Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V10/P267–V10/P268

فصل وإن خلف ابنا مسلما وأخا كافرا فاختلفا في دينه حال الموت فالحكم فيها كالتي قبلها وهكذا سائر الأقارب إلا أن يخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين أو غيرهما من الأقارب ويختلفون في دينه فإن كون الأبوين كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه لأن الولد قبل بلوغه محكوم له بدين أبويه فثبت أنه كان كافرا وإن الابنين يدعيان إسلامه فيكون القول قول الأبوين وإن كانا مسلمين فالقول قولهما في إسلامه لأن كفره ينبني على أنه كان مسلما فارتد أو أن أبويه كانا كافرين فأسلما بعد بلوغه والأصل خلافه فصل ولو مات مسلم وخلف زوجة وورثة سواها وكانت الزوجة كافرة ثم أسلمت فادعت أنها أسلمت قبل موته فأنكرها الورثة فالقول قول الورثة لأن الأصل عدم ذلك وإن لم يثبت أنها كافرة فادعى عليها الورثة أنها كانت كافرة فأنكرتهم فالقول قولها لأن الأصل عدم ما ادعوه عليها وإن ادعوا أنه طلقها قبل موته فأنكرتهم فالقول قولها وإن اعترفت بالطلاق وانقضاء العدة وادعت أنه راجعها فالقول قولهم وإن اختلفوا في انقضاء عدتها فالقول قولها في أنها لم تنقض لأن الأصل بقاؤها ولا نعلم في هذا كله خلافا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور ولو خلف ولدين مسلمين اتفقا على أن أحدهما كان مسلما حين موت أبيه وادعى الآخر أنه أسلم في حياة أبيه وجحده أخوه فالميراث للمتفق عليه لأن الأصل بقاء الكفر إلى أن يعلم زواله وعلى أخيه اليمين ويكون على نفي العلم لأنها على نفي فعل أخيه إلا أن يكون ثبت أنه كان مسلما قبل القسمة فإن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم قسم له وإن كان أحدهما حرا والآخر رقيقا ثم عتق واختلفا في حريته عند الموت فالقول قول من ينفيها وإن لم يثبت أنه كان رقيقا ولا كافرا فادعى عليه أنه كان كذلك فأنكر فالقول قوله والميراث بينهما لأن الأصل الحرية والإسلام وعدم ما سواهما فصل وإن أسلم أحد الابنين في غرة شعبان وأسلم الآخر في غرة رمضان واختلفا في موت أبيهما فقال الأول منهما مات في شعبان فورثته وحدي وقال الآخر مات في رمضان فالميراث بينهما لأن الأصل بقاء حياته حتى يعلم زوالها فإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه ففيه وجهان أحدهما يتعارضان والثاني تقدم بينة موته في شعبان لأن معها زيادة علم لأنها بينت موته في شعبان ويجوز أن يخفى ذلك على البينة الأخرى فصل وإن اختلفا في دار فادعى أحدهما أن هذه داري ورثتها من أبي وادعى الآخر أنها داره ورثها من أبيه وليس أحدهما أخا للآخر وكانت في يد أحدهما فهي للذي في يده سواء كان مسلما أو كافرا وإن كانت في أيديهما فهي بينهما وإن كان لكل واحد منهما بينة وهي في أيديهما تعارضتا وكان الحكم فيها على ما قدمنا في مثلها مسألة قال ( وإذا ماتت امرأة وابنها فقال زوجها ماتت قبل ابنها فورثناها ثم مات ابني فورثته وقال أخوها مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين ) وجملته أنه إذا ماتت جماعة يرث بعضهم بعضا واختلف الأحياء من ورثتهم في أسبقهم بالموت كامرأة وابنها ماتا فقال الزوج ماتت المرأة أولا فصار ميراثها كله لي ولابني ثم مات ابني فصار ميراثه لي وقال أخوها مات ابنها أولا فورثت ثلث ماله ثم ماتت فكان ميراثها بيني وبينك نصفين حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وجعلنا ميراث كل واحد منهما للأحياء من ورثته دون من مات معه لأن سبب استحقاق الحي من موروثه موجود وإنما يمتنع لبقاء موروث الآخر بعده وهذا أمر مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك فيكون ميراث الابن لأبيه لا مشارك له فيه وميراث المرأة بين أخيها وزوجها نصفين وهذا مذهب الشافعي

قسم V10/P268–V10/P269

فإن قيل فقد أعطيتم الزوج نصف ميراث المرأة وهو لا يدعي إلا الربع قلنا بله هو مدع له كله ربعه بميراثه منها وثلاثة أرباعه بإرثه من ابنه قال أبو بكر وقد ثبتت البنوة بيقين فلا يقطع ميراث الأب منه إلا ببينة تقوم للأخ وهذا تعليل لقول الخرقي في هذه المسألة وذكر قولا آخر أنه يحتمل أن الميراث بينهما نصفين قال وهذا اختياري أن كل رجلين ادعيا ما لا يمكن صدقهما فيه فهو بينهما نصفين وهذا لا يدري ما أراد به إن أراد أن مال المرأة بينهما نصفين فهو قول الخرقي وليس بقول آخر وإن أراد أن مالها ومال الابن بينهما نصفين لم يصح لأنه يفضي إلى إعطاء الأخ ما لا يدعيه ولا يستحقه يقينا لأنه لا يدعي من مال الابن أكثر من سدسه ولا يمكن أن يستحق أكثر منه وإن أراد أن ثلث مال الابن يضم إلى مال المرأة فيقتسمانه نصفين لم يصح لأن نصف ذلك للزوج باتفاق منهما لا ينازعه الأخ فيه وإنما النزاع بينهما في نصفه ويحتمل أن يكون هذا مراده كما لو تنازع الأخ فيه وإنما النزاع بينهما خفي كما لو تنازع رجلان دارا في أيديهما فادعاها أحدهما كلها وادعى الآخر نصفها فإنها تقسم بينهما نصفين وتكون اليمين على مدعي النصف إلا أن الفرق بين هذه المسألة وتلك أن الدار في أيديهما فكل واحد منهما في يده نصفها فمدعي النصف يدعيه وهي في يده فقبل قوله فيه مع يمينه وفي مسألتنا يعترفان أن هذا ميراث عن الميتين فلا بد لأحدهما عليه لاعترافهما بأنه لم يكن لهما وإنما هو ميراث يدعيانه عن غيرهما وإن أراد أن يضم سدس مال الابن إلى نصف مال المرأة فيقسم بينهما نصفين فله وجه لأنهما تساويا في دعواه فيقسم بينهما كما لو تنازعا دابة في أيديهما وعلى كل واحد منهما اليمين فيما حكم له به والذي يقتضيه قول أصحابنا في الغرقى والهدمى أن يكون سدس ميراث اللابن للأخ وباقي الميراثين للزوج لأننا نقدر أن المرأة ماتت أولا فيكون ميراثها لابنها وزوجها ثم مات الابن فورث الزوج كل ما في يده فصار ميراثها كله لزوجها ثم نقدر أن الابن مات أولا فورثه أبواه لأمه الثلث ثم ماتت فصار الثلث بين أخيها وزوجها نصفين لكل واحد منهما السدس فلم يرث الأخ إلا سدس مال الابن كما ذكرنا ولعل هذا القول يختص بمن جهل موتهما واتفق وراثهما على الجهل به والقولان المتقدمان قول الخرقي وقول أبي بكر فيما إذا ادعى ورثة كل ميت أنه مات أخيرا وأن الآخر مات قبله فإن كان لأحدهما بينة بما ادعاه حكم بها وإن أقاما بينتين تعارضتا وهل تسقطان أو تستعملان فيقرع بينهما أو يقتسمان ما اختلفا فيه يخرج على الروايات الثلاث والله أعلم فصل ولو كان في يد رجل دار فادعت امرأته أنه أصدقها إياها أو أنها اشترتها منه فأنكرها فالقول قوله مع يمينه لأن القول قول المنكر مع يمينه وإن أقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة المرأة لأنها تشهد بزيادة خفيت على بينة الزوج وإن مات الرجل وخلف ابنا فادعى الابن أنه خلف الدار ميراثا وادعت المرأة أنه أصدقها إياها أو باعها إياها وأقاما بينتين قدمت بينة المرأة لذلك فإن لم تكن بينة فالقول قول الابن مع يمينه لا نعلم في هذا خلافا

قسم V10/P269–V10/P270

فصل وإذا ادعى رجل أنه اكترى بيتا في دار لرجل شهرا بعشرة فادعى الرجل أنه اكترى الدار كلها بعشرة ذلك الشهر ولا بينة لواحد منهما فقد اختلفا في صفة العقد في قدر المكترى فيتحالفان وقد مضى حكم التحالف في البيع وذكر أبو الخطاب فيما إذا ادعى البائع أنه باعه عبده هذا بعشرة وقال المشتري بل هو والعبد الآخر بعشرة فالقول قول البائع مع يمينه ولم يجعل بينهما تحالفا لأن المشتري يدعي بيعا في العبد الزائد ينكره البائع والقول قول المنكر وهذا مثله فعلى هذا يكون القول قول المكري مع يمينه إذا عدمت البينة وإن أقام أحدهما بدعواه بينة حكم له وإن كان مع كل واحد بينة تعارضتا سواء كانتا مطلقتين أو مؤرختين بتاريخ واحد أو إحداهما مؤرخة والأخرى مطلقة لأن العقد على البيت مفردا وعلى الدار كلها في زمن واحد محال فإن قلنا تسقطان فالحكم فيه كما لو لم يكن بينهما بينة وإن قلنا يقرع بينهما قدمنا قول من تقع له القرعة وهذا قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي وعلى قول أبي الخطاب تقدم بينة المكتري لأنها تشهد بزيادة وهو قول بعض أصحاب الشافعي فإن قيل فهلا أوجبتم الأخريين معا على المكتري كما قلتم فيما إذا قامت البينة إنه تزوجها يوم الخميس بألف فقامت بينة أخرى أنه تزوجها يوم الجمعة بمائة يجب المهران قلنا ثم يجوز أن يكون المهران مستقرين بأن يتزوجها يوم الخميس ويدخل بها ثم يخالعها ثم يتزوجها يوم الجمعة وأما الأجرة فلا تستقر إلا بمضي الزمان فإذا عقد عقدا قبل مضي المدة لم يجز أن تجب الأجرتان مسألة قال ( ولو شهد شاهدان على رجل أنه أخذ من صبي ألفا وشهد آخران على رجل آخر أنه أخذ من الصبي ألفا كان على ولي الصبي أن يطالب أحدهما بالألف إلا أن تكون كل بينة لم تشهد بالألف الذي شهدت به الأخرى فيأخذ الولي الألفين ) أما إذا كانت كل بينة شهدت بألف غير معين فإن الولي يطالب بالألفين جميعا لأن كل واحد من الرجلين ثبت عليه أحد الألفين فيلزمه أداؤها وعلى الولي أن يطالب بها كما لو أقر كل واحد منهما بألف وأما إن كان المشهود به ألفا معينا فشهدت بينة أن هذا الرجل هو الآخذ لها لم يجب إلا ألف واحد وللولي مطالبة أيهما شاء لأنه قد ثبت أن كل واحد منهما أخذ الألف فإن كان لم يرده فقد استقر في ذمته وإن كان رده إلى الصبي لم تبرأ ذمته برده إليه لأنه ليس له قبض صحيح فإن غرمه الذي لم يرده لم يرجع على أحد لأنه استقر عليه وإن غرمه الراد له رجع على الذي لم يرده فإن غرمه أحدهما فادعى أن الضمان استقر على صاحبه ليرجع عليه فالقول قول الآخر مع يمينه لأن الأصل عدم استقراره عليه مسألة قال ( ولو أن رجلين حربيين جاءا من أرض الحرب فذكر كل واحد منهما أنه أخو صاحبه جعلناهما أخوين وإن كانا سبيا فادعيا ذلك بعد أن أعتقا فميراث كل واحد منهما لمعتقه إذا لم يصدقهما إلا أن تقوم بما ادعياه بينة من المسلمين فيثبت النسب ويورث كل واحد منهما من أخيه )

