İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إنه صوم واجب لحق الله تعالى فلم يكن لسيده منعه منه كصيام رمضان وقضائه ويفارق الحج لأن ضرره كثير لطول مدته وغيبته عن سيده وتفويت خدمته ولهذا ملك تحليل زوجته منه ولم يملك منعها صوم الكفارة فأما صوم التطوع فإن كان فيه ضرر عليه فللسيد منعه منه لأنه يفوت حقه بما ليس بواجب عليه وإن كان لا يضر به لم يكن ليسده منعه منه لأنه يعبد ربه بما لا مضرة فيه فأشبه ذكر الله تعالى وصلاة النافلة في غير وقت خدمته وللزوج منع زوجته منه في كل حال لأنه يفوت حقه من الاستمتاع ويمنعه منه مسألة قال ( ولو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق عليه فعليه الصوم لا يجزئه غيره ) ظاهر هذا أن الاعتبار في الكفارات بحالة الحنث لأنه وقت الوجوب وهو حينئذ عبد فوجب عليه الصوم فلا يجزئه غير ما وجب عليه وقال القاضي هذا فيه نظر فإن المنصوص أنه يكفر كفارة عبد لأنه إنما يكفر بما وجب عليه يوم حنث ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال فإنه كفر به أجزأه وهذا منصوص عن الشافعي ومن أصحابه من قال بقول الخرقي وليس على الخرقي حجة من كلام أحمد بل هو حجة له لقوله إنما يكفر ما وجب عليه وإنما للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه ولم يجب عليه إلا الصوم فلا يكفر بغيره ووجه ذلك أنه حكم تعلق بالعبد في رقه فلم يتغير بحريته كالحد وهذا على القول الذي لم يجز فيه للعبد التكفير بالمال بإذن سيده فأما على القول الآخر فله التكفير ها هنا بطريق الأولى لأنه إذا جاز له في حال رقه التكفير بالمال في حال حريته أولى وإنما احتاج إلى إذن سيده في حال رقه لأن المال لسيده أو لتعلق حقه بماله وبعد الحرية قد زال ذلك ولا حاجة إلى إذنه وإن قلنا التكفير بأغلظ الأحوال لم يكن له التكفير بغير المال إن كان موسرا وإن حلف عبد وحنث وهو حر فحكمه حكم الأحرار لأن الكفارة لا تجب قبل الحنث فما وجبت إلا وهو حر فصل ومن نصفه حر فحكمه في التكفير حكم الحر الكامل فإذا ملك يجزئه الحر ما لا يكفر به لم يجز له الصيام وله التكفير بأحد الأمور الثلاثة وظاهر مذهب الشافعي أن له التكفير بالإطعام والكسوة دون الإعتاق لأنه لا يثبت له الولاء ومنهم من قال لا يجزئه إلا الصيام لأنه منقوص بالرق أشبه القن ولنا قول الله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89 وهذا واجد لأنه يملك ملكا تاما فأشبه الحر الكامل ولا نسلم أنه لا يثبت له الولاء ثم إن امتناع بعض أحكامه لا يمنع صحته كعتق المسلم رقيقه الكافر مسألة قال ( ويكفر بالصوم من لم يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته مقدار ما يكفر به ) وجملة ذلك أن كفارة اليمين تجمع تخييرا وترتيبا فيتخير بين الخصال الثلاث فإن لم يجدها انتقل إلى صيام ثلاثة أيام ويعتبر أن لا يجد فاضلا عن قوته وقوت عياله يومه وليلته قدرا يكفر به وهذا قول إسحاق ونحوه قال أبو عبيد وابن المنذر وقال الشافعي من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره أجزأه الصيام لأنه فقير ولأن النخعي قال إذا كان مالكا لعشرين درهما فله الصيام وقال عطاء الخراساني لا يصوم من ملك عشرين درهما ولمن يملك دونها الصيام وقال سعيد بن جبير إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم كفر بها وقال الحسن درهمين وهذان القولان نحو قولنا ووجه ذلك أن الله تعالى اشترط للصيام أن لا يجد بقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89 ومن وجد ما يكفر به فاضلا عن قوته وقوت عياله فهو واجد فيلزمه التكفير بالمال لظاهر الآية ولأنه حق لا يزيد بزيادة المال فاعتبر فيه الفاضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته كصدقة الفطر
فصل فلو ملك ما يكفر به وعليه دين مثله وهو مطالب به فلا كفارة عليه لأنه حق لآدمي والكفارة حق لله تعالى فإذا كان مطالبا بالدين وجب تقديمه كزكاة الفطر فإن لم يكن مطالبا بالدين فكلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما تجب الكفارة لأنه لا يعتبر فيها قدر من المال فلم يسقط بالدين كزكاة الفطر والثانية لا تجب لأنها حق لله تعالى يجب في المال فأسقطها الدين كزكاة المال وهذا أصح لأن حق الآدمي أولى بالتقديم لشحه وحاجته إليه وفيه نفع للغريم وتفريغ ذمة المدين وحق الله تعال مبني على المسامحة لكرمه وغناه ولأن الكفارة بالمال لها بدل ودين الآدمي لا بدل له ويفارق صدقة الفطر لكونها أجريت مجرى النفقة ولهذا يتحملها الإنسان عن غيره كالزوج عن امرأته وعائلته ورقيقه ولا بدل لها بخلاف الكفارة فصل فإن كان له مال غائب أو دين يرجو وفاءه لم يكفر بالصيام وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يجزئه الصيام لأنه غير واجد فأجزأه الصيام عملا بقوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89 وقياسا على المعسر والدليل على أنه غير واجد أن المتمتع لو عدم الهدي في موضعه انتقل إلى الصيام ولو عدم الماء في موضعه انتقل إلى التيمم ولو عدم المظاهر المال في موضعه انتقل إلى الصيام والانتقال في هذه المواضع مشروط بعدم الوجدان ولأنه غير متمكن من التكفير بالمال أشبه هذه الأصول ولنا إنه حق مال يجب على وجه الطهرة فلم تمنع الغيبة وجوبه كالزكاة ولأنه غير مؤقت ولا ضرر في تأخيره فلم يسقط بغيبته كالزكاة وفارق الهدي فإن له وقتا يفوت بالتأخير والتيمم يفضي تأخيره إلى فوات الصلاة وتأخير كفارة الظهار يفضي إلى ترك الوطء وفيه ضرر بخلاف مسألتنا ولا نسلم عدم التمكن ولهذا صح بيع الغائب مع أن التمكن من التسليم شرط مسألة قال ( ومن له دار لا غنى له عن سكناها أو دابة يحتاج إلى ركوبها أو خادم يحتاج إلى خدمته أجزأه الصيام في الكفارة ) وجملته أن الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية والسكنى من الحوائج الأصلية وكذلك الدابة التي يحتاج إلى ركوبها لكونه لا يطيق المشي فيما يحتاج إليه أو لم تجر عادته به وكذلك الخادم الذي يحتاج إلى خدمته لكونه ممن لا يخدم نفسه لمرض أو كبر أو لم تجر عادته به وهذه الثلاثة من الحوائج الأصلية لا تمنع التكفير بالصيام ولا الزكاة من الأخذ والكفارة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك من ملك رقبة تجزيء في الكفارة لا يجزئه الصيام وإن كان محتاجا إليها لخدمته لأنه واجد لرقبة يعتقها فيلزمه ذلك لقوله تعالى أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام المائدة 89 فاشترط للصيام أن لا يجدها ولنا إنها مستغرقة لحاجته الأصلية فلم تمنع جواز الانتقال كالمسكن والمركوب والطعام الذي هو محتاج إليه وما ذكروه يبطل بالطعام المحتاج إليه وبما إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش فإنه لا يمنع الانتقال إلى التيمم ولأن وجدان ثمن الرقبة كوجدانها ولهذا لم يجز لمن وجد ثمنها الانتقال إلى الصيام ومع هذا لو وجد ثمنها الذي يحتاج إليه لم يمنعه الانتقال كذا ها هنا إذا ثبت هذا فإنه إن كان في شيء من ذلك فضل عن حاجته مثل منن له دار كبيرة تساوي أكثر من دار مثله ودابة فوق دابة وخادم فوق خادم مثله يمكن أن يحصل به قدر ما يحتاج إليه وتفضل فضلة يكفر بها فإنه يباع منه الفاضل عن كفايته أو يباع الجميع ويبتاع له قدر ما يحتاج إليه ويكفر بالباقي وإن تعذر بيعه أو أمكن البيع ولم يمكن شراء ما يحتاج إليه ترك ذلك وكان له الانتقال إلى الصيام لأنه تعذر الجمع بين القيام بحاجته والتكفير بالمال فأشبه ما لو لم يكن فيه فضل
فصل ومن له عقار يحتاج إلى أجرته لمؤنته وحوائجه الأصلية أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه بالتكفير منها أو سائمة يحتاج إلى نمائها حاجة أصلية أو أثاث يحتاج إليه وأشباه هذا فله التكفير بالصيام لأن ذلك مستغرق لحاجته الأصلية فأشبه المعدم مسألة قال ( ويجزئه إن أطعم خمسة مساكين وكسا خمسة ) وجملته أنه إذا أطعم بعض المساكين وكسا الباقين بحيث يستوفي العدد أجزأه في قول إمامنا والثوري وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يجزئه لقول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم المائدة 89 فوجه الدلالة من وجهين أحدهما أنه جعل الكفارة أحد هذه الخصال الثلاثة ولم يأت بواحد منها والثاني أن انتصاره على هذه الخصال الثلاث دليل على انحصار التكفير فيها وما ذكرتموه خصلة رابعة ولأنه نوع من التكفير فلم يجزئه تبعيضه كالعتق ولأنه لفق الكفارة من نوعين فأشبه ما لو أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو كساهم ولنا إنه خرج من المنصوص عليه بعده العدد الواجب فأجزأ كما لو أخرجه من جنس واحد ولأن كل واحد من النوعين يقوم مقام صاحبه في جميع العدد فقام مقامه في بعضه كالكفارتين وكالتيمم لما قام مقام الماء في البدن كله في الجنابة جاز في بعضه في طهارة الحدث فيما إذا كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا وفيما إذا وجد من الماء ما يكفي بعض بدنه ولأن معنى الطعام والكسوة متقارب إذ القصد منها سد الخلة ودفع الحاجة وقد استويا في العدد واعتبار المسكنة في المدفوع إليه وتنوعهما من حيث كونهما في الإطعام سدا لجوعه وفي الكسوة ستر العورة لا يمنع الإجزاء في الكفارة الملفقة منهما كما لو كان أحد الفقيرين محتاجا إلى ستر عورته والآخر إلى الاستدفاء ولأنه قد خرج عن عهدة الذين أطعمهم بالإطعام فيخرج عن عهدة الذين كساهم بالكسوة بدليل أنه لا يلزمه بالإنفاق أكثر من إطعام من بقي ولا كسوة أكثر ممن بقي وإذا خرج عن عهدة عشرة مساكين وجب أن يجزئه كما لو اتفق النوع وأما الآية فإنها تدل بمعناها على ما ذكرناه فإنها دلت على أنه مخير في كل فقير بين أن يطعمه أو يكسوه وهذا يقتي ما ذكرناه ويصير كما يخير في الصيد الحرمي بين أن يفديه بالنظير أو يقوم النظير بدراهم فيشتري بها طعاما يتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما فلو صام عن بعض الأمداد وأطعم بعضا أجزأ كذلك ها هنا وكذلك الدية لما كان مخيرا بين إخراج ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم لو أعطى البعض ذهبا والبعض دراهم جاز وفارق ما إذا أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو كساهم لأن تنصيف العتق يخل بالآخر لما سنذكره بعد هذا فصل وإن أطعم المساكين بعض الطعام وكساه بعض الكسوة لم يجزئه لأنه ما أطعمه الطعام الواجب له ولا كساه الكسوة الواجبة فصار كمن لم يطعمه شيئا ولم يكسه وإن أطعم بعض المساكين برا وبعضهم تمرا أو من جنس آخر أجزأ وقال الشافعي لا يجزئه ولنا قوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة 89 وقد أطعمهم من جنس ما يجب عليه ولأنه لو كسا بعض المساكين قطنا وبعضهم كتانا جاز مع اختلاف النوع كلك الإطعام مسألة قال ( وإن أعتق نصفي عبدين أو نصفي أمتين أو نصفي عبد وأمة أجزأ عنه ) قال الشريف أبو جعفر هذا قول أكثرهم يعني أكثر الفقهاء وقال أبو بكر بن جعفر لا يجزىء لأن المقصود من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل من إعتاق نصفين واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة أوجه فمنهم من قال كقول الخرقي ومنهم من قال كقول أبي بكر ومنهم من قال إن كان نصف الرقيق حرا أجزأ لأنه يحصل تكميل الأحكام وإن كان رقيقا لم يجز لأنه لا يحصل
ولنا إن الأشقاص كالأشخاص فيما لا يمنع منه العيب اليسير دليله الزكاة ونعني به إذا كان له نصف ثمانين شاة مشاعا وجبت الزكاة كما لو ملك أربعين منفردة وكالهدايا والضحايا إذا اشتركوا فيها والأولى أنه لا يجزىء إعتاق نصفين إذا لم يكن الباقي بينهما حرا لأن إطلاق الرقبة إنما ينصرف إلى إعتاق الكاملة ولا يحصل من الشقصين ما يحصل من الرقبة الكاملة من تكميل الكاملة الأحكام وتخليص الآدمي من ضرر الرق ونقصه فلا يثبت به من الأحكام ما يثبت بإعتاق رقبة كاملة ويمتنع قياص الشقصين على الرقبة الكاملة ولهذا لو أمر إنسانا بشراء رقبة أو بيعها أو بإهداء حيوان أو بالصدقة به لم يكن له أن يشقصه كذا ههنا مسألة قال ( وإن أعتق نصف عبد وأطعم خمسة مساكين أو كساهم لم يجزئه ) لا نعلم في هذا خلافا وذلك لأن مقصودهما مختلف متباين إذ كان القصد من العتق تكميل الأحكام وتخليص المعتق من الرق والقصد من الإطعام والكسوة سد الخلة وإبقاء النفس بدفع المجاعة في الطعام وستر العورة ورفع ضرر الحر والبرد في الكسوة فلتقارب معناهما واتحاد مصرفهما جريا مجرى الجنس الواحد فكملت الكفارة من أحدهما بالآخر ولذلك سوى بين عددهما ولتباعد مقصد العتق منهما واختلاف مصرفهما ومباينتهما له لم يجريا مجرى الجنس الواحد فلم يكمل به واحد منهما ولذلك خالف عدده عددهما فصل ولو أطعم بعض المساكين أو كساهم أو عتق نصف عبد ولم يكن له ما يتم به الكفارة فصام عن الباقي لم يجزئه ولأنه بدل في الكفارة فلم تكمل به كسائر الأبدال مع مبدلاتها ولأن الصوم من الطعام والكسوة أبعد من العتق فإذا لم يجز تكميل أحد نوعي المبدل من الآخر فتكميله بالبدل أولى فإن قيل يبطل لهذا بالغسل والوضوء مع التيمم قلنا التيمم لا يأتي ببعضه بدلا عن بعض الطهارة وإنما يأتي به بكماله وها هنا لو أتى بالصيام جميعه أجزأه مسألة قال ( ومن دخل في الصوم ثم أيسر لم يكن عليه الخروج من الصوم إلى العتق أو الإطعام إلا أن يشاء ) مسألة وفي هذه المسألة فصلان إحداهما أنه إذا شرع في الصوم ثم قدر على العتق أو الإطعام أو الكسوة لم يلزمه الرجوع إليها وروي ذلك عن الحسن وقتادة وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وروي عن النخعي والحكم أنه يلزمه الرجوع إلى أحدها وبه قال الثوري وأصحاب الرأي لأنه قدر على المبدل قبل إتمام البدل فلزمه الرجوع كالمتيمم إذا قدر على الماء قبل إتمام صلاته ولنا إنه بدل لا يبطل بالقدرة على المبدل فلم يلزمه الرجوع إلى المبدل بعد الشروع فيه كما لو شرع المتمتع العاجز عن الهدي في صوم السبعة الأيام فإنه لا يخرج بلا خلاف والدليل على أن البدل لا يبطل أن البدل الصوم وهو صحيح مع قدرته اتفاقا وفارق التيمم فإنه يبطل بالقدرة على الماء بعد فراغه مه ولأن الرجوع إلى طهارة الماء لا مشقة فيه ليسره والكفارة يشق الجميع فيها بين خصلتين وإيجاب الرجوع بيفضي إلى ذلك فإن قيل ينتقض دليلكم بما إذا شرع المتمتع في صوم الثلاثة قلنا إذا قدر على الهدي في صوم الثلاثة تبينا أنه ليس بعادم له في وقته لأن وقت الهدي يوم النحر بخلاف مسألتنا الفصل الثاني أنه إن أحب الانتقال إلى الأعلى فله ذلك في قول أكثرهم ولا نعلم خلافا إلا في العبد إذا حنث ثم عتق وقال أبو الخطاب لا يجوز الانتقال في مسألتنا محتجا بقول الخرقي إذا حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق قال وهو ظاهر كلام أحمد لقوله في العبد إنما يكفر ما وجب عليه ولنا إن العتق والإطعام الأصل فأجزأه التكفير به كما لو تكلف الفقير فاستدان وأعتق وأما العبد إذا عتق فيحتمل أنه يجوز له الانتقال كمسألتنا ويحمل كلام أحمد على أنه لا يلزمه الانتقال ويحتمل أنه يفرق بينه وبين الحر من حيث إن الحر كان يجزئه التكفير بالمال لو تكلفه والعبد لم يكن يجزئه إلا الصيام على رواية
فصل ولو وجبت الكفارة على موسر فأعسر لم يجزئه الصيام وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وأصحاب الرأي يجزئه لأنه عاجز عن المدل فجاز له العدول إلى البدل كما لو وجبت عليه الصلاة ومعه ماء فاندفق قبل الوضوء به ولنا إن الإطعام وجب عليه في الكفارة فلم يسقط بالعجز عنه كالإطعام في كفارة الظهار وفارق الوضوء لأن الصلاة واجبة ولا بد من أدائها فاحتيج إلى الطهارة لها في وقتها بخلاف الكفارة فصل والكفارة في حق العبد والحر والرجل والمرأة والمسلم والكافر سواء لأن الله تعالى ذكر الكفارة بلفظ عام في جميع المخاطبين فدخل الكل في عمومه إلا أن الكافر لا يصح منه التكفير بالصيام لأنه عبادة وليس هو من أهلها ولا بالإعتاق لأن من شرطه الإيمان في الرقبة ولا يجوز لكافر شراء مسلم إلا أن يتفق إسلامه في يده أو يرث مسلما فيعتقه فيصح إعتاقه وإن لم يتفق ذلك فتكفيره بالإطعام أو الكسوة فإذا كفر به ثم أسلم لم يلزمه إعادة التكفير وإن أسلم قبل التكفير كفر بما يجب عليه في تلك الحال من إعتاق أو إطعام أو كسوة أو صيام ويحتمل على قول الخرقي ألا يجزئه الصيام لأنه إنما يكفر بما وجب عليه حين الحنث ولم يكن الصيام مما وجب عليه باب جامع الأيمان مسألة قال أبو القاسم رحمه الله تعالى ( ويرجع في الأيمان إلى النية ) وجملة ذلك أن مبنى اليمين على نية الحالف فإذا نوى بيمينه ما يحتلمه انصرفت يمينه إليه سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا له فالموافق للظاهر أن ينوي باللفظ موضوعه الأصلي مثل أن ينوي باللفظ العام العموم وبالمطلق الإطلاق وبسائر الألفاظ ما يتبادر إلى الأفهام منها والمخالف يتنوع أنواعا أحدها أن ينوي بالعام الخاص مثل أن يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة ويريد لحما بعينه وفاكهة بعينها ومنها أن يحلف علة فعل شيء أو تركه مطلقا وينوي فعله أو تركه في وقت بعينه مثل أن يحلف لا أتغدى يعني اليوم أو لآكلن يعني الساعة ومنها أن ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع منه كما ذكرنا في المعاريض في مسألة إذا تأول في يمينه فله تأويله ومنها أن يريد بالخاص العام مثل أن يحلف لا شربت لفلان الماء من العطش ينوي قطع كل ما له فيه منة أو لا يأوي مع امرأته في دار يريد جفاءها بترك اجتماعها معه في جميع الدور أو حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع مننتها به فيتعلق يمينه بالانتفاع به أو بثمنه مما له فيه منة عليه وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه لأن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين واليمين لفظه فلو أحنثناه علة ما سواه لأحنثنا علة ما نوى لا علة ما حلف ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها ولنا إنه نوى بكلامه ما يحتمله ويسوغ في اللغة التعبير به عنه فينصرف يمينه إليه كالمعاريض وبيان احتمال اللفظ أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام قال الله تعالى ما يملكون من قطمير فاطر 13 ولا يظلمون فتيلا النساء 49 فإذا لا يؤتون الناس نقيرا النساء 53
