Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V08/P295–V08/P297

ولنا ما روى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بني مخاض رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة ولأن ابن لبون يجب على طريق البدل عن ابنة مخاض في الزكاة إذا لم يجدها فلا يجمع البدل والمبدل في واجب ولأن موجبهما واحد فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض ولأن ما قلناه الأقل فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف يجب على من ادعاه الدليل فأما دية قتيل خيبر فلا حجة لهم فيه لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر قتله إلا عمدا فتكون ديته دية العمد وهي من أسنان الصدقة والخلاف في دية الخطأ وقول أبي ثور يخالف الآثار المروية التي ذكرناها فلا يعول عليه فصل ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وقد ثبت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ عن العاقلة وأجمع أهل العلم على القول به وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم دية عمد الخطأ على العاقلة بما قد رويناه من الأحاديث وفيه تنبيه على أن العاقلة تحمل دية الخطأ والمعنى ذلك أن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفا عنه إذا كان معذورا في فعله وينفرد هو بالكفارة فصل ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين فإن عمر وعليا رضي الله عنهم جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا فأتبعهم على ذلك أهل العلم ولأنه مال يجب على سبيل المواساة فلم يجب حالا كالزكاة وكل دية تحملها العاقلة تجب مؤجلة لما ذكرنا وما لا تحمله العاقلة يجب حالا لأنه بدل متلف فلزم المتلف حالا كقيم المتلفات وفارق الذي تحمله العاقلة فإنه يجب مواساة فألزم التأجيل تخفيفا على متحمله وعدل به عن الأصل في التأجيل كما عدل به عن الأصل في إلزامه غير الجاني فصل ولا يلزم القاتل شيء من الدية وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة هو كواحد من العاقلة لأنها وجبت عليهم إعانة له فلا يريدون عليه فيها ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم ولأنه قاتل لم تلزمه الدية فلم يلزمه بعضها كما لو أمره الإمام بقتل رجل فقتله يعتقد أنه بحق فبان مظلوما ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه فصل والكفارة في مال القاتل لا يدخلها تحمل وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين تكون في بيت المال لأنها تكثر فإيجابها في ماله يجحف به ولنا إنها كفارة فلا تجب على غير من وجد منه سببها كسائر الكفارات وكما لو كانت صوما ولأن الكفارة شرعت للتكفير عن الجاني ولا يكفر عنه بفعل غيره ويفارق الدية فإنها إنما شرعت لخير المحل وذلك يحصل بها كيفما كان ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالدية على العاقلة لم يكفر عن القاتل وما ذكروه لا أصل له ولا يصح قياسه على الدية لوجوه أحدها أن الدية لم تجب في بيت المال لأنها إنما وجبت على العاقلة ولا يجوز أن يثبت حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل الثاني أن الدية كثيرة فإيجابها على القاتل يجحف به والكفارة بخلافها الثالث أن الدية وجبت مواساة للقاتل وجعل حظ القاتل من الواجب الكفارة فإيجابها على غيره يقطع المواساة ويوجب على غير الجاني أكثر مما وجب عليه وهذا لا يجوز

قسم V08/P297–V08/P298

فصل وذكر أصحابنا أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء إذا قتل في الحرم والشهور الحرم وإذا قتل محرما وقد نص أحمد رحمه الله على التغليظ على من قتل محرما في الحرم وفي الشهر الحرام فأما إن قتل ذا رحم محرم فقال أبو بكر تغلظ ديته وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ وقال أصحاب الشافعي تغلظ بالحرم والأشهر الحرم وذي الرحم المحرم وفي التغليظ بالإحرام وجهان وممن روي عنه التغليظ عثمان وابن عباس والسعيدان وعطاء وطاوس والشعبي ومجاهد وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق واختلف القائلون بالتغليظ في صفته فقال أصحابنا تغلظ لكل واحد من الحرمات ثلث الدية فإذا اجتمعت الحرمات الثلاث وجبت ديتان قال أحمد في رواية ابن منصور فيمن قتل محرما في الحرم وفي الشهر الحرام فعليه أربعة وعشرون ألفا وهذا قول التابعين القائلين بالتغليظ وقال أصحاب الشافعي صفة التغليظ إيجاب دية العمد في الخطأ لا غير ولا يتصور التغليظ في غير الخطأ ولا يجمع بين تغليظين وهذا قول مالك إلا أنه يغلظ في العمد فإذا قتل ذا رحم محرم عمدا فعليه ثلاثون جذعة وأربعون خلفة وتغليظها في الذهب والورق أن ينظر قيمة أسنان الإبل غير مغلظة وقيمتها مغلظة ثم يحكم بزيادة ما بينهما كأن قيمتها مخففة ستمائة وفي العمد ثمانمائة وذلك ثلث الدية المخففة وعند مالك تغلظ على الأب والأم والجد دون غيرهم واحتجا على صفة التغليظ بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه حين حذفه بالسيف ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة ولم يزد عليه في العدد شيئا وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعا ولأن ما أوجب التغليظ أوجبه في الأسنان دون القدر كالضمان ولا يجمع بين تغليظين لأن ما أوجب التغليظ بالضمان إذا اجتمع سببان تداخلا كالحرم والإحرام في قتل الصيد وعلى أنه لا يغلظ بالإحرام أن الشرع لم يرد بتغليظه واحتج أصحابنا بما روى ابن أبي نجيح أن امرأة وطئت في الطواف فقضى عثمان رضي الله عنه فيها بستة آلاف وألفين تغليظا للحرم وعن ابن عمر أنه قال من قتل في الحرم أو ذا رحم أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث وعن ابن عباس أن رجلا قتل رجلا في الشهر الحرام وفي البلد الحرام فقال ديته اثنا عشر ألفا وللشهر الحرام أربعة آلاف وللبلد الحرام أربعة آلاف وهذا مما يظهر وينتشر ولم ينكر فيثبت إجماعا وهذا فيه الجمع بين تغليظات ثلاث ولأنه قول التابعين القائلين بالتغليظ واحتجوا على التغليظ في العمد أنه إذا غلظ الخطأ مع العذر فيه ففي العمد مع عدم العذر أولى وكل من غلظ الدية أوجب التغليظ في بدل الطرف بهذه الأسباب لأن ما أوجب تغليظ دية النفس أوجب تغليظ دية الطرف كالعمد وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وأبي حنيفة والجوزجاني وابن المنذر وروي ذلك عن الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النفس المؤمنة مائة من الإبل لم يزد على ذلك وعلى أهل الذهب ألف مثقال وفي حديث أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله من قتل له قتيل بعد ذلك فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية وهذا القتل كان بمكة في حرم الله تعالى فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على الدية ولم يفرق بين الحرم وغيره

قسم V08/P298–V08/P299

وقول الله عز وجل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 يقتضي أن الدية واحدة في كل مكان وفي كل حال ولأن عمر رضي الله عنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه ولم يزد على مائة وروى الجوزجاني بإسناده عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء فكان مما أحيى من تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم أن ناسا كانوا يقولون إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف فتكون ستة عشر ألف درهم فألغى عمر رحمه الله ذلك بقول الفقهاء وأثبتها اثني عشر ألف درهم في الشهر الحرام والبلد الحرام وغيرهما قال ابن المنذر وليس ثابت ما روي عن الصحابة في هذا ولو صح فقول عمر يخالفه وقوله أولى من قول من خالفة وهو أصح في الرواية مع موافقته الكتاب والسنة والقياس فصل ولا تغلظ الدية بموضع غير الحرم وقال أصحاب الشافعي تغلظ الدية بالقتل في المدينة على قوله القديم لأنها مكان يحرم صيده فأشبهت الحرم وليس بصحيح لأنها ليست محلا للمناسك فأشبهت سائر البلدان ولا يصح قياسها على الحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أي بلد هذا أليست البلدة الحرام قال فإن دماءكم وأموالكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وهذا يدل على أنه أعظم البلاد حرمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم ورجل قتل غير قاتله ورجل قتل بذحل الجاهلية وتحريم الصيد ليس هو العلة في التغليظ وإن كان من جملة المؤثر فقد خالف تحريم الحرم فإنه لا يجب الجزاء على من قتل فيه صيدا ولا يحرم للرعي فيه ولا الاحتشاش منه ولا ما يحتاج إليه من الرحل والعارضة والقائمة وشبهه مسألة قال ( والعاقلة لا تحمل العبد ولا العمد ولا الصلح ولا الاعتراف وما دون الثلث ) في هذه المسألة خمس مسائل الأولى أن العاقلة لا تحمل العبد يعني إذا قتل العبد قاتل وجبت قيمته في مال القاتل ولا شيء على عاقلته خطأ كان أو عمدا وهو قول ابن عباس والشعبي والثوري ومكحول والنخعي والبتي ومالك والليث وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور وقال عطاء والزهري والحكم وحماد وأبو حنيفة تحمله العاقلة لأنه آدمي يجب بقتله القصاص والكفارة فحملت العاقلة بدله كالحر وعن الشافعي كالمذهبين ووافقنا أبو حنيفة في دية أطرافه ولنا ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا وروي عن ابن عباس موقوفا عليه ولم نعرف له في الصحابة مخالفا فيكون إجماعا ولأن الواجب فيه قيمة تختلف باختلاف صفاته فلم تحمله العاقلة كسائر القيم ولأنه حيوان لا تحمل العاقلة قيمة أطرافه فلم تحمل الواجب في نفسه كالفرس وبهذا فارق الحر المسألة الثانية أنها لا تحمل العمد سواء كان مما يجب القصاص فيه أو لا يجب ولا خلاف في أنها لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص وأكثر أهل العلم على أنها لا تحمل العمد بكل حال وحكي عن مالك أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها كالمأمومة والجائفة وهذا قول قتادة لأنها جناية لا قصاص فيها أشبهت جناية الخطأ ولنا حديث ابن عباس ولأنها جناية عمد فلا تحملها العاقلة كالموجب للقصاص وجناية الأب على ابنه ولأن العاقلة إنما يثبت في الخطأ لكون الجاني معذورا تخفيفا عنه ومواساة له والعامد غير معذور فلا يستحق التخفيف ولا المعاونة فلم يوجد فيه المقتضي وبهذا فارق العمد الخطأ ثم يبطل ما ذكروه بقتل الأب ابنه فإنه لا قصاص فيه ولا تحمله العاقلة فصل وإن اقتص بحديدة مسمومة فسرى إلى النفس ففيه وجهان أحدهما تحمله العاقلة لأنه ليس بعمد محض أشبه عمد الخطأ والثاني لا تحمله

