Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V08/P369–V08/P370

المنقلة زائدة على الهاشمة وهي التي تكسر العظام وتزيلها عن مواضعها فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم وفيها خمس عشرة من الإبل بإجماع من أهل العلم حكاه ابن المنذر وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي تفصيلها ما في تفصيل الموضحة والهاشمة على ما مضى مسألة قال ( وفي المأمومة ثلث الدية وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وفي الآمة مثل ما في المأمومة ) المأمومة والآمة شيء واحد قال ابن عبد البر أهل العراق يقولون لها الآمة وأهل الحجاز المأمومة وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ سميت أم الدماغ لأنها تحوطه وتجمعه فإذا وصلت الجراحة إليها سميت آمة ومأمومة يقال آم الرجل آمة ومأمومة وأرشها ثلث الدية في قول عامة أهل العلم إلا مكحولا فإنه قال إن كانت عمدا ففيها ثلثا الدية وإن كانت خطأ ففيها ثلثها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم وفي المأمومة ثلث الدية وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وروي نحوه عن علي ولأنها شجة فلم يختلف أرشها بالعمد والخطأ في المدار كسائر الشجاج فصل وإن خرق جلدة الدماغ فهي الدامغة وفيها ما في المأمومة قال القاضي لم يذكر أصحابنا الدامغة لمساواتها المأمومة في أرشها وقيل فيها في ذلك حكومة لخرق جلدة الدماغ ويحتمل أنهم تركوا ذكرها لكونها لا يسلم صاحبها في الغالب فصل فإن أوضحه رجل ثم هشمه الثاني ثم جعلها الثالث منقلة ثم جعلها الرابع مأمومة فعلى الأول أرش موضحته وعلى الثاني خمس تمام أرش الهاشمة وعلى الثالث خمس تمام أرش المنقلة وعلى الرابع ثمانية عشر وثلث تمام أرش المأمومة مسألة قال ( وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف ) هذا قول عامة أهل العلم منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الحديث وأصحاب الرأي إلا مكحولا قال فيها في العمد ثلثا الدية ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم وفي الجائفة ثلث الدية وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ولأنها جراحة فيها مقدر فلم يختلف أرشها بالعمد والخطأ كالموضحة ولا نعلم في جراح البدن الخالية عن قطع الأعضاء وكسر العظام مقدرا غير الجائفة والجائفة ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو ورك أو غيره وذكر ابن عبد البر أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي والبتي وأصحابهم اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف قال ابن القاسم الجائفة ما أفضى إلى الجوف ولو بمغرز إبرة فأما إن خرق شدقه فوصل إلى باطن الفم فليس بجائفة لأن داخل الفم حكمه حكم الظاهر لا حكم الباطن وإن طعنه في وجنته فكسر العظم ووصل إليه فيه فليس بجائفة لما ذكرنا وقال الشافعي في أحد قوليه هو جائفة لأنه قد وصل إلى جوف وهذا ينتقض بما إذا خرق شدقه فعلى هذا يكون عليه دية هاشمة لكسر العظم وفيما زاد حكومة وإن جرحه في أنفه فأنفذه فهو كما لو جرحه في وجنته فأنفذه إلى فيه في الحكم والخلاف وإن جرحه في ذكره فوصل إلى مجرى البول الذكر فليس بجائفة لأنه ليس بجوف يخاف التلف من الوصول إليه بخلاف غيره فصل وإن أجافه جائفتين بينهما حاجز فعليه ثلثا الدية وإن خرق الجاني ما بينهما أو ذهب بالسراية صار جائفة واحدة فيها ثلث الدية لا غير وإن خرق ما بينهما أجنبي أو المجني عليه فعلى الأول ثلثا الدية وعلى الأجنبي الثاني ثلثها ويسقط ما قابل فعلى المجني عليه وإن احتاج إلى خرق ما بينه ما للمداواة فخرقها المجني عليه أو غيره بأمره أو خرقها ولي المجني عليه لذلك أو الطبيب بأمره فلا شيء في خرق الحاجز وعلى الأول ثلثا الدية وإن أجافه رجل فوسعها آخر فعلى كل واحد منهما أرش جائفة لأن فعل كل واحد منهما لو انفرد كان جائفة فلا يسقط حكمه بانضمامه إلى فعل غيره

قسم V08/P370–V08/P371

لأن فعل الإنسان لا ينبغي على فعل غيره وإن وسعها الطبيب بإذنه أو إذن وليه لمصلحته فلا شيء عليه وإن وسعها جان آخر في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر فعليه حكومة لأن جنايته لم تبلغ الجائفة وإن أدخل السكين في الجائفة ثم أخرجها عزر ولا أرش عليه وإن كان قد خاطها فجاء آخر فقطع الخيوط وأدخل السكين فيها قبل أن تلتحم عزر أشد من التعزير الأول الذي قبله وغرمه ثمن الخيوط وأجرة الخياط ولم يلزمه أرش جائفة لأنه لم يجفه وإن فعل ذلك بعد التحامها فعليه أرش الجائفة وثمن الخيوط لأنه بالالتحام عاد إلى الصحة فصار كالذي لم يجرح وإن التحم بعضها دون بعض ففتق ما التحم فعليه أرش جائفة لما ذكرنا وإن فتق غير ما التحم عليه فليس عليه أرش الجائفة وحكمه حكم من فعل مثل فعله قبل أن يلتحم منها شيء وإن فتق بعض ما التحم في الظاهر دون الباطن أو الباطن دون الظاهر فعليه حكومة كما لو وسع جرحه كذلك فصل وإن جرح فخذه ومد السكين حتى بلغ الورك فأجاف فيه أو جرح الكتف وجر السكين حتى بلغ الصدر فأجافه فيه فعليه أرش الجائفة وحكومة في الجراح لأن الجراح في غير موضع الجائفة فانفردت بالضمان كما لو أوضحه في رأسه وجر السكين حتى بلغ القفا فإنه يلزمه أرش موضحة وحكومة لجرح القفا فصل فإن أدخل حديدة أو خشبة أو يده في دبر إنسان فخرق حاجزا في الباطن فعليه حكومة ولا يلزمه أرش جائفة لأن الجائفة ما خرقت من الظاهر إلى الجوف وهذه بخلافه وكذلك لو أدخل السكين في جائفة إنسان فخرق شيئا في الباطن فليس ذلك بجائفة لما ذكرنا مسألة قال ( فإن جرحه في جوفه فخرج من الجانب الآخر فهما جائفتان ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء ومجاهد وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر لا أعلمهم يختلفون في ذلك وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه قال هي جائفة واحدة وحكي أيضا عن أبي حنيفة لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر ولنا ما روى سعيد بن المسيب أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه فقضى أبو بكر رضي الله عنه بثلثي الدية ولا مخالف له فيكون إجماعا أخرجه سعيد بن منصور في سننه وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قضى في الجائفة إذا نفذت الجوف بأرش جائفتين لأنه أنفذه من موضعين فكان جائفتين كما لو أنفذه بضربتين وما ذكره غير صحيح فإن الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف لا بكيفية إيصاله إذ لا أثر لصورة الفعل مع التساوي في المعنى ولأن ما ذكروه من الكيفية ليس بمذكور في خبر وإنما العادة والغالب وقوع الجائفة هكذا فلا يعتبر كما أن العادة والغالب حصولها بالحديد ولو حصلت بغيره لكانت جائفة ثم ينتقض ما ذكروه بما لو أدخل يده في جائفة إنسان فخرق بطنه من موضع آخر فإنه يلزمه أرش جائفة بغير خلاف نعلمه وكذلك يخرج فيمن أوضح إنسانا في رأسه ثم أخرج رأس السكين من موضع آخر فهي موضحتان فإن هشمه هاشمة لها مخرجان فهي هاشمتان وكذلك ما أشبهه فصل فإن أدخل أصبعه في فرج بكر فأذهب بكارتها فليس بجائفة لأن ذلك ليس بجوف مسألة قال ( ومن وطىء زوجته وهي صغيرة ففتقها لزمه ثلث الدية ) معنى الفتق خرق ما بين مسلك البول والمني وقيل بل معنا خرق ما بين القبل والدبر إلا أن هذا بعيد لأنه يبعد أن يذهب بالوطء ما بينهما من الحاجز فإنه حاجز غليظ قوي والكلام في هذه المسألة في فصلين أحدهما في أصل وجوب الضمان والثاني في قدره أما الأول فإن الضمان إنما يجب بوطء الصغيرة أو النحيفة التي لا تحمل الوطء دون الكبيرة المحتملة له وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي يجب الضمان في الجميع لأنه جناية فيجب الضمان به كما لو كان في أجنبية