والقطمير لفافة النواة والفتيل ما في شقها والنقير النقرة التي في ظهرها ولم يرد ذلك بعينه بل نفى كل شيء وقال الحطيئة يهجو بني العجلان ولا يظلمون الناس حبة خردل ولم يرد الحبة بعينها إنما أراد لا يظلمونهم شيئا وقد يذكر العام ويراد به الخاص كقوله تعالى الذين قال لهم الناس آل عمران 173 يعني رجلا واحدا إن الناس قد جمعوا لكم آل عمران 173 يعني أبا سفيان وقال تعالى تدمر كل شيء الأحقاف 25 ولم يرد السماء والأرض ولا مساكنهم وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما لامرىء ما نوى ولأن كلام الشارع يحمل على مراده إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره وقولهم إن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين قلنا وهذا كذلك فإنما انعقدت عليه اليمين على ما نواه ولفظه مصروف إليه وليست هذه نية مجردة بل لفظ منوي به ما يحتمله فصل ومن شرط انصراف اللفظ إلى ما نواه احتمال اللفظ له فإن نوى ما لا يحتمله اللفظ مثل أن يحلف لا يأكل خبزا يعني به لا يدخل بيتا فإن يمينه لا تنصرف إلى المنوي لأنها نية مجردة لا يحتملها اللفظ فأشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين مسألة قال ( فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها ) وجملته أنه إذا عدمت النية نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالته علة النية فإذا حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار نظرنا فإن كان سبب يمينه غيظا من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها اختصت يمينه بها وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقتضي جفاءها ولا أثر للدار فيه تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار وكذلك إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها فإن كان سببه المنية عليه منها فكيفما انتفع به أو بثمنه حنث وإن كان سبب يمينه خشونة غزلها ورداءته لم يتعد بيمينه لبسه والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في التي قبلها قد دللنا علة تعلق اليمين بما نواه والسبب دليل على النية فيتعلق اليمين به وقد ثبت أن كلام الشارع إذا كان خاصا في شيء لسبب عام تعدى إلى ما يوجد فيه السبب كتنصيصه علة تحريم التفاضل في أعيان ستة أثبت الحكم في كل ما يوجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي مثله فأما إن كان اللفظ عاما وللسبب خاصا مثل من دعى إلى غداء فحلف لا يتغدى أو حلف لا يقعد فإن كانت له نية فيمينه على ما نوى وإن لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما أن اليمين محمولة علة العموم لأن أحمد سئل عن رجل حلف لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال النذر يوفى به يعني لا يدخله ووجه ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب خاص وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذلك يمين الحالف وذكر القاضي فيمن حلف على زوجته أو عبده أن لا يخرج إلا بإذنه فعتق العبد وطلق الزوجة وخرجا بغير إذنه لا يحنث لأن قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وإنما يملك منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما فكأنه قال ما دمتما في ملكي ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم ولو نوى الخصوص لاختصت يمينه به فكذلك إذا وجد ما يدل عليها ولو حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه فعزله أو حلف أن لا يرى منكرا إلا رفعه إلى فلان القاضي فعزل ففيه وجهان بناء على ما تقدم أحدهما لا تنحل اليمين بعزله قال القاضي هذا قياس المذهب لأن اليمين إذا تعلقت بعين موصوفة تعلقت بالعين وإن تغيرت الصفة وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والوجه الآخر تنحل اليمين بعزله وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يقال رفعه إليه إلا في حال ولايته فعلى هذا إن رأى المنكر في ولايته فأمكنه رفعه فلم يرفعه إليه حتى عزل لم يبر برفعه إليه حال كونه معزولا
وهل يحنث بفعله فيه وجهان أحدهما يحنث لأنه قد فات رفعه إليه فأشبه ما لو مات والثاني لا يحنث لأنه لم يتحقق فواته لاحتمال أن يلي فيرفعه إليه بخلاف ما إذا مات فإنه يحنث لأنه قد تحقق فواته وإذا مات قبل إمكان رفعه إليه حنث أيضا لأنه قد مات فأشبه ما لو حلف ليضربن عبده في غد فمات العبد اليوم ويحتمل أن لا يحنث لأنه لم يتمكن من فعل المحلوف عليه فأشبه المكره وإن قلنا لا تنحل يمينه بعزله فرفعه إليه بعد عزله بر بذلك فإن اختلف السبب والنية مثل أن امتنت عليه امرأته بغزلها فحلف أنه لا يلبس ثوبا من غزلها ينوي اجتناب اللبس خاصة دون الانتفاع بثمنه وغيره قدمت النية على السبب وجها واحدا لأن النية وافقت مقتضى اللفظ وإن نوى بيمينه ثوبا واحدا فكذلك في ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي يقدم السبب لأن اللفظ ظاهر في العموم والسبب يؤكد ذلك الظاهر ويقويه لأن السبب هو الإمتنان وظاهر حاله قطع النية فلا يلتفت إلى نيته المخالفة للظاهرين والأول أصح لأن السبب إنما اعتبر لدلالته على القصد فإذا خالف حقيقة القصد لم يعتبر فكان وجوده كعدمه فلم يبق إلا لفظه بعمومه والنية تخصه علة ما بيناه فيما مضى مسألة قال ( ولو حلف لا يسكن دارا هو ساكنها خرج من وقته فإن تخلف عن الخروج من وقته حنث ) وجملة ذلك أن ساكن الدار إذا حلف لا يسكنها فمتى أقام فيها بعد يمينه زمنا يمكنه فيه الخروج حنث لأن استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم السكنى عليها ألا تراه يقول سكنت هذه الدار شهرا كما يقول لبست هذا الثوب شهرا وبهذا قال الشافعي وإن أقام لنقل رحله وقماشه لم يحنث لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال فيحتاج أن ينقل ذلك معه حتى يكون متنقلا وحكي عن مالك أنه إن أقام دون اليوم والليلة لم يحنث لأن ذلك قليل يحتاج إليه في الانتقال فلم يحنث به وعن زفر أنه قال يحنث وإن انتقل في الحال لأنه لا بد من أن يكون ساكنا عقيب يمينه ولو لحظة فيحنث بها وليس بصحيح فإن ما لا يمكن الاحتراز منه لا يراد باليمين ولا يقع عليه وأما إذا أقام زمنا يمكنه الانتقال فيه فإنه يحنث لأنه فعل ما يقع عليه اسم السكنى فحنث به كموضع الاتفاق ألا ترى أنه لو حلف لا يدخل الدار فدخل إلى أول جزء منها حنث وإن كان قليلا فصل وإن أقام لنقل متاعه وأهله لم يحنث وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يحنث ولنا إن الانتقال إنما يكون بالأهل والمال على ما سنذكره ولا يمكنه التحرز من هذه الإقامة فلا يقع اليمين عليها وعلى هذا إن خرج بنفسه وترك أهله وماله في المسكن مع إمكان نقلهم عنه حنث وقال الشافعي لا يحنث إذا خرج بنية الانتقال لأنه إذا خرج بنية الانتقال فليس بساكن ولأنه يجوز أن يريد السكنى وحده دون أهله وماله ولنا إن السكنى تكون بالأهل والمال ولهذا يقال فلان ساكن بالبلد الفلاني وهو غائب عنه بنفسه وإذا نزل بلدا بأهله وماله يقال سكنه ولو نزله بنفسه لا يقال سكنه وقولهم إنه نوى السكنى بنفسه لا يصح فإن من خرج إلى مكان لينقل أهله ولم ينو السكنى بنفسه فأشبه من خرج يشتري متاعا وإن خرج عازما على السكنى بنفسه منفردا عن أهله الذي في الدار لم يحنث ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ذكره القاضي وحكي عن مالك أنه اعتبر نقل عياله دون ماله والأولى إن شاء الله أنه إذا انتقل بأهله فسكن في موضع آخر فإنه لا يحنث وإن بقي متاعه في الدار لأن مسكنه حيث حل أهله به ونوى الإقامة به ولهذا لو حلف لا يسكن دارا لم يكن ساكنا لها فنزلها بأهله ناويا للسكنى بها حنث وقال القاضي إن نقل إليها ما يتأثث به ويستعمله في منزله فهو ساكن وإن سكنها بنفسه
