İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
فأما إن فرقهم أربع فرق فصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق فصلى بإحداهن ركعتين والباقين ركعة ركعة صحت صلاة الأولى والثانية لأنهما ائتما بمن صلاته صحيحة ولم يوجد منهما ما يبطل صلاتهما وتبطل صلاة الإمام بالانتظار الثالث لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فزاد انتظارا لم يرد الشرع به فتبطل صلاته به كما لو فعله من غير خوف ولا فرق بين أن تكون به حاجة إلى ذلك أو لم يكن لأن الرخص إنما يصار فيها إلى ما ورد الشرع به ولا تصح صلاة الثالثة والرابعة لائتمامها بمن صلاته باطلة فأشبه ما لو كانت صلاته باطلة من أولها فإن لم يعلما ببطلان صلاة الإمام فقال ابن حامد لا تبطل صلاتهما لأن ذلك مما يخفى فلم تبطل صلاة المأموم كما لو ائتم بمحدث وينبغي على هذا أن يخفى على الإمام والمأموم كما اعتبرنا في صحة صلاة من ائتم بمحدث خفاء على الإمام والمأموم ويحتمل أن لا تصح صلاتهما لأن الإمام والمأموم يعلمان وجود المبطل وإنما خفي عليهم حكمه فلم يمنع ذلك البطلان كما لو علم الإمام والمأموم حدث الإمام ولم يعلما كونه مبطلا وقال بعض أصحاب الشافعي كقول ابن حامد وقال بعضهم تصح صلاة الإمام والمأمومين جميعا لأن الحاجة تدعو إلى ذلك فأشبه ما لو فرقهم فرقتين وقال بعضهم المنصوص أن صلاتهم تبطل بالانتظار الأول لأنه زاد على انتظار رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة لم يرد الشرع بها ولنا على الأول إن الرخص إنما تتلقى من الشرع ولم يرد الشرع بهذا وعلى الثاني إن طول الانتظار لا عبرة به كما لو أبطأت الثانية فيما إذا فرقهم فرقتين مسألة قال ( وإن كانت الصلاة مغربا صلى بالطائفة الأخرى ركعة وأتمت لأنفسها ركعتين تقرأ فيهما بالحمد لله ويصلي بالطائفة الأخرى ركعة وأتمت لأنفسها ركعتين تقرأ فيهما بالحمد لله وسورة ) وبهذا قال مالك والأوزاعي وسفيان والشافعي في أحد قوليه وقال في آخر يصلي بالأولى ركعة والثانية ركعتين لأنه روى عن علي رضي الله عنه أنه صلى ليلة الهرير هكذا ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام والتقدم فينبغي أن تزيد الثانية في الركعات ليجبر نقصهم وتساوي الأولى ولنا إنه إذا لم يكن بد من التفضيل فالأولى أحق به ولأنه يجبر ما فات الثانية بإدراكها السلام مع الإمام ولأنها تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام والأولى تفعل بعض صلاتها في حكم الانفراد وأيا ما فعل فهو جائز على ما قدمنا وهل تفارقه الطائفة الأولى في التشهد أو حين يقوم إلى الثالثة فعلى وجهين وإذا صلى بالثانية الركعة الثالثة وجلس للتشهد فإن الطائفة تقوم ولا تتشهد معه ذكره القاضي لأنه ليس بموضع لتشهدها بخلاف الرباعية ويحتمل أن تتشهد معه لأنها تقضي ركعتين متواليتين على إحدى الروايتين فيفضي إلى أن تصلي ثلاث ركعات بتشهد واحد ولا نظير لهذا في الصلوات فعلى هذا الاحتمال تتشهد معه التشهد الأول ثم تقوم كالصلاة الرباعية سواء فصل ويستحب أن يحمل السلام في صلاة الخوف لقول الله تعالى وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم النساء 102 ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم عدوهم فيميلون عليهم كما قال الله تعالى ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة النساء 102 والمستحب من ذلك ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين ولا يثقله كالجوشن ولا يمنع من إكمال السجود كالمغفر ولا ما يؤذي غيره كالرمح إذا كان متوسطا فإن كان ي الحاشية لم يكره ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل بركن من أركان الصلاة إلا عند الضرورة مثل أن يخاف وقوع الحجارة أو السهام به فيجوز له حمله للضرورة قال أصحابنا ولا يجب حمل السلاح وهذا قول أبي حنيفة وأكثر أهل العلم وأحد قولي الشافعي لأنه لو وجب لكان شرطا في الصلاة كالسترة ولأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للإيجاب كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن الوصال رفقا بهم لم يكن للتحريم ويحتمل أن يكون واجبا
وبه قال داود والشافعي في القول الآخر والحجة معهم لأن ظاهر الأمر الوجوب وقد اقترن به ما يدل على إرادة الإيجاب به وهو قوله تعالى ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم النساء 102 ونفي الحرج مشروطا بالأذى دليل على لزومه عند عدمه فأما إن كان بهم أذى من مطر أو مرض فلا يجب بغير خلاف بتصريح النص بنفي الحرج فيه فصل ويجوز أن يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحمد كل حديث يروي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز وقال ستة أوجه أو سبعة يروي فيها كلها جائز وقال الأثرم قلت لأبي عبد الله تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه أو تختار واحدا منها قال أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن وأما حديث سهل فأنا أختاره إذا تقرر هذا فنذكر الوجوه التي بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها وقد ذكرنا منها وجهين أحدهما ما ذكره الخرقي وهو حديث سهل والثاني حديث ابن عمر وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة والثالث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وهو ما روى أبو عياش الزرقي قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم في الصلاة فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضرت العصر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم صف وصف خلف ذلك الصف صف آخر فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعا ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم فلما صلى بهؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعا ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعا فسلم عليهم فصلاها بعسفان وصلاها يوم ببني سليم رواه أبو داود وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا المعنى أخرجه مسلم وروي عن حذيفة أنه أمر سعيد بن العاص بطبرستان حين سألهم أيكم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقال حذيفة أنا وأمره بنحو هذه الصلاة قال وتأمر أصحابك إن هاجمهم هيج فقد حل لهم القتال والكلام رواه الأثرم بإسناده وإن حرس الصف الأول في الأولى والثاني في الثانية أو لم يتقدم الثاني إلى مقام الأول أو حرس بعض الصف وسجد الباقون جاز ذلك كله لأن المقصود يحصل لكن الأولى فعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن شرط هذه الصلاة أن يكون العدو في جهة القبلة لأنه لا يمكن حراستهم في الصلاة إلا كذلك وأن يكونوا بحيث لا يخفى بعضهم على بعض ولا يخاف كمين لهم فصل الوجه الرابع أن يصلي بكل طائفة صلاة منفردة ويسلم بها كما روى أبو بكرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع وأصحابه ركعتان أخرجه أبو داود والأثرم وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة الإمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة وهذا مذهب الحسن وليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين
فصل الوجه الخامس أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ولا يسلم ثم تسلم الطائفة وتنصرف ولا تقضي شيئا وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها ركعتين ويسلم بها ولا تقي شيئا وهذا مثل الوجه الذي قبله إلا أنه لا يسلم في الركعتين الأوليين لما روى جابر قال أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع فذكر الحديث قال فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين متفق عليه وتأول القاضي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم كصلاة الحضر وأن كل طائفة قضت ركعتين وهذا ظاهر الفساد جدا لأنه يخالف صفة الرواية وقول أحمد ويحمله على محمل فاسد أما الرواية فإنه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين ولم يذكر قضاء ثم قال في آخرها وللقوم ركعتين ركعتين وأما قول أحمد فإنه قال ستة أوجه أو سبعة يروي فيها كلها جائز وعلى هذا التأويل لا تكون ستة ولا خمسة ولأنه قال كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فهو جائز وهذا مخالف لهذا التأويل وأما فساد المحمل فإن الخوف يقتضي تخفيف الصلاة وقصرها كما قال الله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا النساء 101 وعلى هذا التأويل يجعل مكان الركعتين أربعا ويتم الصلاة المقصورة ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتم صلاة السفر فكيف يحمل ها هنا على أنه أتمها في