Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V08/P194–V08/P196

وجملته أنه إذا عدم من يستحق الحضانة من الآباء والأمهات وإن علوا انتقلت إلى الأخوات وقدمن على سائر القرابات كالخالات والعمات وغيرهن لأنهن شاركن في النسب وقدمن في الميراث ولأن العمات والخالات إنما يدلين بأخوة الآباء والأمهات ولا ميراث لهن مع ذي فرض ولا عصبة فالمدلي إلى نفس المكفول ويرثه أقرب وأشفق فكان أولى وأولى الأخوات من كان لأبوين لقوة قرابتها ثم من كان لأب ثم من كان لأم نص عليه أحمد وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة الأخت من الأم أولى من الأخت من الأب وهو قول المزني وابن سريج لأنها أدلت بالأم فقدمت على المدلية بالأب كأم الأم مع أم الأب وقال ابن سريج تقدم الخالة على الأخت من الأب لذلك ولأبي حنيفة فيه روايتان ولنا إن الأخت من الأب أقوى في الميراث فقدمت كالأخت من الأبوين ولا تخفى قوتها فإنها أقيمت مقام الأخت من الأبوين عند عدمها وتكون عصبة مع البنات وتقاسم الجد وما ذكروه من الإدلاء لا يلزم لأن الأخت تدلي بنفسها لكونهما خلقا من ماء واحد ولها تعصيب فكانت أولى والله أعلم مسألة قال ( وخالة الأب أحق من خالة الأم ) وجملته أنه إذا عدمت الأمهات والآباء والأخوات انتقلت الحضانة إلى الخالات ويقدمن على العمات نص عليه أحمد ويحتمل كلام الخرقي تقديم العمات لأنه قدم خالة الأب وهي أخت أمه على خالة الأم وهي أخت أمها فيدل ذلك على تقديم قرابة الأب على قرابة الأم ولأنهن يدلين بعصبة فقدمن كتقديم الأخت من الأب على الأخت من الأم وقال القاضي مراد الخرقي بقوله خالة الأب أي الخالة من الأب تقدم على الخالة من الأم كتقديم الأخت من الأب على الأخت من الأم لأن الخالات أخوات الأم فيجرين في الاستحقاق والتقديم فيما بينهن مجرى الأخوات المفترقات وكذلك الحكم في العمات المفترقات فإن قلنا بتقديم الخالات فإذا انقرضن فالعمات بعدهن وإن قلنا بتقديم العمات فالخالات بعدهن فإذا عدمن انتقلت إلى خالات الأب على قول الخرقي وعلى القول الآخر إلى خالات الأم وهل يقدم خالات الأب على عماته على وجهين بناء على ما ذكرنا في الخالات والعمات فأما عمات الأم فلا حضانة لهن لأنهن يدلين بأبي الأم وهو رجل من ذوي الأرحام لا حضانة له ولا لمن أدلى به فصل وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة وأولاهم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الأخ من الأبوين ثم الأخ من الأب ثم بنوهم وإن سفلوا على ترتيب الميراث ثم العمومة ثم بنوهم كذلك ثم عمومة الأب ثم بنوهم وهذا قول الشافعي وقال بعض أصحابه لا حضانة لغير الآباء والأجداد لأنهم لا معرفة لهم بالحضانة ولا لهم ولاية بأنفسهم فلم يكن لهم حضانة كالأجانب ولنا إن عليا وجعفرا اختصما في حضانة ابنة حمزة فلم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ادعاء الحضانة ولأن لهم ولاية وتعصيبا بالقرابة فتثبت لهم الحضانة كالأب والجد وفارق الأجانب فإنهم ليست لهم قرابة ولا شفقة ولأن الأجانب تساووا في عدم القرابة فليس واحد منهم أولى بالتقديم من الآخر والعصبات لهم قرابة يمتازون بها وأحقهم بالحضانة أحقهم بالميراث بعد الآباء والأجداد ويقومون مقام الأب في التخيير للصبي بينه وبين الأم أو غيرها ممن له الحضانة من النساء ويكونون أحق بالجارية إذا بلغت سبعا إلا ابن العم فإن الجارية لا تسلم إليه إذا بلغت سبعا لأنه ليس بمحرم لها فصل فأما الرجال من ذوي الأرحام كالخال والأخ من الأم وأبي الأم وابن الأخت فلا حضانة لهم مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم لأنه ليس بامرأة يتولى الحضانة ولا له قوة قرابة كالعصبات ولا حضانة إلا يدلي بهم كأم أبي الأم وابنة الخال وابنة الأخ من الأم لأنهن يدلين بمن لا حضانة له فإذا لم تثبت للمدلي فللمدلين به أولى فإن لم يكن هناك غيرهم احتمل وجهين أحدهما هم أولى لأن لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أولى منهم كذلك الحضانة تكون لهم عند عدم من هو أولى بها منهم

قسم V08/P196–V08/P197

والثاني لا حق لهم في الحضانة وينتقل الأمر إلى الحاكم والأول أولى فصل في بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال والنساء أولى الكل بها الأم ثم أمهاتها وإن علون يقدم منهن الأقرب فالأقرب لأنهن نساء ولادتهم متحققة فهي في معنى الأم وعن أحمد أن أم الأب وأمهاتها مقدمات على أم الأم فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم لأنهن يدلين به فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته والأولى هي المشهورة عند أصحابنا وأن المقدم الأم ثم أمهاتها ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته ثم جد الأب ثم أمهاته وإن كن غير وارثات لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة بخلاف أم أبي الأم وحكي عن أحمد رواية أخرى أن الأخت من الأم والخالة أحق من الأب فتكون الأخت من الأبوين أحق منه ومنهما ومن جميع العصبات والأولى هي المشهورة في المذهب فإذا انقرض الآباء والأمهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات وتقدم الأخت من الأبوين ثم الأخت من الأب ثم الأخت من الأم وتقدم الأخت على الأخ لأنها امرأة من أهل الحضانة فقدمت على من في درجتها من الرجال كالأم تقدم على الأب وأم الأب على أبي الأب وكل جدة في درجة جد تقدم عليها لأنها تلي الحضانة بنفسها والرجل لا يليها بنفسه وفيه وجه آخر يقدم عليها لأنه عصبة بنفسه والأول أولى وفي تقديم الأخت من الأبوين أو من الأب على الجد وجهان وإذا لم تكن أخت فالأخ للأبوين أولى ثم الأخ للأب ثم أبناؤهما ولا حضانة للأخ للأم لما ذكرنا فإذا عدموا صارت الحضانة للخالات على الصحيح وترتيبهن فيها كترتيب الأخوات ولا حضانة للأخوال فإذا عدمن صارت للعمات ويقدمن على الأعمام كتقديم الأخوات على الإخوة ثم للعم للأبوين ثم للعم للأب ولا حضانة للعم من الأم ثم أبناؤهما ثم إلى خالات الأب ثم على قول الخرقي وعلى قول الآخر إلى خالات الأم ثم إلى عمات الأب ولا حضانة لعمات الأم لأنهن يدلين بأب الأم ولا حضانة له وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة في درجة قدم المستحق منهم بالقرعة فصل فإن تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها ففيه وجهان أحدهما تنتقل إلى الأب لأن أمهاتها فرع عليها في الاستحقاق فإذا أسقطت حقها سقط فروعها والثاني تنتقل إلى أمها وهو أصح لأن الأب أبعد فلا تنتقل الحضانة إليه مع وجود أقرب منه كما لا تنتقل إلى الأخت وكونهن فروعها لها لا يوجب سقوط حقوقهن بسقوط حقها كما لو سقط حقها لكونها من غير أهل الحضانة أو لتزوجها وهكذا الحكم في الأب إذا سقط حقه هل يسقط حق أمهاته على وجهين وإن كانت أخت من أبوين وأخت من أب فأسقطت الأخت من الأبوين حقها لم يسقط حق الأخت من الأب لأن استحقاقها من غير جهتها وليست فرعا عليها مسألة قال ( وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت رجعت على حقها من كفالته ) وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة والمزني قال إن كان الطلاق رجعيا لم يعد حقها لأن الزوجة قائمة فأشبه ما لو كانت في صلب النكاح ولنا إنها مطلقة فعاد حقها من الحضانة كالبائن وقولهم إنها زوجة قلنا إلا أنه قد عزلها عن فراشه ولم يبق لها عليه قسم ولا لها به شغل وعقد سبب زوال نكاحها فأشبهت البائن في عدتها ويخرج عندنا مثل قولهما لكون النكاح قبل الدخول مزيلا لحق الحضانة مع عدم القسم والشغل بالزوج فصل وكل قرابة تستحق بها الحضانة منع منها مانع كرق أو كفر أو فسوق أو جنون أو صغر إذا زال المانع مثل أن عتق الرقيق وأسلم الكافر وعدل الفاسق وعقل المجنون وبلغ الصغير عاد حقهم من الحضانة لأن سببها قائم وإنما امتنعت لمانع فإذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق الملازم كالزوجة إذا طلقت مسألة قال ( وإذا تزوجت المرأة فلزوجها أن يمنعها من رضاع ولدها إلا أن يضطر إليها ويخشى عليه التلف )

