Qur'an&Sunnah

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

قسم V02/P071–V02/P072

ولما كان الكلام في العدة يتعلق فيه أحكام عدة الموت رأينا أن نذكرها ههنا فنقول إن المسلمين اتفقوا على أن عدة الحرة من زوجها الحر أربعة أشهر وعشرا لقوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا واختلفوا في عدة الحامل وفي عدة الأمة إذا لم تأتها حيضتها في الأربعة الأشهر وعشرا ماذا حكمها فذهب مالك إلى أن من شرط تمام هذه العدة أن تحيض حيضة واحدة في هذه المدة فإن لم تحض فهي عنده مسترابة فتمكث مدة الحمل وقيل عنه إنها قد لا تحيض وقد لا تكون مسترابة وذلك إذا كانت عادتها في الحيض أكثر من مدة العدة وهذا إما غير موجود أعني من تكون عادتها أن تحيض أكثر من أربعة أشهر إلى أكثر من أربعة أشهر وإما نادر واختلف عنه فيمن هذه حالها من النساء إذا وجدت فقيل تنتظر حتى تحيض وروى عنه ابن القاسم تتزوج إذا انقضت عدة الوفاة ولم يظهر بها حمل وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار أبي حنيفة والشافعي والثوري وأما المسألة الثانية وهي الحامل التي يتوفى عنها زوجها فقال الجمهور وجميع فقهاء الأمصار عدتها أن تضع حملها مصيرا إلى عموم قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وإن كانت الآية في الطلاق وأخذا أيضا بحديث أم سلمة أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر وفيه فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها قد حللت فانكحي من شئت وروى مالك عن ابن عباس أن عدتها آخر الأجلين يريد أنها تعتد بأبعد الأجلين إما الحمل وإما انقضاء العدة عدة الموت وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحجة لهم أن ذلك هو الذي يقتضيه الجمع بين عموم آية الحوامل وآية الوفاة وأما الأمة المتوفى عنها من تحل له فإنها لا تخلو أن تكون زوجة أو ملك يمين أو أم ولد أو غير أم ولد فأما الزوجة فقال الجمهور إن عدتها نصف عدة الحرة قاسوا ذلك على الدية وقال أهل الظاهر بل عدتها عدة الحرة وكذلك عندهم عدة الطلاق مصيرا إلى التعميم وأما أم الولد فقال مالك والشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة عدتها حيضة وبه قال ابن عمر وقال مالك وإن كانت ممن لا تحيض اعتدت ثلاثة أشهر ولها السكنى وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري عدتها ثلاث حيض وهو قول علي وابن مسعود وقال قوم عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها زوجها وقال قوم عدتها عدة الحرة أربعة أشهر وعشرا وحجة مالك أنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة ولا مطلقة فتعتد ثلاث حيض فلم يبق إلا استبراء رحمها وذلك يكون بحيضة تشبيها بالأمة يموت عنها سيدها وذلك ما لا خلاف فيه وحجة أبي حنيفة أن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة وليست بزوجة فتعتد عدة الوفاة ولا بأمة فتعتد عدة أمة فوجب أن تستبرىء رحمها بعدة الأحرار أما الذين أوجبوا لها عدة الوفاة فاحتجوا بحديث روي عن عمرو بن العاص قال لا تلبسوا علينا سنة نبينا عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا وضعف أحمد هذا الحديث ولم يأخذ به وأما من أوجب عليها نصف عدة الحرة تشبيها بالزوجة الأمة فسبب الخلاف أنها مسكوت عنها وهي مترددة الشبه بين الأمة والحرة وأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة وهو مذهب أبي حنيفة الباب الثاني في المتعة والجمهور على أن المتعة ليست واجبة في كل مطلقة وقال قوم من أهل الظاهر هي واجبة في كل مطلقة وقال قوم هي مندوب إليها وليست واجبة وبه قال مالك والذين قالوا بوجوبها في بعض المطلقات اختلفوا في ذلك فقال أبو حنيفة هي واجبة على كل من طلق قبل الدخول ولم يفرض لها صداقا مسمى وقال الشافعي هي واجبة لكل مطلقة إذا كان الفراق من قبله إلا التي سمى لها وطلقت قبل الدخول وعلى هذا جمهور العلماء

قسم V02/P072–V02/P073

واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا فاشترط المتعة مع عدم المسيس وقال تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فعلم أنه لا متعة لها مع التسمية والطلاق قبل المسيس لأنه إذا لم يجب لها الصداق فأحرى أن لا تجب لها المتعة وهذا لعمري مخيل لأنه حيث لم يجب لها صداق أقيمت المتعة مقامه وحيث ردت من يدها نصف الصداق لم يجب لها شيء وأما الشافعي فيحمل الأوامر الواردة بالمتعة في قوله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره على العموم في كل مطلقة إلا التي سمي لها وطلقت قبل الدخول وأما أهل الظاهر فحملوا الأمر على العموم والجمهور على أن المختلعة لا متعة لها لكونها مغطية من يدها كالحال في التي طلقت قبل الدخول وبعد فرض الصداق وأهل الظاهر يقولون هو شرع فتأخذ وتعطي وأما مالك فإنه حمل الأمر بالمتعة على الندب لقوله تعالى في آخر الآية حقا على المحسنين أي على المتفضلين المتجملين وما كان من باب الإجمال والإحسان فليس بواجب واختلفوا في المطلقة المعتدة هل عليها إحداد فقال مالك ليس عليها إحداد باب في بعث الحكمين اتفق العلماء على جواز بعث الحكمين إذا وقع التشاجر بين الزوجين وجهلت أحوالهما في التشاجر أعني المحق من المبطل لقوله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها الآية وأجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الزوجين أحدهما من قبل الزوج والآخر من قبل المرأة إلا أن لا يوجد في أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما وأجمعوا على أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما وأجمعوا على أن قولهما في الجمع بينهما نافذ بغير توكيل من الزوجين واختلفوا في تفريق الحكمين بينهما إذا اتفقا على ذلك هل يحتاج إلى إذن من الزوج أو لا يحتاج إلى ذلك فقال مالك وأصحابه يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين ولا إذن منهما في ذلك وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق وحجة مالك ما رواه من ذلك عن علي بن أبي طالب أنه قال في الحكمين إليهما التفرقة بين الزوجين والجمع وحجة الشافعي وأبي حنيفة أن الأصل أن الطلاق ليس بيد أحد سوى الزوج أو من يوكله الزوج واختلف أصحاب مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا فقال أبو القاسم تكون واحدة وقال أشهب والمغيرة تكون ثلاثا إن طلقاها ثلاثا والأصل أن الطلاق بيد الرجل إلا أن يقوم دليل على غير ذلك وقد احتج الشافعي وأبو حنيفة بما روي في حديث علي هذا أنه قال للحكمين هل تدريان ما عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما فقالت المرأة رضيت بكتاب الله وبما فيه لي وعلي فقال الرجل أما الفرق فلا فقال علي لا والله لا تنقلب حتى تقر بمثل ما أقرت به المرأة قال فاعتبر في ذلك إذنه و مالك يشبه الحكمين بالسلطان والسلطان يطلق بالضرر عند مالك إذا تبين بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما كتاب الإيلاء والأصل في هذا الباب قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر والإيلاء هو أن يحلف الرجل أن لا يطأ زوجته إما مدة هي أكثر من أربعة أشهر أو أربعة أشهر أو بإطلاق على الاختلاف المذكور في ذلك فيما بعد

قسم V02/P073–V02/P075

واختلف فقهاء الأمصار في الإيلاء في مواضع فمنها هل تطلق المرأة بانقضاء الأربعة الأشهر المضروبة بالنص للمولي أم إنما تطلق بأن يوقف بعد الأربعة الأشهر فإما فاء وإما طلق ومنها هل الإيلاء يكون بكل يمين أم بالأيمان المباحة في الشرع فقط ومنها إذا أمسك عن الوطء بغير يمين هل يكون موليا أم لا ومنها هل المولي هو الذي قيد يمينه بمدة من أربعة أشهر فقط أو أكثر من ذلك أو المولي هو الذي لم يقيد يمينه بمدة أصلا ومنها هل طلاق الإيلاء بائن أو رجعي ومنها إن أبى الطلاق والفيء هل يطلق القاضي عليه أم لا ومنها هل يتكرر الإيلاء إذا طلقها ثم راجعها من غير إيلاء حادث في الزواج الثاني ومنها هل من شرط رجعة المولي أن يطأ في العدة أم لا ومنها هل إيلاء العبد حكمه أن يكون مثل إيلاء الحر أم لا ومنها هل إذا طلقها بعد انقضاء مدة الإيلاء تلزمها عدة أم لا فهذه هي مسائل الخلاف المشهورة في الإيلاء بين فقهاء الأمصار التي تتنزل من هذا الباب منزلة الأصول ونحن نذكر خلافهم في مسألة مسألة منها وعيون أدلتهم وأسباب خلافهم على ما قصدنا المسألة الأولى أما اختلافهم هل تطلق بانقضاء الأربعة الأشهر نفسها أم لا تطلق وإنما الحكم أن يوقف فإما فاء وإما طلق فإن مالكا والشافعي وأحمد وأبا ثور وداود والليث ذهبوا إلى أنه يوقف بعد انقضاء الأربعة الأشهر فإما فاء وإما طلق وهو قول علي وابن عمر وإن كان قد روي عنهما غير ذلك لكن الصحيح هو هذا وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وبالجملة الكوفيون إلى أن الطلاق يقع بانقضاء الأربعة الأشهر إلا أن يفيء فيها وهو قول ابن مسعود وجماعة من التابعين وسبب الخلاف هل قوله تعالى فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم أي فإن فاءوا قبل انقضاء الأربعة الأشهر أو بعدها فمن فهم منه قبل انقضائها قال يقع الطلاق ومعنى العزم عنده في قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم أن لا يفيء حتى تنقضي المدة فمن فهم من اشتراط الفيئة اشتراطها بعد انقضاء المدة قال معنى قوله وإن عزموا الطلاق أي باللفظ فإن الله سميع عليم وللمالكية في الآية أربعة أدلة أحدها أنه جعل مدة التربص حقا للزوج دون الزوجة فأشبهت مدة الأجل في الديون المؤجلة الدليل الثاني أن الله تعالى أضاف الطلاق إلى فعله وعندهم ليس يقع من فعله إلا تجوزا أعني ليس ينسب إليه على مذهب الحنفية إلا تجوزا وليس يصار إلى المجاز عن الظاهر إلا بدليل الدليل الثالث قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم قالوا فهذا يقتضي وقوع الطلاق على وجه يسمع وهو وقوعه باللفظ لا بانقضاء المدة الرابع أن الفاء في قوله تعالى فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ظاهرة في معنى التعقيب فدل ذلك على أن الفيئة بعد المدة وربما شبهوا هذه المدة بمدة العتق وأما أبو حنيفة فإنه اعتمد في ذلك تشبيه هذه المدة بالعدة الرجعية إذ كانت العدة إنما شرعت لئلا يقع منه ندم وبالجملة فشبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي وشبهوا المدة بالعدة وهو شبه قوي وقد روي ذلك عن ابن عباس المسألة الثانية وأما اختلافهم في اليمين التي يكون بها الإيلاء فإن مالكا قال يقع الإيلاء بكل يمين وقال الشافعي لا يقع إلا بالأيمان المباحة في الشرع وهي اليمين بالله أو بصفة من صفاته فمالك اعتمد العموم أعني عموم قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر والشافعي يشبه الإيلاء بيمين الكفارة وذلك أن كلا اليمينين يترتب عليهما حكم شرعي فوجب أن تكون اليمين التي ترتب عليها حكم الإيلاء هي اليمين التي يترتب عليها الحكم الذي هو الكفارة