قسم V08/P299–V08/P300

لأنه قتله بآلة يقتل مثلها غالبا فأشبه من لا قصاص له ولو وكل استيفاء القصاص ثم عفا عنه فقتله الوكيل من غير علم بعفوه فقال القاضي لا تحمله العاقلة لأنه عمد قتله وقال أبو الخطاب تحمله العاقلة لأنه لم يقصد الجناية ومثل هذا يعد خطأ بدليل ما لو قتل في دار مسلما يظنه حربيا فإنه عمد قتله وهو أحد نوعي الخطأ وهذا أصح ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فصل وعمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة وقال الشافعي في أحد قوليه لا تحمله لأنه عمد يجوز تأديبهما عليه فأشبه القتل من البالغ ولنا إنه لا يتحقق منهما كمال القصد فتحمله العاقلة كشبه العمد ولأنه قتل لا يوجب القصاص لأجل العذر فأشبه الخطأ وشبه العمد وبهذا فارق ما ذكروه ويبطل ما ذكروه بشبه العمد المسألة الثالثة أنها لا تحمل الصلح ومعناه أن يدعى عليه القتل فينكره ويصالح المدعي على مال فلا تحمله العاقلة لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره فلم تحمله العاقلة كالذي ثبت باعترافه وقال القاضي معناه أن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية والتفسير الأول أولى لأن هذا عمد فيستغني عنه بذكر العمد وممن قال لا تحمل العاقلة الصلح ابن عباس والزهري والشعبي والثوري والليث والشافعي وقد ذكرنا حديث ابن عباس فيه ولأنه لو حملته العاقلة أدى إلى أن يصالح بمال غيره ويوجب عليه حقا بقوله المسألة الرابعة أنها لا تحتمل الاعتراف وهو أن يقر الإنسان على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد فتجب الدية عليه ولا تحمله العاقلة ولا نعلم فيه خلافا وبه قال ابن عباس والشعبي والحسن وعمر بن عبد العزيز والزهري وسليمان بن موسى والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقد ذكرنا حديث ابن عباس فيه ولأنه لو وجب عليهم لوجب بإقرار غيرهم ولا يقبل إقرار شخص على غيره ولأنه يتهم في أن يواطىء من يقر له بذلك ليأخذ الدية من عاقلته فيقاسمه إياها إذا ثبت هذا فإنه يلزمه ما اعترف به وتجب الدية عليه حالة في ماله في قول أكثرهم وقال أبو ثور وابن عبد الحكم لا يلزمه شيء ولا يصح إقراره لأنه مقر على غيره لا على نفسه ولأنه لم يثبت موجب إقراره فكان باطلا كما لو أقر على غيره بالقتل ولنا قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 ولأنه مقر على نفسه بالجناية الموجبة للمال فصح إقراره كما لو أقر بإتلاف مال أو بما لا تحمل ديته العاقلة ولأنه محل مضمون فيضمن إذا اعترف به كسائر المحال وإنما سقطت عنه الدية في محل الوفاق لتحمل العاقلة لها فإذا لم تحملها وجبت عليه كجناية المرتده المسألة الخامسة أنها لا تحمل ما دون الثلث وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء ومالك وإسحاق وعبد العزيز وعمر بن أبي سلمة وبه قال الزهري وقال لا تحمل الثلث أيضا وقال الثوري وأبو حنيفة تحمل السن والموضحة وما فوقها لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الغرة التي في الجنين على العاقلة وقيمتها نصف عشر الدية ولا تحمل ما دون ذلك لأنه ليس فيه أرش مقدر والصحيح عن الشافعي أنها تحمل الكثير والقليل لأن من حمل الكثير حمل القليل كالجاني في العمد ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة ولأن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني لأنه موجب جنايته وبدل متلفه فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات وإنما خولف في الثلث فصاعدا تخفيفا عن الجاني لكونه كثيرا يجحف به قال النبي صلى الله عليه وسلم الثلث كثير ففيما دونه يبقى عليه قضية الأصل ومقتضى الدليل وهذا حجة على الزهري لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث كثيرا فأما دية الجنين فلا تحملها العاقلة إلا إذا مات مع أمه من الضربة لكون ديتهما جميعا موجب جناية تزيد على الثلث وإن سلمنا وجوبها على العاقلة فلأنها دية آدمي كاملة

قسم V08/P300–V08/P302

فصل وتحمل العاقلة دية الطرف إذا بلغ الثلث وهو قول من سمينا في المسألة التي قبل هذا وحكي عن الشافعي أنه قال في القديم لا تحمل ما دون الدية لأن ذلك يجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنه لا تجب فيه كفارة ولنا قول عمر رضي الله عنه ولأن الواجب دية جناية على حر تزيد على الثلث فحملتها العاقلة كدية النفس لأنه كثير يجب ضمانا لحر أشبه ما ذكرنا وما ذكره يبطل بما إذا جنى على الأطراف بما يوجب الدية أو زيادة عليها فصل وتحمل العاقلة دية المرأة بغير خلاف بينهم فيها وتحمل من جراحها ما أبلغ أرشه ثلث دية الرجل كدية أنفها وما دون ذلك كدية يدها لا تحمله العاقلة وكذلك الحكم في دية الكتابي ولا تحمل دية المجوسي لأنها دون الثلث ولا دية الجنين إن مات منفردا أو مات قبل موت أمه نص عليه أحمد لأنه دون الثلث وإن مات مع أمه حملتها العاقلة نص عليه لأن وجوب ديتهما حصل في حال واحدة بجناية واحدة مع زيادتهما على الثلث فحملتها العاقلة كالدية الواحدة فصل وإن كان الجاني ذميا فعقله على عصبته من أهل ديته المعاهدين في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي وفي الأخرى لا يتعاقلون لأن المعاقلة تثبت في حق المسلم على خلاف الأصل تخفيفا عنه ومعونة له فلا يلحق به الكافر لأن المسلم أعظم حرمة وأحق بالمواساة والمعونة من الذمي ولهذا وجبت الزكاة على المسلمين مواساة لفقرائهم ولم تجب على أهل الذمة لفقرائهم فتبقى في حق الذي على الأصل ووجه الرواية الأولى أنهم عصبة يرثونه فيعقلون عنه كعصبة المسلم من المسلمين ولا يعقل عنه عصبته المسلمون لأنهم لا يرثونه ولا الحربيون لأن الموالاة والنصرة ومنقطعة بينهم ويحتمل أن يعقلوا عنه إذا قلنا إنهم يرثونه لأنهم أهل دين واحد يرث بعضهم بعضا ولا يعقل يهودي عن نصراني ولا نصراني عن يهودي لأنهم لا موالاة بينهم وهم أهل ملتين مختلفتين ويحتمل أن يتعاقلا بناء على الروايتين في توارثهما فصل وإن تنصر يهودي أو تهود نصراني وقلنا إنه يقر عليه عقل عنه عصبته من أهل الدين الذي انتقل إليه وهل يعقل عنه الذين انتقل عن دينهم على وجهين وإن قلنا لا يقر لم يعقل عنه أحد لأنه كالمرتد والمرتد لا يعقل عنه أحد لأنه ليس بمسلم فيعقل عنه المسلمون ولا ذمي فيعقل عنه أهل الذمة وتكون جنايته في ماله وكذلك كل من لا تحمل عاقلته جنايته يكون موجبها في ماله كسائر الجنايات التي لا تحمل العاقلة فصل ولو رمى ذمي صيدا ثم أسلم ثم أصاب السهم آدميا فقتله لم يعقله المسلمون لأنه لم يكن مسلما حال رميه ولا المعاهدون لأنه قتله وهو مسلم فيكون في مال الجاني وهكذا لو رمى وهو مسلم ثم ارتد ثم قتل السهم إنسانا لم يعقله أحد ولو جرح ذمي ذميا ثم أسلم الجارح ومات المجروح وكان أرش جراحه يزيد على الثلث فعقله على عصبته من أهل الذمة وما زاد على أرش الجرح لا يحمله أحد ويكون في مال الجاني كما ذكرنا وإن لم يكن أرش الجرح مما تحمله العاقلة فجميع الدية على الجاني وكذلك الحكم إذا جرح مسلما ثم ارتد ويحتمل أن تحمل الدية كلها العاقلة في المسألتين لأن الجناية وجدت وهو ممن تحمل العاقلة جنايته ولهذا وجب القصاص في المسألة الأولى وإذا كان عمدا ويحتمل أن لا يتحمل العاقلة شيئا لأن الأرش إنما يستقر باندمال الجرح أو سرايته فصل إذا تزوج عبد معتقة فأولادها أولادا فولاؤهم لمولى أمهم وإن جنى أحدهم فالعقل على مولى أمه لأنه عصبته ووارثه فإن أعتق أبوه ثم سرت الجناية أو رمى بسهم فلم يقع السهم حتى أعتق أبوه لم يحمل عقله أحد لأن موالي الأم قد زال ولاؤهم عنه قبل قتله وموالي الأب لم يكن لهم عليه ولاء حال جنايته فتكون الدية عليه في ماله إلا أن يكون أرش الجرح مما تحمله العاقلة منفردا فيخرج فيه مثل ما قلنا في المسألة التي قبلها