قسم V08/P197–V08/P199

وجملة ذلك أن للزوج منع امرأته من رضاع ولدها من غيره ومن رضاع ولد غيرها إلا أن يضطر إليها لأن عقد النكاح يقتضي تمليك الزوج الاستمتاع في كل زمان من كل الجهات سوى أوقات الصلوات والرضاع يفوت عليه الاستمتاع في بعض الأوقات فكان له المنع كالخروج من منزله فإن اضطر الولد بأن لا توجد مرضعة سواها أو لا يقبل الولد الارتضاع من غيرها وجب التمكين من إرضاعه لأنها حال ضرورة وحفظ لنفس ولدها فقدم على حق الزوج كتقديم المضطر على المالك إذا لم يكن بالمالك مثل ضرورته فصل فإن أرادت إرضاع ولدها منه فكلام الخرقي يحتمل وجهين أحدهما أن له منعها من رضاعه لعموم لفظه وهو قول الشافعي لأنه يخل باستمتاعه منها فأشبه ما لو كان الولد من غيره والثاني ليس له منعها فإنه قال وإن أرادت رضاع ولدها بأجرة مثلها فهي أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة وذلك لقول الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين البقرة 233 وهذا خبر يراد به أمر وهو عام في كل والدة ولا يصح من أصحاب الشافعي حمله على المطلقات لأنه جعل لهن رزقهن وكسوتهن وهم لا يجيزون جعل ذلك أجر الرضاع ولا غيره وقولنا في الوجه الأول إنه يخل باستمتاعه قلنا ولكن لإيفاء حق عليه وليس ذلك ممتنعا كما أن قضاء دينه بدفع ماله فيه واجب سيما إذا تعلق به حق الولد في كونه مع أمه وحق الأم في الجمع بينهما وبين ولدها وهذا الوجه ظاهر كلام ابن أبي موسى وهو ظاهر كلام القاضي أبي يعلى فصل وإن آجرت المرأة نفسها للرضاع ثم تزوجت صح النكاح ولم يملك الزوج فسخ الإجارة وله منعها من الرضاع حتى تنقضي المدة لأن منافعها ملكت بعقد سابق على نكاحه فأشبه ما لو اشترى أمة مستأجرة أو دارا مشغولة فإن نام الصبي أو اشتغل بغيرها فللزوج الاستمتاع وليس لولي الصبي منعه وبهذا قال الشافعي وقال مالك ليس له وطؤها إلا برضا الولي لأن ذلك ينقص اللبن ولنا إن وطء الزوج مستحق بالعقد فلا يسقط بأمر مشكوك فيه كما لو أذن الولي فيه ولأنه يجوز له الوطء مع إذن الولي فجاز مع عدمه لأنه ليس للولي الإذن فيما يضر الصبي ويسقط حقوقه فصل وإن آجرت المرأة المزوجة نفسها للرضاع بإذن زوجها جاز ولزم العقد لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما وإن آجرتها بغير إذن الزوج لم يصح لما يتضمن من تفويت حق زوجها وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر يصح لأنه تناول محلا غير محل النكاح لكن للزوج فسخه لأنه يفوت به الاستمتاع ويختل ولنا إنه عقد يفوت به حق من ثبت له الحق بعقد سابق فلم يصح كإجارة المستأجر مسألة قال ( وعلى الأب أن يسترضع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجرة مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة ) الكلام في هذه المسألة في فصلين أولهما أن رضاع الولد على الأب وحده وليس له إجبار أمه على رضاعه دنيئة كانت أو شريفة سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة ولا نعلم في عدم إجبارها على ذلك إذا كانت مفارقة خلافا فأما إن كانت مع الزوج فكذلك عندنا وبه يقول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح له إجبارها على رضاعها وهو قول أبي ثور ورواية عن مالك لقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة 233 والمشهور عن مالك أنها إن كانت شريفة لم تجر عادة مثلها بالرضاع لولدها لم تجبر عليه وإن كانت ممن ترضع في العادة أجبرت عليه ولنا قوله تعالى وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى الطلاق 6 وإذا اختلفا فقد تعاسرا ولأن الإجبار على الرضاع لا يخلو إما أن يكون لحق الولد أو لحق الزوج أولهما لا يجوز أن يكون لحق الزوج فإنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها ولا على خدمته فيما يختص به

قسم V08/P199–V08/P201

ولا يجوز أن يكون لحق الولد فإن ذلك لو كان له للزمها بعد الفرقة ولأنه مما يلزم الوالد لولده فلزم الأب على الخصوص كالنفقة أو كما بعد الفرقة ولا يجوز أن يكون لهما لأن ما لا مناسبة فيه لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة والآية محمولة على حال الإنفاق وعدم التعاسر الفصل الثاني أن الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها فهي أحق به سواء كانت في حال الزوجية أو بعدها وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أو لم يجد وقال أصحاب الشافعي إن كانت في حبال الزوج فلزوجها منعها من إرضاعه لأنه يفوت حق الاستمتاع بها في بعض الأحيان وإن استأجرها على رضاعه لم يجز لأن المنافع حق له فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حق له وإن أرضعت الولد فهل لها أجر المثل على وجهين وإن كانت مطلقة وطلبت أجر المثل فأراد انتزاعه منها ليسلمه إلى من ترضعه بأجر المثل أو أكثر لم يكن له ذلك وإن وجد متبرعة أو من ترضعه بدون أجر المثل له انتزاعه منها في ظاهر المذهب لأنه لا يلزمه التزام المؤنة مع دفع حاجة الولد بدونها وقال أبو حنيفة إن طلبت الأجر لم يلزم الأب بذله لها ولا يسقط حقها من الحضانة وتأتي المرضعة ترضعه عندها لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز الإخلال بأحدهما ولنا على الأول ما تقدم وعلى جواز الاستئجار أنه عقد إجارة يجوز من غير الزوج إذا أذن فيه فجاز مع الزوج كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة وقولهم إن المنافع مملوكة له غير صحيح فإنه لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها ولم تجز إجارة نفسها لغيرها بإذنه ولكانت الأجرة له وإنما امتنعت إجارة نفسها لأجنبي بغير إذنه لما فيه من تفويت الاستمتاع في بعض الأوقات ولهذا جازت بإذنه وإذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبي وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجر مثلها على المتبرعة فقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 وقوله سبحانه فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن الطلاق 6 ولأن الأم أحنى وأشفق ولبنها أمرأ من لبن غيرها فكانت أحق به من غيرها كما لو طلبت الأجنبية رضاعه بأجر مثلها ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة وإضرارا بالولد لا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق أوجبه الله تعالى على الأب وقول أبي حنيفة يفضي إلى تفويت حق الولد من لبن أمه وتفويت الأم في إرضاعه لبنها فلم يجز ذلك كما لو تبرعت برضاعه فأما إن طلبت الأم أكثر من أجر مثلها ووجد الأب من ترضعه بأجر مثلها أو متبرعة جاز انتزاعه منها لأنها أسقطت حقها باشتطاطها وطلبها ما ليس لها فدخلت في عموم قوله فسترضع له أخرى الطلاق 6 وإن لم يجد مرضعة إلا بمثل تلك الأجرة فالأم أحق لأنهما تساوتا في الأجر فكانت الأم أحق كما لو طلبت كل واحدة منهما أجر مثلها فصل وإن طلبت ذات الزوج الأجنبي إرضاع ولدها بأجرة مثلها بإذن زوجها ثبت حقها وكانت أحق به من غيرها لأنه الأم إنما منعت من الإرضاع لحق الزوج فإذا أذنت فيه زال المانع فصارت كغير ذات الزوج وإن منعها الزوج سقط حقها لتعذر وصولها إلى ذلك فصل وإن أرضعت المرأة ولدها وهي في حبال والده فاحتاجت إلى زيادة نفقة لزمه لقول الله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف البقرة 233 ولأنها تستحق عليه قدر كفايتها فإذا زادت حاجتها زادت كفايتها والله أعلم باب نفقة المماليك مسألة قال رحمه الله ( وعلى ملاك المملوكين أن ينفقوا عليهم ويكسوهم بالمعروف ) وجملة ذلك أن نفقة المملوكين على ملاكهم ثابتة بالسنة والإجماع

قسم V08/P201–V08/P202

أما السنة فما روى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم متفق عليه وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق رواه الشافعي في مسنده وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده ولأنه لا بد له من نفقة ومنافعه لسيده وهو أخص الناس به فوجبت نفقته عليه كبهيمته والواجب من ذلك قدر كفايته من غالب قوت البلد سواء كان قوت سيده أو دونه أو فوقه وأدم مثله بالمعروف لقوله عليه السلام للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف والمستحب أن يطعمه من جنس طعامه لقوله فليطعمه مما يأكل فجمعنا بين الخبرين وحملنا خبر أبي هريرة على الأجزاء وحديث خبر أبي ذر على الاستحباب والسيد مخير بين أن يجعل نفقته من كسبه إن كان له كسب وبين أن ينفق عليه من ماله ويأخذ كسبه أو يجعله برسم خدمته لأن الكل ماله فإن جعل نفقته في كسبه فكانت وفق الكسب صرفه إليها وإن فضل من الكسب شيء فهو لسيده وإن كان فيه عوز فعلى سيده تمامها وأما الكسوة فبالمعروف من غالب الكسوة لأمثال العبد في ذلك الذي هو به والأولى أن يلبسه من لباسه لقوله عليه السلام وليلبسه مما يلبس ويستحب أن يساوي بين عبيده الذكور في الكسوة والإطعام وبين إمائه إن كن للخدمة أو الاستمتاع وإن كان فيهن من هو للخدمة وفيهن من هو للاستمتاع فلا بأس بزيادة من يزيدها للاستمتاع في الكسوة لأن ذلك حكم العرف ولأن غرضه تجميل من يريدها للاستمتاع بخلاف الخادمة فصل إذا تولى أحدهم طعامه استحب له أن يجلسه معه فيأكل فإن لم يفعل استحب أن يطعمه منه ولو لقمة أو لقمتين لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه وليجلسه فإن أبى فليروغ له اللقمة واللقمتين رواه البخاري ومعنى ترويغ اللقمة غمسها في المرق والدسم وترويتها بذلك ويدفعها إليه ولأنه يشتهيه لحضوره فيه وتوليه إياه وقد قال الله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه النساء 8 ولأن نفس الحاضر تتوق ما لا تتوق نفس الغائب فصل ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق وهو ما يشق عليه ويقرب من العجز عنه لحديث أبي ذر ولأن ذلك يضر به ويؤذيه وهو ممنوع من الإضرار به فصل ولا يجبر المملوك على المخارجة ومعناه أن يضرب عليه خراجا معلوما يؤديه وما فضل للعبد لأن ذلك عقد بينهما فلا يجبر عليه كالكتابة وإن طلب العبد ذلك وأباه لم يجبر عليه أيضا فإن اتفقا على ذلك جاز لما روي أن أبا ظبية حجم النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه أجره وأمره مواليه أن يخففوا عنه من خراجه وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا

قسم V08/P202–V08/P203

فروي أن الزبير كان له ألف مملوك على كل واحد منهم كل يوم درهم وجاء أبو لؤلؤة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فسأله أن يسأل المغيرة بن شعبة يخفف عنه من خراجه ثم ينتظر فإن كان ذا كسب يجعل عليه بقدر ما يفضل من كسبه عن نفقته وخراجه شيء جاز فإن لهما به نفعا فإن العبد يحرص على الكسب وربما فضل معه شيء يزيده في نفقته ويتسع به وإن وضع عليه أكثر من كسبه بعد نفقته لم يجز وكذلك إن كلف من لا كسب له المخارجة لم يجز لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى تكلفوه الكسب سرق ولا تكلفوا المرأة غير ذات الصنعة الكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها ولأنه متى كلف غير ذي الكسب خراجا كلفه ما يغلبه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكلفوهم ما يغلبهم وربما حمله ذلك على أن يأتي به من غير وجهه فلم يكن للسيد أخذه فصل وإذا مرض المملوك أو زمن أو عمي أو انقطع كسبه فعلى سيده القيام به والإنفاق عليه لأن نفقته تجب بالملك ولهذا تجب مع الصغر والملك باق مع العمى والزمانة فتجب نفقته مع عموم النصوص المذكورة في أول الباب مسألة قال ( وأن يزوج المملوك إذا احتاج إلى ذلك ) وجملة ذلك أنه يجب على السيد إعفاف مملوكه إذا طلب ذلك وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجبر عليه لأن فيه ضررا عليه وليس مما تقوم به البنية فلم يجبر عليه كإطعام الحلواء ولنا قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم النور 32 الأمر يقتضي الوجوب ولا يجب إلا عند الطلب وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال من كانت له جارية فلم يزوجها ولم يصبها أو عبد فللم يزوجه فما صنعا من شيء كان على السيد ولولا وجوب إعفافهما لما لحق السيد الإثم بفعلهما ولأنه مكلف محجور عليه دعي إلى تزويجه فلزمته إجابته كالمحجور عليه للسفه ولأن النكاح مما تدعو إليه الحاجة غالبا ويتضرر بفواته فأجبر عليه كالنفقة بخلاف الحلواء إذا ثبت هذا فالسيد مخير بين تزويجه أو تمليكه أمة يتسراها وله أن يزوجه عند طلبه لأن هذا مما يختلف الناس فيه وفي الحاجة إليه ولا تعلم حاجته إلا بطلبه ولا يجوز تزويجه إلا باختياره فإن إجبار العبد الكبير على النكاح غير جائز فأما الأمة فالسيد مخير بين تزويها إذا طلبت ذلك وبين أن يستمتع بها فيغنيها باستمتاعه عن غيره لأن المقصود قضاء الحاجة وإزالة ضرر الشهوة وذلك يحصل بأحدهما فلم يتعين أحدهما فصل وإذا كان للعبد زوجة فعلى سيده تمكينه من الاستمتاع بها ليلا لأن إذنه في النكاح إذن في الاستمتاع المعتاد والعادة جارية بذلك ليلا وعليه نفقه زوجته على ما قدمنا مسألة قال ( فإن امتنع أجبر على بيعه إذا طلب المملوك ذلك ) وجملته أن السيد إذا امتنع مما يجب للعبد عليه من نفقة أو كسوة أو تزويج فطلب العبد البيع أجبر سيده عليه سواء كان امتناع السيد من ذلك لعجزه عنه أو مع قدرته عليه لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بسد خلاته إضرار به وإزالة الضر واجبة فوجبت إزالته ولذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز زوجها عن الإنفاق عليها وقد روي في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عبدك يقول أطعمني وإلا فبعني وامرأتك تقول أطعمني أو طلقني وهذا يدل يمفهومه على أن السيد متى وفي بحقوق عبده فطلب العبد بيعه لم يجبر السيد عليه وقد نص عليه أحمد

قسم V08/P203–V08/P204

قال أبو داود قيل لأبي عبد الله رحمه الله استباعت المملوكة وهو يكسوها مما يلبس ويطعمها مما يأكل قال لا تباع وإن أكثرت من ذلك إلا أن تحتاج إلى زوج فتقول زوجني وقال عطاء وإسحاق في العبد يحسن إليه سيده وهو يستبيع لا يبعه لأن الملك للسيد والحق له فلا يجبر على إزالته من غير ضر بالعبد كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها ولا على بيع بهيمته مع الإنفاق عليها مسألة قال ( وليس عليه نفقة مكاتبه إلا أن يعجز ) لا خلاف في أن المكاتب لا تلزم سيده نفقته لأن الكتابة عقد أوجب ملك المكاتب إكساب نفسه ومنافعه ومنع السيد من التصرف فيهما فلا يملك استخدامه ولا إجارته ولا إعارته ولا أخذ كسبه ولا أرش الجناية عليه ولا يلزمه أداء أرش جنايته فسقطت نفقته عنه كما لو باعه أو أعتقه فإذا عجز عاد رقيقا قنا وعاد إليه ملك نفعه وإكسابه فعادت عليه نفقته كما لو اشتراه بعد بيعه مسألة قال ( وليس له أن يسترضع الأمة لغير ولدها إلا أن يكون فيها فضل عن ريه ) أما إذا أراد استرضاع أمته لغير ولدها مع كونه لا يفضل عنه فليس له ذلك لأن فيه إضرارا بولدها لنقصه من كفايته وصرف اللبن المخلوق لولدها إلى غيره مع حاجته إليه فلم يجز كما لو أراد أن ينقص الكبير من كفايته ومؤنته فإن كان فيها فضل عن ري ولدها جاز لأنه ملكه وقد استغنى عنه الولد فكان له استيفاؤه كالفاضل من كسبها عن مؤنتها وكما لو مات ولدها وبقي لبنها مسألة قال ( وإذا رهن المملوك أنفق عليه سيده ) وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه ونفقته من غرمه ولأنه ملك الراهن ونماؤه له فكانت عليه نفقته كغير الرهن وقد ذكرت هذه المسألة في باب الرهن مسألة قال ( وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه ) إنما كان كذلك لأن نفقة العبد على سيده وقد قام الذي جاء به مقام سيده في الواجب عليه فرجع به عليه كما لو أذن له وقال الشافعي لا يرجع بشيء لأنه متبرع بإنفاق لم يجب عليه ولنا إنه أدى عنه ما وجب عليه عند تعذر أدائه منه فرجع به عليه كما لو أدى الحاكم عن الممتنع من الإنفاق على امرأته ما يجب عليه من النفقة ويتخرج أن لا يرجع بشيء بناء على الرواية الأخرى فيمن أنفق على الرهن الذي عنده أو الوديعة أو الجمال إذا هرب الجمال فتركها مع المستأجر فصل وله تأديب عبده وأمته إذا أذنبا بالتوبيخ والضرب الخفيف كما يؤدب ولده وامرأته في النشوز وليس له ضربه على غير ذنب ولا ضربه ضربا مبرحا وإن أذنب ولا لطمه في وجهه وقد روي عن ابن مقرن المزني قال لقد رأيتني سابع سبعة ليس لنا إلا خادم واحد فلطمها أحدنا فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بإعتاقها فأعتقناها وروي عن أبي مسعود قال كنت أضرب غلاما لي فإذا رجل من خلفي يقول اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام فصل ومن ملك بهيمة لزمه القيام بها والإنفاق عليها ما تحتاج إليه من علفها أو إقامة من يرعاها لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عذبت امرأة في هرة حبسها حتى ماتت جوعا فلا هي أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض متفق عليه فإن امتنع من الإنفاق عليها أجبر على ذلك فإن أبى أو عجز أجبر على بيعها أو ذبحها إن كانت مما يذبح وقال أبو حنيفة لا يجبره السلطان بل يأمره به كما يأمره المعروف وينهاه عن المنكر لأن البهيمة لا يثبت لها حق من جهة الحكم ألا ترى أنه لا تصح منها الخصومة ولا ينصب عليها خصم فصارت كالزرع والشجر

