Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V07/P352–V07/P353

قال أحمد في رجل حلف بالطلاق أن لا يكلم حماته رآها بالليل فقال من هذا حنث قد كلمها وإن كانت يمينة بالله أو يمينا مكفرة فالصحيح أنه لا يحنث لأنه لم يقصد تكليمه فأشبه الناسي ولأنه ظن المحلوف عليه غيره فأشبه لغو اليمين وإن سلم عليه حنث لأنه كلمه بالسلام وإن سلم على جماعة هو فيهم وأراد جميعهم بالسلام حنث لأنه كلمهم كلهم وإن قصد بالسلام من عداه لم يحنث لأنه إنما كلم غيره وهو يسمع وإن يعلم أنه فيهم ففيه روايتان إحداهما يحنث لأنه كلمهم جميعهم وهو فيهم والثانية لا يلأنه لم يقصده ويمكن حمل قوله في الحنث على اليمين بالطلاق والعتاق لأنه لا يعذر فيها بالنسيان والجهل في الصحيح من المذهب وعدم الحنث على اليمين المكفرة فإن كان الحالف إماما والمحلوف عليه مأموما لم يحنث بتسليم الصلاة لأنه للخروج منها إلا أن ينوي بتسليمه المأمومين فيكون حكمه حكم ما لو سلم عليهم في غير الصلاة ويحتمل أن لا يحنث بحال لأن هذا لا يعد تكليما ولا يريده الخالف وإن حلف لا يكلم فلانا فكلم إنسانا وفلانا يسمع يقصد بذلك إسماعه كما قال ( إياك أعني واسمعي يا جارة ) حنث نص عليه أحمد قال إذا حلف لا يكلم فلانا فكلم إنسانا وفلان يسمع يريد بكلامه إياه المحلوف عليه حنث لأنه قد أراد تكليمه وروي عن أبي بكرة ما يدل علي أنه لا يحنث فإنه كان حلف أن لا يكلم أخاه زيادا فعزم زياد على الحج فجاء أبو بكرة فدخل قصره وأخذ ابنه في حجره فقال إن أباك يريد الحج والدخول على زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا السبب وقد علم أنه غير صحيح ثم خرج ولم ير أنه كلمه والأول الصحيح لأنه أسمعه كلامه يريده به فأشبه ما لو خاطبه به ولأن به مقصود تكليمه قد حصل بإسماعه كلامه فصل فإن كتب إليه أو أرسل إليه رسولا حنث إلا أن يكون قصد أن لا يشافهه نص عليه أحمد وذكره الخرقي في موضع آخر وذلك لقول الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا الشورى 51 ولأن القصد بالترك لكلامه هجرانه ولا يحصل مع مواصلته بالرسل والكتب ويحتمل أن لا يحنث إلا أن ينوي ترك ذلك لأن هذا ليس بتكليم حقيقة ولو حلف ليكلمنه لم يبر بذلك إلا أن ينويه فكذلك لا يحدث به ولو حلف لا يكلمه فأرسل إنسانا يسأل أهل العلم عن مسألة أو حديث فجاء الرسول فسأل المحلوف عليه لم يحنث بذلك وإن حلف لا يكلم امرأته فجامعها لم يحنث إلا أن تكون نيته هجرانها قال أحمد في رجل قال لامرأته إن كلمتك خمسة أيام فأنت طالق أله أن يجامعها ولا يكلمها فقال أي شيء كان بدو هذا أيسوءها أو يغيظها فإن لم يكن له نية فله أن يجامعها ولا يكلمها وإن حلف لا يقرأ كتاب فلان فقرأه في نفسه ولم يحرك شفتيه به حنث لأن هذا قراءة الكتب في عرف الناس فتنصرف يمينه إليه إلا أن ينوي حقيقة القراءة قال أحمد إذا حلف لا قرأت لفلان كتابا ففتحه حتى استقصى آخره إلا أنه لم يحرك شفتيه فإن أراد أن لا يعلم ما فيه فقد علم ما فيه وقرأه فصل فإن قال لامرأته إن بدأتك بالكلام فأنت طالق فقالت إن بدأتك بالكلام فعبدي حر انحلت يمينه لأنه لما خاطبته بيمينها فاتته البداية بكلامها وبقيت يمينها معلقة فإن بدأها بكلام انحلت يمينها أيضا وإن بدأته هي عتق عبدها هكذا ذكره أصحابنا ويحتمل أنه إن بدأها بالكلام في وقت آخر حنث لأن ذلك يسمى بداية فتناولته يمينه إلا أن ينوي ترك البداية في هذا الوقت أو هذا المجلس فيتقيد به

قسم V07/P353–V07/P354

فصل فإن قال لامرأتيه إن كلمتما هذين الرجلين فأنتما طالقتان فكلمت كل واحدة رجلا ففيه وجهان أحدهما يحنث لأن تكليمهما وجد منهما فحنث كما لو قال إن حضتما فأنتما طالقتان فحاضت كل واحدة حيضة وكذلك لو قال إن ركبتما دابتيكما فأنتما طالقتان فركبت كل واحدة دابتها والوجه الثاني لا يحنث حتى تكلم كل واحدة منهما الرجلين معا لأنه علق طلاقهما بكلامهما لهما فلا تطلق واحدة بكلام الأخرى وحدها وهذا أظهر الوجهين لأصحاب الشافعي وهكذا لو قال إن دخلتما هاتين الدارين فالحكم فيها كالأولى وهذا فيما لم تجر العادة بانفراد الواحد به فأما ما جرى العرف فيه بانفراد الواحد فيه بالواحد كنحو ركبا دابتيهما ولبسا ثوبيهما وتقلدا سيفيهما واعتقلا رمحيهما ودخلا بزوجيهما وأشباه هذا فإنه يحنث إذا وجد منهما منفردين وما لم تجر العادة فيه بذلك فهو على الوجهين ولو قال إن أكلتما هذين الرغيفين فأكلت كل واحدة منهما رغيفا يحنث لأنه يستحيل أن تأكل كل واحدة منهما الرغيفين بخلاف الرجلين والدارين فصل فإن قال أنت طالق إن كلمت زيدا ومحمد مع خالد لم تطلق حتى تكلم زيدا في حال يكون فيه محمد مع خالد وذكر القاضي أنه يحنث بكلام زيد فقط لأن قوله محمد مع خالد استئناف كلام بدليل أنه مرفوع والصحيح ما قلناه لأنه متى أمكن جعل الكلام متصلا كان أولى من قطعه والرفع لا ينفي كونه حالا فإن الجملة من المبتدأ والخبر تكون حالا كقوله تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون الأنبياء 1 وقال إلا استمعوه وهم يلعبون الأنبياء وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون يوسف 13 وهذا كثير فلا يجوز قطعه عن الكلام الذي هو في سياقه مع إمكان وصله به ولو قال إن كلمت زيدا ومحمد مع خالد فأنت طالق لم تطلق حتى تكلم زيدا في حال كون محمد مع خالد فكذلك إذا تأخر قوله محمد مع خالد ولو قال أنت طالق لو كلمت زيدا وأنا غائب لم تطلق حتى تكلمه في حال غيبته وكذلك لو قال أنت طالق إن كلمت زيدا وأنت راكبة أو هو راكب أو محمد راكب لم تطلق حتى تكلمه في تلك الحال ولو قال أنت طالق إن كلمت زيدا ومحمد أخوه مريض لم تطلق حتى تكلمه وأخوه محمد مريض فصل فإن قال إن كلمتني إلى أن يقدم زيد أو حتى يقدم زيد فأنت طالق فكلمته قبل قدومه حنث لأنه مد المنع إلى غاية هي قدوم زيد فلا يحنث بعدها فإن قال أردت إن استدمت كلامي من الآن إلى أن يقدم زيد دين وهل يقبل في الحكم يحتمل وجهين فصل فإن قال أنت طالق إن شئت أو إذا شئت أو متى شئت أو كلما شئت أو كيف شئت أو حيث شئت أو أنى شئت لم تطلق حتى تشاء وتنطق بالمشيئة بلسانها فتقول قد شئت لأن ما في القلب لا يعلم حتى يعبر عنه اللسان فتعلق الحكم بما يتعلق به دون ما في القلب فلو شاءت بقلبها دون نطقها لم يقع طلاق ولو قالت قد شئت بلسانها وهي كارهة لوقع الطلاق اعتبارا بالنطق وكذلك إن علق الطلاق بمشيئة غيرها ومتى وجدت المشيئة باللسان وقع الطلاق سواء كان على الفور أو التراخي نص عليه أحمد في تعليق الطلاق بمشيئة فلان وفيما إذا قال أنت طالق حيث شئت أو أنى شئت ونحو هذا قال الزهري وقتادة وقال أبو حنيفة دون صاحبيه إذا قال أنت طالق كيف شئت تطلق في الحال طلقة رجعية لأن هذا ليس بشرط إنما هو صفة للطلاق الواقع بمشيئتها ولنا إنه أضاف الطلاق إلى مشيئتها فأشبه به ما لو قال حيث شئت وقال الشافعي في جميع الحروف إن شاءت في الحال وإلا فلا تطلق لأن هذا تمليك للطلاق فكان على الفور كقوله اختاري وقال أصحاب الرأي في أن كقوله وفي سائر الحروف كقولنا