قسم V08/P371–V08/P373

ولنا إنه وطء مستحق فلم يجب ضمان ما تلف به كالبكارة ولأنه فعل مأذون فيه ممن يصح إذنه فلم يضمن ما تلف بسرايته كما لو أذنت في مداواتها بما يفضي إلى ذلك وكقطع السارق أو استيفاء القصاص وعكسه الصغيرة والمكرهة على الزنا إذا ثبت هذا فإنه يلزمه المهر المسمى في النكاح مع أرش الجناية ويكون أرش الجناية في ماله إن كان عمدا محضا وهو أن يعلم أنها لا تطيقه وأن وطأه يفيضها فأما إن لم يعلم ذلك وكان مما يحتمل أن لا يفضي إليه فهو عمد الخطأ فيكون على عاقلته إلا على قول من قال إن العاقلة لا تحمل عمد الخطأ فإنه يكون في ماله الفصل الثاني في قدر الواجب وهو ثلث الدية وبهذا قال قتادة وأبو حنيفة وقال الشافعي تجب الدية كاملة وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز لأنه أتلف منفعة الوطء فلزمته الدية كما لو قطع إسكتيها ولنا ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية ولم نعرف له في الصحابة مخالفا ولأن هذه الجناية تخرق الحاجز بين مسلك البول والذكر فكان موجبها ثلث الدية كالجائفة ولا نسلم أنها تمنع الوطء وأما قطع الإسكتين فإنما أوجب الدية لأنه قطع عضوين فيهما نفع وجمال فأشبه قطع الشفتين فصل وإن استطلق بولها مع ذلك لزمته دية من غير زيادة وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي تجب دية وحكومة لأنه فوت منفعتين فلزمه أرشهما كما لو فوت كلامه وذوقه ولنا إنه أتلف عضوا واحدا لم يفت غير منافعه فلم يضمنه بأكثر من دية واحدة كما لو قطع لسانه فذهب ذوقه وكلامه وما قاله لا يصح لأنه لو أوجب دية المنفعتين لأوجب ديتين لأن استطلاق البول موجب الدية والإفضاء عنده موجب للدية منفردا ولم يقل به وإنما أوجب الحكومة ولم يوجد مقتضيها فإننا لا نعلم أحدا أوجب في الإفضاء حكومة فصل وإن اندمل الحاجز وانسد وزال الإفضاء لم يجب ثلث الدية ووجبت حكومة لجبر ما حصل من النقص فصل وإن أكره امرأة على الزنا فأفضاها لزمه ثلث ديتها ومهر مثلها لأنه حصل بوطء غير مستحق ولا مأذون فيه فلزمه ضمان ما تلف به كسائر الجنايات وهل يلزمه أرش البكارة مع ذلك فيه روايتان إحداهما لا يلزمه لأن أرش البكارة داخل في مهر المثل فإن مهر البكر أكثر من مهر الثيب فالتفاوت بينهما هو عوض أرش البكارة فلم يضمنه مرتين كما في حق الزوجة والثانية يضمنه لأنه محل أتلفه بعدوانه فلزمه أرشه كما لو أتلفه بأصبعه فأما المطاوعة على الزنا إذا كانت كبيرة ففتقها فلا ضمان عليه في فتقها وقال الشافعي يضمن لأن المأذون فيه الوطء دون الفتق فأشبه ما لو قطع يدها ولنا إنه ضرر حصل من فعل مأذون فلم يضمنه كأرش بكارتها ومهر مثلها وكما لو أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها وفارق ما إذا أذنت في وطئها فقطع يدها لأن ذلك ليس من المأذون فيه ولا من ضرورته فصل وإن وطىء امرأة شبهة فأفضاها فعليه أرش إفضائها مع مهر مثلها لأن الفعل إنما أذن فيه اعتقادا أن المستوفى له هو المستحق فإذا كان غيره ثبت في حقه وجوب الضمان لما أتلف كما لو أذن في أخذ الدين لمن يعتقد أنه مستحقه فبان أنه غيره وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجب لها أكثر من مهر مثلها أو أرش إفضائها لأن الأرش لإتلاف العضو فلا يجمع بين ضمانه وضمان منفعته كما لو قلع عينا ولنا إن هذه جناية تنقل عن الوطء فلم يدخل بدله فيها كما لو كسر صدرها وما ذكروه غير صحيح فإن المهر يجب لاستيفاء منفعة البضع والأرش يجب لإتلاف الحاجز فلا تدخل المنفعة فيه فصل وإن استطلق بول المكرهة على الزنا والموطوءة بشبهة مع إفضائهما فعليه ديتهما والمهر وقال أبو حنيفة في الموطوءة بشبهة لا يجمع بينهما ويجب أكثرهما وقد سبق الكلام معه في ذلك مسألة قال ( وفي الضلع بعير وفي الترقوة بعيران )

قسم V08/P373–V08/P374

ظاهر هذا أن في كل ترقوة بعيرين فيكون في الترقوتين أربعة أبعرة وهذا قول زيد بن ثابت والترقوة هو العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف ولكل واحد ترقوتان ففيهما أربعة أبعرة في ظاهر قول الخرقي وقال القاضي المراد بقول الخرقي الترقوتان معا وإنما اكتفى بلفظ الواحد الألف واللام المقتضية للاستغراق فيكون في كل ترقوة بعير وهذا قول عمر بن الخطاب وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الملك بن مروان وسعيد بن جبير وقتادة وإسحاق وهو قول الشافعي والمشهور من قوليه عند أصحابه أن في كل واحد مما ذكرنا حكومة وهو قول مسروق وأبي حنيفة ومالك وابن المنذر لأنه عظم باطن لا يختص بجمال ومنفعة فلم يجب فيه أرش مقدر كسائر أعضاء البدن ولأن التقدير إنما يكون بتوقيف أو قياس صحيح وليس في هذا توقيف ولا قياس وروي عن الشعبي أن في الترقوة أربعين دينارا وقال عمرو بن شعيب في الترقوتين الدية وفي أحدهما نصف لأنهما عضوان فيهما جمال ومنفعة وليس في البدن غيرهما من جنسهما فكملت فيهما الدية كاليدين ولنا قول عمر رضي الله عنه وزيد بن ثابت وما ذكروه ينتقض بالهاشمة فإنها كسر عظام باطنة وفيها مقدر ولا يصح قولهم إنها لا تختص بجمال ومنفعة فإن جمال هذه العظام ونفعها لا يوجد في غيرها ولا مشارك لها فيه وأما قول عمرو بن شعيب فمخالف للإجماع فإننا لا نعلم أحدا قبله ولا بعده وافقه فيه مسألة قال ( وفي الزند أربعة أبعرة لأنه عظمان ) قال القاضي يعني به الزندين فيهما أربعة أبعرة لأن فيهما أربعة عظام ففي كل عظم بعير وهذا يروي عن عمر بن الخطاب وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي فيه حكومة لما تقدم ولنا ما روى سعيد ثنا هشيم حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أو عمرو بن العاص كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر فكتب له عمر إن فيه بعيرين وإذا كسر الزندين ففيهما أربعة من الإبل ورواه أيضا من طريق آخر مثل ذلك وهذا لم يظهر له مخالف في الصحابة فكان إجماعا فصل ولا مقدر في غير هذه العظام في ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر أهل العلم وقال القاضي في عظم الساق بعيران وفي الساقين أربعة أبعرة وفي عظم الفخذ بعيران وفي الفخذين أربعة فهذه تسعة عظام فيها مقدر الضلع والترقوتان والزندان والساقان والفخذان وما عداها لا مقدر فيه وقال ابن عقيل وأبو الخطاب وجماعة من أصحال القاضي في كل واحد من الذراع والعضد بعيران وزاد أبو الخطاب عظم القدم لما روى سليمان بن يسار أن عمر قضى في الذراع والعضد والفخذ والساق والزند إذا كسر منها واحد منها فجبر ولم يكن به دحور يعني عوجا بعير وإن كان فيها دحور فبحساب ذلك وهذ الخبر إن صح فهو مخالف لما ذهبوا إليه فلا يصبح دليلا عليه والصحيح إن شاء الله أنه لا تقدير في غير الخمسة الضلع والترقوتين والزندين لأن التقدير إنما يثبت بالتوقيف ومقتضى الدليل وجوب الحكومة في هذه العظام الباطنة كلها وإنما خالفناه في هذه العظام لقضاء عمر رضي الله عنه ففيما عداها يبقى على مقتضى الدليل وما عدا هذه العظام كعظم الظهر وغيره ففيه الحكومة ولا نعلم فيه مخالفا وإن خالف فهو قول شاذ لا يستند إلى دليل يعتمد عليه ولا يصار إليه مسألة قال ( والشجاج التي لا توقيت فيها أولها الحارصة وهي التي تحرص الجلد ) يعني تشقه قليلا وقال بعضهم هي الحارصة ثم الباضعة وهي التي تشق اللحم بعد الجلد ثم البازلة وهي التي يسيل منها الدم ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم ثم السمحاق وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة ثم الموضحة هكذا وقع في النسخ التي وصلت إلينا الحارصة ثم الباضعة ثم البازلة ولعله من غلط الكاتب والصواب الحارصة ثم البازلة ثم الباضعة هكذا رتبها سائر من علمنا قوله من أهل العلم