قسم V08/P204–V08/P207

ولنا إنها نفقة حيوان واجبة عليه فكان للسلطان إجباره عليها كنفقة العبيد ويفارق نفقة الشجر والزرع فإنها لا تجب فإن عجز عن الإنفاق وامتنع من البيع بيعت عليه كما يباع العبد إذا طلب البيع عند إعسار سيده بنفقته وكما يفسخ نكاحه إذا أعسر بنفقة امرأته وإن عطبت البهيمة فلم ينتفع بها فإن كانت مما يؤكل خير بين ذبحها والإنفاق عليها وإن كانت مما لا يؤكل أجبر على الإنفاق عليها كالعبد الزمن على ما ذكرناه فيما مضى ولا يجوز أن يحمل البهيمة ما لا تطيق لأنها في معنى العبد وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم تكليف العبد ما لا يطيق ولأن فيه تعذيبا للحيوان الذي له حرمة في نفسه وإضرارا به وذلك غير جائز ولا يحلب من لبنها إلا ما يفضل عن كفاية ولدها لأنه كفايته واجبة على مالكه ولبن أمه مخلوق له فأشبه ولد الأمة كتاب الجراح يعني كتاب الجنايات وإنما عبر عنها بالجراح لغلبة وقوعها به والجناية كل فعل عدوان على نفس أو مال لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان وسمو الجنايات على الأموال غصبا ونهبا وسرقة وخيانة وإتلافا فصل وأجمع المسملون على تحريم القتل بغير حق والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وقال تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ النساء 92 وقال ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم النساء وأما السنة فروى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة متفق عليه وروى عثمان وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في آي وأخبار سوى هذه كثيرة ولا خلاف بين الأمة في تحريمه فإن فعله إنسان متعمدا فسق وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم وقال ابن عباس إن توبته لا تقبل للآية التي ذكرناها وهي من آخر ما نزل قال ابن عباس ولم ينسخها شيء ولأن لفظ الآية لفظ الخبر والأخبار ولا يدخلها نسخ ولا تغيير لأن خبر الله تعالى لا يكون إلا صدقا ولنا قول الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء 48 116 فجعله داخلا في المشيئة وقال تعالى إن الله يغفر الذنوب جميعا الزمر 53 وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن رجلا قتل مائة رجل ظلما ثم سأل هل له من توبة فدل على عالم فسأله فقال ومن يحول بينك وبين التوبة ولكن اخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة فاعبد الله فيها فخرج تائبا فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله إليهم ملكا فقال قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها ولأن التوبة تصح من الكفر فمن القتل أولى والآية محمولة على من لم يتب أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه وله العفو إذا شاء وقوله لا يدخلها النسخ قلنا لكن يدخلها التخصيص والتأويل مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( والقتل على ثلاثة أوجه عمد وشبه العمد وخطأ )

قسم V08/P207–V08/P208

أكثر أهل العلم يرون القتل منقسما إلى هذه الأقسام الثلاثة روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وحماد وأهل العراق والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأنكر مالك شبه العمد وقال ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا وجعله من قسم العمد وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها رواه أبو داود وفي لفظ قتيل خطأ العمد وهذا نص يقدم على ما ذكره وقسمه أبو الخطاب أربعة أقسام فزاد قسما رابعا وهو ما أجري مجرى الخطأ نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتل أو يقع عليه من علو والقتل بالسبب كحفر البئر ونصل السكين وقتل غير المكلف أجرى الخطأ وإن كان عمدا وهذه الصورة التي ذكرها عند الأكثرين من قسم الخطأ فإن صاحبها لم يعمد الفعل أو عمده وليس هو من أهل القصد الصحيح فسموه خطأ فأعطوه حكمه وقد صرح الخرقي بذلك فقال في الصبي والمجنون عمدهما خطأ مسألة قال ( العمد ما ضربه بحديدة أو خشبة كبيرة فوق عمود الفسطاط أو حجر كبير الغالب أن يقتل مثله أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة أو فعل به فعلا الغالب من ذلك الفعل أنه يتلف ) وجملة ذلك أن العمد نوعان أحدهما أن يضربه بمحدد وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين والسنان وما في معناه ما يحدد فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب فهذا كله إذا جرح به جرحا كبيرا فمات فهو قتل عمد لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمناه فأما إن جرحه جرحا صغيرا كشرطة الحجام أو غرزة بإبرة أو شوكة نظرت فإن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأذن فمات فهو عمد أيضا لأن الإصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل وإن كان في غير مقتل نظرت فإن كان قد بالغ في إدخالها في البدن فهو كالجرح الكبير لأن هذا يشتد ألمه ويفضي إلى القتل كالكبير وإن كان الغور يسيرا أو جرحه بالكبير جرحا لطيفا كشرطة الحجام فما دونها فقال أصحابنا إن بقي من ذلك ضمنا حتى مات ففيه القود لأن الظاهر أنه مات منه وإن مات في الحال ففيه وجهان أحدهما لا قصاص فيه قاله ابن حامد لأن الظاهر أنه لم يمت منه ولأنه لا يقتل غالبا فأشبه العصا والسوط والتعليل الأول أجود لأنه لما احتمل حصول الموت بغيره ظاهرا كان ذلك شبهة في درء القصاص ولو كانت العلة كونه لا يحصل به القتل غالبا لم يفترق الحال بين موته في الحال وموته متراخيا عنه كسائر ما لا يجب به القصاص والثاني فيه القصاص لأن المحدد لا يعتبر فيه غلبة الظن في حصول القتل به بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو قطع أنملته ولأنه لما لم يمكن إدارة الحكم وضبطه بغلبة الظن وجب ربطه بكونه محددا ولا يعتبر ظهور الحكم في آحاد صورة المظنة بل يكفي احتمال الحكمة ولذلك ثبت الحكم به فيما إذا بقي ضمنا مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد الآلة والفعل بسرعة الإفضاء وإبطائه ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية وموت فأشبه الجرح الكبير وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه لم يفرق بين الصغير والكبير وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي من التفصيل نحو مما ذكرنا

قسم V08/P208–V08/P209

النوع الثاني القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله فهذا عمد موجب للقصاص أيضا وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وحماد وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وقال الحسن لا قود في ذلك وروي ذلك عن الشعبي وقال ابن المسيب وعطاء وطاوس العمد ما كان بالسلاح وقال أبو حنيفة لا قود في ذلك إلا أن يكون قتله بالنار وعنه في مثقل الحديد روايتان واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل فسماه عمد الخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه بمظنته ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالبا لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير فوجب ضبطه بالجرح ولنا قول الله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وهذا مقتول ظلما وقال الله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى البقرة 178 وروى أنس أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين متفق عليه وروى أبو هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما يؤدي وإما أن يقاد متفق عليه ولأنه يقتل غالبا فأشبه المحدد وأما الحديث فمحمول على المثقل الصغير لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر فدل على أنه أراد ما يشبههما وقولهم لا يمكن ضبطه ممنوع فإننا نوجب القصاص بما نتيقن حصول الغلبة به فإذا شككنا لم نوجبه مع الشك وصغير الجرح قد سبق القول فيه ولأنه لا يصح ضبطه بالجرح بدليل ما لو قتله بالنار أو بمثل الحديد إذا ثبت هذا فإن هذا النوع يتنوع أنواعا أحدها أن يضربه بمثقل كبير يقتل مثله غالبا سواء كان من حديد كاللت والسندان والمطرقة أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة وحد الخرقي الخشبة الكبيرة بما فوق عمود الفسطاط يعني العمد التي يتخذها الأعراب لبيوتها وفيها دقة فأما عمد الخيام فكبيرة تقتل غالبا فلم يردها الخرقي وإنما حد الموجب للقصاص ما فوق عمود الفسطاط لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود فسطاط فقتلتها وجنينها قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة وقضى بالدية على عاقلتها والعاقلة لا تحمل العمد فدل على أن القتل بعمود الفسطاط ليس بعمد وإن كان أعظم منه فهو عمد لأنه يقتل غالبا ومن هذا النوع أن يلقي عليه حائطا أو صخرة أو خشبة عظيمة أو ما أشبه مما يهلكه غالبا فيهلكه ففيه القود لأنه يقتل غالبا النوع الثاني أن يضر به بمثقل صغير كالعصى والسوط والحجر الصغير أو يلكزه بيديه في مقتل أو في حال ضعف من المضروب لمرض أو صغر أو في زمن مفرط الحر أو البرد بحيث تقتله تلك الضربة أو كرر الضرب حتى قتله بما يقتل غالبا ففيه القود لأنه قتله بما يقتل مثله غالبا فأشبه الضرب بمثقل كبير ومن هذا النوع لو عصر خصيته عصرا شديدا فقتله بعصر يقتل مثله غالبا فعليه القود وإن لم يكن كذلك في جميع ما ذكرناه فهو عمد الخطأ وفيه الدية إلا أن يصغر جدا كالضربة بالقلم والأصبع في غير مقتل ونحو هذا مما لا يتوهم القتل به فلا قود فيه ولا دية لأنه لم يمت به وكذلك إن مسه بالكبير ولم يضربه به لأن الدية إنما تجب بالقتل وليس هذا بقتل النوع الثالث أن يمنع خروج نفسه وهو ضربنا أحدهما أن يجعل في عنقه خراطة ثم يعلقه في خشبة أو شيء بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق ويموت فهذا عمد سواء مات في الحال أو بقي زمنا لأن هذا أوحى أنواع الخنق وهو الذي جرت العادة بفعله من الولاة في اللصوص وأشباههم من المفسدين