قسم V07/P354–V07/P356

لأن هذه الحروف صريحة في التراخي فحملت على مقتضاها بخلاف إن فإنها لا تقتضي زمانا وإنما هي لمجرد الشرط فتقيد بالفور بقضية التمليك وقال الحسن وعطاء إذا قال أنت طالق إن شئت إنما ذلك لها ما داما في مجلسهما ولنا إنه تعليق للطلاق على شرط فكان على التراخي كسائر التعليق ولأنه إزالة ملك معلق على المشيئة فكان التراخي كالعتق وفارق اختاري فإنه ليس بشرط إنما هو تخيير فتقيد بالمجلس كخيار المجلس وإن مات من له المشيئة أو جن لم يقع الطلاق لأن شرط الطلاق لم يوجد وحكي عن أبي بكر أنه يقع وليس بصحيح لأن الطلاق المعلق على شرط لا يقع إذا تعذر شرطه كما لو قال أنت طالق إن دخلت الدار وإن شاء وهو مجنون لم يقع طلاقه لأنه لا حكم لكلامه وإن شاء وهو سكران فالصحيح أنه لا يقع لأنه زائل العقل فهو كالمجنون وقال أصحابنا يخرج على الروايتين في طلاقه والفرق بينهما أن إيقاع طلاقه تغليظ عليه كي لا تكون المعصية سببا للتخفيف عنه وهاهنا إنما يقع الطلاق بغيره فلا يصح منه في حال زوال عقله وإن شاء وهو طفل لم يقع لأنه كالمجنون وإن كان يعقل الطلاق وقع لأن له مشيئته ولذلك يصح اختياره لأحد أبويه وإن كان أخرس فشاء بالإشارة وقع الطلاق لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق ولذلك وقع طلاقه بها وإن كان ناطقا حال التعليق فخرس ففيه وجهان أحدهما يقع الطلاق بها لأن طلاقه في نفسه يقع بها فكذلك طلاق من علقه بمشيئة والثاني لا يقع بها لأنه حال التعليق كأنه لا يقع إلا بالنطق فلم يقع بغيره كما لو قال في التعليق إن نطق فلان بمشيئه فهي طالق فصل فإن قيد المشيئة بوقت فقال أنت طالق إن شئت اليوم تقيد به فإن خرج اليوم قبل مشيئتها لم تطلق وإن علقه على مشيئة اثنين لم يقع حتى توجد مشيئتهما وخرج القاضي وجها أنه بمشيئة أحدهما كما يحنث بفعل بعض الحلوف عليه وقد بينا فساد هذا فإن قال أنت طالق وإن شئت وشاء أبوك فقالت قد شئت إن شاء أبي فقال أبوها قد شئت لم تطلق لأنها لم تشأ فإن المشيئة أمر خفي لا يصح تعليقها على شرط وكذلك لو قال أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شئت فقال قد شئت أو قالت قد شئت إن طلعت الشمس لم يقع نص عليه أحمد على معنى هذا هو قول سائر أهل العلم منهم الشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لزوجته أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شاء فلان أنها قد ردت الأمر ولا يلزمها الطلاق وإن شاء فلان وذلك لأنه لم توجد منها مشيئة وإنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط وليس تعليق المشيئة وإن علق الطلاق على مشيئة اثنين فشاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي وقع الطلاق لأن المشيئة قد وجدت منهما جميعا فصل فإن قال أنت طالق إلا أن تشائي أو يشاء زيد فقالت قد شئت لم تطلق وإن أخرا ذلك طلقت وإن جن من علق الطلاق بمشيئته طلقت في الحال لأنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بشرط لم يوجد وكذلك إن مات فإن خرس فشاء بالإشارة خرج فيه وجهان بناء على وقوع الطلاق بإشارته إذا علقه على مشيئته فإن قال أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا فلم تشأ أو شاءت أقل من ثلاث طلقت واحدة وإن قالت قد شئت ثلاثا فقال أبو بكر تطلق ثلاثا وقال أصحاب الشافعي وأبي حنيفة لا تطلق إذا شاءت ثلاثا لأن الاستثناء من الإثبات نفي فتقديره أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا فلا تطلقي ولأنه لم يقل ثلاثا لما طلقت بمشيئتها ثلاثا فكذلك إذا قال ثلاثا لأنه إنما ذكر الثلاث صفة لمشيئتها الرافعة لطلاق الواحدة فيصير كما لو قال أنت طالق إلا أن تكرري بمشيئتك ثلاثا وقال القاضي فيها وجهان أحدهما لا تطلق لما ذكرنا

قسم V07/P356–V07/P357

والثاني تطلق ثلاثا لأن السابق إلى الفهم من هذا الكلام إيقاع الثلاث إذا شاءتها كما لو قال قه علي دراهم إلا أن يقيم البينة بثالثة وخذ درهما إلا أن تريد أكثر منه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار أي إن بيع الخيار ثبت فيه بعد تفرقهما وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا أن تشائي واحدة فقالت قد شئت واحدة طلقت واحدة على قول أبي بكر وعلى قولهم لا تطلق شيئا فصل فإن قال أنت طالق لمشيئة فلان أو لرضاه أو له طلقت في الحال لأن معناه أنت طالق لكونه قد شاء ذلك أو رضيه أو ليرضى به كقوله هو حر لوجه الله أو لرضى الله فإن قال أردت به الشرط دين قال القاضي يقبل به الحكم لأنه محتمل فإن ذلك يستعمل للشرط كقوله أنت طالق للسنة وهذا أظهر الوجهين لأصحاب الشافعي فصل فإن قال أنت طالق إن أحببت أو إن أردت أن كرهت احتمل أن يتعلق الطلاق بقولها بلسانها قد أحببت أو أردت أو كرهت لأن هذه المعاني في القلب لا يمكن الاطلاع عليها إلا من قولها فتعلق الحكم بها كالمشيئة ويحتمل أن يتعلق الحكم بما في القلب من ذلك ويكون اللسان دليلا عليه فعلى هذا لو أقر الزوج بوجوده وقع طلاقه وإن لم يتلفظ به ولو قالت أنا أحب ذلك ثم قالت كنت كاذبة لم تطلق وإن قال إن كنت تحبين أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق فقالت أنا أحب ذلك فقد سئل أحمد عنها فلم يجب فيها بشيء وفيها احتمالان أحدهما لا تطلق وهو قول أبي ثور لأن المحبة في القلب ولا توجد من أحد محبة ذلك وخبرها محبتها له كذب معلوم فلم يصح دليلا على ما في قلبها والاحتمال الثاني أنها تطلق وهو قول أصحاب الرأي لأن ما في القلب لا يوقف عليه إلا من لسانها فاقتضى تعليق الحكم بلفظها به كاذبة كانت أو صادقة كالمشيئة ولا فرق بين قوله إن كنت تحبين ذلك وبين قوله إن كنت تحبينه بقلبك لأن المحبة لا تكون إلا بالقلب فصل فإن قال أنت طالق إن شاء الله تعالى طلقت وكذلك إن قال عبدي حر إن شاء الله تعالى عتق نص عليه أحمد في رواية جماعة وقال ليس هما من الإيمان وبهذا قال سعيد بن المسيب والحسن ومكحول وقتادة والزهري ومالك والليث والأوزاعي وأبو عبيد وعن أحمد ما يدل على أن الطلاق لا يقع وكذلك العتاق وهو قول طاوس والحكم وأبي حنيفة والشافعي لأنه علقه على مشيئة لم يعلم وجودها فلم يقع كما لو علقه على مشيئة زيد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث رواه الترمذي وقال حديث حسن ولنا ما روى أبو جمرة قال سمعت ابن عباس يقول إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهي طالق رواه أبو حفص بإسناده وعن أبي بردة نحوه

قسم V07/P357–V07/P358

وروى ابن عمر وأبو سعيد قال كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى الاستثناء جائزا في كل شيء إلا في العتاق والطلاق ذكره أبو الخطاب وهذا نقل للإجماع وإن قدر أنه قول بعضهم ولم يعلم له مخالف فهو إجماع ولأنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا ولأنه استثناء حكما في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح ولأنه إزالة ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله كما لو قال أبرأتك إن شاء الله أو تعليق على ما لا سبيل إلى علمه فأشبه تعليقه على المستحيلات والحديث لا حجة لهم فيه فإن الطلاق والعتاق إنشاء وليس بيمين حقيقة وإن سمي بذلك فمجاز لا تترك الحقيقة من أجله ثم إن الطلاق إنما سمي يمينا معلقا على شرط يمكن تركه وفعله ومجرد قوله أنت طالق ليس بيمين حقيقة ولا مجازا فلم يمكن الاستثناء بعد يمين وقولهم علقه على مشيئة لا تعلم قلنا قد علمت مشيئة الله للطلاق بمباشرة الآدمي سببه قال قتادة قد شاء الله حين أذن أن يطلق ولو سلمنا أنها لم تعلم لكن قد علقه على شرط يستحيل علمه فيكون كتعليقه على المستحيلات يلغو ويقع الطلاق في الحال فصل فإن قال أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله فعن أحمد فيه روايتان إحداهما يقع الطلاق بدخول الدار ولا ينفعه الاستثناء لأن الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان ولما ذكرناه في الفصل الأول والثانية لا تطلق وهو قول أبي عبيد لأنه إذا علق الطلاق بشرط صار يمينا وحلفا فصح الاستثناء فيه لعموم قوله عليه السلام من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث وفارق ما إذا لم يعلقه فإنه ليس بيمين فلا يدخل في العموم فصل فإن قال أنت طالق إلا أن يشاء الله طلقت ووافق أصحاب الشافعي على هذا في الصحيح من المذهب لأنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم وإن قال أنت طالق إن لم يشأ الله أو لم يشأ الله وقع أيضا في الحال لأن وقوع طلاقها إذا لم يشأ الله محال فلغت هذه الصفة ووقع الطلاق ويحتمل أن لا يقع بناء على تعليق الطلاق على المحال مثل قوله أنت طالق إن جمعت بين الضدين أو شربت الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه وإن قال أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله لم تطلق دخلت أو لم تدخل لأنها إن دخلت علمنا أن الله لم يشأه لأنه لو شاءه لوجد فإن ما شاء الله كان وكذلك إن قال أنت طالق لا تدخلي الدار إن شاء الله لما ذكرنا وإن أراد بالاستثناء والشرط رده إلى الطلاق دون الدخول وخرج فيه الخلاف من ما ذكرنا في المنجز وإن لم تعلم نيته فالظاهر رجوعه إلى الدخول ويحتمل أن يرجع إلى الطلاق فصل فإن علق الطلاق على مستحيل فقال أنت طالق إن قتلت الميت أو شربت الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه أو جمعت بين الضدين أو كان الواحد أكثر من اثنين أو على ما يستحيل عادة كقوله إن طرت أو صعدت إلى السماء أو قلبت الحجر ذهبا أو شربت هذا النهر كله أو حملت الجبل أو شاء الميت ففيه وجهان أحدهما يقع الطلاق في الحال لأنه أردف الطلاق بما يرفع جملته ويمنع وقوعه في الحال وفي الثاني فلم يصح كاستثناء الكل كما لو قال أنت طالق طلقة لا تقع عليك أو لا تنقص عدد طلاقك