فصل وإن أكره على المقام لم يحنث لقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وكذلك إن كان في جوف الليل في وقت لا يجد منزلا يتحول إليه أو يحول بينه وبين المنزل أبواب مغلقة لا يمكنه فتحها أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله فأقام في طلب النقلة أو انتظارا لزوال المانع منها أو خرج طالبا للنقلة فتعذرت عليه إما لكونه لم يجد مسكنا يتحول إليه لتعذر الكراء أو غيره أو لم يجد بها ثم ينتقل عليها ولا يمكنه النقلة بدونها فأقام ناويا للنقلة متى قدر عليها لم يحنث وإن أقام أياما وليالي لأن إقامته عن غير اختيار منه لعدم تمكينه من النقلة فإنه إذا لم يجد مسكنا لا يمكنه ترك أهله وإلقاء متاعه في الطريق فلم يحنث به كالمقيم للإكراه وإن أقام في هذا الوقت غير ناو للنقلة حنث ويكون نقله لما يحتاج إلى نقله علة ما جرت به العادة فلو كان ذا متاع كثير فنقله قليلا قليلا على العادة بحيث لا يترك النقل المعتاد لم يحنث وإن أقام أياما ولا يلزمه جمع دواب البلد لنقله ولا النقل بالليل ولا وقت الاستراحة عند التعب ولا أوقات الصلوات لأن العادة لم تجر بالنقل فيها ولو ذهب رحله أو أودعه أو أعاره وخرج لم يحنث لأن يده زالت عن المتاع فإن تردد إلى الدار لنقل المتاع أو عائدا لمريض أو زائرا لصديق لم يحنث وقال القاضي إن دخلها ومن رأيه الجلوس عنده حنث وإلا فلا ولنا إن هذا ليس بسكنى ولذلك لو حلف لسيكنن دارا لم يبر بالجلوس فيها لأنه على هذا الوجه لا يسمى ساكنا به بهذا العذر فلم يحنث به كما لو لم ينو الجلوس وإن كان له في الدار امرأة أو عائلة فأرادهم على الخروج معه والانتقال عنها فأبوا ولم يمكنه إخراجهم فخرج وتركهم لم يحنث لأن هذا مما لا يمكنه فأشبهه ما لم يمكنه نقله من رحله فصل وإن حلف لا يساكن فلانا فالحكم في الاستدامة علة ما ذكرنا في الحلف علة السكنى وإن انتقل أحدهما وبقي الآخر لم يحنث لزوال المساكنة وإن سكنا في دلو واحد وكل واحد في بيت ذي باب وغلق رجع إلى بيته بيمينه أو إلى سببها وما دلت عليه قرائن أحواله في المحلوف على المساكنة فيه فإن عدم ذلك كله حنث وهذا قول مالك وقالالشافعي إن كانت الدار صغيرة فهما متساكنان لأن الصغيرة مسكن واحد وإن كانت كبيرة إلا أن أحدهما في البيت والآخر في الصفة أو كانا في صفتين أو ببيتين ليس على أحدهما غلق دون صاحبه فهما متساكنان وإن كانا في بيتين كل واحد منهما له غلق أو كانا في خان فليسا متساكنين لأن كل واحد منهما ينفرد بمسكنه دون الآخر فأشبها المتجاورين كل واحد منهما ينفرد بمسكنه ولنا إنهما في دار واحدة فكانا متساكنين كالصغيرة وفارق المتجاورين في الدارين فإنهما ليسا متساكنين ويمينه على نفي المساكنة لا علة المجاورة ولو كانا في دار واحدة حالة اليمين فخرج أحدهما منها وقسماها حجرتين وفتحا لكل واحدة منهما بابا وبينهما حاجز ثم سكن كل واحد منهما في حجرة لم يحنث لأنهما غير متماسكين وإن تشاغلا ببناء الحاجز بينهما وهما متساكنان حنث لأنهما تساكنا قبل انفراد إحدى الدارين من الأخرى وهذا قول الشافعي ولا نعلم فيه خلافا فصل فإن حلف لا ساكنت فلانا في هذه الدار قسماها حجرتين وبنيا بينهما حائطا وفتح كل واحد منهما لنفسه بابا ثم سكنا فيهما لم يحنث لما ذكرنا في التي قبلها وهذا قول الشافعي وابن المنذر وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال مالك لا يعجبني ذلك ويحتمله قياس المذهب لكونه عين الدار ولا ينحل بتغيرها كما لو حلف لا يدخلها فصارت نصا والأول أصح لأنه لم يساكنه فيها لكون المساكنة في الدار لا تحصل مع كونهما دارين وفارق الدخول فإنه دخلها متغيرة
فصل وإن حلف ليخرجن من هذه الدار اقتضت يمينه الخروج بنفسه وأهله كما لو حلف لا يسكنها وإن حلف ليخرجن من هذه البلدة تناولت يمينه الخروج بنفسه لأن الدار يخرج منها صاحبها في اليوم مرات عادة فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد وإنما أراد الخروج الذي هو النقلة والخروج من البلد بخلاف ذلك وإذا خرج الحالف فهل له العود فيه عن أحمد روايتان إحداهما لا شيء عليه في العود ولا يحنث به لأن يمينه على الخروج وقد خرج فانحلت يمينه لفعل ما حلف عليه فلم يحنث فيما بعد والثانية يحنث بالعود لأن ظاهر قصد هجران ما حلف على الرحيل منه ولا يحصل ذلك بالعود ويمكن حمل هذه الرواية على أن للمحلوف عليه سببا هيج يمينه أو دلت قرينة حاله علة إرادته هجرانه أو نوى ذلك بيمينه فاقتضت يمينه دوام اجتنابها وإن لم يكن كذلك لم يحنث بالعود لأن اليمين تحمل عند عدم ذلك على مقتضى اللفظ ومقتضاه ها هنا الخروج وقد فعله فانحلت يمينه وكذلك الحكم إذا حلف على الرحيل منها إلا أنه إذا حلف على الرحيل من بلد لم يبر إلا بالرحيل بأهله مسألة قال ( ولو حلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها ولم يمكنه الامتناع لم يحنث ) نص عليه أحمد هذا في رواية أبي طالب وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا وذلك لأن الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه وإن حمل بأمره فأدخلها حنث لأنه دخل مختارا فأشبه ما لو دخل راكبا وإن حمل بغير أمره ولكنه أمكنه الامتناع فلم يمتنع حنث أيضا لأنه دخلها غير مكره فأشبه ما لو حمل بأمره وقال أبو الخطاب في الحنث وجهان أحدهما لا يحنث لأنه لم يفعل الدخول ولم يأمر به فأشبه ما لو لم يمكنه الامتناع ومتى دخل باختياره حنث سواء كان ماشيا أو راكبا أو محمولا أو ألقى نفسه في ماء فجره إليها أو سبح فيه فدخلها من بابها أو تسور حائطها أو دخل من طاقة فيها أو نقب حائطا ودخل من ظهرها أو غير ذلك فصل فإن أكره بالضرب ونحوه على دخلوها فدخلها لم يحنث في أحد الوجهين وهو أحد قولي الشافعي وفي الآخر يحنث وهو قول أصحاب الرأي ونحوه قول النخعي لأنه فعل ما حلف على تركها ودخلها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكروه عليه ولأنه دخلها مكرها فأشبه ما لو حمل مكرها فصل وإن رقي فوق سطحها حنث وبهذا قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث ولأصحابه فيما إذا كان السطح محجرا وجهان واحتجوا بأن السطح يقيها الحر والبرد ويحرزها فهو كحيطانها ولنا أن سطح الدار منها وحكمه حكمها سواء فحنث بدخوله كالمحجر أو كما لو دخل بين حيطانها ودليل ذلك أنه يصح الاعتكاف في سطح المسجد ويمنع الجنب من اللبث فيه ولو حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها لم يبر ولو حلف أن لا يخرج منها فصعد سطحها لم يحنث ولأنه داخل في حدود الدار ومملوك لصاحبها ويملك بشرائها ويخرج من ملك صاحبها ببيعها والبائت عليه يقال باب في داره وبهذا يفارق ما وراى حائطها فإن كان في اليمين قرينة لفظية أو حالية تقتضي اختصاص الإرادة بداخل الدار مثل أن يكون سطح الدار طريقا وسبب يمينه يقتضي ترك وصلة أهل الدار لم يحنث بالمرور على سطحها وكذلك إن نوى بيمينه باطن الدار تقيدت يمينه بما نواه لأنه ليس للمرء إلا ما نواه فصل فإن تعلق بغصن شجرة في الدار لم يحنث وإن صعد حتى صار في مقابلة سطحها بين حيطانها حنث وإن لم ينزل بين حيطانها احتمل أن يحنث لأنه في هوائها وهواؤها ملك لصاحبها
فأشبه ما لو قام على سطحها واحتمل أن لا يحنث لأنه لا يسمى داخلا ولا هو على شيء من أجزائها وكذلك إن كانت الشجرة في غير الدار فتعلق بفرغ ماد على الدار في مقابلة سطحها فإن قام على حائط الدار احتمل وجهين أحدهما أنه يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لأنه داخل في حدها فأشبه القائم على سطحها والثاني لا يحنث لأنه لا يسمى دخولا وإن قام في طاق الباب فكذلك لأنه بمنزلة حائطها وقال القاضي إذا قام على العتبة لم يحنث لأن الباب إذا غلق حصل خارجا منها ولا يسمى داخلا فيها فصل وإن حلف أن لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكبا أو ماشيا منقولا أو حافيا حنث كما لو حلف أن لا يدخلها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور إن دخلها راكبا لم يحنث لأنه لم يضع قدمه فيها ولنا إنه قد دخل الدار فحنث كما لو دخلها ماشيا ولا نسلم أنه لم يضع قدمه فيها فإن قدمه موضوعة على الدابة فيها فأشبه ما لو دخلها منتعلا وعلى أن هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فتحمل اليمين عليه فإن قيل هذا مجاز لا يحمل اليمين عليه قلنا المجاز إذا اشتهر صار من الأسماء العرفية فينصرف اللفظ بإطلاقه إليه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما فصل وإن حلف لا يدخل في هذه الدار من بابها فدخلها من غير الباب لم يحنث لأن يمينه لم تتناول غير الباب ويتخرج أنه يحنث إذا أراد بيمينه اجتناب الدار ولم يكن للباب سبب هيج يمينه كما لو حلف لا يأوي مع زوجته في دار فآوى معها في غيرها وإن حول بابها في مكان آخر فدخل فيه حنث لأنه دخلها من بابها وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وإن حلف لا دخلت من باب هذه الدار فكذلك وإن جعل لها باب آخر مع بقاء الأول فدخل منه حنث لأنه دخل من باب الدار وإن قلع الباب ونصب في دار أخرى وبقي الممر حنث بدخوله من الموضع الذي نصب فيه الباب لأن الدخول في الممر لا من المصراع فصل فإن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا مملوكة له أو دارا يسكنها بأجرة أو عارية أو غصب حنث وبذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث إلا بدخول دار يملكها لأن الإضافة في الحقيقة إلى المالك بدليل أنه لو قال هذه الدار لفلان كان مقرا له بملكها ولو قال أردت أنه يسكنها لم يقبل ولنا إن