Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V09/P135–V09/P136

الكلام في هذه المسألة في فصول أحدها أن كل مسكر حرام قليله وكثيره وهو خمر حكمه حكم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه وروي تحريم ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص أبي بن كعب وأنس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والقاسم وقتادة وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وإسحاق وقال أبو حنيفة في عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك نقيعا كان أو مطبوخا كل ذلك حلال إلا ما بلغ السكر فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا محرم قليله وكثيره لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حرمت الخمرة لعينها والمسكر من كل شراب ولنا ما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وكل خمر حرام وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسكر كثيره فقليله حرام رواهما أبو داود والأثرم وغيرهما وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل مسكر حرام قال وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام رواه أبو داود وغيره وقال عمر رضي الله عنه نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والشعير والخمر وهي من العنب والتمر والعسل والشعير والخمر ما خامر العقل متفق عليه ولأنه مسكر أشبه عصير العنب فأما حديثهم فقال أحمد ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح وحديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس قال والمسكر من كل شراب وقال ابن المنذر جاء أهل الكوفة بأحاديث معولة ذكرناها مع عللها وذكر الأثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فضعفها كلها وبين عللها وقد قيل إن خبر ابن عباس موقوف عليه مع أنه يحتمل أنه أراد بالسكر المسكر من كل شراب فإنه يروي هو وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر حرام الفصل الثاني أنه يجب الحد على من شرب قليلا من المسكر أو كثيرا ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ واختلفوا في سائرها فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وقالت طائفة لا يحد إلا أن يسكر منهم أبو وائل والنخعي وكثير من أهل الكوفة وأصحاب الرأي وقال أبو ثور من شربه معتقدا تحريمه حد ومن شربه متأولا فلا حد عليه لأنه مختلف فيه فأشبه النكاح بلا ولي ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال من شرب الخمر فاجلدوه رواه أبو داود وغيره وقد ثبت أن كل مسكر خمر يتناول الحديث قليله وكثيره ولأنه شراب فيه شدة مطربة فوجب الحد بقليله كالخمر والاختلاف فيه لا يمنع وجوب الحد فيها بدليل ما لو اعتقد تحريمها وبهذا فارق النكاح بلا ولي ونحوه من المختلف فيه وقد حد عمر قدامة بن مظعون وأصحابه مع اعتقادهم حل ما شربوه والفرق بين هذا وبين سائر المختلف فيه من وجهين أحدهما أن فعل المختلف فيه هاهنا داعية إلى فعل ما أجمع تحريمه وفعل سائر المختلف فيه يصرف عن جنسه من المجمع على تحريمه الثاني أن السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد استفاضت بتحريم هذا المختلف فيه فلم يبق فيه لأحد عذر في اعتقاد إباحته بخلاف غيره من المجتهدات قال أحمد بن القاسم سمعت أبا عبد الله يقول في تحريم المسكر عشرون وجها عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعضها كل مسكر خمر وبعضها كل مسكر حرام

قسم V09/P136–V09/P137

فصل وإن ثرد في الخمر أو اصطبغ به أو طبخ به لحما أكل من مرقته فعليه الحد لأن عين الخمر موجودة وكذلك إن لت به سويقا فأكله وإن عجن به دقيقا ثم خبزه فأكله لم يحد لأن النار أكلت أجزاء الخمر فلم يبق إلا أثره وإن احتقن الخمر لم يحد لأنه ليس بشرب ولا أكل ولأنه لم يصل إلى حلقه فأشبه ما لو داوى به جرحه وإن استعط به فعليه الحد لأنه أوصله إلى باطنه من حلقه ولذلك نشر الحرمة في الرضاع دون الحقنة وحكي عن أحمد أن على من احتقن به الحد لأنه أوصله إلى جوفه والأول أولى لما ذكرناه والله أعلم الفصل الثالث في قدر الحد وفيه روايتان إحداهما أنه ثمانون وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف اجعله كأخف الحدود ثمانين فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام وروي أن عليا قال في المشورة إنه إذا سكر هذى وإذا هذي افترى فحدوده حد المفتري روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما والرواية الثانية أن الحد أربعون وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي لأن عليا جلد الوليد بن عقبة أربعين ثم قال جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي رواه مسلم وعن أنس قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فضربه بالنعال نحوا من أربعين ثم أتي به أبو بكر فصنع مثل ذلك ثم أتي به عمر فاستشار الناس في الحدود فقال ابن عوف أقل الحدود ثمانون فضربه عمر متفق عليه وفعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز تركه بفعل غيره ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعلي رضي الله عنهما فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزيز يجوز فعلها إذا رآه الإمام الفصل الرابع أن الحد إنما يلزم من شربها مختارا لشربها فإن شربها مكرها فلا حد عليه ولا إثم سواء أكره بالوعيد والضرب أو ألجىء إلى شربها بأن يفتح فوه وتصب فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وكذلك المضطر إليها لدفع غصة بها إذا لم يجد مائعا سواها فإن الله تعالى قال في آية التحريم فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة 173 وإن شربها لعطش نظرنا فإن كانت ممزوجة بما يروي من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة كما تباح الميتة عند المخمصة وكإباحتها لدفع الغصة وقد روينا في حديث عبد الله بن حذافة أنه أسره الروم فحبسه طاغيتهم في بيت فيه ماء ممزوج بخمر ولحم خنزير مشوي ليأكله ويشرب الخمر وتركه ثلاثة أيام فلم يفعل ثم أخرجوه حين خشوا موته فقال والله لقد كان الله أحله لي فإني مضطر ولكن لم أكن لأشمتكم بدين الإسلام وإن شربها صرفا أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش أو شربها للتداوي لم يبح له ذلك وعليه الحد وقال أبو حنيفة يباح شربها لهما وللشافعية وجهان كالمذهبين ووجه ثالث يباح شربها للتداوي دون العطش لأنها حال ضرورة فأبيحت فيها لدفع الغصة وسائر ما يضطر إليه ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن طارق بن سويد أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما أصنعها للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء وبإسناده عن مخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذا في جرة فخرج والنبيذ يهدر فقال ما هذا فقالت فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها فدفعه برجله فكسره وقال إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء ولأنه محرم لعينه فلم يبح للتداوي كلحم الخنزير ولأن الضرورة لا تندفع به فلم يبح كالتداوي بها فيما لا تصلح له

قسم V09/P137–V09/P138

الفصل الخامس أن الحد إنما يلزم من شربها عالما أن كثيرها يسكر فأما غيره فلا حد عليه لأنه غير عالم بتحريمها ولا قاصد إلى ارتكاب المعصية بها فأشبه من زفت إليه غير زوجته وهذا قول عامة أهل العلم فأما من شربها غير عالم بتحريمها فلا حد عليه أيضا لأن عمر وعثمان قالا لا حد إلا على من علمه ولأنه غير عالم بالتحريم أشبه من لم يعلم أنها خمر وإذا ادعى الجهل بتحريمها نظرنا فإن كان ناشئا ببلد الإسلام بين المسلمين لم تقبل دعواه لأن هذا لا يكاد يخفى على مثله فلا تقبل دعواه فيه وإن كان حديث عهد بإسلام أو ناشئا ببادية بعيدة عن البلدان قبل منه لأنه يحتمل ما قاله فصل ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين الإثرار أو البينة ويكفي في الإقرار مرة واحدة في قول أهل العلم لأنه حد لا يتضمن إتلافا فأشبه حد القذف وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه لأنه حد لله سبحانه فقبل رجوعه عنه كسائر الحدود ولا يعتبر مع الإقرار وجود رائحة وحكي عن أبي حنيفة لا حد عليه إلا أن توجد رائحة ولا يصح لأنه أحد بينتي الشرب فلم يعتبر معه وجود الرائحة كالشهادة ولأنه قد يقر بعد زول الرائحة عنه ولأنه إقرار بحد فاكتفي به كسائر الحدود فصل ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي وروى أبو طالب عن أحمد أنه يحد بذلك وهو قول مالك لأن ابن مسعود جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر وروي عن عمر أنه قال إني وجدت من عبيد الله ريح شراب فأقر أنه شرب الطلا فقال عمر إني سائل عنه فإن كان يسكر جلدته ولأن الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإقرار والأول أولى لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أوحسبها ماء فلما صارت في فيه مجها أو ظنها لا تسكر أو كان مكرها أو أكل نبقا بالغا أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كراحئة الخمر وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات وحديث عمر حجة لنا فإنه لم يحده بوجود الرائحة ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر والله أعلم فصل وإن وجد سكران أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه لاحتمال أن يكون مكرها أو لم يعلم أنها تسكر وهذا مذهب الشافعي ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة يدل على وجوب الحد ها هنا بطريق الأولى لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها وقد روى سعيد حدثنا هشيم حدثنا المغيرة عن الشعبي قال لما كان من أمر قدامة ما كان جاء علقمة الخصي فقال أشهد أني رأيته يتقيؤها فقال عمر من قاءها فقد شربها فضربه الحد وروى حصين بن المنذر الرقاشي قال شهدت عثمان وأتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر فشهد أحدهما أنه رآه شربها وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها فقال عثمان إنه لم يتقيأها حتى شربها فقال لعلي أقم عليه الحد فأمر علي عبد الله بن جعفر فضربه رواه مسلم وفي رواية له فقال عثمان لقد تنطعت في الشهادة وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم ولم ينكر فكان إجماعا ولأنه يكفي في الشهادة عليه أنه شربها ولا يتقيؤها أو لا يسكر منها حتى يشربها