موضع وجد فيه ما يقتضي التخفيف فصل الوجه السادس أن يصلي بكل طائفة ركعة ولا تقضي شيئا لما روى ابن عباس قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة فصف صفا خلفه وصفا موازي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وكانت لهم ركعة ركعة رواه الأثرم وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا شيئا رواه أبو داود وروي مثله عن زيد بن ثابت وأبي هريرة رواهن الأثرم وكذلك قال أبو داود في السنن وهو مذهب ابن عباس وجابر قال إنما القصر ركعة عند القتال وقال طاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم كذا يقولون ركعة في شدة الخوف يومىء إيماء وقال إسحاق يجزئك عند الشدة ركعة تومىء إيماء فإن لم يقدر فسجدة واحدة فإن لم يقدر فتكبيرة لأنها ذكر لله تعالى وعن الضحاك أنه قال ركعة فإن لم يقدر كبر تكبيرة حيث كان وجهه فهذه صلاة يقتضي عموم كلام أحمد جوازها لأنه ذكر ستة أوجه ولا أعلم سادسا واها وأصحابنا ينكرون ذلك قال القاضي لا تأثير للخوف في عدد الركعات وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة والذي قال منهم ركعة إنما جعلها عند شدة القتال والذين روينا عنهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أكثرهم لم ينقصوا عن ركعتين وابن عباس لم يكن ممن يحضر النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته ولا يعلم ذلك إلا بالرواية من غيره فالأخذ برواية من حضر الصلاة وصلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم أولى فصل ومتى صلى بهم صلاة الخوف من غير خوف فصلاته وصلاتهم فاسدة لأنها لا تخلو من مفارق إمامه لغير عذر وتارك متابعة إمامه في ثلاثة أركان أو قاصر للصلاة مع إتمام إمامه وكل ذلك يفسد الصلاة إلا مفارقة الإمام لغير عذر على اختلاف فيه وإذا فسدت صلاتهم فسدت صلاة الإمام لأنه صلى إماما بمن صلاته فاسدة إلا أن يصلي بهم صلاتين كاملتين فإنه تصح صلاته وصلاة الطائفة الأولى وصلاة الثانية تبنى على ائتمام المفترض بالتنفل وقد نصرنا جوازه
مسألة قال ( وإذا كان الخوف شديدا وهم في حال المسايفة صلوا رجالا وركبانا إلى القبلة وإلى غيرها يومئون إيماء يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا أو إلى غيرها ) أما إذا اشتد الخوف والتحم القتال فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم رجالا وركبانا إلى القبلة إن أمكنهم وإلى غيرها إن لم يمكنهم يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة ويجعلون السجود أخفض من الركوع ويتقدمون ويتأخرون ويضربون ويطعنون ويكرون ويفرون ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها وهذا قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى لا يصلى مع المسايفة ولا مع المشي لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل يوم الخندق وأخر الصلاة ولأن ما منع الصلاة في غير شدة الخوف منعها معه كالحدث والصياح وقال الشافعي يصلي ولكن إن تابع الطعن أو الضرب أو المشي أو فعل ما يطول بطلت صلاته لأن ذلك من مبطلات الصلاة أشبه الحدث ولنا قول الله تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا البقرة 239 قال ابن عمر فإن كان خوف أشد منم ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في غير شدة الخوف فأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو ثم يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم وهذا مشي كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة وأجاز ذلك من أجل الخوف الذي ليس بشديد فمع الخوف الشديد أولى ومن العجب أن أبا حنيفة اختار هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل على العمل في أثناء الصلاة وسوغه مع الغنى عنه وإمكان الصلاة بدونه ثم منعه في حال لا يقدر إلا عليه وكان العكس أولى سيما مع نص الله تعالى على الرخصة في هذه الحال ولأنه مكلف تصح طهارته فلم يجز له إخلاء وقت الصلاة عن فعلها كالمريض ويخص الشافعي بأنه عمل أبيح من أجل الخوف فلم تبطل الصلاة به كاستدبار القبلة والركوب والإيماء ولأنه لا يخلو عند الحاجة إلى العمل الكثير من أجل ثلاثة أمور إما تأخير الصلاة عن وقتها ولا خلاف بيننا في تحريمه أو ترك القتال وفيه هلاكه وقد قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة 195 وأجمع المسلمون على أنه لا يلزمه هذا أو متابعة العمل للمتنازع فيه وهو جائز بالإجماع فتعين فعله وصحة الصلاة معه ثم ما ذكره يبطل المشي الكثير والعدو في الهرب وغيره وأما تأخير الصلاة يوم الخندق فروى أبو سعيد أنه كان قبل نزول صلاة الخوف ويحتمل أنه شغله المشركون فنسي الصلاة فقد نقل ما يدل على ذلك وقد ذكرناه فيما مضى وأكده أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا في مسايفة توجب قطع الصلاة وأما الصياح والحدث فلا حاجة بهم إليه ويمكنهم التيمم ولا يلزم من كون الشيء مبطلا مع عدم العذر أن يبطل معه كخروج النجاسة من المستحاضة ومن به سلس البول وإن هرب من العدو هربا مباحا أو من سيل أو سبع أو حريق لا يمكنه التخلص منه بدون الهرب فله أن يصلي صلاة شدة الخوف سواء خاف على نفسه أو ماله أو أهله والأسير إذا خافهم على نفسه إن صلى والمختفي في موضع يصليان كيفما أمكنهما نص عليه أحمد في الأسير ولو كان المختفي قاعدا لا يمكنه القيام أو مضطجعا لا يمكنه القعود ولا الحركة صلى على حسب حاله وهذا قول محمد بن الحسن وقال الشافعي يصلي ويعيد وليس بصحيح لأنه خائف صلى على حسب ما يمكنه فلم تلزمه الإعادة كالهارب ولا فرق بين الحضر والسفر في هذا لأن المبيح خوف الهلاك وقد تساويا فيه ومتى أمكن التخلص بدون ذلك كالهارب من السيل يصعد إلى ربوة والخائف من العدو يمكنه دخول حصن يأمن فيه صولة العدو ولحوق الضرر فيصلي فيه ثم يخرج لم يكن له أن يصلي صلاة شدة الخوف لأنها إنما أبيحت للضرورة فاختصت بوجود الضرورة
فصل والعاصي بهربه كالذي يهرب من حق توجه عليه وقاطع الطريق واللص والسارق ليس له أن يصلي صلاة الخوف لأنها رخصة ثبتت للدفع عن نفسه في محل مباح فلا تثبت بالمعصية كرخص السفر فصل قال أصحابنا يجوز أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة رجالا وركبانا ويحتمل أن لا يجوز ذلك وهو قول أبي حنيفة لأنهم يحتاجون إلى التقدم والتأخر وربما تقدموا الإمام وتعذر عليهم الائتمام واحتج أصحابنا بأنها حالة يجوز فيها الصلاة على الانفراد فجاز فيها صلاة الجماعة كركوب السفينة ويعفى عن تقدم الإمام للحاجة إليه كالعفو عن العمل الكثير ولمن نصر الأول أن يقول العفو عن ذلك لا يثبت إلا بنص أو معنى نص ولم يوجد واحد منهما وليس هذا في معنى العمل الكثير لأن العمل الكثير لا يختص الإمامة بل هو في حال الانفراد كحال الائتمام فلا يؤثر الانفراد في نفسه بخلاف تقدم الإمام فصل وإذا صلوا صلاة الخوف ظنا منهم أن ثم عدوا فبان أنه لا عدو أو بان عدو لكن بينهم وبينه ما يمنع عبوره إليهم فعليهم الإعادة سواء صلوا صلاة شدة الخوف أو غيرها وسواء كان ظنهم مستند إلى خبر ثقة أو غيره أو رؤية سواد أو نحوه لأنهم تركوا بعض واجبات الصلاة ظنا منهم سقوطها فلزمتهم الإعادة كما لو ترك المتوضىء غسل رجليه ومسح على خفيه ظنا منه أن ذلك يجزي عنه وصلى ثم تبين أن خفه كان مخرقا وكما لو ظن المحدث أنه متطهر فصلى ويحتمل أن لا تلزم الإعادة إذا كان عدوا بينهم وبينه ما يمنع العبور لأن السبب للخوف متحقق وإنما خفي المانع مسألة قال ( ومن أمن وهو في الصلاة أتمها صلاة آمن وكذلك إن كان آمنا فاشتد خوفه أتمها صلاة الخائف ) وجملته أنه صلى بعض الصلاة حال شدة الخوف مع الإخلال بشيء من واجباتها كالاستقبال وغيره فأمن في أثناء الصلاة أتمها آتيا بواجباتها فإذا كان راكبا على غير القبلة نزل مستقبلا القبلة وإن كان ماشيا وقف واستقبل القبلة وبنى على ما مضى لأن ما مضى كان صحيحا قبل الأمن فجاز البناء عليه كما لو لم يخل بشيء من الواجبات وإن ترك الاستقبال حال نزوله أو أخل بشيء من واجباتها بعد أمنه فسدت صلاته وإن ابتدأ الصلاة آمنا بشروطها وواجباتها ثم حدث شدة خوف أتمها على حسب ما يحتاج إليه مثل أن يكون قائما على الأرض مستقبلا فيحتاج أن يركب ويستدبر القبلة أتمها على حسب ما يحتاج إليه ويطعن ويضرب ونحو ذلك فإنه يصير إليه ويبني على ما مضى من صلاته وحكي عن الشافعي أنه إذا أمن نزل فبنى وإذا خاف فركب ابتدأ لأن الركوب عمل كثير ولا يصح لأن الركوب قد يكون يسيرا فمثله في حق الآمن لا يبطل ففي حق الخائف أولى كالنزول ولأنه عمل أبيح للحاجة فلم يمنع صحة الصلاة كالهرب كتاب صلاة الكسوف الكسوف والخسوف شيء واحد وكلاهما قد وردت به الأخبار وجاء القرآن بلفظ الخسوف مسألة قال أبو القاسم ( وإذا خسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة إن أحبوا جماعة وإن أحبوا فرادى ) صلاة الكسوف ثابتة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سنذكره ولا نعلم بين أهل العلم في مشروعيتها لكسوف الشمس خلافا وأكثر أهل العلم على أنها مشروعة لخسوف القمر فعله ابن عباس وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشافعي وإسحاق وقال مالك ليس لكسوف القمر سنة وحكى ابن عبد البر عنه وعن أبي حنيفة أنهما قالا يصلي الناس لخسوف القمر وحدانا ركعتين ركعتين ولا يصلون جماعة لأن في خروجهم إليها مشقة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا متفق عليه فأمر بالصلاة لهما أمرا واحدا وعن ابن عباس أنه صلى بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين وقال إنما صليت لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي
