجارة أو زيارة ففيه قولان أشهرهما أنه لا يجوز أن يدخل إلا بحج أو عمرة لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال لا يدخل أحدكم مكة إلا محرما ورخص للحطابين والثاني أنه يجوز لحديث الأقرع بن حابس وسراقة بن مالك وإن كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطابين والصيادين جاز بغير نسك لحديث ابن عباس ولان في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة فإن دخل بتجارة وقلنا إنه يجب عليه الإحرام فدخل بغير إحرام لم يلزمه القضاء لانا لو ألزمناه القضاء لزمه لدخوله للقضاء قضاء ولا يتناهى قال أبو العباس بن القاص فإن دخل بغير إحرام ثم صار حطابا أو صيادا لزمه القضاء لانه لا يلزمه للقضاء قضاء فصل في شروط وجوب الحج والعمرة ولا يجب الحج والعمرة إلا على مسلم عاقل بالغ حر مستطيع فأما الكافر فإن كان أصليا لم يصح منه لان ذلك من فروع الإيمان فلم يصح من الكافر ولا يخاطب به في حال الكفر لانه لا يصح منه وإن أسلم لم يخاطب بما فاته في حال الكفر لقوله صلى الله عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله ولانه لم يلتزم وجوبه فلم يلزمه ضمانه كحقوق الآدميين وإن كان مرتدا لم يصح منه لما ذكرناه ويجب عليه لانه التزم وجوبه فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين وأما المجنون فلا يصح منه لانه ليس من أهل العبادات فلم يصح حجه ولا يجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وأما الصبي فلا يجب عليه للخبر ويصح منه لما روى ابن عباس أن امرأة رفعت صبيا لها من محفتها فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر فإن كان مميزا فأحرم بإذن الولي صح إحرامه وإن أحرم بغير إذنه ففيه وجهان قال أبو إسحاق يصح كما يصح إحرامه في الصلاة وقال أكثر أصحابنا لا يصح لانه يفتقر في أدائه إلى المال فلا يصح من غير إذن الولي بخلاف الصلاة

قسم V01/P194–V01/P195

وإن كان غير مميز جاز لامه أن تحرم عنه لحديث ابن عباس ويجوز لابيه قياسا على الأم ولا يجوز للأخ والعم أن يحرم عنه لانه لا ولاية لهما على الصغير فإن عقد له الإحرام فعل بنفسه ما يقدر عليه ويفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه لما روى جابر قال حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان رمينا عنهم وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ومن لم يستطع رمي عنه وفي نفقة الحج وما يلزمه من الكفارة قولان أحدهما يجب في مال الولي لانه هو الذي أدخله فيه والثاني يجب في مال الصبي لانه وجب لمصلحته فكان في ماله كأجرة المعلم وأما العبد فلا يجب عليه الحج لان منافعه مستحقة لمولاه وفي إيجاب الحج عليه إضرار بالمولى ويصح منه لانه من أهل العبادة فصح منه الحج كالحر فإن أحرم بإذن السيد وفعل ما يوجب الكفارة فإن ملكه السيد مالا وقلنا إنه يملك لزمه الهدي وإن قلنا لا يملك أو لم يملكه السيد وجب عليه الصوم ويجوز للسيد أن يمنعه من الصوم لانه لم يأذن في سببه وإن أذن له في التمتع أو القران وقلنا إنه لا يملك المال صام وليس للمولى منعه من الصوم لانه وجب بإذنه فإن قلنا إنه يملك ففي الهدي قولان أحدهما يجب في مال السيد لانه أذن في سببه والثاني لا يجب لان إذنه رضا بوجوبه على عبده لا في ماله ولان موجب التمتع في حق العبد هو الصوم لانه لا يقدر على الهدى فلا يجب عليه الهدي فإن حج الصبي ثم بلغ أو حج العبد ثم أعتق لم يجزه ذلك عن حجة الإسلام لما روي ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى وإن بلغ الصبي أو أعتق العبد في الإحرام نظرت فإن كان قبل الوقوف بعرفة أو فى حال الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام لانه أتى بأفعال النسك في حال الكمال فأجزأه وإن كان ذلك بعد فوات الوقوف لم يجزه وإن كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ولم يرجع إلى الموقف فقد قال أبو العباس يجزئه لان إدراك وقت العبادة في حال الكمال كفعلها في حال الكمال والدليل عليه أنه لو أحرم ثم كمل جعل كأنه بدأ بالإحرام في حال الكمال ولو صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت جعل كأنه صلى في حال بلوغه والمذهب أنه لا يجزئه لانه لم يدرك الوقوف في حال الكمال فأشبه إذا كمل في يوم النحر ويخالف الإحرام لان هناك أدرك الكمال والإحرام قائم فوزانه من مسألتنا أن يدرك الكمال وهو واقف بعرفة فيجزئه وههنا أدرك الكمال وقد انقضى الوقوف فلم يجزه كما لو أدرك الكمال بعد التحلل عن الإحرام ويخالف الصلاة فإن الصلاة تجزئه بإدراك الكمال بعد الفراغ منها ولو فرغ من الحج ثم أدرك الكمال لم يجزه فصل في شرط الاستطاعة فأما غير المستطيع فلا يجب عليه لقوله عز وجل ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فدل على أنه لا يجب على غير المستطيع والمستطيع اثنان مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره والمستطيع بنفسه ينظر فيه فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة فهو أن يكون صحيحا واجدا للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها في ذهابه ورجوعه واجدا لراحلة تصلح لمثله بثمن المثل أو بأجرة المثل وأن يكون الطريق أمنا من غير خفارة وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء فأما إذا كان مريضا تلحقه مشقة غير معتادة لم يلزمه لما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائر فمات فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا

قسم V01/P195–V01/P196

فصل من عدم الزاد فإن لم يجد الزاد لم يلزمه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما يوجب الحج فقال الزاد والراحلة فإن لم يجد الماء لم يلزمه لان الحاجة إلى الماء أشد من الحاجة إلى الزاد فإذا لم يجب على من لم يجد الزاد فلأن لا يجب على من لم يجد الماء أولى وإن وجد الزاد والماء بأكثر من ثمن المثل لم يلزمه لانه لو لزم ذلك لم يأمن ألا يباع منه ذلك إلا بما يذهب به جميع ماله وفي إيجاب ذلك إضرار فلم يلزمه وإن لم يجد راحلة لم يلزمه لحديث ابن عمر وإن وجد راحلة لا تصلح لمثله بأن يكون ممن لا يمكنه الثبوت على القتب والزاملة لم يلزمه حتى يجد عمارية أو هودجا وإن بذل له رجل راحلة من غير عوض لم يلزمه قبولها لان عليه في قبول ذلك منة وفي تحمل المنة مشقة فلا يلزمه وإن وجد بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر من أجرة المثل لم يلزمه لما ذكرناه في الزاد وإن وجد الزاد والراحلة لذهابه ولم يجد لرجوعه نظرت فإن كان له أهل فى بلده لم يلزمه وإن لم يكن له أهل ففيه وجهان أحدهما يلزمه لان البلاد كلها في حقه واحدة والثاني لا يلزمه لانه يستوحش بالانقطاع عن الوطن والمقام في الغربة فلم يلزمه وإن وجد ما يشترى به الزاد والراحلة وهو محتاج إليه لدين عليه لم يلزمه حالا كان الدين أو مؤجلا لان الدين الحال على الفور والحج على التراخي فقدم عليه والمؤجل يحل عليه فإذا صرف ما معه في الحج لم يجد ما يقضي به الدين وإن كان محتاجا إليه لنفقة من تلزمه نفقته لم يلزمه الحج لان النفقة على الفور والحج على التراخي وإن احتاج إليه لمسكن لا بد له من مثله أو خادم يحتاج إلى خدمته لم يلزمه وإن احتاج إلى النكاح وهو يخاف العنت قدم النكاح لان الحاجة إلى ذلك على الفور والحج ليس على الفور وإن احتاج إليه في بضاعة يتجر فيها ليحصل منها ما يحتاج إليه للنفقة ففيه وجهان قال أبو العباس بن سريج لا يلزمه الحج لانه محتاج إليه فهو كالمسكن والخادم ومن أصحابنا من قال يلزمه لانه واجد للزاد والراحلة وإن لم يجد الزاد والراحلة وهو قادر على المشي وله صنعة يكتسب بها ما يكفيه لنفقته استحب له أن يحج لانه يقدر على إسقاط الفرض بمشقة لا يكره تحملها فاستحب له إسقاط الفرض كالمسافر إذا قدر على الصوم في السفر وإن لم يكن له صنعة ويحتاج إلى مسألة الناس كره له أن يحج لان المسألة مكروهة ولان في المسألة تحمل مشقة شديدة فكره وإن كان الطريق غير آمن لم يلزمه لحديث أبي أمامة ولان في إيجاب الحج مع الخوف تغريرا بالنفس والمال وإن كان الطريق منا إلا أنه يحتاج فيه إلى خفارة لم يلزمه لان ما يوخذ في الخفارة بمنزلة ما زاد على ثمن المثل وأجرة المثل في الزاد والراحلة فلا يلزمه ولانه رشوة على واجب فلا يلزمه وإن لم يكن له طريق إلا في البحر فقد قال في الأم لا يجب عليه وقال في الإملاء إن كان أكثر معاشه في البحر لزمه فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما يجب لانه طريق مسلوك فأشبه البر والثاني لا يجب لان فيه تغريرا بالنفس والمال فلا يجب كالطريق المخوف ومنهم من قال إن كان الغالب منه السلامة لزمه وإن كان الغالب منه الهلاك لم يلزمه كطريق البر ومنهم من قال إن كان له عادة بركوبه لزمه وإن لم يكن له عادة بركوبه لم يلزمه لان من له عادة لا يشق عليه ومن لا عادة له يشق عليه وإن كان أعمى لم يجب عليه إلا أن يكون معه قائد فإن الأعمى من غير قائد كالزمن ومع القائد كالبصير