قسم V02/P075–V02/P076

المسألة الثالثة وأما لحوق حكم الإيلاء للزوج إذا ترك الوطء بغير يمين فإن الجمهور على أنه لا يلزمه حكم الإيلاء بغير يمين ومالك يلزمه وذلك إذا قصد الإضرار بترك الوطء وإن لم يحلف على ذلك فالجمهور اعتمدوا الظاهر ومالك اعتمد المعنى لأن الحكم إنما لزمه باعتقاده ترك الوطء وسواء شد ذلك الإعتقاد بيمين أو بغير يمين لأن الضرر يوجد في الحالتين جميعا المسألة الرابعة وأما اختلافهم في مدة الإيلاء فإن مالكا ومن قال بقوله يرى أن مدة الإيلاء يجب أن تكون أكثر من أربعة أشهر إذ كان الفيء عندهم إنما هو بعد الأربعة الأشهر وأما أبو حنيفة فإن مدة الإيلاء عنده هي الأربعة الأشهر فقط إذ كان الفيء عنده إنما هو فيها وذهب الحسن وابن أبي ليلى إلى أنه إذا حلف وقتا ما وإن كان أقل من أربعة أشهر كان موليا يضرب له الأجل إلى انقضاء الأربعة الأشهر من وقت اليمين وروي عن ابن عباس أن المولي هو من حلف أن لا يصيب امرأته على التأبيد والسبب في اختلافهم في المدة إطلاق الآية فاختلافهم في وقت الفيء وفي صفة اليمين ومدته هو كون الآية عامة في هذه المعاني أو مجملة وكذلك اختلافهم في صفة المولي والمولى منها ونوع الطلاق على ما سيأتي بعد وأما ما سوى ذلك فسبب اختلافهم فيه هو سبب السكوت عنها وهذه هي أركان الإيلاء أعني معرفة نوع اليمين ووقت الفيء والمدة وصفة المولى منها ونوع الطلاق الواقع فيه المسألة الخامسة فأما الطلاق الذي يقع بالإيلاء فعند مالك والشافعي أنه رجعي لأن الأصل أن كل طلاق وقع بالشرع أنه يحمل على أنه رجعي إلى أن يدل الدليل على أنه بائن وقال أبو حنيفة وأبو ثور هو بائن وذلك أنه إن كان رجعيا لم يزل الضرر عنها بذلك لأنه يجبرها على الرجعة فسبب الاختلاف معارضة المصلحة المقصودة بالإيلاء للأصل المعروف في الطلاق فمن غلب الأصل قال رجعي ومن غلب المصلحة قال بائن المسألة السادسة وأما هل يطلق القاضي إذا أبى الفيء أو الطلاق أو يحبس حتى يطلق فإن مالكا قال يطلق القاضي عليه وقال أهل الظاهر يحبس حتى يطلقها بنفسه وسبب الخلاف معارضة الأصل المعروف في الطلاق للمصلحة فمن راعى الأصل المعروف في الطلاق قال لا يقع طلاق إلا من الزوج ومن راعى الضرر الداخل من ذلك على النساء قال يطلق السلطان وهو نظر إلى المصلحة العامة وهذا هو الذي يعرف بالقياس المرسل والمنقول عن مالك العمل به وكثير من الفقهاء يأبى ذلك المسألة السابعة وأما هل يتكرر الإيلاء إذا طلقها ثم راجعها فإن مالكا يقول إذا راجعها فلم يطأها تكرر الإيلاء عليه وهذا عنده في الطلاق الرجعي والبائن وقال أبو حنيفة الطلاق البائن يسقط الإيلاء وهو أحد قولي الشافعي وهذا القول هو الذي اختاره المزني وجماعة العلماء على أن الإيلاء لا يتكرر بعد الطلاق إلا بإعادة اليمين والسبب في اختلافهم معارضة المصلحة لظاهر شرط الإيلاء وذلك أنه لا إيلاء في الشرع إلا حيث يكون يمين في ذلك النكاح بنفسه لا في نكاح آخر ولكن إن راعينا هذا وجد الضرر المقصود إزالته بحكم الإيلاء ولذلك رأى مالك أنه يحكم بحكم الإيلاء بغير يمين إذا وجد معنى الإيلاء المسألة الثامنة وأما هل تلزم الزوجة المولى منها عدة أو ليس تلزمها فإن الجمهور على أن العدة تلزمها وقال جابر بن زيد لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الأربعة الأشهر ثلاث حيض وقال بقوله طائفة وهو مروي عن ابن عباس وحجته أن العدة إنما وضعت لبراءة الرحم وهذه قد حصلت لها البراءة وحجة الجمهور أنها مطلقة فوجب أن تعتد كسائر المطلقات وسبب الخلاف أن العدة جمعت عبادة ومصلحة فمن لحظ جانب المصلحة لم ير عليها عدة ومن لحظ جانب العبادة أوجب عليها العدة المسألة التاسعة وأما إيلاء العبد فإن مالكا قال إيلاء العبد شهران على النصف من إيلاء الحر قياسا على حدوده وطلاقه وقال الشافعي وأهل الظاهر إيلاؤه مثل إيلاء الحر أربعة أشهر تمسكا بالعموم

قسم V02/P076–V02/P078

والظاهر أن تعلق الأيمان بالحر والعبد سواء والإيلاء يمين وقياسا أيضا على مدة العنين وقال أبو حنيفة النقص الداخل على الإيلاء معتبر بالنساء لا بالرجال كالعدة فإن كانت المرأة حرة كان الإيلاء إيلاء الحر وإن كان الزوج عبدا وإن كانت أمة فعلى النصف وقياس الإيلاء على الحد غير جيد وذلك أن العبد إنما كان حده أقل من حد الحر لأن الفاحشة منه أقل قبحا ومن الحر أعظم قبحا ومدة الإيلاء إنما ضربت جمعا بين التوسعة على الزوج وبين إزالة الضرر عن الزوجة فإذا فرضنا مدة أقصر من هذه كان أضيق على الزوج وأنفى للضرر على الزوجة والحر أحق بالتوسعة ونفي الضرر عنه فلذلك كان يجب على هذا القياس أن لا ينقص من الإيلاء إلا إذا كان الزوج عبدا والزوجة حرة فقط وهذا لم يقل به أحد فالواجب التسوية والذين قالوا بتأثير الرق في مدة الإيلاء اختلفوا في زوال الرق بعد الإيلاء هل ينتقل إلى إيلاء الأحرار أم لا فقال مالك لا ينتقل من إيلاء العبيد إلى إيلاء الأحرار وقال أبو حنيفة ينتقل فعنده أن الأمة إذا عتقت وقد آلى زوجها منها انتقلت إلى إيلاء الأحرار وقال ابن القاسم الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا إيلاء عليها فإن وقع وتمادى حسبت الأربعة الأشهر من يوم بلغت وإنما قال ذلك لأنه لا ضرر عليها في ترك الجماع وقال أيضا لا إيلاء على خصي ولا على من لا يقدر على الجماع المسألة العاشرة وأما هل من شرط رجعة المولي أن يطأ في العدة أم لا فإن الجمهور ذهبوا إلى أن ذلك ليس من شرطها وأما مالك فإنه قال إذا لم يطأ فيها من غير عذر مرض أو ما أشبه ذلك فلا رجعة عنده له عليها وتبقى على عدتها ولا سبيل له إليها إذا انقضت العدة وحجة الجمهور أنه لا يخلو أن يكون الإيلاء يعود برجعته إياها في العدة أو لا يعود فإن عاد لم يعتبر واستؤنف الإيلاء من وقت الرجعة أعني تحسب مدة الإيلاء من وقت الرجعة وإن لم يعد إيلاء لم يعتبر أصلا إلا على مذهب من يرى أن الإيلاء يكون بغير يمين وكيفما كان فلا بد من اعتبار الأربعة الأشهر من وقت الرجعة وأما مالك فإنه قال كل رجعة من طلاق كان لرفع ضرر فإن صحة الرجعة معتبرة فيه بزوال ذلك الضرر وأصله المعسر بالنفقة إذا طلق عليه ثم ارتجع فإن رجعته تعتبر صحتها بيساره فسبب الخلاف قياس الشبه وذلك أن من شبه الرجعة بابتداء النكاح أوجب فيها تجدد الإيلاء ومن شبه هذه الرجعة برجعة المطلق لضرر لم يرتفع منه ذلك الضرر قال يبقى على الأصل كتاب الظهار والأصل في الظهار الكتاب والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة الآية وأما السنة فحديث خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت ظاهر مني زوجي أويس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله يجادلني فيه ويقول اتقي الله فإنه ابن عمك فما خرجت حتى أنزل الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما الآيات فقال ليعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت يا رسول اللهإنه شيخ كبير ما به صيام قال فليطعم ستين مسكينا قالت ما عنده من شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بعرق من تمر قالت وأنا أعينه بعرق آخر قال لقد أحسنت اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينا خرجه أبو داود وحديث سلمة بن صخر البياضي عن النبي صلى الله عليه وسلم والكلام في أصول الظهار ينحصر في سبعة فصول منها في ألفاظ الظهار ومنها في شروط وجوب الكفارة فيه ومنها فيمن يصح فيه الظهار ومنها فيما يحرم على المظاهر ومنها هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح ومنها هل يدخل الإيلاء عليه ومنها القول في أحكام كفارة الظهار الفصل الأول في ألفاظ الظهار