قسم V07/P358–V07/P359

والثاني لا يقع لأنه علق الطلاق بصفة لم توجد ولأن ما يقصد تبعيده يعلق على المحال كقوله إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب أي لا آتيهم أبدا وقيل إن علقه على ما يستحيل عقلا وقع في الحال لأنه لا وجود له فلم تعلق به الصفة وبقي مجرد الطلاق فوقع وإن علقه على مستحيل عادة كالطيران وصعود السماء لم يقع لأنه لا وجود له وقد وجد جنس ذلك معجزات الأنبياء عليهم السلام وكرامات الأولياء فجاز تعليق الطلاق به ولم يقع قبل وجوده فأما إن علق طلاقها على نفي فعل المستحيل فقال أنت طالق إن لم تقتلي الميت أو تصعدي السماء طلقت في الحال لأنه علقه على عدم ذلك وعدمه معلوم في الحال وفي الثاني فوقع الطلاق كما لو قال أنت طالق إن لم أبع عبدي فمات العبد وكذلك لو قال أنت طالق لأشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه أو لأقتلن الميت وقع الطلاق كما لو حلف ليصعدن السماء أو ليطرن فإنه لا يحنث والصحيح أنه يحنث فإن الحالف على فعل الممتنع كاذب حانث قال الله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت النحل 38 إلى قوله وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين النحل 39 ولو حلف على فعل متصور فصار ممتنعا حنث بذلك فلأن يحنث بكونه ممتنعا حال يمينه أولى فصل وإذا حلف لا شربت من هذا النهر فاغترف منه وشرب منه حنث وإن حلف لا شربت من هذا الإناء فصب منه في إناء آخر وشرب وكان الإناء كبيرا لا يمكن الشرب به حنث أيضا وإن كان الشرب به ممكنا لم يحنث لأن الإناء الصغير آلة للشرب فتنصرف يمينه إلى الشرب به بخلاف النهر والإناء الكبير فإنه لا تنصرف يمينه منه لم يحنث وإن حلف لا يشرب من ماء بردى فشرب من نهر يأخذ منه حنث ذكر نحو ذلك القاضي لأن بردى اسم لمكان خاص فإذا تجاوز إلى مكان سواه فشرب منه فما شرب من بردى وإذا كانت يمينه على مائه فماؤه ماؤه حيث كان وأين نقل ولذلك لو حلف لا يأكل من تمر البصرة فأكله في غيرها حنث وإن اغترف من بردى بإناء ونقله إلى مكان آخر فشربه حنث في المسألتين جميعا لأن اغتراف الماء من بردى ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات لم يحنث إلا بالشرب من ماء النهر المعروف بالفرات وإن حلف لا يشرب من ماء فرات حنث بالشرب من كل ماء عذب لأنه إذا عرفه بلام التعريف انصرف إلى النهر المعروف وإذا نكره صار للعموم فيتناول كل ما يسمى فراتا وكل عذب فرات قال الله تعالى وأسقيناكم ماء فراتا المرسلات 27 وقال وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج فاطر ومتى نوى يمينه المحتمل الآخر انصرف إليه ويقبل منه ذلك لأنه قريب لا تبعد إرادته فصل ولو حلف لا يشتمه ولا يكلمه في المسجد ففعل في المسجد والمحلوف عليه في غيره حنث وإن فعله في غير المسجد والمحلوف عليه في المسجد لم يحنث ولو حلف لا يضربه ولا يشجه ولا يقتله في المسجد ففعله والحالف في المسجد والمحلوف عليه في غيره لم يحنث وإن كان الحالف في غير المسجد حنث لأن الشتم والكلام قول يستقل به القائل فلا يعتبر فيه حضور المشتوم فيوجد من الشاتم في المسجد وإن لم يكن المشتوم فيه والكلام قول فهو كالشتم

قسم V07/P359–V07/P360

وسائر الأفعال المذكورة فعل متعد محله المضروب والمقتول والمشجوج فإذا كان محله في غير المسجد كان الفعل في غيره فيعتبر محل المفعول به ولو حلف ليقتلنه يوم الجمعة فجرحه يوم الخميس ومات يوم الجمعة فقال القاضي لا يحنث وإن جرحه يوم الجمعة فمات يوم السبت فقال يحنث لأنه لا يكون مقتولا حتى يموت فاعتبر يوم موته لا يوم ضربه ويتوجه أن يكون الحكم بالعكس في المسألتين فيعتبر يوم جرحه لا يوم موته لأن القتل فعل القاتل ولهذا يصح الأمر به والنهي عنه قال الله تعالى فاقتلوا المشركين التوبة 5 ولا تقتلوا أولادكم الأنعام 6 الإسراء 31 والأمر والنهي إنما يتوجه إلى فعل ممكن فعله وتركه وذلك فعل الآدمي من الجرح ونحوه أما الزهوة ففعل الله لا يؤمر به ولا ينهى عنه ولا سبيل للآدمي إلا إلى تعاطي سببه وهو شرط في القتل فإذا وجد تبينا أن الفعل المفضي إليه كان قتلا ولذلك جاز تقديم الكفارة بعد الجرح وقبل الزهوق ولو حلف لأقتلنه فمات من جرح كان جرحه لم يبر ولو حلف لا يقتله لم يحنث بذلك أيضا ويحتمل أن لا يبر حتى يوجد السبب والزهوق معا في يوم لأن القتل لا يتم إلا بسببه وشرطه فأما بنسبته إلى الشرط وحده دون السبب فبعيد فصل إذا قال من بشرتني بقدوم أخي فهي طالق فبشرته إحداهن وهي صادقة طلقت وإن كانت كاذبة لم تطلق لأن التبشير خبر صدق يحصل به ما يغير البشرة من سرور أو غم وإن أخبرته به أخرى لم تطلق لأن السرور إنما يحصل بالخبر الأول فإن كانت الأولى كاذبة والثانية صادقة طلقت الثانية لأن السرور إنما يحصل بخبرها فكان هو البشارة وإن بشره بذلك اثنان أو ثلاث أو الأربع في دفعة واحدة طلقن كلهن لأن من تقع على الواحد فما زاد قال الله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة 7 8 قال ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين الأحزاب ولو قال من أخبرتني بقدوم أخي فهي طالق فقال القاضي هو كالبشارة لا تطلق إلا المخبرة الأولى الصادقة دون غيرها لأن مراده خبر يحصل له به العلم بقدومه ولا يحصل ذلك بكذب ولا بغير الأول ويحتمل أن تطلق كل مخبرة صادقة أو كانت أو كاذبة أولا كان أو غيره لأن الخبر يكون صدقا وكذبا وأولا ومكررا وهو اختيار أبي الخطاب والأول قول القاضي ومذهب الشافعي على نحو هذا التفصيل فصل وإن قال أول من تقوم منكن فهي طالق أو قال لعبيده أول من قام منكم فهو حر فقام الكل دفعة واحدة لم يقع طلاق ولا عتق لأنه لا أول فيهم وإن قام واحد أو واحدة ولم يقم بعده أحد احتمل وجهين أحدهما يقع الطلاق والعتق لأن الأول ما لم يسبقه شيء وهذا كذلك والثاني لا يقع طلاق ولا عتق لأن الأول ما كان بعده شيء ولم يوجد فعلى هذا لا يحكم بوقوع ذلك ولا انتفائه حتى يتبين من قيام أحد منهم بعده فتنحل يمينه وإن قام اثنان أو ثلاثة دفعة واحدة وقام بعدهم آخر وقع الطلاق والعتق بالجماعة الذين قاموا في الأول لأن الأول يقع على الكثير والقليل قال الله تعالى ولا تكونوا أول كافر به البقرة 41 وحكي عن القاضي فيمن قال أول من يدخل من عبيدي فهو حر فدخل اثنان دفعة واحدة ثم دخل بعدهما ثالث لم يعتق واحد منهم وهذا بعيد فإنهم قد دخل بعضهم بعد بعض ولا أول فيهم وهذا لا يستقيم إلا أن يكون قال أول من يدخل منكم وحده ولم يدخل بعد الثالث أحد فإنه لو دخل بعد الثالث أحد عتق الثالث لكونه أول من دخل وحده وإذا لم يقل وحده فإن لفظة الأول تتناول الجماعة كما ذكرنا وقال النبي صلى الله عليه وسلم أول من يدخل الجنة فقراء المهاجرين

قسم V07/P360–V07/P362

ولو قال آخر من يدخل منكن الدار فهي طالق فدخل بعضهن لم يحكم بطلاق واحدة منهن حتى يتبين من دخول غيرها بموته أو موتهن أو غير ذلك فنتبين وقوع الطلاق بآخرهن دخولا من حين دخلت وكذلك الحكم في العتق فصل وإذا حلف يمينا على فعل بلفظ عام وأراد به شيئا خاصا مثل إن حلف لا يغتسل الليلة وأراد الجنابة أو لا قربت لي فراشا وأراد ترك جماعها أو قال إن تزوجت فعبد حر وأراد امرأة معينة أو قال إن دخل إلي رجل أو قال أحد فامرأتي طالق وأراد رجلا بعينه أو حلف لا يأكل خبزا يريد خبز البر أو لا يدخل دارا يريد دار فلان أو قال إن خرجت فأنت طالق يريد الخروج إلى الحمام أو قال إن مشيت وأراد استطلاق البطن فإن ذلك يسمى مشيا قال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة ثم تستمشين ويقال شربت مشيا ومشوا إذا شرب دواء يمشيه فإن يمينه في ذلك على ما نواه ويدين فيما بينه وبين الله تعالى وهل يقبل في الحكم يخرج على روايتين قال أحمد في الظهار فيمن قال لامرأته إن قربت لي فراشا فأنت علي كظهر أمي فجاءت فقامت على فراشه فقال أردت الجماع لا يلزمه شيء وقال الشافعي ومحمد بن الحسن لا يقبل قوله في الحكم في هذا كله لأنه خلاف الظاهر ولنا إنه فسر كلامه بما يحتمله فقبل كما لو قال أنت طالق أنت طالق وقال أردت بالثانية التوكيد فصل وإن حلف يمينا عامة لسبب خاص وله نية حمل عليها ويقبل قوله في الحكم لأن السبب دليل على صدقه وإن لم ينو شيئا فقد روي عن أحمد ما يدل على أن يمينه تختص بما وجد فيه السبب وذكره الخرقي فقال فإن لم يكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فظاهر هذا أن يمينه مقصورة على محل السبب وهذا قول أصحاب أبي حنيفة وروي عن أحمد ما يدل على أن يمينه تحمل على العموم فإنه قال فيمن قال لله علي أن لا أصيد في هذا النهر لظلم رآه فتغير حاله فقال النذر يوفى به وذلك لأن اللفظ دليل الحكم فيجب الاعتبار به في الخصوص والعموم كما في لفظ الشارع ووجه الأول أن السبب الخاص يدل على قصد الخصوص ويقوم مقام النية عند عدمها لدلالته عليها فوجب أن يختص به اللفظ العام كالنية وفارق لفظ الشارع فإنه يريد بيان الأحكام فلا يختص بمحل السبب لكون الحاجة داعية إلى معرفة الحكم في غير محل السبب فعلى هذا لو قامت امرأته لتخرج فقال إن خرجت فأنت طالق فرجعت ثم خرجت بعد ذلك أو دعاه إنسان إلى غدائه فقال امرأتي طالق إن تغديت ثم رجع فتغدى في منزله لم يحنث على الأول ويحنث على الثاني وإن حلف لعامل أن لا يخرج إلا بإذنه أو حلف بذلك على امرأته أو مملوكه فعزل العامل وطلق المرأة وباع المملوك أو حلف على وكيل فعزله خرج في ذلك كله وجهان فصل وإن قال إن دخل داري أحد فامرأتي طالق فدخلها هو أو قال لإنسان إن دخل دارك أحد فعبدي حر فدخلها صاحبها فقال القاضي لا يحنث لأن قرينة حال المتكلم تدل على أنه يحلف على غيره ويمنع من سواه فيخرج هو من العموم بالقرينة ويخرج المخاطب من اليمين بها أيضا ويحتمل أن يحنث أخذا بعموم اللفظ وإعراضا عن السبب كما في التي قبلها فصل وإذا قال لامرأته إن وطئتك فأنت طالق انصرفت يمينه إلى جماعها وقال محمد بن الحسن يمينه على الوطء بالقدم لأنه الحقيقة وحكي أنه لو قال أردت به الجماع لم يقبل في الحكم ولنا إن الوطء إذا أضيف إلى المرأة كان في العرف عبارة عن الجماع ولهذا يفهم منه الجماع في لفظ الشارع في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة فيجب حمله عند الإطلاق عليه كسائر الأسماء العرفية من الظعينة والرواية وأشباههما