قسم V01/P196–V01/P198

وإن كانت امرأة لم يلزمها إلا أن تأمن على نفسها بزوج أو محرم أو نساء ثقات قال فى الإملاء أو امرأة واحدة وروى الكرابيسي عنه إذا كان الطريق آمنا جاز من غير نساء وهو الصحيح لما روى عدى بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حتى لتوشك الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة قال عدي فلقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالكعبة بغير جوار ولانها تصير مستطيعة بما ذكرنا ولا تصير مستطيعة بغيره فإن لم يبق من الوقت ما يتمكن فيه من السير لاداء الحج لم يلزمه لانه إذا ضاق الوقت لم يقدر على الحج فلا يلزمه فرضه فصل في الراحلة للمكي وإن كان من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ولم يجد راحلة نظرت فإن كان قادرا على المشى وجب عليه لانه يمكنه الحج من غير مشقة شديدة وإن كان زمنا لا يقدر على المشي ويقدر على الحبو لم يلزمه لان المشقة في الحبو في المسافة القريبة أكثر من المشقة في المسافة البعيدة في السير فصل وإن كان من أهل مكة وقدر على المشي إلى مواضع النسك من غير خوف وجب عليه لانه يصير مستطيعا بذلك فصل في فضل الركوب ومن قدر على الحج راكبا أو ماشيا فالأفضل أن يحج راكبا لان النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبا ولان الركوب أعون على المناسك فصل في المستطع بغيره والمستطيع بغيره اثنان أحدهما من لا يقدر على الحج بنفسه لزمانة أو كبر وله مال يدفع إلى من يحج عنه فيجب عليه فرض الحج لانه يقدر على أداء الحج بغيره كما يقدر على أدائه بنفسه فيلزمه فرض الحج والثاني من لا يقدر على الحج بنفسه وليس له مال ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج فينظر فيه فإن كان الولد مستطيعا بالزاد والراحلة وجب على الأب الحج ويلزمه أن يأمر الولد بأدائه عنه لانه قادر على أداء الحج بولده كما يقدر على أدائه بنفسه وإن لم يكن للولد مال ففيه وجهان أحدهما يلزمه لانه قادر على تحصيل الحج بطاعته والثاني لا يلزمه لان الصحيح لا يلزمه فرض الحج من غير زاد ولا راحلة فالمغصوب أولى ألا يلزمه وإن كان الذي يطيعه غير الولد ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه الحج بطاعته لان في الولد إنما وجب عليه لانه بضعة منه فنفسه كنفسه وماله كماله في النفقة وغيرها وهذا المعنى لا يوجد في غيره فلم يجب الحج بطاعته والثاني يلزمه وهو ظاهر النص لانه واجد لمن يطيعه فأشبه الولد وإن كان له من يجب الحج عليه بطاعته فلم يأذن له ففيه وجهان أحدهما أن الحاكم ينوب عنه في الإذن كما ينوب عنه إذا امتنع عن إخراج الزكاة والثاني لا ينوب عنه كما إذا كان له مال ولم يجهز من يحج عنه لم ينب الحاكم عنه في تجهيز من يحج عنه وإن بذل له الطاعة ثم رجع الباذل ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجوز لانه لما لم يجز للمبذول له أن يرد لم يجز للباذل أن يرجع والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لانه متبرع بالبذل فلا يلزمه الوفاء بما بذل وأما إذا بذل له مالا يدفعه إلى من يحج عنه ففيه وجهان أحدهما أنه يلزمه قبوله كما يلزمه قبول الطاعة والثاني لا يلزمه وهو الصحيح لانه إيجاب كسب لإيجاب الحج فلم يلزمه كالكسب بالتجارة فصل في تنجيز الحج والمستحب لمن وجب عليه الحج بنفسه أو بغيره أن يقدمه لقوله تعالى فاستبقوا الخيرات ولانه إذا أخره عرضه للفوات ولحوادث الزمان ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة لان فريضة الحج نزلت سنة ست فأخر النبي صلى الله عليه وسلم الحج إلى سنة عشر من غير عذر فلو لم يجز التأخير لما أخره فصل فيمن مات وعليه حج ومن وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات نظرت فإن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه ولم يجب القضاء