قسم V02/P078–V02/P079

واتفق الفقهاء على أن الرجل إذا قال لزوجته أنت علي كظهر أمي أنه ظهار واختلفوا إذا ذكر عضوا غير الظهر أو ذكر ظهر من تحرم عليه من المحرمات النكاح على التأبيد غير الأم فقال مالك هو ظهار وقال جماعة من العلماء لا يكون ظهارا إلا بلفظ الظهر والأم وقال أبو حنيفة يكون بكل عضو يحرم النظر إليه وسبب اختلافهم معارضة المعنى للظاهر وذلك أن معنى التحريم تستوي فيه الأم وغيرها من المحرمات والظهر وغيره من الأعضاء وأما الظاهر من الشرع فإنه يقتضي أن لا يسمى ظهارا إلا ما ذكر فيه لفظ الظهر والأم وأما إذا قال هي علي كأمي ولم يذكر الظهر فقال أبو حنيفة والشافعي ينوي في ذلك لأنه قد يريد بذلك الإجلال لها وعظم منزلتها عنده وقال مالك هو ظهار وأما من شبه زوجته بأجنبية لا تحرم عليه على التأبيد فإنه ظهار عند مالك وعن ابن الماجشون ليس بظهار وسبب الخلاف هل تشبيه الزوجة بمحرمة غير مؤبدة التحريم كتشبيهها بمؤبدة التحريم الفصل الثاني في شروط وجوب الكفارة فيه وأما شروط وجوب الكفارة فإن الجمهور على أنها لا تجب دون العود وشذ مجاهد وطاوس فقالا لا تجب دون العود ودليل الجمهور قوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة وهو نص في معنى وجوب تعلق الكفارة بالعود وأيضا فمن طريق القياس فإن الظهار يشبه الكفارة في اليمين فكما أن الكفارة إنما تلزم بالمحافظة أو بإرادة المخالفة كذلك الأمر في الظهار وحجة مجاهد وطاوس أنه معنى يوجب الكفارة العليا فوجب أن يوجبها بنفسه لا بمعنى زائد تشبيها بكفارة القتل والفطر وأيضا قالوا إنه طلاق الجاهلية فنسخ تحريمه بالكفارة وهو معنى قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا والعود عندهم هو العود في الإسلام فأما القائلون باشتراط العود في إيجاب الكفارة فإنهم اختلفوا فيه ما هو فعن مالك في ذلك ثلاث روايات إحداهن أن العود هو أن يعزم على إمساكها والوطء معا والثانية أن يعزم على وطئها فقط وهي الرواية الصحيحة المشهورة عن أصحابه وبه قال أبو حنيفة وأحمد والرواية الثالثة أن العود هو نفس الوطء وهي أضعف الروايات عند أصحابه وقال الشافعي العود هو الإمساك نفسه قال ومن مضى له زمان يمكنه أن يطلق فيه ولم يطلق ثبت أنه عائد ولزمته الكفارة لأن إقامته زمانا يمكن أن يطلق فيه من غير أن يطلق يقوم مقام إرادة الإمساك منه أو هو دليل ذلك وقال داود وأهل الظاهر العود هو أن يكرر لفظ الظهار ثانية ومتى لم يفعل ذلك فليس بعائد ولا كفارة عليه فدليل الرواية المشهورة لمالك ينبني على أصلين أحدهما أن المفهوم من الظهار هو أن وجوب الكفارة فيه إنما يكون بإرادته العود إلى ما حرم على نفسه بالظهار وهو الوطء وإذا كان ذلك كذلك وجب أن تكون العودة هي إما الوطء نفسه وإما العزم عليه وإرادته والأصل الثاني ليس يمكن أن يكون العود نفسه هو وطء لقوله تعالى في الآية فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ولذلك كان الوطء محرما حتى يكفر قالوا ولو كان العود نفسه هو الإمساك لكان الظهار نفسه يحرم الإمساك فكان الظهار يكون طلاقا وبالجملة فالمعول عليه عندهم في هذه المسألة هو الطريق الذي يعرفه الفقهاء بطريق السبر والتقسيم وذلك أن معنى العود لا يخلو أن يكون تكرار اللفظ على ما يراه داود أو الوطء نفسه أو الإمساك نفسه أو إرادة الوطء ولا يكون تكرار اللفظ لأن ذلك تأكيد والتأكيد لا يوجب الكفارة ولا يكون إرادة الإمساك للوطء فإن الإمساك موجود بعد فقد بقي أن يكون إرادة الوطء وإن كان إرادة الإمساك للوطء فقد أراد الوطء فثبت أن العود هو الوطء

قسم V02/P079–V02/P080

ومعتمد الشافعية في إجرائهم أرادة الإمساك أو الإمساك للوطء مجرى إرادة الوطء أن الإمساك يلزم عنه الوطء فجعلوا لازم الشيء مشبها بالشيء وجعلوا حكمهما واحدا وهو قريب من الرواية الثانية وربما استدلت الشافعية على أن إرادة الإمساك هو السبب في وجوب الكفارة أن الكفارة ترتفع بارتفاع الإمساك وذلك إذا طلق إثر الظهار ولهذا احتاط مالك في الرواية الثانية فجعل العود هو إرادة الأمرين جميعا أعني الوطء والإمساك وأما أن يكون العود الوطء فضعيف ومخالف للنص والمعتمد فيها تشبيه الظهار باليمين أي كما أن كفارة اليمين إنما تجب بالحنث كذلك الأمر ههنا وهو قياس شبه عارضه النص وأما داود فإنه تعلق بظاهر اللفظ في قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا وذلك يقتضي الرجوع إلى القول نفسه وعند أبي حنيفة أنه العود في الإسلام إلى ما تقدم من ظهارهم في الجاهلية وعند مالك والشافعي أن المعنى في الآية ثم يعودون فيما قالوا وسبب الخلاف بالجملة إنما هو مخالفة الظاهر للمفهوم فمن اعتمد المفهوم جعل العودة إرادة الوطء أو الإمساك وتأول معنى اللام في قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا بمعنى الفاء وأما من اعتمد الظاهر فإنه جعل العودة تكرير اللفظ وأن العودة الثانية إنما هي ثانية للأولى التي كانت منهم في الجاهلية ومن تأول أحد هذين فالأشبه له أن يعتقد أن بنفس الظهار تجب الكفارة كما اعتقد ذلك مجاهد إلا أن يقدر في الآية محذوفا وهو إرادة الإمساك فهنا إذن ثلاثة مذاهب إما أن تكون العودة هي تكرار اللفظ وإما أن تكون إرادة الإمساك وإما أن تكون العودة التي هي في الإسلام وهذان ينقسمان قسمين أعني الأول والثالث أحدهما أن يقدر في الآية محذوفا وهو إرادة الإمساك فيشترط هذه الإرادة في وجوب الكفارة وإما ألا يقدر فيها محذوفا فتجب الكفارة بنفس الظهار واختلفوا من هذا الباب في فروع وهو هل إذا طلق قبل إرادة الإمساك أو ماتت عنه زوجته هل تكون عليه كفارة أم لا فجمهور العلماء على أن لا كفارة عليه إلا أن يطلق بعد إرادة العودة أو بعد الإمساك بزمان طويل على ما يراه الشافعي وحكي عن عثمان البتي أن عليه الكفارة بعد الطلاق وأنها إذا ماتت قبل إرادة العودة لم يكن له سبيل إلى ميراثها إلا بعد الكفارة وهذا شذوذ مخالف للنص والله أعلم الفصل الثالث فيمن يصح فيه الظهار واتفقوا على لزوم الظهار من الزوجة التي في العصمة واختلفوا في الظهار من الأمة ومن التي في غير العصمة وكذلك اختلفوا في ظهار المرأة من الرجل فأما الظهار من الأمة فقال مالك والثوري وجماعة الظهار منها لازم كالظهار من الزوجة الحرة وكذلك المدبرة وأم الولد وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور لا ظهار من أمة وقال الأوزاعي إن كان يطأ أمته فهو منها مظاهر وإن لم يطأها فهي يمين وفيها كفارة يمين وقال عطاء هو مظاهر لكن عليه نصف كفارة فدليل من أوقع ظهار الأمة عموم قوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم والإماء من النساء وحجة من لم يجعله ظهارا أنهم قد أجمعوا أن النساء في قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر هن ذوات الأزواج فكذلك اسم النساء في آية الظهار فسبب الخلاف معارضة قياس الشبه للعموم أعني تشبيه الظهار بالإيلاء وعموم لفظ النساء أعني أن عموم اللفظ يقتضي دخول الإماء في الظهار وتشبيهه بالإيلاء يقتضي خروجهن من الظهار