قسم V08/P302–V08/P303

فصل وإن جنى الرجل على نفسه خطأ أو على أطرافه ففيه روايتان قال القاضي أظهرهما أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه أو أرش جرحه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث وهذا قول الأوزاعي وإسحاق لما روي أن رجلا ساق حمارا فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر ديته على عاقلته وقال هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد ولم نعرف له مخالفا في عصره ولأنها جناية خطأ فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره فعلى هذه الرواية إن كانت العاقلة الورثة لم يجب شيء لأنه لا يجب للإنسان شيء على نفسه وإن كان بعضهم وارثا سقط عنه ما يقابل نصيبه وعليه ما زاد على نصيبه وله ما بقي إن كان نصيبه من الدية أكثر من الواجب عليه والرواية الثانية جنايته هدر وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وهو أصح لأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه فمات ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية ولا غيرها ولو وجبت لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفا عنه وليس على الجاني هاهنا شيء يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه فلا وجه لإيجابه ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره فإنه لو لم تحمله العاقلة لأجحف به وجوب الدية لكثرتها فأما إن كانت الجناية على نفسه شبه عمد فهل تجري مجرى الخطأ على وجهين أحدهما هي كالخطأ لأنها تساويه فيما إذا كانت على غيره والثاني لا تحمله العاقلة لأنه لا عذر له فأشبه العمد المحض فصل وأما خطأ الإمام والحاكم في غير الحكم والاجتهاد فهو على عاقلته بغير خلاف إذا كان مما تحمله العاقلة وما حصل باجتهاده ففيه روايتان إحدهما على عاقلته أيضا لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه بعث إلى امرأة ذكرت بسوء فأجهضت جنينها فقال عمر لعلي عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك ولأنه جاز فكان خطؤه على عاقلته كغيره والثانية هو في بيت المال وهو مذهب الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وإسحاق لأن الخطأ يكثر في أحكامه واجتهاده فإيجاب عقله على عاقلته يجحف بهم ولأنه نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله فكان أرش جنايته في مال الله سبحانه وللشافعي قولان كالروايتين مسألة قال ( وإذا جنى العبد فعلى سيده أن يفديه أو يسلمه فإن كانت الجناية أكثر من قيمته لم يكن على سيده أكثر من قيمته ) هذا في الجناية التي تؤدي بالمال إما لكونها لا توجب إلا المال وإما لكونها موجبة للقصاص فعفا عنها إلى المال فإن جناية العبد تتعلق برقبته إذ لا يخلو من أن تتعلق برقبته أو ذمته أو ذمة سيده أو لا يجب شيء ولا يمكن إلغاؤها لأنها جناية آدمي فيجب اعتبارها كجناية الحر ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره وعدم تكليفه فجناية العبد أولى ولا يمكن تعلقها بذمته لأنه يقضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير غاية ولا بذمة السيد لأنه لم يجن فتعين تعلقها برقبة العبد ولأن الضمان موجب جنايته فتتعلق برقبته كالقصاص ثم لا يخلو أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمته فما دون أو أكثر فإن كان بقدرها فما دون فالسيد مخير بين أن يفديه بأرش جنايته أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وإسحاق وروي ذلك عن الشعبي وعطاء ومجاهد وعروة والحسن والزهري وحماد لأنه إن دفع أرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه فلم يملك المطالبة بأكثر منه وإن سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به

قسم V08/P303–V08/P304

ولأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة وقد أداها وإن طالب المجني عليه بتسليمه إليه وأبى ذلك سيده لم يجبر عليه لما ذكرنا وإن دفع السيد عبده فأبى الجاني قبوله وقال بعه وادفع إلي ثمنه فهل يلزم السيد ذلك على روايتين وأما إن كانت الجناية أكثر من قيمته ففيه روايتان إحداهما أن سيده يخير بين أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته وبين أن يسلمه لأنه إذا أدى قيمته فقد أدى قدر الواجب عليه فإن حق المجني عليه لا يزيد على العبد فلم يلزمه أكثر من ذلك كما لو كانت الجناية بقدر قيمته والرواية الثانية يلزمه تسليمه إلا أن يفديه بأرش جنايته بالغة ما بلغت وهذا قول مالك لأنه ربما إذا عرض للبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فقد فوت تلك الزيادة على المجني عليه وللشافعي قولان كالروايتين ووجه الرواية الأولى أن الشرع قد جعل له فداءه فكان له فداؤه وكان الواجب قدر قيمته كسائر المتلفات فصل فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فعفا ولي الجناية على أن يملك العبد لم يملكه بذلك لأنه إذا لم يملكه بالجناية فلأن لا يملكه بالعفو أولى ولأنه أحد من عليه القصاص فلا يملكه بالعفو كالحر ولأنه إذا عفا عن القصاص انتقل حقه إلى المال فصار كالجاني جناية موجبة للمال وفيه رواية أخرى أنه يملكه لأنه مملوك استحق إتلافه فاستحق إبقاءه على ملكه كعبده الجاني عليه فصل قال أبو طالب سمعت أبا عبد الله يقول إذا أمر غلامه فجنى فعليه ما جنى وإن كان أكثر من ثمنه أن قطع يده حر فعليه دية الحر وإن كان ثمنه أقل وإن أمره سيده أن يجرح رجلا فما جنى فعليه قيمة جنايته وإن كانت أكثر من ثمنه لأنه بأمره وكان علي وأبو هريرة يقولان إذا أمر عبده أن يقتل فإنما هو سوطه ويقتل المولى ويحبس العبد وقال أحمد حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا قتادة عن خلاس أن عليا قال إذا أمر الرجل عبده فقتل إنما هو كسوطه أو كسيفه يقتل المولى والعبد يستودع السجن ولأنه فوت شيئا بأمره فكان على السيد ضمانه كما لو استدان بأمره فصل فإن جنى جنايات بعضها بعد بعض فالجاني بين أولياء الجنايات بالحصص وبهذا قال الحسن وحماد وربيعة وأصحاب الرأي والشافعي وروي عن شريح أنه قال يقضى به لآخرهم وبه قال الشعبي وقتادة لأنها جناية وردت على محل مستحق فقدم صاحبها على المستحق قبله كالجناية على المملوك الذي لم يجن وقال شريح في عبد شج رجلا ثم آخر فقال شريح يدفع إلى الأول إلا أن يفديه مولاه ثم يدفع إلى الثاني ثم يدفع إلى الثالث إلا أن يفديه الأوسط ولنا إنهم تساووا في سبب تعلق الحق به فتساووا في الاستحقاق كما لو جنى عليهم دفعة واحدة بل لو قدم بعضهم كان الأول أولى لأن حقه أسبق ولا يصح القياس على الملك فإن حق المجني عليه أقوى بدليل أنهم لو وجدوا دفعة واحدة قدم لحق المجني عليه ولأن حق المجني عليه ثبت بغير رضا صاحبه عوضا وحق المالك ثبت برضاه أو بغير عوض فافترقا فصل وإن أعتق السيد عبده الجاني عتق وضمن ما تعلق به من الأرش لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به فلزمه غرامته كما لو قتله وينبني قدر الضمان على الروايتين فيما إذا اختار إمساكه بعد الجناية لأنه امتنع من تسليمه بإعتاقه فهو بمنزلة امتناعه من تسليمه باختيار فدائه ونقل ابن منصور عن أحمد أنه إن أعتقه عالما بجنايته فعليه الدية يعني دية المقتول وإن لم يكن عالما بجنايته فعليه قيمة العبد وذلك لأنه إذا أعتقه مع العلم كان مختارا لفدائه بخلاف ما إذا لم يعلم فإنه لم يختر الفداء لعدم علمه به فلم يلزمه أكثر من قيمة ما فوته

قسم V08/P304–V08/P305

فصل فإن باعه أو وهبه صح بيعه لما ذكرنا في البيع ولم يزل تعلق الجناية عن رقبته فإن كان المشتري عالما بحاله فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة وينتقل الخيار في فدائه وتسليمه إليه كالسيد الأول وإن لم يعلم فله الخيار بين إمساكه ورده كسائر المبيعات مسألة قال ( والعاقلة العمومة وأولادهم وإن سلفوا في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله والرواية الأخرى الأب والابن والإخوة وكل العصبة من العاقلة ) العاقبة من يحمل العقل والعقل الدية تسمى عقلا لأنها تعقل لسان ولي المقتول وقيل إنما سميت العاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل والعقل المنع ولهذا سمي بعض العلوم عقلا لأنه يمنع من الإقدام على المضار ولا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات ليسوا هم من العاقلة واختلف في الآباء والبنين هل هم من العاقلة أو لا وعن أحمد في ذلك روايتان أحدهما كل العصبة من العاقلة يدخل فيه آباء القاتل وأبناؤه وإخوته وعمومته وأبناؤهم وهذا اختيار أبي بكر والشريف أبي جعفر وهو مذهب مالك وأبي حنيفة لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها رواه أبو داود ولأنهم عصبة فأشبهوا الإخوة يحققه أن العقل موضوع على التناصر وهم من أهله ولأن العصبة في تحمل العقل كهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه فكانوا أولى بتحمل عقله والرواية الثانية ليس آباؤه وأبناؤه من العاقلة وهو قول الشافعي لما روى أبو هريرة اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى فقتلتها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم متفق عليه وفي رواية ثم ماتت القاتلة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراثها لبنيها والعقل على العصبة رواه أبو داود والنسائي وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلتها وبرأ زوجها وولدها قال فقالت عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها لزوجها وولدها رواه أبو داود إذا ثبت هذا في الأولاد قسنا عليه الوالد لأنه في معناه ولأن مال ولده ووالده كماله ولهذا لم تقبل شهادتهما له ولا شهادته لهما ووجب على كل واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجا والآخر موسرا وعتق عليه إذا ملكه فلا تجب في ماله دية كما لم يجب في مال القاتل وظاهر كلام الخرقي أن في الإخوة روايتين كالولد والوالد وغيره من أصحابنا يجعلونهم من العاقبة بكل حال ولا أعلم فيه عن غيرهم خلافا فصل فإن كان الولد ابن ابن عم أو كان الوالد والد مولى أو عصبة مولى فإنه يعقل في ظاهر كلام أحمد قاله القاضي وقال أصحاب الشافعي ولا يعقل لأنه والد أو ولد فلم يعقل كما لو لم يكن كذلك ولنا إنه ابن ابن عم أو مولى فيعقل كما لو لم يكن ولدا وذلك لأن هذه القرابة أو الولاء سبب يستقل بالحكم منفردا فإذا وجد مع لا يثبت به الحكم أثبته كما لو وجد مع الرحم المجرد ولأنه يثبت حكمه مع القرابة الأخرى بدليل أنه يلي نكاحها مع أن الابن لا يلي النكاح عندهم