قسم V08/P374–V08/P375

ولأن الباضعة التي تشق اللحم بعد الجلد فلا يمكن وجودها قبل البازلة التي يسيل منها الدم وتسمى الدامعة لقلة سيلان دمها تشبيها له بخروج الدمع من العين والتي تشق اللحم بعد الجلد يسيل منها دم كثير في الغالب فكيف يصح جعلها سابقة على ما لا يسهل منها إلا دم يسير كدمع العين ويدل على صحة ما ذكرناه أن زيد بن ثابت جعل في البازلة بعيرا وفي الباضعة بعيرن وقول الخرقي والشجاج يعني جراح الرأس والوجه فإنه يسمى شجاجا خاصة دون جراح سائر البدن والشجاج المسماة عشر خمس منها أرشها مقدر وقد ذكرناهما وخمس لا توقيت فيها قال الأصمعي أولها الحارصة وهي التي تشق الجلد قليلا يعني تقشر شيئا يسيرا من الجلد لا يظهر منه دم ومنه حرص القصار الثوب إذا شقه قليلا ثم البازلة وهي التي ينزل منها الدم أي يسيل وتسمى الدامية أيضا والدامعة ثم الباضعة وهي التي تشق اللحم بعد الجلد ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم يعني دخلت فيه دخولا كثيرا يزيد على الباضعة ولم تبلغ السمحاف ثم السمحاق وهي التي تصل إلى قشرة رقيقة فوق العظم تسمى تلك القشرة سمحاقا وسميت الجراح الواصلة إليها بها ويسميها أهل المدينة الملطا والملطاة وهي التي تأخذ اللحم كله حتى تخلص منه ثم الموضحة وهي التي تقشر تلك الجلدة وتبدي وضح العظم أي بياضه وهي أول الشجاج الموقتة وما قبلها من الشجاج الخمس فلا توقيت فيها في الصحيح من مذهب أحمد وهو قول أكثر الفقهاء يروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن أحمد رواية أخرى أن في الدامية بعيرا وفي الباضعة بعيرين وفي المتلاحمة ثلاثة وفي السمحاق أربعة أبعرة لأن هذا يروي عن زيد بن ثابت وروي عن علي في السمحاق مثل ذلك رواه سعيد عنهما وعن عمر وعثمان فيها نصف أرش الموضحة والصحيح الأول لأنها جراحات لم يرد فيها توقيت في الشرع فكان الواجب فيها حكومة كجراحات البدن وروي عن مكحول قال قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها ولأنه لم يثبت فيها مقدر بتوقيف ولا له قياس يصح فوجب الرجوع إلى الحكومة كالحارصة وذكر القاضي أنه متى أمكن اعتبار هذه الجراحات من الموضحة مثل أن يكون في رأس المجني عليه موضحة إلى جانبها قدرت هذه الجراحة منها فإن كانت بقدر النصف وجب نصف أرش الموضحة إن كانت بقدر الثلث وجب ثلث الأرش وعلى هذا إلا أن تزيد الحكومة على قدر ذلك فتوجب ما تخرجه الحكومة فإذا كانت الجراحة قدر نصف الموضحة وشينها ينقص قدر ثلثيها أوجبنا ثلثي أرش الموضحة وإن نقصت الحكومة أقل من النصف أوجبنا النصف فتوجب الأكثر مما تخرجه الحكومة أو قدرها من الموضحة لأنه اجتمع سببان موجبان الشين وقدرها من الموضحة فوجب بها أكثرهما لوجود سببه والدليل على إيجاب المقدار أن هذا اللحم فيه مقدر فكان في بعضه بمقداره من ديته كالمارن والحشفة والشفة والجفن وهذ مذهب الشافعي وهذا لا نعلمه مذهبا لأحمد وما يقتضيه مذهبه ولا يصح لأن هذه جراحة تجب فيها الحكومة فلا يجب فيها مقدر كجراحات البدن ولا يصح قياس هذا على ما ذكره فإنه لا تجب فيه الحكومة ولا نعلم لما ذكروه نظيرا مسألة قال ( وما لم يكن فيه من الجراح توقيت ولم يكن نظيرا لما وقتت ديته ففيه حكومة ) أما الذي فيه توقيت فهو الذي نص النبي صلى الله عليه وسلم على أرشه وبين قدر ديته كقوله في الأنف الدية وفي اللسان الدية وقد ذكرناه وأما نظيره فهو ما كان في معناه ومقيسا عليه كالأليتين والثديين والحاجبين وقد ذكرنا ذلك أيضا فما لم يكن من الوقت ولا مما يمكن قياسه عليه كالشجاع التي دون الموضحة وجراح البدن سوى الجائفة وقطع الأعضاء وكسر العظام المذكورة فليس فيه إلا الحكومة

قسم V08/P375–V08/P377

مسألة قال ( والحكومة أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقصته الجناية فله مثله من الدية كأن تكون قيمته وهو عبد صحيح عشرة وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة فكيون فيه عشر ديته ) هذا الذي ذكره الخرقي رحمه الله في تفسير الحكومة قول أهل العلم كلهم لا نعلم بينهم فيه خلافا وبه قال الشافعي والعنبري وأصحاب الرأي وغيرهم قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن معنى قولهم حكومة أن يقال إذا أصيب الإنسان بجرح لا عقل له معلوم كم قيمة هذا المجروح لو كان عبدا لم يجرح هذا الجرح فإذا قيل مائة دينار قيل وكم قيمته وقد أصابه هذا الجرح وانتهى برؤه قيل خمسة وتسعون فالذي يجب على الجاني نصف عشر الدية وإن قالوا تسعون فعشر الدية وإن زاد أو نقص فعلى هذا المثال وإنما كان كذلك لأن جملته مضمونة بالدية فأجزاؤه مضمونة منها كما أن المبيع لما كان مضمونا على البائع بالثمن كان أرش عيبه مقدرا من الثمن فيقال كم قيمته لا عيب فيه فقالوا عشرة فيقال كم قيمته وفيه العيب فإذا قيل تسعة علم أنه نقص عشر قيمته فيجب أن ترد من الثمن عشره أي قدر كان ونقدره عبدا ليمكن تقويمه ونجعل العبد أصلا للحر فيما لا موقت فيه والحر أصلا للعبد فيما فيه توقيت مسألة قال ( وعلى هذا ما زاد من الحكومة أو نقص إلا أن تكون الجناية في رأس أو وجه فيكون أسهل مما وقت فيه فلا يجاوز به أرش الموقت ) يعني لو نقصته الجناية أكثر من عشر قيمته لوجب أكثر من عشر ديته ولو نقصته أقل من العشر مثل أن نقصته نصف عشر قيمته لوجب نصف عشر ديته إلا إذا شجه دون الموضحة فبلغ أرش الجراح بالحكومة أكثر من أرش الموضحة لم يجب الزائد فلو جرحه في وجهه سمحاقا فنقصته عشر قيمته فمقتضى الحكومة وجوب عشر من الإبل ودية الموضحة خمس فها هنا يعلم غلط المقوم لأن الجراحة لو كانت موضحة لم تزد على خمس مع أنها سمحاق وزيادة عليها فلأن لا يجب في بعضها زيادة على خمس أولى وهذا قول أكثر أهل العلم وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن مالك أنه يجب ما تخرجه الحكومة كائنا ما كان لأنها جراحة لا مقدر فيها فوجب فيها ما نقص كما لو كانت في سائر البدن ولنا إنها بعض الموضحة لأنه لو أوضحه لقطع ما قطعته هذه الجراحة ولا يجوز أن يجب في بعض الشيء أكثر مما يجب فيه ولأن الضرر في الموضحة أكثر والشين أعظم والمحل واحد فإذا لم يزد أرش الموضحة على خمس كان ذلك تنبيها على أن لا يزيد ما دونها عليها وأما سائر البدن فما كان فيه موقت كالأعضاء والعظام المعلومة والجائفة فلا يزاد جرح عظم على ديته مثاله جرح أنملة فبلغ أرشها بالحكومة خمسا من الإبل فإنه يرد إلى دية الأنملة وإن جنى عليه في جوفه دون الجائفة لم يزد على أرش الجائفة وما لم يكن كذلك وجب ما أخرجته الحكومة لأن المحل مختلف فإن قيل فقد وجب في بعض البدن أكثر مما وجب في جميعه ووجب في منافع اللسان أكثر من الواجب فيه قلنا إنما وجبت دية النفس عوضا عن الروح وليست الأطراف بعضها بخلاف مسألتنا هذه ذكره القاضي ويحتمل كلام الخرقي أن يختص امتناع الزيادة بالرأس والوجه لقوله إلا أن تكون الجناية في رأس أو وجه فلا يجاوز به أرش الموقت

قسم V08/P377–V08/P378

فصل وإذا أخرجت الحكومة في شجاج الرأس التي دون الموضحة قدر أرش الموضحة أو زيادة عليه فظاهر كلام الخرقي أنه يجب أرش الموضحة وقال القاضي يجب أن تنقص عنها شيئا حسب ما يؤدي إليها الاجتهاد وهذا مذهب الشافعي لئلا يجب في بعضها ما يجب في جميعها ووجه قول الخرقي أن مقتضى الدليل وجوب ما أخرجته الحكومة وإنما سقط الزائد على أرش الموضحة لمخالفته النص أو تنبيه النص ففيما لم يزد يجب البقاء على الأصل ولأن ما ثبت بالتنبيه يجوز أن يساوي المنصوص عليه في الحكم ولا يلزم أن يزيد عليه كما أنه لما نص على وجوب فدية الأذى في حق المعذور ولم تلزم زيادتها في حق من لا عذر له ولا يمتنع أن يجب في البعض ما يجب في الكل بدليل وجوب دية الأصابع مثل دية اليد كلها وفي حشفة الذكر مثل ما في جميعه فإن قيل هذا وجب بالتقدير الشرعي لا بالتقويم قلنا إذا ثبت الحكم بنص الشارع لم يمتنع ثبوت مثله بالقياس عليه والاجتهاد المؤدي إليه وفي الجملة فالحكومة دليل ترك العمل بها في الزائد لمعنى مفقود في المساوي فيجب العمل فيه بها لعدم المعارض ثم وإن صح ما ذكروه فينبغي أن ينقص أدنى ما تحصل به المساواة المحذورة ويجب الباقي عملا بالدليل الموجب له والله أعلم فصل ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح لأن أرش الجرح المقدر إنما يستقر بعد برئه فإن لم تنقصه الجناية شيئا بعد البرء مثل أن قطع أصبعا أو يدا زائدة أو قلع لحية امرأة فلم ينقصه ذلك بل زاده حسنا فلا شيء على الجاني لأن الحكومة لأجل جبر النقص ولا نقص ها هنا فأشبه ما لو لطم وجهه فلم يؤثر وإن زادته الجناية حسنا فالجاني محسن بجنايته فلم يضمن كما لو قطع سلعة أو ثؤلولا وبط خراجا ويحتمل أن يضمن قال القاضي نص أحمد على هذا لأن هذا جزء مضممون فلم يعر عن ضمان كما لو أتلف مقدر الأرش فازداد به جمالا أو لم ينقصه شيئا فعلى هذا يقوم في أقرب الأحوال إلى البرء لأنه لما سقط اعتبار قيمته بعد برئه قوم في أقرب الأحوال إليه كولد المغرور لما تعذر تقويمه في البطن قوم عند الوضع لأنه أقرب الأحوال التي أمكن تقويمه إلى كونه في البطن وإن لم ينقص في تلك الحال قوم والدم جار لأنه لا بد من نقص للخوف عليه ذكره القاضي ولأصحاب الشافعي وجهان كما ذكرنا وتقوم لحية المرأة كأنها لحية رجل في حال ينقصه ذهاب لحيته وإن أتلف سنا زائدة قوم وليس له سن ولا خلفها أصلية ثم يقوم وقد ذهبت الزائدة فإن كانت المرأة إذا قدرناها ابن عشرين نقصها ذهاب لحيتها يسيرا وإن قدرناها ابن أربعين نقصها كثيرا قدرناها ابن عشرين لأنه أقرب الأحوال إلى حال المجني عليه فأشبه تقويم الجرح الذي لا ينقص بعد الاندمال فإنا نقومه في أقرب أحوال النقص إلى حال الاندمال والأول أصح إن شاء الله فإن هذا لا مقدر فيه ولم ينقص شيئا فأشبه الضرب وتضمين النقص الحاصل حال جريان الدم إنما هو تضمين الخوف عليه وقد زال فأشبه ما لو لطمه فاصفر لونه حال اللطمة أو احمر ثم زال ذلك وتقدير المرأة رجلا لا يصح لأن اللحية زين للرجل وعيب فيها وتقدير ما يعيب بما يزين لا يصح وكذلك تقدير السن في حالة إيراد زوالها بحالة تكره لا يجوز فإن الشيء يقدر بنظيره ويقاس على مثله لا على ضده ومن قال بهذا الوجه فإنما يوجب أدنى ما يمكن إيجابه وهو أقل نقص يمكن تقديره

