Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V09/P386–V09/P388

قال أحمد وذكر حديث ابن عباس بإسناده في قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم البقرة 224 الرجل يحلف أن لا يصل قرابته وقد جعل الله له مخرجا في التكفير فأمره أن لا يعتل بالله فليكفر وليبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يستلج أحدكم في يمينه آثم له عند الله من أن يؤدي الكفارة التي فرض الله عليه متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك وقال إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها متفق عليهما وإن كان النهي عاد إلى اليمين فالمنهي عنه الحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح بين الناس لا على كل يمين فلا حجة فيها لهم إذا فصل والأيمان تنقسم خمسة أقسام أحدها واجب وهي التي ينجي بها إنسانا معصوما من هلكة كما روي عن سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنا إنه أخي فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقت المسلم أخو المسلم رواه أبو داود والنسائي فهذا ومثله واجب لأن إنجاء المعصوم واجب وقد تعين في اليمين فيجب وكذلك إنجاء نفسه مثل أن تتوجه عليه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو بريء الثاني مندوب وهو الحلف الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر فهذا مندوب لأن فعل هذه الأمور مندوب إليه واليمين مفضية إليه وإن حلف على فعل طاعة أو ترك معصية ففيه وجهان أحدهما أنه مندوب إليه وهو قول بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي لأن ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات وترك المعاصي والثاني ليس بمندوب إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك في الأكثر الأغلب ولا حنث النبي صلى الله عليه وسلم أحدا عليه ولا ندبه إليه ولو كان ذلك طاعة لم يخلوا به ولأن ذلك يجري مجرى النذر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل متفق عليه الثالث المباح مثل الحلف على فعل مباح أو تركه والحلف على الخبر بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه فيه صادق فإن الله تعالى قال لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم البقرة 225 ومن صور اللغو أن يحلف على شيء يظنه كما حلف عليه ويبين بخلافه فأما الحلف على الحقوق عند الحاكم ففيه وجهان أحدهما أن تركه أولى من فعله فيكون مكروها ذكر ذلك أصحابنا وأصحاب الشافعي لما روي أن عثمان والمقداد تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد فجعل عمر اليمين على المقداد فردها على عثمان فقال عمر لقد أنصفك فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف فقال خفت أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمين عثمان والثاني أنه مباح فعله كتركه لأن الله تعالى أمر نبيه بالحلف على الحق في ثلاثة مواضع وروى محمد بن كعب القرظي أن عمر قال على المنبر وفي يده عصا يا أيها الناس لا تمنعكم اليمين من حقوقكم فوالذي نفسي بيده إن في يدي لعصا وروى عمر بن شبة في كتاب قضاة البصرة بإسناده عن الشعبي أن عمر وأبيا تحاكما إلى زيد في نخل ادعاه أبي فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد اعف أمير المؤمنين فقال عمر ولم يعفي أمير المؤمنين إن عرفت شيئا استحققته بيميني وإلا تركته والله الذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي وما لأبي فيه حق فلما خرجا وهب النخل لأبي فقيل له يا أمير المؤمنين هلا كان هذا قبل اليمين فقال خفت أن لا أحلف فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدي فيكون سنة ولأنه حلف صدق على حق فأشبه الحلف عند غير الحاكم

قسم V09/P388–V09/P389

الرابع المكروه وهو الحلف على فعل مكروه أو ترك مندوب قال الله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس البقرة 224 وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حلف لا ينفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال وكان من جملة أهل الإفك الذين تكلموا في عائشة رضي الله عنها فأنزل الله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا النور 22 وقيل المراد بقوله ولا يأتل أي لا يمتنع ولأن اليمين على ذلك مانعة من فعل الطاعة أو حاملة على فعل المكروه فتكون مكروهة فإن قيل لو كانت مكروهة لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الأعرابي الذي سأله عن الصلوات فقال هل علي غيرها فقال لا إلا أن تطوع فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل قال أفلح الرجل إن صدق قلنا لا يلزم هذا فإن اليمين على تركها لا تزيد على تركها ولو تركها لم ينكر عليه ويكفي في ذلك بيان أن ما تركه تطوع وقد بينه له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله إلا أن تطوع ولأن هذه اليمين إن تضمنت ترك المندوب فقد تناولت فعل الواجب والمحافظة عليه كله بحيث لا ينقص منه شيئا وهذا في الفضل يزيد على ما قابله من ترك التطوع فيترجح جانب الإثبات بها على تركها فيكون من قبيل المندوب فكيف ينكر ولأن في الإقرار على هذه اليمين بيان حكم محتاج إليه وهو بيان أن ترك التطوع غير مؤاخذ به فلو أنكر على الحالف لحصل ضد هذا وتوهم كثير من الناس لحوق الإثم بتركه فيفوت الغرض ومن قسم المكروه الحلف في البيع والشراء فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحلف منفق للسلعة محق للبركة رواه ابن ماجة القسم الخامس المحرم وهو الحلف الكاذب فإن الله تعالى ذمه بقوله ويحلفون على الكذب وهم يعلمون المجادلة 14 ولأن الكذب حرام فإذا كان محلوفا عليه كان أشد في التحريم وإن أبطل به حقا أو اقتطع به مال معصوم كان أشد فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف يمينا فاجرة يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان وأنزل الله عز وجل في ذلك إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم آل عمران 77 ومن هذا القسم الحلف على فعل معصية أو ترك واجب فإن المحلوف عليه حرام فكان الحلف حراما لأنه وسيلة إليه والوسيلة تأخذ حكم المتوسل إليه فصل ومتى كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم كان حلها محرما لأن حلها بفعل المحرم وهو محرم وإن كانت على فعل مندوب أو ترك مكروه فحلها مكروه وإن كانت على فعل مباح فحلها مباح فإن قيل وكيف يكون حلها مباحا وقد قال الله تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها النحل 91 قلنا هذا في الأيمان في العهود والمواثيق بدليل قوله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها النحل 91 إلى قوله تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة النحل 92 والعهد يجب الوفاء به بغير يمين فمع اليمين أولى فإن الله تعالى قال وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم النحل 91 وقال يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود المائدة 1 ولهذا نهي عن نقض اليمين والنهي يقتضي التحريم وذمهم عليه وضرب لهم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا

قسم V09/P389–V09/P390

ولا خلاف في أن الحل المختلف فيه لا يدخله شيء من هذا وإن كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب فحلها مندوب إليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منهم إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها وإن كانت اليمين على فعل محرم أو ترك واجب فحلها واجب لأن حلها بفعل الواجب وفعل الواجب واجب مسألة قال ( ومن حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله أو لا يفعل شيئا ففعله فعليه الكفارة ) لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار قال ابن عبد البر اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين هي التي على المستقبل من الأفعال وذهبت طائفة إلى أن الحنث متى كان طاعة لم يوجب كفارة وقال قوم من حلف على فعل معصية فكفارتها تركها وقال سعيد بن جبير اللغو أن يحلف الرجل فيما لا ينبغي له يعني فلا كفارة عليه في الحنث وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله تعالى ولا في قطيعة رحم ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارة رواه أبو داود ولأن الكفارة إنما تجب لرفع الإثم ولا إثم في الطاعة ولأن اليمين كالنذر ولا نذر في معصية الله تعالى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه قال إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني أخرجه البخاري وحديثهم لا يعارض حديثنا لأن حديثنا أصح منه وأثبت ثم إنه يحتمل أن تركها كفارة ثم الحلف والكفارة المختلف فيها كفارة المخالفة وقولهم إن الحنث طاعة قلنا فاليمين غير طاعة فتلزمه الكفارة للمخالفة ولتعظيم اسم الله تعالى إذا حلف به ولم يبر بيمينه إذا ثبت هذا نظرنا في يمينه فإن كانت على ترك شيء ففعله حنث ووجبت الكفارة وإن كانت على فعل شيء فلم يفعله وكانت يمينه مؤقتة بلفظه أو نيته أو قرينة حاله ففات الوقت حنث وكفر فإن كانت مطلقة لم يحنث إلا بفوات وقت الإمكان لأنه ما دام في الوقت والفعل ممكن فيحتمل أن يفعل فلا يحنث ولهذا قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم ألم تخبرنا أنا نأتي البيت ونطوف به قال فأخبرتك أنك تأتيه العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به وقد قال الله تعالى قل بلى وربي لتبعثن التغابن 7 وهو حق ولم يأت بعد مسألة قال ( وإن فعله ناسيا فلا شيء عليه إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتاق ) وجملة ذلك أن من حلف أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا فلا كفارة عليه نقله عن أحمد الجماعة إلا في الطلاق والعتاق فإنه يحنث هذا اهر المذهب واختاره الخلال وصاحبه وهو قول أبي عبيد وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضا وهذا قول عطاء وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح وإسحاق قالوا لا حنث على الناسي في طلاق ولا غيره وهو ظاهر مذهب الشافعي لقوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب 5 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه غير قاصد للمخالفة فلم يحدث كالنائم والمجنون