الدار تضاف إلى ساكنها كإضافتها إلى مالكها قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن الطلاق 1 أراد بيوت أزاجهن التي يسكنها وقال تعالى وقرن في بيوتكن الأحزاب 33 ولأن الإضافة للاختصاص وكذلك يضاف الرجل إلى أخيه بالأخوة وإلى أبيه بالبنوة وإلى ولده بالأبوة وإلى امرأته بالزوجية وساكن الدار مختص بها فكانت إضافتها إليه صحيحة وهي مستعملة في العرف فوجب أن يحنث بدخولها كالمملوكة له وقولهم إن هذه الإضافة مجاز ممنوع بل هي حقيقة لما ذكرناه ولو كانت مجاز لكنه مشهور فيتناوله اللفظ كما لو حلف لا شربت من رواية فلان فإنه يحنث بالشرب من مزادته وأما الإقرار فإنه لو قال هذه دار زيد وفسر إقراره بسكناها احتمل أن نقول يقبل تفسيره وإن سلمنا فإن قرينة الإقرار تصرفه إلى الملك وكذلك لو حلف لا دخلت مسكن زيد حنث بدخوله الدار التي يسكنها ولو قال هذا المسكن لزيد كان مقرا له بها ولا خلاف في هذه المسألة وهي نظيرة مسألتنا فصل ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استأجرها فلان حنث وإن ركب دابة استعارها لم يحنث ذكره أبو الخطاب وكذلك لو ركب دابة غصبها فلان وفارق مسألة الدار فإنه لم يحنث في الدار لكونه استعارها ولا غصبها وإنما حنث لسكناها بها فأضيفت الدار إليه لذلك ولو غصبها أو استعارها من غير أن يسكنها لم تصح إضافتها إليه ولا يحنث الحالف فيكون كمستعير الدابة وغاصبها سواء
فصل وإن حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يركب دابته ولا يلبس ثوبه فدخل دارا جعلت برسمه أو ركب دابة جعلت برسمه أو لبس ثوبا جعل برسمه حنث وعند الشافعي لا يحنث لأنه لا يملك شيئا والإضافة تقتضي الملك وقد قدمنا الكلام معه في الفصل الذي قبل هذا ويختص هذا الفصل بأن الملكية لا تمكن ها هنا ولا تصح الإضافة بمعناها فتعين حمل الإضافة ها هنا على إضافة الاختصاص دون الملك وإن حلف لا يدخل دار زيد فدخل دار عبده حنث وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لأن دار العبد ملك لسيده وإن حلف لا يلبس ثوب السيد ولا يركب دابته فلبس ثوب عبده وركب دابته حنث وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأن العبد بهما خص ولنا إنهما مملوكان للسيد فتناولتهما يمين الحالف كالدار وما ذكروه يبطل بالدار مسألة قال ( ولو حلف لا يدخل دارا فأدخل يده أو رجله أو رأسه أو شيئا منه حنث ولو حلف أن يدخل لم يبر حتى يدخل بجميعه أما إذا حلف ليدخلن أو يفعل شيئا لم يبر إلا بفعل جميعه والدخول إليها بجملته ) لا يختلف المذهب في شيء من ذلك ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافا لأن اليمين تناولت فعل الجميع كما لو أمره الله تعالى بفعل شيء لم يخرج من عهدة الأمر إلا بفعل الجميع ولأن اليمين على فعل شيء إحبار بفعله في المستقبل مؤكد بالقسم والخبر بفعل شيء يقتضي فعله كله فأما إن حلف لا يدخل فأدخل بعضه ولا يفعل شيئا ففعل بعضه ففيه روايتان إحداهما لا يحنث وحكي عن مالك لأن اليمين يقتضي المنع من فعل المحلوف عليه فاقتضت المنع من فعل الشيء منه كالنهي فنظير الحالف على الدخول قوله تعالى وادخلوا الباب سجدا الأعراف 161 ادخلوا عليهم الباب المائدة 23 فلا يكون المأمور ممتثلا إلا بدخول جملته ونظير الحلف على ترك الدخول قوله سبحانه لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم النور 27 وقوله لا تدخلوا بيوت النبي الأحزاب 53 لا يكون المنهي ممتثلا إلا بترك الدخول كله فكذلك الحالف على ترك الدخول لا يبرأ إلا بتركه كله فمتى أدخل بعضه لم يكن تاركا لما حلف عليه فكان مخالفا كالنهي عن الدخول ووجه الجمع بينهما أن الآمر والناهي يقصد الحمل على فعل الشيء أو المنع منه والحالف يقصد بيمينه ذلك فكانا سواء يحققه أن الآمر بالفعل أو الحالف عليه يقصد فعل الجميع فلا يكون ممتثلا ولا بارا إلا بفعله كله والناهي والحالف على الترك بقصد ترك الجميع فلا يكون ممتثلا ولا بارا إلا بترك الجميع وفاعل البعض ما فعل الجميع ولا ترك الجميع فلا يكون ممتثلا للأمر ولا النهي ولا بارا بالحلف على الفعل ولا الترك والرواية الثانية لا يحنث إلا بأن يدخل كله قال أحمد في رواية صالح وحنبل فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أخيها لم تطلق حتى تدخل كلها ألا ترى أن عوف بن مالك قال كلي أو بعضي لأن الكل لا يكون بعضا والبعض لا يكون كلا وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب أبي حنيفة والشافعي وهكذا كل شيء حلف أن لا يفعله ففعل بعضه لا يحنث حتى يفعل كله لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجه وهي حائض والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد والحائض ممنوعة من اللبث فيه
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب إني لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة فلما أخرج رجله من المسجد علمه إياها ولأن يمينه تعلقت بالجميع فلم تنحل بالبعض كالإثبات وهذا الخلاف في اليمين المطلقة فأما إن نوى الجميع أو البعض فيمينه على ما نوى وكذلك إن اقترنت به قرينة تقتضي أحد الأمرين تعلقت يمينه به فلو قال والله لا شربت هذا النهر أو هذه البركة تعلقت يمينه ببعضه وجها واحدا لأن فعل الجميع ممتنع فلا ينصرف يمينه إليه وكذلك لو قال والله لا آكل الخبز ولا أشرب الماء وما أشبهه مما علق على اسم جنس أو علقه على اسم جمع كالمسلمين والمشركين والفقراء والمساكين فإنما يحنث بالبعض وبهذا قال أبو حنيفة وسلمة أصحاب الشافعي في اسم الجنس دون الجمع وإن علقه على اسم جنس مضاف كماء النهر حنث أيضا بفعل البعض إذا كان مما لا يمكن شربه كله وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر لا يحنث لأن لفظه يقتضي جميعه فلم يتعلق ببعضه كماء الإداوة ولنا إنه لا يمكن شرب جميعه فتعلقت اليمين ببعضه كما لو حلف لا يكلم الناس فتكلم بعضهم وبهذا فارق ماء الإداوة وإن نوى بيمينه فعل الجميع أو كان في لفظه ما يقتضي ذلك لم يحنث إلا بفعل الجميع وإن قال والله لا صمت يوما لم يحنث حتى يكمله وإن حلف لا صليت صلاة ولا أكلت أكلة لم يحنث حتى يكمل الصلاة والأكلة وإن قال لامرأته إن حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر من حيضة مستقبلة وإن قال لامرأتيه إن حضتما فأنتما طالقتان لم تطلق واحدة منهما حتى تحيضا كلتاهما فهذا وأشباهه مما يدل على إرادته فعل الجميع فوجب تعلق اليمين به وقال أحمد في رجل قال لامرأته إذا صمت يوما فأنت طالق إذا غابت الشمس من ذلك اليوم طلقت وقال القاضي إذا حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يسمى صلاة ولو حلف لا يصلي ولا يصوم حنث في الصلاة بتكبيرة الإحرام وفي الصيام بطلوع الفجر إذا نوى الصيام وبهذا قال الشافعي ووافق أبو حنيفة في الصيام وقال في الصلاة لا يحنث حتى يسجد سجدة ولنا إنه يسمى مصليا بدخوله في الصلاة فحنث به كما سجد سجدة ولأنه شرع فيما حلف عليه أشبه الصيام يشرع فيه واختار أبو الخطاب أن لا يحنث حتى يصلي ركعة بسجدتيها ولا يحنث في الصيام حتى يصوم يوما كاملا لأن ما دون ذلك لا يكون بمفرده صوما ولا صلاة والأول أولى فإن كل جزء من ذلك صلاة وصيام لكن يشترط لصحته إتمامه وكذلك يقال لمن أفسد ذلك بطل صومه وصلاته مسألة قال ( ومن حلف ألا يلبس ثوبا وهو لابسه نزعه من وقته فإن لم يفعل حنث ) وجملة ذلك أن من حلف لا يلبس ثوبا هو لابسه فإن نزعه في الحال وإلا حنث وكذلك إن حلف لا يركب دابة هو راكبها فإن نزل في أول حالة الإمكان وإلا حنث وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور لا يحنث باستدامة اللبس والركوب حتى يبتدئه لأنه لو حلف لا يتزوج ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث كذا ها هنا ولنا إن استدامة اللبس والركوب تسمى لبسا وركوبا ويسمى به لابسا وراكبا ولذلك يقال لبست هذا الثوب شهرا وركبت دابتي يوما فحنث باستدامته كما لو حلف لا يسكن فاستدام السكنى وقد اعتبر الشرع هذا في الإحرام حيث حرم لبس المخيط فأوجب الكفارة في استدامته كما أوجبها في ابتدائه وفارق التزويج فإنه لا يطلق على الاستدامة فلا يقال تزوجت شهرا وإنما يقال منذ شهر ولهذا لم تحرم استدامته في الإحرام كابتدائه