قسم V08/P378–V08/P379

فصل وإن لطمه على وجهه فلم يؤثر في وجهه فلا ضمان عليه لأنه لم ينقص به جمال ولا منفعة ولم يكن له حال ينقص فيها فلم يضمنه كما لو شتمه وإن سود وجهه أو خضره ضمنه بديته لأنه فوت الجمال على الكمال فضمنه بديته كما لو قطع أذني الأصم وأنف الأخشم وقال الشافعي ليس فيه إلا حكومة لأنه لا مقدر فيه ولا هو نظير لمقدر وقد ذكرنا أنه نظير لقطع الأذنين في ذهاب الجمال بل هو أعظم في ذلك فيكون بإيجاب الدية أولى وإن زال السواد يرد ما أخذه لزوال سبب الضمان وإن زال بعضه وجبت فيه حكومة ورد الباقي وإن صفر وجهه أو حمره ففيه حكومة لأن الجمال لم يذهب على الكمال وهذا يشبه ما لو سود سنه أو غير لونه على ما ذكرنا من التفصيل فيها مسألة قال ( وإن كانت الجناية على العبد مما ليس فيه شيء موقت في الحر ففيه ما نقصه بعد التئام الجرح وإن كان فيما جنى عليه شيء موقت في الحر فهو موقت في العبد ففي يده نصف قيمته وفي موضحته نصف عشر قيمته نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر وهكذا الأمة ) وجملته أن الجناية على العبد يجب ضمانها بما نقص من قيمته لأن الواجب إنما وجب جبرا لما فات بالجناية ولا ينجبر إلا بإيجاب ما نقص من القيمة فيجب ذلك كما لو كانت الجناية على غيره من الحيوانات وسائر المال ولا يجب زيادة على ذلك لأن حق المجني عليه قد انجبر فلا يجب له زيادة على ما فوته الجاني عليه هذا هو الأصل ولا نعلم فيه خلافا فيما ليس فيه مقدر شرعي فإن كانت الفائتة بالجناية مؤقتا في الحر كيده وموضحته ففيه عن أحمد روايتان إحداهما أن فيه أيضا ما نقصه بالغا ما بلغ وذكر أبو الخطاب أن هذا اختيار الخلال وروى الميموني عن أحمد أنه قال إنما يأخذ قيمة ما نقص منه على قول ابن عباس وروي هذا عن مالك فيما عدا موضحته ومنقلته وهاشمته وجائفته لأن ضمانه ضمان الأموال فيجب فيه ما نقص كالبهائم ولأن ما ضمن بالقمية بالغا ما بلغ ضمن بعضه مما نقص كسائر الأموال ولأن مقتضى الدليل ضمان الفائت بما نقص خالفناه فيما وقت في الحر كما خالفناه في ضمان بقيته بالدية المؤقتة ففي العبد يبقى فيهما على مقتضى الدليل وظاهر المذهب أن ما كان موقتا في الحر فهو موقت في العبد ففي يده أو عينه أو أذنه أو شفته نصف قيمته وفي موضحته نصف عشر قيمته وما أوجب الدية في الحر كالأنف واللسان واليدين والرجلين والعينين والأذنين أوجب قيمة العبد مع بقاء ملك السيد عليه روي هذا عن علي رضي الله عنه وروي نحوه عن سعيد بن المسيب وبه قال ابن سيرين وعمر بن عبد العزيز والشافعي والثوري وبه قال أبو حنيفة قال أحمد هذا قول سعيد بن المسيب وقال آخرون ما أصيب به العبد فهو على ما نقص من قيمته والظاهر أن هذا لو كان قول علي ما احتج أحمد فيه إلا به دون غيره إلا أن أبا حنيفة والثوري قالا ما أوجب الدية من الحر يتخير سيد العبد فيه بين أن يغرمه قيمته ويصير ملكا للجاني وبين أن لا يضمنه شيئا لئلا يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل لرجل واحد وروي عن إياس بن معاوية فيمن قطع يد عبد عمدا أو فقأ عينه هو له وعليه ثمنه ووجه هذه الرواية قول علي رضي الله عنه ولم نعرف له في الصحابة مخالفا ولأنه آدمي يضمن بالقصاس والكفارة فكان في أطرافه مقدر كالحر ولأن أطرافه فيها مقدر من الحر فكان فيها مقدر من العبد كالشجاج الأربع عند مالك وما وجب في شجاجه مقدر وجب في أطرافه مقدار كالحر وعلى أبي حنيفة قول علي ولأن هذه الأعضاء فيها مقدر فوجب ذلك فيها مع بقاء ملك السيد في العبد كاليد الواحدة وسائر الأعضاء ولأن من ضمنت يده بمقدر ضمنت يداه بمثليه من غير أن يملكه كالحر

قسم V08/P379–V08/P380

وقولهم إنه اجتمع البدل والمبدل لواحد بصحيح لأن القيمة ها هنا بدل العضو وحده ولو كان بدلا عن الجملة لكان بدل اليد الواحدة بدلا عن نصفه وبدل تسع أصابع بدلا من تسعة أعشاره والأمر بخلافه والأمة مثل العبد في ذلك إلا أنها تشبه بالحرة وإذا بلغت ثلث قيمتها احتمل أن جنايتها ترد إلى النصف فيكون في ثلاث أصابع ثلاثة أعشار قيمتها وفي أربعة أصابع خمسها كما أن المرأة تساوي الرجل في الجراح إلى ثلث ديتها فإذا بلغت الثلث ردت إلى النصف والأمة امرأة فيكون أرشها من قيمتها كأرش الحرة ويحتمل أن لا يرد إلى النصف لأن ذلك في الحرة على خلاف الأصل لكون الأصل زيادة الأرش بزيادة الجناية وأن كلما زاد نقصها وضررها زاد في ضمانها فإذا خولف هذا في الحرة بقينا في الأمة على وفق الأصل فصل وإذا جنى على العبد في رأس أو وجه دون الموضحة فنقصته أكثر من أرشها وجب ما نقصته ويحتمل أن يرد إلى نصف عشر قيمته كالحر إذا زاد أرش شجته التي دون الموضحة على نصف عشر ديته والأول أولى لأن هذه جراحة لا موقت فيها فكان الواجب فيها ما نقص كما لو كانت في غير رأسه ولأن الأصل وجوب ما نقص خولف في المقدر ففي هذا يبقى على الأصل مسألة قال ( وإن كان المقتول خنثى مشكلا ففيه نصف دية ذكر ونصف دية أنثى ) وهذا قول أصحاب الرأي وقال الشافعي الواجب دية أنثى لأنها اليقين فلا يجب الزائدة بالشك ولنا أنه يحتمل الذكورية والأنوثية احتمالا واحدا وقد يئسنا من انكشاف حاله فيجب التوسط بينهما والعمل بكلا الاحتمالين فصل فأما جراحه فما لم يبلغ ثلث الدية ففيه دية الجراح جرح الذكر لاستواء الذكر والأنثى في ذلك وإن زاد على الثلث مثل قطع يده ففيه ثلاثة أرباع دية يد الذكر سبعة وثلاثون بعيرا ونصف ويقاد به الذكر والأنثى لأنهما لا يختلفان في القود ويقاد هو بكل واحد منهما مسألة قال ( وإن كان المجني عليه نصفه حر ونصفه عبد فلا قود وعلى الجاني إن كان عمدا نصف دية حر ونصف قيمته وهكذا في جراحه وإن كان خطأ فعليه نصف قيمته وعلى عاقلته نصف الدية ) يعني لا قود على قاتله إذا كان نصفه حرا لأنه ناقص بالرق فلم يقتل به الحر كما لو كان كله رقيقا وإن كان قاتله عبدا قتل به لأنه أكمل من الجاني وإن كان نصف القاتل حرا وجب القود لتساويهما وإن كانت الحرية في القاتل أكثر لم يجب القود لعدم المساواة بينهما وفي ذلك كله إذا لم يكن القاتل عبدا فعليه نصف دية حر ونصف قيمته إذا كان عمدا لأن العاقلة لا تحمل العمد وإن كان خطأ ففي ماله نصف قيمته لأن العاقلة لا تحمل على العبد وعلى عاقلته نصف الدية لأنها دية حر في الخطأ والعاقلة تحمل ذلك وهكذا الحكم في جراحه إذا كان قدر الدية من أرشها يبلغ ثلث الدية مثل أن يقطع أنفه أو يديه وإن قطع إحدى يديه فعقل جميعها على الجاني في ماله لأن عليه نصف دية اليد وهو ربع ديته لأجل حرية نصفه وذلك دون ثلث الدية وعليه ربع قيمته فصل ودية الأعضاء كدية النفس فإن كان الواجب من الذهب أو من الورق لم يختلف بعمد ولا خطأ وإن كان من الإبل وجب في العمد أرباعا على إحدى الروايتين وفي الأخرى يجب خمس وعشر منها حقاق وخمس وعشر جذاع وخمساها خلفات وفي الخطأ يجب أخماسا فإن لم يمكن مثل أن يوضحه عمدا فإنه يجب أربعة أرباعا والخامس من أحد الأجناس الأربعة قيمته ربع قيمة الأربع وإن قلنا بالرواية الأخرى وجب خلفتان وحقة وجذعة وبعير قيمته نصف قيمة حقة ونصف قيمة جذعة وإن كان خطأ وجب الخمس من الأجناس الخمسة من كل جنس بعير وإن كان الواجب دية أنملة وقلنا يجب من ثلاثة أجناس وجب بعير وثلث من الخلفات وحقة وجذعة