قسم V09/P138–V09/P139

فصل وأما البينة فلا تكون إلا رجلين عدلين مسلمين يشهدان أنه مسكر ولا يحتاجان إلى بيان نوعه لأنه لا ينقسم إلى ما يوجب الحد وإلى ما لا يوجبه بخلاف الزنا فإنه يطلق على الصريح وعلى دواعيه ولهذا قال النبي العينان تزنيان واليدان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فلهذا احتاج الشاهدان إلى تفسيره وفي مسألتنا لا يسمى غير المسكر مسكرا فلم يفتقر إلى ذكر نوعه ولا يفتقر في الشهادة إلى ذكر عدم الإكراه ولا ذكر علمه أنه مسكر لأن الظاهر الاختيار والعلم وما عداهما نادر بعيد فلم يحتج إلى بيانه ولذلك لم يعتبر ذلك في شيء من الشهادات ولم يعتبره عثمان في الشهادة على الوليد بن عقبة ولا اعتبره عمر في الشهادة على قدامة بن مظعون ولا في الشهادة على المغيرة بن شعبة ولو شهدا بعتق أو طلاق لم يفتقر إلى ذكر الاختيار كذا هاهنا مسألة قال ( فإن مات في جلده فالحق قتله يعني ليس على أحد ضمانه ) وهذا قول مالك وأصحاب الرأي وبه قال الشافعي إن لم يزد على الأربعين وإن زاد على الأربعين فمات فعليه الضمان لأن ذلك تعزير إنما يفعله الإمام برأيه وفي قدر الضمان قولان أحدهما نصف الدية لأنه تلف من فعلين مضمون وغير مضمون فكان عليه نصف الضمان والثاني تسقط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر زيادته على الأربعين وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر ولو مات وديته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه لنا ولنا إنه حد وجب لله فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود وما زاد على الأربعين قد ذكرنا أنه من الحد وإن كان تعزيرا فالتعزير يجب فهو بمنزلة الحد وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وثبت الحد بالإجماع فلم تبق فيه شبهة فصل ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في سائر الحدود أنه إذا أتى بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنه لا يضمن من تلف بها وذلك لأنه فعلها بأمر الله وأمر رسوله فلا يؤاخذ به ولأنه نائب عن الله تعالى فكان التلف منسوبا إلى الله تعالى وإن زاد على الحد فتلف وجب الضمان بغير خلاف نعلمه لأنه تلف بعدوانه فأشبه ما لو ضربه في غير الحد قال أبو بكر وفي قدر الضمان قولان أحدهما كمال الدية لأنه قتل حصل من جهة الله وعدوان الضارب فكان الضمان على العادي كما لو ضرب مريضا سوطا فمات ولأنه تلف بعدوان وغيره فأشبه ما لو ألقى على سفينة موقرة حجرا فغرقها والثاني عليه نصف الضمان لأنه تلف بفعل مضمون وغير مضمون فكان الواجب نصف الدية كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر يجب من الدية بقسط ما تعدى به تقسط الدية على الأسواط كلها وسواء زاد خطأ أو عمدا لأن الضمان يجب في الخطأ والعمد ثم ينظر فإن كان الجلاد زاده من عند نفسه بغير أمر فالضمان على عاقلته لأن العدوان منه وكذلك إن قال الإمام له اضرب ما شئت فالضمان على عاقلته وإن كان له من يعد عليه فزاد في العدد ولم يجبره فالضمان على من يعد سواء تعمد ذلك أو أخطأ في العدد لأن الخطأ منه وإن أمره الإمام بالزيادة على الحد فزاد فقال القاضي الضمان على الإمام وقياس المذهب أنه إن اعتقد وجوب طاعة الإمام وجهل تحريم الزيادة فالضمان على الإمام وإن كان عالما بذلك فالضمان عليه كما لو أمره الإمام بقتل رجل ظلما فقتله وكل موضع قلنا يضمن الإمام فهل يلزم عاقلته أو بيت المال فيه روايتان إحداهما هو في بيت المال لأن خطأه يكثر فلو وجب ضمانه على عاقلته أجحف بهم قال القاضي هذا أصح

قسم V09/P139–V09/P140

والثانية هو على عاقلته لأنها وجبت بخطئه فكانت على عاقلته كما لو رمى صيدا فقتل آدميا ويحتمل أن تكون الروايتان إنما هما فيما إذا وقعت الزيادة منه خطأ أما إذا تعمدها فهذا ظلم قصده فلا وجه لتعلق ضمانه ببيت المال بحال كما لو تعمد جلد من لا حد عليه وأما الكفارة التي تلزم الإمام فلا يحملها عنه غيره لأنها عبادة فلا تتعلق بغير من وجد منه سببها ولأنها كفارة لفعله فلا تحصل إلا بتحمله إياها ولهذا لا يدخلها التحمل بحال فصل ولا يقام الحد على السكران حتى يصحو روي هذا عن عمر بن عبد العزيز والشعبي وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي لأن المقصود الزجر والتنكيل وحصوله بإقامة الحد عليه في صحوه أتم فينبغي أن يؤخر إليه فصل وحد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ ويختلف معه في وقوع طلاقه ويمنع صحة الصلاة منه هو الذي يجعله يخلط في كلامه ما لم يكن قبل الشرب ويغيره عن حال صحوه ويغلب على عقله ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما ولا بين فعله وفعل غيره ونحو هذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وزعم أبو حنيفة أن السكران هو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الرجل من المرأة ولنا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون النساء 43 نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا رجلا منهم في الصلاة فصلى بهم وترك في قراءته ما غير المعنى وقد كانوا قاموا إلى الصلاة عالمين بها وعرفوا إمامهم وقدموه ليؤمهم وقصد إمامتهم والقراءة لهم وقصدوا الائتمام به وعرفوا أركان الصلاة فأتوا بها ودلت الآية على أنه ما لم يعلم مايقول فهو سكران وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسكران فقا ما شربت فقال ما شربت إلا الخليطين وأتي بآخر سكران فقال ألا أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أني ما سرقت ولا زنيت فهؤلاء قد عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذروا إليه وهم سكارى وفي حديث حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم حين غنته قينة وهو سكران ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء وكان علي أناخ شارفين له بفناء البيت الذي فيه حمزة فقام إليها فبقر بطونها واجتث أسنمتها فذهب علي فاستعدى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حمزة محمرة عيناه فلامه النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إليه وإلى زيد بن حارثة فقال وهل أنتم إلا عبيد لأبي فانصرف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فهم ما قالت القينة في غنائها وعرف الشارفين وهو في غاية سكره ولأن المجنون الذاهب بالعقل بالكلية يعرف السماء من الأرض والرجل من المرأة مع ذهاب عقله ورفع القلم عنه مسألة قال ( ويضرب الرجل في سائر الحدود قائما بسوط لا خلق ولا جديد ولا يمد ولا يربط ويتقى وجهه ) قوله في سائر الحدود يعني جميع الحدود التي فيها الضرب وفي هذه المسألة ثلاث مسائل أحدها أن الرجل يضرب قائما وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يضرب جالسا رواه حنبل عن أحمد لأن الله تعالى لم يأمر بالقيام ولأنه مجلود في حد فأشبه المرأة ولنا قول علي رضي الله عنه لكل موضع في الجسد حظ يعني في الحد إلا الوجه والفرج وقال للجلاد اضرب وأوجع واتق الرأس والوجه ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب وقوله إن الله لم يأمر بالقيام قلنا ولم يأمر بالجلوس ولم يذكر الكيفية فعلمناها من دليل آخر ولا يصح قياس الرجل على المرأة في هذا لأن المرأة يقصد سترها ويخشى هتكها