قسم V08/P305–V08/P307

فصل وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من النسب والمولى وعصبته ومولى المولى وعصبته وغيرهم وبهذا قال عمر بن عبد العزيز والنخعي وحماد ومالك والشافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وذلك لأنهم عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم فيدخلون في العقل كالقريب ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية بين عصبة المرأة من كانوا لا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها ولأن الموالي من العصبات فأشبهوا المناسبين فصل ولا يدخل في العقل من ليس بعصبة ولا يعقل المولى من أسفل وبه قال أبو حنيفة وأصحاب مالك وقال الشافعي في أحد قوليه يعقل لأنهما شخصان يعقل أحدهما صاحبه فيعقل الآخر عنه كالأخوين ولنا إنه ليس بعصبة له ولا وارث فلم يعقل عنه كالأجنبي وما ذكروه يبطل بالذكر مع الأنثى والكبير مع الصغير والعاقل مع المجنون فصل ولا يعقل مولى الموالاة وهو الذي يوالي رجلا يجعل له ولاءه ونصرته ولا الحليف وهو الرجل يحالف الآخر على أن يتناصرا على دفع الظلم ويتضافرا على من قصدهما أو قصد أحدهما ولا العديد وهو الذي لا عشيرة له ينضم إلى عشيرة فيعد نفسه معهم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يعقل مولى الموالاة ويرث وقال مالك إذا كان الرجل في غير عشيرته فعقله على القوم الذي هو معهم ولنا إنه معنى يتعلق بالعصبة فلا يستحق بذلك كولاية النكاح فصل ولا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يتحملون جيمع الدية فإن عدموا فالأقارب حينئذ يعقلون لأن عمر رضي الله عنه جعل الدية على أهل الديوان في الأعطية في ثلاث سنين ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة ولأنه معنى لا يستحق به الميراث فلم يحمل العقل كالجوار واتفاق المذاهب وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قضاء عمر على أنه إن صح ما ذكر عنه فيحتمل أنهم كانوا عشيرة القاتل فصل ويشترك في العقل الحاضر والغائب وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك يختص به الحاضر لأن التحمل بالنصرة وإنما هي بين الحاضرين ولأن في قسمته على الجميع مشقة وعن الشافعي كالمذهبين ولنا الخبز وأنهم استووا في التعصيب والإرث فاستووا في تحمل العقل كالحاضرين ولأنه معنى يتعلق بالتعصيب فاستوى فيه الحاضر والغائب كالميراث والولاية فصل ويبدأ في قسمته بين العاقلة بالأقرب فالأقرب يقسم على الإخوة وبينهم والأعمام وبنيهم ثم أعمام الأب ثم بنيهم ثم أعمام الجد ثم بنيهم كذلك أبدا حتى إذا انقرض المناسبون فعلى المولى المعتق ثم على عصابته ثم على مولى المولى ثم على عصباته الأقرب فالأقرب كالميراث سواء وإن قلنا للآباء والأبناء من العاقلة بدىء بهم لأنهم أقرب ومتى اتسعت أموال قوم للعقل يعدهم إلى من بعدهم لأنه حق يستحق بالتعصيب فيقدم الأقرب فالأقرب كالميرات وولاية النكاح وهل يقدم من يدلي بالأبوين على من يدلي بالأب على وجهين أحدهما يقدم لأنه يقدم في الميراث فقدم في العقل كتقديم الأخ على ابنه والثاني يستويان لأن ذلك يستفاد بالتعصيب ولا أثر للأم في التعصيب والأول أولى إن شاء الله تعالى لأن قرابة الأم تؤثر في الترجيح والتقديم وقوة التعصيب لاجتماع القرابتين على وجه لا تنفرد كل واحدة بحكم وذلك لأن القرابتين تنقسم إلى ما تنفرد منهما بحكم كابن العم إن كان أخا من أم فإنه يرث بكل واحدة من القرابتين ميراثا مفردا يرث السدس بالأخوة ويرث بالتعصيب ببنوة العم وحجب إحدى القرابتين لا يؤثر في حجب الأخرى

قسم V08/P307–V08/P308

فهذا لا يؤثر في قوة ولا ترجيح ولذلك لا يقدم ابن العم الذي هو أخ من أم على غيره وما لا ينفرد كل واحد منهما بحكم كابن العم من أبوين مع ابن عم من أب لا تنفرد إحدى القرابتين بميراث عن الأخرى فتؤثر في الترجيح وقوة التعصيب ولذلك أثرت في التقديم في الميراث فكذلك في غيره وبما ذكرناه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسوى بين القريب والبعيد ويقسم على جميعهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية المقتولة على عصبة القاتلة ولنا إنه حكم تعلق بالتعصيب فوجب أن يقدم فيه الأقرب فالأقرب كالميراث والخبر لا حجة فيه لأننا نقسمه على الجماعة إذا لم يف به الأقرب فنحمله على ذلك فصل ولا يحمل العقل إلا من يعرف نسبه من القاتل أو يعلم أنه من قوم يدخلون كلهم في العقل ومن لا يعرف ذلك منه لا يحمل وإن كان من قبيلته فلو كان القاتل قرشيا لم يلزم قريشا كلهم التحمل فإن قريشا وإن كانوا كلهم يرجعون إلى أب واحد إلا أن قبائلهم تفرقت وصار كل قوم ينتسبون إلى أب يتميزون به فيعقل عنهم من يشاركهم في نسبهم إلى الأب الأدنى ألا ترى أن الناس كلهم بنو آدم فهم راجعون إلى أب واحد لكن إن كان من فخذ واحد يعلم أن جميعهم يتحملون وجب أن يحمل جميعهم سواء عرف أحدهم نسبه أو لم يعرف للعلم بأنه متحمل على أي وجه كان وإن لم يثبت نسب القاتل من أحد فالدية في بيت المال لأن المسلمين يرثونه إذا لم يكن له وارث بمعنى أنه يؤخذ ميراثه لبيت المال فكذلك يعقلونه على هذا الوجه وإن وجد له من يحمل بعض العقل فالباقي في بيت المال كذلك فصل ولا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة لا تكلف من المال ما يجحف بها ويشق عليها لأنه لازم لها من غير جنايها على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره ويجحف به كالزكاة ولأنه لو كان الإجحاف مشروعا كان الجاني أحق به لأنه موجب جنايته وجزاء فعله فإذا لم يشرع في حقه ففي حق غيره أولى واختلف أهل العلم فيما يحمله كل واحد منهم فقال أحمد يحملون على قدر ما يطيقون فعلى هذا لا يتقدر شرعا وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم فيفرض على كل واحد قدرا يسهل ولا يؤذي وهذا مذهب مالك لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف ولا يثبت بالرأي والتحكم ولا نص في هذه المسألة فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات وعن أحمد رواية أخرى أنه يفرض على الموسر نصف مثقال لأنه أقل مال يتقدر في الزكاة فكان معتبرا بها ويجب على المتوسط ربع مثقال لأن ما دون ذلك تافه لكون اليد لا تقطع فيه وقد قالت عائشة رضي الله عنها لا تقطع اليد في الشيء التافه وما دون ربع دينار لا قطع فيه وهذا اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي وقال أبو حنيفة أكثر ما يجعل على الواحد أربعة دراهم وليس لأقله حد لأن ذلك مال يجب على سبيل المواساة للقرابة فلم يتقدر أقله كالنفقة قال ويسوي بين الغنى والمتوسط لذلك والصحيح الأول لما ذكرنا من أن التقدير إنما يصار إليه بتوقيف ولا توقيف فيه وأنه يختلف بالغني والمتوسط كالزكاة والنفقة ولا يختلف بالقرب والبعد كذلك واختلف القائلون بالتقدير بنصف دينار وربعه قال بعضهم يتكرر الواجب في الأعوام الثلاثة فيكون الواجب فيها على الغني دينارا ونصفا وعلى المتوسط ثلاث أرباع دينار لأنه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة فيتكرر بتكرر الحول كالزكاة وقال بعضهم لا يتكرر لأن في إيجاب زيادة على النصف إيجابا لزيادة على أقل الزكاة فيكون مضرا ويعتبر الغنى والتوسط عند رأس الحول لأنه حال الوجوب فاعتبر الحال عنده كالزكاة وإن اجتمع من عدد العاقلة في درجة واحدة عدد كثير قسم الواجب على جميعهم فيلزم الحاكم كل إنسان على حسب ما يراه وإن قل وعلى الوجه الآخر يجعل على المتوسط نصف ما على الغني ويعم بذلك جميعهم وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر يخص الحاكم من شاء منهم فيفرض عليهم هذا القدر الواجب لئلا ينقص عن القدر الواجب ويصير إلى الشيء التافه ولأنه يشق فربما أصاب كل واحد قيراط فيشق جمعه