قسم V07/P362–V07/P363

ولا يحنث حتى تغيب الحشفة في الفرج وإن حلف ليجامعها أو لا يجامعها انصرف إلى الوطء في الفرج ولم يحنث بالجماع دون الفرج وإن أنزل لأن مبنى الأيمان على العرف والعرف ما قلناه وإن حلف لأفتضنك فافتضها بإصبع لم يحنث لأن العهود من إطلاق هذه اللفظة وطء البكر وإن حلف على امرأة لا يملكها أن لا ينكحها فيمينه على العقد لأن إطلاق النكاح ينصرف إليه وإن كان مالكا لها بنكاح أو ملك يمين فهو على وطئها لأن قرينة الحال صارفة عن العقد عليها لكونه معقودا عليها فصل وإن قال إن أمرتك فخالفتني فأنت طالق ثم نهاها فخالفته فقال أبو بكر لا يحنث وهو قول الشافعي لأنها خالفت نهيه لا أمره وقال أبو الخطاب يحنث إذا قصد أن لا تخالفه أو لم يكن ممن يعرف حقيقة الأمر والنهي لأنه إذا كان كذلك فإنما يريد نفي المخالفة ويحتمل أن تطلق بكل حال لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عنه أمر بضده فقد خالفت أمره وإن قال لها إن نهيتني عن نفع أمي فأنت طالق فقالت له لا تعطها من مالي شيئا لم يحنث لأن إعطاءها من مالها لا يجوز ولا يجوز النفع به فيكون هذا النفع محرما فلا يتناوله يمينه ويحتمل أن يحنث لأنه نفع ولفظه عام فيدخل المحرم فيه فصل فإن قال لامرأته إن خرجت إلى غير الحمام فأنت طالق فخرجت إلى غير الحمام طلقت سواء عدلت إلى الحمام أو لم تعدل وإن خرجت إلى الحمام ثم عدلت إلى غيره فقياس المذهب أنه يحنث لأن ظاهر هذه اليمين المنع من غير الحمام فكيفما صارت إليه حنث كما لو خالفت لفظه ويحتمل أن لا يحنث وهو قول الشافعي لأنها لم تفعل ما حلف عليه ويتناوله لفظه وإن خرجت إلى الحمام وغيره وجمعتهما في القصد ففيه وجهان أحدهما يحنث لأنها خرجت إلى غير الحمام وانضم إليه غيره فحنث بما حلف عليه كما لو حلف لا يكلم زيدا فكلم زيدا وعمرا والثاني لا يحنث لأنها ما خرجت إلى غير الحمام بل الخروج مشترك ونقل الفضل بن زياد عن أحمد أنه سئل إذا حلف بالطلاق أن لا يخرج من بغداد إلا لنزهة فخرج إلى النزهة ثم مر إلى مكة فقال النزهة لا تكون إلى مكة فظاهر هذا أنه أحنثه ووجهه ما تقدم وقال في رجل حلف بالطلاق أن لا يأتي أرمينية إلا بإذن امرأته فقالت امرأته اذهب حيث شئت فقال لا حتى تقول إلى أرمينية والصحيح أنه متى أذنت له إذنا عاما لم يحنث قال القاضي وهذا من كلام أحمد محمول على أن هذا خرج مخرج الغضب والكراهة ولو قالت هذا بطيب قلبها كان إذنا منها وله الخروج وإن كان بلفظ عام فصل فإن حلف ليرحلن من هذه الدار أو ليخرجن من هذه المدينة ففعل ثم عاد إليها لم يحنث إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي عدم الرجوع إليها لأن الحلف على الخروج والرحيل وقد فعلهما وقد نقل عنه إسماعيل بن سعيد إذا حلف على رجل أن يخرج من بغداد فخرج ثم رجع قد مضت يمينه لا شيء عليه ونقل عنه مثنى بن جامع فيمن قال لامرأته أنت طالق إن لم نرحل من هذه الدار إن لم يدركه الموت ولم ينو شيئا هي إلى أن تموت فإن رحل لم يرجع ومعنى هذا أنه إن أدركه الموت قبل إمكان الرحيل لم يحنث وأن أمكنه الرحيل فلم يفعل لم يحنث حتى يموت أحدهما فيقع بها الطلاق في آخر أوقات الإمكان وأما قوله إن رحل لم يرجع فمحمول على من كان ليمينه سبب يقتضي هجران الدار على الدوام ونقل مهنا في رجل قال لامرأته إن وهبت كذا فأنت طالق فإذا هي قد وهبت

قسم V07/P363–V07/P364

قال أخاف أن يكون قد حنث قال القاضي هذا محمول على أنه قال إن كنت وهبته وإلا فلا يحنث حتى تبتدىء هبته لأن اليمين تقتضي فعلا مستقبلا يحنث به وما فعلت ما حلف عليه بعد يمينه ونقل عنه أيضا في رجل قال لامرأته إن رأيتك تدخلين الدار فأنت طالق فهو على نيته إن أراد أن لا تدخلها حنث وإن كان نوى إذا رآها لم يحنث حتى يراها تدخل وهو كما قال فإن مبنى اليمين على النيات سيما والرؤية تطلق على العلم كقول الله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد الفجر 6 ونحوه ومتى لم تكن له نية ولا سبب هناك يدل على إرادته مع الدخول بمجرده لم يحنث حتى يراها تدخل الدار لأنه الذي تناوله لفظه ونقل عنه المروذي في رجل أقرض رجلا دراهم فحلف أن لا يقبلها وكان الرجل ميتا تعطى الورثة يعني إذا مات الحالف يوفي الورثة ولا يبرأ بيمينه لأنها ليست إبراء فلا يسقط الحق بها فصل ولو قال امرأتي طالق إن كنت أملك إلا مائة وكان يملك أكثر من مائة أو أقل حنث فإن نوى أني لا أملك أكثر من مائة لم يحنث بملك ما دونها وإن قال إن كنت أملك أكثر من مائة فامرأتي طالق وكان يملك أقل من المائة لم يحنث لأنه صادق فصل فإن قال لامرأته يا طالق أنت طالق إن دخلت الدار طلقت واحدة بقوله يا طالق وبقيت أخرى معلقة بدخول الدار ولو قال أنت طالق ثلاثا يا طالق إن دخلت الدار فإن كانت له نية رجع إليها وإلا وقعت واحدة بالنداء وبقت الثلاث معلقة على دخول الدار وكذا لو قال أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار وعاد الشرط إلى الطلاق دون القذف وقال محمد بن الحسن يرجع الشرط إليهما في المسألتين فلا يقع بها في الحال شيء والأولى أن يرجع الشرط إلى الخبر الذي يصح فيه التصديق والتكذيب وجرت العادة بتعليقه بالشرط بخلاف النداء والقذف الذي لا يوجد ذلك فيه فصل فإن قال لامرأته أنت طالق مريضة بالنصب أو الرفع ونوى به وصفها بالمرض في الحال طلقت في الحال وإن نوى به أنت طالق في حال مرضك لم تطلق حتى تمرض لأن هذا حال والحال مفعول فيه كالظروف ويكون الرفع لحنا لأن الحال منصوب وإن أطلق ونصب انصرف إلى الحال لأن مريضة اسم نكرة جاء بعد تمام الكلام وصفا لمعرفة فيكون حالا وإن رفع فالأولى وقوع الطلاق في الحال ويكون ذلك وصفا لطالق الذي هو خبر المبتدأ وإن أسكن احتمل وجهين أحدهما وقوع الطلاق في الحال لأن قوله أنت طالق يقتضي وقوع الطلاق في الحال فقد تيقنا وجود المقتضي وشككنا فيما يمنع لحكمه فلا تزول عن اليقين بالشك والثاني لا يقع إلا في حال مرضها لأن ذكره للمرض في سياق الطلاق يدل على تعليقه به وتأثيره فيه ولا يؤثر فيه إلا إذا كان حالا مسألة قال ( وإذا قال أنت طالق إذا قام فلان فقدم به ميتا أو مكرها لم تطلق ) أما إذا قدم به ميتا أو مكرها محمولا فلا تطلق لأنه لم يقدم إنما قدم به هذا قول الشافعي ونقل عن أبي بكر أنه يحنث لأن الفعل ينسب إليه ولذلك يقال دخل الطعام البلد إذا حمل إليه ولو قال أنت طالق إذا دخل الطعام البلد طلقت إذا حمل إليه

قسم V07/P364–V07/P365

ولنا إن الفعل ليس منه والفعل لا ينسب إلى غير فاعله إلا مجازا والكلام عند إطلاقه لحقيقته إذا أمكن وأما الطعام فلا يمكن وجود الفعل منه حقيقة فتعين حمل الدخول فيه على مجازه وأما إن قدم بنفسه لإكراه فعلى قول الخرقي لا يحنث وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقال أبو بكر يحنث وحكاه عن أحمد لأن الفعل منه حقيقة وينسب إليه قال الله تعالى وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها الزمر 71 ويصح أمر المكره بالفعل قال الله تعالى ادخلوا أبواب جهنم النحل 29 ولولا أن الفعل يتحقق منه لما صح أمره به ووجه الأول أنه بالإكراه زال اختياره فإذا وجدت الصفة منه كان كوجود الطلاق منه مكرها وهذا فيما إذا أطلق وإن كانت له نية عليها كلامه وتقيد بها فصل وإن قدم مختارا حنث الحالف سواء علم القادم باليمين أو جهلها قال أبو بكر الخلال يقع الطلاق قولا واحدا وقال أبو عبد الله بن حامد إن كان القادم ممن لا يمتنع من القدوم بيمينه كالسلطان والحاج والرجل الأجنبي حنث الحالف ولا يعتبر علمه ولا جهله وإن كان ممن يمتنع باليمين من القدوم كقرابة لهما أو لأحدهما أو غلام لأحدهما فجهل اليمين أو نسيها فالحكم فيه كما لو حلف على فعل نفسه ففعله ناسيا أو جاهلا وفي ذلك روايتان كذلك هاهنا وذلك لأنه إذا لم يكن ممن تمنعه اليمين كان تعليقا للطلاق على صفة ولم يكن يمينا فأشبه ما لو علقه على طلوع الشمس وإن كان ممن يمتنع كان يمينا فيعذر فيه بالنسيان والجهل وينبغي أن تعتبر على هذا القول نية الحالف وقرائن أحواله الدالة على قصده فإن كان قصده بيمينه منع القادم من القدوم كان يمينا وإن كان قصده جعله صفة في طلاقها مطلقة لم يكن يمينا ويستوي فيه علم القادم وجهله ونسيانه وجنونه وإفاقته مثل أن يقصد طلاقها إذا حصل معها محرمها ولا يطلقها وحدها وتعتبر قرائن الأحوال فمتى علق اليمين على قدوم غائب بعيد يعلم أنه لا يعلم اليمين ولا يمتنع بها أو على فعل صغير أو مجنون أو من لا يمتنع بها لم تكن يمينا وإن علق ذلك على فعل حاضر يعلم بيمينه ويمتنع لأجلها عن فعل ما علق الطلاق عليه كان يمينا ومتى أشكلت الحال فينبغي أن يقع الطلاق لأن لفظه يقتضي وقوع الطلاق عند وجود هذه الصفة على العموم وإنما يتصرف عن ذلك بدليل فمتى شككنا في الدليل المخصص وجب العمل بمقتضى العموم فصل فإن قال إن تركت هذا الصبي يخرج فأنت طالق فانفلت الصبي بغير اختيارها فخرج فإن كان نوى أن لا يخرج فقد حنث وإن نوى أن لا تدعه لم ي نص أحمد على معنى هذا وذلك لأن اليمين إذا وقعت على فعلها فقد فعل الخروج عن غير اختيار منها فكانت كالمكره إذا لم يمكنها حفظه ومنعه وإن نوى فعله فقد وجد وحنث وإن لم تعلم نيته انصرفت يمينه إلى فعلها لأنه الذي تناوله لفظه فلا يحنث إلا إذا خرج بتفريطها في حفظه أو اختيارها