قسم V09/P140–V09/P142

إذا ثبت هذا فإن الضرب يفرق على جميع جسده ليأخذ كل عضو منه حصته ويكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين والفخذين ويتقي المقاتل وهي الرأس والوجه والفرج من الرجل والمرأة جميعا وقال مالك يضرب الظهر وما يقاربه وقال أبو يوسف يضرب الرأس أيضا لأن عليا لم يستثنه ولنا على مالك قول علي ولأن ما عدا الأعضاء الثلاثة ليس بمقتل فأشبهت الظهر وعلى أبي يوسف أن الرأس مقتل فأشبه الوجه ولأنه ربما ضربه في رأسه فذهب بسمعه وبصره وعقله أو قتله والمقصود أدبه لا قتله وقولهم لم يستثنه على ممنوع فقد ذكرنا عنه أنه قال اتق الرأس والوجه ولو لم يذكره صريحا فقد ذكره دلالة لأنه في معنى ما استثناه فيقاس عليه المسألة الثانية أنه لا يمد ولا يربط ولا نعلم عنهم في هذا خلافا قال ابن مسعود ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد وجلد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد ولا تنزع عنه ثيابه بل يكون عليه الثوب والثوبان وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت عنه لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب قال أحمد لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالي بالضرب وقال مالك يجرد لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه ولنا قول ابن مسعود ولم يعلم أحد من الصحابة خلافه والله تعالى لم يأمر بتجريده إنما أمر بجلده ومن جلد فوق الثوب فقد جلد المسألة الثالثة أن الضرب بالسوط ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا في غير حد الخمر فأما حد الخمر فقال بعضهم يقام بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وذكر بعض أصحابنا أن للإمام فعل ذلك إذا رآه لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب فقال اضربوه قال فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه رواه أبو داود ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا شرب الخمر فاجلدوه والجلد إنما يفهم من إطلاقه الضرب بالسوط ولأنه أمر بجلده كما أمر تعالى بجلد الزاني فكان بالسوط مثله والخلفاء الراشدون ضربوا بالسياط وكذلك غيرهم فكان إجماعا فأما حديث أبي هريرة فكان في بدء الأمر ثم جلد النبي صلى الله عليه وسلم واستقرت الأمور فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وجلد علي والوليد بن عقية أربعين وفي حديث جلد قدامة حين شرب أن عمر قال ائتوني بسوط فجاءه أسلم مولاه بسوط دقيق صغير فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم أنا أحدثك أنك ذكرت قرابته لأهلك ائتني بسوط غير هذا فأتاه به تاما فأمر عمر بقدامة فجلد إذا ثبت هذا فإن السوط يكون وسطا لا جديد فيجرح ولا خلقا فيقل ألمه لما روي أن رجلا اعترف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنا فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور فقال فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته فقال بين هذين رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا وروي عن أبي هريرة مسندا وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين وهكذا الضرب يكون وسطا لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع ولا يرفع باعه كل الرفع ولا يحطه فلا يؤلم قال أحمد لا يبدي إبطه في شيء من الحدود يعني لا يبالغ في رفع يده فإن المقصود أدبه لا قتله مسألة قال ( وتضرب المرأة جالسة وتمسك يداها لئلا تنكشف ) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف تحد قائمة كما تلاعن ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال تضرب المرأة جالسة والرجل قائما ولأن المرأة عورة وجلوسها أستر لها ويفارق اللعان فإنه لا يؤدي إلى كشف العورة وتشد عليها ثيابها لئلا ينكسف شيء من عورتها عند الضرب

قسم V09/P142–V09/P143

فصل أشد الضرب في الحد ضرب الزاني ثم حد القذف ثم حد الشرب ثم التعزير وقال مالك كلها واحد لأن الله تعالى أمر بجلد الزاني والقاذف أمرا واحدا ومقصود جميعها واحد وهو الزجر فيجب تساويها في الصفة وعن أبي حنيفة التعزير أشدها ثم حد الزاني ثم حد الشرب ثم حد القذف ولنا إن الله تعالى خص الزاني بمزيد تأكيد بقوله سبحانه ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله النور 2 فاقتضى ذلك مزيد تأكيد فيه ولا يمكن ذلك في العدد فتعين جعله في الصفة ولأن ما دونه أخف منه عددا فلا يجوز أن يزيد عليه في إيلامه ووجعه لأنه يفضي إلى التسوية بينهما أو زيادة القليل على ألم الكثير مسألة قال ( ويجلد العبد والأمة أربعين بدون سوط الحر ) هذا على الرواية التي تقول إن حد الحر في الشرب ثمانون فحد العبد والأمة نصفها وأربعون وعلى الرواية الأخرى حدهما عشرون نصف حد الحر بدون الحر لأنه لما خفف عنه في عدده خفف عنه في صفته كالتعزير مع الحد ويحتمل أن يكون سوطه كسوط الحر لأنه إنما يتحقق التنصيف إذا كان السوط مثل السوط أما إذا كان نصفا في عدده وأخف منه في سوطه كان أقل من النصف والله تعالى قد أوجب النصف بقوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء 25 فصل ولا تقام الحدود في المساجد وبهذا قال عكرمة والشعبي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وكان ابن أبي ليلى يرى إقامته في المسجد ولنا ما روى حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تقام فيه الحدود وروي عن عمر أنه أتي برجل فقال أخرجاه من المسجد فاضرباه وعن علي أنه أتي بسارق فقال يا قنبر أخرجه من المسجد فاقطع يده ولأن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت للصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى ولا نأمن أن يحدث من المحدود حدث فينجسه ويؤذيه وقد أمر الله تعالى بتطهيره فقال أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود البقرة 125 مسألة قال ( والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام فقد حرم إلا أن يغلى قبل ذلك فيحرم ) أما إذا غلى العصير كغليان القدر وقذف بزبده فلا خلاف في تحريمه وإن أتت عليه ثلاثة أيام ولم يغل فقال أصحابنا هو حرام وقال أحمد اشربه ثلاثا ما لم يغل فإذا أتى عليه أكثر من ثلاثة أيام فلا تشربه وأكثر أهل العلم يقولون هو مباح ما لم يغل ويسكر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم اشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه أبو داود ولأن علة تحريمه الشدة المطربة وإنما ذكر في المسكر خاصة ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق وروى الشالنجي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل وقال ابن عمر اشربه ما لم يأخذ شيطانه قيل وفي كم يأخذ شيطانه قال في الثلاث ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبا وهي خفية تحتاج إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطا لها ويحتمل أن يكون شربه فيما زاد على الثلاثة إذا لم يغل مكروها غير محرم فإن أحمد لم يصرح بتحريمه وقال في موضع أكرهه وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشربه بعد ثلاث وقال أبو الخطاب عندي أن كلام أحمد في ذلك محمول على عصير الغالب أنه يتخمر في ثلاثة أيام مسألة قال ( وكذلك النبيذ )

قسم V09/P143–V09/P144

يعني أن النبيذ مباح ما لم يغل أو تأتي عليه ثلاثة أيام والنبيذ ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء وتذهب ملوحته فلا بأس به مالم يغل أو تأتي عليه ثلاثة أيام لما روينا عن ابن عباس وقال أبو هريرة علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش فقال اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر رواه أبو داود لأنه إذا بلغ صار مسكرا وكل مسكر حرام فصل والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم لأن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنزير وكل مسكر فهو حرام نجس لما ذكرنا فصل وما طبخ من العصير والنبيذ قبل غليانه حتى صار غير مسكر كالدبس ورب الخرنوب وغيرهما من المربيات والسكر فهو مباح لأن التحريم إنماثبت في المسكر ففيما عداه يبقى على أصل الإباحة وما أسكر كثيره فقليله حرام سواء ذهب منه الثلثان أو أقل أو أكثر قال أبو داود سألت أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه قال لا بأس به قيل لأحمد إنهم يقولون إنه يسكر قال لا يسكر ولو كان يسكر ما أحله عمر فصل ولا بأس بالقطاع وبه قال إسحاق وابن المنذر ولا أعلم فيه خلافا لأنه لا يسكر وإذا ترك يفسد بخلاف الخمر والأشياء على الإباحة ما لم يرد بتحريمها حجة فصل ويجوز الانتباذ في الأوعية كلها وعن أحمد أنه كره الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ فيها والدباء وهو اليقين والحنتم الجرار والنقير الخشب والمزفت الذي يطلى بالزفت والصحيح الأول لما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن نهيتكم عن الأشربة أن لا تشربوا إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه مسلم وهذا دليل على نسخ النهي ولا حكم للمنسوخ فصل ويكره الخليطان وهو أن ينبذ في الماء شيئان لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين وقال أحمد الخليطان حرام وقال في الرجل ينقع الزبيب والتمر الهندي والعناب ونحوه ينقعه غدوة ويشربه عشية للدواء أكرهه لأنه نبيذ ولكن يطبخه ويشربه على المكان وقد روى أبو داود بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ينبذ البسر والرطب جميعا ونهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا وفي رواية وانتبذ كل واحد على حدة وعن أبي قتادة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين التمر والزهر والتمر والزبيب ولينبذ كل واحد منهما على حدة متفق عليه قال القاضي يعني أحمد بقوله هو حرام إذا اشتد وأسكر وإذا لم يسكر لم يحرم وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم لعلة إسراعه إلى السكر المحرم فإذا لم يوجد لم يثبت التحريم كما أنه عليه السلام نهى عن الانتباذ في الأوعية المذكورة لهذه العلة ثم أمرهم بالشرب فيها ما لم توجد حقيقة الإسكار فقد دل على صحة هذا ما روي عن عائشة قالت كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحها فيه ثم نصب عليها الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية وننبذه عشية فيشربه غدوة رواه ابن ماجة وأبو داود فلما كانت مدة الانتباذ قريبة وهي يوم وليلة لا يتوهم الإسكار فيها لم يكره فلو كان مكروها لما فعل هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم له فعلى هذا لا يكره ما كان في المدة اليسيرة ويكره ما كان في مدة يحتمل إفضاؤه إلى الإسكار ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضي عليه ثلاثة أيام مسألة قال ( والخمرة إذا أفسدت فصيرت خلا لم تزل عن تحريمها وإن قلب الله عينها فصارت خلا فهي حلال ) روي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قسم V09/P144–V09/P145