قسم V08/P308–V08/P309

ولنا إنهم استووا في القرابة فكانوا سواء كما لو قلوا وكالميراث وأما التعلق بمشقة الجمع فغير صحيح لأن مشقة زيادة الواجب أعظم من مشقة الجمع ثم هذا تعلق بالحكمة من غير أصل يشهد لها فلا يترك لها الدليل ثم هي معارضة بخفة الواجب على كل واحد وسهولة الواجب عليهم ثم لا يخلو من أن يخص الحاكم بعضهم بالاجتهاد أو بغير اجتهاد فإن خصه بالاجتهاد فعليه فيه مشقة وربما لم يحصل له معرفة الأولى منهم بذلك فيتعذر الإيجاب وإن خصه بالتحكم أفضى إلى أنه يخير بين أن يوجب على إنسان شيئا بشهوته من غير دليل وبين أن لا يوجب عليه ولا نظير له وربما ارتشى من بعضهم وربما امتنع من فرض عليه شيء من أدائه لكونه يرى مثله لا يؤدي شيئا مع التساوي من كل الوجوه فصل ومن مات من العاقلة أو افتقر أو جن قبل الحول لم يلزمه شيء لا نعلم في هذا خلافا لأنه مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة فأشبه الزكاة وإن وجد ذلك بعد الحول لم يسقط الواجب وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسقط بالموت لأنه خرج من أهلية الوجوب فاشبه ما لو مات قبل الحول ولنا إنه حق تدخله النيابة لا يملك إسقاطه في حياته فأشبه الديون وفارق ما قبل الحول لأنه لم يجب ولم يستمر الشرط إلى حين الوجوب فأما إن كان فقيرا حال القتل فاستغنى عند الحول فقال القاضي يجب عليه لأنه وجد وقت الوجوب وهو من أهله ويخرج على هذا من كان صبيا فبلغ أو مجنونا فأفاق عند الحول وجب عليه كذلك ويحتمل أن لا يجب لأنه لم يكن من أهل الوجوب حالة السبب فلم يثبت الحكم فيه حالة الشرط كالكافر إذا ملك مالا ثم أسلم عند الحول لم تلزمه الزكاة فيه مسألة قال ( وليس على فقير من العاقلة ولا امرأة ولا صبي ولا زائل العقل حمل شيء من الدية ) أكثر أهل العلم على أنه لا مدخل من هؤلاء في تحمل العقل قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان من العاقلة وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه شيء وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكى بعض أصحابنا عن مالك وأبي حنيفة أن للفقير مدخلا في التحمل وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد لأنه من أهل النصرة فكان من العاقلة كالغني والصحيح الأول لأن تحمل العقل مواساة فلا يلزم الفقير كالزكاة ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا عن القاتل فلا يجوز التثقيل بها على من لا جناية منه وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه وتكليف له ما لا يقدر عليه ولأننا أجمعنا على أنه لا يكلف أحد من العاقلة ما يثقل عليه ويجحف به وتحميل الفقير شيئا منها يثقل عليه ويجحف بماله وربما كان الواجب عليه جميع ماله أو أكثر منه أو لا يكون له شيء أصلا وأما الصبي والمجنون والمرأة فلا يجملون منها لأن فيها معنى التناصر وليس هم من أهل النصرة فصل ويعقل المريض إذا لم يبلغ حد الزمانة والشيخ إذا لم يبلغ حد الهرم لأنهما من أهل النصرة والمواساة وفي الزمن والشيخ الفاني وجهان أحدهما لا يعقلان لأنهما ليسا من أهل النصرة ولهذا لا يجب عليهما الجهاد ولا يقتلان إذا كانا من أهل الحرب وكذلك يخرج في الأعمى لأنه مثلهما في هذا المعنى والثاني يعلقون لأنهم من أهل المواساة ولهذا تجب عليهم الزكاة وهذا ينتقض بالصبي والمجنون ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله كمذهبنا مسألة قال ( ومن لم يكن له عاقلة أخذ من بيت المال فإن لم يقدر على ذلك فليس على القاتل شيء )

قسم V08/P309–V08/P311

الكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما أن من لا عاقلة له هل يؤدي من بيت المال أو لا فيه روايتان إحداهما يؤدى عنه وهو مذهب الزهري والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودى الأنصاري الذي قتل بخيبر من بيت المال وروي أن رجلا قتل في زحام في زمن عمر فلم يعرف قاتله فقال علي لعمر يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرىء مسلم فأدى ديته من بيت المال ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له فيعقلون عند عدم عاقلته كعصباته ومواليه والثانية لا يجب ذلك لأن بيت المال فيه حق للنساء والصبيان والمجانين والفقراء ولا عقل عليهم فلا يجوز صرفه فيما لا يجب عليهم ولأن العقل على العصبة وليس بيت المال عصبة ولا هو كعصبة هذا فأما قتيل الأنصار فغير لازم لأن ذلك قتيل اليهود وبيت المال لا يعقل عن الكفار بحال وإنما النبي صلى الله عليه وسلم تفضل عليهم وقولهم إنهم يرثونه قلنا ليس صرفه إلى بيت المال ميراثا بل هو فيء ولهذا يؤخذ مال من لا وارث له من أهل الذمة إلى بيت المال ولا يرثه المسلمون ثم لا يجب العقل على الوارث إذا لم يكن عصبة ويجب على العصبة وإن لم يكن وارثا فعلى الرواية الأولى إذا لم يكن له عاقلة أديت الدية عنه كلها من بيت المال وإن كان له عاقلة لا تحمل الجميع أخذ الباقي من بيت المال وهل تؤدى من بيت المال في دفعة واحدة أو في ثلاث سنين على وجهين أحدهما في ثلاث سنين على حسب ما يؤخذ من العاقلة والثاني يؤدى دفعة واحدة وهذا أصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدى دية الأنصاري دفعة واحدة وكذلك عمر ولأن الدية بدل متلف لا تؤديه العاقلة فيجب كله في الحال كسائر بدل المتلفات وإنما أجل على العاقلة تخفيفا عنهم ولا حاجة إلى ذلك في بيت المال ولهذا يؤدى الجميع الفصل الثاني إذا لم يمكن الأخذ من بيت المال فليس على القاتل شيء وهذا أحد قولي الشافعي لأن الدية لزمت العاقلة ابتداء بدليل أنه لا يطالب بها غيرهم ولا يعتبر تحملهم ولا رضاهم بها ولا تجب على غير من وجبت عليه كما لو عدم القاتل فإن الدية لا تجب على أحد كذا هاهنا فعلى هذا إن وجد بعض العاقلة حملوا بقسطهم وسقط الباقي فلا يجب على أحد ويتخرج أن تجب الدية على القاتل إذا تعذر حملها عنه وهذا القول الثاني للشافعي لعموم قوله ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 ولأن قضية الدليل وجوبها على الجاني جبرا للمحل الذي فوته وإنما سقط عن القاتل لقيام العاقلة مقامه في جبر المحل فإذا لم يؤخذ ذلك بقي واجبا عليه بمقتضى الدليل ولأن المراد دائر بين أن يطل دم المقتول وبين إيجاب ديته على المتلف لا يجوز الأول لأن فيه مخالفة الكتاب والسنة وقياس أصول الشريعة فتعين الثاني ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له وإيجاب الدية على قاتل الخطأ له نظائر فإن المرتد لما لم يكن له عاقلة تجب الدية في ماله والذمي الذي لا عاقلة له تلزمه الدية ومن رمى سهما ثم أسلم أو كان مسلما فارتد أو كان عليه الولاء لموالي أمه فانجر إلى موالي أبيه ثم أصاب بسهم إنسانا فقتله كانت الدية في ماله لتعذر حمل عاقلته عقله كذلك هاهنا فنحرر منه قياسا فنقول قتيل معصوم في دار الإسلام تعذر حمل عاقلته عقله فوجب على قاتله كهذه الصورة وهذا أولى من إهداء دماء الأحرار في أغلب الأحوال فإنه لا يكاد يوجد عاقلة تحمل الدية كلها ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال فتضيع الدماء ويفوت حكم إيجاب الدية وقولهم إن الدية تجب على العاقلة ابتداء ممنوع وإنما تجب على القاتل ثم تتحملها العاقلة عنه وإن سلمنا وجوبها عليهم ابتداء

