Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V09/P037–V09/P038

وروى عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم منك قال أن تزني بحليلة جارك أخرجه البخاري ومسلم وكان حد الزاني في صدر الإسلام الحبس للثيب والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر لقوله سبحانه وتعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما النساء 15 16 قال بعض أصحاب أهل العلم المراد بقوله من نسائكم الثيب لأن قوله من نسائكم إضافة زوجية كقوله للذين يؤلون من نسائهم البقرة 226 ولا فائدة في إضافته ها هنا نعلمها إلا اعتبار الثيوبة ولأنه قد ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ من الأخرى فكانت الأغلظ للثيب والأخرى للأبكار كالرجم والجلد ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم رواه مسلم وأبو داود فإن قيل فكيف ينسخ القرآن بالسنة قلنا قد ذهب بعض أصحابنا إلى جوازه لأن الكل من عند الله وإن اختلفت طرقه ومن منع ذلك قال ليس هذا نسخا إنما هو تفسير للقرآن وتبيين لأن النسخ رفع حكم ظاهره الإطلاق فأما إن كان مشروطا بشروط وزال الشرط لا يكون نسخا وها هنا شرط الله تعالى حبسهن إلى أن يجعل لهن سبيلا فبينت السنة السبيل فكان بيانا لا نسخا ويمكن أن يقال إن نسخه حصل بالقرآن فإن الجلد في كتاب الله والرجم كان فيه فنسخ رسمه وبقي حكمه مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا زنى الحر المحصن أو الحرة المحصنة جلدا ورجما حتى يموتا في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى يرجمان ولا يجلدان ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة أحدهما في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلا كان أو امرأة وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جمع الأعصار ولا نعلم فيه مخالفا إلا الخوارج فإنهم قالوا الجلد للبكر والثيب لقول الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 وقالوا لا يجوز ترك كتاب الله الثابت بطريق القطع واليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها ولأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة وهو غير جائز

قسم V09/P038–V09/P039

ولنا إنه قد ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سنذكره في أثناء الباب في مواضعه إن شاء الله تعالى وقد أنزله الله تعالى في كتابه وإنما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى فالرجم حق على ما زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وقد قرأ بها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم متفق عليه وأما آية الجلد فنقول بها فإن الزاني يجب جلده فإن كان ثيبا رجم مع الجلد والآية لم تتعرض لنفيه وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه حين جلد شراحة ثم رجمها وقال جلدتها بكتاب الله تعالى ثم رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لو قلنا إن الثيب لا يجلد لكان هذا تخصيصا للآية العامة وهذا سائغ بغير خلاف فإن عمومات القرآن في الإثبات كلها مخصصة وقولهم إن هذا نسخ ليس بصحيح وإنما هو تخصيص ثم لو كان نسخا بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه وقد روينا أن رسل الخوارج جاؤوا عمر بن عبد العزيز رحمه الله فكان من جملة ما عابوا عليه الرجم وقالوا ليس في كتاب الله إلا الجلد وقالوا الحائض أوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة والصلاة أوكد فقال لهم عمر وأنتم لا تأخذون إلا بما في كتاب الله قالوا نعم قال فأخبروني عن عدد الصلوات المفروضات وعدد أركانها وركعاتها ومواقيتها أين تجدونه في كتاب الله تعالى وأخبروني عما تجب الزكاة فيه ومقاديرها ونصبها فقالوا انظرنا فرجعوا يومهم ذلك فلم يجدوا شيئا مما سألهم عنه في القرآن فقالوا لم نجده في القرآن قال فكيف ذهبتم إليه قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وفعله المسلمون بعده فقال لهم فكذلك الرجم وقضاء الصوم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجم خلفاؤه بعده والمسلمون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم دون الصلاة وفعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه إذا ثبت هذا فمعنى الرجم أن يرمي بالحجارة وغيرها حتى يقتل بذلك قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت ولأن إطلاق الرجم يقتضي القتل به كقوله تعالى لتكونن من المرجومين الشعراء 116 وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين اللذين زنيا وماعزا والغامدية حتى ماتوا فصل وإذا كان الزاني رجلا أقيم قائما ولم يوثق بشيء ولم يحفر له سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار لا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز قال أبو سعيد لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكنه قام لنا رواه أبو داود ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه فوجب أن لا تثبت وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر لها أيضا وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف وذكره في المجرد أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يحفر لها وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر قال أبو الخطاب وهذا أصح عندي وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو بكر وبريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة رواه أبو داود ولأنه أستر لها ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف الثابت بالإقرار فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه لأن رجوعها عن إقرارها مقبول

قسم V09/P039–V09/P040

ولنا إن أكثر الأحاديث على ترك الحفر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولا لماعز ولا لليهودين والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ولا يقولون به فإن التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها بإقرارها ولا خلاف بيننا فيها فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له إذا ثبت هذا فإن ثبات المرأة تشد عليها كيلا تنكشف وقد روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين قال فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ولأن ذلك أستر لها فصل والسنة أن يدور الناس حول المرجوم فإن كان الزنا ثبت ببينة فالبينة أن يبدأ الشهود بالرجم وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام أو الحاكم إن كان ثبت عنده ثم يرجم الناس بعده وروى سعيد بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال الرجم رجمان فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه فإن هرب منهم وكان الحد ثبت ببينة اتبعوه حتى يقتلوه وإن كان ثبت بإقرار تركوه لما روي أن ماعز بن مالك لما وجد مس الحجارة خرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه رواه أبو داود ولأنه يحتمل الرجوع فيسقط عنه الحد فإن قتله قاتل في هربه فلا شيء عليه لحديث ابن أنيس حين قتل ماعزا ولأنه قد ثبت زناه بإقراره فلا يزول ذلك باحتمال الرجوع وإن لم يقتل وأتى به الإمام فكان مقيما على اعترافه رجمه وإن رجع عنه تركه فصل الثاني أنه يجلد ثم يرجم في إحدى الروايتين فعل ذلك علي رضي الله عنه وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر وذكر ذلك عبد العزيز عنهما واختاره وبه قال الحسن وإسحاق وداود وابن المنذر والرواية الثانية يرجم ولا يجلد روي عن عمر وعثمان أنهما رجما ولم يجلدا وروي عن ابن مسعود أنه قال إذا اجتمع حدان الله تعالى فيهما القتل أحاط القتل بذلك وبهذا قال النخعي والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور أصحاب الرأي واختار هذا أبو إسحاق الجوزجاني وأبو بكر الأثرم ونصراه في سنتهما لأن جابرا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده ورجم الغامدية ولم يجلدها وقال واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها متفق عليه ولم يأمره بجلدها وكان هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب تقديمه قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة أنه أول حد نزل وأن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده وعمر رجم ولم يجلد ونقل عنه إسماعيل بن سعيد نحو هذا ولأنه حد فيه قتل فلم يجتمع معه جلد كالردة ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه فالحد أولى ووجه الرواية قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2