وبه قال الزهري ونحوه قول مالك وقال الشافعي إن ألقي فيها شيء يفسدها كالملح فتخللت فهي على تحريمها وإن نقلت من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس فتخللت ففي إباحتها قولان وقال أبو حنيفة تطهر في الحالين لأن علة تحريمها زالت بتخليلها فظهرت كما لو تخللت بنفسها يحققه أن التطهير لا فرق فيه بين ما حصل بفعل الله تعالى وفعل الآدمي كتطهير الثوب والبدن والأرض ونحو هذا قول عطاء وعمرو بن دينار والحارث العكلي وذكره أبو الخطاب وجها في مذهبنا فقال وإن خللت لم تطهر وقيل تطهر ولنا ما روى أبو سعيد قال كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنه ليتيم قال أهريقوه رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتخذ الخمر خلا قال لا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه مسلم وعن أبي طلحة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال اهرقها قال أفلا أخللها قال لا رواه أبو داود وهذا نهي يقتضي التحريم ولو كان إلى استصلاحها سبيل لم تجز إراقتها بل أرشدهم إليه سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم ولأنه إجماع الصحابة فروي أن عمر رضي الله عنه صعد المنبر فقال لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله تعالى هو تولى إفسادها ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يتعمد لإفسادها فعند ذلك يقع النهي رواه أبو عبيد في الأموال بنحو من هذا المعنى وهذا قول يشتهر لأنه خطب به الناس على المنبر فلم ينكر فأما إذا انقلبت بنفسها فإنها تطهر وتحل في قول جميعهم فقد روي عن جماعة من الأوائل أنهم اصطبغوا بخل خمر منهم علي وأبو الدرداء وابن عمر وعائشة ورخص فيه الحسن وسعيد بن جبير وليس في شيء من أخبارهم أنهم اتخذوه خلا ولا أنه انقلب بنفسه لكن قد بينه عمر بقوله لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله هو يتولى إفسادها ولأنها إذا انقلبت بنفسها فقد زالت علة تحريمها من غير علة خلفتها فطهرت كالماء إذا زال تغير بمكثه وإذا ألقى فيها شيء تنجس بها ثم إذا انقلبت بقي ما ألقي فيها نجسا فنجسها وحرمها فأما إن نقلها من موضع إلى آخر فتخللت من غير أن يلقى فيها شيئا فإن لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك لأنها تخللت بفعل الله تعالى فيها وإن قصد بذلك تخليلها احتمل أن تطهر لأنه لا فرق بينهما إلا القصد فلا يقتضي تحريمها ويحتمل أن لا تطهر لأنها خللت فلم تطهر كما لو ألقي فيها شيء مسألة قال ( والشرب في آنية الذهب والفضة حرام ) هذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن معاوية بن قرة أنه قال لا بأس بالشرب من قدح فضة وحكي عن الشافعي قول إنه مكروه غير محرم لأن النهي لما فيه من التشبه بالأعاجم فلا يقتضي التحريم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم وقال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة أخرجهما البخاري ومقتضى نهيه التحريم وقد توعد عليه بنار جهنم فإن معنى قوله تجرجر في بطنه نار جهنم أي هذا سبب لنار جهنم لقول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء 10 فلم يبق في تحريمه إشكال وقد روي أن حذيفة استسقى فأتاه دهقان بإناء من فضة فرماه به فلو أصابه لكسر منه شيئا ثم قال إنما رميته به لأنني نهيته عنه وذكر هذا الخبر وهذا يدل على أنه فهم التحريم من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استحل عقوبته لمخالفته إياه

قسم V09/P145–V09/P147

فصل ويحرم اتخاذ الآنية من الذهب والفضة واستصناعها لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالطنبور والمزمار ويستوي في ذلك الرجال والنساء لعموم الحديث ولأن علة تحريمها السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهذا معنى يشمل الفريقين وإنما أبيح للنساء التحلي للحاجة إلى التزين للأزواج فتختص الإباحة به دون غيره فإن قيل لو كانت العلة ما ذكرتم فحرمت آنية الياقوت ونحوه مما هو أرفع من الأثمان قلنا تلك لا يعرفها الفقراء فلا تنكسر قلوبهم باتخاذ الأغنياء لها لعدم معرفتهم بها ولأن قلتها في نفسها تمنع اتخاذها فيستغنى بذلك عن تحريمها بخلاف الأثمان مسألة قال ( إن كان قدح عليه ضبة فشرب من غير موضع الضبة فلا بأس ) وجملة ذلك أن الضبة من الفضة تباح بثلاثة شروط أحدها أن تكون يسيرة الثاني أن تكون من الفضة فأما الذهب فلا يباح وقليله وكثيره حرام وروي عن أبي بكر أنه رخص في يسير الذهب الثالث أن يكون للحاجة أعني أنه جعلها لمصلحة وانتفاع مثل أن تجعل على شق أو صدع وإن قام غيرها مقامها وقال القاضي ليس هذا بشرط ويجوز اليسير من غير حاجة إذا لم يباشر الاستعمال وإنما كره أحمد الحلقة ونحوها لأنها تباشر بالاستعمال وممن رخص في ضبة الفضة سعيد بن جبير وميسرة وزاذان وطاوس والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وإسحاق وقال قد وضع عمر بن عبد العزيز فاه بين ضبتين وكان ابن عمر لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فيها وكره الشرب في الإناء المفضض علي بن الحسين وعطاء وسالم والمطلب بن عبد الله بن حنطب ونهت عائشة أن يضبب الآنية أو يحلقها بالفضة ونحو ذلك قول الحسن وابن سيرين ولعل هؤلاء كرهوا ما قصد به الزينة أو كان كثيرا أو يستعمل فيكون قولهم وقول الأولين واحدا ولا يكون في المسألة خلاف فأما اليسير كتشعيب القدح ونحوه فلا بأس لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح فيه سلسلة من فضة شعب بها رواه البخاري بمعناه ولأن ذلك يسير من الفضة فأشبه الخاتم وكره أحمد أن يباشر موضع الضبة بالاستعمال فلا يشرب من موضع الضبة لأنه يصير كالشارب من إناء فضة وكره الحلقة من فضة لأن القدح يرفع بها فيباشرها بالاستعمال وكذلك ما أشبهه فصل ولا بأس بقبيعة السيف من فضة لما روى أنس قال كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة رواه الأثرم وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وقال هشام بن عروة كان سيف الزبير محلى بالفضة أنا رأيته ولا بأس بالخاتم من الفضة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له خاتم من فضة ثم لبسه أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى سقط منه في بئر أريس وصح ذلك عنهم وقال سعيد ألبس الخاتم وأخبر أني أفتيتك ذلك فقد روى أبو ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره عشر خلال وفيها الخاتم إلا لذي سلطان قال أحمد إنما هذا يرويه أهل الشام وحدث أحمد بحديث أبي ريحانة فلما بلغ الخاتم تبسم كالمتعجب ثم قال أهل الشام وإنما قال أحمد ذلك لأن الأحاديث قد صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم واستفاضت بإباحته وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من العلماء فإذا جاء حديث شاذ يخالف ذلك لم يعرج عليه وإن صح ذلك حمل على التنزيه فصل قال الأثرم قيل لأبي عبد الله الحلية لحمائل السيف فسهل فيها وقال قد روي سيف محلى ولأنه من حلية السيف فأشبه القبيعة ولذلك يخرج في حلية الدرع والمغفر والخوذة والخف والران ولأنه في معناه وقيل لأبي عبد الله حلقة المرآة فضة ورأس المكحلة فضة وما أشبه هذا قال كل شيء يستعمل مثل حلقة المرآة فأنا أكرهه لأنه يستعمله فإن المرآة ترفع بحلقتها ثم قال إنما هذا تأويل تأولته أنا