قسم V08/P380–V08/P382

وإن قلنا أرباعا وجب ثلاثة وثلث قيمتها نصف قيمة الأربعة وثلثها وإن كان خطأ فقيمتها ثلثا قيمة الخمس وعند أصحابنا قيمة كل بعير مائة وعشرون درهما أو عشرة دنانير ولا فائدة في تعيين أسنانها فإن اختلفت قيمة الدنانير والدراهم مثل أن كانت العشرة دنانير تساوي مائة درهم فقياس قولهم أنه إذا جاء بما قيمته عشرة دنانير لزم المجني عليه قبوله لأنه لو جاءه بالدنانير لزمه قبولها فيلزمه قبول ما يساويها والله أعلم باب القسامة القسامة مصدر أقسم قسما وقسامة ومعناه حلف حلفا والمراد بالقسامة ها هنا الأيمان المكررة في دعوى القتل قال القاضي هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة قال وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون سموا باسم المصدر كما يقال رجل زور وعدل ورضا وأي الأمرين كان فهو من القسم الذي هو الحلف والأصل في القسامة ما روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كبر كبر أو قال ليبدأ الأكبر فتكلما في أمر صاحبهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته فقالوا أمر لم نشهده كيف نحلف قال فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا يا رسول الله قوم كفار ضلال قال فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله قال سهل فدخلت مربدا لهم فركضتني ناقة من تلك الإبل متفق عليه مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( إذا وجد قتيل فادعى أولياؤه على قوم لا عداوة بينهم ولم يكن لهم بينة لم يحكم لهم بيمين ولا غيرها ) الكلام في هذه المسألة في فصلين الأول في أنه إذا وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه قتله على جل أو جماعة ولم تكن بينهم عداوة ولا لوث فهي كسائر الدعاوى إن كانت لهم بينة حكم لهم بها وإلا فالقول قول المنكر وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا ادعى أولياؤه قتله على أهل المحلة أو على معين فللولي أن يختار من الموضع خمسين رجلا يحلفون خمسين يمينا والله ما قتلناه ولا علمنا قاتله فإن نقصوا على الخمسين كررت الأيمان عليهم حتى تتم فإذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة فإن لم يكن وجبت على سكان الموضع فإن لم يحلفوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا لما روي أن رجلا وجد قتيلا بين حيين فحلفهم عمر رضي الله عنه خمسين يمينا وقضى بالدية على أقربهما يعني أقرب الحيين فقالوا والله ما وقت أيماننا أموالنا فقال عمر حقنتهم بأموالكم دماءكم ولنا حديث عبد الله بن سهل وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم وقول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته ولم يظهر كذبه فكان القول قوله كسائر الدعاوى ولأنه مدعى عليه فلم تلزمه اليمين والغرم كسائر الدعاوى وقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قول عمر وأحق بالاتباع ثم قصة عمر يحتمل أنهم اعترفوا بالقتل خطأ وأنكروا العمد فأحلفوا على العمد ثم إنهم لا يعملون بخبر النبي صلى الله عليه وسلم المخالف للأصول وقد صاروا ها هنا إلى ظاهر قول عمر المخالف للأصول وهو إيجاب الأيمان على غير المدعى عليه وإلزامهم الغرم مع عدم الدعوى عليهم والجمع بين تحليفهم وتغريمهم وحبسهم على الأيمان قال ابن المنذر سن النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وسن القسامة في القتيل الذي وجد بخيبر وقول أصحاب الرأي خارج عن هذه السنن

قسم V08/P382–V08/P383

فصل ولا تسمع الدعوى على غير المعين فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة أو واحد غير معين أو جماعة منهم بغير أعيانهم لم تسمع الدعوى وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي تسمع ويستحلف خمسون منهم لأن الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر ولم يعينوا القاتل فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم ولنا إنها دعوى في حق فلم تسمع على غير معين كسائر الدعاوى فأما الخبر فإن دعوى الأنصار التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها فإن تلك من شرطها حضور المدعى عليه عندهم أو تعذر حضوره عندنا وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعوى لا تصح على غير معين فصل فأما إن ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة فحكمها حكم سائر الدعاوى في اشتراط تعيين المدعى عليه وأن القول قوله لا نعلم فيه خلافا الفصل الثاني أنه إذا ادعى القتل ولم تكن عداوة ولا لوث ففيه عن أحمد روايتان إحداهما لا يحلف المدعى عليه ولا يحكم عليه بشيء ويخلى سبيله هذا الذي ذكره الخرقي ها هنا وسواء كانت الدعوى خطأ أو عمدا لأنها دعوى فيما لا يجوز بذله فلم يستحلف فيها كالحدود ولأنه لا يقضى في هذه الدعوى بالنكول فلم يستحلف فيها كالحدود والثانية يستحلف وهو الصحيح وهو قول الشافعي لعموم قوله عليه السلام اليمين على المدعى عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ظاهر في إيجاب اليمين ها هنا لوجهين أحدهما عموم اللفظ فيه والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في صدر الخبر بقوله لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ثم عقبه بقوله ولكن اليمين على المدعى عليه فيعود إلى المدعى عليه المذكور في الحديث ولا يجوز إخراجه منه إلا بدليل أقوى منه ولأنها دعوى في حق آدمي فيستحلف فيها كدعوى المال ولأنها دعوى لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها فتجب اليمين فيها كالأصل المذكور إذا ثبت هذا فالمشروع يمين واحدة وعن أحمد أنه يشرع خمسون يمينا لأنها دعوى في القتل فكان المشروع فيها خمسون يمينا كما لو كان بينهم لوث وللشافعي قولان في هذا كالروايتين ولنا إن قوله عليه السلام ولكن اليمين على المدعى عليه ظاهر في أنها يمين واحدة من وجهين أحدهما أنه وحد اليمين فينصرف إلى واحدة والثاني أنه لم يفرق في اليمين المشروعة فيدل على التسوية بين المشروعة في الدم والمال ولأنها يمين يعضدها الظاهر والأصل فلم تغلظ كسائر الأيمان ولأنها يمين مشروعة في جنبه المدعى عليه ابتداء فلم تغلظ بالتكرير كسائر الأيمان بهذا فارق ما ذكروه فإن نكل المدعى عليه عن اليمين لم يجب القصاص بغير خلاف في المذهب وقال أصحاب الشافعي إن نكل المدعى عليه ردت اليمين على المدعي فحلف خمسين يمينا واستحق القصاص إن كانت الدعوى عمدا والدية إن كانت موجبة للقتل لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة أو الإقرار والقصاص يجب بكل واحد منهما ولنا إن القتل لم يثبت ببينة ولا إقرار ولم يعضده لوث فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل ولا يصح إلحاق الأيمان مع النكول ببينة ولا إقرار لأنها أضعف منها بدليل أنه لا يشرع إلا عند عدمها فيكون بدلا عنهما والبدل أضعف من المبدل ولا يلزم من ثبوت الحكم بالأقوى ثبوته بالأضعف ولا يلزم من ثبوت الحكم بالأقوى ثبوته بالأضعف ولا يلزم من وجوب الدية وجوب القصاص لأنه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال ولا بالشاهد واليمين ويحتاط له ويدرأ بالشبهات والدية بخلافه فأما الدية فتثبت بالنكول عند من يثبت المال به أو ترد اليمين على المدعي فيحلف يمينا واحدة ويستحقها كما لو كانت الدعوى في مال والله أعلم مسألة قال ( فإن كان بينهم عداوة ولوث فادعى أولياؤه على واحد حلف الأولياء على قاتله خمسين يمينا واستحقوا دمه إذا كانت الدعوى عمدا )

