Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V04/P351–V04/P352

لأنه وثيقة فلا يستوفى الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصل كالرهن ولنا إن الحق ثابت في ذمة الضامن فملك مطالبته كالأصيل ولأن الحق ثابت في ذمتهما فملك مطالبة من شاء منهما كالمضامنين إذا تعذر مطالبة المضمون عنه ولا يشبه الرهن لأنه مال من عليه الحق وليس بذي ذمة يطالب من عليه الدين ليقضي منه أو من غيره فصل وإن أبرأ صاحب الدين المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا نعلم فيه خلافا لأنه تبع ولأنه وثيقة فإذا برىء الأصل زالت الوثيقة كالرهن وإن أبرأ الضامن لم تبرأ ذمة المضمون عنه لأنه أصل فلا يبرأ بإبراء التبع ولأنه وثيقة انحلت من غير استيفاء الدين منها فلم تبرأ ذمة الأصل كالرهن إذا انفسخ من غير استيفائه وأيهما قضى الحق برئا جميعا من المضمون له لأنه حق واحد فإذا استوفى مرة زال تعلقه بهما كما لو استوفى الحق الذي به رهن وإن أحال الغريم برئا جميعا لأنه حق واحد فإذا استوفى مرة زال تعلقه بهما كما لو استوفى دين الرهن وإن أحال أحدهما الغريم برئا جميعا لأن الحوالة كالقضاء فصل وإن ضمن الضامن ضامن آخر صح لأنه دين لازم في ذمته فصح ضمانه كسائر الديون ويثبت الحق في ذمم ثلاثة أيهم قضاه برئت ذممهم كلها لأنه حق واحد فإذا قضى مرة ولم يجب قضاؤه مرة أخرى وإن أبرأ الغريم المضمون عنه برىء الضامنان لأنهما فرع وإن أبرأ الضامن الأول برىء الضمنان كذلك ولم يبرأ المضمون عنه لما تقدم وإن أبرأ الضامن الثاني برىء وحده ومتى حصلت براءة الذمة بالإبراء فلا يرجع فيها بحال لأن الرجوع مع الغرم وليس في الإبراء غرم والكفالة كالضمان في هذا المعنى جميعه وتزيد بأنه إذا مات المكفول عنه برىء كفيلاه وإن مات الكفيل الأول برىء الثاني دون المكفول عنه لأن الوثيقة انحلت من غير استيفاء فأشبه الرهن وأن مات الكفيل الثاني برىء وحده فصل وإن ضمن المضمون عنه الضامن أو تكفل المكفول عنه الكفيل لم يصح لأن الضمان بقتضي إلزامه الحق في ذمته والحق لازم له فلا يتصور إلزامه ثانيا ولأنه أصل في هذا الدين فلا يجوز أن يصير فرعا فيه وإن ضمن عنه دينا آخر أو كفل به في حق آخر جاز لعدم ما ذكرناه فيه فصل ويجوز أن يضمن الحق عن الرجل الواحد اثنان وأكثر سواء ضمن كل واحد منهم جميعه أو جزء منه فإن ضمن كل واحد منهم جميعه برىء كل واحد منهم بأداء أحدهم وإن أبرأ المضمون عنه برىء الجميع لأنهم فروع له وإن أبرىء أحد الضمان برىء وحده ولم يبرأ غيره لأنهم غير فروع له فلم يبرؤوا ببراءته كالمضمون عنه وإن ضمن أحدهم صاحبه لم يجز لأن الحق ثبت في ذمته بضمانه الأصلي فلا يجوز أن يثبت ثانيا ولأنه أصل فيه بالضمان فلا يجوز أن يصير فيه فرعا ولو تكفل بالرجل الواحد رجلان جاز ويجوز أن يتكفل كل واحد من الكفيلين صاحبه لأن الكفالة ببدنه لا بما في ذمته وأي الكفيلين أحضر المكفول به برىء وبرىء صاحبه من الكفالة لأنه فرعه ولم يبرأ من إحضار المكفول به لأنه أصل في ذلك وإن كفل المكفول الكفيل لم يجز لأنه أصل له في الكفالة لم يجز أن يصير فرعا له فيما كفل به وإن كفل به في غير هذا الحق جاز لأنه ليس بفرع له في ذلك مسألة قال ( فمتى أدى رجع عليه سواء قال له اضمن عني أو لم يقل ) يعني إذا أدى الدين محتسبا بالرجوع على المضمون عنه فأما إن قضى الدين متبرعا به غير ناو للرجوع به فلا يرجع بشيء لأنه بتطوع بذلك أشبه الصدقة وسواء ضمن بأمره أو بغير أمره فأما إذا أداه بنية الرجوع به لم يخل من أربعة أحوال أحدها أن يضمن بأمر المضمون عنه ويؤدي بأمره فإنه يرجع عليه سواء قال له اضمن عني أو أد عني أو أطلق