قسم V09/P390–V09/P391

ولأنه أحد طرفي اليمين فاعتبر فيه القصد كحالة الابتداء بها وعن أحمد رواية أخرى أنه يحنث في الجميع وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والزهري وقتادة وربيعة ومالك وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي لأنه فعل ما حلف عليه قاصدا لفعله فلزمه الحنث كالذاكر وكما لو كانت اليمين بالطلاق والعتاق ولنا على أن الكفارة لا تجب في اليمين المكفرة ما تقدم ولأنها تجب لرفع الإثم ولا إثم على الناسي وأما الطلاق والعتاق فهو معلق بشرط فيقع بوجود شرط من غير قصد كما لو قال أنت طالق إن طلعت الشمس أو قدم الحاج فصل وإن فعله غير عالم بالمحلوف عليه كرجل حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه يحسبه أجنبيا أو حلف أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه فأعطاه قدر حقه ففارقه ظنا منه أنه قد بر فوجد ما أخذه رديئا أو حلف لا بعت لزيد ثوبا فوكل زيد من يدفعه إلى من يبيعه فدفعه إلى الحالف فباعه من غير علمه فهو كالناسي لأنه غير قاصد للمخالفة أشبه الناسي فصل والمكره على الفعل ينقسم قسمين أحدهما أن يلجأ إليه مثل من يحلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها أو لا يخرج منها فأخرج محمولا أو مدفوعا بغير اختياره ولم يمكنه الامتناع فهذا لا يحنث في قول أكثرهم وبه قال أصحاب الرأي وقال مالك إن دخل مربوطا لم يحنث وذلك لأنه لم يفعل الدخول والخروج فلم يحنث كما لو لم يوجد ذلك الثاني أن يكره بالضرب والتهديد بالقتل ونحوه فقال أبو الخطاب فيه روايتان كالناسي وللشافعي قولان وقال مالك وأبو حنيفة يحنث لأن اللكفارة لا تسقط بالشبهة فوجبت مع الإكراه والنسيان ككفارة الصيد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه نوعه إكراه فلم يحنث به كما لو حمل ولم يمكنه الامتناع ولأن الفعل لا ينسب إليه فأشبه من لم يفعله ولا نسلم الكفارة في الصيد بل إنما تجب على المكره والله أعلم مسألة قال ( ومن حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة عليه لأن الذي أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة ) هذا ظاهر المذهب نقله الجماعة عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والأوزاعي والثوري والليث وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة وهذه اليمين تسمى يمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم قال ابن مسعود كنا نعد من اليمين التي لا كفارة لها اليمين الغموس وعن سعيد بن المسيب قال هي من الكبائر وهي أعظم من أن تكفر وروي عن أحمد أن فيها الكفارة وروي ذلك عن عطاء والزهري والحكم والبتي وهو قول الشافعي لأنه وجدت منه اليمين بالله تعالى والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة كالمستقبلة ولنا إنها يمين غير منعقدة فلا نوجب الكفارة كاللغو أو يمين على ماض فأشبهت اللغو وبيان كونها غير منعقدة أنها لا توجب برا ولا يمكن فيها ولأنه قارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد كالنكاح الذي قارنه الرضاع ولأن الكفارة لا ترفع إثمها فلا تشرع فيها ودليل ذلك أنها كبيرة فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس رواه البخاري وروي فيه خمس من الكبائر لا كفارة لهن الإشراك بالله والفرار من الزحف وبهت المؤمن وقتل المسلم بغير حق والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرىء مسلم ولا يصح القياس على المستقبلة لأنها يمين منعقدة يمكن حلها والبر فيها وهذه غير منعقدة فلا حل لها وقول النبي صلى الله عليه وسلم فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير يدل على أن الكفارة إنما تجب بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله قاله ابن المنذر مسألة قال ( والكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين )

قسم V09/P391–V09/P392

وجملته أن اليمين التي تمر على لسانه في عرض حديثه من غير قصد إليها لا كفارة فيها في قول أكثر أهل العلم لأنها من لغو اليمين نقل عبد الله عن أبيه أنه قال اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك والرجل يحلف فلا يعقد قلبه على شيء وممن قال إن اللغو اليمين التي لا يعقد عليها قلبه عمر وعائشة رضي الله عنهما وبه قال عطاء والقاسم وعكرمة والشعبي والشافعي لما روي عنعطاء قال قالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعني اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله أخرجه أبو داود قال ورواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفا وروى الزهري أن عروة حدثه عن عائشة قالت أيمان اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب وأيمان الكفارة كل يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذلك عقد الأيمان التي فرض الله تعالى فيها الكفارة ولأن اللغو في كلام العرب الكلام غير المعقود عليه وهذا كذلك وممن قال لا كفارة في هذا ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وهو قول من قال إنه من لغو اليمين ولا نعلم في هذا خلافا ووجه ذلك قول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89 فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها ونفى المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة ولأن المؤاخذة يحتمل أن يكون معناها إيجاب الكفارة بدليل أنها تجب في الأيمان التي لا مأثم فيها وإذا كانت المؤاخذة إيجاب الكفارة فقد نفاها في اللغو فلا تجب ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان إجماعا ولأن قول عائشة في تفسير اللغو وبيان الأيمان التي فيها الكفارة خرج منها تفسيرا لكلام الله تعالى وتفسير الصحابي مقبول مسألة قال ( ومن حلف على شيء يظنه كما حلف فلم يكن فلا كفارة عليه لأنه من لغو اليمين ) أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها قاله ابن المنذر يروى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وأبي حنيفة والثوري وممن قال هذا لغو اليمين مجاهد وسليمان بن يسار والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه وقالابن عبد البر أجمع المسلمون على هذا وقد حكي عن النخعي في اليمين على شيء يظنه حقا فيتبين بخلافه أنه من لغو اليمين وفيه الكفارة وهو أحد قولي الشافعي وروي عن أحمد أن فيه الكفارة وليس من لغو اليمين لأن اليمين بالله تعالى وجدت مع المخالفة فأوجبت الكفارة كاليمين على مستقبل ولنا قول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم المائدة 89 وهذه منه ولأنها يمين غير منعقدة فلم تجب فيها كفارة كيمين الغموس ولأنه غير مقصود للمخالفة فأشبه ما لو حنث ناسيا وفي الجملة لا كفارة في يمين على ماض لأنها تنقسم ثلاثة أقسام ما هو صادق فيه فلا كفارة فيه إجماعا وما تعمد الكذب فيه فهو يمين الغموس لا كفارة فيها لأنها أعظم من أن تكون فيها كفارة وما يظنه حقا فيتبين بخلافه فلا كفارة فيه لأنه من لغو اليمين فأما اليمين على المستقبل فما عقد عليه قلبه وقصد اليمين عليه ثم خالف فعليه الكفارة وما لم يعقد عليه قلبه ولم يقصد اليمين عليه وإنما جرت على لسانه فهو من لغو اليمين

قسم V09/P392–V09/P394

وكلام عائشة يدل على هذا فإنها قالت أيمان اللغو ما كان في المراء والمزاحة والهزل والحديث الذي لا يعقد عليه القلب وأيمان الكفارة كل يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة وقال الثوري في جامعة الأيمان أربعة يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ويمينان لا يكفران أن يقول والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل مسألة قال ( واليمين المكفرة أن يحلف بالله عز وجل أو باسم من أسمائه ) أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله عز وجل فقال والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة قال ابن المنذر وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون من حلف باسم من أسماء الله تعالى فحنث أن عليه الكفارة ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان من أسماء الله عز وجل التي لا يسمى بها سواه وأسماء الله تنقسم ثلاثة أقسام أحدها ما لا يسمى بها غيره نحو قوله والله والرحمن والأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ورب العالمين ومالك يوم الدين ورب السموات والأرض والحي الذي لا يموت ونحو هذا فالحلف بهذا يمين بكل حال والثاني ما يسمى به غير الله تعالى مجازا وإطلاقه ينصرف إلى الله تعالى مثل الخالق والرازق والرب والرحيم والقادر والقاهر والملك والجبار ونحوه فهذا يسمى به غير الله مجازا بدليل قول الله تعالى ? < وتخلقون إفكا وتذرون أحسن الخالقين > ? العنكبوت 17 وقوله ارجع إلى ربك يوسف 50 و اذكرني عند ربك يوسف 42 فأنساه الشيطان ذكر ربه يوسف 42 وقال فارزقوهم منه النساء وقال بالمؤمنين رؤوف رحيم التوبة 128 فهذا إن نوى به اسم الله تعالى أو أطلق كان يمينا لأنه بإطلاقه يتصرف إليه وإن نوى به غير الله تعالى لم يكن يمينا لأنه يستعمل في غيره فينصرف بالنية إلى ما نواه وهذا مذهب الشافعي وقال طلحة العاقولي إذا قال والرب والخالق والرازق كان يمينا على كل حال كالأول لأنها لا تستعمل مع التعريف بلام التعريف إلا في اسمه تعالى فأشبهت القسم الأول الثالث ما يسمى به الله تعالى وغيره ولا ينصرف إليه بإطلاقه كالحي والعالم والموجود والمؤمن والكريم والشاكر فهذا إن قصد به اليمين باسم الله تعالى كان يمينا وإن أطلق أو قصد غير الله تعالى لم يكن يمينا فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الإطلاق ففي الأول يكون يمينا وفي الثاني لا يكون يمينا وقال القاضي والشافعي في هذا القسم لا يكون يمينا وإن قصد به اسم الله تعالى لأن اليمين إنما تنعقد لحرمة الاسم فمع الاشتراك لا تكون له حرمة والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين ولنا إنه أقسم باسم الله تعالى قاصدا به الحلف به فكان يمينا مكفرة كالقسم الذي قبله وقولهم إن النية المجردة لا تنعقد بها اليمين نقول به وما انعقد بالنية المجردة إنما انعقد بالاسم المحتمل المراد به اسم الله تعالى فإن النية تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته فيصير كالمصرح به كالكنايات وغيرها ولهذا لو نوى بالقسم الذي قبله غير الله تعالى لم يكن يمينا لنيته فصل والقسم بصفات الله تعالى كالقسم بأسمائه وصفاته تنقسم أيضا ثلاثة أقسام أحدها ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها كعزة الله تعالى وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي لأن هذه من صفات ذاته لم يزل موصوفا بها وقد ورد الأثر بالقسم ببعضها فروي أن النار تقول قط قط وعزتك رواه البخاري والذي يخرج من النار يقول وعزتك لا أسئلك غيرها وفي كتاب الله تعالى فبعزتك لأغوينهم أجمعين ص 82