قسم V08/P383–V08/P384

الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة الأول في اللوث المشترط في القسامة اختلفت الرواية عن أحمد فيه فروي عنه أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما بين أهل العدل وما بين الشرطة واللصوص وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله نقل مهنا عن أحمد فيمن وجد قتيلا في المسجد الحرام ينظر من بينه وبينه في حياته شيء يعني ضغنا يؤخذون به ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة إلا أنه قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل فاللوث على الطائفة واللوث على طائفة القتيل إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط مع العداوة أن لا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها وكلام الخرقي يدل عليه أيضا واشترط القاضي أن لا يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم وهذا مذهب الشافعي لأن الأنصاري قتل في خيبر ولم يكن فيها إلا اليهود وجميعهم أعداء ولأنه متى اختلط بهمن غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير ثم ناقض القاضي قوله فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل إن كان في القوم من بينه وبينهم عداوة وأمكن أن يكون هو قتله لكونه بقربه فهو لوث فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها لأنها كانت أملاكا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها وعمارتها والاطلاع عليها والامتياز منها ويبعد أن يكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها وقول الأنصار ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود يدل على أنه قد كان بها غيرهم ممن ليس بعدو ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله فلأن يمنع ذلك وجوب من يبعد منه القتل أولى وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث فإن اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه ولا ينافيه الاحتمال ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيج إلى الأيمان ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة لأنه يحتمل أن القاتل غيره ولا على الجماعة كلهم لأنه يحتمل أن يشترك الجميع في قتله والرواية الثانية عن أحمد أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي وذلك من وجوه أحدها العداوة المذكورة والثاني أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة الثالث أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد فيهم قتيل فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة فديته في بيت المال وهذا قول إسحاق وروي ذلك عن عمر وعلي فإن سعيدا روى في سننه عن إبراهيم قال قتل رجل في زحام الناس بعرفة لجاء أهله إلى عمر فقال بينتكم على من قتله فقال علي يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرىء مسلم إن علمت قاتله وإلا فأعطه ديته من بيت المال قال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام ينظر من كان بينه وبينه شيء في حياته يعني عداوة يؤخذون فلم يجعل الحضور لوثا وإنما جعل اللوث العداوة وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام ديته على من حضر لأن قتله حصل منهم وقال مالك دمه هدر لأنه لا يعلم له قاتل ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه في رجل وجد قتيلا لم يعرف قاتله فكتب إليهم إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها إلا في الدار الآخرة وهذا منها

قسم V08/P384–V08/P386

الرابع أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله مثل أن يرى رجلا هاربا يحتمل أنه القاتل أو سبعا يحتمل ذلك فيه الخامس أن يقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الأخرى ذكره القاضي فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل هذا قول الشافعي وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه وهذا قول مالك وقال ابن أبي ليلى على الفرييقين جميعا لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح وإن كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شيء على وجهين ذكرهما ابن حامد السادس أن يشهد بالقتل عبيد ونساء فهذا فيه عن أحمد روايتان إحداهما أنه لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه فأشبه العداوة والثانية ليس بلوث لأنها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به كفار وإن شهد به فساق أو صبيان فهل يكون لوثا على وجهين أحدهما ليس بلوث لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم لا يثبت اللوث بها كشهادة الأطفال والمجانين والثاني يثبت بها اللوث لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها وهذا مذهب الشافعي ويعتبر أن يجيء الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث لأنها يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت العداوة وروي أن هذا ليس بلوث وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام لأن اللوث إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل بخيبر ولا يجوز القياس لأن الحكم ثبت بالمظنة ولا يجوز القياس في المظان لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه والقياس في المظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم والظنون تختلف ولا تأتلف وتنخبط ولا تنضبط ولا تختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته بتعديها ولأنها يعتبر في التعدية والقياس التساوي بين الأصل والفرع في المقتضي ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها فعلى هذه الرواية حكم هذه الصور حكم غيرها مما لا لوث فيه فصل وإن شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين لم تثبت هذه الشهادة ولم يكن لوثا عند أحد علمائنا قوله وإن شهد أن هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين أو شهد أحدهما أن هذا قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله أو شهد أحدهما أن هذا قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين لم تثبت الشهادة ولم يكن لوثا هذا قول القاضي واختياره والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد أحدهما بقتله والآخر بالإقرار بقتله أنه يثبت القتل واختار أبو بكر ثبوت القتل ها هنا وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته وقال الشافعي هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد ولنا إنها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم يكن لوثا كالصورة الأولى فصل وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر وبهذا قال مالك والشافعي وعن أحمد أنه شرطه وهذا قول حماد وأبي حنيفة والثوري لأنه إذا لم يكن به أثر احتمل أنه مات حتف أنفه

قسم V08/P386

ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا ولأن القتل يحصل بما لا أثر له كغم الوجه والخنق وعصر الخصيتين وضربه الفؤاد فأشبه من به أثر ومن به أثر قد يموت حتف أنفه لسقطته أو صرعته أو يقتل نفسه فعلى قول من اعتبر الأثر إن خرج الدم من أذنه فهو لوث لأنه لا يكون إلا بالخنق له أو أمر أصيب به وإن خرج من أنفه فهل يكون لوثا على وجهين الفصل الثاني أن القسامة لا تثبت ما لم يتفق الأولياء على الدعوى فإن كذب بعضهم بعضا فقال أحدهم قتله هذا وقال الآخر لم يقتله هذا أو قال بل قتله هذا الآخر لم تثبت القسامة نص عليه أحمد وسواء كان المكذب عدلا أو فاسقا وذكر عن الشافعي أو القسامة لا تبطل بتكذيب الفاسق لأن قوله غير مقبول ولنا إنه مقر على نفسه بتبرئة من ادعى عليه أخوه فقبل كما لو ادعى دينا لهما وإنما لا يقبل قوله على غيره فأما على نفسه فهو كالعدل لأنه لا يتهم في حقها فأما إن لم يكذبه ولم يوافقه في الدعوى مثل أن قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر لا نعلم قاتله فظاهر كلام الخرقي أن القسامة لا تثبت لاشتراطه ادعاء الأولياء على واحد وهذا قول مالك وكذلك إن كان أحد الوليين غائبا فادعى الحاضر دون النائب أو ادعيا جميعا على واحد ونكل أحدهما عن الأيمان لم يثبت القتل في قياس قول الخرقي ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ثبوت القسامة وكذلك مذهب الشافعي لأن أحدهما لم يكذب الآخر فلم تبطل القسامة كما لو كان أحد الوارثين امرأة أو صغيرا فعلى قولهم يحلف المدعي خمسين يمينا ويستحق نصف الدية لأن الأيمان ها هنا بمنزلة البينة ولا يثبت شيء من الحق إلا بعد كمال البينة فأشبه ما لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما فإنه لا يستحق نصيبه من الدين إلا أن يقيم بينة كاملة وذكر أبو الخطاب فيما إذا كان أحدهما غائبا أن الأول فيه وجهان أحدهما أنه يحلف خمسا وعشرين يمينا وهذا قول ابن حامد لأن الأيمان مقسومة عليه وعلى أخيه بدليل ما لو كانا حاضرين متفقين في الدعوى ولا يحلف الإنسان عن غيره فلا يلزمه أكثر من حصته فإذا حضر الغائب أقسم خمسا وعشرين يمينا وجها واحدا لأنه يبني على أيمان أخيه وذكر أبو بكر والقاضي في نظير هذه المسألة أن الأول يحلف خمسين يمينا وهل يحلف الثاني خمسين أو خمسا وعشرين على وجهين أحدهما يقول يحلف خمسين لأن أخاه لم يستحق إلا بخمسين فكذلك هو