قسم V02/P080–V02/P081

وأما هل من شرط الظهار كون المظاهر منها في العصمة أم لا فمذهب مالك أن ذلك ليس من شرطه وأن من عين امرأة ما بعينها وظاهر منها بشرط التزويج كان مظاهرا منها وكذلك إن لم يعين وقال كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي وذلك بخلاف الطلاق وبقول مالك في الظهار قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وقال قائلون لا يلزم الظهار إلا فيما يملك الرجل وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو ثور وداود وفرق قوم فقالوا إن أطلق لم يلزمه ظهار وهو أن يقول كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي فإن قيد لزمه وهو أن يقول إن تزوجت فلانة أو سمى قرية أو قبيلة وقائل هذا القول هو ابن أبي ليلى والحسن بن حي ودليل الفريق الأول قوله تعالى أوفوا بالعقود ولأنه عقد على شرط الملك فأشبه إذا ملك والمؤمنون عند شروطهم وهو قول عمر وأما حجة الشافعي فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك ولا بيع إلا فيما يملك ولا وفاء بنذر إلا فيما يملك خرجه أبو داود والترمذي والظهار شبيه بالطلاق وهو قول ابن عباس وأما الذين فرقوا بين التعميم والتعيين فإنهم رأوا أن التعميم في الظهار من باب الحرج وقد قال الله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج واختلفوا أيضا من هذا الباب في هل تظاهر المرأة من الرجل فعن العلماء في ذلك ثلاثة أقوال أشهرها أنه لا يكون منها ظهار وهو قول مالك والشافعي والثاني أن عليها كفارة يمين والثالث أن عليها كفارة الظهار ومعتمد الجمهور تشبيه الظهار بالطلاق ومن ألزم المرأة الظهار فتشبيها للظهار باليمين ومن فرق فلأنه رأى أن أقل اللازم لها في ذلك المعنى هو كفارة يمين وهو ضعيف وسبب الخلاف تعارض الأشياء في هذا المعنى الفصل الرابع فيما يحرم على المظاهر واتفقوا على أن المظاهر يحرم عليه الوطء واختلفوا فيما دونه من ملامسة ووطء في غير الفرج ونظر اللذة فذهب مالك إلى أنه يحرم الجماع وجميع أنواع الاستمتاع مما دون الجماع من الوطء فيما دون الفرج واللمس والتقبيل والنظر للذة ما عدا وجهها وكفيها ويديها من سائر بدنها ومحاسنها وبه قال أبو حنيفة إلا أنه إنما كره النظر للفرج فقط وقال الشافعي إنما يحرم الظهار الوطء في الفرج فقط المجمع عليه لا ما عدا ذلك وبه قال الثوري وأحمد وجماعة ودليل مالك قوله تعالى من قبل أن يتماسا وظاهر لفظ التماس يقتضي المباشرة فما فوقها ولأنه أيضا لفظ حرمت به عليه فأشبه لفظ الطلاق ودليل قول الشافعي أن المباشرة كناية ههنا عن الجماع بدليل إجماعهم على أن الوطء محرم عليه وإذا دلت على الجماع لم تدل على ما فوق الجماع لأنها إما أن تدل على ما فوق الجماع وإما أن تدل على الجماع وهي الدلالة المجازية ولكن قد اتفقوا على أنها دالة على الجماع فانتفت الدلالة المجازية إذ لا يدل لفظ واحد دلالتين حقيقة ومجازا قلت الذين يرون أن اللفظ المشترك له عموم لا يبعد أن يكون اللفظ الواحد عندهم يتضمن المعنيين جميعا أعني الحقيقة والمجاز وإن كان لم تجر به عادة للعرب ولذلك القول به في غاية من الضعف ولو علم أن للشرع فيه تصرفا لجاز وأيضا فإن الظهار مشبه عندهم بالإيلاء فوجب أن يختص عندهم بالفرج الفصل الخامس هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح وأما تكرر الظهار بعد الطلاق أعني إذا طلقها بعد الظهار قبل أن يكفر ثم راجعها هل يتكرر عليها الظهار فلا يحل له المسيس حتى يكفر فيه خلاف قال مالك إن طلقها دون الثلاث ثم راجعها في العدة أو بعدها فعليه الكفارة وقال الشافعي إن راجعها في العدة فعليه الكفارة وإن راجعها في غير العدة فلا كفارة عليه وعنه قول آخر مثل قول مالك

قسم V02/P081–V02/P083

وقال محمد ابن الحسن الظهار راجع عليها نكحها بعد الثلاث أو بعد واحدة وهذه المسألة شبيهة بمن يحلف بالطلاق ثم يطلق ثم يراجع هل تبقى تلك اليمين عليه أم لا وسبب الخلاف هل الطلاق يرفع جميع أحكام الزوجية ويهدمها أو لا يهدمها فمنهم من رأى أن البائن الذي هو الثلاث يهدم وأن ما دون الثلاث لا يهدم ومنهم من رأى أن الطلاق كله غير هادم وأحسب أن من الظاهرية من يرى أنه كله هادم الفصل السادس في دخول الإيلاء عليه وأما هل يدخل الإيلاء على الظهار إذا كان مضارا وذلك بأن لا يكفر مع قدرته على الكفارة فإن فيه أيضا اختلافا فأبو حنيفة والشافعي يقولان لا يتداخل الحكمان لأن حكم الظهار خلاف حكم الإيلاء وسواء أكان عندهم مضارا أو لم يكن وبه قال الأوزاعي وأحمد وجماعة وقال مالك يدخل الإيلاء على الظهار بشرط أن يكون مضارا وقال الثوري يدخل الإيلاء على الظهار وتبين منه بانقضاء الأربعة الأشهر من غير اعتبار المضارة ففيه ثلاثة أقوال قول إنه يدخل بإطلاق وقول إنه لا يدخل بإطلاق وقول إنه يدخل مع المضارة ولا يدخل مع عدمها وسبب الخلاف مراعاة المعنى واعتبار الظاهر فمن اعتبر الظاهر قال لا يتداخلان ومن اعتبر المعنى قال يتداخلان إذا كان القصد الضرر الفصل السابع في أحكام كفارة الظهار والنظر في كفارة الظهار في أشياء منها في عدد أنواع الكفارة وترتيبها وشروط نوع منها أعني الشروط المصححة ومتى تجب كفارة واحدة ومتى تجب أكثر من واحدة فأما أنواعها فإنهم أجمعوا على أنها ثلاثة أنواع إعتاق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا وأنها على الترتيب فالإعتاق أولا فإن لم يكن فالصيام فإن لم يكن فالإطعام هذا في الحر واختلفوا في العبد يكفر بالعتق أو بالإطعام بعد اتفاقهم أن الذي يبدأ به الصيام أعني إذا عجز عن الصيام فأجاز للعبد العتق إن أذن له سيده أبو ثور وداود وأبى ذلك سائر العلماء وأما الإطعام فأجازه له مالك إن أطعم بإذن سيده ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي ومبنى الخلاف في هذه المسألة هل يملك العبد أو لا يملك وأما اختلافهم في الشروط المصححة فمنها اختلافهم إذا وطىء في صيام الشهرين هل عليه استئناف الصيام أم لا فقال مالك وأبو حنيفة يستأنف الصيام إلا أن أبا حنيفة شرط في ذلك العمد ولم يفرق مالك بين العمد في ذلك والنسيان وقال الشافعي لا يستأنف على حال وسبب الخلاف تشبيه كفارة الظهار بكفارة اليمين والشرط الذي ورد في كفارة الظهار أعني أن تكون قبل المسيس فمن اعتبر هذا الشرط قال يستأنف الصوم ومن شبهه بكفارة اليمين قال لا يستأنف لأن الكفارة في اليمين ترفع الحنث بعد وقوعه باتفاق ومنها هل من شرط الرقبة أن تكون مؤمنة أم لا فذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك شرط في الإجزاء وقال أبو حنيفة يجزىء في ذلك رقبة الكافر ولا يجزىء عندهم إعتاق الوثنية والمرتدة ودليل الفريق الأول أنه إعتاق على وجه القربة فوجب أن تكون مسلمة أصله الإعتاق في كفارة القتل وربما قالوا إن هذا ليس من باب القياس وإنما هو من باب حمل المطلق على المقيد وذلك أنه قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل وأطلقها في كفارة الظهار فيجب صرف المطلق إلى المقيد وهذا النوع من حمل المطلق على المقيد فيه خلاف والحنفية لا يجيزونه وذلك أن الأسباب في القضيتين مختلفة وأما حجة أبي حنيفة فهو ظاهر العموم ولا معارضة عنده بين المطلق والمقيد فوجب عنده أن يحمل كل على لفظه ومنها اختلافهم هل من شرط الرقبة أن تكون سالمة من العيوب أم لا ثم إن كانت سليمة فمن أي العيوب تشترط سلامتها فالذي عليه الجمهور أن للعيوب تأثيرا في منع إجزاء العتق وذهب قوم إلى أنه ليس لها تأثير في ذلك وحجة الجمهور تشبيهها بالأضاحي والهدايا لكون القربة تجمعهما وحجة الفريق الثاني إطلاق اللفظ في الآية فسبب الخلاف معارضة الظاهر لقياس الشبه

قسم V02/P083–V02/P084

والذين قالوا إن للعيوب تأثيرا في منع الإجزاء اختلفوا في عيب عيب مما يعتبر في الإجزاء أو عدمه أما العمى وقطع اليدين أو الرجلين فلا خلاف عندهم في أنه مانع للإجزاء واختلفوا فيما دون ذلك فمنها هل يجوز قطع اليد الواحدة أجازه أبو حنيفة ومنعه مالك والشافعي وأما الأعور فقال مالك لا يجزىء وقال عبد الملك يجزىء وأما قطع الأذنين فقال مالك لا يجزىء وقال أصحاب الشافعي يجزىء وأما الأصم فاختلف فيه في مذهب مالك فقيل يجزىء وقيل لا يجزىء وأما الأخرس فلا يجزىء عند مالك وعن الشافعي في ذلك قولان أما المجنون فلا يجزىء أما الخصي فقال ابن القاسم لا يعجبني الخصي وقال غيره لا يجزىء وقال الشافعي يجزىء وإعتاق الصغير جائز في قوله عامة فقهاء الأمصار وحكي عن بعض المتقدمين منعه والعرج الخفيف في المذهب يجزىء أما البين العرج فلا والسبب في اختلافهم في قدر النقص المؤثر في القربة وليس له أصل في الشرع إلا الضحايا وكذلك لا يجزىء في المذهب ما فيه شركة أو طرف حرية كالكتابة والتدبير لقوله تعالى فتحرير رقبة والتحرير هو ابتداء الإعتاق وإذا كان فيه عقد من عقود الحرية كالكتابة كان تنجيزا لا إعتاقا وكذلك الشركة لأن بعض الرقبة ليس برقبة وقالوا أبو حنيفة إن كان المكاتب أدى شيئا من مال الكتابة لم يجز وإن كان لم يؤد جاز واختلفوا هل يجزيه عتق مدبره فقال مالك لا يجزيه تشبيها بالكتابة لأنه عقد ليس له حلة وقال الشافعي يجزيه ولا يجزي عند مالك إعتاق أم ولده ولا المعتق إلى أجل مسمى وأما عتق أم الولد فلأن عقدها آكد من عقد الكتابة والتدبير بدليل أنهما قد يطرأ عليهما الفسخ أما في الكتابة فمن العجز عن أداء النجوم وأما التدبير فإذا ضاق عنه الثلث وأما العتق إلى أجل فإنه عقد عتق لا سبيل إلى حله واختلف مالك والشافعي مع أبي حنيفة في إجزاء عتق من يعتق عليه بالنسب فقال مالك والشافعي لا يجزىء عنه وقال أبو حنيفة إذا نوى به عتقه عن ظهار أجزأ فأبو حنيفة شبهه بالرقبة التي لا يجب عتقها وذلك أن كل واحدة من الرقبتين غير واجب عليه شراؤها وبذل القيمة فيها على وجه العتق فإذا نوى بذلك التكفير جاز والمالكية والشافعية رأت أنه إذا اشترى من يعتق عليه عتق عليه من غير قصد إلى إعتاقه فلا يجزيه فأبو حنيفة أقام القصد للشراء مقام العتق وهؤلاء قالوا لا بد أن يكون قاصدا للعتق نفسه فكلاهما يسمى معتقا باختياره ولكن أحدهما معتق بالاختيار الأول والآخر معتق بلازم الاختيار فكأنه معتق على القصد الثاني ومشتر على القصد الأول والآخر بالعكس واختلف مالك والشافعي فيمن أعتق نصفي عبدين فقال مالك لا يجوز ذلك وقال الشافعي يجوز لأنه في معنى الواحد ومالك تمسك بظاهر دلالة اللفظ فهذا ما اختلفوا فيه من شروط الرقبة المعتقة وأما شروط الإطعام فإنهم اختلفوا من ذلك في القدر الذي يجزي لمسكين مسكين من الستين مسكينا الذين وقع عليهم النص فعن مالك في ذلك روايتان أشهرهما أن ذلك مد بمد هشام لكل واحد وذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل هو أقل وقد قيل هو مد وثلث وأما الرواية الثانية فمد مد لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي فوجه الرواية الأولى اعتبار الشبع غالبا أعني الغداء والعشاء ووجه الرواية الثانية اعتبار هذه الكفارة بكفارة اليمين فهذا هو اختلافهم في شروط الصحة في الواجبات في هذه الكفارة وأما اختلافهم في مواضع تعددها ومواضع اتحادها فمنها إذا ظاهر بكلمة واحدة من نسوة أكثر من واحدة هل يجزي في ذلك كفارة واحدة أم يكون عدد الكفارات على عدد النسوة فعند مالك أنه يجزي في ذلك كفارة واحدة وعند الشافعي وأبي حنيفة أن فيها من الكفارات بعدد المظاهر منهن إن اثنتين فاثنتين وإن ثلاثا فثلاثا وإن أكثر فأكثر فمن شبهه بالطلاق أوجب في كل واحدة كفارة ومن شبهه بالإيلاء أوجب فيه كفارة واحدة وهو بالإيلاء أشبه