ولأنه أحد الكسوفين فأشبه كسوف الشمس ويسن فعلها جماعة وفرادى وبهذا قال مالك والشافعي وحكي عن الثوري أنه قال إن صلاها الإمام صلوها معه وإلا فلا تصلوا ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فإذا رأيتموها فصلوا ولأنها نافلة فجازت في الانفراد كسائر النوافل وإذا ثبت هذا فإن فعلها في الجماعة أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في جماعة والسنة أن يصليها في المسجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها فيه قالت عائشة خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه رواه البخاري ولأن وقت الكسوف يضيق فلو خرج إلى المصلى احتمل التجلي قبل فعلها وتشرع في الحضر والسفر بإذن الإمام وغير إذنه وقال أبو بكر هي كصلاة العيد فيها روايتان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رأيتموها فصلوا ولأنها نافلة أشبهت سائر النوافل وتشرع في حق النساء لأن عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ويسن أن ينادي لها الصلاة جامعة لما روي عن عبد الله بن عمر وقال لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي بالصلاة جامعة متفق عليه ولا يسن لها أذان ولا إقامة لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بغير أذان ولا إقامة ولأنها من غير الصلوات الخمس فأشبهت سائر النوافل مسألة قال ( يقرأ في الأولى بأم الكتاب وسورة طويلة يجهر بالقراءة ثم يركع فيطيل الركوع ثم يرفع فيقرأ ويطيل القيام وهو دون القيام الأول ثم يركع فيطيل الركوع وهو دون الركوع الأول ثم يسجد سجدتين طويلتين فإذا قام فعل مثل ذلك فيكون أربع ركعات وأربع سجدات ثم يتشهد ويسلم ) وجملته أن المستحب في صلاة الكسوف أن يصلي ركعتين يحرم بالأولى ويستفتح ويستعيذ ويقرأ الفاتحة وسورة البقرة أو قدرها في الطول ثم يركع فيسبح الله تعالى قدر مائة ثم يرفع فيقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقرأ الفاتحة وآل عمران أو قدرها ثم يركع بقدر ثلثي ركوعه الأول ثم يرفع فيسمع ويحمد ثم يسجد فيطيل السجود فيهما ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ الفاتحة وسورة النساء ثم يركع فيسبح بقدر ثلثي تسبيحه في الثانية ثم يرفع فيقرأ الفاتحة والمائدة ثم يركع فيطيل دون الذي قبله ثم يرفع فيسمع ويحمد ثم يسجد فيطيل فيكون الجميع ركعتين في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان ويجهر بالقراءة ليلا كان أو نهارا وليس هذا التقدير في القراءة منقولا عن أحمد لكن قد نقل عنه أن الأولى أطول من الثانية وجاء التقدير في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة متفق عليه وفي حديث لعائشة حزرت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت أنه قرأ في الركعة الأولى سورة البقرة وفي الثانية سورة آل عمران وبهذا قال مالك والشافعي إلا أنهما قالا لا يطيل السجود حكاه عنهما ابن المنذر لأن ذلك لم ينقل وقالا لا يجهر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر ووافقهم أبو حنيفة لقول عائشة حزرت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو جهر بالقراءة لم تحتج إلى الظن والتخمين وكذلك قال ابن عباس قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة وروى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خسوف الشمس فلم أسمع له صوتا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولأنها صلاة نهار فلم يجهر فيها كالظهر وقالأبو حنيفة يصلي ركعتين كصلاة التطوع لما روى النعمان بن بشير قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فكان يصلي ركعتين ويسلم ويصلي ركعتين ويسلم حتى انجلت الشمس رواه أحمد عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة عن النعمان وروى قبيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة
ولنا إن عبد الله بن عمرو قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف ثم سجد فلم يكد يرفع رواه أبو داود وفي حديث عائشة ثم رفع ثم سجد سجودا طويلا ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد سجودا طويلا وهو دون السجود الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد سجودا طويلا وهو دون السجود الأول رواه البخاري وترك ذكره في حديث لا يمنع مشروعيته إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الجهر قد روي عنعلي رضي الله عنه وفعله عبد الله بن زيد وبحضرته للبراء بن عازب وزيد بن أرقم وبه قال أبو يوسف وإسحاق وابن المنذر وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف وجهر فيها بالقراءة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولأنها نافلة شرعت لها الجماعة فكان من سنتها الجهر كصلاة الاستسقاء والعيد والتراويح فأما قول عائشة رضي الله عنها حزرت قراءته ففي إسناده مقال لأنه من رواية ابن إسحاق ويحتمل أن تكون سمعت صوته ولم تفهم للبعد أو قرأ من غير أول القرآن بقدر البقرة ثم حديثنا صحيح فكيف يعارض بمثل هذا وحديث سمرة يجوز أنه لم يسمع لعبده فإن في حديثه دفعت إلى المسجد وهو بازر يعني مغتصا بالزحام قاله الخطابي ومن هذا حاله لا يصل مكانا يسمع منه ثم هذا نفي محتمل لأمور كثيرة يترك من أجله الحديث الصحيح الصريح وقياسهم منتقض بالجمعة والعيدين والاستسقاء وقياس هذه الصلاة على هذه الصلوات أولى من قياسها على الظهر لبعدها منها وشبهها بهذه وأما الدليل على صفة الصلاة فروت عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف وعن ابن عباس مثل ذلك وفيه أنه قام في الأولى قياما طويلا نحوا من سورة البقرة متفق عليهما ولأنها صلاة يشرع لها الاجتماع فخالفت سائر النوافل كصلاة العيدين والاستسقاء فأما أحاديثهم فمتروكة غير معمول بها باتفاقنا فإنهم قالوا يصلي ركعتين وحديث النعمان فيه أنه يصلي ركعتين ثم ركعتين حتى انجلت الشمس وحديث قبيصة فيه أنه يصلي كأحدث صلاة صليتموها وأحد الحديثين يخالف الآخر ثم حديث قبيصة مرسل ثم يحتمل أنه صلى ركعتين في كر ركعة ركوعين ولو قدر التعارض لكان الأخذ بأحاديثنا أولى لصحتها وشهرتها واتفاق الأئمة على صحتها والأخذ بها واشتمالها على الزيادة والزيادة منن الثقة مقبولة ثم هي نافلة عن العادة وقد روي عن عروة أنه قيل له إن أخاك صلى ركعتين فقال إنه أخطأ السنة فصل ومهما قرأ به جاز سواء كانت القراءة طويلة أو قصيرة وقد روي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات وقرأ في الأولى بالعنكبوت والروم وفي الثانية بيس أخرجه الدارقطني