قسم V01/P198

وقال أبو يحيى البلخي يجب القضاء وأخرج إليه أبو إسحاق نص الشافعي رحمه الله فرجع عنه والدليل على أنه يسقط أنه هلك ما تعلق به الفرض قبل التمكن من الأداء فسقط الفرض كما لو هلك النصاب قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة وإن مات بعد التمكن من الأداء لم يسقط الفرض ويجب قضاؤه من تركته لما روى بريدة قال أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله أمي ماتت ولم تحج قال حجي عن أمك ولانه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمي ويجب قضاؤه عنه من الميقات لان الحج يجب من الميقات ويجب من رأس المال لانه دين واجب فكان من رأس المال كدين الآدمي وإن اجتمع الحج ودين الآدمي والتركة لا تتسع لهما ففيه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في آخر الزكاة فصل في النيابة في الحج وتجوز النيابة في حج الفرض في موضعين أحدهما في حق الميت إذا مات وعليه حج والدليل عليه حديث بريدة والثاني في حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير معتادة كالزمن والشيخ الكبير والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من خثعم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه قال نعم قالت أينفعه ذلك قال نعم كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه ولانه أيس من الحج بنفسه فناب عنه غيره كالميت وفي حج التطوع قولان أحدهما لا يجوز لانه غير مضطر إلى الاستنابة فيه فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لان كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها كالصدقة فإن استأجر من يتطوع عنه وقلنا لا يجوز فإن الحج للحاج وهل يستحق الأجرة فيه قولان أحدهما أنه لا يستحق لان الحج قد انعقد له فلا يستحق الأجرة كالصرورة والثاني أنه يستحق لانه لم يحصل له بهذا الحج منفعة لانه لم يسقط به عنه فرض ولا حصل له به ثواب بخلاف الصرورة فإن هناك قد سقط عنه الفرض فأما الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة فلا يجوز النيابة عنه في الحج لان الفرض عليه في بدنه فلا ينتقل الفرض إلى غيره إلا في الموضع الذي وردت فيه الرخصة وهو إذا أيس وبقي فيما سواه على الأصل فلا تجوز النيابة عنه فيه وأما المريض فينظر فيه فإن كان غير مأيوس منه لم يجز أن يحج عنه غيره لانه لم ييأس من فعله بنفسه فلا تجوز النيابة عنه فيه كالصحيح فإن خالف وأحج عن نفسه ثم مات فهل يجزئه عن حجة الإسلام فيه قولان أحدهما يجزئه لانه لما مات تبينا أنه كان مأيوسا منه والثاني لا يجزئه لانه أحج وهو غير مأيوس منه في الحال فلم يجزه كما لو برأ منه وإن كان مريضا مأيوسا منه جازت النيابة عنه في الحج لانه مأيوس منه فأشبه الزمن والشيخ الكبير فإن أحج عن نفسه ثم برأ من المرض ففيه طريقان أحدهما أنه كالمسألة التي قبلها وفيها قولان والثاني أنه يلزمه الإعادة قولا واحدا لانا تبينا الخطأ في الإياس ويخالف إذا كان غير مأيوس منه فمات لانا لم نتبين الخطأ لانه يجوز أنه لم يكن مأيوسا منه ثم زاد المرض فصار مأيوسا منه ولا يجوز أن يكون مأيوسا منه ثم يصير غير مأيوس منه فصل يبدأ في الحج عن نفسه ولا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال أحججت عن نفسك قال لا قال فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ولا يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياسا على الحج