قسم V09/P394–V09/P395

الثاني ما هو صفة للذات ويعبر به عن غيرها مجازا كعلم الله وقدرته فهذه صفة للذات لم يزل موصوفا بها وقد تستعمل في المعلوم والمقدور اتساعا كقولهم اللهم اغفر لنا علمك فينا ويقال اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك ويقال انظر إلى قدرة الله أي مقدوره فمتى أقسم بهذا كان يمينا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال وعلم الله لا يكون يمينا لأنه يحتمل المعلوم ولنا إن العلم من صفات الله تعالى فكانت اليمين به يمينا موجبة للكفارة كالعظمة والعزة القدرة وينتقض ما ذكروه بالقدرة فإنهم قد سلموها وهي قرينتها فأما إن نوى القسم بالمعلوم والمقدور احتمل أن لا يكون يمينا وهو قول أصحاب الشافعي لأنه نوى بالاسم غير صفة الله مع احتمال اللفظ ما نواه فأشبه ما لو نوى القسم بمحلوف في الأسماء التي يسمى بها غير الله تعالى وقد روي عن أحمد أن ذلك يكون يمينا بكل حال ولا تقبل منه نية غير صفة الله تعالى وهو قول أبي حنيفة في القدرة لأن ذلك موضوع للصفة فلا يقبل منه فيه غير الصفة كالعظمة وقد ذكر طلحة العاقولي في أسماء الله تعالى المعرفة بلام التعريف كالخالق والرازق أنها تكون يمينا بكل حال لأنها لا تنصرف إلا إلى اسم الله كذا هذا الثالث ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى لكن ينصرف بإضافته إلى الله سبحانه لفظا أو نية كالعهد والميثاق والأمانة ونحوه فهذا لا يكون يمينا مكفرة إلا بإضافته أو نيته وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى فصل وإن قال وحق الله فهي يمين مكفرة وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا كفارة لها لأن حق الله طاعته ومفروضاته وليست صفة له ولنا إن لله حقوقا يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة والجلال والعزة وقد اقترن عرف الاستعمال بالحلف بهذه الصفة فتنصرف إلى صفة الله تعالى كقوله وقدرة الله وإن نوى بذلك القسم بمخلوق فالقول فيه كالقول في الحلف بالعلم والقدرة إلا أن احتمال المخلوق بهذا اللفظ أظهر فصل وإن قال لعمر الله فهي يمين موجبة للكفارة وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي إن قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا وهو اختيار أبي بكر لأنها إنما تكون يمينا بتقدير خبر محذوف فكأنه قال لعمر الله ما أقسم به فيكون مجازا والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق ولنا إنه أقسم بصفة من صفات ذات الله فكان يمينا موجبا للكفارة كالحلف ببقاء الله تعالى فإن معنى ذلك الحلف ببقاء الله تعالى وحياته ويقال العمر والعمر واحد وقيل معناه وحق الله وقد ثبت له عرف الشرع والاستعمال قال الله تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون الحجر 72 وقال النابغة فلا لعمر الذي قد زرته حججا وما أريق على الأنصاب من جسد وقال آخر إذا رضيت كرام بني قشير لعمر الله أعجبني رضاها وقال آخر ولكن لعمر الله ما ظل مسلما كغر الثنايا واضحات الملاغم وهذا في الشعر والكلام كثير وأما احتياجه إلى التقدير فلا يصح فإن اللفظ إذا اشتهر في العرف صار من الأسماء العرفية يجب حمله عليه عند الإطلاق دون موضوعه الأصلي على ما عرف من سائر الأسماء العرفية ومتى احتاج اللفظ إلى التقدير وجب التقدير له ولم يجز إطراحه ولهذا يفهم مراد المتكلم به من غير اطلاع على نية قائله وقصده كما يفهم أن مراد المتكلم بهذا من المتقدمين القسم ويفهم من القسم بغير حرف القسم في أشعارهم القسم في مثل قوله فقلت يمين الله أبرح قاعدا ويفهم من القسم الذي حذف في جوابه حرف لا أنه مقدر مراد كهذا البيت ويفهم من قول الله تعالى واسأل القرية يوسف 82 وأشربوا في قلوبهم العجل البقرة 93 التقدير فكذا ها هنا وإن قال عمرك الله كما في قوله أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان فقد قيل هو مثل قوله نشدتك الله ولهذا ينصب اسم الله تعالى فيه

قسم V09/P395–V09/P397

وإن قال لعمري أو لعمرك أو عمرك فليس بيمين في قول أكثرهم وقال الحسن في قوله لعمري عليه الكفارة ولنا إنه أقسم بحياة مخلوق فلم تلزمه كفارة كما لو قال وحياتي وذلك لأن هذا اللفظ يكون قسما بحياة الذي أضيف إليه العمر فإن التقدير لعمرك قسمي أو ما أقسم به والعمر الحياة أو البقاء فصل وإن قال وايم الله أو وايمن الله فهي يمين موجبة للكفارة والخلاف فيه كالذي ذكرنا في الفصل الذي قبله وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم به وانضم إليه عرف الاستعمال فوجب أن يصرف إليه واختلف في اشتقاقه فقيل هو جمع يمين وحذفت النون فيه في البعض تخفيفا لكثرة الاستعمال وقيل هو من اليمين فكأنه قال ويمين الله لأفعلن وألفه ألف وصل فصل وحروف القسم ثلاثة الباء وهي الأصل وتدخل على المظهر والمضمر جميعا والواو وهي بدل من الباء تدخل على المظهر دون المضمر لذلك وهي أكثر استعمالا وبها جاءت أكثر الأقسام في الكتاب والسنة وإنما كانت الباء الأصل لأنها الحرف الذي تصل به الأفعال القاصرة عن التعدي إلى مفعولاتها والتقدير في القسم أقسم بالله كما قال الله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم الأنعام 109 النحل 38 النور 53 فاطر 42 والتاء بدل من الواو وتختص باسم واحد من أسماء الله تعالى وهو الله ولا تدخل على غيره فيقال تالله ولو قال تالرحمن أو تالرحيم لم يكن قسما فإذا أقسم بأحد هذه الحروف الثلاثة في موضعه كان قسما صحيحا لأنه موضوع له وقد جاء في كتاب الله تعالى وكلام العرب قال الله تعالى تالله لتسألن عما كنتم تفترون النحل 56 تالله لقد آثرك الله علينا يوسف 91 تالله تفتأ تذكر يوسف يوسف 85 تالله لقد علمتم وتالله لأكيدن أصنامكم الأنبياء 57 قال الشاعر تالله يبقى على الأيام ذو حيد بمشمخر به الضبان والآس فإن قال ما أردت به القسم لم يقبل منه لأنه أتى باللفظ الصريح في القسم واقترنت به قرينة دالة عليه وهو الجواب بجواب القسم ويحتمل أن يقبل منه في قوله تالله لأقومن إذا قال أردت أن قيامي بمعونة الله وفضله لأنه فسر كلامه بما يحتمل ولا يقتل في الحرفين الآخرين لعدم الاحتمال ويحتمل أن لا يقبل بحال لأنه أجاب بجواب القسم فيمنع صرفه إلى غيره فصل وإن أقسم بغير حرف القسم فقال الله لأقومن بالجر أو النصب كان يمينا وقالالشافعي لا يكون يمينا إلا أن ينوي لأن ذكر اسم الله تعالى بغير حرف القسم ليس بصريح في القسم فلا ينصرف إليه إلا بالنية ولنا إنه سائغ في العربية وقد ورد به عرف الاستعمال في الشرع فروي أن عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل أبا جهل فقال الله إنك قتلته قال الله إني قتلته ذكره البخاري وقال لركانة بن عبد يزيد الله ما أردت إلا واحدة قال الله ما أردت إلا واحدة وقال امرؤ القيس فقلت يمين الله أبرح قاعدا وقال أيضا فقالت يمين الله ما لك حيلة وقد اقترنت به قرينتان تدلان عليه إحداهما الجواب بجواب القسم والثاني النصب والجر في اسم الله تعالى فوجب أن تكون يمينا كما لو قال والله وإن قال الله لأفعلن بالرفع ونوى اليمين فهي يمين لكنه قد لحن فهو كما لو قال والله بالرفع وإن لم ينو اليمين فقال أبو الخطاب يكون يمينا لأن قرينة الجواب بجواب القسم كافية والعامي لا يعرف الإعراب فيأتي به إلا أن يكون من أهل العربية فإن عدوله عن إعراب القسم دليل على أنه لم يرده ويحتمل أن لا يكون قسما في حق العامي لأنه ليس بقسم في حق أهل العربية فلم يكن قسما في غيرهم كما لو لم يجبه بجواب القسم فصل ويجاب القسم بأربعة أحرف حرفان للنفي هما ما ولا وحرفان للإثبات وهما ان واللام المفتوحة وتقوم إن المكسورة مقام النافية مثل قوله وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى التوبة 107