قسم V09/P040–V09/P041

وهذا عام ثم جاءت السنة بالرجم في حق الثيب والتغريب في حق البكر فوجب الجمع بينهما وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه بقوله جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث عبادة والثيب بالثيب الجلد والرجم وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك إلا بمثله والأحاديث الباقية ليست صريحة فإنه ذكر الرجم ولم يذكر الجلد فلا يعارض به الصريح بدليل أن التغريب يجب بذكره في هذا الحديث وليس بمذكور في الآية ولأنه زان فيجلد كالبكر ولأنه قد شرع في حق البكر عقوبتان الجلد والتغريب فيشرع في حق المحصن أيضا عقوبتان الجلد والرجم فيكون الرجم مكان التغريب فعلى هذه الرواية يبدأ بالجلد أولا ثم يرجم فإن والى بينهم جاز لأن إتلافه مقصود فلا تضر الموالاة بينهما وإن جلده يوما ورجمه في آخر جاز فإن عليا رضي الله عنه جلد شراحه يوم الخميس ثم رجمها يوم الجمعة ثم قال جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل الثالث أن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم وفي حديث عمر إن الرجم على من زنا وقد أحصن وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ذكر منها أو زنا بعد إحصان وللإحصان شروط سبعة أحدهما الوطء في القبل ولا خلاف في اشتراطه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الثيب بالثيب الجلد والرجم والثيابة تحصل بالوطء في القبل فوجب اعتباره ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر أو لم يحصل شيء من ذلك لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبا ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام بمقتضى الخبر ولا بد من أن يكون وطأ حصل به تغييب الحشفة في الفرج لأن ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء الثاني أن يكون نكاح لأن النكاح يسمى إحصانا بدليل قول الله تعالى والمحصنات من النساء النساء 24 يعني المتزوجات ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطىء محصنا ولا نعلم خلافا في أن التسري لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكامه الثالث أن يكون النكاح صحيحا وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد وحكي ذلك عن الليث والأوزاعي لأن الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر والعدة وتحريم الربيبة وأم المرأة ولحاق الولد فكذلك في الإحصان ولنا إنه وطء في غير ملك غلم يحصل به الإحصان كوطء الشبهة ولا نسلم ثبوت ما ذكروه من الأحكام وإنما ثبتت بالوطء فيه وهذه ثبتت في كل وطء فيه وليست مختصة بالنكاح إلا أن النكاح ها هنا صار شبهة فصار الوطء فيه كوطء الشبهة سواء الرابع الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور قال العبد والأمة هما محصنان يرجمان إذا زنيا إلا أن يكون إجماع يخالف ذلك وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة هو محصن يرجم إذا زنا وإن كان تحته أمة لم يرجم وهذه أقوال تخالف النص والإجماع فإن الله تعالى قال فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25

قسم V09/P041–V09/P042

والرجم لا يتنصف وإيجابه كله يخالف النصف مع مخالفة الإجماع المنعقد قبله إلا أن يكون إذا عتقا بعد الإصابة فهذا فيه اختلاف سنذكره إن شاء الله تعالى وقد وافق الأوزاعي على أن العبد إذا وطىء الأمة ثم عتقا لم يصيرا محصنين بذلك الوطء وهو أيضا قول شاذ خالف أهل العلم به فإن الوطء وجد منهما حال كمالهما فحصنهما كالصبيين إذا بلغا الشرط الخامس والسادس البلوغ والعقل فلو وطىء وهو صبي أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنا هذا قول أكثر أهل العلم ومذهب الشافعي ومن أصحابه من قال يصير محصنا وكذلك العبد إذا وطىء في رقه ثم عتق يصير محصنا لأن هذا وطء يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثا فحصل به الإحصان كالموجود حال الكمال ولنا قوله عليه السلام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم فاعتبر الثيوبة خاصة ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله وهو خلاف الإجماع ويفارق الإحصان الإحلال لأن اعتبار الوطء في حق المطلق يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره ولأن هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس فاعتبره الشارع زجرا عن الطلاق ثلاثا وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون بخلاف الإحصان فإنه اعتبر لكمال النعمة في حقه فإن من كملت النعمة في حقه كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبة والنعمة في العاقل البالغ أكمل والله أعلم الشرط السابع أن يوجد الكمال فيهما جميعا حال الوطء فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري وإسحاق قالوه في الرقيق وقال مالك إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا إلا الصبي إذا وطىء الكبيرة لم يحصنها ونحوه عن الأوزاعي واختلف عن الشافعي فقيل له قولان أحدهما كقولنا والثاني أن الكامل يصير محصنا وهذا قول ابن المنذر لأنه خر بالغ عاقل وطىء في نكاح صحيح فصار محصنا كما لو كان الآخر مثله وقال بعضهم إنما القولان في الصبي دون العبد فإنه يصير محصنا قولا واحدا إذا كان كاملا ولنا إنه وطء لم يحصن به أحد المتوطئين فلم يحصن الآخر كالتسري ولأنه متى كان أحدهما ناقصا لم يكمل الوطء فلا يحصل به الإحصان كما لو كانا غير كاملين وبهذا فارق ما قاسوا عليه فصل ولا يشترط الإسلام في الإحصان وبهذا قال الزهري والشافعي فعلى هذا يكون الذميان محصنين فإن تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين وعن أحمد رواية أخرى أن الذمية لا تحصن المسلم وقال عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري هو شرط في الإحصان فلا يكون الكافر محصنا ولا تحصن الذمية مسلما لأن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أشرك بالله فليس بمحصن ولأنه إحصان من شرطه الحرية فكان الإسلام شرطا فيه كأحصان القذف وقال مالك كقولهم إلا أن الذمية تحصن المسلم بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين وينبغي أن يكون ذلك قولا للشافعي ولنا ما روى ملك عن نافع عن ابن عمر أنه قال جاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا وذكر الحديث فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما متفق عليه ولأن الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمي فيجب أن يستويا في الحد وحديثهم لم يصح ولا نعرفه في مسند وقيل هو موقوف على ابن عمر ثم يتعين حمله على إحصان القذف جمعا بين الحديثين فإن راويهما واحد وحديثنا صريح في الرجم فيتعين حمل خبر على الإحصان الآخر فإن قالوا إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة بدليل أنه راجعها فلما تبين له أن ذلك حكم الله عليهم أقامه فيهم وفيها أنزل الله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا المائدة 44

قسم V09/P042–V09/P043

قلنا إنما حكم عليهما بما أنزل الله إليه بدليل قوله تعالى فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة 48 ولأنه لا يسوغ للنبي صلى الله عليه وسلم الحكم بغير شريعته ولو ساغ ذلك لساغ غيره وإنما راجع التوراة لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم وأنهم تاركون لشريعتهم مخالفون لحكمهم ثم هذا حجة لنا فإن حكم الله في وجوب الرجم إن كان ثابتا في حقهم يجب أن يحكم به عليهم فقد ثبت وجود الإحصان فيهم فإنه لا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الإحصان منه وإن منعوا ثبوت الحكم في حقهم فلم حكم به النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح القياس على إحصان القذف لأن من شرطه العفة وليست شرطا ها هنا فصل ولو ارتد المحصن لم يبطل إحصانه فلو أسلم بعد ذلك كان محصنا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يبطل لأن الإسلام عنده شرط في الإحصاء وقد بينا أنه ليس بشرط ثم هذا داخل في عموم قوله عليه السلام أو زنا بعد إحصان ولأنه زنا بعد الإحصان فكان حده الرجم الذي لم يرتد فأما إن نقض الذمي العهد ولحق بدار الحرب بعد إحصانه فسبى واسترق ثم أعتق احتمل أن لا يبطل إحصانه لأنه زنى بعد إحصانه فأشبه من ارتد واحتمل أن يبطل لأنه بطل بكونه رقيقا فلا يعود إلا بسبب جديد بخلاف من ارتد فصل وإذا زنى وله زوجة له منها ولد فقال ما وطئتها لم يرجم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يرجم لأن الولد لا يكون إلا من وطء فقد حكم بالوطء ضرورة الحكم بالولد ولنا إن الولد يلحق بإمكان الوطء واحتماله والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء فلا يلزم من ثبوت ما يكتفي فيه بالإمكان وجود ما تعتبر فيه الحقيقة وهو أحق الناس بهذا فإنه قال لو تزوج امرأة في مجلس الحاكم ثم طلقها فيه فأتت بولد لحقه مع العلم بأنه لم يطأها في الزوجية فكيف يحكم بحقيقة الوطء مع تحقق انتفائه وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها لذلك فصل ولو شهدت بينة الإحصان أنه دخل بزوجته فقال أصحابنا يثبت الإحصان به لأن المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة وقال محمد بن الحسن لا يكتفي به حتى تقول جامعها أو باضعها أو نحوه لأن الدخول يطلق على الخلوة بها ولهذا تثبت بها أحكامه وهذا أصح القولين إن شاء الله تعالى فأما إذا قالت جامعها أو باضعها فلم نعلم خلافا في ثبوت الإحصان وهكذ ينبغي إذا قالت وطئها فإن قالت باشرها أو مسها أو أصابها أو أتاها فينبغي أن لا يثبت به الإحصان لأن هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيرا فلا يثبت به الإحصان الذي يندرئ بالاحتمال فصل وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصنا لما روى جابر أن رجلا زنى بامرأة فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد الحر ثم أخبر أنه محصن فرجم رواه أبو دواد ولأنه وجب الجمع بينهما فقد أتى ببعض الواجب إتمامه وإن لم يجب الجمع بينهما تبين أنه لم يأت بالحد الواجب فيجب أن يأتي به مسألة قال ( ويغسلان ويكفنان ويصلى عليهما ويدفنان ) لا خلاف في تغسيلهما ودفنهما وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما قال الإمام أحمد سئل علي رضي الله عنه عن شراحة وكان رجمها فقال اصنعوا بها كما تصنعون بموتاكم وصلى علي على شراحة وقال مالك من قتله الإمام في حد لا نصلي عليه لأن جابرا قال في حديث ما عز فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ولم يصل عليه متفق عليه