قسم V08/P209–V08/P210

الضرب الثاني أن يخنقه وهو على الأرض بيديه أو منديل أو حبل أو يغمه بوسادة أو شيء يضعه على فيه وأنفه أو يضع يديه عليهما فيموت فهذا إن فعل به ذلك مدة يموت في مثلها غالبا فمات فهو عمد فيه القصاص وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي والشافعي وإن فعله في مدة لا يموت في مثلها غالبا فمات فهو عمد الخطأ إلا أن يكون ذلك يسيرا في العادة بحيث لا يتوهم الموت منه فلا يوجب ضمانا لأنه بمنزلة لمسه وإن خنقه وتركه مثلا حتى مات ففيه القود لأنه مات من سراية جنايته فهو كالميت من سراية الجرح وإن تنفس وصح ثم مات فلا قود لأن الظاهر أنه لم يمت منه فأشبه ما لو اندمل الجرح ثم مات النوع الرابع أن يلقيه في مهلكة وذلك على أربعة أضرب أحدها أن يلقيه من شاهق كرأس جبل أو حائط عال يهلك به غالبا فيموت فهو عمد الثاني أن يلقيه في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منه إما لكثرة الماء أو النار وإما لعجزه عن التخلص لمرض أو صغر أو كونه مربوطا أو منعه الخروج أو كونه في حفيرة لا يقدر على الصعود منها ونحو هذا أو ألقاه في بئر ذات نفس فمات به عالما بذلك فهذا كله عمد لأنه يقتل غالبا وإن ألقاه في ماء يسير يقدر على الخروج منه فلبث فيه اختيارا حتى مات فلا قود فيه ولا دية لأن هذا الفعل لم يقتله وإنما حصل موته بلبثه فيه وهو فعل نفسه فلم يضمنه غيره وإن تركه في نار يمكنه التخلص منها لقلتها أو كونه في طرف منها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يخرج حتى مات فلا قود لأن هذا لا يقتل غالبا وهل يضمنه فيه وجهان أحدهما لا يضمنه لأنه مهلك لنفسه بإقامته فلم يضمنه كما لو ألقاه في ماء يسير لكن يضمن ما أصابت النار منه والثاني يضمنه لأنه جاء بالإلقاء المفضي إلى الهلاك وترك التخلص لا يسقط الضمان كما لو فصده فترك شد فصاده مع إمكانه أو جرحه فترك مداواة جرحه وفارق الماء لأنه لا يهلك بنفسه ولهذا يدخله الناس للغسل والسباحة والصيد وأما النار فيسيرها يهلك وإنما تعلم قدرته على التخلص بقوله أنا قادر على التخلص أو نحو هذا لأن النار لها حرارة شديدة فربما أزعجته حرارتها عن معرفة ما يتخلص به أو أذهبت عقله بألمها وروعتها وإن ألقاه في لجة لا يمكنه التخلص منها فالتقمه حوت ففيه وجهان أحدهما عليه القود لأن ألقاه في مهلكة فهلك فأشبه ما لو غرق فيها والثاني لا قود عليه لأنه لم يهلك بها أشبه ما لو قتله آدمي آخر وإن ألقاه في ماء يسير فأكله سبع أو التقمه حوت أو تمساح فلا قود عليه لأن الذي فعله لا يقتل غالبا وعليه ضمانه لأنه هلك بفعله الضرب الثالث أن يجمع بينه وبين أسد أو نمر في مكان ضيق كزبية ونحوها فيقتله فهذا عمد فيه القصاص إذا فعل السبع به فعلا يقتل مثله وإن فعل به فعلا لو فعله الآدمي لم يكن عمدا لم يجب القصاص به لأن السبع صار آلة للآدمي فكان فعله كفعله وإن ألقاه مكتوفا بين يدي الأسد أو النمر في فضاء فأكله فعليه القود وكذلك إن جمع بينه وبين حية في مكان ضيق فنهشته فقتلته فعليه القود وقال القاضي لا ضمان عليه في الصورتين وهو قول أصحاب الشافعي لأن الأسد والحية يهربان من الآدمي ولأن هذا سبب غير ملجىء ولنا إن هذا يقتل غالبا فكان عمدا محضا كسائر الصور وقولهم إنهما يهربان غير صحيح فإن الأسد يأخذ الآدمي المطلق فكيف يهرب من مكتوف ألقي إليه ليأكله والحية إنما تهرب في مكان واسع أما إذا ضاق المكان فالغالب أنها تدفع عن نفسها بالنهش على ما هو العادة

قسم V08/P210–V08/P211

وقد ذكر القاضي فيمن ألقي مكتوفا في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته أن في وجوب القصاص روايتين وهذا تناقض شديد فإنه نفى الضمان بالكلية في صورة كان القتل فيها أغلب وأوجب القصاص في صورة كان فيها أندر والصحيح أنه لا قصاص هاهنا ويجب الضمان لأنه فعل به فعلا متعمدا تلف به لا يقتل مثله غالبا وإن أنهشه حية أو سبعا فقتله فعليه القود إذا كان ذلك مما يقتل غالبا فإن كان مما لا يقتل غالبا كثعبان الحجاز أو سبع صغير ففيه وجهان أحدهما فيه القود لأن الجرح لا يعتبر فيه غلبة حصول القتل به وهذا جرح ولأن الحية من جنس ما يقتل غالبا والثاني هو شبيه العمد لأنه لا يقتل غالبا أشبه الضرب بالعصا والحجر وإن كتفه وألقاه في أرض غير مسبعة فأكله سبع أو نهشته حية فمات فهو شبه العمد وقال أصحاب الشافعي هو خطأ محض ولنا إنه فعل به فعلا لا يقتل مثله غالبا عمدا فأفضى إلى هلاكه أشبه ما لو ضربه بعصا فمات وكذلك إن ألقاه مشدودا في موضع لم يعهد وصول زيادة الماء إليه فأما إن كان في موضع يعلم وصول زيادة الماء إليه في ذلك الوقت فمات بها فهو عمد محض وإن كانت غير معلومة إما لكونها تحتمل الوجوب وعدمه أو لا تعهد أصلا فهو شبه عمد الضرب الرابع أن يحبسه في مكان ويمنعه الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها حتى يموت فعليه القود لأن هذا يقتل غالبا وهذا يختلف باختلاف الناس والزمان والأحوال فإذا كان عطشان في شدة الحر مات في الزمن القليل وإن كان عريان والزمن بارد أو معتدل لم يمت إلا في زمن طويل فتعتبر هذا فيه وإن كان في مدة يموت في مثلها غالبا ففيه القود وإكان لا يموت في مثلها غالبا فهو عمد الخطأ وإن شككنا فيها لم يجب القود لأننا شككنا في السبب ولا يثبت الحكم مع الشك في سببه سيما القصاص الذي يسقط بالشبهات النوع الخامس أن يسقيه سما أو يطعمه شيئا قاتلا فيموت به فهو عمد موجب للقود إذا كان مثله يقتل غالبا وإن خلطه بطعام وقدمه إليه فأكله أو أهداه إليه أو خلطه بطعام رجل ولم يعلم ذلك فأكله فعليه القود لأنه يقتل غالبا وقال الشافعي في أحد قوليه لا قود عليه لأنه أكله مختارا فأشبه ما لو قدم إليه سكينا فطعن بها نفسه ولأن أنس بن مالك روى أن يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقتلها النبي صلى الله عليه وسلم قال وهل يجب القود فيه قولان ولنا خبر اليهودية فإن أبا سلمة قال فيه فمات بشر بن البراء فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت أخرجه أبو داود ولأن هذا يقتل غالبا ويتخذ طريقا إلى القتل كثيرا فأوجب القصاص كما لو أكرهه على شربه فأما حديث أنس فلم يذكر فيه أن أحدا مات منه ولا يجب القصاص إلا أن يقتل به ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلها قبل أن يموت بشر بن البراء فلما مات أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فسألها فاعترفت فقتلها فنقل أنس صدر القصة دون آخرها ويتعين حمله عليه جمعا بين الخبرين ويجوز أن يترك قتلها لكونها ما قصدت بشر بن البراء إنما قصدت قتل النبي صلى الله عليه وسلم فاختل العمد بالنسبة إلى بشر وفارق تقديم السكين لأنها لا تقدم إلى إنسان ليقتل بها نفسه إنما تقدم إليه لينتفع بها وهو عالم بمضرتها ونفعها فأشبه ما لو قدم إليه السم وهو عالم به

قسم V08/P211–V08/P212

فأما إن خلط السم بطعام نفسه وتركه في منزله فدخل إنسان فأكله فليس عليه ضمان بقصاص ولا دية لأنه لم يقتله وإنما الداخل قتل نفسه فأشبه ما لو حفر في داره بئرا فدخل رجل فوقع فيها وسواء قصد بذلك قتل الآكل مثل أن يعلم ظالما يريد هجوم داره فترك السم في الطعام ليقتله فهو كما لو حفر بئرا في داره ليقع فيها اللص إذا دخل ليسرق منها ولو دخل رجل بإذنه فأكل الطعام المسموم بغير إذنه لم يضمنه لذلك وإن خلطه بطعام رجل أو قدم إليه طعاما مسموما وأخبره بسمه فأكله لم يضمنه لأنه أكله عالما بحاله فأشبه ما لو قدم إليه سكينا فوجأ بها نفسه وإن سقى إنسانا سما أو خلطه بطعامه فأكله ولم يعلم به كان مما لا يقتل مثله غالبا فهو شبه عمد فإن اختلف فيه هل يقتل مثله غالبا أو لا وثم بينة تشهد عمل بها وإن قالت البينة هو يقتل النضو الضعيف دون القوي أو غير هذا عملت على حسب ذلك وإن لم يكن مع أحدهما بينة فالقول قول الساقي لأن الأصل عدم وجوب القصاص فلا يثبت بالشك ولأنه أعلم بصفة ما سقى وإن ثبت أنه قاتل فقال لم أعلم أنه قاتل ففيه وجهان أحدهما عليه القود لأن السم من جنس ما يقتل به غالبا فأشبه ما لو جرحه وقال لم أعلم أنه يموت منه والثاني لا قود عليه لأنه يجوز أن يخفى عليه أنه قاتل وهذه شبهة يسقط بها القود النوع السادس أن يقتله بسحر يقتل غالبا فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالبا فأشبه ما لو قتله بسكين وإن كان مما لا يقتل غالبا أو كان مما يقتل ولا يقتل ففيه الدية دون القصاص لأنه عمد الخطأ فأشبه ضرب العصا النوع السابع أن يتسبب إلى قتله بما يقتل غالبا وذلك أربعة أضرب أحدها أن يكره رجلا على قتل آخر فيقتله فيجب القصاص على المكره والمكره جميعا وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة ومحمد يجب القصاص على المكره دون المباشر لقوله عليه الصلاة والسلام عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأن المكره آلة للمكره بدليل وجوب القصاص على المكره ونقل فعله إليه فلم يجب على المكره كما لو رمى به عليه فقتله وقال زفر يجب على المباشر دون المكره لأن المباشرة تقطع حكم السبب كالحافر مع الدافع والآخر مع القاتل وقال الشافعي يجب على المكره وفي المكره قولان وقال أبو يوسف لا يجب على واحد منهما لأن المكره لم يباشر القتل فهو كحافر البئر والمكره ملجأ فأشبه المرمى به على إنسان ولنا على وجوبه على المكره أنه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا فأشبه ما لو ألسعته حية أو ألقاه على أسد في زبية ولنا على وجوبه على المكره أنه قتله عمدا ظلما لاستبقاء نفسه فأشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله وقولهم إن المكره ملجأ غير صحيح فإنه متمكن من الامتناع ولذلك أثم بقتله وحرم عليه وإنما قتله عند الإكراه ظنا منه أن في قتله نجاة نفسه وخلاصه من شر المكره فأشبه القاتل في المخمصة ليأكله وإن صار الأمر إلى الدية وجبت عليهما وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومحمد لا دية على المكره بناء منهما على أنه آلة وقد بينا فساده وإنما هما شريكان يجب القصاص عليهما جميعا فوجبت الدية عليهما كالشريكين بالفعل وكما يجب الجزاء على الدال على الصيد في الإحرام والمباشر والردء كالمباشر في المحاربة فعلى هذا إن أحب الولي قتل أحدهما وأخذ نصف الدية من الآخر أو العفو عنه فله ذلك الضرب الثاني إذا شهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فقتل بشهادتهما ثم رجعا واعترفا بتعمد القتل ظلما وكذبهما في شهادتهما فعليهما القصاص وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قصاص عليهما لأنه تسبب غير ملجىء فلا يوجب القصاص كحفر البئر