قسم V08/P386–V08/P387

ولنا إنهما لم يتفقا في الدعوى فلم تثبت القسامة كما لو كذبه ولأن الحق في محل الوفاق إنما يثبت بأيمانهما التي أقيمت مقام البينة ولا يجوز أن يقوم أحدهما مقام الآخر في الأيمان كما في سائر الدعاوى فعلى هذا إن قدم الغائب فوافق أخاه أو عاد من لم يعلم فقال قد عرفته هو الذي عينه أخي أقسما حينئذ وإن قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر قتله هذا وفلان فعلى قول الخرقي لا تثبت القسامة لأنها لا تكون إلا على واحد وعلى قول غيره يحلفان على من اتفقا عليه ويستحقان نصف الدية ولا يجب القود لأنه إنما يجب في الدعوى على واحد ويحلفان جميعا على هذا الذي اتفقا عليه على حسب دعواهما ويستحقان نصف الدية ولا يجب أكثر من نصف الدية لأن أحدهما يكذب الآخر في النصف الآخر فبقي اللوث في حقه في نصف الدم الذي اتفقا عليه ولم يثبت في النصف الذي كذبه أخوه فيه ولا يحلف الآخر على الآخر لأن أخاه كذبه في دعواه عليه وإن قال أحدهما قتل أبي زيد وآخر لا أعرفه وقال الآخر قتله عمرو وآخر لا أعرفه لم تثبت القسامة في ظاهر قول الخرقي لأنها لا تكون إلا على واحد ولأنهما ما اتفقا في الدعوى على واحد ولا يمكن أن يحلفا على من لم يتفقا في الدعوى عليه والحق إنما ثبت في محل الوفاق بأيمان الجميع فكيف يثبت في الفرع بأيمان البعض وقال أبو بكر والقاضي تثبت القسامة وهذا مذهب الشافعي لأنه ليس ها هنا تكذيب فإنه يجوز أن يكون الذي جهله كل واحد منهما هو الذي عرفه أخوه فيحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينا ويستحق ربع الدية فإن عاد كل واحد منهما فقال قد عرفت الذي جهله وهو الذي عينه أخي خلف أيضا على الذي حلف عليه أخوه وأخذ منه ربع الدية ويحلف خمسا وعشرين يمينا لأنه يبني على أيمان أخيه فلم يلزمه أكثر من خمس وعشرين كما لو عرفه ابتداء وفيه وجه آخر أنه يحلف خمسين يمينا لأن أخاه حلف خمسين يمينا وللشافعي في هذا قولان كالوجهين ويجىء في المسألة وجه آخر وهو أن الأول لا يحلف أكثر من خمسة وعشرين يمينا لأنه إنما يحلف على ما يستحقه والذي يستحقه النصف فيكون عليه نصف الأيمان كما لو حلف أخوه معه وإن قال كل واحد منهما الذي كنت جهلته غير الذي عينه أخي بطلت القسامة التي أقسماها لأن التكذيب يقدح في اللوث فيراكل واحد منهما ما أخذ من الدية وإن كذب أحدهما أخاه ولم يكذبه الآخر بطلت قسامة المكذب دون الذي لم يكذب فصل وإن قال الولي بعد القسامة غلطت ما هذا الذي قتله أو ظلمته بدعواي القتل عليه أو قال كان هذا المدعى عليه في بلد آخر يوم قتل وليي وكان بينهما بعد لا يمكن أن يقتله إذا كان فيه بطلت القسامة ولزمه رد ما أخذه لأنه مقر على نفسه فقبل إقراره وإن قال ما أخذته حرام سئل عن ذلك فإن قال أردت أنني كذبت في دعواي عليه بطلت قسامته أيضا وإن قال أردت أن الأيمان تكون في جنبة المدعى عليه كمذهب أبي حنيفة لم تبطل القسامة لأنها ثبتت باجتهاد الحاكم فيقدم على اعتقاده وإن قال هذا مغصوب وأقر بمن غصب منه لزمه رده عليه ولا يقبل قوله على من أخذه منه لأن الإنسان لا يقبل إقراره على غيره وإن لم يقر به لأحد لم ترفع يده عنه لأنه لم يتعين مستحقه وإن اختلفا في مراده بقوله فالقول قوله لأنه أعرف بقصده

قسم V08/P387–V08/P389

فصل وإن أقام المدعى عليه بينة أنه كان يوم القتل في بلد معين من بلد المقتول لا يمكن مجيئه منه إليه في يوم واحد بطلت الدعوى وإن قالت البينة نشهد أن فلانا لم يقتله لم تسمع هذه الشهادة لأنه نفي مجرد فإن قالا ما قتله فلان بل قتله فلان سمعت لأنها شهدت بإثبات تضمن النفس فسمعت كما لو قالت ما قتله فلان لأنه كان يوم القتل في بلد بعيد فصل فإن جاء رجل فقال ما قتله هذا المدعى عليه بل أنا قتلته فكذبه الولي لم تبطل دعواه وله القسامة ولا يلزمه رد الدية إن كان أخذها لأنه قول واحد ولا يلزم المقر شيء لأنه أقر لمن يكذبه وإن صدقه الولي أو طالبه بموجب القتل لزمه رد ما أخذه وبطلت دعواه على الأول لأن ذلك جرى مجرى الإقرار ببطلان الدعوى وهل له مطالبة المقر فيه وجهان أحدهما له مطالبته لأنه أبر له بحق فملك مطالبته به كسائر الحقوق والثاني ليس له مطالبته لأن دعواه على الأول انفراده بالقتل إبراء لغيره فلا يملك مطالبة من أبرأه والمنصوص عن أحمد رحمه الله أنه يسقط القود عنهما وله مطالبة الثاني بالدية فإنه قال في رجل شهد عليه شاهدان بالقتل فأخد ليقتاد منه فجاء رجل فقال ما قتله هذا أنا قتلته فالقود يسقط عنهما والدية على الثاني ووجه ذلك ما روي أن رجلا ذبح رجلا في خربة وتركه وهرب وكان قصاب قد ذبح شاة وأراد ذبح أخرى فهربت منه إلى الخربة فتبعها حتى وقف على القتيل والسكين بيده ملطخة بالدم فأخذ على تلك الحال وجيء به إلى عمر رضي الله عنه فأمر بقتله فقال القاتل في نفسه يا ويله قتلت نفسا ويقتل بسببي آخر فقام فقال أنا قتلته ولم يقتله هذا فقال عمر إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا ودرأ عنه القصاص ولأن الدعوى على الأول شبهة في درء القصاص عن الثاني وتجب الدية عليه لإقراره بالقتل لموجب لهما وهذا القول أصح وأعدل مع شهادة الأثر بصحته الفصل الثالث أن الأولياء إذا ادعوا القتل على من بينه وبين القتيل لوث شرعت اليمين في حق المدعين أولا فيحلفون خمسين يمينا على المدعى عليه أنه قتله وثبت حقهم قبله فإن لم يحلفوا استحلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء وبهذا قال يحيى بن سعيد وربيعة وأبو الزناد ومالك والشافعي وقال الحسن يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا ويبرؤون وإن أبوا أن يحلفوا استحلف خمسون من المدعين أن حقنا قبلكم ثم يعصون الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه مسلم وفي لفظ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه رواه الشافعي في مسنده وروى أبو داود بإسناده عن سليمان بن يسار عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم يحلف منكم خمسون رجلا فأبوا فقال للأنصار استحقوا قالوا نحلف على الغيب يا رسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم ولأنها يمين في دعوى فوجبت في جانب المدعى عليه ابتداء كسائر الدعاوى وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل بالله ما قتلناه ولا علمنا قاتلا ويغرمون الدية لقضاء عمر بذلك ولم نعرف له في الصحابة مخالفا فكان إجماعا وتكلموا في حديث سهل بما روى أبو داود عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن ونجيد بن قبطي أحد بني حارثة قال محمد بن إبراهيم وايم الله ما كان سهل بأعلم منه ولكنه كان أسن منه قال والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احلفوا على ما لا علم لكم به ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار إنه وجد بين أبياتكم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده

قسم V08/P389–V08/P390

ولنا حديث سهل وهو صحيح متفق عليه ورواه مالك في موطئه وعمل به وما عارضه من الحديث لا يصح لوجوه أحدها أنه نفي فلا يرد به قول المثبت والثاني أن سهلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد القصة وعرفها حتى أنه قال ركضتني ناقة من تلك الإبل والآخر يقول برأيه وظنه من غير أن يرويه عن أحد ولا حضر القصة والثالث أن حديثنا مخرج في الصحيحين متفق عليه وحديثهم بخلافه الرابع أنهم لا يعلمون بحديثهم ولا حديثنا فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه فيه وحديث سليمان بن يسار عن رجال من الأنصار ولم يذكر لهم صحبة فهو أدنى لهم من حديث محمد بن إبراهيم وقد خالف الحديثين جميعا فكيف يجوز أن يعتمد عليه وحديث اليمين على المدعى عليه لم ترد به هذه القصة لأنه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم وهنا قد أعطوا بدعواهم على أن حديثنا أخص منه فيجب تقديمه ثم هو حجة عليهم لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم وقد رواه ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة وهذه الزيادة يتعين العمل بها لأن الزيادة من الثقة مقبولة ولأنها أيمان مكررة فيبدأ بها بأيمان المدعين كاللعان إذا ثبت هذا فإن أيمان خمسون مرددة على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة وأجمع عليه أهل العلم لا نعلم أحدا خالف فيه الفصل الرابع أن الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمدا إلا أن يمنع منه مانع روي ذلك عن ابن الزبير وعن عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وعن معاوية وابن عباس والحسن وإسحاق لا تجب بها الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ولأن أيمان المدعين إنما هي بغلبة الظن وحكم الظاهر فلا يجوز إشاطة الدم بها لقيام الشبهة المتمكنة منها ولأنها حجة لا يثبت بها النكاح ولا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته وفي رواية مسلم فيسلم إليكم وفي لفظ وتستحقون دم صاحبكم فأراد دم القاتل لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين والرمة الحبل الذي يربط به من عليه القود ولأنها حجة يثبت بها العمد فيجب بها القود كالبينة وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحول أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة الطائفة وهذا نص ولأن الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه احتياطا للدم فإن لم يجب القود سقط هذا المعنى مسألة قال ( فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرىء ) هذا ظاهر المذهب وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد ومالك والليث والشافعي وأبو ثور وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنهم يحلفون ويغرمون الدية لقضية عمر وخبر سليمان بن يسار وهو قول أصحاب الرأي ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم أي يتبرؤون منكم وفي لفظ قال فيحلفون خمسين يمينا ويبرئون من دمه وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود وأنه أداها من عنده ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه فيبرأ بها كسائر الأيمان ولأن ذلك إعطاء بمجرد الدعوى فلم يجز للخبر ومخالفة مقتضى الدليل فإن قول الإنسان لا يقبل على غيره بمجرده كدعوى المال وسائر الحقوق ولأن في ذلك جمعا بين اليمين والغرم فلم يشرع كسائر الحقوق مسألة قال ( فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال )

قسم V08/P390–V08/P391

يعني أدى ديته لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فأبى الأنصار أن يحلفوا وقالوا كيف نقبل أيمان قوم كفار فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده كراهية أن يبطل دمه فإن تعذر فداؤه من بيت المال لم يجب على المدعى عليهم شيء لأن الذي يوجبه عليهم اليمين وقد امتنع مستحقوها من استيفائها فلم يجب لهم غيرها كدعوى المال فصل وإن امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا وعن أحمد رواية أخرى أنهم يحبسون حتى يحلفوا وهو قول أبي حنيفة ولنا إنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان إذا ثبت هذا فإنه لا يجب القصاص بالنكول لأنه حجة ضعيفة فلا يشاط بها الدم كالشاهد واليمين قال القاضي وفداه الإمام من بيت المال نص عليه أحمد وروى عنه حرب بن إسماعيل أن الدية تجب عليهم وهذا هو الصحيح وهو اختيار أبي بكر لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم هاهنا كسائر الدعاوى ولأن وجوبها في بيت المال يفضي إلى إهدار الدم وإسقاط حق المدعين مع إمكان جبره فلم يجز كسائر الدعاوى ولأنها يمين توجهت في دعوى أمكن إيجاب المال بها فلم تخل من وجوب شيء على المدعى عليه كما في سائر الدعاوى وها هنا لو لم يجب على المدعى عليه مال بنكوله ولم يجبر على اليمين لخلا من وجوب شيء عليه بالكلية وقال أصحاب الشافعي إذا نكل المدعى عليهم ردت الأيمان على المدعين إن قلنا موجبها المال فإن حلفوا استحقوا وإن نكلوا فلا شيء لهم وإن قلنا موجبها القصاص فهل ترد على المدعين فيه قولان وهذا القول لا يصلح لأن اليمين إنما شرعت في حق المدعى عليه إذا نكل عنها المدعي فلا ترد عليه كما لا ترد على المدعى عليه إذا نكل المدعي عنها بعد ردها عليه في سائر الدعاوى ولأنها يمين مردودة على أحد المتداعيين فلا ترد على من ردها كدعوى المال مسألة قال ( وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال دمي عند فلان فليس ذلك بموت للقسامة ما لم يكن لوث ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وقال مالك والليث هو لوث لأن قتيل بني إسرائيل قال قتلني فلان فكان حجة وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لو يعطى الناس بدعواهم لأدعى قوم دماء رجال وأموالهم ولأنه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه فإنه لا قسامة فيه ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام حيث أحياه الله تعالى بعد موته وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه ولم يكن الله لينطقه بالكذب بخلاف الحي ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم ثم ذاك في تنزيه المتهمين فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين مسألة قال ( والنساء والصبيان لا يقسمون ) يعني إذا كان المستحق نساء وصبيانا لم يقسموا أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون سواء كانوا من الأولياء أو مدعى عليهم لأن الأيمان حجة للحالف والصبي لا يثبت بقوله حجة ولو أقر على نفسه لم يقبل فلأن لا يقبل قوله في حق غيره أولى وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وقال مالك لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد قال ابن القاسم ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا كما أنه لا يقتل إلا بشاهدين وقال الشافعي يقسم كل وارث بالغ لأنها يمين في دعوى فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان

قسم V08/P391–V08/P392

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد فلا تسمع من النساء كالشهادة ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل ولا مدخل للنساء في إثباته وإنما يثبت المال ضمنا فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين ولا بشهادة رجل وامرأتين وإن كان مقصودها المال فأما إن كانت المرأة مدعى عليها القتل فإن قلنا إنه يقسم من العصبة رجال لم تقسم المرأة أيضا لأن ذلك مختص بالرجال وإن قلنا يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف لأنها لا تثبت بقولها حقا ولا قتلا وإنما هي لتبرئتها منه فتشرع في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث فعلى هذا إذا كان في الأولياء نساء ورجال أقسم الرجال وسقط حكم النساء وإن كان فيهم صبيان ورجال بالغون أو كان فيهم حاضرون وغائبون فقد ذكرنا من قبل أن القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب فكذا لا تثبت حتى يبلغ الصبي لأن الحق لا يثبت إلا ببينته الكاملة والبينة أيمان الأولياء كلهم والأيمان لا تدخلها النيابة ولأن الحق إن كان قصاصا فلا يمكن تبعيضه فلا فائدة في قسامة الحاضر البالغ وإن كان غيره فلا تثبت إلا بواسطة ثبوت القتل وهو لا يتبعض أيضا وقال القاضي إن كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير ولا الحاضر حتى يقدم الغائب لأن حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئا في الحال وإن كان موجبا للمال كالخطأ وعمد الخطأ فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق قسطه من الدية وهذا قول أبي بكر وابن حامد ومذهب الشافعي واختلفوا في كم يقسم الحاضر فقال ابن حامد يقسم بقسطه من الأيمان فإن كان الأولياء اثنين أقسم الحاضر خمسا وعشرين يمينا وإن كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يمينا وإن كانوا أربعة أقسام ثلاث عشرة يمينا وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه واستوفى حقه لأنه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه وكذلك إذا غاب بعضهم كا في سائر الحقوق ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان وقال أبو بكر يحلف الأول خمسين يمينا وهذا قول الشافعي ولأن الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة والبينة هي الأيمان كلها ولذلك لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه ولأن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق ولو ادعى مالا له فيه شركة له به شاهد الحلف يمينا كاملة كذلك هذا فإذا قدم الثاني أقسم خمسا وعشرين يمينا وجها واحدا عند أبي بكر لأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة وقال الشافعي فيه قول آخر إنه يقسم خمسين يمينا أيضا لأن أخاه إنما استحق بخمسين فكذلك هو فإذا قدم ثالث وبلغ فعلى قول أبي بكر يقسم سبع عشرة يمينا لأنه يبني على أيمان أخويه وعلى قول الشافعي فيه قولان أحدهما أنه يقسم سبع عشرة يمينا والثاني خمسين يمينا وإن قدم رابع كان على هذا المثال والله أعلم فصل والخنثى المشكل يحتمل أن يقسم لأن سبب القسامة وجد في حقه وهو كونه مستحقا للدم ولم يتحقق المانع من يمينه ويحتمل أن لا قسامة عليه لأنه لا يعقل من العقل ولا يثبت القتل بشهادته أشبه المرأة مسألة قال ( وإذا خلف المقتول ثلاثة بنين جبر الكسر عليهم فحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا )

قسم V08/P392–V08/P393

واختلفت الرواية عن أحمد فيمن تجب عليه أيمان القسامة فروي أنه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلا كل واحد منهم يمينا واحدة وهذا قول لمالك فعلى هذا يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه فإن لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها ويعرف كيفية نسبه من المقتول فأما من عرف أنه من القبيلة ولم يعرف وجه النسب لم يقسم مثل أن يكون الرجل قرشيا والمقتول قرشي ولا يعرف كيفية نسبه منه فلا يقسم لأننا نعلم أن الناس كلهم من آدم ونوح وكلهم يرجعون إلى أب واحد ولو قتل من لا يعرف نسبه لم يقسم عنه سائر الناس فإن لم يوجد من نسبه خمسون رددت الأيمان عليهم وقسمت بينهم فإن انكسرت عليهم جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يحلف خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلا وارثا فإنه لا يرثه إلا أخوه أو من هو في درجته أو أقرب منه نسبا ولأنه خاطب بهذا بني عمه وهم غير وارثين والرواية الثانية لا يقسم إلا الوارث وتعرض الأيمان على ورثة المقتول دون غيرهم على حسب مواريثهم هذا ظاهر قول الخرقي واختيار ابن حامد وقول الشافعي لأنها يمين في دعوى حق فلا تشرع في حق غير المتداعيين كسائر الأيمان فعلى هذه الرواية تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر إرثهم فإن انقسمت من غير كسر مثل أن يخلف المتقول اثنين أو أخا وزوجا حلف كل واحد منهم خمسا وعشرين يمينا وإن كانوا ثلاثة بنين وجدا أو أخوين جبر الكسر عليهم فحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا لأن تكميل الخمسين واجب ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم لها عن بعض فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم وإن خلف أخا من أبا وأخا من أم فعلى الأخ من الأم سدس الأيمان ثم يجبر الكسر فيكون عليه تسع أيمان وعلى الأخ من الأب اثنتان وأربعون وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينا سواء تساووا في الميراث واختلفوا فيه لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى وعن مالك أنه قال ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط عن الآخر ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم وأكثر ما روي عنه في الأيمان خمسون ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين وهذا خلاف النص ولأنها حجة فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة ويفارق اليمين على المدعى عليه فإنها ليست حجة للمدعي ولأنها لم يمكن قسمتها فكملت في حق واحد كاليمين المنكسرة في القسامة فإنها تجبر وتكمل في حق كل واحد لكونها لا تتبعض وما لا يتبعض يكمل كالطلاق والعتاق وما ذكره مالك لا يصح لأنه إسقاط لليمين عمن عليه بعضها فلم يجز كما لو تساوى الكسران بأن يكون على كل واحد من الاثنين نصفها أو على كل واحد من الثلاثة ثلثها وبالقياس على من عليه أكثرها ولأن اليمين في سائر الدعاوى تكمل في حق كل واحد ويستوي من له في المدعى كثير وقليل كذا هاهنا ولأنه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه عمن وجبت عليه فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الأكبر فصل فإن كان فيهم من لا قسامة عليه بحال وهو النساء سقط حكمه فإذا كان ابن وبنت حلف الابن الخمسين كلها وإن كان أخ وأخت لأم وأخ وأخت لأب قسمت الأيمان بين الأخوين على أحد عشر على الأخ من الأم ثلاثة وعلى الآخر ثمانية ثم يجبر الكسر عليهما فيحلف الأخ من الأب سبعا وثلاثين يمينا والأخ من الأم أربع عشرة يمينا

الأسئلة