قسم V09/P043–V09/P044

ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين في حديث الجهينة فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت ثم أمرهم فصلوا عليها فقال عمر يا رسول الله أتصلي عليها وقد زنت فقال والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أجادت بنفسها ورواه الترمذي وفيه فرجمت وصلى عليها وقال حديث حسن صحيح وقال النبي صلى الله عليه وسلم صلوا على من قال لا إله إلا الله ولأنه مسلم لو مات قبل الحد صلي عليه فيصلى عليه بعده كالسارق وأما خبر ماعز فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضره أو اشتغل عنه بأمر غير ذلك فلا يعارض ما رويناه مسألة قال ( وإذا زنى الحر البكر جلد مائة وغرب عاما ) يعني لم يحصن وإن كان ثيبا وقد ذكرنا الإحصان وشروطه ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنا وقد جاء ببيان ذلك في كتاب الله بقوله سبحانه الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 وجاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لما جاء به الكتاب ويجب مع الجلد تغريبه عاما في قول جمهور العلماء روى ذلك عن الخلفاء الراشدين وبه قال أبي وأبو داود وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم وإليه ذهب عطاء وطاوس والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو ثور وقال مالك والأوزاعي يغرب الرجل دون المرأة لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة ولأنها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم لا يجوز التغريب بغير محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم ولأن تغريبها بغير محرم إغراء لها وتضييع لها وإن غربت بمحرم أفضى إلى تغريب من ليس بزان ونفي من لا ذنب له وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به كما لو زاد ذلك على الرجل والخبر الخاص في التغريب إنما هو في حق الرجل وكذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم والعام يجوز تخصيصه لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه فإن دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك وفوات حكمه لأن الحد وجب زجرا عن الزنا وفي تغريبها إغراء به وتمكين منه مع أنه قد يخصص في حق الثيب بإسقاط الجلد في قول الأكثرين فتخصيصه ها هنا أولى وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يجب التغريب لأن عليا رضي الله عنه قال حسبهما من الفتنة أن ينفيا وعن ابن المسيب أن عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب مسلما بعد هذا أبدا ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب فإيجاب التغريب زيادة على النص ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وروى أبو هريرة وزيد بن خالد أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وإنني افتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام والرجم على امرأة هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل على ابنك جلد مائة وتغريب عام وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه وفي الحديث أنه قال سألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام وهذا يدل على أن هذا كان مشهورا عندهم من حكم الله تعالى وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم

قسم V09/P044–V09/P046

وقد قيل إن الذي قال له هذا هو أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ولأن التغريب فعله الخلفاء الراشدون ولا نعرف لهم في الصحابة مخالفا فكان إجماعا ولأن الخبر يدل على عقوبتين في حق الثيب وكذلك في حق البكر وما رووه عن علي لا يثبت لضعف رواته وإرساله وقول عمر لا أغرب بعده مسلما فيحتمل أنه تغريبه في الخمر الذي أصابت الفتنة ربيعة فيه وقول مالك يخالف عموم الخبر والقياس لأن ما كان حدا في الرجل يكون حدا في المرأة كسائر الحدود وقول مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم والقياس على سائر الحدود لا يصح لأنه يستوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها بخلاف هذا الحد ويمكن قلب هذا القياس بأنه حد فلا تزاد المرأة على ما على الرجل كسائر الحدود فصل ويغرب البكر الزاني حولا كاملا فإن عاد قبل مضي الحول أعيد تغريبه حتى يكمل الحول مسافرا ويبني على ما مضى ويغرب الرجل إلى مسافة القصر لأن ما دونها في حكم الحضر بدليل أنه لا يثبت في حقه أحكام المسافرين ولا يستبيح شيئا من رخصهم فأما المرأة فإن خرج معها محرمها نفيت إلى مسافة القصر وإن لم يخرج معها محرمها فقد نقل عن أحمد أنها تغرب إلى مسافة القصر كالرجل وهذا مذهب الشافعي وروي عن أحمد أنها تغرب إلى دون مسافة القصر لتقرب من أهلها فيحفظوها ويحتمل كلام أحمد أن لا يشترط في التغريب مسافة القصر فإنه في رواية الأثرم ينفى من عمله إلى عمل غيره وقال أبو ثور وابن المنذر لو نفي إلى قرية أخرى بينهما ميل أو أقل جاز وقال إسحاق يجوز أن ينفى من مصر إلى مصر ونحوه قال ابن أبي ليلى لأن النفي ورد مطلقا غير مقيد فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم والقصر يسمى سفرا ويجوز فيه التيمم والنافلة على الراحلة ولا يحبس في البلد الذي نفي إليه وبهذا قال الشافعي وقال مالك يحبس ولنا إنه زيادة لم يرد بها الشرع فلا تشرع كالزيادة على العام فصل وإذا زنى الغريب غرب إلى بلد غير وطنه وإن زنى في البلد الذي غرب إليه غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه لأنه الأمر بالتغريب يتناوله حيث كان ولأنه قد أنس بالبلد الذي سكنه فيبعد عنه فصل ويخرج مع المرأة محرمها حتى يسكنها في موضع ثم إن شاء رجع إذا أمن عليها وإن شاء أقام معها حتى يكمل حولها وإن أبى الخروج معها بذلت له الأجرة قال أصحابنا وتبذل من مالها لأن هذا من مؤنة سفرها ويحتمل أن لا يجب ذلك عليها لأن الواجب عليها التغريب بنفسها فلم يلزمها زيادة عليه كالرجل ولأن هذا من مؤنة إقامة الحد فلم يزمها كأجرة الجلاد فعلى هذا تبذل الأجرة من بيت المال وعلى قول أصحابنا وإن لم يكن لها مال بذلت من بيت المال فإن أبى محرمها الخروج معها لم يجبر وإن لم يكن لها محرم غربت مع نساء ثقات والقول في أجرة من يسافر معها منهن كالقول في أجرة المحرم فإن أعوز فقد قال أحمد تبقى بغير محرم وهو قول الشافعي لأنه لا سبيل إلى تأخيره فأشبه سفر الهجرة والحج إذا مات محرمها في الطريق ويحتمل أن يسقط النفي إذا لم يجد محرما كما يسقط سفر الحج إذا لم يكن لها محرم فإن تغريبها إغراء لها بالفجور وتعريض لها للفتنة وعموم الحديث مخصوص بعموم النهي عن سفرها بغير محرم فصل ويجب أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين لقول الله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين النور 2 قال أصحابنا والطائفة واحد فما فوقه وهذا قول ابن عباس ومجاهد والظاهر أنهم أرادوا واحدا مع الذي يقيم الحد لأن الذي يقيم الحد حاصل ضرورة فيتعين صرف الأمر إلى غيره وقال عطاء وإسحاق اثنان فإن أراد به واحدا مع الذي يقيم الحد فهو مثل القول الأول وإن أراد اثنين غيره فوجهه أن الطائفة اسم لما زاد على الواحد وأقله اثنان