قسم V09/P397–V09/P398

وإن قال والله أفعل بغير حرف فالمحذوف ها هنا لا وتكون يمينه على النفي لأن موضوعه في العربية كذلك قال الله تعالى تالله تفتأ تذكر يوسف يوسف 85 أي لا تفتأ وقال لا شاعر تالله يبقى على الأيام ذو حيد وقال آخر فقلت يمين الله أبرح قاعدا أي لا أبرح فصل فإن قال لاها لله ونوى اليمين فهو يمين لما روي أن أبا بكر الصديق ضي الله عنه قال في سلب قتيل أبي قتادة لاها لله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق وإن لم ينو اليمين فالظاهر أنه لا يكون يمينا لأنه لم يقترن به عرف ولا نية في جوابه حرف يدل على القسم وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه مسألة قال ( أو بآية من القرآن ) وجملته أن الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها وبهذا قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك والشافعي وأبو عبيد وعامة أهل العلم وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس بيمين ولا تجب به كفارة فمنهم من زعم أنه مخلوق ومنهم من قال لا يعهد اليمين به ولنا إن القرآن كلام الله وصفة من صفات ذاته فتنعقد اليمين به كما لو قال وجلال الله وعظمته وقولهم هو مخلوق قلنا هذا كلام المعتزلة وإنما الخلاف مع الفقهاء وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال القرآن كلام الله غير مخلوق وقال ابن عباس في قوله تعالى قرآنا عربيا غير ذي عوج الزمر 28 أي غير مخلوق وأما قولهم لا يعهد اليمين به فيلزمهم قولهم وكبرياء الله وعظمته وجلاله إذا ثبت هذا فإن الحلف بآية منه كالحلف بجميعه لأنها من كلام الله تعالى فصل وإن حلف بالمصحف انعقدت يمينه وكان قتادة يحلف بالمصحف ولم يكره ذلك إمامنا وإسحاق لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه وهو القرآن فإنه بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين مسألة قال ( أو تصدق بملكه أو بالحج ) وجملته إذا أخرج النذر مخرج اليمين بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئا أو يحث به على شيء مثله أن يقول إن كلمت زيدا فله علي الحج أو صدقة مالي أو صوم سنة فهذا يمين حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه فلا يلزمه شيء وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وبين كفارة يمين ويسمى نذر اللجاج والغضب ولا يتعين عليه الوفاء به وإنما يلزم نذر التبرز وسنذكره في بابه وهذا قول عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة وحفصة وزينب بنت أبي سلمة وبه قال عطاء وطاوس وعكرمة والقاسم والحسن وجابر بن زيد والنخعي وقتادة وعبد الله بن شريك والشافعي والعنبري وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وقال سعيد بن المسيب لا شيء في الحلف بالحج وعن الشعبي والحارث والعكلي وحماد والحكم لا شيء في الحلف بصدقة ماله لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف بالله تعالى لحرمة الاسم وهذا ما حلف باسم الله ولا يجب ما سماه لأنه لم يخرجه مخرج القربة وإنما التزمه على طريق العقوبة فلم يلزمه وقال أبو حنيفة ومالك يلزمه الوفاء بنذره لأنه نذر فيلزمه الوفاء به كنذر التبرر وروي نحو ذلك عن الشعبي ولنا ما روى عمران بن حصين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين رواه سعيد بن منصور والجوزجاني في المترجم وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بالمشي أو الهدي أو جعل ماله في سبيل الله أو في المساكين أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة اليمين ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم ولأنه يمين فيدخل في عموم قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89

قسم V09/P398–V09/P400

ودليل أنه يمين أنه يسمى بذلك ويسمى قائله حالفا وفارق نذر التبرر لكونه قصد به التقرب إلى الله تعالى والبر ولم يخرجه مخرج اليمين وها هنا يخرج مخرج اليمين ولم يقصد به قربة ولا برا فأشبه اليمين من وجه والنذر من وجه فخير بين الوفاء به وبين الكفارة وعن أحمد رواية ثانية أنه تتعين الكفارة ولا يجزئه الوفاء بنذره وهو قول لبعض أصحاب الشافعي لأنه يمين والأول أولى لأنه إنما التزم فعل ما نذره فلا يلزمه أكثر منه كنذر التبرر وفارق اليمين بالله تعالى لأنه أقسم بالاسم المحترم فإذا خالف لزمته الكفارة تعظيما للاسم بخلاف هذا مسألة قال ( أو بالعهد ) وجملته أنه إذا حلف بالعهد أو قال وعهد الله وكفالته فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها وبهذا قال الحسن وطاوس والشعبي والحارث العكلي وقتادة والحكم والأوزاعي ومالك و حلفت عائشة رضي الله عنها بالعهد أن لا تكلم ابن الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبة وكانت إذا ذكرته تبكي وتقول واعهداه قال أحمد العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا الإسراء 34 ويتقرب إلى الله تعالى إذا حلف بالعهد وحنث ما استطاع وعائشة أعتقت أربعين رقبة ثم تبكي حتى تبل خمارها وتقول واعهداه وقال عطاء وأبو عبيد وابن المنذر لا يكون يمينا إلا أن ينوي وقال الشافعي لا يكون يمينا إلا أن ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته وقال أبو حنيفة ليس بيمين ولعلهم ذهبوا إلى أن العهد من صفات الفعل فلا يكون الحلف به يمينا كما لو قال وخلق الله وقد وافقنا أبو حنيفة في أنه إذا قال علي عهد الله وميثاقه لأفعلن ثم حنث أنه يلزمه الكفارة ولنا إن عهد الله يحتمل كلامه الذي أمرنا به ونهانا كقوله تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم يس 60 وكلامه قديم صفة له ويحتمل أنه استحقاقه لما تعبدنا به وقد ثبت له عرف الاستعمال فيجب أن يكون يمينا بإطلاقه كما لو قال وكلام الله إذا ثبت هذا فإنه إن قال علي عهد الله وميثاقه لأفعلن أو قال وعهد الله وميثاقه لأفعلن فهو يمين وإن قال والعهد والميثاق لأفعلن ونوى عهد الله كان يمينا لأنه نوى الحلف بصفة من صفات الله تعالى وإن أطلق فقال القاضي فيه روايتان إحداهما يكون يمينا لأن لام التعريف إن كانت للعهد يجب أن تنصرف إلى عهد الله لأنه الذي عهدت اليمين به وإن كانت للاستغراق دخل فيه ذلك والثانية لا يكون يمينا لأنه يحتمل غير ما وجبت به الكفارة ولم يصرفه إلى ذلك بنيته فلا تجب الكفارة لأن الأصل عدمها مسألة قال ( أو بالخروج من الإسلام ) اختلفت الرواية عن أحمد في الحلف بالخروج من الإسلام مثل أن يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعل كذا أو هو بريء من الإسلام أو من رسول الله أو من القرآن إن فعل أو يقول هو يعبد الصليب أن يعبدك أو يعبد غير الله تعالى إن فعل أو نحو هذا فعن أحمد عليه الكفارة إذا حنث يروى هذا عن عطاء وطاوس والحسن والشعبي والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي ويروى ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه والرواية الثانية لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي والليث وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يحلف باسم الله ولا صفته فلم تلزمه كفارة كما لو قال عصيت الله تعالى فيما أمرني ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الرواية الأولى على الندب دون الإيجاب لأنه قال في رواية حنبل إذا قال أكفر بالله أو أشرك بالله فأحب إلي أن يكفر كفارة يمين إذا حنث