فصل ولم يبلغنا عن أحمد رحمه الله أن لها خطبة وأصحابنا على أنها لا خطبة لها وهذا مذهب مالك وأصحاب الرأي وقال الشافعي يخطب كخطبتي الجمعة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا ثم قال يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا متفق عليه ولنا هذا الخبر فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة والدعاء والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بخطبة ولو كانت سنة لأمرهم بها ولأنها صلاة يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة وإنما خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ليعلمهم حكمها وهذا مختص به وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة فصل ويستحب ذكر الله تعالى والدعاء والتكبير والاستغفار والصدقة والعتق والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع لخبر عائشة هذا وفي خبر أبي موسى فافزعوا إلى ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره وروي عن أسماء أنها قالت إن كنا لنؤمر بالعتق في الكسوف ولأنه تخويف من الله تعالى فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى ليكشفه عن عباده فصل ومقتضى مذهب أحمد أنه يجوز أن يصلي صلاة الكسوف على كل صفة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كقوله في صلاة الخوف إلا أن اختياره من ذلك الصلاة على الصفة التي ذكرنا قال أحمد رحمه الله روى ابن عباس وعائشة في صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات وأما علي فيقول ست ركعات وأربع سجدات فذهب إلى قولابن عباس وعائشة وروي عن ابن عباس أنه صلى ست ركعات وأربع سجدات وكذلك حذيفة وهذا قول إسحاق وابن المنذر وبعض أهل العلم قالوا تجوز صلاة الكسوف على كل صفة صح أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وقد روي عن عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ست ركعات وأربع سجدات أخرجه مسلم وروي عنه أنه صلى أربع ركعات وسجدتين في كل ركعة رواه مسلم والدارقطني بإسناده عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن المنذر وروينا عن علي وابن عباس أنهما صليا هذه الصلاة وحكي عن إسحاق أنه قال وجه الجمع بين هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانن يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد انجلت فإذا انجلت سجد فمن ها هنا صارت زيادة الركعات ولا يجاوز أربع ركعات في كل ركعة لأنه لم يأتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك فصل وصلاة الكسوف سنة مؤكدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها ووقتها من حين الكسوف إلى حين التخلي فإن فاتت لم تقض لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى تنجلي فجعل الانجلاء غاية للصلاة ولأن الصلاة إنما سنت رغبة إلى الله في ردها فإذا حصل ذلك حصل مقصود للصلاة وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها وخففها وإن استترت الشمس والقمر بالسحاب وهما منكسفات صلى لأن الأصل بقاء الكسوف وإن غابت الشمس كاسفة أو طلعت على القمر وهو خاسف لم يصل لأنه قد تذهب وقت الانتفاع بنورهما وإن غاب القمر ليلا فقال القاضي يصلي لأنه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره وضوئه ويحتمل أن لا يصلى لأن ما يصلى له قد غاب أشبه ما لو غابت الشمس وإن فرغ من الصلاة والكسوف قائم لم يزد واشتغل بالذكر والدعاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد على ركعتين
فصل وإذا اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره من الجمعة أو العيد أو صلاة مكتوبة أو الوتر بدأ بأخوفهما فوتا فإن خيف فوتهما بدأ بالصلاة الواجبة وإن لم يكن فيهما واجبة كالكسوف والوتر أو التراويح بدأ بآكدهما كالكسوف والوتر بدأ بالكسوف لأنه آكد ولهذا تسن له الجماعة ولأن الوتر يقضي وصلاة الكسوف لا تقضي فإن اجتمعت التراويح والكسوف فبأيهما يبدأ فيه وجهان هذا قول أصحابنا والصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم وانتظارهم للصلاة الواجبة مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخفيف الصلاة الواجبة كيلا يشق على المأمومين فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة مع أنها غير واجبة أولى وكذلك الحكم إذا اجتمعت مع التراويح قدمت التراويح لذلك وإن اجتمعت مع الوتر في أول وقت الوتر قدمت لأن الوتر لا يفوت وإن خيف فوات الوتر قدم لأنه يسير يمكن فعله وإدراك وقت الكسوف وإن لم يبق إلا قدر الوتر فلا حاجة بالتلبس بصلاة الكسوف لأنها إنما تقع في وقت النهي وإن اجتمع الكسوف وصلاة الجنازة قدمت الجنازة وجها واحدا لأن الميت يخاف عليه والله أعلم فصل إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني احتمل أن تفوته الركعة قال القاضي لأنه قد فاته من الركعة ركوع أشبه ما لو فاته الركوع من غير هذه الصلاة ويتحمل أن صلاته تصح لأنه يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركوع واحد فاجتزىء به في حق المسبوق والله أعلم مسألة قال ( وإذا كان الكسوف في غير وقت الصلاة جعل مكان الصلاة تسبيحا هذا ظاهر المذهب لأن النافلة لا تفعل في أوقات النهي سواء كان لها سببب أو لم يكن ) روي ذلك عن الحسن وعطاء وعكرمة بن خالد وابن أبي مليكة وعمرو بن شعيب وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومالك وأبي حنيفة خلافا للشافعي وقد مضى الكلام في هذا ونص عليه أحمد قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الكسوف يكون في غير وقت الصلاة كيف يصنعون قال يذكرون الله ولا يصلون إلا في وقت صلاة قيل له وكذلك الفجر قال نعم لا يصلون وروي عن قتادة قال انكسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة فقاموا قياما يدعون فسألت عن ذلك عطاء قال هكذا يصنعون فسألت عن ذلك الزهري قال هكذا يصنعون وروى إسماعيل بن سعيد عن أحمد أنهم يصلون الكسوف في أوقات النهي قال أبو بكر عبد العزيز وبالأول أقول وهو أظهر القولين عندي وقد تقدم الكلام في ذلك في بابه فصل قال أصحابنا يصلى للزلزلة كصلاة الكسوف نص عليه وهو مذهب إسحاق وأبي ثور قال القاضي ولا يصلى للرجفة والريح الشديدة والظلمة ونحوها وقال الآمدي يصلى لذلك ولرمي الكواكب والصواعق وكثرة المطر وحكاه عن ابن أبي موسى وقال أصحاب الرأي الصلاة لسائر الآيات حسنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الكسوف بأنه آية من آيات الله تعالى يخوف بها عباده وصلى ابن عباس للزلزلة بالبصرة رواه سعيد وقال مالك والشافعي لا يصلى لشيء من الآيات سوى الكسوف لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل لغيره وقد كان في عصره بعض هذه الآيات وكذلك خلفاؤه ووجه الصلاة للزلزلة فعل ابن عباس وغيرها لا يصلى له لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل لها ولا أحد من أصحابه والله أعلم كتاب صلاة الاستسقاء صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثابتة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( وإذا أجدبت الأرض واحتبس المطر خرجوا مع الإمام فكانوا في خروجهم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خرج للاستسقاء خرج متواضعا متبذلا متذللا متضرعا )
وجملة ذلك أن السنة الخروج لصلاة الاستسقاء على هذه الصفة المذكورة متواضعا لله تعالى متبذلا أي في ثياب البذلة أي لا يلبس ثياب الزينة ولا يتطيب لأنه من كمال الزينة وهذا يوم تواضع واستكانة ويكون متخشعا في مشيه وجلوسه في خضوع متضرعا لله تعالى متذللا له راغبا إليه قال ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلي فلم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ويستحب التنظيف بالماء واستعمال السواك وما يقطع الرائحة ويستحب الخروج لكافة الناس وخروج من كان ذا دين وستر وصلاح والشيوخ أشد استحبابا لأنه أسرع للإجابة فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها فأما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن الخروج لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع ولا يستحب إخراج البهائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله وإذا عزم الإمام على الخروج استحب أن يعد الناس يوما يخرجون فيه ويأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم والصيام والصدقة وترك التشاحن ليكون أقرب لإجابتهم فإن المعاصي سبب الجدب والطافة تكون سببا للبركات قال الله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون الأعراف 96 مسألة قال ( فيصلي بهم ركعتين ) لا نعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافا في أنها ركعتان واختلفت الرواية في صفتها فروي أنه يكبر فيهما كتكبير العيد سيعا في الأولى وخمسا في الثانية وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وداود والشافعي وحكي عن ابن عباس وذلك لقول ابن عباس في حديثه وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمسا والرواية الثانية أنه يصلي ركعتين كصلاة التطوع ومذهب مالك والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق لأن عبد الله بن زيد قال استسقى النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين وقلب رداءه متفق عليه وروى أبو هريرة نحوه ولم يذكر التكبير وظاهره أنه لم يكبر وهذا ظاهر كلام الخرقي وكيفما فعل كان جائزا حسنا وقال أبو حنيفة لا تسن الصلاة للاستسقاء ولا الخروج لها لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى على المنبر يوم الجمعة ولم يصل لها واستسقى عمر بالعباس ولم يصل وليس هذا بشيء فإنه قد ثبت بما رواه عبد الله بن زيد وابن عباس وأبو هريرة أنه خرج وصلى وما ذكروه لا يعارض ما رووه لأنه يجوز الدعاء بغير صلاة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكروه ولا يمنع فعل ما ذكرناه بل قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمرين قالابن المنذر ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء وخطب وبه قال عوام أهل العلم إلا أبا حنيفة وخالفه أبو يوسف ومحمد بن الحسن فوافقا سائر العلماء والسنة يستغني بها عن كل قول ويسن أن يجهر بالقراءة لما روى عبد الله بن زيسقال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه وإن قرأ فيهما سبح اسم ربك الأعلى الأعلى 1 و هل أتاك حديث الغاشية الغاشية 1 فحسن لقول ابن عباس صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد وروى ابن قتيبة في غريب الحديث بإسناده عنأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج للاستسقاء فتقدم فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية
فصل ولا يسن لها أذان ولا إقامة لا نعلم فيه خلافا وقد روى أبو هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله تعالى وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه وقلب رداءه فجل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن رواه الأثرم ولأنها صلاة نافلة فلم يؤذن لها كسائر النوافل قال أصحابنا وينادي لها الصلاة جامعة كقولهم في صلاة العيد والكسوف فصل وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف لأن وقتها متسع فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي والأولى فعلها في وقت العيد لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشمس رواه داود ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين وقال ابن عبد البر الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء إلا أبا بكر بن حزم وهذا على سبيل الاختيار لا أنه يتعين فعلها فيه مسألة قال ( ثم يخطب ويستقبل القبلة ) اختلفت الرواية في الخطبة للاستسقاء وفي وقتها والمشهور أن فيها خطبة بعد الصلاة قال أبو بكر اتفقوا عن أبي عبد الله أن في صلاة الاستسقاء خطبة وصعودا على المنبر قال أبو بكر اتفقوا عن أبي عبد الله أن في صلاة الاستسقاء خطبة وصعودا على المنبر والصحيح أنها بعد الصلاة وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن قال ابن عبد البر وعليه جماعة الفقهاء لقول أبي هريرة صلى ركعتين ثم خطبنا ولقولابن عباس صنع في الاستسقاء ما صنع في العيدين ولأنها صلاة ذات تكبير فأشبهت صلاة العيد والرواية الثانية أنه يخطب قبل الصلاة روي ذلك عنعمر وابن الزبير وأبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وذهب إليه الليث بن سعد وابن المنذر لما روى أنس وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وصلى وعن عبد الله بن زيد قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقي فحول ظهره إلى الناس واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه وروى الأثرم بإسناده عن أبي الأسود قال أدركت أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل وعمر بن عبد العزيز وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كانوا إذا أرادوا أن يستسقوا خرجوا للبراز فكانوا يخطبون ثم يدعون الله ويحولون وجوههم إلى القبلة حين يدعون ثم يحول أحدهم رداءه من الجانب الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن وينزل أحدهم فيقرأ في الركعتين يجهر بهم الرواية الثالثة هو مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لورود الأخبار بكلا الأمرين ودلالتها على كلتا الصفتين فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين والرابعة أنه لا يخطب وإنما يدعو ويتضرع لقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه لكن لم يزل في الدعاء والتضرع وأيا فعل من ذلك فهو جائز لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها فإن شاء فعلها وإن شاء تركها والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة لتكون كالعيد وليكونوا قد فرغوا من الصلاة إن أحيب دعاؤهم فأغيثوا فلا يحتاجون إلى الصلاة في المطر وقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم نفي للصفة لا لأصل الخطبة أي لم يخطب كخطبتكم هذه إنما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير مسألة قال ( ويستقبل القبلة ويحول رداءه فيجعل اليمين يسارا واليسار يمينا ويفعل الناس كذلك ) وجملته أنه يستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة لما روى عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو رواه البخاري وفي لفظ فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو ويستحب أن يدعو سرا حال استقباله
فيقول اللهم أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فاستحب لنا كما وعدتنا اللهم فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا وإجابتنا في سقيانا وسعة أرزاقنا ثم يدعو بما شاء من أمر دين ودنيا وإنما يستحب الإسرار ليكون أقرب من الإخلاص وأبلغ في الخشوع والخضوع والتضرع وأسرع في الإجابة قال الله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية الأعراف 55 واستحب الجهر ببعضه ليسمع الناس فيؤمنون على دعائه ويستحب أن يحول رداءه في حال استقبال القبلة لأن في حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة ثم حول رداءه متفق عليه وهذا لفظ رواه البخاري وفي لفظ رواه مسلم فحول رداءه حين استقبل القبلة وفي لفظ وقلب رداءه متفق عليه ويستحب تحويل الرداء للإمام والمأموم في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة لا يسن لأن دعاء فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع وحكي عن سعيد بن المسيب وعروة والثوري أن تحويل الرداء مختص بالإمام دون المأموم وهو قول الليث وأبي يوسف ومحمد بن الحسن لأنه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أصحابه ولنا أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه به دليل كيف وقد عقل المعنى في ذلك وهو التفاؤل بقلب الرداء ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخطب وقد جاء ذلك في بعض الحديث وصفة تقليب الرداء أن يجعل ما على اليمين على اليسار وما على اليسار على اليمين روي ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومالك وكان الشافعي يقول به ثم رجع فقال يجعل أعلاه أسفله لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها فلما ثقلت عليه جعل العطاف الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن والذي على الأيمن على عاتقه الأيسر رواه أبو داود ودليلنا ما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم حول رداءه وجعل عطافع الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك والزيادة التي نقلوها إن ثبتت فهي ظن الراوي لا يترك لها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد نقل تحويل الرداء جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله ويبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء فصل ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء لما روى البخاري عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا الاستسقاء وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه وفي حديث أيضا لأنس فرفع النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس أيديهم مسألة قال ( ويدعو ويدعون ويكثرون في دعائهم الاستغفار ) وجملته أن الإمام إذا صعد المنبر جلس وإن شاء لم يجلس لأن الجلوس لم ينقل ولا ها هنا أذان ليجلس في وقته ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير وبهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وقال مالك والشافعي يخطب خطبتين كخطبتي العيدين لقول ابن عباس صنع النبي صلى الله عليه وسلم كما صنع في العيد ولأنها أشبهتها في التكبير وفي صفة الصلاة فتشبهها في الخطبتين ولنا قول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت ولا جلوس ولأن كل من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين ولأن المقصود إنما هو دعاء الله تعالى ليغيثهم ولا أثر لكونها خطبتين في ذلك والصحيح من حديث ابن عباس أنه قال صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد ولو كان النقل كما ذكروه فهو محمول على الصلاة بدليل أول الحديث