قسم V09/P046–V09/P047

وقال الزهري ثلاثة لأن الطائفة جماعة وأقل الجمع ثلاثة وقال مالك أربعة لأنه العدد الذي يثبت له الزنا وللشافعي قولان كقول الزهري ومالك وقال ربيعة خمسة وقال الحسن عشرة وقال قتادة نفر واحتج أصحابنا بقول ابن عباس ولأن اسم الطائفة يقع على الواحد بدليل قول الله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات 9 ثم قال فأصلحوا بين أخويكم الحجرات 10 وقيل في قوله تعالى إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة التوبة 66 أنه محش بن حمير وحده ولا يجب أن يحضر الإمام ولا الشهود وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة إن ثبت الحد ببينة فعليها الحضور والبداءة بالرجم وإن ثبت باعتراف وجب على الإمام الحضور والبداءة بالرجم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال الرجم رجمان فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس رواه سعيد بإسناده ولأنه إذا لم تحضر البينة ولا الإمام كان ذلك شبهة والحد يسقط بالشبهات ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضرهما والحد يثبت باعترافهما وقال يا أنيس اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يحضرها ولأنه حد فلم يلزم أن يحضره الإمام ولا البينة كسائر الحدود ولا نسلم أن تخلفهم عن الحضور ولا امتناعهم من البداءة بالرجم شبهة فأما قول علي رضي الله عنه فهو على سبيل الاستحباب والفضيلة قال أحمد سنة الاعتراف أن يرجم الإمام ثم الناس ولا نعلم خلافا في استحباب ذلك والأصل فيه قول علي رضي الله عنه وقد روي في الحديث رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة ثم رماها بحصاة مثل الحمصة ثم قال ارموا واتقوا الوجه أخرجه أبو داود فصل ولا يقام الحد على حامل حتى تضع يواء كان الحمل من زنا أو غيره لا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الحامل لا ترجم حتى تضع وقد روى بريدة أن امرأة من بني غامد قالت يا رسول الله طهرني قال وما ذاك قالت إنها حبلى من زنا قال أنت قالت نعم فقال لها ارجعي حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من ترضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلى إرضاعه يا نبي الله قال فرجمها رواه مسلم وأبو داود وروي أن امرأة زنت في أيام عمر رضي الله عنه فهم عمر برجمها وهي حامل فقال له معاذ إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها فقال عجز النساء أن يلدن مثلك ولم يرجمها وعن علي مثله ولأن في إقامة الحد عليها في حال حملها إتلافا لمعصوم ولا سبيل إليه وسواء كان الحد رجما أو غيره لأنه لا يؤمن الولد من سراية الضرب والقطع وربما سرى إلى نفس المضروب والمقطوع فيفوت الولد بفواته فإذا وضعت الولد فإن كان الحد رجما لم ترجم حتى تسقيه اللبأ لأن الولد لا يعيش إلا به ثم إن كان له من يرضعه أو تكفل أحد برضاعه رجمت وإلا تركت حتى تفطمه لما ذكرنا من حديث الغامدية ولما روى أبو داود بإسناده عن بريدة أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني فجرت فوالله إني لحبلى فقال لها ارجعي حتى تلدي فرجعت فلما ولدت أتته بالصبي فقال ارجعي حتى تلدي فرجعت فلما ولدت أتته بالصبي فقال ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يأكله فأمر الصبي فدفع إلى رجل من المسلمين فأمر بها فحفر لها وأمر بها فرجمت وأمر بها فصلي عليها ودفنت وإن لم يظهر حملها لم تؤخر لاحتمال أن تكون حملت من الزنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية والجهنية

قسم V09/P047–V09/P048

ولم يسألا عن استبرائها وقال لأنيس اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يأمره بسؤاله عن استبرائها ورجم علي شراحة ولم يستبرئها وإن ادعت الحمل قبل قولها كما قبل النبي صلى الله عليه وسلم قول الغامدية وإن كان الحد جلدا فإذا وضعت الولد وانقطع النفاس وكانت قوية يؤمن تلفها أقيم عليها الحد وإن كانت في نفاسها أو ضعيفة يخاف تلفها لم يقم عليها الحد حتى تطهر وتقوى وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وذكر القاضي أنه ظاهر كلام الخرقي وقال أبو بكر يقام عليها الحد في الحال بسوط يؤمن معه التلف فإن خيف عليها من السوط أقيم بالعثكول يعني شمراخ النخيل وأطراف الثياب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب المريض الذي زنا فقال خذوا له مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال إن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت رواه مسلم والنسائي وأبو داود ولفظه قال فأتيته فقال يا علي أفرغت فقلت أتيتها ودمها يسيل فقال دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم أقم عليها الحد وفي حديث أبي بكرة أن المرأة انطلقت فولدت غلاما بجاءت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها انطلقي فتطهري من الدم رواه أبو داود ولأنه لو توالى عليه حدان فاستوفى أحدهما لم يستوف الثاني حتى يبرأ من الأول ولأن في تأخيره إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف فكان أولى فصل والمريض على ضربين أحدهما يرجى برؤه فقال أصحابنا يقام عيه الحد ولا يؤخر كما قال أبو بكر في النفساء وهذا قول إسحاق وأبي ثور لأن عمر رضي الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة قال القاضي وظاهر قول الخرقي تأخيره لقوله فيمن يجب عليه الحد وهو صحيح عاقل وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لحديث علي رضي الله عنه في التي هي حديثة عهد بنفاس وما ذكرناه من المعنى وأما حديث عمر في جلد قدامة فإنه يحتمل أنه كان مرضا خفيفا لا يمنع من إقامة الحد على الكمال ولهذا لم ينقل عنه أنه خفف عنه في السوط وإنما اختار له سوطا وسطا كالذي يضرب به الصحيح ثم إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على فعل عمر مع أنه اختيار علي وفعله وكذلك الحكم في تأخيره لأجل الحر والبرد المفرط الضرب الثاني المريض الذي لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه في الحال ولا يؤخر بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير وشمراخ النخل فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة بهذا قال الشافعي وأنكر مالك هذا وقال قد قال الله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 وهذا جلدة واحدة ولنا ما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا منهم اشتكى حتى ضني فدخلت عليه امرأة فهش لها فوقع بها فسئل له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة رواه أبو داود والنسائي وقال ابن المنذر في إسناده مقال ولأنه لا يخلو من أن يقام الحد على ما ذكرنا أو لا يقام أصلا أو يضرب ضربا كاملا لا يجوز تركه بالكلية لأنه يخالف الكتاب والسنة ولا يجوز جلده جلدا تاما لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرناه وقولهم هذا جلدة واحدة يجوز أن يقام ذلك في حال العذر مقام مائة كما قال الله تعالى في حق أيوب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ص 44 وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله مما لا يوجب القتل مسألة قال ( وإذا زنى العبد والأمة جلد كل واحد منهما خمسين جلدة ولم يغربا )