قسم V10/P270–V10/P271

وجملته أن أهل الحرب إذا دخلوا إلينا مسلمين أو غير مسلمين فأقر بعضهم بنسب بعض ثبت نسبهم كما يثبت نسب أهل دار الإسلام من المسلمين وأهل الذمة بإقرارهم ولأنه إقرار لا ضرر على أحد فيه فقبل كإقرارهم بالحقوق المالية ولا نعلم في هذا خلافا وإن كانوا سبيا فأقر بعضهم بنسب بعض وقامت بذلك بينة من المسلمين ثبت أيضا سواء كان الشاهد أسيرا عندهم أو غير أسير ويسمى الواحد من هؤلاء حميلا أي محمولا كما يقال للمقتول قتيل وللمجروح جريح لأنه حمل من دار الكفر وقيل سمي حميلا لأنه حمل نسبه على غيره وإن شهد بنسبه الكفار لم تقبل وعن أحمد رواية أخرى أن شهادتهم في ذلك تقبل لتعذر شهادة المسلمين به في الغالب فأشبه شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم والمذهب الأول لأننا إذا لم نقبل شهادة الفاسق فشهادة الكافر أولى وإنما لم يقبل إقرارهم لما في ذلك من الضرر على السيد بتفويت إرثه بالولاء على تقدير العتق وإن صدقهما معتقهما قبل لأن الحق له وإن لم يصدقهما ولم تقم بينة بذلك لم يرث بعضهم من بعض وميراث كل واحد منهما لمعتقه وهذا قول الشافعي فيما إذا أقر بنسب أب أو أخ أو جد أو ابن عم وإن أقر بنسب ففيه ثلاثة أوجه أحدها لا يقبل والثاني يقبل لأنه يملك أن يستولد فملك الإقرار به والثالث إن أمكن أن يستولد بعد عتقه قبل لأنه يملك الاستيلاد بعد عتقه وإلا لم يقبل لأنه لا يملك قبل عتقه أو يستولد قبل عتقه ويروى عن ابن مسعود ومسروق والحسن وابن سيرين أن إقراره يقبل فيما يقبل فيه الإقرار من الأحرار الأصليين وبه قال أبو حنيفة لأنه مكلف أقر بنسب وإرث مجهول النسب يمكن صدقه فيه ووافقه المقر له فيه فقبل كما لو أقر من له أخ بنسب ابن وبهذا الأصل يبطل ما ذكروه ولنا ما روى الشعبي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى شريح أن لا تورث حميلا حتى تقوم به بينة رواه سعيد وقال أيضا حدثنا سفيان عن ابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال كتب عمر بن الخطاب أن لا تورث حميلا إلا ببينة ولأن إقراره يتضمن إسقاط حق معتقه من ميراثه فلم يقبل كما لو أقر أنه مولى لغيره فإن غيره شريكه في ولائه وفارق الإقرار من الحر الذي له أخ لأن الولاء نتيجة الملك فجرى مجراه ولأن الولاء ثبت عن عوض والأخوة بخلافه ألا ترى أنه لو قال لغيره اعتق عبدك عني وعلي ثمنه صح ولم يثبت له إلا الولاء وإذا ثبت أنه بعوض كان أقوى من النسب وإنما قدمنا النسب في الميراث لقربه لا لقوته كما نقدم ذوي الفروض على العصبة مع قربهم فصل وإذا كانا مختلفي الدين لم يثبت النسب بإقرارهما وإن لم يتوارثا لأنه يحتمل أن يسلم الكافر منهما فيرث ولذلك لو أقرا بالنسب في حال رقهما لم يثبت لاحتمال التوارث بالعتق وإن ولد لكل واحد منهما ابن من حرة فأقر كل واحد منهما للآخر أنه ابن عمه احتمل أن يقبل إقراره لأنه لا ولاء عليه فيقبل إقراره لوجود المقتضي لقبوله وانتفاء المعارض واحتمل أن لا يقبل لأنه يرثه المسلمون ولأنه إذا لم يقبل إقرار الأصول فالفروع أولى فإن قلنا يقبل إقرارهما فأقر أحدهما لأبي الآخر أنه عمه لم يثبت الإقرار بالنسبة إلى أنه ابن أخيه لأنه لو ثبت لورث عمه دون مولاه المعتق له وهل يثبت بالنسبة إلى العم فيرث ابن أخيه يحتمل أن يثبت لانتفاء الولاء عن ابن الأخ فلا تفضي صحة الإقرار إلى إسقاط الولاء والأولى أنه لا يثبت لأنه لم يثبت بالنسبة إلى أحد الطرفين فلم يثبت في الآخر مسألة قال ( وإذا كان الزوجان في البيت فافترقا أو ماتا فادعى كل واحد منهما ما في البيت أنه له أو ورثته حكم بما كان يصلح للرجال للرجل وما كان يصلح للنساء للمرأة وما كان يصلح أن يكون لهما فهو بينهما نصفين )

قسم V10/P271–V10/P272

وجملة ذلك أن الزوجين إذا اختلفا في متابع البيت أو في بعضه فقال كل واحد منهما جميعه لي أو قال كل واحد منهما هذه العين لي وكانت لأحدهما بينة ثبت له بلا خلاف وإن لم يكن لواحد منهما بينة فالمنصوص عن أحمد أن ما يصلح للرجال من العمائم وقمصانهم وجبابهم والأقبية والطيالسة والسلاح وأشباه ذلك القول فيه قول الرجل مع يمينه وما يصلح للنساء كحليهن وقمصانهن ومقانعهن ومغازلهن فالقول قول المرأة مع يمينها وما يصلح لهما كالمفارش والأواني فهو بينهما وسواء كان في أيديهما من طريق المشاهدة أو من طريق الحكم وسواء اختلفا في حال الزوجية أو بعد البينونة وسواء اختلفا أو اختلف ورثتهما أو أحدهما وورثة الآخر قالأحمد في رواية الجماعة منهم يعقوب بن بختان في الرجل يطلق زوجته أو يموت فتدعي المرأة المتاع فما كان يصلح للرجال فهو للرجل وما كان من متاع النساء فهو للنساء وما استقام أن يكون بين الرجال والنساء فهو بينهما وإن كان المتاع على يدي غيرهما فمن أقام البينة دفع إليه وإن لم تكن لهما بينة أقرع بينهما فمن كانت له القرعة حلف وأعطي المتاع وقال في رواية مهنا وكذلك إن اختلفا وأحدهما مملوك وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى وقالالقاضي هذا إنما هو فيما إذا كانت أيديهما عليه من طريق الحكم أما ما كان في يد أحدهما من طريق المشاهدة فهو له مع يمينه وإن كان في أيديهما قسم بينهما نصفين سواء كان يصلح لهما أو لأحدهما وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن إلا أنهما قالا ما يصلح لهما ويدهما عليه من طريق الحكم فالقول فيه قول الرجل مع يمينه وإذا اختلف أحدهما وورثة الآخر فالقول قول النافي منهما لأن اليد المشاهدة أقوى من اليد الحكمية بدليل أنه لو تنازع الخياط وصاحب الدار في الإبرة والمقص كانت للخياط وقال أبو يوسف القول قول المرأة فيما جرت العادة أنه قدر جهاز مثلها وقال مالك ما صلح لكل واحد منهما فهو له وما صلح لهما كان للرجل سواء كان في أيديهما من طريق المشاهدة أو من طريق الحكم لأن البيت للرجل ويده أقوى عليه لأن عليه السكنى وقال الشافعي وزفر والبتي كل ما في البيت بينهما نصفين فيحلف كل واحد منهما على نصفه ويأخذه وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لأنهما تساويا في ثبوت يدهما على المدعي وعدم البينة فلم يقدم أحدهما على صاحبه كالذي يصلح لهما أو كما لو كان في يدهما من حيث المشاهدة عند من سلم ذلك ولنا إن أيديهما جميعا على متاع البيت بدليل ما لو نازعهما فيه أجنبي كان القول قولهما وقد يرجح أحدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب أن يقدم كما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر أخذ بزمامها أو قميصا أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه أو جدارا متصلا بداريهما معقودا ببناء أحدهما أو له عليه أزج ولنا على أبي حنيفة والقاضي أنهما تنازعا فيما في أيديهما ولا مزية لأحدهما على صاحبه أشبه ما إذا كان في اليد الحكمية فأما ما كان يصلح لهما فإنه في أيديهما ولا مزية لأحدهما على صاحبه أشبه ما إذا كان في أيديهما من جهة المشاهدة والدلالة على أنه ليس للنافي أن وارث الميت قائم مقامه أشبه ما لو وكل أحدهما لنفسه وكيلا فأما إذا لم يكن لهما يد حكمية بل تنازع رجل وامرأة في عين غير قماش بينهما فلا يرجح أحدهما بصلاحية ذلك له بل إن كانت في أيديهما فهي بينهما وإن كانت في يد أحدهما فهي له وإن كانت في يد غيرهما اقترعا عليها فمن خرجت له القرعة فهي له واليمين على من حكمنا بها له في كل المواضع لأنه ليس لهما يد حكمية فأشبها سائر المختلفين