ويستحب أن يستفتح الخطبة بالتكبير كخطبة العيد ويكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ كثيرا استغفروا ربكم إنه كان غفارا نوح 10 وسائر الآيات التي فيها الأمر به فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه وروي عن عمر رضي الله عنه أنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار وقال لقد استسقيت بمجاديح السماء وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ميمون بن مهران يقول قد كتب إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا وكذا وأمرتهم بالصدقة والصلاة قال الله تعالى قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى الأعلى 14 و 15 وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين الأعراف 23 ويقولوا كما قال نوح وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين هود 47 ويقولوا كما قال يونس فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين الأنبياء 87 ويقولوا كما قال موسى رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم القصص 16 ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث والاستغفار والتوبة تمحو المعاصي المانعة من الغيث فيأتي الله به ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بدعائه فروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم اسقنا مغيثا غيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل رواه أبو داود قال الخطابي مريعا يروي على وجهين بالياء والباء فمن رواه بالياء جعله من المراعة يقال أمرع المكان إذا أخصب ومن رواه مربعا كان معناه منبتا للربيع وعن عائشة قالت شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا هو يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس فنزل فصلى ركعتين وقالعبد الله بن عمرو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت رواهما أبو داود روى ابن قتيبة بإسناده في غريب الحديث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج للاستسقاء فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و سبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب و هل أتاك حديث الغاشية فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه وقلب رداءه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي قال اللهم اسقنا وأغثنا اللهم اسقنا غيثا مغيثا وحيا ربيعا وجدا طبقا غدقا مغدقا مونقا هنيئا مريئا مريعا مربعا مرتعا سائلا مسيلا ممجللا ديما درورا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد اللهم أنزل في أرضنا زينتها وأنزل علينا في أرضنا سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا فأحيي به بلدة ميتا وأسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا قال ابن قتيبة المغيث المحيي بإذن الله تعالى والحيا الذي تحيا به الأرض والمال والجدا المطر العام ومنه أخذ جدا العطية والجدوى مقصور والطبق الذي يطبق الأرض والغدق والمغدق الكثير القطر والمونق المعجب والمريع ذو المراعة والخصب والمربع من قولك ربعت مكان كذا إذا أقمت به وأربع على نفسك ارفق والمرتع من رتعت الإبل إذا أرعت والسابل من السبل وهو المطر
يقال سبل سابل كما يقال مطر ماطر والرائث البطيء والسكن القوة لأن الأرض تسكن به وروي عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريعا غدقا مجللا طبقا سحا دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا فصل وهل من شرط هذه الصلاة إذن الإمام على روايتين إحداهما لا يستحب إلا بخروج الإمام أو رجل من قبله قال أبو بكر فإذا خرجوا بغير إذن الإمام دعوا وانصرفوا بلا صلاة ولا خطبة نص عليه أحمد وعنه أنهم يصلون لأنفسهم ويخطب بهم أحدهم فعلى هذه الرواية يكون الاستسقاء مشروعا في حق كل أحد مقيم ومسافر وأهل القرى والأعراب لأنها صلاة نافلة فأشبهت صلاة الكسوف ووجه الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها وإنما فعلها على صفة فلا يتعدى تلك الصفة وهو أنه صلاها بأصحابه وكذلك خلفاؤه ومن بعدهم فلا تشرع إلا في مثل تلك الصفة فصل ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء فإنعمر رضي الله عنه استسقى بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر استسقى عمر عام الرمادة بالعباس فقال اللهم إن هذا عم نبيك صلى الله عليه وسلم نتوجه إليك به فاسقنا فما برحوا حتى سقاهم الله عز وجل وروي أن معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر قال أين يزيد بن الأسود الجرشي فقام يزيد فدعاه معاوية فأجلسه عند رجليه ثم قال اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا الله تعالى فثارت في الغرب سحابة مثل الترس وهب لها ريح فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم واستسقى به الضحاك مرة أخرى مسألة قال ( فإن سقوا وإلا عادوا في اليوم الثاني والثالث ) وبهذا قال مالك والشافعي وقال إسحاق لا يخرجون إلا مرة واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج إلا مرة واحدة ولكن يجتمون في مساجدهم فإذا فرغوا من الصلاة ذكروا الله تعالى ودعوا ويدعو الإمام يوم الجمعة على المنبر ويؤمن الناس ولنا إن هذا أبلغ في الدعاء والتضرع وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله يحب الملحين في الدعاء وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يخرج ثانيا لاستغنائه عن الخروج بإجابته أول مرة والخروج في المرة الأولى آكد مما بعدها لورود السنة به فصل وإن تأهبوا للخروج فسقوا قبل خروجهم لم يخرجوا وشكروا الله على نعمته وسألوه المزيد من فضله وإن خرجوا فسقوا قبل أن يصلوا صلوا شكرا لله تعالى وحمدوه ودعوه ويستحب الدعاء عند نزول الغيث لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال صيبا نافعا رواه البخاري فصل ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله ليصيبه المطر لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته رواه البخاري وعن ابن عباس أنه كان إذا أمطرت السماء قال لغلامه أخرج رحلي وفراشي يصبه المطر ويستحب أن يتوضأ من ماء المطر إذا سال السيل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سال السيل يقول اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر فصل ويستحب أن يستسقوا عقيب صلواتهم ويوم الجمعة يدعو الإمام على المنبر ويؤمن الناس
قال القاضي الاستسقاء ثلاثة أضرب أكملها الخروج والصلاة على ما وصفناه ويليه استسقاء الإمام يوم الجمعة على المنبر لما روي أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا قال أنس ولا والله ما يرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيء ولا بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس ستا ثم دخل من ذلك الباب رجل في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فاستقبله قائما وقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس متفق عليه والثالث أن يدعو الله تعالى عقيب صلواتهم وفي خلواتهم فصل وإذا كثر المطر بحيث يضرهم أو مياه العيون دعوا الله تعالى أن يخففه ويصرف عنهم مضرته ويجعله في أماكن تنفع ولا تضر كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الفصل الذي قبل هذا ولأن الضرر بزيادة المطر أحد الضررين فيستحب الدعاء لإزالته كانقطاعه مسألة قال ( وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا وأمروا أن يكونوا منفردين عن المسلمين ) وجملته أنه لا يستحب إخراج أهل الذمة لأنهم أعداء الله الذين كفروا به وبدلوا نعمته كفرا فهم بعيدون عن الإجابة وإن أغيث المسلمون فربما قالوا هذا حصل بدعائنا وإجابتنا وإن خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون أرزاقهم من ربهم فلا يمنعون من ذلك ولا يبعد أن يجيبهم الله تعالى لأنه قد ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين ويؤمروا بالانفراد عن المسلمين لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب فيعم من حضرهم فإن قوم عاد استسقوا فأرسل الله عليهم ريحا صرصرا فأهلكتهم فإن قيل فينبغي أن يمنعوا الخروج يوم يخرج المسلمون لئلا يظنوا أن ما حصل من السقيا بدعائهم قلنا ولا يؤمن أن يتفق نزول الغيث يوم يخرجون وحدهم فيكون أعظم لفتنتهم وربما افتتن غيرهم بهم باب الحكم فيمن ترك الصلاة مسألة قال ( ومن ترك الصلاة وهو بالغ عاقل جاحدا لها أو غير جاحد دعي إليها في وقت كل صلاة ثلاثة أيام فإن صلى وإلا قتل ) وجملة ذلك أن تارك الصلاة لا يخلو إما أن يكون جاحدا لوجوبها أو غير جاحد فإن كان جاحدا لوجوبها نظر فيه فإن كان جاهلا به وهو ممن يجهل ذلك كالحديث الإسلام والناشىء ببادية عرف وجوبها وعلمم ذلك ولم يحكم بكره لأنه معذور فإن لم يكن ممن يجهل ذلك كالناشىء من المسلمين في الأمصار والقرى لم يعذر ولم يقبل منه ادعاء الجهل وحكم بكفره لأن أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة والمسلمون يفعلونها على الدوام فلا يخفى وجوبها على من هذا حاله ولا يجحدها إلا تكذيبا لله تعالى ولرسوله وإجماع الأمة وهذا يصير مرتدا عن الإسلام وحكمه حكم سائر المرتدين في الاستتابة والقتل ولا أعلم في هذا خلافا وإن تركها لمرض أو عجز عن أركانها وشروطها قيل له إن ذلك لا يسقط الصلاة وأنه يجب عليه أن يصلي على حسب طاقته وإن تركها تهاونا أو كسلا دعي إلى فعلها وقيل له إن صليت وإلا قتلناك فإن صلى وإلا وجب قتله ولا يقتل حتى يحبس ثلاثا ويضيق عليه فيها ويدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها ويخوف بالقتل فإن صلى وإلا قتل بالسيف وبهذا قال مالك وحماد بن زيد ووكيع والشافعي وقال الزهري يضرب ويسجن