قسم V09/P048–V09/P049

وجملته أن حد العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر الفقهاء منهم عمر وعلي وابن مسعود والحسن والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي والبتي والعنبري وقال ابن عباس وطاوس وأبو عبيد إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد ولا حد على غيرهما لقول الله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 فدليل خطابه أنه لا حد على غير المحصنات وقال داود على الأمة نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت وعلى العبد جلد مائة بكل حال وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان إحداهما لا حد عليها والأخرى تجلد مائة لأن قول الله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2 عام خرجت منه الأمنة المحصنة بقوله فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 فيبقى العبد والأمة التي لم تحصن على مقتضى العموم ويحتمل دليل الخطاب في الأمة أن لا حد عليها لقول ابن عباس وقال أبو ثور إذا لم يحصنا بالتزوج فعليهما نصف الحد وإن أحصنا فعليهما الرجم لعموم الأخبار فيه ولأنه حد لا يتبعض فوجب تكميله كالقطع في السرقة ولنا ما روى ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وسئل قالوا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير متفق عليه قال ابن شهاب وهذا نص في جلد الأمة إذا لم تحصن وهو حجة على ابن عباس وموافقيه وداود وجعل داود عليها مائة إذل لم تحصن وخمسين إذا كانت محصنة خلاف ما شرع الله تعالى فإن الله تعالى ضاعف عقوبة المحصنة على غيرها فجعل الرجم على المحصنة والجلد على البكر وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة وأتباع شرع الله أولى وأما دليل الخطاب فقد روي عن ابن مسعود رحمه الله أنه قال إحصانها إسلامها وأقراؤها بفتح الألف ثم دليل الخطاب إنما يكون دليلا إذا لم يكن للتخصيص بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم ومتى كان له فائدة أخرى لم يكن دليلا مثل أن يخرج مخرج الغالب أو للتنبيه أو لمعنى من المعاني وقد قال الله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم النساء 23 ولم يختص التحريم باللاتي في حجوركم وقال وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم النساء 23 وحرم حلائل الأبناء من الرضاع وأبناء الأبناء وقال فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا النساء 101 وأبيح القصر بدون الخوف وأما العبد فلا فرق بينه وبين الأمة فالتنصيص على أحدهما يثبت حكمه في حق الآخر كما أن قول النبي النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد ثبت حكمه في حق الأمة ثم أن المنطوق أولى منه على كل حال وأما أبو ثور فخالف نص قوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 وعمل به فيما لم يتناول النص وخرق الإجماع في إيجاب الرجم على لمحصنات كما خرق داود الإجماع في تكميل الجلد على العبيد وتضعيف حد الإبكار على المحصنات فصل ولا ترغيب على عبد ولا أمة وبهذ قال الحسن وحماد ومالك وإسحاق وقال الثوري وأبو ثور يغرب نصف عام لقوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 وحد ابن عمر مملوكة له ونفاها إلى فدك وعن الشافعي قولان كالمذهبين واحتج من أوجبه بعموم قوله عليه السلام والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام

قسم V09/P049–V09/P050

ولنا الحديث المذكور في حجتنا ولم يذكر فيه تغريبا ولو كان واجبا لذكره لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقته وحديث علي رضي الله عنه أنه قال يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها وذكر الحديث رواه أبو داود ولم يذكر أنه غربها وأما الآية فإنها حجة لنا لأن العذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير فينصرف التنصيف إليه دون غيره بدليل أنه لم ينصرف إلى تنصيف الرجم ولأن التغريب في حق العبد عقوبة لسيده دونه فلم بجب في الزنا كالتغريم بيان ذلك أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه لأنه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته والخطر بخروجه من تحت يده والكلفة في حفظه والإنفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني والضرر على غير الجاني وما فعل ابن عمر ففي حق نفسه وإسقاط حقه وله فعل ذلك من غير زنا ولا جناية فلا يكون حجة في حق غيره فصل وإذا زنى العبد ثم عتق حد حد الرقيق لأنه إنما يقام عليه الحد الذي وجب عليه ولو زنى حر ذمي ثم لحق بدار الحرب ثم سبى واسترق حد حد الأحرار لأنه وجب عليه وهو حر ولو كان أحد الزانيين رقيقا والآخر حرا فعلى كل واحد منهما حده ولو زنى بكر بثيب حد كل واحد منهما حده لأن كل واحد منهما إنما تلزمه عقوبة جنايته ولو زنى بعد العتق وقبل العلم به فعليه حد الأحرار لأنه زنى وهو حر وإن أقيم عليه حد الرقيق قبل العلم بحريته ثم علمت بعد تمم عليه حد الأحرار وإن عفا السيد عن عبده لم يسقط عنه الحد في قول عامة أهل العلم إلا الحسن قال يصح عفوه وليس بصحيح لأنه حق لله تعالى يسقط بإسقاط سيده كالعبادات وكالحر إذا عفا عنه الإمام فصل وللسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن في قول أكثر العلماء روي نحو ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين وفاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلقمة والأسود والزهري وهبيرة بن مريم وأبي ميسرة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال ابن أبي ليلى أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا وعن الحسن بن محمد أن فاطمة حدت جارية لها زنت وعن إبراهيم أن علقمة والأسود كانا يقيمان الحدود على من زنى من خدم عشائرهم روى ذلك سعيد في سننه وقال أصحاب الرأي ليس له ذلك لأن الحدود إلى السلطان ولأن من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد كالصبي ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار ويعتبر لذلك شروط من عدالة الشهود ومجيئهم مجتمعين أو في مجلس واحد وذكر حقيقة الزنا وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها ويعرف الخلاف فيها والصواب منها وكذلك الإقرار فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه كحد الأحرار ولأنه حد هو حق الله تعالى فيفرض إلى الإمام كالقتل والقطع ولنا ما روى سعيد حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هرير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا زنت أمة أحدكم فتيقن زناها فليجلدها ولا يثرب بها فإن عادت فليجلدها ولا يثرب بها فإن عادت فليجدها ولا يثرب بها فإن عادت الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير وقال حدثنا أبو الأحوص حدثنا عبد الأعلى عن أبي جميلة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم رواه الدارقطني ولأن السيد يملك تأديب أمته وتزويجها فملك إقامة الحد عليها كالسلطان وفارق الصبي

قسم V09/P050–V09/P051

وإذا ثبت هذا فإنما يملك إقامة الحد بشروط أربعة أحدها أن يكون جلدا كحد الزنا والشرب وحد القذف فأما القتل في الردة والقطع في السرقة فلا يملكها إلا الإمام وهذا قول أكثر أهل العلم وفيهما وجه آخر أن السيد يملكها وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم وروي أن ابن عمر قطع عبدا سرق وكذلك وعائشة وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها ولأن ذكل حد أشبه الجلد وقال القاضي كلام أحمد يقتضي أن في قطع السارق روايتين ولنا إن الأصل تفويض الحد إلى الإمام لأنه حق لله تعالى فيفوض إلى نائبه كما في حق الأحرار ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة لأنه تأديب والسيد يملك عبده وضربه على الذنب وهذا من جنسه وإنما افترقا في أن هذا مقدر والتأديب غير مقدر وهذا لا أثر له في منع السيد منه بخلاف القطع والقتل فإنهما إتلاف لجملته وبعضه الصحيح ولا يملك السيد هذا من عبده ولا شيئا من جنسه والخبر الوارد في حد السيد عبده إنما جاء في الزنا خاصة وإنما قسمنا عليه ما يشبهه من الجلد وقوله أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم إنما جاء في سياق الجلد في الزنا فإن أول الحديث عن علي قال أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمة لهم فجرت فأرسلني إليها فقال اجلدها الحد قال فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها فرجعت إليه فقال أفرغت فقلت وجدتها لم تجف من دمها قال إذا جفت من دمها فاجلدها الحد وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم قال فالظاهر أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه وأما فعل حفصة فقد أنكره عثمان عليها وشق عليه وقوله أولى من قولها وما روي عن ابن عمر فلا نعلم ثبوته عنه الشرط الثاني أن يختص السيد بالمملوك فإن كان مشتركا بين اثنين أو كانت الأمة مزوجة أو كان المملوك مكاتبا أو بعضه حرا لم يملك السيد إقامة الحد عليه وقال مالك والشافعي يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة لعموم الخبر ولأنه مختص بملكها وإنما يملك الزوج بعض نفعها فأشبهت المستأجرة ولنا ما روي عن ابن عمر أنه قال إذا كانت الأمة ذات زوج رفعت إلى السلطان وإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ولم نعرف له مخالفا في عصره فكان إجماعا ولأن نفعها مملوك لغيره مطلقا أشبهت المشتركة ولأن المشترك إنما منع من إقامة الحد عليه لأنه يقيمه في غير ملكه فإن الجزء الحر أو المملوك لغيره ليس بمملوك له وهو يقيم الحد عليه وهذا يشبهه لأن محل الحد هو محل استمتاع الزوج وهو بدنها فلا يملكه والخبر مخصوص بالمشترك فنقيس عليه والمستأجرة إجارتها مؤقتة تنقضي ويحتمل أن نقول لا يملك إقامته عليها في حال إجارتها لأنه ربما أفضى إلى تفويت حق المستأجر وكذلك الأمة المرهونة يخرج فيها وجهان الشرط الثالث أن يثبت الحد ببينة أو اعتراف فإن ثبت باعتراف فللسيد إقامته إذا كان يعرف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه وإن ثبت ببينة اعتبر أن يثبت عند الحاكم لأن البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة ومعرفة شروط سماعها ولفظها ولا يقوم بذلك إلا الحاكم وقال القاضي يعقوب إن كان السيد يحسن سماع البينة ويعرف شروط العدالة جاز أن يسمعها ويقيم الحد بها كما يقيمه بالإقرار وهذا ظاهر نص الشافعي لأنها أحد ما يثبت به الحد فأشبهت الإقرار ولا يقيم السيد الحد بعلمه وهذا قول مالك لأنه لا يقيمه الإمام بعلمه فالسيد أولى فإن ولاية الإمام للحد أقوى من ولاية السيد لكونها متفقا عليها وثابتة بالإجماع فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم فها هنا أولى وعن أحمد رواية أخرى أنه يقيمه بعلمه لأنه قد يثبت عنده فملك إقامته كما لو أقر به ويفارق الحاكم لأن الحاكم متهم ولا يملك محل إقامته وهذا بخلافه