قسم V09/P147–V09/P148

فصل ولا يباح شيء من ذلك إذا كان ذهبا إلا أنه قد روي أنه تباح قبيعة السيف قال أحمد قد روي أنه كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب وروى الترمذي بإسناده عن مزيدة العصري قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة وقال هذا حديث غريب ولا يباح الذهب في غير هذا إلا لضرورة كأنف الذهب وما رابط به أسنانه إذا تحركت وقال أبو بكر يباح يسير الذهب قياسا له على الفضة لكونه أحد الثمنين فأشبه الآخر وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع مسألة قال ( ولا يبلغ بالتعزير الحد ) التعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها كوطء الشريك الجارية المشتركة أو أمته المزوجة أو جارية ابنه أو وطء امرأته في دبرها أو حيضها أو وطء أجنبية دون الفرج أو سرقة ما دون النصاب أو من غير حرز أو النهب أو الغصب أو الاختلاس أو الجناية على إنسان بما لا يوجب حدا ولا قصاصا ولا دية أو شتمه بما ليس بقذف ونحو ذلك يسمى تعزيرا لأنه منع من الجناية والأصل في التعزير المنع ومنه التعزير بمعنى النصرة لأنه منع لعدوه من أذاه واختلف عن أحمد في قدره فروي عنه أنه لا يزاد على عشر جلدات نص أحمد على هذا في مواضع وبه قال إسحاق لما روى أبو بردة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى متفق عليه والرواية الثانية لا يبلغ به الحد وهو الذي ذكره الخرقي فيحتمل أنه أراد لا يبلغ به أدنى حد مشروع وهذا قول أبي حنيفة والشافعي فعلى هذا لا يبلغ به أربعين سوطا لأنها حد العبد في الخمر والقذف وهذا قول أبي حنيفة وإن قلنا إن حد الخمر أربعون لم يبلغ به عشرين سوطا في حق العبد وأربعين في حد الحر وهذا مذهب الشافعي فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطا ولا الحر على تسعة وثلاثين سوطا وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف أدنى الحدود ثمانون فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين ويحتمل كلام أحمد والخرقي أنه لا يبلغ بكل جناية حدا مشروعا في جنسها ويجوز أن يزيد على حد غير جنسها وروي عن أحمد ما يدل على هذا فعلى هذا ما كان سببه الوطء جاز أن يجلد مائة إلا سوطا لينقص عن حد الزنا وما كان سببه غير الوطء لم يبلغ به أدنى الحدود لما روي عن النعمان بن بشير في الذي وطىء جارية امرأته بإذنها بجلد مائة وهذا تعزير لأنه في حق المحصن وحده إنما هو الرجم وعن سعيد بن المسيب عن عمر في أمة بين رجلين وطئها أحدهما يجلد الحد إلا سوطا واحدا رواه الأثرم واحتج به أحمد قال القاضي هذا عندي من نص أحمد لا يقتضي اختلافا في التعزير بل المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات اتباعا للأثر إلا في وطء جارية امرأته لحديث النعمان وفي الجارية المشتركة لحديث عمر وما عداهما يبقى على العموم لحديث أبي بردة وهذا قول حسن وإذا ثبت تقدير أكثر فليس أقله مقدرا لأنه لو تقدر لكان حدا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام فيما يراه وما يقتضيه حال الشخص وقال مالك يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإمام لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالا فبلغ عمر رضي الله عنه فضربه مائة وحبسه فكلم فيه فضربه مائة أخرى فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه وروى أحمد بإسناده أن عليا أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانين الحد وعشرين سوطا لفطره في رمضان وروي أن أبا الأسود استخلفه ابن عباس على قضاء البصرة فأتي بسارق قد كان جمع المتاع في البيت ولم يخرجه فقال أبو الأسود أعجلتموه المسكين فضربه خمسة وعشرين سوطا وخلى سبيله

قسم V09/P148–V09/P149

ولنا حديث أبي بردة وروى الشالنجي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمها وما قالوه يؤدي إلى أن من قبل امرأة حراما يضرب أكثر من حد الزنا وهذا غير جائز لأن الزنا مع عظمه وفحشه لا يجوز أن يزاد على حده فما دونه أولى فأما حديث معن فيحتمل أنه كانت له ذنوب كثيرة فأدب على جميعها أو تكرر منه الأخذ أو كان ذنبه مشتملا على جنايات أخذها تزويره والثاني أخذه لمال بيت المال بغير حقه والثالث فتحه باب هذه الحيلة لغيره وغير هذا وأما حديث النجاشي فإن عليا ضربه الحد لشربه ثم عزره عشرين لفطره فلم يبلغ بتعزيره حدا وقد ذهب أحمد إلى هذا وروي أن من شرب الخمر في رمضان يحد ثم يعزر لجنايته من وجهين والذي يدل على صحة ما ذكرناه ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى أن لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا فصل والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ولا أخذ ماله لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدي به ولأن الواجب أدب والتأديب لا يكون بالإتلاف فصل والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي ليس بواجب لأن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها فقال أصليت معنا قال نعم فتلا عليه إن الحسنات يذهبن السيئات هود 114 وقال في الأنصار اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم في حكم حكم به للزبير إن كان ابن عمتك فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعزره على مقالته وقال له رجل إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله فلم يعزره ولنا إن ما كان من التعزير منصوصا عليه كوطء جارية امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه وما لم يكن منصوصا عليه إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد فصل وإذا مات من التعزير لم يجب ضمانه وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي يضمنه لقول علي ليس أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي شيئا أن الحق قتله إلا حد الخمر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه لنا وأشار على عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها ولنا إنها عقوبة مشروعة للردع والزجر فلم يضمن من تلف بها كالحد وأما قول علي في دية من قتله حد الخمر فقد خالفه غيره من الصحابة فلم يوجبوا شيئا به ولم يعمل به الشافعي ولا غيره من الفقهاء فكيف يحتج به مع ترك الجميع له وأما قوله في الجنين فلا حجة لهم فيه فإن الجنين الذي تلف لا جناية منه ولا تعزير عليه فكيف يسقط ضمانه ولو أن الإمام حد حاملا فأتلف جنينها ضمنه مع أن الحد متفق عليه بيننا على أنه لا يجب ضمان المحدود إذا أتلف به فصل وليس على الزوج ضمان الزوجة إذا تلفت من التأديب المشروع في النشوز ولا على المعلم إذا أدب صبيه الأدب المشروع وبه قال مالك وقال الشافعي وأبو حنيفة يضمن ووجه المذهبين ما تقدم في التي قبلها قال الخلال إذا ضرب المعلم ثلاثا كما قال التابعون وفقهاء الأمصار وكان ذلك ثلاثا فليس بضامن وإن ضربه ضربا شديدا مثله لا يكون أدبا للصبي ضمن لأنه قد تعدى في الضرب قال القاضي وكذلك يجىء على قياس قول أصحابنا إذا ضرب الأب أو الجد الصبي تأديبا فهلك أو الحاكم أو أمينه أو الوصي عليه تأديبا فلا ضمان عليهم كالمعلم

قسم V09/P149–V09/P150

فصل وإن قطع طرفا من إنسان فيه أكلة أو سلعة بإذنه وهو كبير عاقل فلا ضمان عليه وإن قطعه مكرها فالقطع وسرايته مضمون بالقصاص سواء كان القاطع إماما أو غيره لأن هذه جراحة تؤدي إلى التلف والأكلة إن كان بقاؤها مخوفا فقطعها مخوف وإن كان من قطعت منه صبيا أو مجنونا وقطعها أجنبي فعليه القصاص لأنه لا ولاية له عليه وإن قطعها وليه وهو الأب أو وصيه أو الحاكم أو أمينه المتولي عليه فلا ضمان عليه لأنه قصد مصلحته وله النظر في مصالحه فكان فعله مأمورا به فلم يضمن ما تلف به كما لو ختنه فمات والسلعة غدة بين اللحم والجلد تظهر في البدن كالجوزة وتكون في الرأس والبدن وهي بكسر السين والسلعة بفتح السين الشجة فصل وإذا ختن الولي الصبي في وقت معتدل في الحر والبرد لم يلزمه ضمان إن تلف به لأنه فعل مأمور به في الشرع فلم يضمن ما تلف به كالقطع في السرقة وإن كان رجلا أو امرأة لم يختتنا فأمر السلطان بهما فختنا فإن كان ممن زعم الأطباء أنه يتلف بالختان أو الغالب تلفه به فعليه الضمان لأنه ليس له ذلك فيهما وإن كان الأغلب السلامة فلا ضمان عليه إذا كان في زمن معتدل ليس بمفرط الحر والبرد وبهذا قال الشافعي وزعم أبو حنيفة ومالك أنه ليس بواجب لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الختان سنة في الرجال ومكرمة في النساء ولنا إنه قطع عضو صحيح من البدن يتألم بقطعه فلم يقطع إلا واجبا كاليد والرجل ولأنه يجوز كشف العورة من أجله ولو لم يكن واجبا ما جاز ارتكاب المحرم من أجله فأما الخبر فقد قيل هو ضعيف وعلى أن الواجب يسمى سنة فإن السنة ما رسم ليحتذى ولا يجب إلا بعد البلوغ فإن لم يفعله وإلا أجبره الحاكم عليه فصل إذا أمر السلطان إنسانا بالصعود في سور أو نزول في بئر أو نحوه فعطب به فقال القاضي وأصحاب الشافعي على السلطان ضمانه لأن عليه طاعة إمامه فإذا أفضت طاعته إلى الهلاك فكأنه ألجأه إليه ولو كان الآمر غير الإمام لم يضمن لأن طاعته غير لازمة فلم يلجئه إليه وإن أمره السلطان بالمضي في حاجة فعثر فهلك لم يضمنه لأن المشي ليس بسبب للهلاك في الأعم الأغلب بخلاف ما ذكرناه أولا فعلى هذا إن كان أمره الموجب للضمان لمصلحة المسلمين فالضمان في بيت المال وإن كان لمصلحة نفسه فالضمان عليه أو على عاقلته إن كان مما تحمله عاقلته وإن أقام الإمام الحد في شدة حر أو برد أو ألزم إنسانا الختان في ذلك فهل يضمن ما تلف يحتمل وجهين مسألة قال ( وإذا حمل عليه جمل صائل فلم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه فضربه فقتله فلا ضمان عليه ) وجملته أن الإنسان إذا صالت عليه بهيمة فلم يمكنه دفعها إلا بقتلها جاز له قتلها إجماعا وليس عليه ضمانها إذا كانت لغيره وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه ضمانها لأنه أتلف مال غيره لإحياء نفسه فكان عليه ضمانه كالمضطر إلى طعام غيره إذا أكله وكذلك قالوا في غير المكلف من الآدميين كالصبي والمجنون يجوز قتله ويضمنه لأنه لا يملك إباحة نفسه ولذلك لو ارتد لم يقتل