قسم V02/P084–V02/P085

ومنها إذا ظاهر من امرأته في مجالس شتى هل عليه كفارة واحدة أو على عدد المواضع التي ظاهر فيها فقال مالك ليس عليه إلا كفارة واحدة إلا أن يظاهر ثم يكفر ثم يظاهر فعليه كفارة ثانية وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وقال أبو حنيفة والشافعي لكل ظهار كفارة وأما إذا كان ذلك في مجلس واحد فلا خلاف عند مالك أن في ذلك كفارة واحدة وعند أبي حنيفة أن ذلك راجع إلى نيته فإن قصد التأكيد كانت الكفارة واحدة وإن أراد استئناف الظهار كان ما أراد ولزمه من الكفارات على عدد الظهار وقال يحيى بن سعيد تلزم الكفارة على عدد الظهار سواء أكان في مجلس واحد أو في مجالس شتى والسبب في هذا الاختلاف أن الظهار الواحد بالحقيقة هو الذي يكون بلفظ واحد من امرأة واحدة في وقت واحد والمتعدد بلا خلاف هو الذي يكون بلفظين من امرأتين في وقتين فإن كرر اللفظ من امرأة واحدة فهل يوجب تعدد اللفظ تعدد الظهار أم لا يوجب ذلك فيه تعددا وكذلك إن كان اللفظ واحدا والمظاهر منها أكثر من واحدة وذلك أن هذه بمنزلة المتوسطات بين ذينك الطرفين فمن غلب شبه الطرف الواحد أوجب له حكمه ومن غلب شبه الطرف الثاني أوجب له حكمه ومنها إذا ظاهر من امرأته ثم مسها قبل أن يكفر هل عليه كفارة واحدة أم لا فأكثر فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأبو عبيد أن في ذلك كفارة واحدة والحجة لهم حديث سلمة بن صخر البياضي أنه ظاهر من امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأمره أن يكفر تكفيرا واحدا وقال قوم عليه كفارتان كفارة العزم على الوطء وكفارة الوطء لأنه وطىء وطأ محرما وهو مروي عن عمرو بن العاص وقبيصة بن ذؤيب وسعيد بن جبير وابن شهاب وقد قيل إنه لا يلزمه شيء لا عن العود ولا عن الوطء لأن الله تعالى اشترط صحة الكفارة قبل المسيس فإذا مس فقد خرج وقتها فلا تجب إلا بأمر مجدد وذلك معدوم في مسألتنا وفيه شذوذ وقال أبو محمد ابن حزم من كان فرضه الإطعام فليس يحرم عليه المسيس قبل الإطعام وإنما يحرم المسيس على من كان فرضه العتق أو الصيام كتاب اللعان والقول فيه يشتمل على خمسة فصول بعد القول بوجوبه الفصل الأول في أنواع الدعاوى الموجبة له وشروطها الفصل الثاني في صفات المتلاعنين الفصل الثالث في صفة اللعان الفصل الرابع في حكم نكول أحدهما أو رجوعه الفصل الخامس في الأحكام اللازمة لتمام اللعان فأما الأصل في وجوب اللعان أما من الكتاب فقوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم الآية وأما من السنة فما رواه مالك وغيره من مخرجي الصحيح من حديث عويمر العجلاني إذ جاء إلى عاصم بن عدي العجلاني رجل من قومه فقال له يا عاصم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلوه أم كيف يفعل سل يا عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لم تأتني بخير قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألت عنها فقال والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال يا رسول الله

قسم V02/P085–V02/P087

أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلوه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل فيك وفي صاحبتك قرآن فاذهب فائت بها وقال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مالك قال ابن شهاب فلم تزل تلك سنة المتلاعنين وأيضا من جهة المعنى لما كان الفراش موجبا للحوق النسب كان بالناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده وتلك الطريق هي اللعان فاللعان حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والإجماع إذ لا خلاف في ذلك أعلمه فهذا هو القول في إثبات حكمه الفصل الأول في أنواع الدعاوى الموجبة له وشروطها وأما صور الدعاوى التي يجب بها اللعان فهي أولا صورتان إحداهما دعوى الزنا والثانية نفي الحمل ودعوى الزنا لا يخلو أن تكون مشاهدة أعني أن يدعي أنه شاهدها تزني كما يشهد الشاهد على الزنا أو تكون دعوى مطلقة وإذا نفى الحمل فلا يخلو أن ينفيه أيضا نفيا مطلقا أو يزعم أنه لم يقربها بعد استبرائها فهذه أربعة أحوال بسائط وسائر الدعاوى تتركب عن هذه مثل أن يرميها بالزنا وينفي الحمل أو يثبت الحمل ويرميها بالزنى فأما وجوب اللعان بالقذف بالزنا إذا ادعى الرؤية فلا خلاف فيه قالت المالكية إذا زعم أنه لم يطأها بعد وأما وجوب اللعان بمجرد القذف فالجمهور على جوازه الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وداود وغيرهم وأما المشهور عن مالك فإنه لا يجوز اللعان عنده بمجرد القذف وقد قال ابن القاسم أيضا إنه يجوز وهي أيضا رواية عن مالك وحجة الجمهور عموم قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم الآية ولم يخص في الزنا صفة دون صفة كما قال في إيجاب حد القذف وحجة مالك ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك منها قوله في حديث سعد أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا وحديث ابن عباس وفيه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والله يا رسول الله لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه فنزلت والذين يرمون أزواجهم الآية وأيضا فإن الدعوى يجب أن تكون ببينة كالشهادة وفي هذا الباب فرع اختلف فيه قول مالك وهو إذا ظهر بها حمل بعد اللعان فعن مالك في ذلك روايتان إحداهما سقوط الحمل عنه والأخرى لحوقه به واتفقوا فيما أحسب أن من شرط الدعوى الموجبة اللعان برؤية الزنا أن تكون في العصمة واختلفوا فيمن لل زوجته بدعوى الزنا ثم طلقها ثلاثا هل يكون بينهما لعان أم لا فقال مالك والشافعي والأوزاعي وجماعة بينهما لعان وقال أبو حنيفة لا لعان بينهما إلا أن ينفي ولدا ولا حد وقال مكحول والحكم وقتادة يحد ولا يلاعن وأما إن نفى الحمل فإنه كما قلنا على وجهين أحدهما أن يدعي أنه استبرأها ولم يطأها بعد الاستبراء وهذا ما لا خلاف فيه واختلف قول مالك في الاستبراء فقال مرة ثلاث حيض وقال مرة حيضة وأما نفيه مطلقا فالمشهور عن مالك أنه لا يجب بذلك لعان وخالفه في هذا الشافعي وأحمد وداود وقالوا لا معنى لهذا لأن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم وحكى عبد الوهاب عن أصحاب الشافعي أنه لا يجوز نفي الحمل مطلقا من غير قذف واختلفوا من هذا الباب في فرع وهو وقت نفي الحمل فقال الجمهور ينفيه وهي حامل وشرط مالك أنه متى لم ينفه وهو حمل لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة بلعان وقال الشافعي إذا علم الزوج بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يلاعن لم يكن له أن ينفيه بعد الولادة وقال أبو حنيفة لا ينفي الولد حتى تضع