قسم V09/P400–V09/P401

ووجه الرواية الأولى ما روي عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء فقال عليه كفارة يمين أخرجه أبو بكر ولأن البراءة من هذه الأشياء توجب الكفر بالله فكان الحلف يمينا كالحلف بالله تعالى والرواية الثانية أصح إن شاء الله تعالى فإن الوجوب من الشارع ولم يرد في هذه اليمين نص ولا هي في قياس المنصوص فإن الكفارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعظيما لاسمه وإظهارا لشرفه وعظمته ولا تتحقق التسوية فصل وإن قال هو يستحل الخمر والزنا إن فعل ثم حنث أو قال هو يستحل ترك الصلاة أو الصيام أو الزكاة فهو كالحلف بالبراءة من الإسلام لأن استحلال ذلك يوجب الكفر وإن قال عصيت الله فيما أمرني أو في كل ما افترض علي أو محوت المصحف أو أنا أسرق أو أقتل النفس التي حرم الله إن فعلت وحنث لم تلزمه كفارة لأن هذا دون الشرك وإن قال أخزاه الله أو أقطع يده أو لعنه الله إن فعل ثم حنث فلا كفارة عليه نص عليه أحمد وبهذا قال عطاء والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال طاوس والليث عليه كفارة وبه قال الأوزاعي إذا قال عليه لعنة الله ولنا إن هذا لا يوجب الكفر فأشبه ما لو قال محوت المصحف وإن قال لا يراني الله في موضع كذا إن فعلت وحنث فقال القاضي عليه كفارة وذكر أن أحمد نص عليه والصحيح أن هذا لا كفارة فيه لأن إيجابها في هذا ومثله تحكم بغير نص ولا قياس صحيح فصل ولا يجوز الحلف بالبراءة من الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا لم يعد إلى الإسلام سالما رواه أبو داود مسألة قال ( أو بتحريم مملوكه أو شيء من ماله ) وجملته أنه إذا قال هذا حرام علي إن فعلت وفعل أو قال ما أحل الله علي حرام إن فعلت ثم فعل فهو مخير إن شاء ترك ما حرمه على نفسه وإن شاء كفر وإن قال هذا الطعام حرام علي فهو كالحلف على تركه ويروى نحو هذا عن ابن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة وإسحاق وأهل العراق وقال سعيد بن جبير فيمن قال الحل علي حرام يمين من الأيمان يكفرها وقال الحسن هي يمين إلا أن ينوي طلاق امرأته وعن إبراهيم مثله وعنه إن نوى طلاقا وإلا فليس بشيء وعن الضحاك أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا الحرام يمين وقال طاوس هو ما نوى وقال مالك والشافعي ليس بيمين ولا شيء عليه لأنه قصد تغيير المشروع فلغا ما قصده كما لو قال هذه ربيبتي ولنا قول الله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 سمى تحريم ما أحل الله يمينا وفرض له تحلة وهي الكفارة وقالت عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينت بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إن أجد منك ريح مغافير فدخل على إحدانا فقالت له ذلك فقال لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له

قسم V09/P401–V09/P402

فنزل يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك التحريم 1 متفق عليه فإن قيل إنما نزلت الآية في تحريم مارية القبطية كذلك قال الحسن وقتادة قلنا ما ذكرناه أصح فإنه متفق عليه وقول عائشة صاحبة القصة الحاضرة للتنزيل المشاهدة للحال أولى والحسن وقتادة لو سمعا قول عائشة لم يعدلا به شيئا ولم يصيرا إلى غيره فكيف يصار إلى قولهما وبترك قولها وقد روي عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل تحريم الحلال يمينا ولو ثبت أن الآية نزلت في تحريم مارية كان حجة لنا لأنها من الحلال الذي حرم وليست زوجة فوجوب الكفارة بتحريمها يقتضي وجوبه في كل حلال حرم بالقياس عليها لأنه حرم الحلال فأوجب الكفارة كتحريم الأمة والزوجة وما ذكروه يبطل بتحريمها وإذا قال هذه ربيبتي يقصد تحريمها فهو ظهار مسألة ( أو يقول أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله ) هذا قول عامة الفقهاء لا نعلم فيه خلافا وسواء نوى اليمين أو أطلق لأنه لو قال بالله ولم يقل أقسم ولا أشهد ولم يذكر الفعل كان يمينا وإنما كان يمينا بتقدير الفعل قبله لأن الباء تتعلق بفعل مقدر على ما ذكرناه فإذا أظهر الفعل ونطق بالمقدر كان أولى بثبوت حكمه وقد ثبت له عرف الاستعمال قال الله تعالى فيقسمان بالله المائدة 106 وقال تعالى وأقسموا بالله الأنعام 109 النحل 8 النور 53 فاطر 42 وقال فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور ويقول الملاعنن في لعانه أشهد بالله إني لمن الصادقين وتقول المرأة أشهد بالله إنه لمن الكاذبين وأنشد أعرابي عمر أقسم بالله لتفعلنه وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي فقال أقسمت بالله أو شهدت بالله قال عبد الله بن رواحة أقسمت بالله لتنزلنه وإن أراد بقوله أقسمت بالله الخبر عن قسم ماض أو بقوله أقسم بالله عن قسم يأتي به فلا كفارة عليه وإن ادعى إرادة ذلك قبل منه وقال القاضي لا يقبل في الحكم وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه خلاف الظاهر ولنا إن هذا حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإذا علم من نفسه أنه نوى شيئا أو أراده مع احتمال اللفظ إياه لم تلزمه كفارة وإن قال شهدت بالله إني آمنت بالله فليس بيمين وإن قال أعزم بالله يقصد اليمين فهو يمين وإن أطلق فظاهر كلام الخرقي أنه يمين وهو قول ابن حامد وقال أبو بكر ليس بيمين وهو قول الشافعي لأنه لم يثبت له عرف الشرع ولا الاستعمال وظاهره غير اليمين لأن معناه أقصد بالله لأفعلن ووجه الأول أنه يحتمل اليمين وقد اقترن به ما يدل عليه وهو جوابه بجواب القسم فيكون يمينا فأما إن نوى بقوله غير اليمين لم يكن يمينا فصل وإن قال أحلف بالله أو أولي بالله أو حلفت بالله أو آليت بالله أو ألية بالله أو حلفا بالله أو قسما بالله فهو يمين سواء نوى به اليمين أو أطلق لما ذكرناه في أقسم بالله وحكمه حكمه في تفصيله لأن الإيلاء والحلف والقسم واحد قال الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم البقرة 226 وقال سعد بن معاذ أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به وقال الشاعر أولي برب الراقصات إلى منى ومطارح الأكوار حيث تبيت وقال ابن زيد إليه باليعملات ترتمي بها النجاء بين أجواز الفلا وقال بل قسما بالشم من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى فصل وإن قال أقسمت أو آليت أو حلفت أو شهدت لأفعلن ولم يذكر بالله فعن أحمد روايتان إحداهما أنها يمين وسواء نوى اليمين أو أطلق وروي نحو ذلك عن عمر وابن عباس والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه

قسم V09/P402–V09/P404

وعن أحمد إن نوى اليمين بالله كان يمينا وإلا فلا وهو قول مالك وإسحاق وابن المنذر لأنه يحتمل القسم بالله وبغيره فلم تكن يمينا حتى يصرفه بنيته إلى ما تجب به الكفارة وقال الشافعي ليس بيمين وإن نوى وروي نحو ذلك عن عطاء والحسن والزهري وقتادة وأبي عبيد لأنها عريت عن اسم الله وصفته فلم تكن يمينا كما لو قال أقسمت بالبيت ولنا إنه قد ثبت لها عرف الشرع والاستعمال فإن أبا بكر قال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقسم يا أبا بكر رواه أبو داود وقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبررت قسم عمي ولا هجرة وفي كتاب الله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله المنافقون 1 إلى قوله اتخذوا أيمانهم جنة المنافقون 2 فسماها يمينا وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وقالت عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفت لئن عادوا لنصطلمنهم لجاؤوا تردي حجرتيها المقالب وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل فآليت لا تنفك عيني خزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا وقولهم يحتمل القسم بغير الله قلنا إنما يحمل على القسم المشروع ولهذا لم يكن هذا مكروها ولو حمل على القسم بغير الله كان مكروها ولو كان مكروها لم يفعله أبو بكر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبر النبي صلى الله عليه وسلم قسم العباس حين أقسم عليه فصل وإن قال أعزم أو عزمت لم يكن قسما نوى به القسم أو لم ينو لأنه لم يثبت لهذا اللفظ عرف في شرع ولا استعمال ولا هو موضع للقسم ولا فيه دلالة عليه وكذلك لو قال أستعين بالله أو أعتصم بالله أو أتوكل على الله أو علم الله أو عز الله تبارك الله ونحو هذا لم يكن يمينا نوى أو لم ينو لأنه ليس بموضوع للقسم لغة ولا ثبت له عرف في شرع ولا استعمال فلم يجب به شيء كما لو قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مسألة قال ( أو بأمانة الله ) قال القاضي لا يختلف المذهب في أن الحلف بأمانة الله يمين مكفرة وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا تنعقد اليمين بها إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى لأن الأمانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق قال الله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان الأحزاب 72 وقال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 يعني الودائع والحقوق وقال النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وإذا كان اللفظ محتملا لم يصرف إلى أحد محتملاته إلا بنية أو دليل صارف إليه ولنا إن أمانة الله صفة له بدليل وجوب الكفارة على من حلف بها إذا نوى ويجب حملها على ذلك عند الإطلاق لوجوه أحدها أن حملها على غير ذلك صرف اليمين المسلم إلى المعصية أو المكروه لكونه قسما بمخلوق والظاهر من حال المسلم خلافه والثاني أن القسم في العادة يكون بالمعظم المحترم دون غيره وصفة الله تعالى أعظم حرمة وقدرا والثالث أن ما ذكروه من الفرائض والودائع لم يعهد القسم بها ولا يستحسن ذلك لو صرح به فكذلك لا يقسم بما هو عبارة عنه الرابع أن أمانة الله المضافة إليه هي صفته وغيرها يذكر غير مضاف إليه كما ذكر في الآيات والخبر الخامس أن اللفظ عام في كل أمانة الله لأن اسم الجنس إذا أضيف إلى معرفة أفاد الاستغراق فيدخل فيه أمانة الله التي هي صفته فتنعقد اليمين بها موجبة للكفارة كما لو نواها فصل فإن قال والأمانة لا فعلت ونوى الحلف بأمانة الله فهو يمين مكفرة موجبة للكفارة وإن أطلق فعلى روايتين إحداهما يكون يمينا لما ذكرنا من الوجوه

قسم V09/P404–V09/P405

والثانية لا يكون يمينا لأنه لم يضفها إلى الله تعالى فيحتمل غير ذلك قال أبو الخطاب وكذلك إذا قال والعهد والميثاق والجبروت والعظمة والأمانات فإن نوى يمينا كان يمينا وإلا فلا وقد ذكرنا في الأمانة روايتين فيخرج في سائر ما ذكروه وجهان قياسا عليها فصل ويكره الحلف بالأمانة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بالأمانة فليس منا رواه أبو داود وروي عن زياد بن حدير أن رجلا حلف عنده بالأمانة فجعل يبكي بكاء شديدا فقال له الرجل هل كان هذا يكره قال نعم كان عمر ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي فصل ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات ولا تجب الكفارة بالحنث فيها هذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر الفقهاء وقال أصحابنا الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم يمين موجبة للكفارة وروي عن أحمد أنه قال إذا حلف بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنث فعليه الكفارة قال أصحابنا لأنه أحد شرطي الشهادة فالحلف به موجب للكفارة كالحلف باسم الله تعالى ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولأنه حلف بغير الله فلم يوجب الكفارة كسائر الأنبياء ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كإبراهيم عليه السلام ولأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة وكلامأحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب مسألة قال ( ولو حلف بهذه الأشياء كلها على شيء واحد فحنث فعليه كفارة واحدة ) وجملته إنه إذا حلف بجميع هذه الأشياء التي ذكرهاالخرقي وما يقوم مقامها أو كرر اليمين على شيء واحد مثل أن قال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا فحنث فليس عليه إلا كفارة واحدة روي نحو هذا عنابن عمر وبه قال الحسن وعروة وإسحاق وروي أيضا عن عطاء وعكرمة والنخعي وحماد والأوزاعي وقالأبو عبيد فيمن قال علي عهد الله وميثاقه وكفالته ثم حنث فعليه ثلاث كفارات وقال أصحاب الرأي عليه بكل يمين كفارة إلا أن يريد التأكيد والتفهيم ونحوه عن الثوري وأبي ثور وعن الشافعي قولان كالمذهبين وعن عمرو بن دينار إن كان في مجلس واحد كقولنا وإن كان في مجالس كقولهم واحتجوا بأن أسباب الكفارات تكررت فتكرر الكفارات كالقتل لآدمي وصيد حرمي ولأن اليمين الثانية مثل الأولى فتقتضي ما تقتضيه ولنا إنه حنث واحد أوجب جنسا واحدا من الكفارات فلم يجب به أكثر من كفارة كما لو قصد التأكيد والتفهيم وقولهم إنها أسباب تكررت لا نسلمه فإن السبب الحنث وهو واحد وإن سلمنا فينتقض بما إذا تكرر الوطء في رمضان في أيام وبالحدود إذا تكررت أسبابها فإنها كفارات وبما إذا قصد التأكيد ولا يصح القياس على الصيد الحرمي لأن الكفارة بدل ولذلك تزداد بكبر الصيد وتتقدر بقدره فهي كدية القتيل ولا على كفارة قتل الآدمي لأنها أجريت مجرى البدل أيضا لحق الله تعالى لأنه لما أتلف آدميا عابدا لله تعالى ناسب أن يوجد عبدا يقوم مقامه في العبادة فلما عجز عن الإيجاد لزمه إعتاق رقبة لأن العتق إيجاد للعبد بتخليصه من رق العبودية وشغلها إلى فراغ البال للعبادة بالحرية التي حصلت بالإعتاق ثم الفرق ظاهر وهو أن السبب ها هنا تكرر بكماله وشروطه وفي محل النزاع لم يوجد ذلك لأن الحنث إما أن يكون هو السبب أو جزءا منه أو شرطا له بدليل توقف الحكم على وجوده وأيا ما كان فلم يتكرر فلم يجز الإلحاق ثم وإن صح القياس فقياس كفارة اليمين على مثلها أولى من قياسها على القتل لبعد ما بينهما

قسم V09/P405–V09/P406

فصل وإذا حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة فقال والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست فحنث في الجميع فكفارة واحدة لا أعلم فيه خلافا لأن اليمين واحدة والحنث واحد فإنه بفعل واحد من المحلوف عليه يحنث وتنحل اليمين وإن حلف أيمانا على أجناس فقال والله لا أكلت والله لا شربت والله لا لبست فحنث في وحدة منها فعليه كفارة فإن أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى لا نعلم في هذا أيضا خلافا لأن الحنث في الثانية تجب به الكفارة بعد أن كفر عن الأولى فأشبه ما لو وطىء في رمضان فكفر ثم وطىء مرة أخرى فإن حنث في الجميع قبل التكفير فعليه في كل يمين كفارة وهذا ظاهر كلام الخرقي ورواه المروذي عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم وقال أبو بكر تجزئة كفارة واحدة ورواها ابن منصور عن أحمد قال القاضي وهي الصحيحة وقال أبو بكر ما نقله المروذي عن أحمد قول لأبي عبد الله ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئة وهو قول إسحاق لأنها كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس وإن اختلفت محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء ولنا أنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى كما لو كفر عن إحداهما قبل الحنث في الأخرى وكالأيمان المختلفة الكفارة وبهذا فارق الأيمان على شيء واحد فإنه متى حنث في إحداهما كان حانثا في الأخرى فإن كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة وها هنا تعدد الحنث فتعددت الكفارات وفارق الحدود فإنها وجبت للزجر وتندرىء بالشبهات بخلاف مسألتنا ولأن الحدود عقوبة بدنية فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف فاجتزىء بأحدها وها هنا الواجب إخراج مال يسير أو صيام ثلاثة أيام فلا يلزم الضرر الكثير بالموالاة فيه ولا يخشى منه التلف مسألة قال ( ولو حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة لزمته في كل واحدة من اليمينين كفارتها ) هذا مثل الحلف بالله وبالظهار وبعتق عبده فإذا حنث فعليه كفارة يمين وكفارة ظهار ويعتق العبد لأن تداخل الأحكام إنما يكون مع اتحاد الجنس كالحدود من جنس والكفارات ها هنا أجناس وأسبابها مختلفة فلم تتداخل الزنا والسرقة والقذف والشرب مسألة قال ( ومن حلف بحق القرآن لزمته بكل آية كفارة يمين ) نص على هذا أحمد وهو قول ابن مسعود والحسن وعنه أن الواجب كفارة واحدة وهو قياس المذهب الشافعي وأبي عبيد لأن الحلف بصفات الله كلها وتكرر اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة واحدة فالحلف بصفة واحدة من صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة

قسم V09/P406–V09/P408

ووجه الأول ما روى مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين صبر فمن شاء بر ومن شاء فجر رواه الأثرم ولأن ابن مسعود قال عليه بكل آية كفارة يمين ولم نعرف مخالفا له في الصحابة فكان إجماعا قال أحمد وما أعلم شيئا يدفعه ويحتمل أن كلام أحمد في كل آية كفارة على الاستحباب لمن قدر عليه فإنه قال عليه بكل آية كفارة فإن لم يمكنه فكفارة واحدة ورده إلى واحدة عن العجز دليل على أن ما زاد عليها غير واجب وكلام ابن مسعود أيضا يحمل على الاختيار والاحتياط لكلام الله والمبالغة في تعظيمه كما أن عائشة أعتقت أربعين رقبة حين حلفت بالعهد وليس ذلك بواجب ولا يجب أكثر من كفارة لقول الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89 وهذه يمين فتدخل في عموم الأيمان المنعقدة ولأنها يمين واحدة فلم توجب كفارات كسائر الأيمان ولأن إيجاب كفارات بعدد الآيات يفضي إلى المنع من البر والتقوى والإصلاح بين الناس لأنم من علم أنه بحنثه تلزمه هذه الكفارات كلها ترك المحلوف عليه كائنا ما كان وقد يكون برا وتقوى واصلاحا فتمنعه منه وقد نهى الله تعالى عنه بقوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس البقرة 224 وإن قلنا بوجوب كفارات بعدد الآيات فلم يطق أجزأته كفارة واحدة نص عليه أحمد مسألة قال ( وعن أبي عبد الله فيمن حلف بنحر ولده روايتان إحداهما كفارة يمين والأخرى يذبح كبشا اختلفت الرواية فيمن حلف بنحر ولده نحو أن يقول إن فعلت كذا فلله علي أن أذبح ولدي أو يقول ولدي بخير إن فعلت كذا أو نذر ذبح ولده مطلقا غير معلق بشرط فعن أحمد عليه كفارة يمين وهذا قياس المذهب لأن هذا نذر معصية أو نذر لجاج وكلاهما يوجب الكفارة وهو قول ابن عباس فإنه روي عنه أنه قال لامرأة نذرت أن تذبح ابنها لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك والرواية الثانية كفارته ذبح كبش ويطعمه المساكين وهو قول أبي حنيفة ويروى ذلك عن ابن عباس أيضا لأن نذر ذبح الولد جعل في الشرع كنذر ذبح شاة بدليل أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده وكان أمرا بذبح شاة وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه ودليل أنه أمر بذبح شاة أن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء ولا بالمعاصي وذبح الولد من كبائر المعاصي قال الله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق الإسراء 31 وقال النبي صلى الله عليه وسلم أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك وقال الشافعي ليس هذا بشيء ولا يجب به شيء لأنه نذر معصية لا يجب الوفاء به ولا يجوز ولا تجب به كفارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم ولقوله عليه السلام ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولنا قوله عليه السلام لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ولأن النذر حكمه حكم اليمين بدليل قوله عليه السلام النذر حلفه وكفارته كفارة يمين فيكون بمنزلة من حلف ليذبحن ولده وقولهم إن النذر لذبح الولد كناية عن ذبح كبش لا يصح لأن إبراهيم لو كان مأمورا بذبح كبش لم يكن الكبش فداء ولا كان مصدقا للرؤيا قبل ذبح الكبش وإنما أمر بذبح ابنه ابتلاء ثم فدي بالكبش وهذا أمر اختص بإبراهيم عليه السلام لا يتعداه إلى غيره لحكمة علمها الله تعالى فيه ثم لو كان إبراهيم مأمورا بذبح كبش فقد ورد شرعنا بخلافه فإن نذر ذبح الابن ليس بقربة في شرعنا ولا مباح بل هو معصية فتكون كفارته ككفارة سائر نذور المعاصي فصل وإن نذر ذبح نفسه أو أجنبي ففيه أيضا عن أحمد روايتان وعن ابن عباس أيضا فيه روايتان

قسم V09/P408–V09/P409

نقل ابن منصور عن أحمد فيمن نذر أن ينحر نفسه إذا حنث بذبح شاة وكذلك إن نذر ذبح أجنبي لأنه روي عن ابن عباس في الذي قال أنا أنحر فلانا فقال عليه ذبح كبش ولأنه نذر ذبح آدمي فكان عليه ذبح كبش كنذر ذبح ابنه والثانية عليه كفارة يمين لأنه نذر معصية فكان موجبه كفارة لما ذكرنا فيما تقدم وروى الجوزجاني بإسناده عن الأوزاعي قال حدثني أبو عبيد قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال إني نذرت أن أنحر نفسي قال فتجهمه ابن عمر وأفف منه ثم أتى ابن عباس فقال له اهد مائة بدنة ثم أتى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له أرأيت لو نذرت أن لا تكلم أباك أو أخاك إنما هذه خطوة من خطوات الشيطان استغفر الله وتب إليه ثم رجع إلى ابن عباس فأخبره فقال أصاب عبد الرحمن ورجع ابن عباس عن قوله والصحيح في هذا أنه نذر معصية حكمه حكم نذر سائر المعاصي لا غير فصل قال أحمد في امرأة نذرت نحر ولدها ولها ثلاثة أولاد تذبح عن كل واحد كبشا وتكفر يمينها وهذا على قوله إن كفارة نذر ذبح الولد ذبح كبش جعل عن كل واحد كبشا لأن لفظ الواحد إذا أضيف اقتضى التعميم فكان عن كل واحد كبش فإن عنت بنذرها واحدا فإنما عليها كبش واحد بدليل أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بذبح ابنه الواحد فدى بكبش واحد ولم يفد غير من أمر بذبحه من أولاده وكذا ها هنا وعبد المطلب لما نذر ذبح ابن من بنيه إن بلغوا عشرة لم يفد منهم إلا واحدا وسواء نذرته معينا أو عنت واحدا غير معين فأما قول أحمد وتكفر يمينها فيحتمل أنه أراد أن ذبح الكباش كفارة يمينها ويحتمل أنه كان مع نذرها يمين وأما على الرواية الأخرى تجزئها كفارة يمين على ما سبق مسألة قال ( ومن حلف بعتق ما يملك فحنث عتق عليه كل ما يملك من عبيده وإمائه ومكاتبيه ومدبريه وأمهات أولاده وشقص يملكه من مملوكه ) معناه إذا قال إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر أو عتيق أو فكل ما أملك حر فإن هذا إذا حنث عتق مماليكه ولم تغن عنه كفارة وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وبه قال ابن أبي ليلى والثوري ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وروي عن ابن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي سلمة وحفصة وزينب بنت أبي سلمة والحسن وأبي ثور تجزئه كفارة يمين لأنها يمين فتدخل في عموم قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89 وروي عن أبي رافع قال قالت مولاتي ليلى بنت العجماء كل مملوك لها محرر وكل مال لها هدي وهي يهودية وهي نصرانية إن لم تفرق بينك وبين امرأتك قال فأتيت زينب بنت أم سلمة ثم أتيت حفصة إلى أن قال ثم أتيت ابن عمر فجاء معي إليها فقام على الباب فسلم فقال أمن حجارة أنت أم منن حديد أفتتك زينب وأفتتك أم المؤمنين كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وامرأته رواه الأثرم والجوزجاني مطولا ولنا إنه علق العتق على شرط وهو قابل للتعليق فيقع بوجود شرطه كالطلاق والآية مخصوصة بالطلاق والعتق في معناه ولأن العتق ليس بيمين في الحقيقة إنما هو تعليق على شرط فأشبه الطلاق فأما حديث أبي رافع قال أحمد فيه كفري يمينك وأعتقي جاريتك وهذه زيادة يجب قبولها ويحتمل أنها لم يكن لها مملوك سواها فصل فأما إن قال فإن فعلت فلله علي أن أعتق عبدي أو أحرره أو نحو هذا لم يعتق بحنثه وكفر كفارة يمين على ما ذكرنا في نذر اللجاج لأن هذا لم يعلق عتق العبد إنما حلف على تعليق العتق بشرط بخلاف الذي قبله