قسم V08/P212–V08/P214

ولنا ما روى القاسم بن عبد الرحمن أن رجلين شهدا عند علي كرم الله وجهه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعا على شهادتهما فقال علي لو أعلم أنكما تعمدتما لقطت أيديكما وغرمهما دية يده ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبا فوجب عليهما القصاص كالمكره الضرب الثالث الحاكم إذا حكم على رجل بالقتل عالما بذلك متعمدا فقتله واعترف بذلك وجب القصاص والكلام فيه كالكلام في الشاهدين ولو أن الولي الذي باشر قتله أقر بعلمه بكذب الشهود وتعمد قتله فعليه القصاص لا أعلم فيه خلافا فإن أمر الشاهدان والحاكم والولي جميعا بذلك فعلى الولي القصاص لأنه باشر القتل عمدا وعدوانا وينبغي أن لا يجب على غيره شيء لأنهم متسببون والمباشرة تبطل حكم المسبب كالدافع مع الحافر ويفارق هذا ما إذا لم يقر لأنه لم يثبت حكم مباشرة القتل في حقه ظلما فكان وجوده كعدمه ويكون القصاص على الشاهدين والحاكم لأن الجميع متسببون وإن صار الأمر إلى الدية فهي عليهم أثلاثا ويحتمل أن يتعلق الحكم بالحاكم وحده لأن تسببه أخص من تسببهم فإن حكمه واسطة بين شهادتهم وقتله فأشبه المباشر مع المتسبب ولو كان الولي المقر بالتعمد لم يباشر القتل وإنما وكل فيه نظرت في الوكيل فإن أقر بالعلم وتعمد القتل ظلما فهو القاتل وحده لأنه مباشر للقتل عمدا ظلما من غير إكراه فتعلق الحكم به كما لو أمر بالقتل في غير هذه الصورة وإن لم يعترف بذلك فالحكم متعلق بالولي كما لو باشره والله أعلم مسألة قال ( ففيه القود إذا اجتمع عليه الأولياء وكان المقتول حرا مسلما ) أجمع العلماء على أن القود لا يجب إلا بالعمد ولا نعلم بينهم في وجوبه بالقتل العمد إذا اجتمعت شروطه خلافا وقد دلت عليه الآيات والأخبار بعمومها فقال الله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل الإسراء 33 وقال تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى البقرة 178 وقال تعالى ولكم في القصاص حياة البقرة 179 يريد والله أعلم أن وجوب القصاص يمنع من يريد القتل منه شفقة على نفسه من القتل فتبقى الحياة فيمن أريد قتله وقيل إن القاتل تنعقد العداوة بينه وبين قبيلة المقتول فيريد قتلهم خوفا منهم ويريدون قتله وقتل قبيلته استيفاء ففي الاقتصاص منه بحكم الشرع قطع لسبب الهلاك بين القبيلتين وقال الله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة 45 وقال النبي صلى الله عليه وسلم من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل وإما أن يفدى متفق عليه وروى أبو شريح الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية رواه أبو داود وفي لفظ فمن قتل له بعد مقالتي قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا الدية أو يقتلوا وقال عليه السلام العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول وفي لفظ من قتل عامدا فهو قود رواه أبو داود وفي لفظ رواه ابن ماجة من قتل عامدا فهو قود ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وقول الخرقي إذا اجتمع عليه الأولياء يعني إذا كان للمقتول أولياء يستحقون القصاص فمن شرط وجوبه اجتماعهم على طلبه ولو عفي واحد منهم سقط كله وإن كان بعضهم غائبا أو غير مكلف لم يكن لشركائه القصاص حتى يقدم الغائب ويختار القصاص أو يوكل ويبلغ الصبي ويفيق المجنون ويختاراه وقولهم إذا كان المقتول حرا مسلما يعني مكافئا للقاتل فإذا كان القاتل حرا مسلما اشترط كون المقتول حرا مسلما لتحقق المكافأة بينهما فإن كان الكافر لا يكافىء المسلم والعبد لا يكافىء الحر

قسم V08/P214–V08/P215

فصل وأجمع أهل العلم على أن الحر المسلم يقاد به قاتله وإن كان مجدع الأطراف معدوم الحواس والقاتل صحيح سوى الخلق أو كان بالعكس وكذلك إن تفاوتا في العلم والشرف والغنى والفقر والصحة والمرض والقوة والضعف والكبر والصغر والسلطان والسوقة ونحو هذا من الصفات لم يمنع القصاص بالاتفاق وقد دلت عليه العمومات التي تلوناها وقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون تكافأ دماؤهم ولأن اعتبار التساوي في الصفات والفضائل يفضي إلى إسقاط القصاص بالكلية وفوات حكمة الردع والزجر فوجب أن يسقط اعتباره كالطول والقصر والسواد والبياض فصل ولا يشترط في وجوب القصاص كون القتل في دار الإسلام بل متى قتل في دار الحرب مسلما عامدا عالما بإسلامه فعليه القود سواء كان قد هاجر أو لم يهاجر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب القصاص بالقتل في غير دار الإسلام فإن لم يكن المقتول هاجر لم يضمنه بقصاص ولا دية عمدا قتله أو خطأ وإن كان قد هاجر ثم عاد إلى دار الحرب كرجلين مسلمين دخلا دار الحرب بأمان فقتل أحدهما صاحبه ضمنه بالدية ولم يجب القود وحكي عن أحمد رواية كقوله ولو قتل رجلا أسيرا مسلما في دار الحرب لم يضمنه إلا بالدية عمدا قتله أو خطأ ولنا ما ذكرنا من الآيات والأخبار ولأنه قتل من يكافئه عمدا ظلما فوجب عليه القود كما لو قتله في دار الإسلام ولأن كل دار يجب فيها القصاص إذا كان فيها إمام يجب وإن لم يكن فيها إمام كدار الإسلام فصل وقتل الغيلة وغيره سواء في القصاص والعفو وذلك للولي دون السلطان وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وقال مالك الأمر عندنا أن يقتل به وليس لولي الدم أن يعفو عنه وذلك إلى السلطان والغيلة عنده أن يخدع الإنسان فيدخل بيتا أو نحوه فيقتل أو يؤخذ ماله ولعله يحتج بقول عمر في الذي قتل غيلة لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به وبقياسه على المحارب ولنا عموم قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانا الإسراء 33 وقول النبي صلى الله عليه وسلم فأهله بين خيرتين ولأنه قتيل في غير المحاربة فكان أمره إلى وليه كسائر القتلى وقول عمر لأقدتهم به أي أمكنت الولي من استيفاء القود منهم فصل وإذا قتل رجلا وادعى أنه وجده مع امرأته أو أنه قتله دفعا عن نفسه أو أنه دخل منزله يكابره على ماله فلم يقدر على دفعه إلا بقتله لم يقبل قوله إلا ببينة ولزمه القصاص وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر ولا أعلم فيه مخالفا وسواء وجد في دار القاتل أو في غيرها أو وجد معه سلاح أو لم يوجد لما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى وإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه ولا دية لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يوما يتغدى إذ جاءه رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم ووراءه قوم يعدون خلفه فجاء حتى جلس مع عمر فجاء الآخرون فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا فقال له عمر ما يقولون فقال يا أمير المؤمنين إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته فقال عمر ما يقول قالوا يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط فخذي المرأة فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال إن عادوا فعد رواه سعيد في سننه وروي عن الزبير أنه كان يوما قد تخلف عن الجيش ومعه جارية له فأتاه رجلان فقالا أعطنا شيئا فألقى إليهما طعاما كان معه فقالا خل عن الجارية فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة ولأن الخصم اعترف بما يبيح قتله فسقط حقه كما لو أقر بقتله قصاصا أو في حد يوجب قتله وإن ثبت ذلك ببينة فكذلك