قسم V10/P272–V10/P274

فصل وإذا كان في الدكان نجار وعطار فاختلفا فيما فيها حكم بآلة كل صناعة لصاحبها فآلة العطارين للعطار وآلة النجارين للنجار وإن لم يكونا في دكان واحد لكن اختلفا في عين لم يرجح أحدهما بصلاحية العين المختلف فيها له كما ذكرنا في الزوجين ويكون ذلك كتنازع الأجنبيين فصل وإذا اختلف المكري والمكتري في شيء في الدار نظرت فإن كان مما ينقل ويحول كالأثاث والأواني والكتب فهو للمكتري لأن العادة أن الإنسان يكري داره فارغة من رحله وقماشه وإن كان في شيء مما يتبع في البيع كالأبواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرفوف المسمرة والسلالم المسمرة والمفاتيح والرحى المنصوبة وحجرها التحتاني فهو للمكري لأنه من توابع الدار فأشبه الشجرة المغروسة فيها وإن كانت الرفوف موضوعة على أوتاد فقال أحمد إذا اختلفا في الرفوف فهي لصاحب الدار فظاهر هذا العموم في الرفوف كلها وقال القاضي كلام أحمد محمول على المسمرة فأما غير المسمرة فهي بينهما إذا تحالفا لأنها لا تتبع في البيع فأشبهت القماش وهذا ظاهر يشهد للمكتري وللمكري ظاهر يعارض هذا وهو أن المكري يترك الرفوف في الدار ولا ينقلها عنها فإذا تعارض الظاهران من الجانبيين استويا وهذا مذهب الشافعي فعلى هذا إذا تحالفا كانت بينهما وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي لمن حلف وذكر القاضي في موضع آخر وأبو الخطاب أنه إن كان للرف شكل منصوب في الدار فهو لصاحب الدار مع يمينه وإن لم يكن له شكل منصوب تحالفا وكان بينهما لأنه إذا كان له شكل منصوب في الدار فالشكل تابع للدار فهو لصاحبها والظاهر أن أحد الرفين لمن له الآخر وكذلك إن اختلفا في مصراع باب مقلوع فالحكم فيه كما ذكرنا لأن أحدهما لا يستغني عن صاحبه فكان أحدهما لمن له الآخر كالحجر الفوقاني من الرحى والمفتاح مع السكرة ووجه ظاهر كلام أحمد في أن الرفوف لصاحب الدار على كل حال أن العادة جارية بترك الرفوف في الدار ولم تجر بنقل المكتري لها معه فكانت لصاحب الدار كالذي له شكل منصوب ولأنها إذا كانت لها أوتاد منصوبة فالأوتاد لصاحب الدار فكذلك ما نصبت له كالحجر الفوقاني من الرحى إذا كان السفلاني منصوبا ومفتاح السكرة المسمرة فصل وإذا كان الخياط في دار غيره فاختلفا في الإبرة والمقص فهي للخياط لأن تصرفه فيهما أكثر وأظهر والظاهر معه لأن الإنسان إذا دعا خياطا ليخيط له فالعادة أنه يحمل معه إبرته ومقصه وإن اختلفا في القميص فهو لصاحب الدار إذ ليست العادة أن يحمل القميص معه يخيطه في دار غيره وإنما العادة أن يخيط قميص صاحب الدار فيها وإن اختلف صاحب الدار والنجار في القدوم والمنشار وآلة النجارة فهي للنجار وإن اختلفا في الخشبة المنجورة والأبواب والرفوف المنشورة فهي لصاحب الدار وإن اختلف النجاد ورب الدار في قوس الندف فهو للنجاد وإن اختلفا في الفرش والقطن والصوف فهو لصاحب الدار وإن اختلف رب الدار والسقا في القربة فهي للسقا وإن اختلفا في الخابية والجرار فهي لصاحب الدار لما ذكرنا فصل وإذا تنازع رجلان دابة أحدهما راكبها والآخر آخذ بزمامها فالراكب أولى بها لأن تصرفه فيها أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعتها وإن كان لأحدهما عليها حمل والآخر آخذ بزمامها فهي لصاحب الحمل لذلك وإن كان لأحدهما عليها حمل والآخر راكب عليها فهي للراكب لأنه أقوى تصرفا وإن اختلفا في الحمل فادعاه الراكب وصاحب الدابة فهو للراكب لأن يده على الدابة والحمل معا فأشبه ما لو اختلف الساكن وصاحب الدار في قماش فيها وإن تنازع صاحب الدابة والراكب في السرج فهو لصاحب الدابة لأن السرج في العادة يكون لصاحب الفرس وإن تنازع اثنان في ثياب على عبد لأحدهما فهي لصاحب العبد لأن يد العبد عليها وإن تنازع صاحب الثياب والآخر في العبد اللابس لها فهما سواء لأن نفع الثياب يعود إلى العبد لا إلى صاحب الثياب ومذهب الشافعي في هذا الفصل والذي قبله كما ذكرنا فصل فإن اختلف صاحب أرض ونهر في حائط بينهما فهو لهما ويحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به

قسم V10/P274–V10/P275

وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو لصاحب النهر لأنه لنفعه وقال أبو يوسف ومحمد هو لصاحب الأرض لأنه متصل بأرضه ولنا إنه حاجز بين ملكيهما فكانت يدهما عليه فيكون لهما كما لو تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما أو حائط بين داريهما وما ذكروه من الترجيحين متقابل فيستويان وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما فهو بينهما لذلك وكل موضع قلنا يقسم بينهما نصفين قائما يحلف كل واحد منهما على النصف الذي يحصل له دون النصف الآخر لأن ما يحصل له لا يفيده الحلف عليه شيئا فلا يستحلف عليه كالمدعي لا يحلف على ما يأخذه المدعى عليه فصل وإن تنازعا عمامة طرفها في يد أحدهما وباقيها في يد الآخر أو قميصا كمه في يد أحدهما وباقيه مع الآخر فهما سواء فيها لأن يد الممسك بالطرف عليها بدليل أنه لو كان باقيها على الأرض فنازعه فيها غيره كانت له وإذا كانت في أيديهما تساويا فيها ولو كانت دار فيها أربعة أبيات وفي أحد أبياتها ساكن وفي الثلاثة الباقية ساكن آخر فاختلفا فيها كان لكل واحد ما هو ساكن فيه لأن كل بيت ينفصل عن صاحبه ولا يشارك الخارج منه الساكن فيه في ثبوت اليد عليه ولو تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت فهي بينهما نصفين لاشتراكهما في ثبوت اليد عليها فأشبهت العمامة فيما ذكرنا مسألة قال ( ومن كان له على أحد حق فمنعه منه وقدر له على مال لم يأخذ منه مقدار حقه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه الترمذي ) وجملته أنه إذا كان لرجل على غيره حق وهو مقر به باذل له لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه بلا خلاف بين أهل العلم فإن أخذ من ماله شيئا بغير إذنه لزمه رده إليه وإن كان قدر حقه لأنه لا يجوز أن يملك عليه عينا من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة وإن كانت من جنس حقه لأنه قد يكون للإنسان غرض في العين فإن أتلفها أو تلفت فصارت دينا في ذمته وكان الثابت في ذمته من جنس حقه تقاصا في قياس المذهب والمشهور من مذهب الشافعي وإن كان مانعا له لأمر يبيح المنع كالتأجيل والإعسار لم يجز أخذ شيء من ماله بغير خلاف وإن أخذ شيئا لزمه رده إن كان باقيا أو عوضه إن كان تالفا ولا يحصل التقاص ها هنا لأن الدين الذي له لا يستحق أخذه في الحال بخلاف التي قبلها وإن كان مانعا له بغير حق وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان لم يجز له الأخذ أيضا بغيره لأنه قدر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله وإن لم يقدر على ذلك لكونه جاحدا له ولا بينه له به أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه اجباره على ذلك أو نحو هذا فالمشهور في المذهب أنه ليس له أخذ قدر حقه وهو إحدى الروايتين عن مالك قال ابن عقيل جعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجها في المذهب أخذا من حديث هند حين قال لها النبي صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وقال أبو الخطاب ويتخرج لنا جواز الأخذ فإن كان المقدور عليه من جنس حقه أخذ بقدره وإن كان من غير جنسه تحرى واجتهد في تقويمه مأخوذ من حديث هند ومن قول أحمد في المرتهن يركب ويحلب بقدر ما ينفق والمرأة تأخذ مؤنتها وبائع السلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضا وقال الشافعي إن لم يقدر على استخلاص حقه بعينه فله أخذ قدر حقه من جنسه أو من غير جنسه وإن كانت له بينة وقدر على استخلاصه ففيه وجهان والمشهور من مذهب مالك أنه إن لم يكن لغيره عليه دين فله أن يأخذ بقدر حقه وإن كان عليه دين لم يجز لأنهما يتحاصان في ماله إذا أفلس