قسم V04/P352–V04/P353

وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف وقال أبو حنيفة ومحمد إن قال اضمن عني رجع عليه وإن قال انقذ هذا لم يرجع إلا أن يكون مخالطا له يستقرض منه ويودع عنده لأن قوله اضمن عني وانقد عني إقرار منه بالحق وإذا أطلق ذلك صار كأنه قال هب لهذا أو تطوع عليه وإذا كان مخالطا له رجع استحسانا لأنه قد يأمر مخالطه بالنقد عنه ولنا إنه ضمن ودفع بأمره فأشبه إذا كان مخالطا له أو قال اضمن عني وما ذكراه ليس بصحيح لأنه إذا أمره بالضمان لا يكون إلا لما هو عليه وأمره بالنقد بعد ذلك ينصرف إلى ما ضمنه بدليل المخالط له فيجب عليه أداء ما أدى عنه كما لو صرح به الحال الثاني ضمن بأمره وقضى بغير أمره فله الرجوع أيضا وبه قال مالك والشافعي في أحد الوجوه عنه والوجه الثاني لا يرجع به لأنه دفع بغير أمره أشبه ما لو تبرع به الثالث أنه إذا تعذر الرجوع على المضمون عنه فدفع ما عليه رجع وإلا فلا لأنه تبرع بالدفع ولنا إنه إذا أذن في الضمان تضمن ذلك إذنه في الأداء لأن الضمان يوجب عليه الأداء فرجع عليه كما لو أذن في الأداء صريحا الحال الثالث ضمن بغير أمره وقضى بأمره فله الرجوع أيضا وظاهر مذهب الشافعي لأنه لا يرجع لأنه أمره بالقضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه ولنا إنه أدى دينه بأمره فرجع عليه كما لو يكن ضامنا أو كما لو ضمن بأمره وقولهم إن إذنه في القضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه قلنا الواجب بضمانه إنما هو أداء دينه وليس هو شيئا آخر فمتى أداه عنه بإذنه لزمه إعطاؤه بدله الحال الرابع ضمن بغير أمره وقضى بغير أمره ففيه روايتان إحداهما يرجع بما أدى وهو قول مالك وعبد الله بن الحسن وإسحاق والثانية لا يرجع بشيء وهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر بدليل حديث علي وأبي قتادة فإنهما لو كانا يستحقان الرجوع على الميت صار الدين لهما فكانت ذمة الميت مشغولة بدينهما كاشتغالها بدين المضمون عنه ولم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه تبرع بذلك أشبه ما لو علف دوابه وأطعم عبيده بغير أمره ووجه الأولى أنه قضاء مبرىء من دين واجب فكان من ضمان من هو عليه كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه فأما علي وأبو قتادة فإنهما تبرعا بالقضاء والضمان فإنهما قضيا دينه قصدا لتبرئة ذمته ليصلي عليه صلى الله عليه وسلم مع علمهما بإنه لم يترك وفاء والمتبرع لا يرجع بشيء وإنما الخلاف في المحتسب بالرجوع فصل ويرجع الضامن على المضمون عنه بقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين لأنه إن كان الأقل الدين فالزائد لم يكن واجبا فهو متبرع بأدائه وإن كان المقضي أقل فإنما يرجع بما غرم ولهذا أبرأه غريمه لم يرجع بشيء وإن دفع عن الدين عرضا رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين لذلك فإن قضى المؤجل قبل أجله لم يرجع به قبل أجله لأنه لا يجب له أكثر مما كان للغريم فإن أحاله كانت الحوالة بمنزلة تقبيضه ويرجع بالأقل مما أحال به أو قدر الدين سواء قبض الغريم من المحال عليه أو أبرأه أو تعذر عليه الاستيفاء لفلس أو مطل لأن نفس الحوالة كالإقباض فصل ولو كان على رجلين مائة على كل منهما نصفها وكل واحد ضامن عن صاحبه فضمن آخر عن أحدهما المائة بأمره وقضاها سقط الحق عن الجميع وله الرجوع بها على الذي ضمن عنه ولم يكن له أن يرجع على الآخر بشيء في إحدى الروايتين لأنه لم يضمن عنه ولا أذن له في القضاء فإذا رجع على الذي ضمن عنه رجع على الآخر بنصفها إن كان ضمن عنه بإذنه لأنه ضمنها عنه بإذنه وقضاها ضامنه والرواية الثانية له الرجوع على الآخر بالمائة لأنها وجبت له على من أداها عنه فملك الرجوع بها عليه كالأصل فصل إذا ضمن عن رجل بإذنه فطولب الضامن فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه لأنه لزمه الأداء عنه بأمره