قسم V07/P365–V07/P366

فصل فإن حلف لا تأخذ حقك مني فأكره على دفعه إليه وأخذه منه قهرا حنث لأن المحلوف عليه فعل الأخذ وقد أخذه مختارا وإن أكره صاحب الحق على أخذه خرج على الوجهين فيمن أكره على القدوم وإن وضعه الحالف في حجره أو بين يديه أو إلى جنبه فلم يأخذه لم يحنث لأن الأخذ ما وجد وإن أخذه الحاكم أو السلطان من الغريم فدفعه إلى المستحق فأخذه فقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي لأنه ما أخذه منه وإن قال لا تأخذ حقك على حنث لأنه قد أخذ حقه الذي عليه والمنصوص عن أحمد أنه يحنث في الصورتين قال أبو بكر وهو الذي يقتضيه مذهبه لأن الأيمان عنده على الأسباب لا على الأسماء ولأنه لو وكل وكيلا فأخذه منه كان آخذا لحقه منه عرفا ويسمى آخذا قال الله تعالى وأخذنا منهم ميثاقا غليظا النساء 21 وقال ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا المائدة 12 وإن كانت اليمين من صاحب الحق فحلف لا أخذت حقي منك فالتفريع فيها كالتي قبلها فإن تركها الغريم في أثناء متاع في خرج ثم دفع الخرج إلى الحالف فأخذه ولم يعلم أنها فيه لم يحنث لأن هذا ليس بمعدود أخذا ولا يبرأ به الغريم منها فإن كانت اليمين لا أعطيتك حقك فأخذه الحاكم منه كرها فدفعه إلى الغريم لم يحنث وإن أكرهه على دفعه إليه فدفعه خرج على الوجهين في المكره وإن أعطاه باختياره حنث وإن وضعه في حجره أو جيبه أو صندوقه وهو يعلم حنث لأنه أعطاه وإن دفعه إلى الحاكم اختيارا ليدفعه إلى الغريم فدفعه أو أخذه من ماله باختياره فدفعه إلى الغريم حنث وقال القاضي لا يحنث وقياس المذهب أنه يحنث لأنه أوصله إليه مختارا فأشبه ما لو دفعه إلى وكيله فأعطاه إياه ولأن الأيمان على الأسباب لا على الأسماء على ما ذكرنا فيما مضى فصل فإن قال إن رأيت أباك فأنت طالق فرأته ميتا أو نائما أو مغمى عليه أو رأته من خلف زجاج أو جسم شفاف طلقت لأنها رأته وإن رأت خياله في ماء أو مرآة أو صورته على حائط أو غيره لم تطلق لأنها لم تره وإن أكرهت على رؤيته خرج على الوجهين مسألة قال ( وإذا قال لمدخول بها أنت طالق أنت طالق لزمه تطليقتان إلا أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأولى فتلزمه واحدة وإن كانت غير مدخول بها بانت بالأولى ولم يلزمها ما بعدها لأنه ابتداء كلام ) وجملة ذلك أنه إذا قال لامرأته المدخول بها أنت طالق مرتين ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية وقعت بها طلقتان بلا خلاف وإن نوى بها إفهامها أن الأولى قد وقعت بها أو التأكيد لم تطلق إلا واحدة وإن لم تكن له نية وقع طلقتان وبه قال أبو حنيفة ومالك وهو الصحيح من قولي الشافعي وقال في الآخر تطلق واحدة لأن التكرار يكون للتأكيد والإفهام ويحتمل الإيقاع فلا توقع طلقة بالشك ولنا إن هذا اللفظ للإيقاع ويقتضي الوقوع بدليل ما لو لم يتقدمه مثله وإنما ينصرف عن ذلك بنية التأكيد والإفهام فإذا لم يوجد ذلك وقع مقتضاه كما يجب العمل بالعموم في العام إذا لم يوجد المخصص وبالإطلاق في المطلق إذا لم يوجد المقيد فأما غير المدخول بها فلا تطلق إلا طلقة واحدة سواء نوى الإيقاع أو غيره وسواء قال ذلك منفصلا أو متصلا وهذا قول أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وعكرمة والنخعي وحماد بن أبي سليمان والحكم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبي عبيد وابن المنذر وذكره الحكم عن علي وزيد بن ثابت وابن مسعود وقال مالك والأوزاعي والليث يقع بها تطليقتان وإن قال ذلك ثلاثا طلقت ثلاثا إذا كان متصلا لأنه طلق ثلاثا بكلام متصل أشبه قوله أنت طالق ثلاثا

قسم V07/P366–V07/P368

ولنا إنه طلاق مفرق في غير المدخول بها فلم تقع الأولى كما لو فرق كلامه ولأن غير المدخول بها تبين بطلقة لأنه لا عدة عليها فتصادفها الطلقة الثانية بائنا فلم يمكن وقوع الطلاق بها لأنها غير زوجة وإنما تطلق الزوجة ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا نعلم لهم مخالفا في عصرهم فيكون إجماعا فصل فإن قال أنت طالق ثم مضى زمن طويل ثم أعاد ذلك للمدخول بها طلقت ثانية ولم يقبل قوله نويت التوكيد لأن التوكيد تابع للكلام فشرطه أن يكون متصلا به كسائر التوابع من العطف والصفة والبدل فصل وكل طلاق يترتب في الوقوع ويأتي بعضه بعد بعض لا يقع بغير المدخول بها منه أكثر من طلقة واحدة لما ذكرناه ويقع بالمدخول بها ثلاث إذا أوقعها مثل قوله أنت طالق فطالق فطالق أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق أو أنت طالق ثم طالق وطالق أو فطالق وأشباه ذلك لأن هذه حروف تقتضي الترتيب فتقع بها الأولى فتبينها فتأتي الثانية فتصادفها بائنا غير زوجة فلا تقع بها وأما المدخول بها فتأتي الثانية فتصادف محل النكاح فتقع وكذلك الثالثة وكذلك لو قال أنت طالق بل طالق وطالق ذكره أبو الخطاب ولو قال أنت طالق طلقة قبل طلقة أو بعد طلقة أو بعدها طلقة أو طلقة فطلقة أو طلقة ثم طلقة وقع بغير المدخول بها طلقة وبالمدخول بها طلقتان لما ذكرنا من أن هذا يقتضي طلقة بعد طلقة فصل وإن قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة فكذلك ذكره القاضي وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم لا يقع بغير المدخول بها شيء بناء على قولهم في المسألة السريجية وقال أبو بكر يقع طلقتان وهو قول أبي حنيفة لأنه استحال وقوع الطلقة الأخرى قبل الطلقة الموقعة فوقعت معها لأنها لما تأخرت عن الزمن الذي قصد إيقاعها فيه لكونه زمنا ماضيا وجب إيقاعها في أقرب الأزمنة إليه وهو معها ولا يلزم تأخرها إلى ما بعدها لأن قبله زمن يمكن الوقوع فيه وهو زمن قريب فلا يؤخر إلى البعيد مع إمكان القريب ولنا إن هذا طلاق بعضه قبل بعض فلم يقع بغير المدخول بها جميعه كما لو قال طلقة بعد طلقة ولا يمتنع أن يقع المتأخر في لفظه متقدما كما لو قال طلقة بعد طلقة أو قال أنت طالق طلقة غدا وطلقة اليوم ولو قال جاء زيد بعد عمرو أو جاء زيد وقبله عمرو أو أعط زيدا بعد عمرو وكان كلاما صحيحا يفيد تأخير المتقدم لفظا عن المذكور بعده وليس هذا طلاقا في زمن ماض وإنما يقع إيقاعه في المستقبل مرتبا على الوجه الذي رتبه ولو قدر أن إحداهما موقعة في زمن ماض لامتنع وقوعها وحدها ووقعت الأخرى وحدها وهذا تعليل القاضي لكونه لا يقع إلا واحدة والأول من التعليل أصح إن شاء الله تعالى فإن قال أنت طالق طلقة معها طلقة وقع بها طلقتان وإن قال معها اثنتان وقع بها ثلاث في قياس المذهب وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقال أبو يوسف يقع طلقة لأن الطلقة إذا وقعت مفردة لم يمكن أن يكون معها شيء ولنا إنه أوقع ثلاث طلقات بلفظ يقتضي وقوعهن معا فوقعن كلهن كما لو قال أنت طالق ثلاثا ولا نسلم أن الطلقة تقع مفردة فإن الطلاق لا يقع بمجرد التلفظ به إذ لو وقع بذلك لما صح تعليقه بشرط ولا صح وصفه بالثلاث ولا بغيرها وكذلك الحكم لو قال إذا طلقتك فأنت طالق معها طلقة ثم قال أنت طالق فإنها تطلق طلقتين لما ذكرنا فصل فإن قال أنت طالق طلقة بعدها طلقة ثم قال أردت أني أوقع بعدها طلقة دين وهل يقبل في الحكم يخرج على روايتين وإن قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة وقال أردت أني طلقتها قبل هذا في نكاح آخر أو أن زوجا قبلي طلقها دين وهل يقبل في الحكم على ثلاثة أوجه أحدها يقبل والآخر لا يقبل والثالث يقبل إن كان وجد وإن لم يكن وجد لم يقبل