قسم V10/P275–V10/P276

وقالأبو حنيفة له أن يأخذ بقدر حقه إن كان عينا أو ورقا أو من جنس حقه وإن كان المال عرضا لم يجز لأن أخذ العرض عن حقه اعتياض ولا تجوز المعاوضة إلا برضا من المتعاوضين قال الله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء 29 واحتج من أجاز الأخذ بحديث هند حين جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه وإذا جاز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها بغير إذنه جاز للرجل الذي له الحق على الرجل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه الترمذي وقال حديث حسن ومتى أخذ منه قدر حقه من ماله بغير علمه فقد خانه فيدخل في عموم الخبر وقال صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه ولأنه إن أخذ من غير جنس حقه كان معاوضة بغير تراض وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق بغير رضى صاحبه فإن التعيين إليه ترى ألا أنه لا يجوز له أن يقول اقضني حقي من هذا الكيس دون هذا ولأن كل ما لا يجوز له تملكه إذا لم يكن له دين لا يجوز له أخذه إذا كان له دين كما لو كان باذلا له وأما حديث هند فإن أحمد اعتذر عنه بأن حقها واجب عليه في كل وقت وهذا إشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كل وقت والمخاصمة كل يوم تجب فيه النفقة بخلاف الدين وفرق أبو بكر بينهما بفرق آخر وهو أن قيام الزوجية كقيام البينة فكأن الحق صار معلوما يعلم قيام مقتضيه وبينهما فرقان آخران أحدهما أن للمرأة من التبسط في ماله بحكم العادة ما يؤثر في إباحة أخذ الحق وبذل اليد فيه بالمعروف بخلاف الأجنبي الثاني أن النفقة تراد لإحياء النفس وإبقاء المهجة وهذا مما لا يصبر عنه ولا سبيل إلى تركه فجاز أخذ ما تندفع به هذه الحاجة بخلاف الدين حتى نقول لو صارت النفقة ماضية لم يكن لها أخذها ولو وجب لها عليه دين آخر لم يكن لها أخذه فعلى هذا إن أخذ شيئا لزمه رده إن كان باقيا وإن كان تالفا وجب مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان متقوما فإن كان من جنس دينه تقاصا وتساقطا في قياس المذهب وإن كان من غير جنسه لزمه غرمه ومن جوز من أصحابنا الأخذ فإنه قال إن وجد من جنس حقه جاز له الأخذ منه بقدر حقه من غير زيادة وليس له الأخذ من غير جنس حقه مع قدرته على أخذه من جنسه وإن لم يجد إلا من غير جنس حقه فيحتمل أن لا يجوز له تملكه لأنه لا يجوز أن يبيعه من نفسه وهذا يبيعه من نفسه وتلحقه فيه تهمة ويحتمل أن يجوز له ذلك كما قالوا الرهن ينفق عليه إذا كان مركوبا أو محلوبا يركب ويحلب بقدر النفقة وهي من غير الجنس واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من جوز له هذا ومنهم من قال يواطىء رجلا يدعي عليه عند الحاكم دينا فيقر له بملك الشيء الذي أخذه فيمتنع من عليه الدعوى من قضاء الدين ليبيع الحاكم الشيء المأخوذ ويدفعه إليه

قسم V10/P276–V10/P277

فصل إذا ادعى إنسان على إنسان حقا وأقام به شاهدين فلم يعرف الحاكم عدالتهما فسأل حبس غريمه حتى تثبت عدالة شهوده أجيب إلى ذلك لأن الظاهر من المسلمين العدالة ولأن الذي على الغريم قد أتى به وإنما بقي ما على الحاكم وهو الكشف عن عدالة الشهود وإن أقام شاهدا واحدا وسأل حبس غريمه ليقيم شاهدا آخر وكان الحق مما لا يثبت إلا بشاهدين لم يحبس المدعى عليه لأن البينة ما تمت والحبس عذاب فلا يتوجه عليه دون تمام البينة وإن كان الحق مما يثبت بشاهد ويمين ففيه وجهان أحدهما يحبس له لأن الشاهد الواحد حجة في المال وإنما اليمين مقوية له والثاني لا يحبس وهو الصحيح لأنه إن حبس ليقيم شاهدا آخر يتم به البينة فهو كالحقوق التي لا تثبت إلا بشاهدين وإن حبس ليحلف معه فلا حاجة إليه فإن الحلف ممكن في الحال فإن حلف ثبت حقه وإلا لم يجب شيء ويحتمل أن يقال إن كان المدعي باذلا لليمين والتوقف لأجل إثبات عدالة الشاهد حبس لما ذكرنا في التي قبلها وإن كان التوقف عن الحكم بغير ذلك لم يحبس لما ذكرناه قال القاضي وكل موضع حبس فيه بشاهدين استديم الحبس حتى تثبت عدالة الشهود أو فسقهم وكل موضع حبس فيه بشاهد واحد فإنه يقال للمشهود له إن جئت بشاهد آخر إلى ثلاث وإلا أطلقناه فصل وإن ادعى العبد أن سيده أعتقه وأقام شاهدين ولم يعدلا فسأل العبد الحاكم أن يحول بينه وبين سيده إلى أن يبحث الحاكم عن عدالة الشهود فعلى الحاكم ذلك ويؤجره من ثقة وينفق عليه من كسبه ويحبس الباقي فإن عدل الشاهدان سلم إليه الباقي من كسبه وإن فسقا رد إلى سيده وإنما حلنا بينهما لما ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا ولأننا لو لم نحل بينهما أفضى إلى أن تكون أمة فيطأها وإن أقام شاهدا واحدا وسأل أن يحال بينهما ففيه وجهان وإن أقامت المرأة شاهدين يشهدان بطلاقها ولم تعرف عدالة الشهود حيل بينه وبينها وإن أقامت شاهدا واحدا لم يحل بينهما لأن البينة لم تتم وهذا مما لا يثبت إلا بشاهدين فلا يثبت بشاهد واحد والله أعلم كتاب العتق العتق في اللغة الخلوص ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير أي خالصها وسمي البيت الحرام عتيقا لخلوصه من أيدي الجبابرة وهو في الشرع تحرير الرقبة وتخليصها من الرق يقال عتق العبد وأعتقه أنا وهو عتيق ومعتق والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى فتحرير رقبة النساء 92 وقال تعالى فك رقبة البلد 13 وأما السنة فما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج متفق عليه في أخبار كثيرة سوى هذا وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به والعتق من أفضل القرب إلى الله تعالى لأن الله تعالى جعله كفارة للقتل والوطء في رمضان والأيمان وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فكاكا لمعتقه من النار ولأن فيه تخليصا للآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه على حسب إرادته واختياره وإعتاق الرجل أفضل من إعتاق المرأة لما روى كعب بن مرة البهزي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامه عظما من عظامه وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامهما عظما من عظامه وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجزى بكل عظم من عظامها عظما من عظمامها

قسم V10/P277–V10/P278

والمستحب عتق من له دين وكسب ينتفع بالعتق فأما من يتضرر بالعتق كمن لا كسب له تسقط نفقته عن سيده فيضيع أو يصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة فلا يستحب عتقه وإن كان ممن يخاف عليه المضي إلى دار الحرب والرجوع عن دين الإسلام أو يخاف عليه الفساد كعبد يخاف أنه إذا أعتق واحتاج سرق وفسق وقطع الطريق أو جارية يخاف منها الزنا والفساد كره إعتاقه وإن غلب على الظن إفضاؤه إلى هذا كان محرما لأن التوسل إلى الحرام حرام وإن أعتقه صح لأنه إعتاق صدر من أهله في محله فصح كإعتاق غيره فصل ويحصل العتق بالقول والملك والاستيلاد ونذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى ولا يحصل بالنية المجردة لأنه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة كسائر الإزالة وألفاظه تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح لفظ الحرية والعتق وما تصرف منهما نحو أنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق أو أعتقتك لأن هذين اللفظين وردا في الكتاب والسنة وهما يستعملان في العتق عرفا فكانا صريحين فيه فمتى أتى بشيء من هذه الألفاظ حصل به العتق وإن لم ينو شيئا عتق أيضا قالأحمد في رجل لقي امرأة في الطريق فقال تنحي يا حرة فإذا هي جاريته قال قد عتقت عليه وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة مروا أنتم أحرار وكانت معهم أم ولد له لم يعلم بها قال هذا عندي تعتق أم ولده يحتمل أن لا تعتق في هذين الموضعين لأنه قصد باللفظة الأولى غير العتق فلم تعتق بها كما لو قال عبدي حر يريد أنه عفيف كريم الأخلاق وباللفظة الثانية أراد غير أم ولده فأشبه ما لو نادى امرأة من نسائه فأجابته غيرها فقال أنت طالق يحسبها التي ناداها فإنها لا تطلق على رواية فكذا ها هنا فأما إن قصد غير العتق كالرجل يقول عبدي هذا حر يريد عفته وكرم أخلاقه أو يقول لعبده ما أنت إلا حر أي إنك لا تطيعني ولا ترى لي عليك حقا ولا طاعة فلا يعتق في ظاهر المذهب قال حنبل سئل أبو عبد الله عن رجل قال لغلامه أنت حر وهو يعاتبه فقال إذا كان لا يريد به العتق يقول كأنك حر ولا يريد أن يكون حرا أو كلاما نحو هذا رجوت أن لا يعتق وأنا أهاب المسألة لأنه نوى بكلامه ما يحتمله فانصرف إليه كما لو نوى بكناية العتق العتق وبهذا قال الثوري وابن المنذر قال وإن طلب استحلافه حلف وبيان احتمال اللفظ لما أراده أن المرأة الحرة تمدح بهذا فيقال امرأة حرة يعنون عفيفة وتمدح المملوكة به أيضا ويقال للحي الكريم الأخلاق حر قالت سبيعة ترثي عبد المطلب ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة ويوم على حر كريم الشمائل وأما الكناية فنحو قوله لا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك وأنت سائبة واذهب حيث شئت وقد خليتك فهذا إن نوى به العتق عتق لأنه يحتمله وإن لم ينوه به لم يعتق لأنه يحتمل غيره ولم يرد به كتاب ولا سنة ولا عرف استعمال وذكر القاضي وأبو الخطاب في قوله لا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك روايتين إحداهما أنه صريح والثانية أنه كناية وهو الصحيح لما ذكرناه فأما إن قال لا رق لي عليك ولا ملك لي عليك وأنت لله فقال القاضي هو صريح نص عليه أحمد وذكر أبو الخطاب فيه روايتين ولا خلاف في المذهب أنه يعتق به إذا نوى وممن قال يعتق بقوله أنت لله إذا نوى الشعبي والمسيب بن رافع وحماد والشافعي وقال أبو حنيفة لا يعتق به لأن مقتضاه أنت عبد الله أو مخلوق لله وهذا لا يقتضي العتق