قسم V08/P215–V08/P216

مسألة قال ( وشبه العمد ما ضربه بخشبة صغيرة أو حجر صغير أو لكزه أو فعل به فعلا الأغلب من ذلك الفعل أنه لا يقتل مثله فلا قود في هذا والدية على العاقلة ) شبه العمد أحد أقسام القتل وهو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبا إما لقصد العدوان عليه أو لقصد التأديب له فيسرف فيه كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكز واليد وسائر ما لا يقتل غالبا إذا قتل فهو شبه عمد لأنه قصد الضرب دون القتل ويسمى عمد الخطأ وخطأ العمد لاجتماع العمد والخطأ فيه فإنه عمد الفعل وأخطأ في القتل فهذا لا قود فيه والدية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم وجعله مالك عمدا موجبا للقصاص ولأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فمن زاد قسما ثالثا زاد على النص ولأنه قتله بفعل عمده فكان عمدا كما لو غرزه بإبرة فقتله وقال أبو بكر من أصحابنا تجب الدية في مال القاتل وهو قول ابن شبرمة لأنه موجب فعل عمد فكان في مال القاتل كسائر الجنايات ولنا ما روى أبو هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه فأوجب ديتها على العاقلة والعاقلة لا تحمل عمدا وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا إن في قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه رواه أبو داود وهذا نص وقوله هذا قسم ثالث قلنا نعم هذا ثبت بالسنة والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب ولأنه قتل لا يوجب الود فكانت ديته على العاقلة كقتل الخطأ مسألة قال ( والخطأ على ضربين أحدهما أن يرمي الصيد أو يفعل ما يجوز له فعله فيؤول إلى إتلاف حر مسلما كان أو كافرا فتكون الدية على عاقلته وعليه عتق رقبة مؤمنة ) وجملته أن الخطأ أن يفعل فعلا لا يريد به إصابة المقتول فيصيبه ويقتله مثل أن يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا فيقتله قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئا فيصيب غيره لا أعلمهم يختلفون فيه هذا قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والنخعي والزهري وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي فهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفارة في مال القاتل بغير خلاف نعلمه والأصل في وجوب الدية والكفارة قول الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا النساء 92 وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا له عهد لقول الله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولا قصاص في شيء من هذا لأن الله تعالى أوجب به الدية ولم يذكر قصاصا وقال النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه لم يوجب القصاص في عمد الخطأ ففي الخطأ أولى فصل وإن قصد فعلا محرما فقتل آدميا مثل أن يقصد قتل بهيمة أو آدميا معصوما فيصيب غيره فيقتله فهو خطأ أيضا لأنه لم يقصد قتله وهذا مذهب الشافعي وكذلك قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئا فيصيب غيره ويتخرج على قول أبي بكر أن هذا عمد لقوله في من رمى نصرانيا فلم يقع به السهم حتى أسلم أنه عمد يجب به القصاص لكونه قصد فعلا محرما قتل به إنسانا

قسم V08/P216–V08/P217

مسألة قال ( والضرب الثاني أن يقتل في بلاد الروم من عنده أنه كافر ويكون قد أسلم وكتم إسلامه إلى أن يقدر على التخلص إلى أرض الإسلام فيكون عليه في ماله عتق رقبة مؤمنة بلا دية لقول الله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) هذا الضرب الثاني من الخطأ وهو أن يقتل في أرض الحرب من يظنه كافرا ويكون مسلما ولا خلاف في أن هذا خطأ لا يوجب قصاصا لأنه لم يقصد قتل مسلم فأشبه ما لو ظنه صيدا فبان آدميا إلا أن هذا لا تجب به دية أيضا ولا يجب إلا الكفارة وروي هذا عن ابن عباس وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والأوزاعي والثوري وأبو ثور وأبو حنيفة وعن أحمد رواية أخرى تجب به الدية والكفارة وهو قول مالك والشافعي لقول الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 وقال عليه السلام ألا إن في قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل ولأنه قتل مسلما خطأ فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام ولنا قول الله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة النساء 92 ولم يذكر دية وتركه ذكرها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبله وبعده ظاهر في أنها غير واجبة وذكره لهذا قسما مفردا يدل على أنه لم يدخل في عموم الآية التي احتجوا بها ويخص بها عموم الخبر الذي رووه مسألة قال ( ولا يقتل مسلم بكافر ) أكثر أهل العلم لا يوجبون على مسلم قصاصا بقتل كافر أي كافر كان روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية رضي الله عنهم وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن وعكرمة والزهري وابن شبرمة ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي يقتل المسلم بالذمي خاصة قال أحمد الشعبي والنخعي قالا دية المجوسي واليهودي والنصراني مثل دية المسلم وإن قتله يقتل به هذا عجب يصير المجوسي مثل المسلم سبحان الله ما هذا القول واستبشعه وقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يقتل مسلم بكافر وهو يقول يقتل بكافر فأي شيء أشد من هذا واحتجوا بالعمومات التي ذكرناها في أول الباب وبما روى ابن البيلماني أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلما بذمي وقال أنا حق من وفى بذمته ولأنه معصوم عصمة مؤبدة فيقتل به قاتله كالمسلم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ولا يقتل مؤمن بكافر رواه الإمام أحمد وأبو داود وفي لفظ لا يقتل مسلم بكافر رواه البخاري وأبو داود وعن علي رضي الله عنه قال من السنة ألا يقتل مسلم بكافر رواه الإمام أحمد ولأنه منقوص بالكفر فلا يقتل به المسلم كالمستأمن والعمومات مخصوصات بحديثنا وحديثهم ليس له إسناد قاله أحمد وقال الدارقطني يرويه ابن البيلماني وهو ضعيف إذا أسند فكيف إذا أرسل والمعنى في المسلم أنه مكافىء للمسلم بخلاف الذمي فأما المستأمن فوافق أبو حنيفة الجماعة في أن المسلم لا يقاد به وهو المشهور عن أبي يوسف وعنه يقتل به لما سبق في الذمي ولنا إنه ليس بمحقون الدم على التأبيد فأشبه الحربي مع ما ذكرنا من الدليل في التي قبلها فصل فإن قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل أو جرحه ثم أسلم الجارح ومات المجروح فقال أصحابنا يقتص منه وهو قول الشافعي لأن القصاص عقوبة فكان الاعتبار فيها بحال وجوبها دون حال استيفائها كالحدود لأنه حق وجب عليه قبل إسلامه فلم يسقط بإسلامه كالدين ويحتمل أن لا يقتل به وهو قول الأوزاعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر ولأنه مؤمن فلا يقتل بكافر كما لو كان مؤمنا حال قتله ولأن إسلامه لو قارن السبب منع عمله فإذا طرأ سقط حكمه

قسم V08/P217–V08/P219

فصل وإن جرح مسلم كافر فأسلم المجروح ثم مات مسلما بسراية الجرح لم يقتل به قاتله لأن التكافؤ معدوم حال الجناية وعليه دية مسلم لأن اعتبار الأرش بحالة استقرار الجناية بدليل ما لو قطع يدي رجل ورجليه فسرى إلى نفسه دية واحدة ولو اعتبر حال الجرح وجب ديتان ولو قطع حر يد عبد ثم عتق ومات لم يجب قصاص لعدم التكافؤ حال الجناية وعلى الجاني دية حر اعتبارا بحال الاستقرار وهذا قول ابن حامد وهو مذهب الشافعي وللسيد أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف دية حر والباقي لورثته لأن نصف قيمته إن كانت أقل فهي التي وجدت في ملكه فلا يكون له أكثر منها لأن الزائد حصل بحريته ولا حق له فيما حصل بها وإن كان الأقل الدية لم يستحق أكثر منها لأن نقص القيمة حصل بسبب من جهة السيد وإعتاقه وذكر القاضي أن أحمد نص في رواية حنبل فيمن فقأ عيني عبد ثم أعتق ومات أن الجاني قيمته للسيد وهذا يدل على أن الاعتبار بحال الجناية وهذا اختيار أبي بكر والقاضي وأبي الخطاب قال أبو الخطاب من قطع يد ذمي ثم أسلم ومات ضمنه بدية ذمي ولو قطع يد عبد فأعتقه سيده ومات فعلى الجاني قيمته للسيد لأن حكم القصاص معتبر بحال الجناية دون حال السراية فكذلك الدية والأول أصح إن شاء الله لأن سراية الجرح مضمونة فإذا أتلفت حرا مسلما وجب ضمانه بدية كاملة كما لو قتله بجرح ثان وقول أحمد فيمن فقأ عيني عبد عليه قيمته للسيد لا خلاف فيه وإنما الخلاف في وجوب الزائد على القيمة من دية الحر للورثة ولم يذكره أحمد ولأن الواجب مقدر بما تفضي إليه السراية دون ما تتلفه الجناية بدليل أن من قطعت يداه ورجلاه فسرى القطع إلى نفسه لم يلزم الجاني أكثر من دية ولو قطع أصبعا فسرى إلى نفسه لوجبت الدية كاملة فكذلك إذا سرت إلى نفس حر مسلم تجب ديته كاملة فأما إن جرح مرتدا أو حربيا فسرى الجرح إلى نفسه فلا قصاص فيه ولا دية سواء أسلم قبل السراية أو لم يسلم لأن الجرح غير مضمون فلم يضمن سرايته بخلاف التي قبلها فصل ولو قطع يد مسلم فارتد ثم مات بسراية الجرح لم يجب في النفس قصاص ولا دية ولا كفارة لأنها نفس مرتد غير معصوم ولا مضمون وكذلك لو قطع يد ذمي فصار حربيا ثم مات من جراحه وأما اليد فالصحيح أنه لا قصاص فيها وذكر القاضي وجها في وجوب القصاص فيها لأن القطع استقر حكمه بانقطاع حكم سرايته فأشبه ما لو قطع طرفه ثم قتله أو جاء آخر فقتله وللشافعي في وجوب القصاص قولان ولنا إنه قطع هو قتل لم يجب به القتل فلم يجب القطع كما لو قطع من غير مفصل وفارق ما قاسوا عليه فإن القطع لم يصر قتلا وهل تجب دية الطرف فيه وجهان أحدهما لا ضمان فيه لأنه تبين أنه قتل لغير معصوم والثاني تجب لأن سقوط حكم سراية الجراح لا يسقط ضمانه كما لو قطع طرف رجل ثم قتله آخر فعلى هذا هل يجب ضمانه بدية المقطوع أو بأقل الأمرين من ديته أو دية النفس فيه وجهان أحدهما تجب دية المقطوع فلو قطع يديه ورجليه ثم ارتد ومات ففيه ديتان لأن الردة قطعت حكم السراية فأشبه انقطاع حكمها باندمالها أو بقتل آخر له والثاني يجب أقل الأمرين ولأنه لو لم يرتد لم يجب أكثر من دية النفس فمع الردة أولى ولأنه قطع صار قتلا فلم يجب أكثر من دية كما لو لم يرتد وفارق أصل الوجه الأول فإنه لم يصر قتلا ولأن الاندمال والقتل منع وجود السراية والردة منعت ضمانها ولم تمنع جعلها قتلا وللشافعي من التفصيل نحو مما قلنا فصل وإن قطع مسلم يد نصراني فتمجس وقلنا لا يقر فهو كما لو جنى على مسلم فارتد وإن قلنا يقر عليه وجبت دية مجوسي وإن قطع يد مجوسي فتنصر