قسم V08/P311–V08/P312

لكن مع وجودهم أما مع عدمهم فلا يمكن القول بوجوبها عليهم ثم ما ذكروه منقوض بما أبديناه من الصور فعلى هذا تجب الدية على القاتل إن تعذر حمل جميعها أو باقيها إن حملت العاقلة بعضها والله أعلم مسألة قال ( ودية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم ونساؤهم على النصف من دياتهم ) هذا ظاهر المذهب وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وعروة ومالك وعمرو بن شعيب وعن أحمد أنها ثلث دية المسلم إلا أنه رجع عنها فإن صالحا روي عنه أنه قال كنت أقول دية اليهود والنصراني أربعة آلاف وأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان الذي يرويه الزهري عن سالم عن أبيه وهذا صريح في الرجوع عنه وروي عن عمر وعثمان أن ديته أربعة آلاف درهم وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار والشافعي وإسحاق وأبو ثور لما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف وروي عن عمر رضي الله عنه جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة درهم وقال علقمة ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة ديته كدية المسلم وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية رضي الله عنهم وقال ابن عبد البر هو قول سعيد بن المسيب والزهري لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم ولأن الله تعالى ذكر في كتابه دية المسلم فقال ودية مسلمة إلى أهله النساء 92 وقال في الذمي مثل ذلك ولم يفرق فدل على أن ديتهما واحدة ولأنه ذكر حر معصوم فتكمل ديته كالمسلم ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دية المعاهد نصف دية المسلم وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم رواه الإمام أحمد وفي لفظ دية المعاهد نصف دية الحر قال الخطابي ليس في دية أهل الكتاب شيء أثبت من هذا ولا بأس بإسناده وقد قال به أحمد وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ولأنه نقص مؤثر في الدية فأثر في تنصيفها كالأنوثة وأما حديث عبادة فلم يذكره أهل السنن والظاهر أنه ليس بصحيح وأما حديث عمر فإنما كان ذلك حين كانت الدية ثمانية آلاف فأوجب فيه نصفها أربعة آلاف ودليل ذلك ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف فهذا بيان وشرح مزيل للأشكال ففيه جمع للأحاديث فيكون دليلا لنا ولو لم يكن كذلك لكان قول النبي صلى الله عليه وسلم مقدما على قول عمر وغيره بغير إشكال فقد كان عمر إذا بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة ترك قوله وعمل بها فكيف يسوغ لأحد أن يحتج بقوله في ترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما ما احتج به الآخرون فإن الصحيح من حديث عمرو بن شعيب ما رويناه أخرجه الأئمة في كتبهم دون ما رووه وأما ما رووه من أقوال الصحابة فقد روي عنهم خلافه فنحمل قولهم في إيجاب الدية كاملة على سبيل التغليظ قال أحمد إنما غلظ عثمان الدية عليه لأنه كان عمدا فلما ترك القود غلظ عليه وكذلك حديث معاوية ومثل هذا ما روي عن عمر رضي الله عنه حين انتحر رقيق حاطب ناقة لرجل مزني فقال لحاطب إني أراك تجيعهم لأغرمنك غرما يشق عليك فأغرمه مثلي قيمتها فأما ديات نسائهم فعلى النصف من دياتهم لا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل ولأنه لما كان دية نساء المسلم على النصف من دياتهم كذلك نساء أهل الكتاب على النصف من دياتهم

قسم V08/P312–V08/P313

فصل وجراحاتهم من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم وتغلظ دياتهم باجتماع الحرمات عند من يرى تغليظ ديات المسلمين قال حرب قلت لأبي عبد الله فإن قتل ذميا في الحرم قال يزاد أيضا على قدره كما يزاد على المسلم وقالالأثرم قيل لأبي عبد الله جنى على مجوسي في عينه وفي يده قال يكون بحساب ديته كما أن المسلم يؤخذ بالحساب فكذلك هذا قيل قطع يده قال بالنصف من ديته مسألة قال ( فإن قتلوه عمدا أضعفت الدية على قاتله المسلم لإزالة القود ) هكذا حكم عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا يروى عن عثمان رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلا قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان فلم يقتله وغلظ عليه ألف دينار فصار إليه أحمد اتباعا له وله نظائر في مذهبه فإنه أوجب على الأعور لما قلع عين الصحيح دية كاملة حين درأ القصاص عنه وأوجب على سارق التمر مثلي قيمته حين درأ عنه القطع وهذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم في سارق التمر فيثبت مثله هاهنا ولو كان القاتل ذميا أو قتل ذمي مسلما لم تضعف الدية عليه لأن القصاص عليه واجب في الموضعين وجمهور أهل العلم على أن دية الذمي لا تضاعف بالعمد لعموم الأثر فيها ولأنها دية واجبة فلم تضاعف كدية المسلم أو كما لو كان القاتل ذميا ولا فرق في الدية بين الذمي وبين المستأمن لأن كل واحد منهما كتابي معصوم الدم وأما المرتد والحربي فلا دية لهما لعدم العصمة فيهما مسألة قال ( ودية المجوسي ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف ) وهذا قول أكثر أهل العلم قال أحمد ما أقل ما اختلف في دية المجوسي وممن قال ذلك عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء وعكرمة والحسن ومالك والشافعي وإسحاق وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي لقول النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب وقال النخعي والشعبي وأصحاب الرأي ديته كدية المسلم لأنه آدمي حر معصوم فأشبه المسلم ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفا فكان إجماعا وقوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب يعني في أخذ جزيتهم حقن دمائهم بدليل أن ذبائحهم ونساءهم لا تحل لنا ولا يجوز اعتباره بالمسلم ولا الكتابي لنقصان ديته وأحكامه عنهما فينبغي أن تنقص ديته كنقص المرأة عن دية الرجل وسواء كان المجوسي ذميا أو مستأمنا لأنه محقون الدم ونساؤهم على النصف من دياتهم بإجماع وجراح كل واحد معتبرة من ديته وإن قتلوا عمدا أضعفت الدية على القاتل المسلم لإزالة القود نص عليه أحمد قياسا على الكتابي فصل فأما عبدة الأوثان وسائر من لا كتاب له كالتراك ومن عبد ما استحسن فلا دية لهم وإنما تحقن دماءهم بالأمان فإذا قتل من له أمان منهم فديته دية مجوسي لأنها أقل الديات فلا تنقص عنها ولأنه كافر ذو عهد لا تحل مناكحته فأشبه المجوسي فصل ومن لم تبلغه الدعوة من الكفار إن وجد لم يجز قتله حتى يدعى فإن قتل قبل الدعوة من غير أن يعطى أمانا فلا ضمان فيه لأنه لا عهد له ولا إيمان فأشبه امرأة الحربي وابنه الصغير وإنما حرم قتله ليبلغه الدعوة وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو الخطاب يضمن بما يضمن به أهل ديته وهو مذهب الشافعي لأنه محقون الدم أشبه من له أمان والأول أولى فإن هذا ينتقض بصبيان أهل الحرب ومجانينهم ولأنه كافر لا عهد له فلم يضمن كالصبيان والمجانين فأما إذا كان له عهد فله دية أهل دينه فإن لم يعرف دينه ففيه دية المجوسي لأنه اليقين وما زاد مشكوك فيه مسألة قال ( ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم )

قسم V08/P313–V08/P314

قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا ديتهما كدية الرجل لقوله عليه السلام في نفس المؤمنة مائة من الإبل وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن في كتاب عمرو بن حزم دية المرأة على النصف من دية الرجل وهي أخص مما ذكروه وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه مخصصا له ودية نساء كل أهل دين على النصف من دية رجالهم على ما قدمنا في موضعه مسألة قال ( وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية فإن جاوز الثلث فعلى النصف ) وروي هذا عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وقتادة والأعرج وربيعة ومالك قال ابن عبد البر وهو قول فقهاء المدينة السبعة وجمهور أهل المدينة وحكي عن الشافعي في القديم وقال الحسن يستويان إلى النصف وروي عن علي رضي الله عنه أنها على النصف فيما قل وكثر وروي ذلك عن ابن سيرين وبه قال الثوري والليث وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور والشافعي في ظاهر مذهبه واختاره ابن المنذر لأنهما شخصان تختلف ديتهما فاختلف أرش أطرافهما كالمسلم والكافر ولأنها جناية لها أرش مقدر فكان من المرأة على النصف من الرجل كاليد وروي عن ابن مسعود أنه قال تعاقل المرأة الرجل إلى النصف عشر الدية فإذا زاد على ذلك فهي على النصف لأنها تساويه في الموضحة ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها أخرجه النسائي وهو نص يقدم على ما سواه وقال ربيعة قلت لسعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة قال عشر قلت ففي أصبعين قال عشرون قلت ففي ثلاث أصابع قال ثلاثون قلت ففي أربع قال عشرون قال قلت لما عظمت مصيبتها قل عقلها قال هكذا السنة يا ابن أخي وهذا مقتضى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه سعيد بن منصور ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك إلا عن علي ولا نعلم ثبوت ذلك عنه ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى بدليل الجنين فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى فأما الثلث نفسه فهل يستويان فيه على روايتين إحداهما يستويان فيه لأنه لم يعتبر حد القلة ولهذا صحت الوصية به وروي أنهما يختلفان فيه وهو الصحيح لقوله عليه السلام حتى يبلغ الثلث وحتى للغاية فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها لقول الله تعالى حتى يعطوا الجزية التوبة 29 ولأن الثلث في حد الكثرة لقوله عليه السلام الثلث والثلث كثير فصل فأما دية نساء سائر أهل الأديان فقال أصحابنا تساوي دياتهن ديات رجالهم إلى الثلث لعموم قوله عليه السلام عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها ولأن الواجب دية امرأة فساوت دية الرجل من أهل دينها كالمسلمين ويحتمل أن تساوي المرأة الرجل إلى قدر ثلث دية الرجل المسلم لأنه القدر الكثير الذي يثبت فيه التنصيف في الأصل وهو دية المسلم مسألة قال ( ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغ ذلك ) وقد تقدم شرح هذه المسألة فيما مضى ولا فرق في هذا الحكم بين القن من العبيد والمدبر والمكاتب وأم الولد قال الخطابي أجمع عوام الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته والجناية عليه إلا إبراهيم النخعي فإنه قال في المكاتب يؤدي بقدر ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي دية العبد