قسم V10/P278–V10/P280

ولنا إنه يحتمل أنه حر لله أو عتيق لله أو عبد لله وحده لست بعبد لي ولا لأحد سوى الله فإذا نوى الحرية به وقعت كسائر الكنايات وما ذكروه لا يصح لأن احتماله لما ذكروه لا يمنع احتماله لما ذكرناه بدليل سائر الكنايات فإنها تحتمل العتق وغيره ولو لم تحتمل إلا العتق لكانت صريحة فيه وما يحتمل أمرين انصرف إلى أحدهما بالنية وهذا شأن الكنايات وما ذكروه من الاحتمال يدل على أن هذا ليس بصريح وإنما هو كناية وقوله لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك خبر عن انتفاء ملكه ورقه لم يرد به شرع ولا عرف استعمال في العتق فلم يكن صريحا فيه كقوله ما أنت عبدي ولا مملوكي وقوله لامرأته ما أنت امرأتي ولا زوجتي فصل وإن قال لأمته أنت طالق ينوي العتق به ففيه روايتان إحداهما لا تعتق به وهو قول أبي حنيفة لأن الطلاق لفظ وضع لإزالة الملك عن المنفعة فلم يزل به الملك عن الرقة كفسخ الإجارة ولأن ملك الرقبة لا يستدرك بالرجعة فلا ينحل بالطلاق كسائر الأملاك والرواية الثانية هو كناية تعتق به الأمة إذا نوى العتق وهو قول مالك والشافعي لأن الرق أحد الملكين على الآدمي فيزول بلفظ الطلاق كالآخر أو فيكون اللفظ الموضوع لإزالة أحدهما كناية في إزالة الآخر كالحرية في إزالة النكاح ولأن فيه معنى الإطلاق فإذا نوى به إطلاقها من ملكه فقد نوى بلفظه ما يحتمله فتحل به الحرية كسائر كنايات العتق فصل فإن قال لأكبر منه أو لمن لا يولد لمثله هذا ابني مثل أن يقول من له عشرون سنة لمن له خمس عشرة سنة هذا ابني لم يعتق ولم يثبت نسبه وقال أبو حنيفة يعتق وخرجه أبو الخطاب وجها لنا لأنه اعترف بما تثبت به حريته فأشبه ما لو أقر بها ولنا إنه قول يتحقق كذبه فيه فلم تثبت به الحرية كما لو قال لطفل هذا أبي أو لطفلة هذه أمي قال ابن المنذر هذا من قول النعمان شاذ لم يسبقه أحد إليه ولا تبعه أحد عليه وهو محال من الكلام وكذب يقينا ولو جاز هذا لجاز أن يقول الرجل لطفل هذا أبي ولأنه لو قال لزوجته وهي أسن منه هذه ابنتي أو قال لها وهو أسن منها هذه أمي لم تطلق كذا هذا فصل فإن قال لأمته أنت حرام علي ينوي به العتق عتقت وذكر أبو الخطاب أن فيها رواية أخرى لا تعتق كقوله لها أنت طالق والصحيح أنها تعتق به لأنه يحتمل أنت حرام علي لكونك حرة فتعتق به كقوله لا سبيل لي عليك فصل ويصح العتق من كل من يجوز تصرفه في المال وهو البالغ العاقل الرشيد سواء كان مسلما أو ذميا أو حربيا ولا نعلم في هذا خلافا إلا عن أبي حنيفة ومن وافقه في أن عتق الحربي لا يصح لأنه لا ملك له على التمام بدليل إباحة أخذ الجزية منه وانتفاء عصمته في نفسه وماله ولنا إنه يصح طلاقه فصح إعتاقه كالذمي ولأنه مالك بالغ عاقل رشيد فصح إعتاقه كالذمي وقولهم لا ملك له لا يصح فإنهم قد قالوا إنهم يملكون أموال المسلمين بالقهر فلأن يثبت الملك لهم في غير ذلك أولى فصل ولا يصح من غير جائز التصرف فلا يصح عتق الصبي والمجنون قال ابن المنذر هذا قول عامة أهل العلم وممن حفظنا عنه ذلك الحسن والشعبي والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ ولأنه تبرع بالمال فلم يصح منهما كالهبة ولا يصح عتق السفيه المحجور عليه وهو قول القاسم بن محمد وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يصح عتقه قياسا على طلاقه وتدبيره

قسم V10/P280–V10/P281

ولنا إنه محجور عليه في ماله لحظ نفسه فلم يصح عتقه كالصبي ولأنه تصرف في المال في حياته فأشبه بيعه وهبته ويفارق الطلاق لأن الحجر عليه في ماله والطلاق ليس بتصرف فيه ويفارق التدبير لأنه تصرف فيه بعد موته وغناه عنه بالموت ولهذا صحت وصيته ولم تصح هبته المنجزة وعتق السكران مبني على طلاقه وفيه من الخلاف ما فيه ولا يصح عتق المكره كما لا يصح طلاقه ولا بيعه ولا شيء من تصرفاته فصل ولا يصح العتق من غير المالك فلو أعتق عبيد ولده الصغير أو يتيمه الذي في حجره لم يصح وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقالمالك يصح عتق عبد ولده الصغير لقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك ولأن له عليه ولاية وله فيه حق فصح إعتاقه كماله ولنا إنه عتق من غير مالك فلم يصح كإعتاق عبد ولده الكبير قالابن المنذر لما ورث الله الأب من مال ابنه السدس مع ولده دل على أنه لا حق له في سائره وقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك لم يرد به حقيقة الملك وإنما أراد المبالغة في وجوب حقه عليك وإمكان الأخذ من مالك وامتناع مطالبتك له بما أخذ منه ولهذا لا ينفذ إعتاقه لعبد ولده الكبير الذي ورد الخبر فيه وثبوت الولاية له على مال ولده أبلغ من امتناع إعتاقه عبده ولأنه إنما أثبت الولاية عليه لحظ الصبي ليحفظ ماله عليه وينميه له ويقوم بمصالحه التي يعجز الصبي عن القيام بها وإذا كان مقصود الولاية الحفظ اقتضت منع التضييع والتفريط بإعتاق رقيقه والتبرع بماله ولو قال رجل لعبد آخر أنت حر من مالي فليس بشيء فإن اشتراه بعد ذلك فهو مملوكه ولا شيء عليه وبهذا قال مالك والشافعي وعامة الفقهاء ولو بلغ رجلا أن رجلا قال لعبده أنت حر من مالي فقال قد رضيت فليس بشيء وبهذا قال الثوري وإسحاق مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا كان العبد بين ثلاثة فأعتقوه معا أو وكل نفسان الثالث أن يعتق حقوقهما مع حقه ففعل أو أعتق كل واحد منهم حقه وهو معسر فقد صار حرا وولاؤه بينهم أثلاثا ) وجملته أن العبد متى كان لثلاثة فأعتقوه معا إما بأنفسهم بأن يتلفظوا بعتقه معا أو يعلقوا عتقه على صفة واحدة فتوجد أو يوكلوا واحدا فيعتقه أو يوكل نفسان منهم الثالث فيعتقه فإنه يصير حرا وولاؤه بينهم على قدر حقوقهم فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الولاء لمن أعتق وكل واحد منهم قد أعتق حقه فيثبت له الولاء عليه وهذا لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا فأما إن أعتقه سادته الثلاثة واحدا بعد واحد وهم معسرون أو كان المعتقان الأولان معسرين والثالث موسرا فالصحيح فيه أنه يعتق على كل واحد منهم حقه وله ولاؤه وهذا قول أكثر أهل العلم وحكى ابن المنذر فيما إذا أعتق المعسر نصيبه قولين شاذين أحدهما أنه باطل لأنه لا يمكن أن يعتق نصفه منفردا إذ لا يمكن أن يكون إنسان نصفه حر ونصفه عبد كما لا يمكن أن يكون نصف المرأة طالقا ونصفها زوجة ولا سبيل إلى إعتاق جميعه فبطل كله والثاني يعتق كله وتكون قيمة نصيب الذي لم يعتق في ذمة المعتق يتبع بها إذا أيسر كما لو أتلفه وهذان القولان شاذان لم يقلهما من يحتج بقوله ولا يعتمد على مذهبه ويردهما قول النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطي شركاؤه وحصصهم وعتق جميع العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق متفق عليه وإذا ثبت أنه لا يعتق على المعسر إلا نصيبه فباقي العبد على الرق وإذا أعتقه مالكه عتق بإعتاقه وكان لكل واحد منهم ولاء ما أعتق لأن الولاء لمن أعتق ويفارق العتق الطلاق لكون المرأة لا يمكن الاشتراك فيها ولا ورود النكاح على بعضها ولا تكون إلا الواحد فنظيره إذا كان العبد لواحد فأعتق جزءا منه فإنه يعتق جميعه

قسم V10/P281–V10/P282

فصل وإذا قال كل واحد من الشركاء للعبد إذا دخلت الدار فنصيبي منك حر فدخل عتق عليهم جميعا سواء قالوا ذلك دفعة واحدة أو في دفعات متفرقة لأن العتق في أنصبائهم يقع دفعة واحدة وإن اختلفت أوقات تعليقه مسألة قال ( ولو أعتقه أحدهم وهو موسر عتق كله وصار لصاحبه عليه قيمة ثلثيه ) وجملته أن الشريك إذا أعتق نصيبه من العبد وهو موسر عتق نصيبه لا نعلم خلافا فيه لما فيه من الأثر ولأنه جائز التصرف أعتق ملكه الذي لم يتعلق به حق غيره فنفذ فيه كما لو أعتق جميع العبد المملوك له وإذا أعتق نصيبه سرى العتق إلى جميعه فصار جميعه حرا وعلى المعتق قيمة أنصباء شركائه والولاء له وهذا قول مالك وابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري والشافعي وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وقال البتي لا يعتق إلا حصه المعتق ونصيب الباقين باق على الرق ولا شيء على المعتق لما روى ابن التلب عن أبيه أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك فلم يضمنه النبي صلى الله عليه وسلم ذكره أحمد ورواه ولأنه لو باع نصيبه لاختص البيع به فكذلك العتق إلا أن تكون جارية نفيسة يغالى فيها فيكون ذلك بمنزلة الجناية من المعتق للضرر الذي أدخله على شريكه وقالأبو حنيفة لا يعتق إلا حصة المعتق ولشريكه الخيار في ثلاثة أشياء إن شاء أعتق وإن شاء استسعى العبد وإن شاء ضمن شريكه فيعتق حينئذ ولنا الحديث الذي رويناه وهو حديث صحيح متفق عليه ورواه مالك في موطئه عن نافع عن ابن عمر فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم العتق في جميعه وأوجب قيمة نصيب شريك المعتق الموسر عليه ولم يجعل له خيرة ولا لغيره وروى قتادة عن أبي المليح عن أبيه أن رجلا من قومه أعتق شقصا له من مملوك فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خلاصه عليه في ماله وقال ليس لله شريك قال أبو عبد الله الصحيح أنه عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وليس فيه عن أبيه هذا معنى كلامه وقول البتي شاذ يخالف الأخبار كلها فلا يعول عليه وحديث التلب يتعين حمله على المعسر جمعا بين الأحاديث وقياس العتق على البيع لا يصح فإن البيع لا يسري فيما إذا كان العبد كله له والعتق يسري فإنه لو باع نصف عبده لم يسر ولو أعتق نصفه عتق كله وإذا ثبت هذا فإن ولاءه يكون له لأنه عتق بإعتاقه من ماله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق ولا خلاف في هذا عند من يرى عتقه عليه فصل ولا فرق في هذا بين كون الشركاء مسلمين أو كافرين أو بعضهم مسلما وبعضهم كافرا ذكره القاضي وهو قول الشافعي وقالأبو الخطاب في الكافر وجه أنه إذا أعتق نصيبه من مسلم أنه لا يسري إلى باقيه ولا يقوم عليه لأنه لا يصح شراء الكافر عبدا مسلما ولنا عموم الخبر ولأن ذلك ثبت لإزالة الضرر فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب والغرض ها هنا تكميل العتق ودفع الضرر عن الشريك دون التمليك بخلاف الشراء ولو قدر أن ها هنا تمليكا لكان تقديرا في أدنى زمان حصل ضرورة تحصيل العتق ولا ضرر فيه فإن قدر فيه ضرر فهو مغمور بالنسبة إلى ما يحصل من العتق فوجوده كالعدم وقياس هذا على الشراء غير صحيح لما بينهما من الفرق والله أعلم مسألة قال ( فإن أعتقاه بعد عتق الأول وقبل أخذ القيمة لم يثبت لهما فيه عتق لأنه قد صار حرا بعتق الأول له )