فصل فإن حلف لا يتزوج ولا يتطيب ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث في قولهم جميعا لأنه لا يطلق على مستديم هذه الأفعال اسم الفعل فلا يقال تزوجت شهرا ولا تطهرت شهرا ولا تطيبت شهرا وإنما يقال منذ شهر ولم ينزل الشارع استدامة التزويج والطيب منزلة ابتدائها في تحريمه في الإحرام وإيجاب الكفارة فيه فصل وإن حلف لا يدخل دارا هو فيها فأقام فيها ففيه وجهان أحدهما يحنث لأن استدامة المقام في ملك الغير كابتدائه في التحريم قال أحمد في رجل حلف على امرأته لا دخلت أنا وأنت هذه الدار وهما جميعا فيها قال أخاف أن يكون قد حنث والثاني لا يحثن ذكره القاضي واختاره أبو الخطاب وهو قول أصحاب الرأي لأن الدخول لا يستعمل في الاستدامة ولهذا يقال دخلتها منذ شهر ولا يقال دخلتها شهرا فجرى مجرى التزويج ولأن الدخول الانفصال من خارج إلى داخل فهو لا يوجد في الإقامة وللشافعي قولان كالوجهين ويحتمل أن من أحنثه إنما كان لأن ظاهر حال الحالف أنه يقصد هجران الدار ومباينتها والإقامة فيها تخالف ذلك فجرى مجرى الحالف على ترك السكنى به فصل فإن حلف لا يضاجع امرأته على فراش وهما متضاجعان فاستدام ذلك حنث لأن المضاجعة تقع على الاستدامة ولهذا يقال اضطجع على الفراش ليلة وإن كان هو مضطجعا على الفراش وحده فاضطجعت عنده عليه نظرت فإن قام لوقته لم يحنث وإن استدام حنث لما ذكرنا وإن حلف لا يصوم وهو صائم فأتم يومه فقال القاضي يحنث ويحتمل أن يحنث لأن الصوم يقع على الاستدامة يقال صام يوما ولو شرع في صوم يوم العيد فظن أنه في رمضان فبان أنه يوم العيد حرمت عليه استدامته وإن حلف لا يسافر وهو مسافر فأخذ في العود أو أقام لم يحنث وإن مضى في سفره حنث لأن الاستدامة سفر ولهذا يقال سافرت شهرا فصل وإن حلف لا يلبس هذا الثوب وكان رداء في حال حلفه فارتدى به أو ائتزر أو اعتم به أو جعله قميصا أو سراويل أو قباء ولبسه حنث هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي لأنه قد لبسه وإن قال في يمينه لا ألبسه وهو رداء فغيره عن كونه رداء ولبسه لم يحنث لأن اليمين وقعت على ترك لبسه رداء وإن قال والله لا لبست شيئا فلبس قميصا أو عمامة أو قلنسوة أو درعا أو جوشنا أو خفا أو نعلا حنث وقال أصحاب الشافعي في الخف والنعل وجهان أحدهما لا يحنث ولنا إنه ملبوس حقيقة وعرفا فحنث به كالثياب وفي الحديث أن النجاشي أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خفين فلبسهما وقيل لابن عمر إنك تلبس هذا النعال قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسهما وإن ترك القلنسوة في رجله أو أدخل يده في الخف أو النعل لم يحنث لأنه ذلك ليس بلبس لهما فصل وإن حلف ليلبسن امرأته حليا فلبسها خاتما من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده بر في يمينه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يبر لأنه ليس بحلي وحده ولنا قول الله تعالى وتستخرجوا منه حلية تلبسونها النحل 14 وقال تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا الحج 23 وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو أنه قال قال الله تعالى للبحر الرقي إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولأن الفضة حلي إذا كانت سوارا أو خلخالا فكانت حليا إذا كانت خاتما كالذهب والجوهر واللؤلؤ حلي مع غيره فكان حليا وحده كالذهب وإن ألبسها عقيقا أو سبجا لم يبر وقال الشافعي إن كان من أهل السواد بر وفي غيرهم وجهان لأن هذا حلي في عرفهم ولنا إن هذا ليس بحلي فلا يبر به كالودع وخرز الزجاج وما ذكروه يبطل بالودع وإن حلف لا يلبس حليا فلبس دراهم أو دنانير في مرسلة ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لأنه ليس بحلي إذا لم يلبسه فكذلك إذا لبسه
والثاني يحنث لأنه ذهب وفضة لبسه فكان حليا كالسوار والخاتم وإن لبس سيفا محلى لم يحنث لأن السيف ليس بحلي وإن لبس منطقة محلاة ففيه وجهان أحدهما لا يحنث لأن الحلية لها دونه فأشبه السيف المحلى والثاني يحنث لأنها من حلي الرجال ولا يقصد بلبسها محلاة في الغالب إلا التجمل بها وإن حلف لا يلبس خاتما فلبسه في غير الخنصر من أصابعه حنث وقال الشافعي لا يحنث لأن اليمين تقتضي لبسا معينا معتادا وليس هذا معتادا فأشبه ما لو أدخل القلنسوة في رجله ولنا إنه لابس لما حلف على ترك لبسه فأشبه ما لو ائتزر بالسراويل وأما إدخال القلنسوة في رجله فهو عبث وسفه بخلاف هذا فإنه لا فرق بين الخنصر وغيرها إلا من حيث الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر مسألة قال ( ولو حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وبكر حنث إلا أن يكون أراد أن لا ينفرد أحدهما بالشراء ) وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي لا يحنث وذكره أبو الخطاب احتمالا لأن كل جزء لم ينفرد أحدهما بشرائه فلم يحنث به كما لو حلف لا يلبس ثوبا اشتراه زيد فلبس ثوبا اشتراه زيد وهو وغيره ولنا إن زيدا مشتر لنصفه وهو طعام وقد أكله فيجب أن يحنث كما لو اشتراه زيد ثم خلطه بما اشتراه عمرو فأكل الجميع وأما الثوب فلا نسلم وإن سلمناه فالفرق بينهما أن نصف الثوب ليس بثوب ونصف الطعام طعام وقد أكله بعد أن اشتراه زيد وإن اشترى زيد نصفه مشاعا أو اشترى نصفه ثم اشترى الآخر باقيه فأكل منه حنث والخلاف فيه على ما تقدم ولو اشترى زيد نصفه معينا ثم خلطه بالنصف الآخر فأكل الجميع أو أكثر من النصف حنث بغير خلاف لأنه أكل مما اشتراه زيد يقينا وإن أكل نصفه أو أقل من نصفه ففيه وجهان أحدهما يحنث لأنه يستحيل في العادة انفراد ما اشتراه زيد من غيره فيكون الحنث ظاهرا ظهورا كثيرا والثاني لا يحنث لأن الأصل عدم الحنث ولم يتيقن أكله مما اشتراه زيد وكل موضع لا يحنث فحكمه حكم من حلف لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وإن أكل من طعام اشتراه زيد ثم باعه أو اشتراه لغيره حنث ويحتمل أن لا يحنث فصل وإن حلف لا يلبس من عزل فلانة فلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها حنث وبه قال الشافعي وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها وغزل غيرها ففيه روايتان إحداهما يحنث كالتي قبلها والثانية لا يحنث وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه لم يلبس ثوبا كاملا من غزلها وكذلك إن حلف لا يلبس ثوبا نسجه زيد ولا يأكل من قدر طبخها ولا يدخل دارا اشتراها ولا يلبس ثوبا خاطه زيد فلبس ثوبا نسجه هو وغيره أو خاطاه أو أكل من قدر طبخاها أو دخل دارا اشترياها ففي هذا كله من الخلاف والقول مثلما في المسألة الأولى وإن حلف أن لا يلبس ما خاطه زيد حنث بلبس ثوب خاطاه جميعا لأنه ليس مما خاطه زيد بخلاف ما إذا قال ثوبا خاطه زيد وإن حلف أن لا يدخل دارا لزيد فدخل دارا له ولغيره خرج فيه وجهان والخلاف فيها على ما مضى مسألة قال ( ولو حلف لا يزورهما أو لا يكلملهما فزار أو كلم أحدهما حنث إلا أن يكون أراد ألا يجتمع فعله بهما ) يمكن أن تكون هذه المسألة مبنية على من حلف أن لا يفعل شيئا ففعل بعضه فإن هذا حالف على كلام شخصين وزيارتهما فتكليمه أحدهما وزيارته فعل لبعض ما حلف عليه وقد مضى الكلام في هذا ويمكن أن يقال تقدير يمينه لا كلمت هذا ولا كلمت هذا لأن المعطوف يقدر له بعد حرف العطف فعل وعامل مثل العامل الذي قبل المعطوف عليه فيصير كقوله سبحانه حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم النساى 23
أي وحرمت عليكم بناتكم فيصيركل واحد منهما محلوفا عليه منفردا فيحنث به فإن قصد ألا يجتمع فعله بهما لم يحنث إلا بذلك لأنه قصد بيمينه ما يحتمله فانصرف إليه وإن قصد ترك كلام كل واحد منهما منفردا حنث بفعله لأنه عقد يمينه على ترك ذلك وإن قال والله لا كلمت زيدا ولا عمرا حنث بكلام كل منهما بغير إشكال فإن هذا يقتضي ترك كلام كل واحد منهما منفردا قال الله تعالى ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا الفرقان 3 أي لا يملكون شيئا من ذلك فصل فإن قال أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا أو عبدي حر إن كلمت زيدا وعمرا لم يقع الطلاق ولا العتف إلا بتكليمها لأنه جعل تكليمهما معا شرط لوقوع ذلك ولا يثبت المشروط إلا بوجود الشرط جميعه وكذلك لو قال لامرأتيه إن حضتما فأنتما طالقتان لم يقع الطلاق على كل واحدة منهما إلا بحيضهما جميعا وتفارق اليمين بالله تعالى فإن مقتضاها المنع من فعل المحلوف عليه فتحصل المخالفة بفعل البعض وقد جمع بعض أصحابنا بينهما في الحنث بفعل البعض لكون المقصود من الحلف كله على ترك شيء المنع من فعله فيستويان أما إذا قال إذا حضتما فأنتما طالقتان فليس ذلك بيمين لأنه لا يقصد بهذا منع من شيء ولا حث عليه إنما هو شرط مجرد وليس فيه معنى اليمين فصل ومن حلف على فعل شيء فقال والله لا آكل خبزا ولحما ولا زبدا ولا تمرا ولا أدخل هاتين الدارين ولا أعصي الله في هذين البلدين ولا أمسك هاتين المرأتين ففعل بعض ما حلف عليه مثل أن أكل أحدهما أو دخل إحدى الدارين أو عصى الله في أحد البلدين أو أمسك إحدى المرأتين فهل يحنث يخرج على روايتين وإن قصد بيمينه أن لا يجمع بينهما أو المنع من كل واحد منهما فيمينه على ما نواه وإن قال والله لا آكل سمكا وأشرب لبنا بالفتح وهو من أهل العربية لم يحنث إلا بالجمع بينهما لأن الواو ها هنا بمعنى مع ولذلك اقتضت الفتح وإن عطفت أحدهما على الآخر بتكرار لا اقتضى المنع من كل واحد منهما منفردا وحنث بفعله مسألة قال ( ولو حلف أن لا يلبس ثوبا فاشترى به أو بثمنه ثوبا فلبسه حنث إذا