قسم V09/P150–V09/P151

ولنا إنه قتله بالدفع الجائز فلم يضمنه كالعبد ولأنه حيوان جاز إتلافه فلم يضمنه كالآدمي المكلف ولأنه قتله لدفع شره فأشبه العبد وذلك لأنه إذا قتله لدفع شره كان الصائل هو القاتل لنفسه فأشبه ما لو نصب حربة في طريقه فقذف نفسه عليها فمات بها وفارق المضطر فإن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه ولم يصدر منه ما يزيل عصمته ولهذا لو قتل المحرم صيدا لصياله لم يضمنه ولو قتله لاضطراره إليه ضمنه ولو قتل المكلف لصياله لم يضمنه ولو قتله ليأكله في المحصنة وجب القصاص وغير المكلف كالمكلف في هذا وقولهم لا يملك إباحة نفسه قلنا والمكلف لا يملك إباحة دمه ولو قال أبحت دمي لم يبح على أنه إذا صال فقد أبيح دمه بفعله فيجب أن يسقط ضمانه كالمكلف مسألة قال ( وإذا دخل منزله بالسلاح فأمره بالخروج فلم يفعل فله أن يضربه بأسهل ما يخرجه به فإن علم أنه يخرج بضرب عصا لم يجز أن يضربه بحديدة فإن آل الضرب إلى نفسه فلا شيء عليه وإن قتل صاحب الدار كان شهيدا ) وجملته أن الرجل إذا دخل منزل غيره بغير إذنه فلصاحب الدار أمره بالخروج من منزله سواء كان معه سلاح أو لم يكن لأنه متعد بدخول ملك غيره فكان لصاحب الدار مطالبته بترك التعدي كما لو غصب منه شيئا فإن خرج بالأمر لم يكن له ضربه لأن المقصود إخراجه وقد روي عن ابن عمر أنه رأى لصا فأصلت عليه السيف قال فلو تركناه لقتله وجاء رجل إلى الحسن فقال لص دخل بيتي ومعه حديدة أقتله قال نعم بأي قتلة قدرت أن تقتله ولنا إنه أمكن إزالة العدوان بغير القتل فلم يجز القتل كما لو غصب منه شيئا فأمكن أخذه بغير القتل وفعل ابن عمر يحمل على قصد الترهيب لا على قصد إيقاع الفعل فإن لم يخرج بالأمر فله ضربه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به لأن المقصود دفعه فإذا اندفع بقليل فلا حاجة إلى أكثر منه فإن علم أنه يخرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد لأن الحديد آلة للقتل بخلاف العصا وإن ذهب موليا لم يكن له قتله ولا اتباعه كأهل البغي وإن ضربه ضربة عطلته لم يكن له أن يثني عليه لأنه كفي شره وإن ضربه فقطع يمينه فولى مدبرا فضربه فقطع رجله فقطع الرجل مضمون عليه بالقصاص أو الدية لأنه في حال لا يجوز له ضربه وقطع اليد غير مضمون فإن مات من سراية القطع فعليه نصف الدية كما لو مات من جراحة اثنين وإن عاد إليه بعد قطع رجله فقطع يده الأخرى فاليدان غير مضمونتين وإن مات فعليه ثلث الدية كما لو مات من جراحة ثلاثة أنفس فقياس المذهب أن يضمن نصف الدية لأن الجرحين قطع رجل واحد فكان حكمهما واحدا كما لو جرح رجل رجلا مائة جرح وجرحه أخر جرحا واحدا ومات كانت ديته بينهما نصفين ولا تقسم الدية على عدد الجراحات كذا ها هنا فأما إن لم يمكنه دفعه إلا بالقتل أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله فله ضربه بما يقتله أو يقطع طرفه وما أتلف منه فهو هدر لأنه تلف لدفع شره فلم يضمنه كالباغي ولأنه اضطر صاحب الدار إلى قتله فصار كالقاتل لنفسه وإن قتل صاحب الدار فهو شهيد لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد رواه الخلال بإسناده ولأنه قتل لدفع ظالم فكان شهيدا كالعادل إذا قتله الباغي

قسم V09/P151–V09/P152

فصل وكل من عرض لإنسان يريد ماله أو نفسه فحكمه ما ذكرنا فيمن دخل منزله في دفعهم بأسهل ما يمكن دفعهم به فإن كان بينه وبينهم نهر كبير أو خندق أو حصن لا يقدرون على اقتحامه فليس له رميهم وإن لم يمكن إلا بقتلهم فله قتالهم وقتلهم قال أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك قاتلهم تمنع نفسك ومالك وقال عطاء في المحرم يلقى اللصوص قال يقاتلهم أشد القتال وقال ابن سيرين ما أعلم أحدا ترك قتال الحرورية واللصوص نائما إلا أن يجبن هو قال الصلت بن طريف قلت للحسن أني أخرج في هذه الوجوه أخوف شيء عندي يلقاني المصلون يعرضون لي في مالي فإن كففت يدي ذهبوا بمالي وإن قاتلت المصلي ففيه ما قد علمت قال اي بني من عرض لك في مالك فإن قتلته فإلى النار وإن قتلك فشهيد ونحو ذلك عن أنس والشعبي والنخعي وقال أحمد في امرأة أرادها رجل على نفسها فقتلته لتحصن نفسها فقال إذا علمت أنه لا يريد إلا نفسها فقتلته لتدفع عن نفسها فلا شيء عليها وذكر حديثا يرويه الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير أن رجلا أضاف ناسا من هذيل فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر فقتلته فقال عمر والله لا يودى أبدا ولأنه إذا جاز الدفع عن ماله الذي يجوز بذله وإباحته فدفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة التي لا تباح بحال أولى إذا ثبت هذا فإنه يجب عليها أن تدفع عن نفسها إن أمكنها ذلك لأن التمكين منها محرم وفي ترك الدفع نوع تمكين فأما من أريدت نفسه أو ماله فلا يجب عليه الدفع لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة اجلس في بيتك فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك وفي لفظ فكن عبد الله المقتول ولا تكون عبد الله القاتل ولأن عثمان ترك القتال مع إمكانه مع إرادتهم نفسه فإن قيل فقد قلتم في المضطر إذا وجد ما يدفع به الضرورة لزمه الأكل منه في أحد الوجهين فلم لم تقولوا ذلك هاهنا قلنا لأن الأكل يحيي به نفسه من غير تفويت نفس غيره وهاهنا في إحياء نفسه فوات نفس غيره فلم يجب عليه فأما إن أمكنه الهرب فهل يلزمه فيه وجهان أحدهما يلزمه لأنه أمكنه الدفع عن نفسه من غير ضرر يلحق غيره فلزمه كالأكل في المخمصة والثاني لا يلزمه لأنه دفع عن نفسه فلم يلزمه كالدفع بالقتال فصل وإذا صال على إنسان صائل يريد ماله أو نفسه ظلما أو يريد امرأة ليزني بها فلغير المصول عليه معونته في الدفع ولو عرض اللصوص لقافلة جاز لغير أهل القافلة الدفع عنهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال انصر أخاك ظالما أو مظلوما وفي حديث إن المؤمنين يتعاونون على الفتان ولأنه لولا التعاون لذهبت أموال الناس وأنفسهم لأن قطاع الطريق إذا انفردوا بأخذ مال إنسان لم يعنه غيره فإنهم يأخذون أموال الكل واحدا واحدا وكذلك غيرهم فصل وإذا وجد رجلا يزني بامرأته فقتله فلا قصاص عليه ولا دية لما روي أن عمر رضي الله عنه بينما هو يتغذى يوما إذ أقبل رجل يعدو ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم فجاء حتى قعد مع عمر فجعل يأكل وأقبل جماعة من الناس فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته فقال عمر ما يقول هؤلاء قال ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف فإن كان بينهما أحد فقد قتله فقال لهم عمر ما يقول قالوا ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته فأصاب وسط الرجل فقطعه باثنين فقال عمر إن عادوا فعد