قسم V07/P368–V07/P369

والصحيح أنه إذا لم يكن وجد لا يقبل لأنه لا يحتمل ما قاله فصل فإن قال أنت طالق طالق طالق وقال أردت التوكيد قبل منه لأن الكلام يكرر للتوكيد كقوله عليه السلام فنكاحها باطل باطل باطل وإن قصد الإيقاع وكرر الطلقات طلقت ثلاثا وإن لم ينو شيئا لم يقع إلا واحدة لأنه لم يأت بينهما بحرف يقتضي المغايرة فلا يكن متغايرات وإن قال أنت طالق وطالق وطالق وقال أردت بالثانية التأكيد لم يقبل لأنه غاير بينها وبين الأولى بحرف يقتضي العطف والمغايرة وهذا يمنع التأكيد وأما الثالثة فهي كالثانية في لفظها فإن قال أردت بها التوكيد دين وهل يقبل في الحكم يخرج على روايتين إحداهما يقبل وهو مذهب الشافعي لأنه كرر لفظ الطلاق مثل الأول فقبل تفسيره بالتأكيد كما لو قال أنت طالق أنت طالق والثانية لا يقبل لأن حرف العطف للمغايرة فلا يقبل ما يخالف ذلك كما لا يقبل في الثانية ولو قال أنت طالق فطالق فطالق أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق فالحكم فيها كالتي عطفها بالواو وإن غاير بين الحروف فقال أنت طالق وطالق ثم طالق أو طالق ثم طالق وطالق أو طالق وطالق فطالق ونحو ذلك لم يقبل في شيء منها إرادة التوكيد لأن كل كلمة مغايرة لما قبلها مخالفة لها في لفظها والتوكيد إنما يكون بتكرير الأول بصورته فصل ولو قال أنت مطلقة أنت مسرحة أنت مفارقة وقال أردت التوكيد بالثانية والثالثة قبل لأنه لم يغاير بينهما بالحروف الموضوعة للمغايرة بين الألفاظ بل أعاد اللفظة بمعناها ومثل هذا يعاد توكيدا وإن قال أنت مطلقة ومسرحة ومفارقة وقال أردت التوكيد احتمل أن يقبل منه لأن اللفظ المختلف يعطف بعضه على بعض توكيدا كقوله ( فألقى قولها كذبا ومينا ) ويحتمل أن لا يقبل لأن الواو تقتضي المغايرة فأشبه ما لو كان بلفظ واحد مسألة قال ( وإذا قال لغير مدخول بها أنت طالق وطالق وطالق لزمه الثلاث لأنه نسق وهو مثل قوله أنت طالق ثلاثا ) وبهذا قال مالك والأوزاعي والليث وربيعة وابن أبي ليلى وحكي عن الشافعي في القديم ما يدل عليه وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور لا يقع إلا واحدة لأنه أوقع الأولى قبل الثانية فلم يقع عليها شيء آخر كما لو فرقها ولنا إن الواو تقتضي الجمع ولا ترتيب فيها فيكون موقعا للثلاث جميعا فيقعن عليها كقوله أنت طالق ثلاثا أو طلقة معها طلقتان ويفارق ما إذا فرقها فإنها لا تقع جميعا وكذلك إذا عطف بعضها على بعض بحرف يقتضي الترتيب فإن الأولى تقع قبل الثانية بمقتضى إيقاعه وهاهنا لا تقع الأولى حين نطقه بها حتى يتم كلامه بدليل أنه لو ألحقه استثناء أو شرطا أو صفة لحق به ولم يقع الأول مطلقا ولو كان يقع حين تلفظه لم يلحقه شيء من ذلك وإذا ثبت أنه يقف وقوعه على تمام الكلام فإنه يقع عند تمام كلامه على الوجه الذي اقتضاه لفظه ولفظه يقتضي وقوع الطلقات الثلاث مجتمعات وهو معنى قول الخرقي لأنه نسق أي غير مفترق فإن قيل إنما وقف أول الكلام على آخره مع الشرط والاستثناء لأنه مغير له والعطف لا يغير فلا يقف عليه ونتبين أنه وقع أول ما لفظ به ولذلك لو قال لها أنت طالق بما يخصه بزمن أو يقيده بقيد كالشرط وإما بما يمنع بعضه كالاستثناء وإما بما يبين عدد الواقع كالصفة بالعدد وأشباه هذا فيجب أن يكون واقعا ولولا ذلك لما وقع بغير المدخول بها ثلاث بحال لأنه لو قال لها أنت طالق ثلاثا فوقعت بها طلقة قبل قوله ثلاثا لم يمكن أن يقع بها شيء آخر أما إذا قال أنت طالق أنت طالق فهاتان جملتان لا تتعلق إحداهما بالأخرى ولو تعقب إحداهما شرط أو استثناء أو صفة لم يتناول الأخرى ولا وجه لوقوف إحداهما على الأخرى والمعطوف مع المعطوف عليه شيء واحد لو تعقبه شرط لعاد إلى الجميع لأن المعطوف لا يستقل بنفسه ولا يفيد بمفرده بخلاف قوله أنت طالق فإنها جملة مفيدة لا تعلق لها بالأخرى فلا يصح قياسها عليها

قسم V07/P369–V07/P370

فصل فإن قال أنت طالق طلقتين ونصفا فهي عندنا كالتي قبلها يقع الثلاث وقال مخالفونا يقع طلقتان وإن قال إن فأنت طالق وكرر ذلك ثلاثا فدخلت طلقت ثلاثا في قول الجميع لأن الصفة وجدت فاقتضى وقوع الثلاث دفعة واحدة وإن قال إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فدخلت الدار طلقت ثلاثا وبه قال أبو يوسف ومحمد وأصحاب الشافعي في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة يقع واحدة لأن الطلاق المعلق إذا وجدت الصفة يكون كأنه أوقعه في تلك الحال على صفته ولو أنه أوقعه كذلك لم يقع إلا واحدة ولنا إنه وجد شرط وقوع ثلاث طلقات غير مرتبات فوقع الثلاث كالتي قبلها وإن قال إذا دخلت الدار فأنت طالق طلقة معها طلقتان فدخلت طلقت ثلاثا وذكر مثل هذا بعض أصحاب الشافعي ولم يحك عنهم فيه خلافا فصل وإن قال لغير مدخول بها أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار أو إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق أو إن دخلت فأنت طالق فطالق فطالق فدخلت طلقت واحدة فبانت بها ولم يقع غيرها وبهذا قال الشافعي وذهبالقاضي إلى أنها تطلق في الحال واحدة تبين بها وهو قول أبي حنيفة في الصورة الأولى لأن ثم تقطع الأولى عما بعدها لأنها للمهلة فتكون الأولى موقعة والثانية معلقة بالشرط وقال أبو يوسف ومحمد لا يقع حتى تدخل الدار فيقع بها ثلاث لأن دخول الدار شرط لثلاث فوقعت كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق ولنا إن ثم للعطف وفيها ترتيب فتعلقت التطليقات كلها بالدخول لأن العطف لا يمنع تعليق الشرط بالمعطوف عليه ويجب الترتيب فيها كما يجب لو لم يعلقه بالشرط وفي هذا انفصال عما ذكروه ولأن الأولى تلي الشرط فلم يجز وقوعها بدونه كما لم يعطف عليها ولأنه جعل الأولى جزاء للشرط وعقبه إياها بفاء التعقيب الموضوعة للجزاء فلم يجز تقديمها عليه كسائر نظائره ولأنه لو قال إن دخل زيد داري فأعطه درهما لم يجز أن يعطيه قبل دخوله فكذا هاهنا وما ذكروه تحكم ليس له شاهد في اللغة ولا أصل في الشرع فصل وإن قال لمدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق لم يقع بها شيء حتى تدخل الدار فتقع بها الثلاث وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وذهب القاضي إلى وقوع طلقتين في الحال وتبقى الثالثة معلقة بالدخول وهو ظاهر الفساد فإنه يجعل الشرط المتقدم للمعطوف دون المعطوف عليه ويعلق به ما يبعد عنه دون ما يليه ويجعل جزاء ما لم توجد فيه الفاء التي يجازي بها دون ما وجدت فيه تحكما لا يعرف عليه دليل ولا نعلم له نظيرا وإن قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق فدخلت طلقت ثلاثا في قولهم جميعا مسألة قال ( وإذا طلق ثلاثا وهو ينوي واحدة فهي ثلاث ) وجملة ذلك أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى واحدة لا نعلم فيه خلافا لأن اللفظ صريح في الثلاث والنية لا تعارض الصريح لأنها أضعف من اللفظ ولذلك لا نعمل بمجردها والصريح قوي يعمل بمجرده من غير نية فلا يعارض القوي بالضعيف كما لا يعارض النص بالقياس ولأن النية إنما تعمل في صرف اللفظ إلى بعض محتملاته والثلاث نص فيها لا يحتمل الواحدة بحال فإذا نوى واحدة فقد نوى ما لا يحتمله فلا يصح كما لو قال له علي ثلاثة دراهم وقال أردت واحدا مسألة قال ( وإن طلق واحدة وهو ينوي ثلاثا فهي واحدة ) أما إذا قال أنت طلق واحدة ونوى الثلاث لم يقع إلا واحدة لأن لفظه لا يحتمل أكثر منها فإذا نوى ثلاثا فقد نوى ما لا يحتمله لفظه فلو وقع أكثر من ذلك لوقع بمجرد النية ومجرد النية لا يقع بها طلاق وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يقع ثلاث لأنه يحتمل واحدة معها اثنتان