قسم V09/P409–V09/P410

فصل وإذا حنث عتق عليه عبيده وإماؤه ومدبروه وأمهات أولاده ومكاتبوه والأشقاص التي يملكها من العبيد والإماء وبهذا قال أبو ثور والمزني وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى لا يعتق الشقص إلا أن ينويه ولعله ذهب إلى أن الشقص لا يقع عليه اسم العبد وقال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق لا يعتق المكاتب وهو قول الشافعي لأنه خارج عن ملك سيده وتصرفه فلم يدخل في اسم مماليكه كالحر وقال الربيع سماعي من الشافعي أنه يعتق ولنا إنه مملوكه فيعتق كالمدبر ودليل كونه مملوكه قوله عليه السلام المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وقوله لعائشة اشتري بريرة وأعتقيها وكانت مكاتبة ولا يصح شراء غير المملوك ولا عتقه ولأنه يصح إعتاقه بالإجماع وأحكامه أحكام العبيد ولأنه مملوك فلا بد له من مالك ولأنه يصح إعتاقه بالمباشرة فدخل في العتق بالتعليق كسائر عبيده وأما الشقص فإنه مملوك له قابل للتحرير فيدخل في عموم لفظه فصل فإن قال عبد فلان حر إن دخلت الدار ثم دخلها لم يعتق العبد بغير خلاف لأنه لا يعتق بإعتاقه ناجزا فلا يعتق بالتعليق أولى وهل تلزمه كفارة يمين فيه عن أحمد روايتان ذكرهما ابن أبي موسى إحداهما عليه كفارة لأنه حلف بالعتق فيما لا يقع بالحنث فلزمته كفارة كما لو قال لله علي أن أعتق فلانا والثانية لا كفارة عليه لأنه حلف بإخراج مال غيره فلم يلزمه شيء كما لو قال مال فلان صدقة إن دخلت الدار ولأنه تعليق للعتق على صفة فلم تجب به كفارة كسائر التعليق وأما إذا قال لله علي أن أعتق عبدا فإنه نذر فأوجب الكفارة لكون النذر كاليمين وليس كذلك ها هنا فإنه إنما علق العتق على صفة فوجود الصفة أثر في جعل المعلق كالمنجز ولو نجز العتق لم يلزمه شيء فكذلك ههنا فصل فإن قال إن فعلت كذا فمال فلان صدقة أو فعلى فلان حجة أو فمال فلان حرام عليه أو هو بريء من الإسلام وأشباه هذا فليس ذلك بيمين ولا تجب به كفارة ولا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا لأنه لم يرد الشرع فيه بكفارة ولا هو في معنى ما ورد الشرع به مسألة قال ( ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث وبعده وسواء كانت الكفارة صوما أو غيره إلا في الظهار والحرام فعليه الكفارة قبل الحنث ) الظهار والحرام شيء واحد وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه في وجوب تقديم كفارته على الوطء والأصل فيه قول الله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا المجادلة 3 فأما كفارة سائر الأيمان فإنها تجوز قبل الحنث وبعده صوما كانت أو غيره في قول أكثر أهل العلم وبه قال مالك وممن روي عنه جواز تقديم التكفير عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وسلمان الفارسي ومسلمة بن مخلد رضي الله عنهم وبه قال الحسن وابن سيرين وربيعة والأوزاعي والثوري وابن المبارك وإسحاق وأبو عبيد وأبو خيثمة وسليمان بن داود وقال أصحاب الرأي لا تجزىء الكفارة قبل الحنث لأنه تكفير قبل وجود سببه فأشبه ما لو كفر قبل اليمين ودليل ذلك أن سبب التكفير الحنث إذا هو هتك الاسم المعظم المحترم ولم يوجد وقال الشافعي كقولنا في الإعتاق والإطعام والكسوة وكقولهم في الصيام من أجل أنه عبادة بدنية فلم يجز فعله قبل وجوبه لغير مشقة كالصلاة

قسم V09/P410–V09/P411

ولنا ما روى عبد الرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير رواه أبو داود وفي لفظ وائت الذي هو خير رواه البخاري والأثرم وروى أبو هريرة وأبو الدرداء وعدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك رواه الأثرم وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمينى رواه البخاري ولأنه كفر بعد وجود السبب فأجزأ كما لو كفر بعد الجرح وقبل الزهوق والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى ذلك كفارة أيمانكم المائدة 89 وقوله سبحانه قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم التحريم 2 وقول النبي صلى الله عليه وسلم وكفرت عن يميني وكفر يمينك وتسمية الكفارة كفارة اليمين وبهذا ينفصل عما ذكروه فإن الحنث شرط وليس بسبب وتعجيل حق المال بعد وجود سببه وقيل وجود شرطه جائز بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب قبل الحلول وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق قال ابن عبد البر العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة ويأبون تقديم الكفارة مع كثرة الرواية الواردة فيها والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها فأما أصحاب الشافعي فهم محجوجون بالأحاديث مع أنهم قد احتجوا بها في البعض وخالفوها في البعض وفرقوا بين ما جمع بينه النص ولأن الصيام نوع تكفير فجاز قبل الحنث كالتكفير بالمال وقياس الكفارة على الكفارة أولى من قياسها على الصلاة المفروضة بأصل الوضع فصل فأما التكفير قبل اليمين فلا يجوز عند أحد من العلماء لأنه تقديم للحكم قبل سببه فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب وكفارة القتل قبل الجرح فصل والتكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة وقال ابن أبي موسى بعده أفضل عند أحمد وهو قول الشافعي ومالك والثوري لما فيه من الخروج من الخلاف وحصول اليقين ببراءة الذمة ولنا إن الأحاديث الواردة فيه فيها التقديم مرة والتأخير أخرى وهذا دليل التسوية ولأنه تعجيل مال يجوز تعجيله قبل وجوبه فلم يكن التأخير أفضل كتعجيل الزكاة وكفارة القتل وما ذكروه معارض بتعجيل النفع للفقراء والتبرع بما لم يجب عليه وعلى أن الخلاف المخالف للنصوص لا يوجب تفضيل المجمع عليه كترك الجمع بين الصلاتين فصل وإن كان الحنث في اليمين محظورا فعجل الكفارة قبله ففيه وجهان أحدهما تجزئة لأنه عجل الكفارة بعد سببها فأجزأته كما لو كان الحنث مباحا والثاني لا تجزئة لأن التعجيل رخصة فلا يستباح بالمعصية كالقصر في سفر المعصية والحديث لم يتناول المعصية فإنه قال إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر وهذا لم ير غيرها خيرا منها ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان كما ذكرنا مسألة قال وإذا حلف فقال إن شاء الله تعالى فإن شاء فعل وإن شاء ترك ولا كفارة عليه إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام ) وجملة ذلك أن الحالف إذا قال إن شاء الله مع يمينه فهذا يسمى استثناء فإن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى رواه أبو داود وأجمع العلماء على تسميته استثناء وأنه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث رواه الترمذي وروى أبو داود من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك ولأنه متى قال لأفعلن إن شاء الله فقد علمنا أنه متى شاء الله فعل ومتى لم يفعل لم يشأ الله ذلك فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

قسم V09/P411–V09/P413

إذا ثبت هذا فإنه يشترط أن يكون الاستثناء متصلا باليمين بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي ولا يسكت بينهما سكوتا يمكنه الكلام فيه فأما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أو عي أو عارض من عطشه أو شيء غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه وبهذا قال مالك والشافعي والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي وإسحاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف فاستثنى وهذا يقتضي كونه عقيبه ولأن الاستثناء من تمام الكلام فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوبه وخبر المبتدأ والاستثاء بإلا ولأن الحالف إذا سكت ثبت حكم يمينه وانعقدت موجبة لحكمها وبعد ثبوته لا يمكن دفعه ولا تغييره قال أحمد حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ولم يقل فاستثنى ولو جاز الاستثناء في كل حال لم يحنث حانث به وعنأحمد رواية أخرى أنه يجوز الاستثناء إذا لم يطل الفصل بينهما قال في رواية المروذي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله إنما هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره ونقل عنهإسماعيل بن سعيد مثل هذا وزاد قال ولا أقول فيه بقول هؤلاء يعني من لم ير ذلك إلا متصلا ويحتمل كلامالخرقي هذا لأنه قال إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام ولم يشترط اتصال الكلام وعدم السكوت وهذا قول الأوزاعي قال في رجل حلف لا أفعل كذا وكذا ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء فقال له إنسان قل إن شاء الله فقال إن شاء الله أيكفر يمينه قال أراه قد استثنى وقالقتادة له أن يستثني قبل أن يقوم أو يتكلم ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى بعد سكوته إذ قال والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله واحتج به أحمد ورواه أبو داود وزاد قالالوليد بن مسلم ثم لم يغزهم ويشترط على هذه الرواية أن لا يطيل الفصل بينهما ولا يتكلم بينهما بكلام أجنبي وحكى ابن أبي موسى عن بعض أصحابنا أنه قال يصح الاستثناء ما دام في المجلس وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعن عطاء أنه قال قدر حلب الناقة العزوزة وعن ابن عباس أن له أن يستثني بعد حين وهو قول مجاهد وهذا القول لا يصح لما ذكرناه وتقديره بمجلس أو غيره لا يصلح لأن التقديرات بابها التوقيف فلا يصار إليها بالتحكم فصل ويشترط أن يستثني بلسانه ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وابن المنذر ولا نعلم لهم مخالفا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف فقال إن شاء الله والقول هو النطق ولأن اليمين لا تنعقد بالنية فكذلك الاستثناء وقد روي عن أحمد إن كان مظلوما فاستثنى في نفسه رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه فهذا في حق الخائف لأن يمينه غير منعقدة أو لأنه بمنزلة المتأول وأما في حق غيره فلا فصل واشترط القاضي أن يقصد الاستثناء فلو أراد الجزم فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد أو كانت عادته جارية بالاستثناء فجرى لسانه على العادة من غير قص لم يصح لأن اليمين لما لم ينعقد من غير قصد فكذلك الاستثناء وهذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم أنه لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتداء يمينه فلو حلف غير قاصد للاستثناء ثم عرض له بعد فراغه من اليمين فاستثنى لم ينفعه ولا يصح لأن هذا يخالف عموم الخبر فإنه قال من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث ولأن لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه فكذلك نيته

الأسئلة