قسم V09/P152–V09/P153

رواه هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أخرجه سعيد وإذا كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها وإن كانت مكرهة فعليه القصاص وإذا قتل رجلا وادعى أنه وجده مع امرأته فأنكر وليه فالقول قول الولي لما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن رجل دخل بيته فإذا مع امرأته رجل فقتلها وقتله قال علي إن جاء بأربعة شهداء وإلا فليعط برمته ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يسقط حكم القتل بمجرد الدعوى واختلفت الرواية في البينة فروي أنها أربعة شهداء لخبر علي ولما روى أبو هريرة أن سعدا قال يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم وروي أنه يكفي شاهدان لأن البينة تشهد على وجوده على المرأة وهذا يثبت بشاهدين وإنما الذي يحتاج إلى الأربعة الزنا وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنا فإن قيل فحديث عمر في الذي وجد مع امرأته رجلا ليس فيه بينة وكذلك روي أن رجلا من المسلمين خرج غازيا وأوصى بأهله رجلا فبلغ الرجل أن يهوديا يختلف إلى امرأته فكمن له حتى جاء فجعل ينشد وأشعث غره الإسلام مني خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويضحي على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الرتلات منها فئام ينهضون إلى فئام فقام إليه فقتله فرفع ذلك إلى عمر فأهدر دمه ولم يطالب فالجواب أن ذلك ثبت عنده بإقرار الولي وإن لم تكن بينة فادعى علم الولي بذلك فالقول قول الولي مع يمينه فصل ولو قتل رجل رجلا وادعى أنه قد هجم منزلي فلم يمكنني دفعه إلا بالقتل لم يقبل قوله إلا ببينة وعليه القود سواء كان المقتول يعرف بسرقة أو عيارة أو لا يعرف بذلك فإن شهدت البينة أنهم رأوا هذا مقبلا إلى هذا بالسلاح المشهور فضربه هذا فقد هدر دمه وإن شهدوا أنهم رأوه داخلا داره ولم يذكروا سلاحا أو ذكروا سلاحا غير مشهور لم يسقط القود بذلك لأنه قد يدخل لحاجة ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب إهدار دمه وإن تجارح رجلان وادعى كل واحد منهما أني جرحته دفعا عن نفسي حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وعليه ضمان ما جرحه لأن كل واحد منهما مدع على الآخر ما ينكره والأصل عدمه فصل ولو عض رجل يد آخر فله جذبها من فيه فإن جذبها فوقعت ثنايا العاض فلا ضمان فيها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وروى سعيد عن هشيم عن محمد بن عبد الله أن رجلا عض رجلا فانتزع يده من فيه فسقط بعض أسنان العاض فاختصما إلى شريح فقال شريح انزع يدك من في السبع وأبطل أسنانه وحكي عن مالك وابن أبي ليلى عليه الضمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمس من الإبل

قسم V09/P153–V09/P154

ولنا ما روى يعلى بن أمية قال كان لي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما يد الآخر قال فانتزع المعضوض يده من في العاض فانتزع إحدى ثنيتيه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته فحسبت أنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم أفيدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل متفق عليه ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه فلم يضمن كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه إلا بقطع عضوه وحديثهم يدل على دية السن إذا قلعت ظلما وهذه لم تقلع ظلما وسواء كان المعضوض ظالما أو مظلوما لأن العض محرم إلا أن يكون العض مباحا مثل أن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه أو يعض يده ونحو ذلك مما لا يقدر على التخلص من ضرره إلا بعضه فيعضه فما سقط من أسنانه ضمنه لأنه عاد والعض مباح ولذلك لو عض أحدهما يد الآخر ولم يمكن المعضوض تخليص يده إلا بعضه فله عضه ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم وما تلف من الظالم هدر وكذلك الحكم فيما إذا عضه في غير يده أو عمل به عملا غير العض أفضى إلى تلف شيء من الفاعل لم يضمنه وقد روى محمد بن عبد الله أن غلاما أخذ قمعا من أقماع الزياتين فأدخله بين فخذي رجل ونفخ فيه فذعر الرجل من ذلك وخبط برجله فوقع على الغلام فكسر بعض أسنانه فاختصموا إلى شريح فقال شريح لا أعقل الكلب الهرار قال القاضي يخلص المعضوض يده بأسهل ما يمكن فإن أمكنه فك لحييه بيده الأخرى فعل وإن لم يمكنه لكمه في فكه فإن لم يمكنه جذب يده من فيه فإن لم يخلص فله أن يعصر خصيتيه فإن لم يمكنه فله أن يبعج بطنه وإن أتى على نفسه والصحيح أن هذا الترتيب غير معتبر وله أن يجذب يده من فيه أو لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل ولأنه لا يلزمه ترك يده في العاض حتى يتحيل بهذه الأشياء المذكورة ولأن جذب يده مجرد تخليص ليده وما حصل من سقوط الأسنان حصل ضرورة التخليص الجائز ولكن فكه جناية غير التخليص وربما تضمنت التخليص وربما أتلفت الأسنان التي لم يحصل العض بها وكانت البداءة بجذب يده أولى وينبغي أنه متى أمكنه جذب يده فعدل إلى لكم فكه فأتلف سنا ضمنه لإمكان التخلص بما هو أولى منه فصل ومن اطلع في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فرماه صاحب البيت بحصاة أو طعنه بعود فقلع عينه لم يضمنها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يضمنها لأنه لو دخل منزله ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه فمجرد النظر أولى ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح وعن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في حجر من باب النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحك رأسه بمدرى في يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تنظرني لطمت أو لطعنت بها في عينك متفق عليهما ويفارق ما قاسوا عليه لأن من دخل المنزل يعلم به فيستتر منه بخلاف الناظر من ثقب فإنه يرى من غير علم به ثم الخبر أولى من القياس وظاهر كلام أحمد أنه لا يعتبر في هذا أنه لا يمكنه دفعه إلا بذلك لظاهر الخبر وقال ابن حامد يدفعه بأسهل ما يمكنه دفعه به فيقول له أولا انصرف فإن لم يفعل أشار إليه يوهمه أنه يحذفه فإن لم ينصرف فله حذفه حينئذ واتباع السنة أولى

قسم V09/P154–V09/P155

فصل فأما إن ترك الاطلاع ومضى لم يجز رميه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف ولأنه ترك الجناية فأشبه من عض ثم ترك العض لم يجز قلع أسنانه وسواء كان المطلع منه صغيرا كثقب أو شق أو واسعا كثقب كبير وذكر بعض أصحابنا أن الباب المفتوح كذلك والأولى أنه لا يجوز حذف من نظر من باب مفتوح لأن التفريط من تارك الباب مفتوحا والظاهر أن من ترك بابه مفتوحا أنه يستتر لعلمه أن الناس ينظرون منه ويعلم بالناظر فيه والواقف عليه فلم يجز رميه كداخلي الدار وإن اطلع فرماه صاحب الدار فقال المطلع ما تعمدت الاطلاع لم يضمنه على ظاهر كلام أحمد لأن الاطلاع قد وجد والرامي لا يعلم ما في قلبه وعلى قول ابن حامد يضمنه لأنه لم يدفعه بما هو أشهل وكذلك لو قال لم أر شيئا حين اطلعت وإن كان المطلع أعمى لم يجز رميه لأنه لا يرى شيئا ولو كان إنسان عريانا في طريق لم يكن له رمي من نظر إليه لأنه المفرط وإن كان المطلع في الدار من محارم النساء اللائي فيها فقال بعض أصحابنا ليس لصاحب الدار رميه إلا أن يكن متجردات فيصرن كالأجانب وظاهر الخبر أن لصاحب الدار رميه سواء كان فيها نساء أو لم يكن لأنه لم يذكر أنه كان في الدار التي اطلع فيها على النبي صلى الله عليه وسلم نساء وقوله لو أن امرأ اطلع عليه بغير إذن فحذفته عام في الدار التي فيها نساء وغيرها فصل وليس لصاحب الدار رمي الناظر بما يقتله ابتداء فإن رماه بحجر يقتله أو حديدة ثقيلة ضمنه بالقصاص لأنه إنما له ما يقلع به العين المبصرة التي حصل الأذى منها دون ما يتعدى إلى غيرها فإن لم يندفع المطلع برميه بالشيء اليسير جاز رميه بأكثر منه حتى يأتي ذلك على نفسه وسواء كان الناظر في الطريق أو ملك نفسه أو غير ذلك مسألة قال ( وما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهارا لم يضمنوه ) يعني إذا لم تكن يد أحد عليها فإن كان صاحبها معها أو غيره فعلى من يده عليها ضمان ما أتلفته من نفس أو مال ونذكر ذلك في المسألة التي تلي هذه وإن لم تكن يد أحد عليها فعلى مالكها ضمان ما أفسدته من الزرع ليلا دون النهار وهذا قول مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز فقال الليث يضمن مالكها ما أفسدته ليلا ونهارا بأقل الأمرين من قيمتها أو قدر ما أتلفته كالعبد إذا جنى وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه بحال لقول النبي صلى الله عليه وسلم العجماء جرحها جبار يعني هدرا ولأنها أفسدت وليست يده عليها فلم يلزمه الضمان كما ولو كان نهارا أو كما لو أتلفت غير الزرع ولنا ما روى مالك عن الزهري عن حزام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم قال ابن عبد البر إن كان هذا مرسلا فهو مشهور حدث به الأئمة الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي وحفظها ليلا وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل فإذا ذهبت ليلا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ وإن أتلفت نهارا كان التفريط من أهل الزرع فكان عليهم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته وأما غير الزرع فلا يضمن لأن البهيمة لا تتلف ذلك عادة فلا يحتاج إلى حفظها بخلاف الزرع