كان ممن امتن عليه بذلك الثوب وكذلك إن انتفع بثمنه هذه المسألة فرع أصل تقدم ذكره في أول الباب وهو أن الأسباب معتبرة في الأيمان فيتعدى الحكم بتعديها فإذا امتن عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه لتنقطع المنة به حنث بالانتفاع به في غير اللبس من أخذ ثمنه لأنه نوع انتفاع به يلحق المنة به وإن لم يقصد المنة قطع ولا كان سبب يمينه يقتضي ذلك لم يحنث إلا بما تناولته يمينه وهو لبسه خاصة فلو أبدله بثوب غيره ثم لبسه أو انتفع به في غير اللبس أو باعه وأخذ ثمنه لم يحنث لعدم تناول اليمين له لفظا ونية وسببا فصل وإن فعل شيئا عليه فيه لها منة سوى الانتفاع بالثوب وبعضه مثل أن سكن دارها أو أكل طعامها أو لبس ثوبا لها غير المحلوف عليه لم يحنث لأن المحلوف عليه الثوب فتعلقت يمينه به أو بما حصل به ولم يتعد إلى غيره لاختصاص اليمين والسبب به فصل وإن امتنت عليه امرأته بثوب فحلف أن لا يلبسه قطعا لمنتها فاشتراه غيره ثم كساه إياه أو اشتراه الحالف ولبسه على وجه لا منة لها فيه فهل يحنث على وجهين أحدهما يحنث لمخالفته ليمينه ولأن لفظ الشارع إذا كان أعم من السبب وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذا في اليمين ولأنه لو خاصمته امرأة له فقال نسائي طوالق طلقهن كلهن وإن كان سبب الطلاق واحدة كذا ها هنا والثاني لا يحنث لأن السبب اقتضى تقييد لفظه بما وجد فيه السبب فصار كالمنوي أو كما لو خصصه بقرينة لفظية
مسألة قال ( ولو حلف أن لا يأوي مع زوجته في دار فأوى معها في غيرها حنث إذا كان أراد بيمينه جفاى زوجته ولم يكن للدار سبب هيج يمينه ) وهذه أيضا من فروع اعتبار النية وذلك أنه متى قصد جفاءها بترك الأوى معها ولم يكن للدار أثر في يمينه كان ذكر الدار كعدمه وكأنه حلف ألا يأوي معها فإذا أوى معها في غيرها فقد أوى معها فحنث لمخالفته ما حلف على تركه وصار هذا بمنزلة سؤال الأعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعت أهلي في نهار رمضان فقال أعتق رقبة لما كان ذكر لأهله لا أثر له إيجاب الكفارة حذفناه من السبب وصار السبب الوقاع سواى كان للأهل أو لغيرهم وإن كان للدار أثر في يمينه مثل إن كان يكره سكناها أو خوصهم من أحلها أو امتن عليه بها لم يحنث إذا أوى معها في غيرها لأنه قصد بيمينه الجفاء في الدار بعينها فلم يخالف ما حلف عليه وإن عدم السبب والنية لم يحنث إلا بفعل ما تناوله لفظه وهو الأوي معها في تلك الدار بعينها لأنه يجب اتباع لفظه إذا لم تكن نية ولا سبب يصرف اللفظ عن مقتضاه أو يقتضي زيادة عليه ومعنى الأوي الدخول فمتى حلف لا يأوي معها فدخل معها الدار حنث قليلا كان لبثهما أو كثيرا قال الله تعالى مخبرا عن فتى موسى إذ أوينا إلى الصخرة الكهف 63 قال ما كان ذلك إلا ساعة أو ما شاء الله يقال أويت أنا وأويت غيري قال الله تعالى إذ أوى الفتية إلى الكهف الكهف 10 وقال الله تعالى وآويناهما إلى ربوة المإمنون 50 فصل وإن برها بهدية أو غيرها أو اجتمع معها فيما ليس بدار ولا بيت لم يحنث سواء كان الدار سبب في يمينه أو لم يكن لأنه قصد جفاءها بهذا النوع فلم يحنث بغيره وإن حلف لا يأوي معها في دار لسبب فزال السبب الموجب ليمينه مثل إن كان السبب امتنانها بها عليه فملك الدار أو صارت لغيرها فأوى معها فيها فهل يحنث على وجهين تقدم ذكرهما وتعليلهما فصل فإن حلف أن لا يدخل عليها فيما ليس ببيت فحكمه حكم المسألة التي قبلها وإذا قصد جفاءها ولم يكن البيت سبب هيج يمينه حنث وإلا فلا فإن دخل على جماعة هي فيهم يقصد الدخول عليها معهم حنث وكذلك إن لم يقصد شيئا وإن استثناها بقلبه ففيه وجهان أحدهما لا يحنث كما لو حلف ألا يسلم عليها فسلم على جماعة هي فيهم يقصد بقلبه السلام على غيرها فإنه لا يحنث
والثاني يحنث لأن الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالقصد وقد وجد في حق الكل على السواء وهي فيهم فحنث به كما لو لم يقصد استثناءها وفارق السلام فإنه قول يصح تخصيصه بالقصد ولهذا يصح أن يقال السلام عليكم إلا فلانا ولا يصح أن يقال دخلت عليكم إلا فلانا ولأن السلام قول يتناول ما يتناول الضمير في عليكم والضمير عام يصح أن يراد به الخاص فصح أن يراد به من سواها والفعل لا يتأتى هذا فيه وإن دخل بيتا لا يعلم أنها فيه فوجدها فيه كالدخول عليها ناسيا فإن قلنا لا يحنث بذلك فخرج حين علم بها لم يحنث وكذلك إن حلف لا يدخل عليها فدخلت هي عليه فخرج في الحال لم يحنث وإن أقام فهل يحنث على وجهين بناء على من حلف لا يدخل دارا هو فيها فاستدام المقام بها فهل يحنث على وجهين مسألة قال ( ولو حلف أن يضرب عبده في غد فمات الحالف من يومه فلا حنث عليه وإن مات العبد حنث ) أما إذا مات الحالف من يومه فلا حنث عليه لأن الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل الغد فلا يمكن حثه وكذلك إن جن الحالف في يومه فلم يفق إلا بعد خروج الغد لأنه خرج عن كونه من أهل التكليف وإن هرب العبد أو مرض العبد أو الحالف أو نحو ذلك فلم يقدر على ضربه في الغد حنث وإن لم يمت الحالف ففيه مسائل أحدها أن يضرب العبد في غد أي وقت كان منه فإنه يبر في يمينه بلا خلاف الثانية أمكنه ضربه في غد فلم يرضبه حتى مضى الغد وهما في الحياة حنث أيضا بلا خلاف الثالثة مات العبد من يومه فإنه يحنث وهذا أحد قولي الشافعي ويتخرج ألا يحنث وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشفاعي لأنه فقد ضربه بغير اختياره فلم يحنث كالمكره والناسي والثالثة مات العبد من يومه فإنه يحنث وهذا أحد قولي الشافعي ويتخرج ألا يحنث وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي لأنه فقد ضربه بغير اختياره فلم يحنث كالمكره والناسي ولنا إنه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان وهو من أهل الحنث فحنث كما لو أتلفه باختياره وكما لو حلف ليحجن العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم النفقة وفارق الإكراه والنسيان فإن الإمتناع لمعنى في الحالف وها هنا الإمتناع لمعنى في المحل فأشبه ما لو ترك ضربه لصعوبته أو ترك الحالف الحج لصعوبة الطريق وبعدها عليه فأما إن كان تلف المحلوف عليه بفعله واختياره حنث وجها واحدا لأنه فوت الفعل على نفسه قال القاضي ويحنث الحالف ساعة موته لأن يمينه انعقدت من حين حلفه وقد تعذر عليه الفعل في الحال كما لو لم يؤقت ويتخرج ألا يحنث قبل الغد لأن الحنث مخالفة ما عقد يمينه عليه فلا تحصل المخالفة إلا بترك الفعل في وقته الرابعة مات العبد في غد قبل التمكن من ضربه فهو كما لو مات في يومه الخامسة مات في غد بعد التمكن من ضربه قبل ضربه فإنه يحنث وجها واحدا وقال بعض أصحاب الشافعي يحنث قولا واحدا وقال بعضهم فيه قولان ولنا إنه يمكنه ضربه في وقته فلم يضربه فحنث كما لو مضى الغد قبل ضربه السادسة مات الحالف في غد بعد التمكن من ضربه فلم يضربه حنث وجها واحدا لما ذكرنا السابعة ضربه في يومه فإنه لا يبر وهذا قول أصحاب الشافعي وقال القاضي وأصحاب أبي حنيفة يبر لأن يمينه للحث على ضربه فإذا ضربه اليوم فقد فعل المحلوف عليه وزيادة فأشبه ما لو حلف ليقضينه حقه في غد فقضاه اليوم
ولنا إنه لم يفعل المحلوف عليه في وقته فلم يبر كما لو حلف ليصومن يوم الجمعة فصام يوم الخميس وفارق قضاء الدين فإن المقصود تعجيله لا غير وفي قضاى اليوم زيادة في التعجيل فلا يحنث فيها لأنه علم من قصده إرادة أن لا يتجاوز غدا بالقضاء فصار كالملفوظ به إذا كان مبنى الأيمان على النية ولا يصح قياس ما ليس بمثله عليه وسائر المحلوفات لا نعلم منها إرادة التعجيل عن الوقت الذي وقته لها فامتنع الإلحاق وتعين التمسك باللفظ الثامنة ضربه بعد موته لم يبر لأن اليمين تنصرف إلى ضربه حيا يتألم بالضرب وقد زال هذا بالموت التاسعة ضربه ضربا لا يؤلمه لم يبر لما ذكرناه العاشرة خنقة أو نتف شعره أو عصر ساقه بحيث يؤلمه فإنه يبر لأنه يسمى ضربا لما تقدم ذكرنا له الحادية عشرة جن العبد فضربه فإنه يبر لأنه حي يتألم بالضرب وإن لم يضربه حنث وإن حلف لا يضربه في غد ففيه نحو من هذه المسائل ومتى فات ضربه بموته أو غيره لم يحنث لأنه لم يضربه فصل وإن قال والله لأشربن ماء هذا الكوز غدا فاندفق اليوم أو لآكلن هذا الخبز غدا فتلف فهو على نحو مما ذكرنا في العبد قال صالح سألت أبي عن الرجل يحلف أن يشرب هذا الماء فانصب قال يحنث وكذلك إن حلف أن يأكل هذا الرغيف فأكله كلب قال يحنث لأن هذا لا يقدر عليه مسألة قال ( ومن حلف ألا يكلمه حينا فكلمه قبل الستة أشهر حنث ) وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يكلمه حينا فإن قيد ذلك بلفظه أو بنيته بزمن تقيد به وإن أطلقه انصرف إلى ستة أشهر روي ذلك عن ابن عباس وهو قول أصحاب الرأي وقالمجاهد والحكم وحماد ومالك هو سنة لقول الله تعالى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها إبراهيم 25 أي كل عام وقال الشافعي