قسم V10/P282–V10/P283

يعني أن العتق يسري إلى جميعه باللفظ لا بدفع القيمة فيعتق كله حين لفظ بالعتق ويصير حرا وتستقر القيمة عليه فلا يعتق بعد ذلك بعتق غيره وبهذا قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وابن المنذر والشافعي في قول له واختاره المزني وقال الزهري وعمرو بن دينار ومالك والشافعي في قول له لا يعتق إلا بدفع القيمة ويكون قبل ذلك ملكا لصاحبه ينفذ عتقه فيه ولا ينفذ تصرفه فيه بغير العتق وهذا مقتضى قول أبي حنيفة واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم قوم عليه قيمة العدل فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق جميع العبد وفي لفظ رواه أبو داود فإن كان موسرا يقوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم يعتق فجعله عتيقا بعد دفع القيمة ولأن العتق إذا ثبت بعوض ورد الشرع به مطلقا لم يعتق إلا بالأداء كالمكاتب وللشافعي قول ثالث إن العتق مراعى فإن دفع القيمة تبينا أنه كان عتق من حين أعتق نصيبه وإن لم يدفع القيمة تبينا أنه لم يكن عتق لأن فيه احتياطا لهما جميعا ولنا حديث ابن عمر روي بألفاظ مختلفة تجتمع في الدلالة على الحرية باللفظ فمنها لفظ رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق شركا له في عبد فكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق رواه البخاري وأبو داود والنسائي وفي لفظ رواه ابن أبي مليكة عن نافع عن ابن عمر فكان له مال فقد عتق كله وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر فكان له مال فقد عتق كله وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر وكان للذي يعتق ما يبلغ ثمنه فهو يعتق كله وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا في مملوك فهو حر من ماله وهذه نصوص في محل النزاع فإنه جعله حرا وعتيقا بإعتاقه مشروطا بكونه موسرا ولأنه عتق بالسراية فكانت حاصلة عقيب لفظه كما لو أعتق حرا من عبيده ولأن القيمة معتبرة وقت الإعتاق ولا ينفذ تصرف الشريك فيه بغير الإعتاق وعند الشافعي لا ينفذ بالإعتاق أيضا فدل على أن العتق حصل فيه بالإعتاق الأول فأما حديثهم فلا حجة لهم فيه فإن الواو لا تقتضي ترتيبا وأما العطف بثم في اللفظ الآخر فلم يرد بها الترتيب فإنها قد ترد لغير الترتيب كقوله تعالى ثم الله شهيد على ما يفعلون يونس 46 وأما العوض فإنما وجب عن المتلف بالإعتاق بدليل اعتباره بقيمته حين الإعتاق وعدم اعتبار التراضي فيه وجوب القيمة من غير وكس ولا شطط بخلاف الكتابة فإذا ثبت هذا فإن الشريكين إذا أعتقاه بعد عتق الأول وقبل أخذ القيمة لم يثبت لهما فيه عتق ولا لهما عليه ولاء وولاؤه كله للمعتق الأول وعليه القيمة لأنه قد صار حرا بإعتاقه وعند مالك يكون ولاؤه بينهم أثلاثا ولا شيء على المعتق الأول من القيمة لأنه قد صار حرا بإعتاقه وعند مالك يكون ولاؤه بينهم أثلاثا ولا شيء على المعتق الأول من القيمة ولو أن المعتق الأول لم يؤد القيمة حتى أفلس عتق العبد وكانت القيمة في ذمته دينا يزاحم بها الشريكان عندنا وعند مالك لا يعتق منه إلا ما عتق ولو كان المعتق جارية حاملا فلم تؤد القيمة حتى وضعت حملها فليس على المعتق إلا قيمتها حين أعتقها لأنه حينئذ حررها وعند مالك يقوم ولدها أيضا ولو تلف العبد قبل أداء القيمة مات حرا والقيمة على المعتق لأنه فوت عليه رقه وعند مالك لا شيء على المعتق ما لم يقوم ويحكم بقيمته فهو في جميع أحكامه عبد

قسم V10/P283–V10/P284

فصل والقيمة معتبرة حين اللفظ بالعتق لأنه حين الإتلاف وهو أحد أقوال الشافعي وللشريك مطالبة المعتق بالقيمة على الأقوال كلها فإن اختلفا في قدرها رجع إلى قول المقومين فإن كان العبد قد مات أو غاب أو تأخر تقويمه زمنا تختلف فيه القيم ولم تكن بينة فالقول قول المعتق لأنه ينكر الزيادة والأصل براءة ذمته منها وهذا أحد قولي الشافعي وإن اختلف في صناعة في العبد توجب زيادة القيمة فالقول قول المعتق لذلك إلا أن يكون العبد يحسن الصناعة في الحال ولم يمض زمن يمكن تعلمها فيه فالقول قول الشريك لأننا علمنا صدقه وإن مضى زمن يمكن حدوثها فيه ففيه وجهان أحدهما القول قول المعتق لأن الأصل براءة ذمته والثاني القول قول الشريك لأن الأصل بقاء ما كان وعدم الحدوث وإن اختلفا في عيب ينقص القيمة كسرقة أو إباق فالقول قول الشريك لأن الأصل السلامة فبالجهة التي رجحنا قول المعتق في نفي الصناعة يرجح قول الشريك في نفي العيب وإن كان العيب فيه حال الاختلاف واختلفا في حدوثه فالقول قول المعتق لأن الأصل براءة ذمته وبقاء ما كان على ما كان وعدم حدوث العيب فيه ويحتمل أن يكون القول قول الشريك لأن الأصل براءته من العيب حين الإعتاق فصل والمعتبر في اليسار في هذا أن يكون له فضل عن قوته يومه وليلته وما يحتاج إليه من حوائجه الأصلية من الكسوة والمسكن وسائر ما لا بد له منه يدفعه إلى شريكه ذكره أبو بكر في التنبيه وإن وجد بعض ما يفي بالقيمة قوم عليه قدر ما يملكه منه ذكره أحمد في رواية ابن منصور وهو قول مالك وقال أحمد لا تباع فيه دار ولا رباع ومقتضى هذا أن لا يباع له أصل مال وقال مالك والشافعي يباع عليه سوار بيته وما له بال من كسوته ويقضى عليه في ذلك ما يقضى عليه في سائر الدعاوى والمعتبر في ذلك حال تلفظه بالعتق لأنه حال الوجوب فإن أيسر المعسر بعد ذلك لم يسر إعتاقه وإن أعسر الموسر لم يسقط ما وجب عليه لأنه وجب عليه فلم يسقط بإعساره كدين الإتلاف نص على هذا أحمد فصل إذا قال أحد الشريكين لشريكه إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فأعتق نصيبه عتقا معا ولم يلزم المعتق شيء وقيل يعتق كله على المعتق لأن إعتاق نصيبه شرط عتق نصيب شريكه فيلزم أن يكون سابقا عليه والأول أولى لأنه أمكن العمل بمقتضى شرطه فوجب حمله عليه كما لو وكله في إعتاق نصيبه مع نصيبه فأعتقهما معا وإن قال إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر فقال أصحابنا إذا أعتق نصيبه سرى وعتق عليه كله وقوم عليه ولا يقع إعتاق شريكه لأن السراية سبقت فمنعت عتق الشريك ويحتمل أن يعتق عليهما جميعا لأن عتق نصيبه سبب للسراية وشرط لعتق نصيب الشريك فلم يسبق أحدهما الآخر لوجودهما في حال واحد وقد يرجح وقوع عتق الشريك لأنه تصرف منه في ملكه والسراية تقع في غير الملك على خلاف الأصل فكان نفوذ عتق الشريك أولى ولأن سراية العتق على خلاف الأصل لكونها إتلافا لملك المعصوم بغير رضاه وإلزاما للمعتق غرامة لم يلتزمها بغير اختياره وإنما يثبت لمصلحة تكميل العتق فإذا حصلت هذه المصلحة بإعتاق المالك كان أولى وإن قال إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل إعتاقك نصيبك وقعا معا إذا أعتق نصيبه وهذا مقتضى قولأبي بكر والقاضي ومقتضى قول ابن عقيل أن يعتق كله على المعتق ولا يقع إعتاق شريكه لأنه أعتق في زمن ماض ومقتضى قول ابن سريج ومن وافقه ممن قال بسراية العتق أن لا يصح إعتاقه لأنه يلزم من عتقه نصيبه تقدم عتق الشريك وسرايته فيمتنع إعتاق نصيب هذا ويمتنع عتق نصيب الشريك ويفضي إلى الدور فيمتنع الجميع وقد مضى الكلام في هذا في مسائل الطلاق والله تعالى أعلم مسألة قال ( وإن أعتقه الأول وهو معسر وأعتقه الثاني وهو موسر عتق عليه نصيبه ونصيب شريكه وكان ثلث ولائه للمعتق الأول وثلثاه للمعتق الثاني )