قسم V09/P155–V09/P156

فصل قال بعض أصحابنا إنما يضمن مالكها ما أتلفته ليلا إذا كان التفريط منه بإرسالها ليلا أو إرسالها نهارا ولم يضمنها ليلا أو ضمنها بحيث يمكنها الخروج أما إذا ضمنها فأخرجها غيره بغير إذنه أو فتح عليها بابها فالضمان على مخرجها أو فاتح بابها لأنه المتلف قال القاضي هذه المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراعي أما القرى العامرة التي لا مرعى فيها إلا بين قراحين كساقية وطريق وطرف زرع فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظ عن الزرع فإن فعله فعليه الضمان لتفريطه وهذا قول بعض أصحاب الشافعي فصل وإن أتلفت البهيمة غير الزرع لم يضمن مالكها ما أتلفته ليلا كان أو نهارا ما لم تكن يده عليها وحكي عن شريح أنه قضى في شاة وقعت في غزل حائك ليلا بالضمان على صاحبها وقرأ شريح إذ نفشت فيه غنم القوم الأنبياء 78 قال والنفش لا يكون إلا بالليل وعن الثوري يضمن وإن كان نهارا لأنه مفرط بإرسالها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم العجماء جرحها جبار متفق عليه أي هدر وأما الآية فإن النفش هو الرعي بالليل فكان هذا في الحرث الذي تفسده البهائم طبعا بالرعي وتدعوها نفسها إلى أكله بخلاف غيره فلا يصح قياس غيره عليه فصل ومن اقتنى كلبا عقورا فأطلقه فعقر إنسانا أو دابة ليلا أو نهارا أو خرق ثوب إنسان فعلى صاحبه ضمان ما أتلفه لأنه مفرط باقتنائه إلا أن يدخل إنسان داره بغير إذنه فلا ضمان فيه لأنه متعد بالدخول متسبب بعدوانه إلى عقر الكلب له وإن دخل بإذن المالك فعليه ضمان لأنه تسبب إلى إتلافه وإن أتلف الكلب بغير العقر مثل أن ولغ في إناء إنسان أو بال لم يضمنه مقتنيه لأن هذا لا يختص به الكلب العقور قال القاضي وإن اقتنى سنورا يأكل أفراخ الناس ضمن ما أتلفه كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور ولا فرق بين الليل والنهار وإن لم يكن له عادة بذلك لم يضمن صاحبه جنايته كالكلب إذا لم يكن عقورا ولو أن الكلب العقور أو السنور حصل عند إنسان من غير اقتنائه ولا اختياره فأفسد لم يضمنه لأنه لم يحصل الإتلاف بسببه فصل وإن اقتنى حماما أو غيره من الطير فأرسله نهارا فلقط حبا لم يضمنه لأنه كالبهيمة والعادة إرساله مسألة قال ( وما جنت الدابة بيدها ضمن راكبها ما أصابت من نفس أو جرح أو مال وكذلك إن قادها أو ساقها ) وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي وقال مالك لا ضمان عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم العجماء جرحها جبار ولأنه جناية بهيمة فلم يضمنها كما لو لم تكن يده عليها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الرجل جبار رواه سعيد بإسناده عن هزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيص الرجل بكونه جبارا دليل على وجوب الضمان في جناية غيرها ولأنه يمكنه حفظها عن الجناية إذا كان راكبها أو يده عليها بخلاف من لا يد له عليها وحديثه محمول على من لا يد له عليها مسألة قال ( وما جنت برجلها فلا ضمان عليه ) وبهذا قال أبو حنيفة وعن أحمد رواية أخرى أنه يضمنها وهو قول شريح والشافعي لأنه من جناية بهيمة يده عليها فيضمنها كجناية يده ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الرجل جبار ولأنه لا يمكنه حفظ رجلها عن الجناية فلم يضمنها كما لو لم تكن يده عليها فأما إن كانت جنايتها بفعله مثل أن كبحها بلجامها أو ضربها في وجهها ونحو ذلك ضمن جناية رجلها لأنه السبب في جنايتها فكان ضمانها عليه ولو كان السبب في جنايتها غيره مثل أن نخسها أو نقرها فالضمان على من فعل ذلك دون راكبها وسائقها وقائدها لأن ذلك هو السبب في جنايتها

قسم V09/P156–V09/P158

فصل فإن كان على الدابة راكبان فالضمان على الأول منهما لأنه المتصرف فيها القادر على كفها إلا الأول منهما صغيرا أو مريضا أو نحوهما ويكون الثاني المتولي لتدبيرها فيكون الضمان عليه وإن كان مع الدابة قائد وسائق فالضمان عليهما لأن كل واحد لو انفرد ضمن فإذا اجتمعا ضمنا وإن كان معهما أو مع أحدهما راكب ففيه وجهان أحدهما الضمان عليهم جميعا لذلك والثاني على الراكب لأنه أقوى يدا وتصرفا ويحتمل أن يكون على القائد لأنه لا حكم للراكب مع القائد فصل والجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب يضمن جنايته لأنه في حكم القائد فأما الجمل المقطور على الجمل الثاني فينبغي أن لا تضمن جنايته إلا أن يكون له سائق لأن الراكب الأول لا يمكنه حفظه عن الجناية ولو كان مع الدابة ولدها لم تضمن جنايته لأنه لا يمكنه حفظه فصل وإن وقفت الدابة في طريق ضيق ضمن ما جنت بيد أو رجل أو لأنه متعد بوقفها فيه وإن كان الطريق واسعا ففيه روايتان إحداهما يضمن وهو مذهب الشافعي لأن انتفاعه بالطريق مشروط بالسلامة وكذلك لو ترك في الطريق طينا فزلق به إنسان ضمنه والثانية لا يضمن لأنه متعد بوقفها في الطريق الواسع فلم يضمن كما لو وقفها في موات وفارق الطين لأنه متعد بتركه في الطريق مسألة قال ( وإذا اصطدم الفارسان فماتت الدابتان ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر ) وجملته أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر من نفس أو دابة أو مال سواء كانت الدابتان فرسين أو بغلين أو حمارين أو جملين أو كان أحدهما فرسا والآخر غيره سواء كانا مقبلين أو مدبرين وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق وقال مالك والشافعي على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر لأن التلف حصل بفعلهما فكان الضمان منقسما عليهما كما لو جرح إنسان نفسه وجرحه غيره فمات منهما ولنا إن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنما هو قربها إلى محل الجناية فلزم الآخر ضمانها كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة إذا ثبت هذا فإن قيمة الدابتين إن تساوتا تقاصا وسقطتا وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها الزيادة وإن ماتت إحدى الدابتين فعلى الآخر قيمتها وإن نقصت فعليه نقصها فصل فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر فأدركه الثاني فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللاحق لأنه الصادم والآخر مصدوم فهو بمنزلة الواقف مسألة قال ( وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا على السائر قيمة دابة الواقف ) نص أحمد على هذا لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه وإن مات هو أو دابته فهو هدر لأنه أتلف نفسه ودابته وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين لأن التلف حصل من فعلهما وإن كان الواقف متعديا بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضيق فالضمان عليه دون السائر لأن التلف حصل بتعديه فكان الضمان عليه كما لو وضع حجرا في الطريق أو جلس في طريق ضيق فعثر به إنسان مسألة قال ( وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر )

الأسئلة