قسم V09/P051–V09/P053

الشرط الرابع أن يكون السيد بالغا عاقلا عالما بالحدود وكيفية إقامتها لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات والجاهل بالحد لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعي فلا يفوض إليه وفي الفاسق وجهان أحدهما لا يملكه لأن هذه ولاية فنافاها الفسق كولاية التزويج والثاني يملكه لأن هذه ولاية استفادها بالملك فلم ينافها الفسق كبيع العبد وإن كان مكاتبا ففيه احتمالان أحدهما لا يملكه لأنه لأنه ليس من أهل الولاية والثاني يملكه لأنه يستفاد بالملك فأشبه سائر تصرفاته وفي المرأة أيضا احتمالان أحدهما لا تملكه لأنها ليست من أهل الولايات والثاني تملكه لأن فاطمة جلدات أمة لها وعائشة قطعت أمة لها سرقت وحفصة قتلت أمة لها سحرتها ولأنها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات أشبهت الرجل وفيه وجه ثالث أن الحد يفرض إلى وليها لأنه يزوج أمتها ومولاتها فملك إقامة الحد على مملوكتها فصل وإن فجر بأمة ثم قتلها فعلية الحد وقيمتها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثورة وقال أبو يوسف إذا وجبت عليه قيمتها أسقطت الحد عنه لأنه يملكها بغرامته لها فيكون ذلك شبهة في سقوط الحد ولنا إن الحد وجب عليه فلم يسقط بقتل المزني بها كما لو كانت حرة فغرم ديتها وقولهم إنه يملكها غير صحيح لأنه إنما غرمها بعد قتلها ولم يبق محلا للملك ثم لو ثبت أنه ملكها فإنما ملكها بعد وجوب الحد فلم يسقط عنه الحد كما لو اشتراها ولو زنى بأمة ثم اشتراها لم يسقط عنه الحد مع ثبوت حقيقة الملك له فها هنا أولى ولو زنى بأمة ثم غصبها فأبقت من يده ثم غرمها لم يسقط عنه الحد لأنه إذا لم يسقط بالملك المتفق عليه فبالمختلف فيه أولى فصل وإذا زنى من نصفه حر ونصفه رقيق فلا رجم عليه لأنه لم تكمل الحرية فيه وعليه نصف حد الحر خمسون جلدة ونصف حد العبد خمس وعشرون فيكون عليه خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام نص عليه أحمد ويحتمل أن لا يغرب لأن حق السيد في جميعه في جميع الزمان ونصيبه من العبد لا تغريب عليه فلا يلزمه ترك حقه في بعض الزمان بما لا يلزمه ولا تأخير حقه بالمهايأة من غير رضاه وإن قلنا بوجوب تغريبه فينبغي أن يكون زمن التغريب محسوبا على العبد من نصيبه الحر وللسيد نصف عام بدلا عنه وما زاد من الحرية أو نقص منها فبحساب ذلك فإن كان فيها كسر مثل أن يكون ثلثه حرا فمقتضى ما ذكرناه أن يلزمه ثلثا جلد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان فينبغي أن يسقط الكسر لأن الحد متى دار بين الوجوب والإسقاط سقط والمدبر والمكاتب وأم الولد بمنزلة القن في الحد لأنه رقيق كله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم مسألة قال ( والزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر ) لا خلاف بين أهل العلم في أن من وطىء امرأة في قبلها حراما لا شبهة له في وطئها أنه زان يجب عليه حد الزنا إذا كملت شروطه والوطء في الدبر مثله في كونه زنا لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها ولا شبهة ملك فكان زنا كالوطء في القبل ولأن الله تعالى قال واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم النساء 15 الآية ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والوطء في الدبر فاحشة بقوله تعالى في قوم لوط أتأتون الفاحشة الأعراف 80 يعني الوطء في أدبار الرجال ويقال أول ما بدأ قوم لوط بوطء النساء في أدبارهن ثم صاروا إلى ذلك في الرجال

قسم V09/P053–V09/P054

فصل وإن وطىء ميتة ففيه وجهان أحدهما عليه الحد وهو قول الأوزاعي لأنه وطء في فرج آدمية فأشبه وطء الحية ولأنه أعظم ذنبا وأكثر إثما لأنه انضم إلى فاحشة هتك حرمة الميتة والثاني لا حد عليه وهو قول الحسن قال أبو بكر وبهذا أقول لأن الوطء في الميتة كالوطء لأنه عضو مستهلك ولأنها لا يشتهى مثلها وتعافها النفس فلا حاجة إلى شرع الزجر عنها والحد إنما وجب زجرا وأما الصغيرة فإن كانت ممن يمكن وطؤها فوطؤها زنا يوجب الحد لأنها كالكبيرة في ذلك وإن كانت ممن لا يصلح للوطء ففيها وجهان كالميتة قال القاضي لا حد على من وطىء صغيرة لم تبلغ تسعا لأنها لا يشتهى مثلها فأشبه ما لو أدخل أصبعه في فرجها وكذلك لو استدخلت امرأة ذكر صبي لم يبلغ عشرا لا حد عليها والصحيح أنه متى أمكن وطؤها وأمكنت المرأة من أمكنه الوطء فوطئها أن الحد يجب على المكلف منهما فلا يجوز تحديد ذلك بتسع ولا عشر لأن التحديد إنما يكون بالتوقيف ولا توقيف في هذا وكون التسع وقتا لإمكان الاستمتاع غالبا لا يمنع وجوده قبله كما أن البلوغ يوجد في خمسة عشر عاما غالبا ولم يمنع من وجوده قبله فصل وإن تزوج ذات محرمة فالنكاح باطل بالإجماع فإن وطئها فعليه الحد في قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو أيوب وابن خيثمة وقال أبو حنيفة والثوري لا حد عليه لأنه وطء تمكنت الشبهة منه فلم يوجب الحد كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها وبيان الشبهة أنه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الذي هو سبب للإباحة فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة بقيت صورته شبهة دارئة للحد الذي يندرىء بالشبهات ولنا إنه وطء في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك والواطىء من أهل الحد عالم بالتحريم فيلزمه الحد كما لو لم يوجد العقد وصورة المبيح إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة والعقد ها هنا باطل محرم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة كما لو أكرهها وعاقبها ثم زنى بها ثم يبطل بالاستيلاء عليها فإن الاستيلاء سبب للملك في المباحات وليس بشبهة وأما إذا اشترى أخته من الرضاع قلنا فيه منع وإن سلمنا فإن الملك المقتضي للإباحة صحيح ثابت وإنما تخلفت الإباحة لمعارض بخلاف مسألتنا فإن المبيح غير موجود لأن عقد النكاح باطل والملك به غير ثابت فالمقتضي معدوم فافترقا فأشبه ما لو اشترى خمرا فشربه أو غلاما فوطئه إذا ثبت هذا فاختلف في الحد فروي عن أحمد أنه يقبل على كل حال وبهذا قال جابر بن زيد وإسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمة وروى إسماعيل بن سعيد عن أحمد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت المال والرواية الثانية حده حد الزاني وبه قال الحسنى ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر ووجه الأولى ما روى البراء قال لقيت عمي ومعه الراية فقلت إلى أين تريد فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله رواه أبو داود والجوزجاني وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن وسمى الجوزجاني عمه الحارث بن عمرو وروى الجوزجاني وابن ماجه بإسنادهما عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقع على ذات محرم فاقتلوه ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من ها هنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن أبي مطرف فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تخطى المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف وهذه الأحاديث أخص مما ورد في الزنا فتقدم والقول فيمن زنى بذات محرمه من غير عقد كالقول فيمن وطئها بعد العقد