قسم V07/P370–V07/P372

وهذا فاسد فإن قوله معها اثنتان لا يؤديه معنى الواحدة ولا يحتمله فنيته فيه نية مجردة فلا تعمل كما لو نوى الطلاق من غير لفظ وأما إذا قال أنت طالق ونوى ثلاثا فهذا فيه روايتان إحداهما لا يقع إلا واحدة وهو قول الحسن وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي لأن هذا اللفظ لا يتضمن عددا ولا بينونة فلم تقع به الثلاث كما لو قال أنت طالق واحدة بيانه أن قوله أنت طالق إخبار عن صفة هي عليها فلم يتضمن العدد كقوله قائمة وحائض وطاهر والرواية الثانية إذا نوى ثلاثا وقع الثلاث وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد وابن المنذر لأنه لفظ لو قرن به لفظ الثلاث كان ثلاثا فإذا نوى به الثلاث كان ثلاثا كالكنايات ولأنه نوى بلفظه ما يحتمله فوقع ذلك به كالكناية وبيان احتمال اللفظ للعدد أنه يصح تفسيره به فيقول أنت طالق ثلاثا ولأن قوله طالق اسم فاعل واسم الفاعل يقتضي المصدر كما يقتضيه الفعل والمصدر يقع على القليل والكثير وفارق قوله أنت حائض وطاهر لأن الحيض والظهر لا يمكن تعدده في حقها والطلاق يمكن تعدده فصل فإن قال أنت طالق طلاقا ونوى ثلاثا وقع لأنه صرح بالمصدر والمصدر يقع على القليل والكثير فقد نوى بلفظه ما يحتمله وإن نوى واحدة فهي واحدة وإن أطلق فهي واحدة لأنه اليقين وإن قال أنت طالق الطلاق وقع ما نواه وإن لم ينو شيئا فحكى فيها القاضي روايتين إحداهما يقع الثلاث نص عليها أحمد في رواية مهنا لأن الألف واللام للاستغراق فيقتضي استغراق الكل وهو ثلاث والثانية أنها واحدة لأنه يحتمل أن تعود الألف واللام إلى معهود يريد الطلاق الذي أوقعته ولأن اللام في أسماء الأجناس تستعمل لغير الاستغراق كثيرا كقوله ومن أكره على الطلاق وإذا عقل الصبي الطلاق واغتسلت بالماء وتيممت بالتراب وقرأت العلم والحديث والفقه هذا مما يراد به ذلك الجنس ولا يفهم منه الاستغراق فعند ذلك لا يحمل على التعميم إلا بنية صارفة إليه وهكذا لو قال لامرأته أنت الطالق فإن أحمد قال إن أراد ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى واحدة فهي واحدة وإن لم ينو شيئا فكلام أحمد يقتضي أن تكون ثلاثا لأنه قال أنت الطلاق فهذا قد بين أي شيء بقي هي ثلاث وهذا اختيار أبي بكر ويخرج فيها أنها واحدة بناء على المسألة قبلها ووجه القولين ما تقدم ومما بين أنه يراد بها الواحد قول الشاعر فأنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق ثلاثا تماما فجعل المكرر ثلاثا ولو كان للاستغراق لكان ذلك تسعا فصل ولو قال الطلاق يلزمني أو الطلاق لي لازم فهو صريح فإنه يقال لمن وقع طلاقه لزمه الطلاق وقالوا إذا عقل الصبي الطلاق فطلق لزمه ولعلهم أرادوا لزمه حكمه فحذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية وانغمرت الحقيقة فيه ويقع به ما نواه من واحدة أو اثنتين أو ثلاث وإن أطلق ففيه روايتان وجههما ما تقدم وإن قال علي الطلاق فهو بمثابة قوله الطلاق يلزمني لأن من لزمه شيء فهو عليه كالدين وقد اشتهر استعمال هذا في إيقاع الطلاق ويخرج فيه في حالة الإطلاق الروايتان هل هو ثلاث أو واحدة والأشبه في هذا جميعه أن يكون واحدة لأن أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثا ولا يعلمون أن الألف واللام للاستغراق ولهذا ينكر أحدهم أن يكون طلق ثلاثا ولا يعتقد أنه طلق إلا واحدة فمقتضى اللفظ في ظنهم واحدة فلا يريدون إلا ما يعتقدونه مقتضى للفظهم فيصير كأنهم نووا الواحدة فصل وإن قال أنت طالق للسنة طلقت واحدة في وقت السنة وذهب أبو حنيفة إلى أنها تطلق ثلاثا في ثلاثة قروء بناء منه على أن هذا هو السنة وقد بينا أن طلاق السنة طلقة واحدة في طهر لم يصبها فيه وإن قال أنت طالق طلاق السنة وقعت بها واحدة في طهر لم يصبها فيه أيضا إلا أن ينوي الثلاث فتكون ثلاثا لأنه ذكر المصدر والمصدر يقع على الكثير والقليل بخلاف التي قبلها

قسم V07/P372–V07/P373

فصل وإن قال العجمي بهشتم لبسيار طلقت امرأته ثلاثا نص عليه أحمد لأن معناه أنت طالق كثيرا وإن قال بهشتم فحسبت ( بالفارسية ) طلقت واحدة إلا أن ينوي ثلاثا فتكون ثلاثا نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وقال القاضي يتخرج فيه روايتان بناء على قوله أنت طالق لأن هذا صريح وذاك صريح فهما سواء والصحيح أنه يقع ما نواه لأن معناها خليتك وخليتك يقع بها ما نواه وكذا هاهنا وإنما صارت صريحة لشهرة استعمالها في الطلاق وتعينها له وذلك لا ينفي معناها ولا يمنع العمل به إذا أراده وإن قال فارقتك أو سرحتك ونوى واحدة أو أطلق فهي واحدة وإن نوى ثلاثا فهي ثلاث لأنه فعل يمكن أن يعبر به عن القليل والكثير وكذلك لو قال طلقتك فصل ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق إلا في موضعين أحدهما من لا يقدر على الكلام كالأخرس وإذا طلق بالإشارة طلقت زوجته وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وذلك لأنه لا طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة فقامت إشارته مقام الكلام من غير نية كالنكاح فأما للقادر فلا يصح طلاقه بالإشارة كما لا يصح نكاحه بها فإن أشار الأخرس بأصابعه الثلاث إلى الطلاق طلقت ثلاثا لأن إشارته جرت مجرى نطق غيره ولو قال الناطق أنت طالق وأشار بأصابعه الثلاث لم يقع إلا واحدة لأن إشارته لا تكفي وإن قال أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه الثلاث طلقت ثلاثا لأن قوله هكذا تصريح بالتشبيه بالأصابع في العدد وذلك يصلح بيانا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بيده مرة ثلاثين ومرة تسعا وعشرين وإن قال أردت الإشارة بالإصبعين المقبوضتين قبل منه لأنه يحتمل ما يدعيه الموضع الثاني إذا كتب الطلاق فإن نواه طلقت زوجته وبهذا قال الشعبي والنخعي والزهري والحكم وأبو حنيفة ومالك وهو المنصوص عن الشافعي وذكر بعض أصحابه أن له قولا آخر أنه لا يقع به طلاق وإن نواه لأنه فعل من قادر على التطليق فلم يقع به الطلاق كالإشارة ولنا إن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق فإذا أتى فيها بالطلاق وفهم منها ونواه وقع كاللفظ ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب بدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتبليغ رسالته فحصل ذلك في حق البعض بالقول وفي حق آخرين بالكتابة إلى ملوك الأطراف ولأن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون والحقوق فأما إن كتب ذلك من غير نية فقال أبو الخطاب قد خرجها القاضي الشريف في الإرشاد على روايتين إحداهما يقع وهو قول الشعبي والنخعي والزهري والحكم لما ذكرنا والثانية لا يقع إلا بنية وهو قول أبي حنيفة ومالك ومنصوص الشافعي لأن الكتابة محتملة فإنه يقصد بها تجربة القلم وتجويد الخط وغم الأهل فلم يقع من غير نية ككنايات الطلاق فإن نوى بذلك تجويد خطه أو تجربة قلمه لم يقع لأنه لو نوى باللفظ غير الإيقاع لم يقع فالكتابة أولى وإذا ادعى ذلك دين فيما بينه وبين الله تعالى ويقبل أيضا في الحكم في أصبح الوجهين لأنه يقبل ذلك في اللفظ الصريح في أحد الوجهين فهاهنا مع أنه ليس بلفظ أولى وإن قال نويت غم أهلي فقد قال في رواية أبي طالب فيمن كتب طلاق زوجته ونوى الطلاق وقع وإن أراد أن يغم أهله فقد عمل في ذلك أيضا يعني أنه يؤاخذ به لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به فظاهر هذا أنه أوقع الطلاق لأن غم أهله يحصل بالطلاق فيجتمع غم أهله ووقع طلاقه كما لو قال أنت طالق يريد به غمها ويحتمل أن لا يقع لأنه أراد غم أهله بتوهم الطلاق دون حقيقته فلا يكون ناويا للطلاق والخبر إنما يدل على مؤاخذته بما نواه عند العمل به أو الكلام وهذا لم ينو طلاقا فلا يؤاخذ به

قسم V07/P373–V07/P375

فصل وإن كتبه بشيء لا يبين مثل أن كتبه بأصبعه على وسادة أو الهواء فظاهر كلام أحمد أنه لا يقع وقالأبو حفص العكبري يقع ورواه الأثرم عن الشعبي لأنه كتب حروف الطلاق فأشبه ما لو كتبه بشيء يبين والأول أولى لأن الكتاب التي لا تبين كالهمس بالفم بما لا يتبين وثم لا يقع فهاهنا أولى فصل إذا كتب لزوجته أنت طالق ثم استمد فكتب إذا أتاك كتابي أو علقه بشرط أو استثناء وكان في حال كتابته للطلاق مريدا للشرط لم يقع طلاقه في الحال لأنه لم ينو الطلاق في الحال بل نواه في وقت آخر وإن نوى الطلاق في الحال غير معلق بشرط طلقت للحال وإن لم ينو شيئا وقلنا إن المطلق يقع به الطلاق نظرنا فإن كان استمدادا لحاجة أو عادة لم يقع طلاق قبل وجود الشرط لأنه لو قال أنت طالق ثم أدركه النفس أو شيء يسكته فسكت لذلك ثم أتى بشرط تعلق به فالكتابة أولى وإن استمد لغير حاجة ولا عادة وقع الطلاق كما لو سكت بعد قوله أنت طالق لغير حاجة ثم ذكر شرطا وإن قال إنني كتبته مريدا للشرط فقياس قول أصحابنا أنها لا تطلق قبل الشرط إلا أنه يدين وهل يقبل في الحكم على وجهين بناء على قولهم فيمن قال أنت طالق ثم قال أردت تعليقه على شرط وإن كتب إلى امرأته أما بعد فأنت طالق طلقت في الحال سواء وصل إليها الكتاب أو لم يصل وعدتها من حين كتبه وإن كتب إليها إذا وصلك كتابي فأنت طالق فأتاها الكتاب طلقت عند وصوله إليها وإن ضاع ولم يصلها لم تطلق لأن الشرط وصوله وإن ذهبت كتابته بمحو أو غيره ووصل الكاغد لم تطلق لأنه ليس بكتاب وكذلك إن انطمس ما فيه لعرق أو غيره لأن الكتاب عبارة عما فيه الكتابة وإن ذهبت حواشيه أو تخرق منه شيء لا يخرجه عن كونه كتابا ووصل باقيه طلقت لأن الباقي كتاب وإن تخرق بعض ما فيه الكتابة سوى ما فيه ذكر الطلاق فوصل طلقت لأن الاسم باق فينصرف الاسم إليه وإن تخرق ما فيه ذكر الطلاق فذهب ووصل باقيه لم تطلق لأن المقصود ذاهب فإن قال لها إذا أتاك طلاقي فأنت طالق ثم كتب إليها إذا أتاك كتابي فأنت طالق فأتاها الكتاب طلقت طلقتين لوجود الصفتين في مجيء الكتاب فإن قال أردت إذا أتاك كتابي فأنت طالق بذلك الطلاق الذي علقته دين وهل يقبل في الحكم يخرج على روايتين فصل ولا يثبت الكتاب بالطلاق إلا بشاهدين عدلين أن هذا كتابه قال أحمد في رواية حرب في امرأة أتاها كتاب زوجها بخطه وخاتمه بالطلاق لا تتزوج حتى يشهد عندها شهود عدول قيل له فإن شهد حامل الكتاب قال لا إلا شاهدان فلم يقبل قول حامل الكتاب وحده يشهد معه غيره لأن الكتب المثبتة للحقوق لا تثبت إلا بشاهدين ككتاب القاضي وظاهر كلام أحمد أن الكتاب يثبت عندها بشهادتهما بين يديها وإن لم يشهدا به عند الحاكم لأن أثره في حقها في العدة وجواز التزويج بعد انقضائها وهذا معنى يختص به لا يثبت به حق على الغير فاكتفى فيه بسماعها للشهادة ولو شهد شاهدان أن هذا خط فلان لم يقبل لأن الخط يشبه به ويزور ولهذا لم يقبله الحاكم ولو اكتفي بمعرفة الخط لاكتفى بمعرفتها له من غير شهادة وذكر القاضي أنه لا يصح شهادة الشاهدين حتى يشاهداه يكتبه ثم لا يغيب عنهما حتى يؤديا الشهادة وهذا مذهبالشافعي والصحيح أن هذا ليس بشرط فإن كتاب القاضي لا يشترط فيه ذلك فهذا أولى وقد يكون صاحب الكتاب لا يعرف الكتابة وإنما يستنيب فيها وقد يستنيب فيها من يعرفها بل متى أتاها بكتاب وقرأه عليها وقال هذا كتابي كان لهما أن يشهدا به باب الطلاق بالحساب مسألة قال ( وإذا قال لها نصفك طالق أو يدك أو عضو من أعضائك طالق أو قال لها أنت طالق نصف تطليقة أو ربع تطليقة وقعت بها واحدة ) الكلام في هذه المسألة في فصلين