قسم V10/P284–V10/P285

ظاهر المذهب أن المعسر إذا أعتق نصيبه من العبد استقر فيه العتق ولم يسر إلى نصيب شريكه بل يبقى على الرق فإذا استحق الثاني نصيبه وهو موسر عتق عليه جميع ما بقي منه نصيبه بالمياسرة ونصيب شريكه الثالث بالسراية وصار له ثلثا ولائه وللأول ثلثه وهذا قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر وداود وابن جرير وهو قول مالك والشافعي على الوجه الذي بيناه من قولهما فيما مضى وروي عن عروة أنه اشترى عبدا أعتق نصفه وكان عروة يشاهره شهر عبد وشهر حر وروي عن أحمد أن المعسر إذا أعتق نصيبه استسعى العبد في قيمة حصة الباقين حتى يؤديها فيعتق وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا له في مملوك فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه متفق عليه ورواه أبو داود وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة فإذا استسعى في نصف قيمته ثم أيسر معتقه رجع عليه بنصف القيمة لأنه هو ألجأه إلى هذا وكلفه إياه وعنأبي يوسف ومحمد أنهما قالا يعتق جميعه وتكون قيمة نصيب الشريك في ذمته لأن العتق لا يتبعض فإذا وجد في البعض سرى إلى جميعه كالطلاق ويلزم المعتق القيمة لأنه المتلف لنصيب صاحبه بإعتاقه فوجبت قيمته في ذمته كما لو أتلفه بقتله وقال أبو حنيفة لا يسري العتق وإنما يستحق به إعتاق النصيب الباقي فيتخير شريكه بين إعتاق نصيبه ويكون الولاء بينهما وبين أن يستسعى العبد في قيمة نصيبه فإذا أداه إليه عتق والولاء بينهما ولنا حديث ابن عمرو وهو حديث صحيح ثابت عند جميع العلماء بالحديث ولأن الاستسعاء إعتاق بعوض فلم يجبر عليه كالكتابة ولأن في الاستسعاء إضرار بالشريك والعبد أما الشريك فإنا نحيله على سعاية لعله لا يحصل منها شيء أصلا وإن حصل فربما يكون يسيرا متفرقا ويفوت عليه ملكه وأما العبد فإنا نجبره على سعاية لم يردها وكسب لم يختره وهذا ضرر في حقهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار قال سليمان بن حرب أليس إنما ألزم المعتق ثمن ما بقي من العبد لئلا يدخل على شريكه ضرر فإذا أمره بالسعي وإعطائه كل شهر درهمين ولم يقدر على تملكه فأي ضرر أعظم من هذا فأما حديث الاستسعاء فقال الأثرم ذكره سليمان بن حرب فطعن فيه وضعفه وقال أبو عبد الله ليس في الاستسعاء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروة وأما شعبة وهشام الدستوائي فلم يذكراه وحدث به معمر ولم يذكر فيه السعاية قال أبو داود وهمام أيضا لا يقوله قال المروذي وضعف أبو عبد الله حديث سعيد وقال ابن المنذر لا يصح حديث الاستسعاء وذكر همام أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة وفرق بين الكلام الذي هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول قتادة وقال بعد ذلك فكان قتادة يقول إن لم يكن له مال استسعى قال ابن عبد البر حديث أبي هريرة يدور على قتادة وقد اتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكره وهم الحجة في قتادة فالقول قولهم فيه عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم غيرهم فأما قول أبي حنيفة وقول صاحبيه الأخير فلا شيء معهم يحتجون به من حديث قوي ولا ضعيف بل هو مجرد رأي وتحكم يخالف الحديثين جميعا قال ابن عبد البر لم يقل أبو حنيفة وزفر بحديث ابن عمر ولا حديث أبي هريرة على وجهه وكل قول يخالف السنة فمردود على قائله والله المستعان

قسم V10/P285–V10/P287

فصل إذا قلنا بالسعاية احتمل ألا يعتق كله وتكون القيمة في ذمة العبد دينا يستسعى في أدائها وتكون أحكامه أحكام الأحرار فإن مات وفي يده مال كان لسيده بقية السعاية وباقي ماله موروث ولا يرجع العبد على أحد وهذا قول أبي يوسف ومحمد ويحتمل أن لا يعتق حتى يؤدي السعاية فيكون حكمه قبل أدائها حكم من بعضه رقيق إذا مات فللشريك الذي لم يعتق من ماله مثل ما يكون له على قول من لم يقل بالسعاية لأنه إعتاق بأداء مال فلم يعتق قبل أدائه كالمكاتب وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة يرجع العبد على المعتق إذا أيسر لأنه كلفه السعاية بإعتاقه ولنا إنه حق لزم العبد في مقابلة حريته فلم يرجع به على أحد كمال الكتابة ولأنه لو رجع به على السيد لكان هو الساعي في العوض كسائر الحقوق الواجبة عليه مسألة قال ( ولو كان المعتق الثاني معسرا عتق نصيبه منه وكان ثلثه رقيقا لمن لم يعتق فإن مات وفي يده مال كان ثلثه لمن لم يعتق وثلثاه للمعتق الأول والمعتق الثاني بالولاء إذا لم يكن له وارث أحق منهما ) إنما كان كذلك لأن المعسر لا يعتق إلا نصيبه والأول والثاني معسران فلم يعتق على كل واحد إلا نصيبه ونصيبهما الثلثان وبقي ثلثه رقيقا للثالث فإذا خلف العبد مالا فثلثه للذي لم يعتق لأنه مالك لثلثه وثلثاه ميراث لأنه ملكهما بجزئه الحر فإن كان له وارث نسيب يرث ماله كله أخذه لأنه أحق من المعتق وإن لم يكن له وارث نسيب فهو للمعتقين بالولاء وإن كان له ذو فرض يرث البعض أخذ فرضه منه وباقيه للمعتقين وهذا القول فيما إذا لم يكن مالك ثلثه قاسم العبد في حياته كسبه ولم يهايئه فأما إن قاسمه أو هايأه فلا حق له في تركته لأنها حصلت بالجزء الحر فتكون جميعها ميراثا لورثته دون مالك ثلثه إذ لا حق له في الجزء الحر فلا يكون له حق فيما كسبه به ولا فيما ملكه به فصل ومن قال بالسعاية فإنه يستسعى حين أعتقه الأول فإذا أعتق الثاني نصيبه انبنى ذلك على القول في حريته هل حصلت بإعتاق الأول أو لا فمن جعله حرا لم يصحح عتق الثاني لأنه عتق بإعتاق الأول ومن لم يجعله حرا صحح عتق الثاني لأنه أعتق جزءا مملوكا له من عبد وإذا مات قبل أداء سعايته فقد مات وثلثه رقيق فيكون حكمه في الميراث حكم ما ذكرنا في القول الآخر فصل وإذا حكمنا بعتق بعضه ورق باقيه فإن نفقته في حياته وفطرته وأكسابه بينه وبين سيده على قدر ما فيه من الحرية والرق وإن تراضيا على المهايأة بينهما كانت نفقة العبد وكسبه في أيامه له وعليه وفي أيام سيده يكون كسبه لسيده ونفقته عليه فأما الأكساب النادرة كاللقطة والهبة والوصية فذكر القاضي أنها تدخل في المهايأة لأنها من أكسابه فأشبهت المعتادة وذكر غيره من أصحابنا وجها آخر أنها لا تدخل في المهايأة وتكون بينهما على كل حال لأن المهايأة معاوضة فكأنه تعاوض عن نصيبه من كسبه في يوم سيده بنصيب سيده في يومه فلا تتناول المعاوضة المجهول وما لا يغلب على الظن وجوده فأما الميراث فلا يدخل في المهايأة ولا يستحق سيده منه شيئا لأنه إنما يرث بجزئه الحر ويملك هذا العبد بجزئه الحر جميع أنواع الملك ويرث ويورث بقدر ما فيه من الحرية وقد مضى ذكر ذلك

قسم V10/P287–V10/P288

فصل ومن أعتق عبده وهو صحيح جائز التصرف صح عتقه بإجماع أهل العلم وإن أعتق بعضه عتق كله في قول جمهور العلماء وروي ذلك عن عمر وابنه رضي الله عنهما وبه قال الحسن والحكم والأوزاعي والثوري والشافعي قال ابن عبد البر عامة العلماء بالحجاز والعراق قالوا يعتق كله إذا أعتق نصفه وقال طاوس يعتق في عتقه ويرق في رقه وقال حماد وأبو حنيفة يعتق منه ما أعتق ويسعى في باقيه وخالف أبا حنيفة أصحابه فلم يروا عليه سعاية وروي عن مالك في رجل أعتق نصف عبد ثم غفل عنه حتى مات فقال أرى نصفه حرا ونصفه رقيقا لأنه تصرف في بعضه فلم يسر إلى باقيه كالبيع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد فكان معه ما يبلغ قيمة العبد قوم عليه قيمة العدل وعتق عليه جميع العبد وإذا أعتق عليه نصيب شريكه كان بينهما على عتق جميعه إذا كان كله ملكا له وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا له في مملوك فهو حر من ماله ولأنه إزالة ملك لبعض مملوكه الآدمي فزال عن جميعه كالطلاق ويفارق البيع فإنه لا يحتاج إلى السعاية ولا ينبني على التغليب والسراية إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يعتق جزءا كبيرا كنصفه وثلثه أو صغيرا كعشره وعشر عشره ولا نعلم في هذا خلافا بين القائلين بسراية العتق إذا كان مشاعا وإن أعتق جزءا معينا كرأسه أو يده أو إصبعه عتق كله أيضا وبهذا قال قتادة والشافعي وإسحاق وقال أصحاب الرأي إن أعتق رأسه أو ظهره أو بطنه أو جسده أو نفسه أو فرجه عتق كله لأن حياته لا تبقى بدون ذلك وإن أعتق يده أو عضوا تبقى حياته بدونه لم يعتق لأنه يمكن إزالة ذلك مع بقائه فلم يعتق بإعتاقه كشعره أو سنة ولنا إنه أعتق عضوا من أعضائه فيعتق جميعه كرأسه فأما إذا أعتق شعره أو سنه أو ظفره لم يعتق وقال قتادة والليث في الرجل يعتق ظفر عبده يعتق كله لأنه جزء من أجزائه أشبه إصبعه ولنا إن هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فأشبهت الشعر والريق وقد ذكر ذلك في الطلاق وما ذكر في الطلاق فالعتاق مثله والله أعلم مسألة قال ( وإذا كان العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه فإن كانا معسرين لم يقبل قول كل واحد منهما على شريكه فإن كانا عدلين كان للعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا ) أما إذا كان الشريكان معسرين فليس في دعوى أحدهما على صاحبه إعتاق نصيبه اعتراف بحرية نصيبه ولا ادعاء لاستحقاق قيمته على المعتق لكون عتق المعسر يقف على نصيبه ولا يسري إلى غيره فلم يكن في دعواه أكثر من أنه شاهد على صاحبه بإعتاق نصيبه فإن لم يكونا عدلين فلا أثر لكلامهما في الحال ولا عبرة بقولهما لأن غير العدل لا تقبل شهادته وإن كانا عدلين فشهادتهما مقبولة لأن كل واحد منهما لا يجر إلى نفسه بشهادته نفعا ولا يدفع بها ضررا وقد حصل للعبد بحرية كل نصف منه شاهد عدل فإن حلف معهما عتق كله وإن حلف مع أحدهما صار نصفه حرا على الرواية التي تقول إن العتق يحصل بشاهد ويمين وإن لم يحلف مع واحد منهما لم يعتق منه شيء لأن العتق لا يحصل بشاهد من غير يمين بلا خلاف نعلمه وإن كان أحدهما عدلا دون الآخر فله أن يحلف مع شهادة العدل ويصير نصفه حرا ويبقى نصفه الآخر رقيقا فصل ومن قال بالاستسعاء فقد اعترف بأن نصيبه قد خرج عن يده فيخرج العبد كله ويستسعى في قيمته لاعتراف كل واحد منهما بذلك في نصيبه