قسم V04/P353–V04/P354

فكانت له المطالبة بتبرئة ذمته وإن لم يطالب الضامن لم يملك مطالبة المضمون عنه لأنه لما لم يكن له الرجوع بالدين قبل غرامته لم يكن له المطالبة به قبل طلبه منه وفيه وجه آخر أن له المطالبة لأنه شغل ذمته بإذنه فكانت له المطالبة بتفريغها كما لو استعار عبدا فرهنه كان للسيد مطالبته بفكاكة وتفريغه من الرهن والأول أولى ويفارق الضمان العارية لأن السيد يتضرر بتعويق منافع عبده المستعار فملك المطالبة بما يزيل الضرر عنه والضامن لا يبطل بالضمان بشيء من منافعه فأما إن ضمن عنه بغير أمره لم يملك مطالبة المضمون عنه قبل الأداء بحال لأنه لا حق له يطالب به ولا شغل ذمته بأمره فأشبه الأجنبي وقيل إن هذا ينبني على الروايتين في رجوعه على المضمون عنه بما أدى عنه فإن قلنا لا يرجع فلا مطالبة له بحال وأن قلنا يرجع فحكمه حكم من ضمن عنه بأمره على ما مضى تفصيله فصل فإن ضمن الضامن ضامن آخر فقضى أحدهم الدين برؤوا جميعا فإن قضاه المضمون عنه لم يرجع على أحد وإن قضاه الضامن الأول رجع على المضمون عنه دون الضامن عنه وإن قضاه الثاني رجع على الأول ثم رجع الأول على المضمون عنه إذا كان كل واحد منهما قد أذن لضامنه فإن لم يكن أذن له ففي الرجوع روايتان وإن أذن الأول للثاني ولم يأذن المضمون عنه أو إذن المضمون عنه لضامنه ولم يأذن الضامن لضامنه رجع المؤذون له على من أذن له و لم يرجع الآخر على إحدى الروايتين فإن أذن المضمون عنه للضامن الثاني في الضمان ولم يأذن له الضامن الأول رجع على المضمون عنه ولم يرجع على الضامن لأنه إنما يرجع على من أذن له دون غيره فصل إذا كان له ألف على رجلين على كل واحد منهما نصفه وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فأبرأ الغريم أحدهما من الألف برىء منه وبرىء صاحبه من ضمانه وبقي عليه خمسمائة وإن قضاه أحدهما خمسمائة أو أبرأه الغريم منها وعين القضاء بلفظه أو ببينة عن الأصل والضمان انصرف إليه وأن أطلق احتمل أن صرفها إلى ما شاء منهما كمن أخرج زكاة نصاب وله نصابان غائب وحاضر كان له صرفها إلى ما شاء منهما واحتمل أن يكون نصفها عن الأصل ونصفها عن الضمان لأن إطلاق القضاء والإبرار ينصرف إلى جملة ما في ذمته فيكون بينهما والمعتبر في القضاء لفظ القاضي ونيته وفي الإبراء لفظ المبرىء ونيته ومتى اختلفوا في ذلك فالقول قول من المعتبر لفظه ونيته فصل ولو ادعى ألفا على حاضر وغائب وأن كل واحد منهما ضامن عن صاحبه فاعترف الحاضر بذلك فله أخذ الألف منه فإذا قدم الغائب فاعترف رجع عليه صاحبه بنصفه وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه وإن أنكر الحاضر فالقول قوله مع يمينه فإن قامت عليه بينة فاستوفى الألف منه لم يرجع على الغائب بشيء لأنه بإنكاره معترف أنه لا حق له عليه وإنما المدعي ظلمه وإن اعترف الغائب وعاد الحاضر عن إنكاره فله أن يستوفي منه لأنه بدعي عليه حقا يعترف له به فكان له أخذه منه وإن لم يقم على الحاضر بينة حلف وبرىء فإذا قدم الغائب فأنكر أيضا وحلف وبرىء وإن اعترف لزمه دفع الألف وقال بعض أصحاب الشافعي لا يلزمه إلا خمس المائة الأصلية دون المضمونة لأنها سقطت عن المضمون عنه بيمينه فتسقط عن ضامنه ولنا إنه يعترف بها وغريمه يدعيها واليمين إنما أسقطت المطالبة عنه في الظاهر ولم تسقط عنه الحق الذي في ذمته ولهذا لو قامت عليه بينة بعد يمينه لزمه ولزم الضامن فصل وإذا ادعى الضامن أنه قضى الدين فأنكر المضمون له ولا بينة له فالقول قول المضمون له لأنه ادعى تسليم المال إلى من لم يأمنه فكان القول قول المنكر وله مطالبة من شاء منهما فإن رجع على المضمون عنه فهل يرجع الضامن بما قضاه عنه نظرنا فإن لم بعترف له بالقضاء لم يرجع عليه