قسم V07/P375–V07/P376

أحدهما أنه إذا طلق جزءا منها والثاني إذا طلق جزءا من طلقة فأما الأول فإنه متى طلق من المرأة جزءا من أجزائها الثابتة طلقت كلها سواء كان جزءا شائعا كنصفها أو سدسها أو جزءا من ألف جزء منها أو جزءا معينا كيدها أو رأسها أو أصبعها وهذا قول الحسن ومذهب الشافعي وأبي ثور وابن القاسم صاحب مالك ومذهب أصحاب الرأي إلا أنه إن أضافه إلى جزء شائع أو واحد من أعضاء خمسة الرأس والوجه والرقبة والظهر والفرج طلقت وإن أضافه إلى جزء معين غير هذه الخمسة لم تطلق لأنه جزء تبقى الجملة منه بدونه أو جزء لا يعبر به عن الجملة فلم تطلق المرأة بإضافة الطلاق إليه كالسن والظفر ولنا إنه أضاف الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح فأشبه الجزء الشائع والأعضاء الخمسة ولأنها جملة لا تتبعض في الحل والحرمة وجد فيها ما يقتضي التحريم والإباحة فغلب فيها حكم التحريم كما لو اشترك مسلم ومجوسي في قتل صيد وفارق ما قاسوا عليه فإنه ليس بثابت والشعر والظفر ليس بثابت فإنهما يزولان ويخرج غيرهما ولا ينقص مسهما الطهارة الفصل الثاني إذا طلقها نصف تطليقة أو جزءا منها وإن قال فإنه يقع بها طلقة كاملة في قول عامة أهل العلم إلا داود قال لا تطلق بذلك قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أنها تطلق بذلك منهم الشعبي والحارث العكلي والزهري وقتادة والشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد قال أبو عبيد وهو قول مالك وأهل الحجاز والثوري وأهل العراق وذلك لأن ذكر بعض ما لا يتبعض ذكر لجميعه كما لو قال نصفك طالق فصل فإن قال أنت طالق نصفي طلقة وقعت طلقة لأن نصفي الشيء كله وإن قال ثلاثة أنصاف طلقة طلقت طلقتين لأن ثلاثة أنصاف طلقة ونصف فكمل النصف فصارا طلقتين وهذا وجه لأصحاب الشافعي ولهم وجه آخر أنها لا تطلق إلا واحدة لأنه جعل الانصاف من طلقة واحدة فيسقط ما ليس منها وتقع طلقة ولا يصح لأن إسقاط الطلاق الموقع من الأهل في المحل لا سبيل إليه وإنما الأضافة إلى الطلقة الواحدة غير صحيح فلغت الإضافة وإن قال أنت طالق طلقتين طلقت واحدة لأن نصف الطلقتين طلقة وذكر أصحاب الشافعي وجها آخر أنه يقع طلقتان لأن اللفظ يقتضي النصف من كل واحدة منهما ثم يكمل وما ذكرناه أولى لأن التنصيف يتحقق به وفيه عمل باليقين وإلغاء الشك وأيقاع ما أوقعه من غير زيادة فكان أولى وإن قال أنت طالق نصفى طلقتين وقعت طلقتان لأن نصفي الشيء جميعه فهو كما لو قال أنت طالق طلقتين وإن قال أنت طالق نصف ثلاث طلقات طلقت طلقتن لأن نصفها طلقة ونصف ثم يكمل النصف فتصير طلقتين فصل وإن قال أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقة وقعت لأنها أجزاء الطلقة ولو قال أنت طالق نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة فقال أصحابنا يقع ثلاث لأنه عطف جزءا من طلقة على جزء من طلقة فظاهره أنها طلقات متغايرة ولأنها لو كانت الثانية هي الأولى لجاء بها بلام التعريف فقال ثلث الطلقة وسدس الطلقة فإن أهل العربية قالوا إذا ذكر لفظ ثم أعيد منكرا فالثاني غير الأول وإن أعيد معرفا بالألف واللام فالثاني هو الأول كقوله تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا الشرح 5 6 فالعسر الثاني هو الأول لإعادته معرفا واليسر الثاني غير الأول لأعادته منكرا ولهذا قيل لن يغلب عسر يسرين وقيل لو أراد بالثانية الأولى لذكرها بالضمير لأنه الأولى

قسم V07/P376–V07/P377

وإن قال أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة طلقت طلقة لأنه لم يعطف بواو العطف فيدل على أن هذه الأجزاء من طلقة غير متغايرة ولأنه يكون الثاني هاهنا بدلا من الأول والثالث من الثاني والبدل هو المبدل أو بعضه فلم يقتض المغايرة وعلى هذا التعليل لو قال أنت طالق طلقة نصف طلقة أو طلقة طلقة لم تطلق إلا طلقة فإن قال أنت طالق نصفا وثلثا وسدسا لم يقع طلقة لأن هذه أجزاء الطلقة إلا أن يريد من كل طلقة جزءا فتطلق ثلاثا ولو قال أنت طالق نصفا وثلثا وربعا طلقت طلقتين لأنه يزيد على الطلقة نصف سدس ثم يكمل وإن أراد من كل طلقة جزءا طلقت ثلاثا وإن قال أنت طلقة أو أنت نصف طلقة أو أنت نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة أو أنت نصف طالق وقع بها طلقة بناء على قولنا في أنت الطلاق أنه صريح في الطلاق وهاهنا مثله فصل فإن قال لأربع نسوة له أوقعت بينكن طلقة طلقت كل واحدة منهن طلقة كذلك قال الحسن والشافعي وابن القاسم وأبو عبيد وأصحاب الرأي لأن اللفظ اقتضى قسمها بينهن لكل واحدة ربعها ثم تكملت وإن قال بينكن طلقة فكذلك نص عليه أحمد لأن معناه أوقعت بينكن طلقة وإن قال أوقعت بينكن طلقتين وقع بكل واحدة طلقة ذكره أبو الخطاب وهو قولأبي حنيفة والشافعي وقال أبو بكر والقاضي تطلق كل واحدة طلقتين ويروى عن أحمد ما يدل عليه فإنه روى عنه في رجل قال أوقعت بينكن ثلاث تطليقات ما أرى إلا قد بن منه لأننا إذا قسمنا كل طلقة بينهن حصل لكل واحدة جزءان من طلقتين ثم تكمل والأول أولى لأنه لو قال أنت طالق نصف طلقتين طلقت واحدة ويكمل نصيبها من الظلاق في واحدة فيكون لكل واحدة نصف ثم يكمل طلقة واحدة وإنما يقسم بالأجزاء مع الاختلاف كالدور ونحوها من المختلفات أما الجمل المتساوية من جنس كالنقود فإنما تقسم برؤوسها ويكمل نصيب كل واحد من واحد كأربعة لهم درهمان صحيحان فإنه يجعل لكل واحد نصف من درهم واحد والطلقات لا اختلاف فيها ولأن فيما ذكرناه أخذا باليقين فكان أولى من إيقاع طلقة زائدة بالشك فإن أراد قسمة كل طلقة بينهن فهو على ما قال أبو بكر وإن قال أوقعت بينكن ثلاث طلقات أو أربع طلقات فعلى قولنا تطلق كل واحدة طلقة وعلى قولهما يطلقن ثلاثا ثلاثا وإن قال أوقعت بينكن خمس طلقات وقع بكل واحدة طلقتان كذلك قال الحسن وقتادة والشافعي وأبو نور وأصحاب الرأي لأن نصيب كل واحدة طلقة وربع ثم تكمل وكذلك إن قال ستا أو سبعا أو ثمانيا وإن قال أوقعت بينكن تسعا طلقن ثلاثا ثلاثا فصل فإن قال أوقعت بينكن طلقة طلقة طلقة وقع بكل واحدة منهن ثلاث لأنه لما عطف وجب قسم كل طلقة على حدتها ويستوي في ذلك المدخول بها وغيرها في قياس المذهب لأن الواو لا تقتضي ترتيبا وإن قال أوقعت بينكن نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة فكذلك لأن هذا يقتضي وقوع ثلاث على ما قدمنا وإن قال أوقعت بينكن طلقة فطلقة فطلقة أو طلقة ثم طلقة ثم طلقة أو أوقعت بينكن طلقة وأوقعت بينكن طلقة وأوقعت بينكن طلقة طلقن ثلاثا إلا التي لم يدخل بها فإنها لا تطلق إلا واحدة لأنها بانت بالأولى فلم يلحقها ما بعدها فصل فإن قال لنسائه أنتن طوالق ثلاثا أو طلقتكن ثلاثا طلقن ثلاثا ثلاثا نص عليه أحمد لأن قوله طلقتكن يقتضي تطليق كل واحدة منهن وتعميمهن به ثم وصف ما عمهن به من الطلاق بأنه ثلاث فصار لكل واحدة ثلاث بخلاف قوله أوقعت بينكن ثلاثا فإنه يقتضي قسمة الثلاث عليها لكل واحدة منهن جزء منها وجزء الواحدة من الثلاث ثلاثة أرباع تطليقة مسألة قال ( وإن قال لها شعرك أو طفرك طالق لم تطلق )

الأسئلة