قسم V08/P314–V08/P316

وروي في ذلك شيء عن علي رضي الله عنه وقد روى أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده قال حدثنا محمد بن عبد الله ثنا هشام بن أبي عبد الله قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكاتب يقتل أنه يؤدي ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي دية العبد قال الخطابي وإذا صح الحديث وجب القول به إذا لم يكن منسوخا أو معارضا بما هو أولى منه مسألة قال ( ودية الجنين إذا سقط من الضربة ميتا وكان من حرة مسلمة غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه كأنه سقط حيا ) يقال غرة عبد بالصفة وغرة عبد بالإضافة والصفة أحسن لأن الغرة اسم للعبد نفسه قال مهلهل كل قتيل في كليب غرة حتى ينال القتل إلى مرة في هذه المسألة فصول خمسة أحدها أن في جنين الحرة المسلمة غرة وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وعطاء والشعبي والنخعي والزهري ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقد روي عنعمر رضي الله عنه أنه استشار الناس في املاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة قال لتأتين بمن يشهد معك فشهد له محمد بن مسلمة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبد أو أمة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم متفق عليه والغرة عبد أو أمة سميا بذلك لأنهما من أنفس الأموال والأصل في الغرة الخيار فإن قيل فقد روي في هذا الخبر أو فرس أو بغل قلنا هذا لا يثبت رواه عيسى بن يونس ووهم فيه قاله أهل النقل والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه عبد أو أمة فأما قول الخرقي من حرة مسلمة فإنما أراد أن جنين الحرة المسلمة لا يكون إلا حرا مسلما فمتى كان الجنين حرا مسلما ففيه الغرة وإن كانت أمه كافرة أو أمة مثل أن يتزوج المسلم كتابية فإن جنينها منه محكوم بإسلامه وفيه الغرة ولا يرث منها شيئا لأنه مسلم وولد السيد من أمته وولد المغرور من أمة حر وكذلك لو وطئت الأمة بشبهة فولدها حر وفيه الغرة فأما إن كان الجنين محكوما برقة لم تجب فيه الغرة وسيأتي بيان حكمه وأما جنين الكتابية والمجوسية إذا كان محكوما بكفره ففيه عشر دية أمه وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر ولم أحفظ عن غيرهم خلافهم وذلك لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه فكذلك جنين الكافرة إلا أن أصحاب الرأي يرون أن دية الكافرة كدية المسلمة فلا يتحقق عندهم بينهما اختلاف فإن كان أبوا الجنين كافرين مختلفا دينهما كولد الكتاب من المجوسية والمجوسي من الكتابية اعتبرناه بأكثرهما دية فنوجب فيه عشر دية كتابية على كل حال لأن ولد المسلمة من الكافرة معتبر بأكثرهما دية كذا هاهنا ولا فرق فيما ذكرناه بين كون الجنين ذكرا أو أنثى لأن السنة لم تفرق بينهما وبه يقول الشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وعامة أهل العلم ولو ضرب بطن كتابية حاملا من كتابي فأسلم أحد أبويه ثم أسقطته ففيه الغرة في قول ابن حامد والقاضي وهو ظاهر كلام أحمد ومذهب الشافعي لأن الضمان معتبر بحال استقرار الجناية والجنين محكوم بإسلامه عند استقرارها وفي قول أبي بكر وأبي الخطاب فيه عشر دية كتابية لأن الجناية عليه في حال الغرة وإن ضرب بطن أمة فأعتقت ثم ألقت الجنين فعلى قول ابن حامد والقاضي فيه غرة وفي قول أبي بكر وأبي الخطاب فيه عشر قيمة أمه

قسم V08/P316–V08/P317

لأن الجناية عليه في حال كونه عبدا ويمكن منع كونه عبدا ويمكن منع كونه صار حرا لأن الظاهر تلفه بالجناية وبعد تلفه لا يمكن تحريره وعلى قول هذين يكون الواجب فيه لسيده وعلى قول ابن حامد للسيد أقل الأمرين من الغرة أو عشر قيمة أمة لأن الغرة إن كانت أكثر لم يستحق الزيادة لأنها زادت بالحرية الحاصلة بزوال ملكه وإن كانت أقل لم يكن له أكثر منها لأن النقص حصل بإعتاقه فلا يضمن له كما لو قطع يد عبد فأعتقه سيده ثم مات بسراية الجناية كان له أقل الأمرين من دية حر أو نصف قيمته وما فضل عن حق السيد لورثة الجنين فأما إن ضرب بطن الأمة فأعتق السيد جنينها وحده نظرت فإن أسقطه حيا لوقت يعيش مثله ففيه دية حر نص عليه أحمد وإن كان لوقت يعيش مثله ففيه غرة لأنه حر على قول ابن حامد وعلى قول أبي بكر عليه عشر قيمة أمه وإن أسقطته ميتا ففيه عشر قيمة أمه لأننا لا نعلم كونه حيا حال إعتاقه ويحتمل أن تجب عليه الغرة لأن الأصل بقاء حياته فأشبه ما لو أعتق أمه الفصل الثاني أن الغرة إنما تجب إذا سقط من الضربة ويعلم ذلك بأن يسقط عقيب الضرب أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط ولو قتل حاملا لم يسقط جنينها أو ضرب من جوفها حركة أو انتفاخ فسكن الحركة وأذهبها لم يضمن الجنين وبهذا قال مالك وقتادة والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر وحكي عن الزهري أن عليه الغرة لأن الظاهر أنه قتل الجنين فلزمته الغرة كما لو أسقطت ولنا إنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه ولذلك لا تصح له وصية ولا ميراث ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت ولا يجب الضمان بالشك فأما إذا ألقته ميتا فقد تحقق والظاهر تلفه من ضربة فيجب ضمانه سواء ألقته في حياتها أو بعد موتها وبهذا قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة إن ألقته بعد موتها لم يضمنه لأنه يجري مجرى أعضائها وبموتها سقط حكم أعضائها ولنا إنه جنين تلف بجنايته وعلم ذلك بخروجه فوجب ضمانه كما لو سقط في حياتهما ولأنه لو سقط حيا ضمنه فكذلك إذا سقط ميتا كما لو أسقطته في حياتها وما ذكروه ليس بصحيح لأنه لو كان كذلك لكان إذا سقط ميتا ثم ماتت لم يضمنه كأعضائها ولأنه آدمي موروث فلا يدخل في ضمان أمه كما لو خرج حيا فأما إن ظهر بعضه من بطن أمه ولم يخرج باقيه ففيه الغرة وبه قال الشافعي وقال مالك وابن المنذر لا تجب الغرة حتى تلقيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الغرة في الجنين الذي ألقته المرأة وهذه لم تلق شيئا أشبه ما لو لم يظهر منه شيء ولنا إنه قاتل لجنينها فلزمته الغرة كما لو ظهر جميعه ويفارق ما لو لم يظهر منه شيء لأنه لم يتيقن قتله ولا وجوده وكذلك إن ألقت يدا أو رجلا أو رأسا أو جزءا من أجزاء الآدمي وجبت الغرة لأنا تيقنا أنه من جنين وإن ألقت رأسين أو أربع أيد لم يجب أكثر من غرة لأن ذلك يجوز أن يكون من جنين واحد ويجوز أن يكون من جنينين فلم تجب الزيادة مع الشك لأن الأصل براءة الذمة وكذلك لم يجب ضمانه إذا لم يظهر فإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه لأنا لا نعلم أنه جنين وإن ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة وإن شهدت أنه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور ففيه وجهان أصحهما لا شيء فيه لأنه لم يتصور فلم يجب فيه كالعلقة ولأن الأصل براءة الذمة فلا تشغلها بالشك والثاني فيه غرة لأنه مبتدأ خلق آدمي أشبه ما لو تصور وهذا يبطل بالنطفة والعلقة الفصل الثالث أن الغرة عبد أو أمة وهذا قول أكثر أهل العلم وقال عروة وطاوس ومجاهد عبد أو أمة أو فرس لأن الغرة اسم لذلك

قسم V08/P317–V08/P318

وقد جاء في حديث أبي هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة ونحوه قال الشعبي لأنه روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل في ولدها مائة شاة رواه أبو داود وروي عن عبد الملك بن مروان أنه قضى في الجنين إذا أملص بعشرين دينارا فإذا كان مضغة فأربعين فإذا كان عظما فستين فإذا كان العظم قد كسي لحما فثمانين فإن تم خلقه وكسي شعره فمائة دينار قال قتادة إذا كان علقة فثلث غرة وإذا كان مضغة فثلثي غرة ولنا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في إملاص المرأة بعبد أو أمة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضية على ما خالفهم وذكر الفرس والبغل في الحديث وهم انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة فالظاهر أنه وهم فيه وهو متروك في البغل بغير خلاف وكذلك في الفرس وهذا الحديث الذي ذكرناه أصح ما روي فيه وهو متفق عليه وقد قال به أكثر أهل العلم فلا يلتفت إلى ما خالفه وقول عبد الملك بن مروان تحكم بتقدير لم يرد به الشرع وكذلك قتادة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع من قولهما إذا ثبت هذا فإنه تلزمه الغرة فإن أراد دفع بدلها ورضي المدفوع إليه جاز لأنه حق آدمي فجاز ما تراضيا عليه وأيهما امتنع من قبول البدل فله ذلك لأن الحق فيها فلا يقبل بدلها إلا برضاهما وتجب الغرة سالمة من العيوب وإن قل العيب لأنه حيوان وجب بالشرع فلم يقبل فيه المعيب كالشاة في الزكاة لأن الغرة الخيار والمعيب ليس من الخيار ولا يقبل فيها هرمة ولا ضعيفة ولا خنثى ولا خصي وإن كثرت قيمته لأن ذلك عيب ولا يتقدر منها في ظاهر كلام الخرقي وهو قول أبي حنيفة وقال القاضي وأبو الخطاب وأصحاب الشافعي لا يقبل فيها من له دون سبع سنين لأنه يحتاج إلى من يكفله له ويحضنه وليس من الخيار وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة لأنه لا يدخل على النساء ولا ابنة عشرين لأنها تتغير وهذا تحكم لم يرد الشرع به فيجب أن لا يقبل وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع ولأن بلوغه قيمة الكبير مع صغره يدل على أنه خيار ولم يشهد لما ذكروه نص ولا له نظير يقاس عليه والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلا وبنية وأقدر على التصرف وأنفع في الخدمة وقضاء الحاجة وكونه لا يدخل على النساء إن أريد به النساء الأجنبيات بلا حاجة إلى دخوله عليهن وإن أريد به سيدته فليس بصحيح فإن الله تعالى قال ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم إلى قوله ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض النور 58 ثم لو لم يدخل على النساء لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعد فواتا كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة لا يعد فواتا ولا خسرانا ولا يعتبر لون الغرة وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أن الغرة لا تكون إلا بيضاء ولا يقبل عبد أسود ولا جارية سوداء ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بعبد أو أمة وأطلق مع غلبة السواد على عبيدهم وإمائهم ولأنه حيوان يجب دية فلم يعتبر لونه كالإبل في الدية