قسم V09/P054–V09/P055

فصل وكل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح خامسة أو متزوجة أو معتدة أو نكاح المطلقة ثلاثا إذا وطىء فيه عالما بالتحريم فهو زنا موجب للحد المشروع فيه قبل العقد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه لا حد فيه لما ذكروه في الفصل الذي قبل هذا وقال النخعي يجلد مائة ولا ينفى ولنا ما ذكرناه فيما مضى وروى أبو نصر المروزي بإسناده عن عبيد بن نضيلة قال رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها فقال هل علمتما فقالا لا قال لو علمتما لرجمتكما فجلده أسواطا ثم فرق بينهما وروى أبو بكر بإسناده عن خلاس قال رفع إلى علي عليه السلام امرأة تزوجت ولها زوج كتمته فرجمها وجلد زوجها الآخر مائة جلدة فإن لم يعلم تحريم ذلك فلا حد عليه لعذر الجهل ولذلك درأ عمر عنهما الحد لجهلهما فصل ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل والنكاح بلا ولي ولا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها البائن ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن ونكاح المجوسية وهذا قول أكثر أهل العلم لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبه فصل ولا يجب الحد بوطء جارية مشتركة بينه وبين غيره وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور يجب ولنا إنه فرج له فيه ملك فلا يحد بوطئه كالمكاتبة والمرهونة فصل وإن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما ووطئهما فذكر القاضي عن أصحابنا أن عليه الحد لأنه فرج لا يستباح بحال فوجب الحد بالوطء كفرج الغلام وقال بعض أصحابنا لا حد فيه وهو قول أصحاب الرأي والشافعي لأنه وطء في فرج مملوك له يملك المعاوضة عنه وأخذ صداقه فلم يجب به الحد كوطء الجارية المشتركة فأما إن اشترى ذات محرمه من النسب ممن يعتق عليه ووطئها فعليه الحد لا نعلم فيه خلافا لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة فصل فإن زفت إليه غير زوجته وقيل هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه لا نعلم فيه خلافا وإن لم يقل له هذه زوجتك أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته أو جاريته فوطئها أو دعا زوجته أو جاريته فجاءته غيرها فظنها المدعوة فوطئها أو اشتبه عليه ذلك لعماه فلا حد عليه وبه قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أن عليه الحد لأنه وطىء في محل لا ملك له فيه ولنا إنه وطء اعتقد إباحته بما يعذر مثله فيه فأشبه ما لو قيل له هذه زوجتك ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها فأما إن دعا محرمة عليه فأجابه غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد سواء كانت المدعوة ممن له فيها شبهة كالجارية المشتركة أو لم يكن لأنه لا يعذر بهذا فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه أو عبده فبان أجنبيا فصل ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنا قال عمر وعثمان وعلي لا حد إلا على من علمه وبهذا قال عامة أهل العلم فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام والناشىء ببادية قبل منه لأنه يجوز أن يكون صادقا وإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك كالمسلم الناشىء بين المسلمين وأهل العلم لم يقبل لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه وإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة ولأن مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير أهل العلم فصل فإن وطىء جارية غيره فهو زان سواء كان بإذنه أو غير إذنه لأن هذا مما لا يستباح بالبذل والإباحة وعليه الحد إلا في موضعين

قسم V09/P055–V09/P056

أحدهما الأب إذا وطىء جارية ولده فإنه لا حد عليه في قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور وابن المنذر عليه الحد إلا أن يمنع منه إجماع لأنه وطء في غير ملك أشبه وطء جارية أبيه ولنا إنه وطء تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد كوطء الجارية المشتركة والدليل على تمكن الشبهة قول النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فأضاف مال ولده إليه وجعله له فإذا لم يثبت حقيقة الملك فلا أقل من جعله شبهة دارئة للحد الذي يندرىء بالشبهات ولأن القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والأوزاعي ومن وافقها قد اشتهر قولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان ذلك إجماعا ولا حد على الجارية لأن الحد انتفى عن الواطيء لشبهة الملك فينتفي عن الموطوءة كوطء الجارية المشتركة ولأن الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في أحد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته ولا يصح القياس على وطء جارية الأب لأنه لا ملك للولد فيها ولا شبهة ملك بخلاف مسألتنا وذكر ابن أبي موسى قولا في وطء جارية الأب والأم أنه لا يحد لأنه لا يقطع بسرقة ماله أشبه الأب والأول أصح وعليه عامة أهل العلم فيما علمناه الموضع الثاني إذا وطىء جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيبا ولا يغرب إن كان بكرا وإن لم تكن أحلتها له فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي وحكي عن النخعي أنه يعزر ولا حد عليه لأنه يملك امرأته فكانت له شبهة في مملوكتها وعن عمر وعلي وعطاء وقتادة والشافعي ومالك أنه كوطء الأجنبية سواء أحلتها له أو لم تحلها لأنه لا شبهة له فيها فأشبه وطء جارية أخته ولأنه إباحة لوطء محرمة عليه فلم يكن شبهة كإباحة سائر الملاك وعن ابن مسعود والحسن إن كان استكرهها فعليه غرم مثله وتعتق فإن كانت طاوعته فعليه غرم مثلها ويملكها لأن هذا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه ابن عبد البر وقال هذا حديث صحيح ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سالم أن رجلا يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة فقال لأقضين فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت أحلتها لك جلدناك مائة وإن لم تكن أحلتها لك رجمناك بالحجارة فوجدوها أحلتها له فجلده مائة وإن علقت من هذا الوطء فهل يلحقه النسب على روايتين إحداهما يلحق به لأنه وطء لا يجب به الحد فلحق به النسب كوطء الجارية المشتركة والأخرى لا يلحق به لأنه وطء في غير ملك ولا شبهة ملك أشبه الزنا المحض فصل ولا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم روي ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عفي لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه أنه امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد رواه الأثرم قال وأتي عمر بإماء من إماء الإمارة استكرههن غلمان من غلمان الإمارة فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء وروى سعيد بإسناده عن طارق بن شهاب قال أتي عمر بامرأة قد زنت فقالت إني كنت نائمة فلم أستيقط إلا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها ولأن هذا شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه نص عليه أحمد في راع جاءته امرأة عطشت فسألته أن يسقيها فقال لها أمكنيني من نفسك قال هذه مضطرة وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن امرأة استسقت راعيا فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي ما ترى فيها قال إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئا وتركها