قسم V02/P087–V02/P088

وحجة مالك ومن قال بقوله الآثار المتواترة من حديث ابن عباس وابن مسعود وأنس وسهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام حين حكم باللعان بين المتلاعنين قال إن جاءت به على صفة كذا فما أراه إلا قد صدق عليها قالوا وهذا يدل على أنها كانت حاملا في وقت اللعان وحجة أبي حنيفة أن الحمل قد ينفش ويضمحل فلا وجه للعان إلا على يقين ومن حجة الجمهور أن الشرع قد علق بظهور الحمل أحكاما كثيرة كالنفقة والعدة ومنع الوطء فوجب أن يكون قياس اللعان كذلك وعند أبي حنيفة أنه يلاعن وإن لم ينف الحمل إلا وقت الولادة وكذلك ما قرب من الولادة ولم يوقت في ذلك وقتا ووقت صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا له أن ينفيه ما بين أربعين ليلة من وقت الولادة والذين أوجبوا اللعان في وقت الحمل اتفقوا على أن له نفيه في وقت العصمة واختلفوا في نفيه بعد الطلاق فذهب مالك إلى أن له ذلك في جميع المدة التي يلحق الولد فيها بالفراش وذلك هو أقصى زمان الحمل عنده وذلك نحو من أربع سنين عنده أو خمس سنين وكذلك عنده حكم نفي الولد بعد الطلاق إذا لم يزل منكرا له وبقريب من هذا المعنى قال الشافعي وقال قوم ليس له أن ينفي الحمل إلا في العدة فقط وإن نفاه في غير العدة حد وألحق به الولد فالحكم يجب به عند الجمهور إلى انقضاء أطول مدة الحمل على اختلافهم في ذلك فإن الظاهرية ترى أن أقصر مدة الحمل التي يجب بها الحكم هو المعتاد من ذلك وهي التسعة أشهر وما قاربها ولا اختلاف بينهم أنه يجب الحكم به في مدة العصمة فما زاد على أقصر مدة الحمل وهي الستة أشهر أعني أن يولد المولود لستة أشهر من وقت الدخول أو إمكانه لا من وقت العقد وشذ أبو حنيفة فقال من وقت العقد وإن علم أن الدخول غير ممكن حتى أنه إن تزوج عنده رجل بالمغرب الأقصى امرأة بالمشرق الأقصى فجاءت بولد لرأس ستة أشهر من وقت العقد أنه يلحق به إلا أن ينفيه بلعان وهو في هذه المسألة ظاهري محض لأنه إنما اعتمد في ذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام الولد للفراش وهذه المرأة قد صارت فراشا له بالعقد فكأنه رأى أن هذه عبادة غير معللة وهذا شيء ضعيف واختلف قول مالك من هذا الباب في فرع وهو أنه إذا ادعى أنها زنت واعترف بالحمل فعنه في ذلك ثلاث روايات إحداها أنه يحد ويلحق به الولد ولا يلاعن والثانية أنه يلاعن وينفي الولد والثالثة أنه يلحق به الولد ويلاعن ليدرأ الحد عن نفسه وسبب الخلاف هل يلتفت إلى إثباته مع موجب نفيه وهو دعواه الزنا واختلفوا أيضا من هذا الباب في فرع وهو إذا أقام الشهود على الزنا هل له أن يلاعن أم لا فقال أبو حنيفة وداود لا يلاعن لأن اللعان إنما جعل عوض الشهود لقوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم الآية وقال مالك والشافعي يلاعن لأن الشهود لا تأثير لهم في دفع الفراش الفصل الثاني في صفات المتلاعنين وأما صفة المتلاعنين فإن قوما قالوا يجوز اللعان بين كل زوجين حرين كانا أو عبدين أو أحدهما حر والآخر عبد محدودين كانا أو عدلين أو أحدهما مسلمين كانا أو كان الزوج مسلما والزوجة كتابية ولا لعان بين كافرين إلا أن يترافعا إلينا وممن قال بهذا القول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه لا لعان إلا بين مسلمين حرين عدلين وبالجملة فاللعان عندهم إنما يجوز لمن كان من أهل الشهادة وحجة أصحاب القول الأول عموم قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ولم يشترط في ذلك شرطا ومعتمد الحنفية أن اللعان شهادة فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة إذ قد سماهم الله شهداء لقوله فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ويقولون إنه لا يكون لعان إلا بين من يجب عليه الحد في القذف الواقع بينهما

قسم V02/P088–V02/P089

وقد اتفقوا على أن العبد لا يحد بقذفه وكذلك الكافر فشبهوا من يجب عليه اللعان بمن يجب في قذفه الحد إذ كان اللعان إنما وضع لدرء الحد مع نفي النسب وربما احتجوا بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا لعان بين أربعة العبدين والكافرين والجمهور يرون أنه يمين وإن كان يسمى شهادة فإن أحدا لا يشهد لنفسه وأما أن الشهادة قد يعبر عنها باليمين فذلك بين في قوله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا الآية ثم قال اتخذوا أيمانهم جنة وأجمعوا على جواز لعان الأعمى واختلفوا في الأخرس فقال مالك والشافعي يلاعن الأخرس إذا فهم عنه وقال أبو حنيفة لا يلاعن لأنه ليس من أهل الشهادة وأجمعوا على أن من شرطه العقل والبلوغ الفصل الثالث في صفة اللعان فأما صفة اللعان فمتقاربة عند جمهور العلماء وليس بينهم في ذلك كبير خلاف وذلك على ظاهر ما تقتضيه ألفاظ الآية فيحلف الزوج أربع شهادات بالله لقد رأيتها تزني وأن ذلك الحمل ليس مني ويقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تشهد هي أربع شهادات بنقيض ما شهد هو به ثم تخمس بالغضب هذا كله متفق عليه واختلف الناس هل يجوز أن يبدل مكان اللعنة الغضب ومكان الغضب اللعنة ومكان أشهد أقسم ومكان قوله بالله غيره من أسمائه والجمهور على أنه لا يجوز من ذلك إلا ما نص عليه من هذه الألفاظ أصله عدد الشهادات وأجمعوا على أن شرط صحته أن يكون بحكم حاكم الفصل الرابع في حكم نكول أحدهما أو رجوعه فأما إذا نكل الزوج فقال الجمهور إنه يحد وقال أبو حنيفة إنه لا يحد ويحبس وحجة الجمهور عموم قوله تعالى والذين يرمون المحصنات الآية وهذا عام في الأجنبي والزوج وقد جعل الالتعان للزوج مقام الشهود فوجب إذا نكل أن يكون بمنزلة من قذف ولم يكن له شهود أعني أنه يحد وما جاء أيضا من حديث ابن عمر وغيره في قصة العجلاني من قوله عليه الصلاة والسلام إن قتلت قتلت وإن نطقت جلدت وإن سكت سكت على غيظ واحتج الفريق الثاني بأن آية اللعان لم تتضمن إيجاب الحد عليه عند النكول والتعريض لإيجابه زيادة في النص والزيادة عندهم نسخ والنسخ لا يجوز بالقياس ولا بأخبار الآحاد قالوا وأيضا لو وجب الحد لم ينفعه الالتعان ولا كان له تأثير في إسقاطه لأن الالتعان يمين فلم يسقط به الحد عن الأجنبي فكذلك الزوج والحق أن الالتعان يمين مخصوصة فوجب أن يكون لها حكم مخصوص وقد نص على المرأة أن اليمين يدرأ عنها العذاب فالكلام فيما هو العذاب الذي يندرىء عنها باليمين وللاشتراك الذي في اسم العذاب اختلفوا أيضا في الواجب عليها إذا نكلت فقال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور إنها تحد وحدها الرجم إن كان دخل بها ووجدت فيها شروط الإحصان وإن لم يكن دخل بها فالجلد وقال أبو حنيفة إذا نكلت وجب عليها الحبس حتى تلاعن وحجته قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث زنى بعد إحصان أو كفر بعد إيمان أو قتل نفس بغير نفس وأيضا فإن سفك الدم بالنكول حكم ترده الأصول فإنه إذا كان كثير من الفقهاء لا يوجبون غرم المال بالنكول فكان بالحري أن لا يجب بذلك سفك الدماء وبالجملة فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لا تراق إلا بالبينة العادلة أو بالاعتراف ومن الواجب ألا تخصص هذه القاعدة بالاسم المشترك فأبو حنيفة في هذه المسألة أولى بالصواب إن شاء الله وقد اعترف أبو المعالي في كتابه البرهان بقوة أبي حنيفة في هذه المسألة وهو شافعي واتفقوا على أنه إذا أكذب نفسه حد وألحق به الولد إن كان نفى ولدا

قسم V02/P089–V02/P090

واختلفوا هل له أن يراجعها بعد اتفاق جمهورهم على أن الفرقة تجب باللعان إما بنفسه وإما بحكم حاكم على ما نقوله بعد فقال مالك والشافعي والثوري وداود وأحمد وجمهور فقهاء الأمصار إنهما لا يجتمعان أبدا وإن أكذب نفسه وقال أبو حنيفة وجماعة إذا أكذب نفسه جلد الحد وكان خاطبا من الخطاب وقد قال قوم ترد إليه امرأته وحجة الفريق الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سبيل لك عليها ولم يستثن فأطلق التحريم وحجة القول الثاني أنه إذا أكذب نفسه فقد بطل حكم اللعان فكما يلحق به الولد كذلك ترد المرأة عليه وذلك أن السبب الموجب للتحريم إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما مع القطع بأن أحدهما كاذب فإذا انكشف ارتفع التحريم الفصل الخامس في الأحكام اللازمة لتمام اللعان فأما موجبات اللعان فإن العلماء اختلفوا من ذلك في مسائل منها هل تجب الفرقة أم لا وإن وجبت فمتى تجب وهل تجب بنفس اللعان أم بحكم حاكم وإذا وقعت فهل هي طلاق أو فسخ فذهب الجمهور إلى أن الفرقة تقع باللعان لما اشتهر من ذلك في أحاديث اللعان من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بينهما وقال ابن شهاب فيما رواه مالك عنه فكانت تلك سنة المتلاعنين ولقوله صلى الله عليه وسلم لا سبيل لك عليها وقال عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة لا يعقب اللعان فرقة واحتجوا بأن ذلك حكم لم تتضمنه آية اللعان ولا هو صريح في الأحاديث لأن في الحديث المشهور أنه طلقها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ذلك عليه وأيضا فإن اللعان إنما شرع لدرء حد القذف فلم يوجب تحريما تشبيها بالبينة وحجة الجمهور أنه قد وقع بينهما من التقاطع والتباغض والتهاتر وإبطال حدود الله ما أوجب أن لا يجتمعا بعدها أبدا وذلك أن الزوجية مبناها على المودة والرحمة وهؤلاء قد عدموا ذلك كل العدم ولا أقل من أن تكون عقوبتهما الفرقة وبالجملة فالقبح الذي بينهما غاية القبح وأما متى تقع الفرقة فقال مالك والليث وجماعة إنها تقع إذا فرغا جميعا من اللعان وقال الشافعي إذا أكمل الزوج لعانه وقعت الفرقة وقال أبو حنيفة لا تقع إلا بحكم حاكم وبه قال الثوري وأحمد وحجة مالك على الشافعي حديث ابن عمر قال فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين وقال حسابكما على الله أحدهما كاذب لا سبيل لك عليها وما روي أنه لم يفرق بينهما إلا بعد تمام اللعان وحجة الشافعي أن لعانها تدرأ به الحد عن نفسها فقط ولعان الرجل هو المؤثر في نفي النسب فوجب إن كان للعان تأثير في الفرقة أن يكون لعان الرجل تشبيها بالطلاق وحجتهما جميعا على أبي حنيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهما بوقوع الفرقة عند وقوع اللعان منهما فدل ذلك على أن اللعان هو سبب الفرقة وأما أبو حنيفة فيرى أن الفراق إنما نفذ بينهما بحكمه وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك حين قال لا سبيل لك عليها فرأى أن حكمه شرط في وقوع الفرقة كما أن حكمه شرط في صحة اللعان فسبب الخلاف بين من رأى أنه تقع به فرقة وبين من لم ير ذلك أن تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ليس هو بينا في الحديث المشهور لأنه بادر بنفسه فطلق قبل أن يخبره بوجوب الفرقة والأصل أن لا فرقة إلا بطلاق وأنه ليس في الشرع تحريم يتأبد أعني متفقا عليه فمن غلب هذا الأصل على المفهوم لاحتماله نفي وجوب الفرقة قال بإيجابها وأما سبب اختلاف من اشترط حكم الحاكم أو لم يشترطه فتردد هذا الحكم بين أن يغلب عليه شبه الأحكام التي يشترط في صحتها حكم الحاكم أو التي لا يشترط ذلك فيها وأما المسألة الرابعة وهي إذا قلنا إن الفرقة تقع فهل ذلك فسخ أو طلاق فإن القائلين بالفرقة اختلفوا في ذلك فقال مالك والشافعي هو فسخ وقال أبو حنيفة هو طلاق بائن وحجة مالك تأبيد التحريم به فأشبه ذات المحرم