قسم V01/P198–V01/P200

قال الشافعي رحمه الله وأكره أن يسمى من لم يحج صرورة لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صرورة في الإسلام ولا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة وعليه فرضهما ولا يحج ويعتمر عن النذر وعليه فرض حجة الإسلام لان النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام فلا يجوز تقديمهما عليها كحج غيره على حجه فإن أحرم عن غيره وعليه فرضه انعقد إحرامه لنفسه لما روي في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أحججت عن نفسك قال لا قال فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة فإن أحرم بالنفل وعليه فرضه انعقد إحرامه عن الفرض وإن أحرم عن النذر وعليه فرض الإسلام انعقد إحرامه عن فرض الإسلام قياسا على من أحرم عن غيره وعليه فرضه فإن أمر المعضوب من يحج عنه عن النذر وعليه حجة الإسلام فأحرم عنه انصرف إلى حجة الاسلام لانه نائب عنه ولو أحرم هو عن النذر انصرف إلى حجة الإسلام فكذلك النائب عنه فصل اجتماع حجة إسلام ونذر فإن كان عليه حجة الإسلام وحجة نذر فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة فقد نص في الأم أنه يجوز وكان أولى لانه لم يقدم النذر على حجة الإسلام ومن أصحابنا من قال لا يجوز لانه لا يحج بنفسه حجتين في سنة وليس بشيء فصل متى يجوز الإحرام ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج والدليل عليه قوله عز وجل الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج والمراد به وقت إحرام الحج لان الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أنه أراد به وقت الإحرام ولان الإحرام نسك من مناسك الحج فكان مؤقتا كالوقوف والطواف وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر لما روي عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قالوا أشهر الحج معلومات شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة لانها عبادة مؤقتة فإذا عقدها فى غير وقتها انعقد غيرها من جنسها كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال فإنه ينعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لان الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة فلا يمكن أداء الحجة الأخرى فصل التوسع في وقت العمرة وأما العمرة فإنها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عمرة في رمضان تعدل حجة لا يكره فعل عمرتين وأكثر في سنة لما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله عنها فصل صور الحج والعمرة ويجوز إفراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما لما روت عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا أهل بالحج والعمرة فصل الأفضل منها والإفراد والتمتع أفضل من القران وقال المزني القران أفضل والدليل على ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله والقارن يقتصر على عمل الحج وحده فكان الإفراد والتمتع أفضل فصل وفي التمتع والإفراد قولان أحدهما أن التمتع أفضل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج

قسم V01/P200

والثاني أن الإفراد أفضل لما روى جابر قال أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ليس معه عمرة ولان التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الإفراد أفضل منه كالقران وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فإنه يحتمل أنه أراد أمر بالتمتع كما روي أنه رجم ماعزا وأراد أنه أمر برجمه والدليل عليه أن ابن عمر هو الراوي وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج فصل في صفة الإفراد والتمتع والقران والإفراد أن يحج ثم يعتمر والتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامه والقران أن يحرم بهما معا فإن أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف جاز ويصير قارنا لما روي أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بالعمرة فحاضت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلي بالحج وصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ولا تصلي وإن أدخل عليها الحج بعد الطواف لم يجز واختلف أصحابنا في علته فمنهم من قال لا يجوز لانه قد أخذ في التحلل ومنهم من قال لا يجوز لانه قد أتى بمقصود العمرة وإن أحرم بالحج وأدخل عليه بالعمرة ففيه قولان أحدهما يجوز لانه أحد النسكين فجاز إدخاله على الآخر كالحج والثانى لا يجوز لان أفعال العمرة استحقت بإحرام الحج فلا يعد إحرام العمرة شيئا فإن قلنا إنه يجوز فهل يجوز بعد الوقوف يبنى على العلتين في إدخال الحج على العمرة بعد الطواف فإن قلنا لا يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف لانه أخذ في التحلل جاز ههنا بعد الوقوف لانه لم يأخذ في التحلل وإن قلنا لا يجوز لانه أتى بالمقصود لم يجز ههنا لانه قد أتى بمعظم المقصود وهو الوقوف فإن أحرم بالعمرة فأفسدها ثم أدخل عليها الحج ففيه وجهان أحدهما ينعقد الحج ويكون فاسدا لانه إدخال حج على عمرة فأشبه إذا كان صحيحا والثانى لا ينعقد لانه لا يجوز أن يصح لأنه إدخال حج على إحرام فاسد ولا يجوز أن يفسد لان إحرامه لم يصادفه الوطء فلا يجوز إفساده فصل فيمن يجب عليه الدم ويجب على المتمتع الدم لقوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ولا يجب عليه إلا بخمسة شروط أحدها أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم لانه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج فلم يلزمه دم كالمفرد وإن أحرم بالعمرة فى غير أشهر الحج وأتى بأفعالها في أشهر الحج ففيه قولان قال في القديم و الإملاء يجب عليه دم لان استدامة الإحرام بمنزلة الابتداء ولو ابتدأ الإحرام بالعمرة فى أشهر الحج لزمه الدم فكذلك إذا استدام وقال في الأم لا يجب عليه الدم لان الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به أتى به في غير أشهر الحج فلم يلزمه دم التمتع كالطواف والثانى أن يحج من سنته فأما إذا حج في سنة أخرى لم يلزمه الدم لما روى سعيد بن المسيب قال كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعتمرون فى أشهر الحج فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا ولان الدم إنما يجب بترك الإحرام بالحج من الميقات وهذا لم يترك الإحرام بالحج من الميقات فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته وإن رجع إلى بلده وعاد فقد أحرم من الميقات والثالث ألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات فأما إذا رجع لاحرام الحج إلى الميقات فأحرم لم يلزمه الدم لان الدم وجب بترك الإحرام من الميقات وهذا لم يترك الميقات فإن أحرم بالحج من جوف مكة ثم رجع إلى الميقات قبل أن يقف ففيه وجهان أحدهما لا دم عليه لانه حصل محرما من الميقات قبل التلبس بنسك فأشبه من جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم وعاد إلى الميقات والثانى يلزمه لانه وجب عليه الدم بالإحرام من مكة فلا يسقط بالعود إلى الميقات كما لو ترك الميقات وأحرم دونه ثم عاد بعد التلبس بالنسك

قسم V01/P200–V01/P201

والرابع أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام فأما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لقوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وحاضر المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة لان الحاضر في اللغة هو القريب ولا يكون قريبا إلا في مسافة لا تقتصر فيها الصلاة وفي الخامس وجهان وهو نية التمتع أحدهما أنه لا يحتاج إليها لان الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات وذلك يوجد من غير نية والثاني أنه يحتاج إلى نية التمتع لانه جمع بين العبادتين في وقت إحداهما فافتقر إلى نية الجمع كالجمع بين الصلاتين فإذا قلنا بهذا ففي وقت النية وجهان أحدهما أنه يحتاج أن ينوي عند الإحرام بالعمرة والثاني يجوز أن ينوي ما لم يفرغ من العمرة بناء على القولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين فإن في ذلك قولين أحدهما ينوي في ابتداء الأولى منهما والثاني ينوي ما لم يفرغ من الأولى فصل في دم التمتع ويجب دم التمتع بالإحرام بالحج لقوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ولان شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام فوجب أن يتعلق الوجوب به وفي وقت جوازه قولان أحدهما لا يجوز قبل أن يحرم بالحج لان الذبح قربة تتعلق بالبدن فلا يجوز قبل وجوبها كالصوم والصلاة والثاني يجوز بعد الفراغ من العمرة لانه حق مال يجب بشيئين فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب فصل فيمن عجز عن الهدي فإن لم يكن واجدا للهدي في موضعه انتقل إلى الصوم وهو صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة فأما صوم ثلاثة أيام في الحج فلا يجوز قبل الإحرام بالحج لانه صوم واجب فلا يجوز قبل وجوبه كصوم رمضان ويجوز بعد الإحرام بالحج إلى يوم النحر والمستحب أن يفرغ منه قبل يوم عرفة فإنه يكره للحاج صوم يوم عرفة وهل يجوز صيامها في أيام التشريق على قولين وقد ذكرناهما في كتاب الصيام وأما صوم السبعة ففيه قولان قال في حرملة لا يجوز حتى يرجع إلى أهله لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان معه هدي فليهد ومن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله وقال في الإملاء يصوم إذا أخذ في السير خارجا من مكة لقوله تعالى وسبعة إذا رجعتم وابتداء الرجوع وإذا ابتدأ بالسير من مكة فإذا قلنا بهذا ففي الأفضل قولان أحدهما الأفضل والثاني الأفضل أن يصوم بعد الابتداء بالسير لان تقديم العبادة في أول وقتها أفضل أن يؤخر إلى أن يرجع إلى الوطن ليخرج من الخلاف فإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى أهله لزمه صوم عشرة أيام وهل يشترط التفريق بينهما فيه وجهان أحدهما أنه ليس بشرط لان التفريق وجب بحكم الوقت وقد فات ( الوقت ) فسقط كالتفريق بين الصلوات والثاني أنه يشترط وهو المذهب لان ترتيب أحدهما على الآخر لا يتعلق بوقت فلم يسقط بالفوات كترتيب أفعال الصلاة فإن قلنا بالوجه الأول صام عشرة أيام كيف شاء وإن قلنا بالمذهب فرق بينهما بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء فصل فيمن دخل في الصوم ثم وجد الهدي فإن دخل في الصوم ثم وجد الهدي فالأفضل أن يهدي ولا يلزمه وقال المزني يلزمه كالمتيمم إذا رأي الماء فإن وجد الهدي بعد الإحرام بالحج وقبل الدخول في الصوم فهو مبني على الأقوال الثلاثة في الكفارات أحدهما أن الاعتبار بحال الوجوب ففرضه الصوم والثاني أن الاعتبار بحال الأداء ففرضه الهدي والثالث الاعتبار بأغلظ الحالين ففرضه الهدي فصل الدم على القارن ويجب على القارن دم لانه روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ولانه إذا وجب على المتمتع لانه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلان يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى

قسم V01/P201–V01/P202

فإن لم يجد الهدي فعليه صوم التمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على ما بيناه وبالله التوفيق باب المواقيت ميقات أهل المدينة ذو الحليفة وميقات أهل الشام الجحفة وميقات أهل نجد قرن وميقات أهل اليمن يلملم لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن قال ابن عمر رضي الله عنهما وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يهل أهل اليمن من يلملم وأهل الشام من الجحفة وأما أهل العراق فميقاتهم ذات عرق وهل هو منصوص عليه أو مجتهد فيه قال الشافعي رحمه الله في الأم هو غير منصوص عليه ووجهه ما روي عن ابن عمر قال لما فتح المصران أتوا عمر رضي الله عنه فقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لاهل نجد قرنا وإنا إذا أردنا أن نأتي قرنا شق علينا قال فانظر واحذوها من طريقكم قال فحد لهم ذات عرق ومن أصحابنا من قال هو منصوص عليه ومذهبه ما ثبتت به السنة والدليل عليه ما روى جابر بن عبد الله قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يهل أهل المشرق من ذات عرق وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل العراق ذات عرق قال الشافعي رحمه الله ولو أهل أهل المشرق من العقيق كان أحب إلي لانه روي عن ابن عباس قال وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المشرق العقيق ولانه أبعد من ذات عرق فكان أفضل وهذه المواقيت لاهلها ولكل من مر بها من غير أهلها لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل المدينة ذا الحليفة لاهل الشام الجحفة ولاهل نجد قرنا ولاهل اليمن يلملم وقال هذه المواقيت لاهلها ولكل من أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة ومن كان داره دون ذلك فمن حيث ينشىء ثم كذلك أهل مكة يهلون من مكة ومن سلك طريقا لا ميقات فيه من بر أو بحر فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه لان عمر رضي عنه لما اجتهد في ميقات أهل العراق اعتبر ما ذكرناه فصل فيمن كانت داره فوق الميقات ومن كانت داره فوق الميقات فله أن يحرم من الميقات وله أن يحرم من فوق الميقات لما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وفي الأفضل قولان أحدهما أن الأفضل أن يحرم من الميقات لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة ولانه إذا أحرم من بلده لم يأمن أن يرتكب محظورات الإحرام فإذا أحرم من الميقات أمن من ذلك فكان الإحرام من الميقات أفضل والثانى أن الأفضل أن يحرم من داره لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة ومن كانت داره دون الميقات فميقاته موضعه ومن جاوز الميقات قاصدا إلى موضع قبل مكة ثم أراد النسك أحرم من موضعه كما إذا دخل مكة لحاجة ثم أراد الإحرام كان ميقاته من مكة ومن كان من أهل مكة أراد أن يحج فميقاته من مكة

الأسئلة