قسم V09/P056–V09/P057

فصل وإن أكره الرجل فزنى فقال أصحابنا عليه الحد وبه قال محمد بن الحسن وأبو ثور لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه فيلزمه الحد كما لو أكره على غير الزنا فزنى وقال أبو حنيفة إن أكرهه السلطان فلا حد عليه وإن أكرهه غيره حد استحسانا وقال الشافعي وابن المنذر لا حد عليه لعموم الخبر ولأن الحدود تدرأ بالشبهات والإكراه شبهة فيمنع الحد كما لو كانت امرأة يحققه أن الإكراه إذا كان بالتخويف أو يمنع ما تفوت حياته بمنعه كان الرجل فيه كالمرأة فإذا لم يجب عليها الحد لم يجب عليه وقولهم إن التخويف ينافي الانتشار لا يصح لأن التخويف بترك الفعل والفعل لا يخاف منه فلا يمنع ذلك وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى مسألة قال ( ومن تلوط قتل بكرا كان أو ثيبا في إحدى الروايتين والأخرى حكمه حكم الزاني ) أجمع أهل العلم على تحري اللواط وقد ذمه الله تعالى في كتابه وعاب من فعله وذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون الأعراف 80 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في حده فروي عنه أن حده الرجم بكرا كان أو ثيبا وهذا قول علي وابن عباس وجابر بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وأبي حبيب وربيعة ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي وقتادة والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور وهو المشهور من قولي الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان ولأن إيلاج فرج آدمي في فرج آدمي لا ملك له فيه ولا شبهة ملك فكان زنا كالإيلاج في فرج المرأة إذا ثبت كونه زنا دخل في عموم الآية والأخبار فيه ولأنه فاحشة فكان زنا كالفاحشة بين الرجل والمرأة وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق اللوطي وهو قول ابن الزبير لما روى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر رضي الله عنه الصحابة فيه فكان علي أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فحرقه وقال الحكم وأبو حنيفة لا حد عليه لأنه ليس بمحل الوطء أشبه غير الفرج ووجه الرواية الأولى قول النبي صلى الله عليه وسلم من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه أبو داود في لفظ فارجموا الأعلى والأسفل ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم أجمعوا على قتله وإنما اختلفوا في صفته واحتج أحمد رضي الله عنه بقول علي عليه السلام وأنه كان يرى رجمه ولأن الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم فينبغي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم وقول من أسقط الحد عنه يخالف النص والإجماع وقياس الفرج على غيره لا يصح لما بينهما من الفرق إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يكون في مملوك له أو أجنبي لأن الذكر ليس بمحل لوطء الذكر فلا يؤثر ملكه له ولو وطىء زوجته أو مملوكته في دبرها كان محرما ولا حد فيه لأن المرأة محل للوطء في الجملة وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد بخلاف التلوط

قسم V09/P057–V09/P058

فصل وإن تدالكت امرأتان فهما زانيتان ملعونتان لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ولا حد عليهما لأنه لا يتضمن إيلاجا فأشبه المباشرة دون الفرج وعليهما التعزير لأنه زنا لا حد فيه فأشبه مباشرة الرجل المرأة من غير جماع ولو باشر الرجل المرأة فاستمتع بها فيما دون الفرج فلا حد عليه لما روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لقيت المرأة فأصبت منها كل شيء إلا الجماع فأنزل الله تعالى أقم الصلاة هود 114 الآية فقال الرجل ألي هذه الآية فقال لمن عمل بها من أمتي رواه النسائي ولو وجد رجل مع امرأة يقبل كل واحد منهما صاحبه ولم يعلم هل وطئها أو لا فلا حد عليهما فإن قالا نحن زوجان واتفقا على ذلك فالقول قولهما وبه قال الحكم وحماد والشافعي وأصحاب الرأي وإن شهد عليهما بالزنا فقالا نحن زوجان فعليهما الحد إن لم تكن نية بالنكاح وبه قال أبو ثور وابن المنذر لأن الشهادة بالزنا تنفي كونهما زوجين فلا تبطل بمجرد قولهما ويحتمل أن يسقط الحد إذا لم يعلم كونها أجنبية منه لأن ما ادعياه محتمل فيكون ذلك شبهة كما لو شهد عليه بالسرقة فادعى أن المسروق ملكه مسألة قال ( ومن أتى بهيمة أدب وأحسن أدبه وقتلت البهيمة ) اختلفت الرواية عن أحمد في الذي يأتي البهيمة فروي عنه أنه يعزر ولا حد عليه روي ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي والنخعي والحكم ومالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وهو قول للشافعي والرواية الثانية حكمه حكم اللائط سواء وقال الحسن حده حد الزاني وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتي بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه رواه أبو داود ووجه الرواية الأولى أنه لم يصح فيه نص ولا يمكن قياسه على الوطء في فرج الآدمي لأنه لا حرمة لها وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد فإن النفوس تعافه وعامتها تنفر منه فبقي على الأصل في انتفاء الحد والحديث يرويه عمرو بن أبي عمرو ولم يثبته أحمد وقال الطحاوي هو ضعيف ومذهب ابن عباس خلافه وهو الذي روي عنه قال أبو داود هذا يضعف الحديث عنه قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك ولأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يجوز أن يثبت بحديث فيه هذه الشبهة والضعف وقول الخرقي أدب وأحسن أدبه يعني يعزر ويبالغ في تعزيره لأنه وطء في فرج محرم لا شبهة له فيه لم يوجب الحد فأوجب التعزير كوطء الميتة فصل ويجب قتل البهيمة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وأحد قولي الشافعي وسواء كانت مملوكة له أو لغيره مأكولة أو غير مأكولة قال أبو بكر الاختيار قتلها وإن تركت فلا بأس وقال الطحاوي إن كانت مأكولة دبحت وإلا لم تقتل وهذا قول ثان للشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة ولم يفرق بين كونها مأكولة أو غير مأكولة ولا بين ملكه وملك غيره فإن قيل الحديث ضعيف ولم يعملوا به في قتل الفاعل الجاني ففي حق حيوان لا جناية منه أولى قلنا إنما يعمل به في قتل الفاعل على إحدى الروايتين لوجهين أحدهما أنه حد والحدود تدرأ بالشبهات وهذا إتلاف مال فلا تؤثر الشبهة فيه والثاني أنه إتلاف آدمي وهو أعظم المخلوقات حرمة فلم يجز التهجم على إتلافه إلا بدلليل في غاية القوة ولا يلزم مثل هذا في إتلاف مال ولا حيوان سواه إذا ثبت هذا فإن الحيوان إن كان للفاعل ذهب هدرا وإن كان لغيره فعلى الفاعل غرامته لأنه سبب إتلافه فيضمنه كما لو نصب له شبكة فتلف بها ثم إن كانت مأكولة فهل يباح أكلها على وجهين

قسم V09/P058–V09/P059

وللشافعي أيضا في ذلك وجهان أحدهما يحل أكلها لقول الله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام المائدة 1 ولأنه حيوان من جنس يجوز أكله ذبحه من هو من أهل الذكاة فحل أكله كما لو لم يفعل به هذا الفعل ولكن يكره أكله لشبهة التحريم والوجه الثاني لا يحل أكلها لما روي عن ابن عباس أنه قيل له ما شأن البهيمة قال ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أكلها وقد فعل بها ذلك الفعل ولأنه حيوان يجب قتله لحق الله تعالى فلم يجز أكله كسائر المقتولات واختلف في علة قتلها فقيل إنما قتلت لئلا يعير فاعلها ويذكر برؤيتها وقد روى ابن بطة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة قالوا يا رسول الله ما بال البهيمة قال لا يقال هذه وهذه وقيل لئلا تلد خلقا مشوها وقيل لئلا تؤكل وإليها أشار ابن عباس في تعليله ولا يجب قتلها حتى يثبت هذا العمل بها ببينة فأما إن أقر الفاعل فإن كانت البهيمة له ثبت بإقراره وإن كانت لغيره لم يجز قتلها بقوله لأنه إقرار على ملك غيره فلم يقبل كما لو أقر بها لغير مالكها وهل يثبت هذا بشاهدين عدلين وإقرار مرتين أو يعتبر فيه ما يعتبر في الزنا على وجهين نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى مسألة قال ( والذي يجب عليه الحد ممن ذكرت من أقر بالزنا أربع مرات ) وجملته أن الحد لا يجب إلا بأحد شيئين إقرار أو بينة فإن ثبت بإقرار اعتبر إقرار أربع مرات وبهذا قال الحكم وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي وقال الحسن وحماد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يحد بإقرار مرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها واعتراف مرة اعتراف وقد أوجب عليها الرجم به ورجم الجهنية وإنما اعترفت مرة وقال عمر إن الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ولأنه حق فيثبت باعتراف مرة كسائر الحقوق ولنا ما روى أبو هريرة قال أتى رجل من الأسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبك جنون قال لا قال فهل أحصنت قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجموه متفق عليه ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى وروى نعيم بن هزال حديثه وفيه حتى قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك قد قلتها أربع مرات فبمن قال بفلانة رواه أبو داود وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هي الموجبة وروى أبو برزة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على وجهين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لأنه لا يقر على الخطأ الثاني أنه قد علم هذا من حكم النبي صلى الله عليه وسلم لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه

الأسئلة