قسم V10/P288–V10/P289

فصل وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق عليه ولم يسر إلى النصف الذي كان له لأن عتقه حصل باعترافه بحريته بإعتاق شريكه ولا يثبت له عليه ولاء لأنه لا يدعي إعتاقه بل يعترف بأن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن يسترقه ظلما فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار وقالأبو الخطاب يسري لأنه شراء حصل به الإعتاق فأشبه شراء بعض ولده إن أكذب نفسه في شهادته على شريكه ليسترق ما اشتراه لم يقبل منه لأنه رجوع عن الإقرار بالحرية فلم يقبل كما لو أقر بحرية عبده ثم أكذب نفسه وهل يثبت له الولاء عليه إن أعتقه يحتمل أن لا يثبت لما ذكرنا ويحتمل أن يثبت لأننا نعلم أن على العبد ولاء ولا يدعيه أحد سواه ولا ينازعه فيه فوجب أن يقبل قوله فيه وإن اشترى كل واحد منهما نصيب صاحبه صار العبد كله حرا لا ولاء عليه لواحد منهما فإن أعتق كل واحد منهما ما اشتراه ثم أكذب نفسه في شهادته فهل يثبت له الولاء على من أعتقه على وجهين وإن أقر كل واحد منهما بأنه كان أعتق نصيبه وصدق الآخر في شهادته بطل البيعان ويثبت لك لواحد منهما الولاء على نصفه لأن أحدا لا ينازعه فيه وكل واحد منهما يصدق الآخر في استحقاق الولاء ويحتمل أن يثبت الولاء لهما وإن لم يكذب واحد منهما نفسه لأننا نعلم أن الولاء عليه ثابت لهما ولا يخرج عنهما وأنه بينهما إما بالعتق الأول وإما بالثاني لأنهما إن كانا صادقين في شهادتهما فقد ثبت الولاء لكل واحد منهما على النصف الذي أعتقه أو لا وإن كانا كاذبين فقد أعتق كل واحد منهما نصفه بعد أن اشتراه وإن كان أحدهما صادقا والآخر كاذبا فلا ولاء للصادق منهما لأنه لم يعتق النصف الذي كان له أولا ولا صح عتقه في الذي اشتراه لأنه كان حرا قبل شرائه والولاء كله للكاذب لأنه أعتق النصف الذي كان له ثم اشترى النصف الذي لشريكه فأعتقه وكل واحد منهما يساوي صاحبه في الاحتمال فيقسم بينهما فصل وكل من شهد على سيد عبد بعتق عبده ثم اشتراه عتق عليه وإن شهد اثنان عليه بذلك فردت شهادتهما ثم اشترياه أو أحدهما عتق وبهذا قال الأوزاعي ومالك والشافعي وابن المنذر وهو قياس قول أبي حنيفة ولا يثبت للمشتري ولاء على العبد لأنه لا يدعيه ولا للبالغ لأنه ينكر عتقه ولو كان العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا موسرين فعتق عليهما أو كانا معسرين عدلين فحلف العبد مع كل واحد وعتق أو شهد مع كل واحد منهما عدل آخر وعتق العبد أو ادعى عبد أن سيده أعتقه فأنكر وقامت البينة بعتقه عتق ولا ولاء على العبد في هذه المواضع كلها لأن أحدا لا يدعيه ولا يثبت لأحد حق ينكره فإن عاد من ثبت إعتاقه فاعترف به ثبت له الولاء لأنه لا مستحق له سواه وإنما لم يثبت له لإنكاره له فإذا اعترف زال الإنكار وثبت له وأما الموسران إذا أعتق عليهما فإن صدق أحدهما صاحبه في أنه أعتق نصيبه وحده أو أنه سبق بالعتق فالولاء له وعليه غرامة نصيب الآخر فإن اتفقا على أن كل واحد منهما أعتق نصيبه دفعة واحدة فالولاء بينهما وإن ادعى كل واحد منهما أنه المعتق وحده أو أنه السابق بالعتق تحالفا وكان الولاء بينهما نصفين مسألة قال ( وإن كان الشريكان موسرين فقد صار العبد حرا باعتراف كل واحد منهما بحريته وصار مدعيا على شريكه نصف قيمته فإن لم تكن بينة فيمين كل واحد منهما لشريكه )

قسم V10/P289–V10/P290

وجملة ذلك أن الشريكين الموسرين إذا ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق نصيبه فكل واحد منهما معترف بحرية نصيبه شاهد على شريكه بحرية نصفه الآخر لأنه يقول لشريكه أعتقت نصيبك فسرى العتق إلى نصيبي فعتق كله عليك ولزمك لي قيمة نصيبي فصار العبد حرا لاعترافهما بحريته وبقي كل واحد منهما يدعي قيمة حصته على شريكه فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها وإن لم تكن بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وبرئا فإن نكل أحدهما قضي عليه وإن نكلا جميعا تساقط حقاهما لتماثلهما ولا فرق في هذه الحال بين العدلين والفاسقين والمسلمين والكافرين لتساوي العدل والفاسق والمسلم والكافر في الاعتراف والدعوى بخلاف التي قبلها فصل وإن كان أحد الشريكين موسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر وحده لاعترافه بأن نصيبه قد صار حرا بإعتاق شريكه الموسر الذي يسري عتقه ولم يعتق نصيب الموسر لأنه يدعي أن المعسر الذي لا يسري عتقه أعتق نصيبه خاصة فعتق وحده ولا تقبل شهادة المعسر عليه لأنه يجر بشهادته إلى نفسه نفعا لكونه يوجب عليه بشهادته نصف قيمته فعلى هذا إن لم تكن للعبد بينة سواه حلف الموسر وبرىء من القيمة والعتق جميعا ولا ولاء للمعسر في نصيبه لأنه لا يدعيه ولا للموسر لذلك أيضا وإن عاد المعسر فأعتقه وادعاه ثبت له وإن أقر الموسر بإعتاق نصيبه وصدق المعسر عتق نصيبه أيضا وعليه غرامة نصيب المعسر وثبت له الولاء وإن كان للعبد بينة أجنبية تشهد بإعتاق الموسر وكانت عدلين ثبت العتق ووجبت القيمة للمعسر عليه وإن كانت رجلا واحدا حلف العبد معه ويثبت العتق في إحدى الروايتين والأخرى لا يثبت العتق وللمعسر أن يحلف معه ويستحق قيمة نصيبه سواء حلف العبد أو لم يحلف لأن الذي يدعيه مال يقبل فيه شاهد ويمين فصل وإن ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وأنكر الآخر وكان المدعى عليه موسرا عتق نصيب المدعي وحده لاعترافه بحريته بسراية عتق شريكه وصار مدعيا نصف القيمة على شريكه ولا يسري لأنه لا يعترف أنه المعتق له وإنما عتق باعترافه بحريته لا بإعتاقه له ولا ولاء له عليه لإنكاره له قال القاضي وولاؤه موقوف وإن كان المدعي عدلا لم تقبل شهادته لأنه يدعي نصف قيمته على شريكه فيجر بشهادته نفعا ومن شهد بشهادة يجر إليه بها نفعا بطلت شهادته كلها وأما إن كان المدعى عليه معسرا فالقول قوله مع يمينه ولا يعتق منه شيء وإن كان المدعي عدلا حلف العبد مع شهادته وصار نصفه حرا وقال حماد إن كان المشهود عليه موسرا سعى له وإن كان معسرا سعى لهما وقالأبو حنيفة إن كان معسرا سعى العبد وولاؤه بينهما وإن كان موسرا فولاء نصفه موقوف فإن اعترف أنه أعتق استحق الولاء وإلا كان الولاء لبيت المال فصل إذا قال أحد الشريكين إن كان هذا الطائر غرابا فنصيبي حر وقال الآخر إن لم يكن غرابا فنصيبي حر وطار ولم يعلما حاله فإن كانا موسرين عتق العبد كله وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر وحده لما ذكرنا وإن كانا معسرين لم يعتق نصيب واحد منهما لأنه لم يتعين الحنث فيه فإن اشترى أحدهما نصيب الآخر عتق نصفه لأننا علمنا حرية نصفه ولم يسر إلى النصف الآخر وإن اشترى العبد أجنبي عتق نصفه لأن نصفه حر يقينا فلم يملك جميعه مسألة قال ( وإذا مات رجل وخلف ابنين وعبدين لا يملك غيرهما وهما متساويان في القيمة فقال أحد الابنين أبي أعتق هذا وقال الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما فإن وقعت القرعة على الذي اعترف الابن بعتقه عتق ثلثاه إن لم يجز الابنان عتقه كاملا وكان الآخر عبدا وإن وقعت القرعة على الآخر عتق منه ثلثه وكان لمن قرعنا بقوله فيه سدسه ونصف العبد الآخر ولأخيه نصفه وسدس العبد الذي اعترف أن أباه أعتقه فصار ثلث كل واحد من العبدين حرا )

الأسئلة