قسم V08/P219–V08/P220

ثم مات وقلنا يقر وجبت دية نصراني ويجيء على قول أبي بكر والقاضي أن تجب دية نصراني في الأولى ودية مجوسي في الثانية كقولهم فيمن جنى على عبد ذمي فأسلم وعتق ثم مات من الجناية ضمنه بقيمة عبد ذمي اعتبارا بحال الجناية فصل وإن قطع يد مسلم فارتد ثم أسلم ومات وجب القصاص على قاتله نص عليه أحمد رحمه الله في رواية محمد بن الحكم وقال القاضي يتوجه عندي أنه إن كان زمن الردة تسري في مثله الجناية لم يجب القصاص في النفس وهل يجب في الطرف الذي قطع في إسلامه على وجهين وهذا مذهب الشافعي لأن القصاص يجب بالجناية والسراية كلها فإذا لم يوجد جميعها في الإسلام لم يجب القصاص كما لو جرحه جرحين أحدهما في الإسلام والآخر في الردة فمات منهما ولنا إنه مسلم حال الجناية والموت فوجب القصاص بقتله كما لو لم يرتد واحتمال السراية حال الردة لا يمنع لأنها غير معلومة فلا يجوز ترك السبب المعلوم باحتمال المانع كما لو لم يرتد فإنه يحتمل أن يموت بمرض أو بسبب آخر أو بالجرح مع شيء آخر يؤثر في الموت فأما الدية فتجب كاملة ويحتمل وجوب نصفها لأنه مات من جرح مضمون وسراية غير مضمونة فوجب نصف الدية كما لو جرحه إنسان وجرح نفسه فمات منها فأما إن كان زمن الردة لا تسري في مثله الجناية ففيه الدية أو القصاص وقال الشافعي في أحد قوليه لا قصاص فيه لأنه انتهى إلى حال لو مات لم يجب القصاص ولنا إنهما متكافئان حال الجناية والسراية والموت فأشبه ما لم يرتد وإن كان الجرح خطأ وجبت الكفارة بكل حال لأنه فوت نفسا معصومة فصل وإن جرحه وهو مسلم فارتد ثم جرحه جرحا آخر ثم أسلم ومات منهما فلا قصاص فيه لأنه مات من جرحين مضمون وغير مضمون ويجب فيه نصف الدية لذلك وسواء تساوى الجرحان أو زاد أحدهما مثل أن قطع يديه وهو مسلم فارتد فقطع رجله أو كان بالعكس لأن الجرح في الحالين كجرح رجلين وهل يجب القصاص في الطرف الذي قطعه في حال إسلامه يحتمل وجهين بناء على من قطع طرفه وهو مسلم فارتد ومات في ردته ولو قطع طرفه في ردته أولا فأسلم ثم قطع طرفه الآخر ومات منهما فالحكم فيه كالتي قبلها فصل ويقتل الذمي بالمسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل اليهودي الذي رض رأس جارية من الأنصار على أوضاح لها ولأنه إذا قتل بمثله فبمن فوقه أولى ويقتل بالذمي سواء اتفقت أديانهم أو اختلفت فلو قتل النصراني مجوسيا أو يهوديا قتل به نص عليه أحمد في النصراني يقتل بالمجوسي إذا قتله قيل فكيف يقتل به وديتهما مختلفة فقال اذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجلا بامرأة يعني أنه قتله بها مع اختلاف ديتهما ولأنهما تكافآ في العصمة بالذمة ونقيصة الكفر فجرى القصاص بينهما كما لو تساوى دينهما وهذا مذهب الشافعي فصل ولا يقتل ذمي بحربي لا نعلم فيه خلافا لأنه مباح الدم على الإطلاق أشبه الخنزير ولا دية فيه لذلك ولا كفارة ولا يجب بقتل المرتد قصاص ولا دية ولا كفارة لذلك سواء قتله مسلم أو ذمي وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال بعض أصحاب الشافعي يجب القصاص على الذمي بقتله والدية إذا عفا عنه لأنه لا ولاية في قتله وقال بعضهم يجب القصاص دون الدية لأنه لا قيمة له ولنا إنه مباح الدم أشبه الحربي ولأن من لا يضمنه المسلم لا يضمنه الذمي كالحربي فصل وليس على قاتل الزاني المحصن قصاص ولا دية ولا كفارة وهذا ظاهر مذهب الشافعي وحكى بعضهم وجها أن على قاتله القود لأن قتله إلى الامام فيجب القود على من قتله سواء كمن عليه القصاص إذا قتله غير مستحقه

قسم V08/P220–V08/P221

ولنا إنه مباح الدم وقتله متحتم فلم يضمن كالحربي ويبطل ما قاله بالمرتد وفارق القاتل فإن قتله غير متحتم وهو مستحق على طريق المعاوضة فاختص بمستحقه وهاهنا قتله لله تعالى فأشبه المرتد وكذلك الحكم في المحارب الذي تحتم قتله فصل ويقتل المرتد بالمسلم والذمي ويقدم القصاص على القتل بالردة لأنه حق آدمي وإن عفا عنه ولي القصاص فله دية المقتول فإن أسلم المرتد فهي في ذمته وإن قتل بالردة أو مات تعلقت بماله وإن قطع طرفا من أحدهما فعليه القصاص فيه أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي لا يقتل المرتد بالذمي ولا يقطع طرفه بطرفه لأن أحكام الإسلام في حقه باقية بدليل وجوب العبادات عليه ومطالبته بالإسلام ولنا إنه كافر فيقتل بالذمي كالأصلي وقولهم إن أحكام الإسلام باقية غير صحيح فإنه قد زالت عصمته وحرمته وحل نكاح المسلمات وشراء العبيد المسلمين وصحة العبادات وغيرها وأما مطالبته بالإسلام فهو حجة عليهم فإنه يدل على تغليظ كفره وأنه لا يقر على ردته لسوء حاله فإذا قتل بالذمي مثله فمن هو دونه أولى فصل وإن جرح مسلم ذميا ثم ارتد ومات المجروح لم يقتل به لأن التكافؤ مشترط حال وجود الجناية ولم يوجد وإن قتل من يعرفه ذميا أو عبدا وكان قد أسلم وعتق وجب القصاص لأنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا فلزمه القصاص كما لو علم حاله وفارق من علمه حربيا لأنه لم يعمد إلى قتل معصوم مسألة قال ( ولا حر بعبد ) وروي هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وزيد وابن الزبير رضي الله عنهم وبه قال الحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور ويروى عن سعيد بن المسيب والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي أنه يقتل به لعموم الآيات والأخبار لقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون تتكافأ دماؤهم ولأنه آدمي معصوم فأشبه الحر ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال من السنة أن لا يقتل حر بعبد وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل حر بعبد رواه الدارقطني ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة فلا يقتل به كالأب مع ابنه ولأن العبد منقوص بالرق فلم يقتل به الحر كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي والعمومات مخصوصات بهذا فنقيس عليه فصل ولا يقتل السيد بعبده في قول أكثر أهل العلم وحكي عن النخعي وداود أنه يقتل به لما روى قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه رواه سعيد والإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن غريب مع العمومات والمعنى في التي قبلها ولنا ما ذكرناه في التي قبلها وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقاد المملوك من مولاه والولد من والده لأقدته منك رواه النسائي وعن علي رضي الله عنه أن رجلا قتل عبده فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه عاما ومحا اسمه من المسلمين رواه سعيد والخلال وقال أحمد ليس بشيء من قبل إسحاق بن أبي فروة ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبي بكر وعمر أنهما قالا من قتل عبده جلد مائة وحرم سهمه مع المسلمين فأما حديث سمرة فلم يثبت قال أحمد الحسن لم يسمع من سمرة إنما هي صحيفة وقال عنه أحمد إنما سمع الحسن من سمرة ثلاثة أحاديث ليس هذا منها ولأن الحسن أفتى بخلافه فإنه يقول لا يقتل الحر بالعبد وقال إذا قتل السيد عبده يضرب ومخالفته له تدل على ضعفه

الأسئلة