قسم V02/P090–V02/P092

وأما أبو حنيفة فشبهها بالطلاق قياسا على فرقة العنين إذ كانت عنده بحكم حاكم كتاب الإحداد أجمع المسلمون على أن الإحداد واجب على النساء الحرائر المسلمات في عدة الوفاة إلا الحسن وحده واختلفوا فيما سوى ذلك من الزوجات وفيما سوى عدة الوفاة وفيما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع فقال مالك الإحداد على المسلمة والكتابية والصغيرة والكبيرة وأما الأمة يموت عنها سيدها سواء كانت أم ولد أو لم تكن فلا إحداد عليها عنده وبه قال فقهاء الأمصار وخالف قول مالك المشهور في الكتابية ابن نافع وأشهب وروياه عن مالك وبه قال الشافعي أعني أنه لا إحداد على الكتابية وقال أبو حنيفة ليس على الصغيرة ولا على الكتابية إحداد وقال قوم ليس على الأمة المزوجة إحداد وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة فهذا هو اختلافهم المشهور فيمن عليه إحداد من أصناف الزوجات ممن ليس عليه إحداد وأما اختلافهم من قبل العدد فإن مالكا قال لا إحداد إلا في عدة الوفاة وقال أبو حنيفة والثوري الإحداد في العدة من الطلاق البائن واجب وأما الشافعي فاستحسنه للمطلقة ولم يوجبه وأما الفصل الثالث وهو ما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع عنه فإنها تمتنع عند الفقهاء بالجملة من الزينة الداعية للرجال إلى النساء وذلك كالحلي والكحل إلا ما لم تكن فيه زينة ولباس الثياب المصبوغة إلا السواد فإنه لم يكره مالك لها لبس السواد ورخص كلهم في الكحل عند الضرورة فبعضهم اشترط فيه ما لم يكن فيه زينة وبعضهم لم يشترطه وبعضهم اشترط جعله بالليل دون النهار وبالجملة فأقاويل الفقهاء فيما تجتنب الحادة متقاربة وذلك ما يحرك الرجال بالجملة إليهن وإنما صار الجمهور لإيجاب الإحداد في الجملة لثبوت السنة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنها حديث أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينيها أفتكتحلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لها لا ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول وقال أبو محمد فعلى هذا الحديث يجب التعويل على القول بإيجاب الإحداد وأما حديث أم حبيبة حين دعت بالطيب فمسحت به عارضيها ثم قالت والله ما لي به من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لامرأة مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زواج أربعة أشهر وعشرا فليس فيه حجة لأنه استثناء من حظر فهو يقتضي الإباحة دون الإيجاب وكذلك حديث زينب بنت جحش قال القاضي وفي الأمر إذا ورد بعد الحظر خلاف بين المتكلمين أعني هل يقتضي الوجوب أو الإباحة وسبب الخلاف بين من أوجبه على المسلمة دون الكافرة أن من رأى أن الإحداد عبادة لم يلزمه الكافرة ومن رأى أنه معنى معقول وهو تشوف الرجال إليها وهي إلى الرجال سوى بين الكافرة والمسلمة ومن راعى تشوف الرجال دون تشوف النساء فرق بين الصغيرة والكبيرة إذا كانت الصغيرة لا يتشوف الرجال إليها ومن حجة من أوجبه على المسلمات دون الكافرات قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد إلا على زوج قال وشرطه الإيمان في الإحداد يقتضي أنه عبادة وأما من فرق بين الأمة والحرة وكذلك الكتابية فلأنه زعم أن عدة الوفاة أوجبت شيئين باتفاق أحدهما الإحداد والثاني ترك الخروج فلما سقط ترك الخروج عن الأمة بتبذلها والحاجة إلى استخدامها سقط عنها منع الزينة

قسم V02/P092–V02/P093

وأما اختلافهم في المكاتبة فمن قبل ترددها بين الحرة والأمة وأما الأمة بملك اليمين وأم الولد فإنما صار الجمهور إلى إسقاط الإحداد عنها لقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد إلا على زوج فعلم بدليل الخطاب أن من عدا ذات الزوج لا يجب عليها إحداد ومن أوجبه على المتوفى عنها زوجها دون المطلقة تعلق بالظاهر المنطوق به ومن ألحق المطلقات بهن فمن طريق المعنى وذلك أنه يظهر من معنى الإحداد أن المقصود به أن لا تتشوف إليها الرجال في العدة ولا تتشوف هي إليهم وذلك سدا للذريعة لمكان حفظ الأنساب والله أعلم كمل كتاب الطلاق والحمد لله على آلائه والشكر على نعمه ويتلوه كتاب البيوع إن شاء الله تعالى كتاب البيوع الكلام في البيوع ينحصر في خمس جمل في معرفة أنواعها وفي معرفة شروط الصحة في واحد واحد منها وفي معرفة شروط الفساد وفي معرفة أحكام البيوع الصحيحة وفي معرفة أحكام البيوع الفاسدة فنحن نذكر أنواع البيوع المطلقة ثم نذكر شروط الفساد والصحة في واحد واحد منها وأحكام بيوع الصحة وأحكام البيوع الفاسدة ولما كانت أسباب الفساد والصحة في البيوع منها عامة لجميع أنواع البيوع أو لأكثرها ومنها خاصة وكذلك الأمر في أحكام الصحة والفساد اقتضى النظر الصناعي أن نذكر المشترك في هذه الأصناف الأربعة أعني العام من أسباب الفساد وأسباب الصحة وأحكام الصحة وأحكام الفساد لجميع البيوع ثم نذكر الخاص من هذه الأربعة بواحد واحد من البيوع فينقسم هذا الكتاب باضطرار إلى ستة أجزاء الجزء الأول تعرف فيه أنواع البيوع المطلقة والثاني تعرف فيه أسباب الفساد العامة في البيوع المطلقة أيضا أعني في كلها أو أكثرها إذ كانت أعرف من أسباب الصحة الثالث تعرف فيه أسباب الصحة في البيوع المطلقة أيضا الرابع نذكر فيه أحكام البيوع الصحيحة أعني الأحكام المشتركة لكل البيوع الصحيحة أو لأكثرها الخامس نذكر فيه أحكام البيوع الفاسدة المشتركة أعني إذا وقعت السادس نذكر فيه نوعا نوعا من البيوع بما يخصه من الصحة والفساد وأحكامها الجزء الأول إن كل معاملة وجدت بين اثنين فلا يخلو أن تكون عينا بعين أو عينا بشيء في الذمة أو ذمة بذمة وكل واحد من هذه الثلاث إما نسيئة وإما ناجز وكل واحد من هذه أيضا إما ناجز من الطرفين وإما نسيئة من الطرفين وإما ناجز من الطرف الواحد نسيئة من الطرف الآخر فتكون أنواع البيوع تسعة فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لأنه الدين بالدين المنهي عنه وأسماء هذه البيوع منها ما يكون من قبل صفة العقد وحال العقد ومنها ما يكون من قبل صفة العين المبيعة وذلك أنها إذا كانت عينا بعين فلا تخلو أن تكون ثمنا بمثمون أو ثمنا بثمن فإن كانت ثمنا بثمن سمي صرفا وإن كانت ثمنا بمثمون سمي بيعا مطلقا وكذلك مثمونا بمثمون على الشروط التي تقال بعد وإن كان عينا بذمة سمي سلما وإن كان على الخيار سمي بيع خيار وإن كان على المرابحة سمي بيع مرابحة وإن كان على المزايدة سمي بيع مزايدة الجزء الثاني وإذا اعتبرت الأسباب التي من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة أحدها تحريم عين المبيع والثاني الربا والثالث الغرر والرابع الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد وذلك أن النهي إنما تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو بيع لا لأمر من خارج وأما التي ورد النهي فيها لأسباب من خارج فمنها الغش ومنها الضرر ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منه ومنها لأنها محرمة البيع ففي هذا الجزء أبواب الباب الأول في الأعيان المحرمة البيع وهذه على ضربين نجاسات وغير نجاسات فأما بيع النجاسات فالأصل في تحريمها حديث جابر ثبت في الصحيحين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله

قسم V02/P093–V02/P095

أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويستصبح بها فقال لعن الله اليهود حرمت الشحوم عليهم فباعوها وأكلوا أثمانها وقال في الخمر إن الذي حرم شربها حرم بيعها والنجاسات على ضربين ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي الخمر وأنها نجسة إلا خلافا شاذا في الخمر أعني في كونها نجسة والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة وكذلك الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة واختلف في الانتفاع بشعره فأجازه ابن القاسم ومنعه أصبغ وأما القسم الثاني وهي النجاسات التي تدعو الضرورة إلى استعمالها كالرجيع والزبل الذي يتخذ في البساتين فاختلف في بيعها في المذهب فقيل بمنعها مطلقا وقيل بإجازتها مطلقا وقيل بالفرق بين العذرة والزبل أعني إباحة الزبل ومنع العذرة واختلفوا فيما يتخذ من أنياب الفيل لاختلافهم هل هو نجس أم لا فمن رأى أنه ناب جعله ميتة ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن والخلاف فيه في المذهب وأما ما حرم بيعه مما ليس بنجس أو مختلف في نجاسته فمنها الكلب والسنور أما الكلب فاختلفوا في بيعه فقال الشافعي لا يجوز بيع الكلب أصلا وقال أبو حنيفة يجوز ذلك وفرق أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتخاذه وبين ما لا يجوز اتخاذه فاتفقوا على أن ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه للانتفاع به وإمساكه فأما من أراده للأكل فاختلفوا فيه فمن أجاز أكله أجاز بيعه ومن لم يجزه على رواية ابن حبيب لم يجز بيعه واختلفوا أيضا في المأذون في اتخاذه فقيل هو حرام وقيل مكروه فأما الشافعي فعمدته شيئان أحدهما ثبوت النهي الوارد عن ثمن الكلب عن النبي صلى الله عليه وسلم والثاني أن الكلب عنده نجس العين كالخنزير وقد ذكرنا دليله في ذلك في كتاب الطهارة وأما من أجاز فعمدته أنه طاهر العين غير محرم الأكل فجاز بيعه كالأشياء الطاهرة العين وقد تقدم أيضا في كتاب الطهارة استدلال من رأى أنه طاهر العين وفي كتاب الأطعمة استدلال من رأى أنه حلال ومن فرق أيضا فعمدته أنه غير مباح الأكل ولا مباح الانتفاع به إلا ما استثناه الحديث من كلب الماشية أو كلب الزرع وما في معناه ورويت أحاديث غير مشهورة اقترن فيها بالنهي عن ثمن الكلب استثناء أثمان الكلاب المباحة الاتخاذ وأما النهي عن ثمن السنور فثابت ولكن الجمهور على إباحته لأنه طاهر العين مباح المنافع فسبب اختلافهم في الكلاب تعارض الأدلة ومن هذا الباب اختلافهم في بيع الزيت النجس وما ضارعه بعد اتفاقهم على تحريم أكله فقال مالك لا يجوز بيع الزيت النجس وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز إذا بين وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك وحجة من حرمه حديث جابر المتقدم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح يقول إن الله ورسوله حرما الخمر والميتة والخنزير وعمدة من أجازه أنه إذا كان في الشيء أكثر من منفعة واحدة وحرم منه واحدة من تلك المنافع أنه ليس يلزمه أن يحرم منه سائر المنافع ولا سيما إذا كانت الحاجة إلى المنفعة غير المحرمة كالحاجة إلى المحرمة فإذا كان الأصل هذا يخرج منه الخمر والميتة والخنزير وبقيت سائر محرمات الأكل على الإباحة أعني أنه إن كان فيها منافع سوى الأكل فبيعت لهذا جاز ورووا عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم أجازوا بيع الزيت النجس ليستصبح به وفي مذهب مالك جواز الاستصباح به وعمل الصابون مع تحريم بيعه وأجاز ذلك الشافعي أيضا مع تحريم ثمنه وهذا كله ضعيف وقد قيل إن في المذهب رواية أخرى تمنع الاستصباح به وهو ألزم للأصل أعني لتحريم البيع واختلف أيضا في المذهب في غسله وطبخه هل هو مؤثر في عين النجاسة ومزيل لها على قولين أحدهما جواز ذلك والآخر منعه وهما مبنيان على أن الزيت إذا خالطته النجاسة هل نجاسته نجاسة عين أو نجاسة مجاورة فمن رآه نجاسة مجاورة طهره عند الغسل والطبخ ومن رآه نجاسة عين لم يطهره عند الطبخ والغسل

قسم V02/P095–V02/P096

ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن الآدمية إذا حلب فمالك والشافعي يجوزانه وأبو حنيفة لا يجوزه وعمدة من أجاز بيعه أنه لبن أبيح شربه فأبيح بيعه قياسا على لبن سائر الأنعام وأبو حنيفة يرى أن تحليله إنما هو لمكان ضرورة الطفل إليه وأنه في الأصل محرم إذ لحم ابن آدم محرم والأصل عندهم أن الألبان تابعة للحوم فقالوا في قياسهم هكذا الإنسان حيوان لا يؤكل لحمه فلم يجز بيع لبنه أصله لبن الخنزير والأتان فسبب اختلافهم في هذا الباب تعارض أقيسة الشبه وفروع هذا الباب كثيرة وإنما نذكر من المسائل في كل باب المشهور ليجري ذلك مجرى الأصول الباب الثاني في بيوع الربا واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظرون فكانوا يقولون أنظرني أزدك وهذا هو الذي عناه عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب والثاني ضع وتعجل وهو مختلف فيه وسنذكره فيما بعد وأما الربا في البيع فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان نسيئة وتفاضل إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل لما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا في هذين النوعين لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم والكلام في الربا ينحصر في أربعة فصول الفصل الأول في معرفة الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء وتبيين علة ذلك الثاني معرفة الأشياء التي يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء الثالث في معرفة ما يجوز فيه الأمران جميعا الرابع في معرفة ما يعد صنفا واحدا مما لا يعد صنفا واحدا الفصل الأول في معرفة الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء وتبيين علة ذلك فنقول أجمع العلماء على أن التفاضل والنساء مما لا يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي نص عليها في حديث عبادة بن الصامت إلا ما حكي عن ابن عباس وحديث عبادة هو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى فهذا الحديث نص في منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الأعيان وأما منع النسيئة فيها فثابت من غير ما حديث أشهرها حديث عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء فتضمن حديث عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد وتضمن أيضا حديث عبادة منع النساء في الصنفين من هذه وإباحة التفاضل وذلك في بعض الروايات الصحيحة وذلك أن فيها بعد ذكره منع التفاضل في تلك الستة وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يدا بيد والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد وهذا كله متفق عليه من الفقهاء إلا البر بالشعير واختلفوا فيما سوى هذه الستة المنصوص عليها فقال قوم منهم أهل الظاهر إنما يمتنع التفاضل في صنف صنف من هذه الأصناف الستة فقط وأن ما عداها لا يمتنع في الصنف الواحد منها التفاضل وقال هؤلاء أيضا إن النساء ممتنع في هذه الستة فقط اتفقت الأصناف أو اختلفت وهذا أمر متفق عليه أعني امتناع النساء فيها مع اختلاف الأصناف إلا ما حكي عن ابن علية أنه قال إذا اختلف الصنفان جاز التفاضل والنسيئة ما عدا الذهب والفضة فهؤلاء جعلوا النهي المتعلق بأعيان هذه الستة من باب الخاص أريد به الخاص

قسم V02/P096–V02/P097

وأما الجمهور من فقهاء الأمصار فإنهم اتفقوا على أنه من باب الخاص أريد به العام واختلفوا في المعنى العام الذي وقع التنبيه عليه بهذه الأصناف أعني في مفهوم علة التفاضل ومنع النساء فيها فالذي استقر عليه حذاق المالكية أن سبب منع التفاضل أما في الأربعة فالصنف الواحد من المدخر المقتات وقد قيل الصنف الواحد المدخر وإن لم يكن مقتاتا ومن شرط الادخار عندهم أن يكون في الأكثر وقال بعض أصحابه الربا في الصنف المدخر وإن كان نادر الادخار وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف الواحد أيضا مع كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة أما علة منع النساء عند المالكية في الأربعة المنصوص عليها فهو الطعم والادخار دون اتفاق الصنف ولذلك إذا اختلفت أصنافها جاز عندهم التفاضل دون النسيئة ولذلك يجوز التفاضل عندهم في المطعومات التي ليست مدخرة أعني في الصنف الواحد منها ولا يجوز النساء أما جواز التفاضل فلكونها ليست مدخرة وقد قيل إن الادخار شرط في تحريم التفاضل في الصنف الواحد وأما منع النساء فيها فلكونها مطعومة مدخرة وقد قلنا إن الطعم بإطلاق علة لمنع النساء في المطعومات وأما الشافعية فعلة منع التفاضل عندهم في هذه الأربعة هو الطعم فقط مع اتفاق الصنف الواحد وأما علة النساء فالطعم دون اعتبار الصنف مثل قول مالك وأما الحنفية فعلة منع التفاضل عندهم في الستة واحدة وهو الكيل أو الوزن مع اتفاق الصنف وعلة النساء فيها اختلاف الصنف ما عدا النحاس والذهب فإن الإجماع انعقد على أنه يجوز فيها النساء ووافق الشافعي مالكا في علة منع التفاضل والنساء في الذهب والفضة أعني أن كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات هو عندهم علة مع النسيئة إذا اختلف الصنف فإذا اتفقا منع التفاضل والحنفية تعتبر في المكيل قدرا يتأتى فيه الكيل وسيأتي أحكام الدنانير والدراهم بما يخصها في كتاب الصرف وأما ههنا فالمقصود هو تبيين مذاهب الفقهاء في علل الربا المطلق في هذه الأشياء وذكر عمدة دليل كل فريق منهم فنقول إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الأصناف الستة فهم أحد صنفين إما قوم نفوا القياس في الشرع أعني استنباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية وإما قوم نفوا قياس الشبه وذلك أن جميع من ألحق المسكوت عنه ههنا بالمنطوق به فإنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك المالية وقال علة منع الربا إنما هي حياطة الأموال يريد منع العين وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفا وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى إذ لم يتأت له قياس علة فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف الأربعة لأنه زعم أنه في معنى التمر ولكل واحد من هؤلاء أعني من القائلين دليل في استنباط الشبه الذي اعتبره في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من هذه الأربعة أما الشافعية فإنهم قالوا في تثبيت علتهم الشبهية إن الحكم إذا علق باسم مشتق دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم مثل قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فلما علق الحكم بالاسم المشتق وهو السارق علم أن الحكم متعلق بنفس السرقة قالوا وإذا كان هذا هكذا وكان قد جاء من حديث سعيد بن عبد الله أنه قال كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الطعام بالطعام مثلا بمثل فمن البين أن الطعم هو الذي علق به الحكم

الأسئلة