قسم V08/P318–V08/P319

الفصل الرابع أن الغرة قيمتها نصف عشر الدية وهي خمس من الإبل وروي ذلك عن عمر وزيد رضي الله عنهما وبه قال النخعي والشعبي وربيعة وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات وهو أرش الموضحة ودية السن فرددناه إليه فإن قيل فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث وذلك دون ما ذكرتموه قلنا الذي نص عليه صاحب الشريعة غرة قيمتها أرش الموضحة وهو خمس من الإبل وإذا كان أبوا الجنين كتابيين ففيه غرة قيمتها نصف قيمة الغرة الواجبة في المسلم وفي جنين المجوسية غرة قيمتها أربعون درهما وإذا تعذر وجود غرة بهذه الدراهم وجبت الدراهم لأنه موضع حاجة وإذا اتفق نصف عشر الدية من الأصول كلها بأن تكون قيمتها خمسا من الإبل وخمسين دينارا أو ستمائة درهم فلا كلام وإن اختلفت قيمة الإبل فنصف عشر الدية من غيرها مثل أن كانت قيمة الإبل أربعين دينارا أو أربعمائة درهم فظاهر كلام الخرقي أنها تقوم بالإبل لأنها الأصل وعلى قول غيره من أصحابنا تقوم بالذهب أو الورق فجعل قيمتها خمسين دينارا أو ستمائة درهم فإن اختلفا قومت على أهل الذهب به وعلى أهل الورق به فإن كان من أهل الذهب والورق جميعا قومها من هي عليه بما شاء منهما لأن الخيرة إلى الجاني في دفع ما شاء من الأصول ويحتمل أن تقوم بأدناهما على كل حال لذلك وإذا لم يجد الغرة انتقل إلى خمس من الإبل على قول الخرقي وعلى قول غيره ينتقل إلى خمسين دينارا أو ستمائة درهم الفصل الخامس أن الغرة موروثة عن الجنين كأنه سقط حيا لأنها دية له وبدل عنه فيرثها ورثته كما لو قتل بعد الولادة وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال الليث لا تورث بل تكون بدله لأمه لأنه كعضو من أعضائها فأشبه يدها ولنا إنها دية آدمي حر فوجب أن تكون موروثة عنه كما لو ولدته حيا ثم مات وقوله إنه عضو من أعضائها لا يصح لأنه لو كان عضوا لدخل بدله في دية أمه كيدها ولما منع القصاص من أمه وإقامة الحد عليها من أجله ولما وجبت الكفارة بقتله ولما صح عتقه دونها ولا عتقها دونه ولا تصور حياته بعد موتها ولأن كل نفس تضمن بالدية تورث كدية الحي فعلى هذا إذا أسقطت جنينا ميتا ثم ماتت فإنها ترث نصيبها من ديته ثم يرثها ورثتها وإن ماتت قبله ثم ألقته ميتا لم يرث أحدهما صاحبه وإن خرج حيا ثم مات قبلها ثم ماتت فإنها ترث نصيبها من ديته ثم يرثها ورثتها وإن ماتت قبله ثم ألقته ميتا لم يرث أحدهما صاحبه وإن خرج حيا ثم ماتت قبله ثم مات أو ماتت ثم خرج حيا ثم مات ورثها ثم يرثه ورثته وإن اختلف وراثهما في أولهما موتا فحكمهما حكم الغرقى على ما ذكر في موضعه ويجيء على قول الخرقي في المسألة التي ذكرها إذا ماتت امرأة وابنها أن يحلف ورثة كل واحد منهما ويختصموا بميراثه وإن ألقت جنينا ميتا أو حيا ثم مات ثم ألقت آخر حيا ففي الميت غرة وفي الحي الأول دية كاملة إذا كان سقوطه لوقت يعيش مثله ويرثهما الآخر ثم يرثه ورثته إن مات وإن كانت الأم قد ماتت بعد الأول وقبل الثاني فإن دية الأول ترث منها الأم والجنين الثاني ثم إذا ماتت الأم ورثها الثاني ثم يصير ميراثه لورثته وإن ماتت الأم بعدهما ورثتهما جميعا فصل وإذا ضرب بطن امرأة فألقت أجنة ففي كل واحدة غرة وبهذا قال الزهري ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر قال ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم وذلك لأنه ضمان آدمي فتعدد بتعدده كالديات وإن ألقتهم أحياء في وقت يعيشون في مثله ثم ماتوا ففي كل واحدة دية كاملة وإن كان بعضهم حيا فمات وبعضهم ميتا ففي الحي دية وفي الميت غرة

قسم V08/P319–V08/P320

فصل وتحمله العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه نص عليه أحمد إذا كانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد لما روى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة على عصبة القاتلة وإن كان قتل الأم عمدا أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة وقال الشافعي تحمله العاقلة على كل حال بناء على قوله إن العاقلة تحمل القليل والكثير والجناية على الجنين ليست تعمد لأنه لا يتحقق وجوده ليكون مقصودا بالضرب ولنا إن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث على ما ذكرناه وهذا دون الثلث وإذا مات وحده أو من جناية عمد فدية أمه على قاتلها فكذلك ديته لأن الجناية لا يحمل بعض ديتها الجاني وبعضها غيره فيكون الجميع على القاتل كما لو قطع عمدا فسرت الجناية إلى النفس مسألة قال ( وإن كان الجنين مملوكا ففيه عشر قيمة أمه سواء كان الجنين ذكرا أو أنثى ) وجملة ذلك أنه إذا كان جنين الأمة مملوكا فسقط من الضربة ميتا ففيه عشر قيمة أمه هذا قول الحسن وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر وبنحوه قال النخعي والزهري وقال زيد بن أسلم يجب فيه نصف عشر غرة وهو خمسة دنانير وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرا وعشر قيمته إن كان أنثى لأن الغرة واجبة في جنين الحرة نصف عشر دية الرجل وعشر دية الأنثى وهذا متلف فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه ولأنه جنين مضمون تلف بالضرب فكان فيه نصف عشر الواجب فيه إذا كان ذكرا كبيرا وعشر الواجب إذا كان أنثى كجنين الحرة وقال محمد بن الحسن مذهب أهل المدينة يفضي إلى أن يجب في الجنين الميت أكثر من قيمته إذا كان حيا ولنا إنه جنين مات بالجناية في بطن أمه فلم يختلف ضمانه بالذكورة والأنوثة كجنين الحرة ودليلهم نقلبه عليهم فنقول جنين مضمون تلف بالجناية فكان الواجب فيه عشر ما يجب في أمه كجنين الحرة وما ذكروه من مخالفة الأصل معارض بأن مذهبهم يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر وهو خلاف الأصول ولأنه لو اعتبر بنفسه لوجبت قيمته كلها كسائر المضمونات بالقيمة ولأن مخالفتهم أشد من مخالفتنا لأننا اعتبرناه إذا كان ميتا بأمه وإذا كان حيا بنفسه فجاز أن تزيد قيمة الميت على الحي مع اختلاف الجهتين كما جاز أن يزيد البعض على الكل في أن من قطع أطراف إنسان الأربعة كان الواجب عليه أكثر من دية النفس كلها وهم فضلوا الأنثى على الذكر مع اتحاد الجهة وأوجبوا فيما يضمن بالقيمة عشر قيمته تارة ونصف عشرها أخرى وهذا لا نظير له إذا ثبت هذا فإن قيمة أمه معتبرة يوم الجناية وعليها وهذا منصوص الشافعي وقال بعض أصحابه تقوم حين أسقطت لأن الاعتبار في ضمان الجناية بالاستقرار ويتخرج لنا وجه كذلك ولنا إنه لم يتحلل بين الجناية وحال الاستقرار ما يوجب تغيير بدل النفس فكان الاعتبار بحال الجناية كما لو جرح عبدا ثم نقصت السوق لكثرة الجلب ثم مات فإن الاعتبار بقيمته يوم الجناية ولأن قيمتها تتغير بالجناية وتنقص فلم تقوم في حال نقصها الحاصل بالجناية كما لو قطع يدها فماتت من سرايتهما أو قطع يدها فمرضت بذلك ثم اندملت جراحتها فصل وولد المدبرة والمكاتبة والمعتقة بصفة وأم الولد إذا حملت من غير مولاها حكمه حكم ولد الأمة لأنه مملوك ولا تحمل العاقلة شيئا من ذلك لأن العاقلة لا تحمل عبدا بحال فأما جنين المعتق بعضها فهو كهي فيه من الحرية مثل ما فيها فإذا كان نصفها حرا فنصفه حر فيه نصف غرة لورثته وفي النصف الباقي نصف عشر قيمة أمه لسيده

الأسئلة