وأبو ثور لا قدر له ويبر بأدنى زمن لأن الحين اسم مبهم يقع على القليل والكثير قال الله تعالى ولتعلمن نبأه بعد حين ص 88 قيل أراد يوم القيامة وقال هل أتى على الإنسان حين من الدهر الإنسان 1 وقال فذرهم في غمرتهم حتى حين المؤمنون 54 وقال حين تمسون وحين تصبحون الروم 17 ويقال جئت منذ حين وإن كان أتاه من ساعة ولنا إن الحين المطلق في كلام الله أقله ستة أشهر قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله تعالى تؤتي أكلها كل حين إبراهيم 25 إنه ستة أشهر فيحمل مطلق كلام الآدمي على مطلق كلام الله تعالى ولأنه قول ابن عباس ولا نعلم أنه مخالفا في الصحابة وما استشهدوا به من المطلق في كلام الله تعالى فيما ذكرناه أقله فيحمل عليه لأنه اليقين فصل فإن حلف لا يكلمه حقبا فذلك ثمانون عاما وقال مالك أربعون عاما لأن ذلك يروى عن ابن عباس وقال القاضي وأصحاب الشافعي هو أدنى زمان لأنه لم ينقل فيه عن أهل اللغة تقدير ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعاللى لابثين فيها أحقابا النبأ 23 الحقب ثمانون سنة وما ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لا يصح لأن قول ابن عباس حجة ولأن ما ذكروه يفضي إلى حمل كلام الله تعالى لابثين فيها أحقابا وقول موسى أو أمضي حقبا إلى اللكنة لأنه أخرج ذلك مخرج التكثير فإذا صار معنى ذلك لابثين فيها النبأ ساعات ولحظات أو أمضى لحظات أو ساعات صار مقتضى ذلك التقليل وهو ضد ما أراد الله تعالى بكلامه وضد المفهوم منه ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به
فصل فإذا حلف لا يكلمه زمنا أو وقتا أو دهرا أو عمرا أو مليا أو طويلا أو بعيدا أو قريبا بر بالقليل والكثير في قول أبي الخطاب ومذهب الشافعي لأن هذه الأسماء لا حد لها في اللغة وتقع على القليل والكثير فوجب حمله على أقل ما يتناوله اسمه وقد يكون القرب بعيدا بالنسبة إلى ما هو أقرب منه وقريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه ولا يجوز التحديد بالتحكم وإنا يصار إليه بالتوقيف ولا توقفي ها هنا فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما يتناوله الاسم وقالابن أبي موسى الزمان ثلاثة أشهر وقال طلحة العاقولي الحين والزمان والعمر واحد لأنهم لا يفرقون في العادة بينهما والناس يقصدون بذلك التبعيد فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف والدهر يحتمل أنه كالحين أيضا لهذا المعنى وقال في بعيد ومليء وطويل هو أكثر من شهر وهذا قول أبي حنيفة لأن ذلك ضد القليل ولا يجوز حمله على ضده ولو حمل على أربعين عاما كان حسنا لقول الله تعالى مخبرا عن نبيه عليه السلام فقد لبثت فيكم عمرا من قبله يونس 16 وكان أربعين سنة فيجب حمل الكلام عليه ولأن العمر في الغالب لا يكون إلا مدة طويلة فلا يحمل على خلاف ذلك فصل فإن حلف لا يكلمه الدهر أو الأبد أو الزمان فذلك على الأبد لأن ذلك بالألف واللام وهي للاستغراق فتقتضي الدهر كله فصل فإن حلف على أيام فهي ثلاثة لأنها أقل الجمع قال الله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات البقرة 203 وهي أيام التشريق وإن حلف على أشهر فهي ثلاثة لأنها أقل الجمع وإن حلف على شهور فاختار أبو الخطاب أنها ثلاثة لذلك وقال غيره يتناول يمينه اثني عشر شهرا لقول الله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا التوبة 36 ولأن الشهور جمع الكثرة وأقله عشرة فلا يحمل على ما يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة مسألة قال ( وإذا حلف أن يقضيه حقه في وقت فقضاه قبله لم يحنث إذا كان أردا بيمينه ألا يجاوز ذلك الوقت ) وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد وأبو ثور وقال الشافعي يحنث إذا قضاه قبله لأنه ترك فعل ما حلف عليه مختارا فحنث كما لو قضاه بعده ولنا إن مقتضى هذا اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد فإذا قضاه قبله فقد قضى قبل خروج الغد وزاد خيرا ولأن مبنى الأيمان على النية ونية هذا بيمينه ترك تعجيل القضاء قبل خروج الغد فتعلقت يمينه بهذا المعنى كما لو صرح به فإن لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين فإن كان تقتضي التعجيل فهو كما لو نواه لأن السبب يدل على النية وإن لم ينو ذلك ولا كان السبب يقتضيه ظاهر كلام الخرقي أنه لا يبر إلا بقضائه في الغد فلا يبر بقضائه قبله وقال القاضي يبر على كل حال لأن اليمين للحث على الفعل فمتى عجله فقد أتى بالمقصود فيه كما لو نوى ذلك والأول أصح إن شاء الله لأنه ترك فعل ما تناولته يمينه لفظا ولم تصرفها عنه نية ولاسبب فتصرف كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجبا و يحتمل ما قاله القاضي في القضاء خاصة لأن عرف هذه اليمين في القضاء التعجيل فتصرف اليمين المطلقة إليه فصل فأما غير قضاء الحق كأكل شيء أو شربه أو بيع شيء أو شرائه أو ضرب عبد ونحوه فمتى عين وقته ولم ينو ما يقتضي تعجيله ولا كان سبب يمينه يقتضيه لم يبر إلا بفعله في وقته وذكر القاضي أنه يبر بتعجيله عن وقته وحكي ذلك عن أصحاب أبي حنيفة ولنا إنه لم يفعل المحلوف عليه في وقته من غير نية تصرف يمينه ولا سبب فيحنث كالصيام ولو فعل بعض المحلوف عليه قبل وقته وبعضه في وقته لم يبر لأن اليمين في الإثبات لا يبر فيها إلا بفعل جميع المحلوف عليه فترك بعضه في وقته كترك جميعه إلا أن ينوي أن لا يجاوز ذلك الوقت أو يقتضي ذلك سببها
فصل ومن حلف لا يبيع ثوبه بعشرة فباعه بها أو بأقل منها حنث وإن باعه بأكثر منها لم يحنث وقال الشافعي لا يحنث إذا باعه بأقل لأنه لم يتناول يمينه ولنا إن العرف في هذا أن لا يبيعه بها ولا بأقل منها بدليل أنه لو وكل في بيعه إنسانا وأمره أن لا يبيعه بعشرة لم يكن له بيعه بأقل منها ولأن هذا تنبيه على امتناعه من بيعه بما دون العشرة والحكم يثبت بالنية كثبوته باللفظ فإن حلف لا اشتريته بعشرة فاشتراه بأقل لم يحنث وإن اشتراه بها أو بأكثر منها حنث لما ذكرنا ومقتضى مذهب الشافعي أن لا يحنث إذا اشتراه بأكثر منها لأن يمينه لم تتناوله لفظا ولنا إنها تناولته عرفا وتنبيها فكان حانثا كما لو حلف ما له علي حبة فإنه يحنث إذا كان له عليه أكثر منها ويبرأ بيمينه مما زاد عليها كبراءته منها قيل لأحمد رجل إن حلف لا ينقص هذا الثوب عن كذا قال قد أخذته ولكن هب لي كذا قال هذا حيلة قيل له فإن قال البائع بعتك بكذا وأهب لفلان شيئا آخر قال هذا كله ليس بشيء فكرهه فصل فإن حلف ليقضينه حقه في غد فمات الحالف من يومه لم يحنث لما ذكرنا فيما إذا حلف ليضربن عبده في غد فمات من يومه وإن مات المستحق فحكي عن القاضي أنه يحنث لأنه قد تعذر قضاؤه فأشبه ما له حلف ليضربن عبده غدا فمات العبد قبل اليوم وقال أبو الخطاب إن قضى ورثته لن يخنث لأن قضاى ورثته يقوم مقام قضائه في إبراى ذمته فكذلك في البر في يمينه بخلاف ما إذا مات العبد فإنه لا يقوم ضرب غيره مقام ضربه وقال أصحاب الرأي وأبو ثور تنحل اليمين بموت المستحق ولا يحنث سواء قضى ورثته أو لم يقضهم لأنه تعذر عليه فعل ما حلف عليه بغير اختياره أشبه المكره وقد سبق الكلام على هذا في مسألة من حلف ليضربن عبده غدا فمات العبد اليوم وإن أبرأه المستحق من الحق فهل يحنث على وجهين بناء على المكره هل يحنث على روايتين وإن قضاه عوضا عن حقه لم يحنث عند ابن حامد لأن قد قضى حقه وقال القاضي يحنث لأنه لم يقضه الحق الذي عليه بعينه فصل فإن حلف ليقضيه عند رأس الهلال أو مع رأسه أو إلى رأس الهلال أو إلى استهلاله أو عند رأس الشهر أو مع رأسه فقضاه عند غروب الشمس من ليلة الشهر بر في يمينه وإن أخر ذلك مع إمكانه حنث وإن شرع في عده أو كيله أو وزنه فتأخر القضاء لكثرته لم يحنث لأنه لم يترك القضاء وكذلك إذا حلف ليأكلن هذا الطعام في هذا الوقت فشرع في أكله فيه فتأخر الفراغ لكثرته لم يحنث لأن أكله كله غير ممكن في هذا الوقت اليسير فكانت يمينه على الشروع فيه في ذلك الوقت أو على مقارنة فعله فذلك الوقت للعلم بالعجز عن غير ذلك ومذهب الشافعي في هذا كله كما ذكره مسألة قال ( ولو حلف أن لا يشرب ماء هذا الإنباء فشرب بعضه حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشربه كله ) وجملة ذلك أنه إذا حلف ليفعلن شيئا لم يبر إلا بفعل جميعه وإن حلف أن لا يفعله وأطلق ففعل بعضه ففيه روايتان تقدم ذكرهما وإن نوى فعل جميعه أو كان في يمينه ما يدل عليه لم يحنث إلا بفعل جميعه وإن نوى فعل البعض أو كان في يمينه ما يدل عليه حنث بفعل البعض رواية واحدة فإن حلف لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه فهل يحنث بذلك فيه روايتان وإن حلف لا يشرب ماء دجلة أو ماء هذا النهر حنث بشرب أدنى شيء منه لأن شرب جميعه ممتنع بغير يمينه فلا حاجة إلى توكيد المنع بيمينه فتصرف يمينه إلى منع نفسه مما يمكن فعله وهو شرب البعض كما لو حلف لا شربت الماء وبهذا قال أبو حنيفة