وبه قالأبو حنيفة قال ولا يقتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق متفق عليه وهذا لم يصدر منه أحد الثلاثة فلا يحل دمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها متفق عليه ولأنه فرع من فروع الدين فلا يقتل بتركه كالحج ولأن القتل لو شرع لشرع زجرا عن ترك الصلاة ولا يجوز شرع زاجر تحقق المزجور عنه والقتل يمنع فعل الصلاة دائما فلا يشرع ولأن الأصل تحريم الدم فلا تثبت الإباحة إلا بنص أو معنى نص والأصل عدمه ولنا قول الله تعالى فاقتلوا المشركين إلى قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فأباح قتلهم وشرط في تخلية سبيلهم التوبة وهي الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فمتى ترك الصلاة متعمدا لم يأت بشرط تخليته فبقي على وجوب القتل وقول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه الذمة وهذا يدل على إباحة قتله وقال عليه السلام بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم والكفر مبيح للقتل وقال عليه السلام نهيت عن قتل المصلين وعن أنس قال قال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة رواه الدارقطني فمفهومه أن غير المصلين يباح قتلهم ولأنها ركن من أركان الإسلام لا تدخله النيابة بنفس ولا مال فوجب أن يقتل تاركه كالشهادة وحديثهم حجة لنا لأن الخبر الذي رويناه يدل على أن تركها كفر والحديث الآخر استثني منه إلا بحقها والصلاة من حقها ثم إن أحاديثنا خاصة فنخص بها عموم ما ذكروه ولا يصح قياسها على الحج لأن مختلف في جواز تأخيره ولا يجب القتل بفعل مختلف فيه وقولهم إن هذا يفضي إلى ترك الصلاة بالكلية قلنا الظاهر أن من يعلم أنه يقتل إن ترك الصلاة لا يتركها سيما بعد استتابته ثلاثة أيام فإن تركها بعد هذا كان ميئوسا من صلاته فلا فائدة في بقائه ولا يكون القتل هو المفوت له ثم لو فات به احتمال الصلاة لحصل به صلاة ألف إنسان وتحصيل ذلك بتفويت احتمال صلاة واحدة لا يخالف الأصل وإذا ثبت هذا فظاهر كلام الخرقي أنه يجب قتله بترك صلاة واحدة وهو إحدى الروايتين عن أحمد لأنه تارك للصلاة فلزمه قتله كتارك ثلاث ولأن الأخبار تتناول تارك صلاة واحدة لكن لا يثبت الوجوب حتى يضيق وقت التي بعدها لأن الأولى لا يعلم تركها إلا بفوات وقتها فتصير فائتة لا يجب القتل بفواتها فإذا ضاق وقتها علم أنه يريد تركها فوجب قتله والثانية لا يجب قتله حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة عن فعلها لأنه قد يترك الصلاة والصلاتين لشبهة فإذا تكرر ذلك ثلاثا تحقق أنه تاركها رغبة عنها ويعتبر أن يضيق وقت الرابعة عن فعلها لما ذكرنا وحكى ابن حامد عن أبي إسحاق بن شاقلا أنه إن ترك صلاة لا تجمع إلى ما بعدها كصلاة الفجر والعصر وجب قتله وإن ترك الأولى من صلاتي الجمع لم يجب قتله لأن الوقتين كالوقت الواحد عند بعض العلماء وهذا قول حسن واختلفت الرواية هل يقتل لكفره أو حدا فروي أنه يقتل لكفره كالمرتد
فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين ولا يرثه أحد ولا يرث أحدا اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن حامد وهو مذهب الحسن والشعبي وأيوب السختياني والأوزاعي وابن المبارك وحماد بن زيد وإسحاق ومحمد بن الحسن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة وفي لفظ عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة وعن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر رواهن مسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة قال أحمد كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء وقال عمر رضي الله عنه لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وقال علي رضي الله عنه من لم يصل فهو كافر وقال ابن مسعود من لم يصل فلا دين له وقال عبد الله بن شفيق لم يكن أصحاب رسول الله يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة ولأنها عبادة يدخل بها في الإسلام فيخرج بتركها منه كالشهادة والرواية الثانية يقتل حدا مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة وأنكر قول من قال إنه يكفر وذكر أن المذهب على هذا لم يجد في المذهب خلافا فيه وهذا قول أكثر الفقهاء وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي وروي عن حذيفة أنه قال يأتي على الناس زمان لا يبقى معهم من الإسلام إلا قول لا إله إلا الله فقيل له وما ينفعهم قال تنجيهم من النار لا أبا لك وعن والان قال انتهيت إلى داري فوجدت شاة مذبوحة فقلت من ذبحها قالوا غلامك قلت والله إن غلامي لا يصلي فقال النسوة نحن علمناه فسمى فرجعت إلى ابن مسعود فسألته عن ذلك فأمرني بأكلها الدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله وعن أبي ذر قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة وعن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة متفق على هذه الأحاديث كلها ومثلها كثير وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ولو كان كافرا لم يدخله في المشيئة وقال الخلال في جامعه ثنا يحيى ثنا عبد الوهاب نا هشام بن حسان عن عبدالله بن عبد الرحمن عن أبي شميلة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى قباء فاستقبله رهط من الأنصار يحملون جنازة على باب فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا قالوا مملوك لآل فلان كان من أمره قال أكان يشهد أن لا إله إلا الله قالوا نعم ولكنه كان وكان فقال أما كان يصلي فقالوا قد كان يصلي ويدع فقال لهم ارجعوا به فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه وادفنوه والذي نفسي بيده لقد كادت الملائكة تحول بيني وبينه وروى بإسناده عن عطاء عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا على من قال لا إله إلا الله ولأن ذلك إجماع المسلمين
فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ولا منع ورثته ميراثه ولا منع هو ميراث مورثه ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ولو كان كافرا لثبتت هذه الأحكام كلها ولا نعلم بين المسلمين خلافا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتدا لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام وأما الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقة كقوله عليه السلام سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وقوله كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق وقوله من قال لأخيه يا كافر فقد باء لها أحدهما وقوله من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد قال ومن قال مطرنا بنوء الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب وقوله من حلف بغير الله فقد أشرك وقوله شارب الخمر كعابد وثن وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد وهو أصوب القولين والله أعلم فصل ومن ترك شرطا مجمعا عليه أو ركنا كالطهارة والركوع والسجود فهو كتاركها حكمه حكمه لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها وإن ترك مختلفا فيه كإزالة النجاسة وقراءة الفاتحة والطمأنينة والاعتدال بين الركوع والسجود أو بين السجدتين معتقدا جواز ذلك فلا شيء عليه وإن تركه معتقدا تحريمه لزمته إعادة الصلاة ولا يقتل من أجل ذلك بحال لأنه مختلف فيه فأشبه المتزوج بغير ولي وسارق مال له فيه شبهة الله أعلم كتاب الجنائز يستحب للإنسان ذكر الموت والاستعداد له فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أكثروا من ذكر هادم اللذات فما ذكر في كثير إلا قلله ولا في قليل إلا كثره روى البخاري أوله وإذا مرض استحب له أن يصبر ويكره الأنين لما روي عن طاوس أنه كرهه ولا يتمنى الموت لضر نزل به لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل وليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ويحسن ظنه بربه تعالى قال جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى رواه مسلم وأبو داود وقال معتمر عن أبيه أنه قال له عند موته حدثني بالرخص فصل ويستحب عيادة المريض قال البراء أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المريض رواه البخاري ومسلم وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح وكان له خريف في الجنة ومن أتاه مصبحا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي وكان له خريف في الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وإذا دخل على مريض دعا له ورقاه قال ثابت لأنس يا أبا حمزة اشتكيت قال أنس أفلا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بلى قال اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي شفاء لا يغادر سقما وروى أبو سعيد قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اشتكيت قال نعم قال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس وعين حاسدة الله يشفيك وقال أبو زرعة كلا هذين الحديثين صحيح وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإنه لا يرد من قضاء الله شيئا وإنه يطيب نفس المريض رواه ابن ماجه ويرغبه في التوبة والوصية لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما حق امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه
فصل ويستحب أن يلي المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأتقاهم لربه تعالى ليذكره الله تعالى والتوبة من المعاصي والخروج من المظالم والوصية وإذا رآه منزولا به تعهد بل حلقه بتقطير ماء أو شراب فيه ويندي شفتيه بقطنة ويستقبل به القبلة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خير المجالس ما استقبل به القبلة ويلقنه قول لا إله إلا الله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا إله إلا الله رواه مسلم وقال الحسن سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال أن تموت يوم تموت ولسانك رطب من ذكر الله رواه سعيد ويكون ذلك في لطف ومداراة ولا يكرر عليه ولا يضجره إلا أن يتكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون لا إله إلا الله آخر كلامه نص على هذا أحمد وروي عن عبد الله بن المبارك أنه لما حضره الموت جعل رجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه فقال له عبد الله إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم قال الترمذي إنما أراد عبد الله ما روي عن النبي أنه قال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة رواه أبو داود بإسناده وروى سعيد بإسناده عن معاذ بن جبل أنه لما حضرته الوفاة قال اجلسوني فلما أجلسوه قال كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أخبئها ولولا ما حضرني من الموت ما أخبرتكم بها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان آخر قوله عند الموت لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب فلقنوها موتاكم فقيل يا رسول الله فكيف هي للأحياء قال هي أهدم وأهدم قال أحمد ويقرؤون عند الميت إذا حضر ليخفف عنه بالقراءة يقرأ ( يس ) وأمر بقراءة فاتحة الكتاب وروى سعيد حدثنا فرج بن فضالة عن أسد بن وداعة لما حضر غضيف بن حارث الموت حضره إخوانه فقال هل فيكم من يقرأ سورة ( يس ) قال رجل من القوم نعم قال اقرأ ورتل وأنصتوا فقرأ ورتل وأسمع القوم فلما بلغ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون خرجت نفسه قال أسد بن وداعة فمن حضر منكم الميت فشدد عليه الموت فليقرأ عنده سورة ( يس ) فإنه يخفف عنه الموت مسألة قال أبو القاسم ( وإذا تيقن الموت وجه إلى القبلة وغمضت عيناه وشد لحياه لئلا يسترخي فكه وجعل على بطنه مرآة أو غيرها لئلا يعلو بطنه ) قوله إذا تيقن الموت يحتمل أنه أراد حضور الموت لأن التوجيه إلى القبلة يستحب تقديمه على الموت واستحبه عطاء والنخعي ومالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وإسحاق وأنكره سعيد بن المسيب فإنهم لما أرادوا أن يحولوه إلى القبلة قال ما لكم قالوا نحو لك إلى القبلة قال ألم أكن على القبلة إلى يومي هذا والأول أولى لأن حذيفة قال وجهوني ولأن فعلهم ذلك بسعيد دليل على أنه كان مشهورا بينهم يفعله المسلمون كلهم بموتاهم ولأن خير المجالس ما استقبل به القبلة ويحتمل أن الخرقي أراد تيقن وجود الميت لأن سائر ما ذكره إنما يفعل بعد الموت وهو تغميض الميت فإنه ليس عقيب الموت لما روي عن أم سلمة قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصرة فضج الناس من أهله فقال لا تدعو على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين المقربين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له قبره ونور له فيه أخرجه مسلم وروى شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت رواه أحمد في المسند
وروي أنعمر رضي الله عنه قال لابنه حين حضرته الوفاة ادن مني فإذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي فضع كفك اليمنى على جبهتي واليسرى تحت ذقني وأغمضني ويستحب شد لحييه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم فلم يغمض حتى يبرد بقي مفتوحا فيقبح منظره ولا يؤمن دخول الهوام فيه والماء في وقت غسله وقال بكر بن عبد الله المزني ويقول الذي يغمضه بسم الله وعلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعل على بطنه شيء من الحديث كمرآة أو غيرها لئلا ينتفخ بطنه فإن لم يكن شيء من الحديد فطين مبلول ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه قال أحمد تغمض المرأة عينه إذا كانت ذات محرم له وقال يكره للحائض والجنب تغميضه وأن تقرباه وكره ذلك علقمة وروى نحوه عن الشافعي وكره الحسن وابن سيرين وعطاء أن يغسل الحائض والجنب الميت وبه قال مالك وقال إسحاق وابن المنذر يغسله الجنب لقول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس بنجس ولا نعلم بينهم اختلافا في صحة تغسيلهما وتغميضهما له ولكن الأولى أن يكون المتولي لأموره في تغميضه وتغسيله طاهرا لأنه أكمل وأحسن فصل ويستحب المسارعة إلى تجهيزه إذا تيقن موته لأنه أصوب له وأحفظ من أن يتغير وتصعب معافاته قال أحمد كرامة الميت تعجيله وفيما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله ولا بأس أن ينتظر بها مقدار ما يجتمع لها جماعة لما يؤمل من الدعاء له إذا صلي عليه ما لم يخف عليه أو يشق على الناس نص عليهأحمد وإن اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت من استرخاء رجليه وانفصال كفيه وميل أنفه وامتداد جلدة وجهه وانخساف صدغيه وإن مات فجأة كالمصعوق أو خائفا من حرب أو سبع أو تردى من جبل انتظر به هذه العلامات حتى يتيقن موته قال الحسن في المصعوق ينتظر به ثلاثا قال أحمد رحمه الله إنه ربما تغير في الصيف في اليوم والليلة قيل فكيف تقول قال يترك بقدر ما يعلم أنه ميت قيل له من غدوة إلى الليل قال نعم فصل ويسارع في قضاء دينه لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه قال الترمذي هذا حديث حسن وإن تعذر إيفاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه كما فعل أبو قتادة لما أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فلم يصل عليها قال أبو قتادة صل عليها يا رسول الله وعلي دينه فصلى عليه رواه البخاري ويستحب المسارعة إلى تفريق وصيته ليعجل له ثوابها بجريانها على الموصى له فصل ويستحب خلع ثياب الميت لئلا يخرج منه شيء يفسد به ويلوث بها إذا نزعت عنه ويسجى بثوب يستر جميعه قالت عائشة سجي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب حبرة متفق عليه ولا يترك الميت على الأرض لأنه أسرع لفساده ولكن على سرير أو لوح ليكون أحفظ له مسألة قال ( فإذا أخذ في غسله ستر من سرته إلى ركبتيه ) وجملته أن المستحب تجريد الميت عند غسله ويستر عورته بمئزر هذا ظاهر قول الخرقي ورواه الأثرم عن أحمد فقال يغطى ما بين سرته وركبتيه وهذا اختيار أبي الخطاب وهو مذهب ابن سيرين ومالك وأبي حنيفة وروى المروذي عن أحمد أنه قال يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب قال وكان أبو قلابة إذا غسل ميتا جلله بثوب قال القاضي السنة أن يغسل في قميص رقيق ينزل الماء فيه ولا يمنع أن يصل إلى بدنه ويدخل يده في كم القميص فيمرها على بدنه والماء يصب فإن كان القميص ضيقا فتق رأس الدخاريص وأدخل يده منه وهذا مذهب الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل في قميصه