قسم V04/P354–V04/P356

وإن اعترف له بالقضاء وكان قد قضى بغير بينة في غيبة المضمون عنه لم يرجع بشيء سواء صدقة المضمون عنه أو كذبه لأنه أذن له في القضاء مبرىء ولو يوجد وإن قضاه ببينة ثبت بها الحق لكن إن كانت ميتة أو غائبة فللضامن من الرجوع على المضمون عنه لأنه معترف إنه ما قصر ولا فرط وإن قضاه ببينة مردودة بأمر ظاهر كالكفر والفسق الظاهر لم يرجع الضامن لتفريطه لأن هذه البينة كعدمها وإن ردت بأمر خفي كالفسق الباطن أو كانت الشهادة مختلفا فيها مثل أن أشهد عبدين أو شاهدا واحدا فردت لذلك أو كان ميتا أو غائبا احتمل أن يرجع لأنه قضى ببينة شرعية والجرح والتعديل ليس إليه واحتمل أن لا يرجع لأنه أشهد من لا يثبت الحق بشهادته وإن قضى بغير بينة بحضرة المضمون عنه ففيه وجهان أحدهما يرجع وهو مذهب الشافعي لأنه إذا كان حاضرا كان الاحتياط إليه فإذا ترك التحفظ وهو حاضر فهو المفرط دون الضامن والثاني لا يرجع لأنه قضى قضاء لا يبرىء فأشبه ما لو قضى في غيبته فأما إن رجع المضمون له على الضامن فاستوفى منه مرة ثانية رجع على المضمون عنه بما قضاه ثانيا لأنه أبرأ به ذمته ظاهرا قال القاضي ويحتمل أن له الرجوع بما قضاه أولا دون الثاني لأن البراءة حصلت به في الباطن ولأصحاب الشافعي كهذين الوجهين وجه ثالث أنه لا يرجع بشيء بحال لأن الأول ما أبرأه ظاهرا والثاني ما أبرأه باطنا ولنا إن الضامن أدى عن المضمون بإذنه إذا أبرأع ظاهرا وباطنا فرجع به كما لو قامت به البينة والوجه الأول أرجح لأن القضاء المبرىء في الباطن ما أوجب الرجوع فيجب أن يجب بالباقي المبرىء في الظاهر وإت اعترف المضمون له بالقضاء وأنكر المضون عنه لم يلتفت إلى إنكاره لأن ما في ذمته حق المضمون له فإذا اعترف بالقبض من الضامن فقد اعترف بأن الحق الذي له صار للضامن فيجب أن يقبل إقراره لكونه إقرار في حق نفسه ويحتمل أن لا يقبل لأن الضامن مدع لما يستحق به الرجوع على المضمون عنه فقول المضمون له شهادة على فعل نفسه فلا يقبل والصحيح الأول وشهادة الإنسان على فعل نفسه صحيحة كشهادة المرضعة بالرضاع وقد ثبت ذلك بخبر عقبة بن الحارث فصل ولا يدخل الضمان والكفالة خيار لأن الخيار جعل ليعرف ما فيه الحظ والضمين والكفيل على بصيرة أنه لاحظ لهما ولأنه عقد لا يفتقر إلى القبول فلم يدخله خيار كالنذر وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم عن أحد خلافهم فإن شرط الخيار فيهما فقال القاضي عندي أن الكفالة تبطل وهو مذهب الشافعي لأنه شرط على ما ينافي مقتضاها ففسدت كما لو شرط أن لا يؤدي ما على المكفول به وذلك لأن مقتضي الضمان والكفالة لزوم ما ضمنه أو كفل به والخيار ينافي ذلك ويحتمل أن يبطل الشرط وتصح الكفالة كما قلنا في الشروط الفاسدة في البيع ولو أقر بأنه كفل بشرط الخيار لزمته الكفالة وبطل الشرط لأنه وصل بإقراره ما يبطله فأشبه استثناء الكل فصل وإذا ضمن رجلان عن رجل ألفا ضمان اشتراط فقالا ضمنا لك الألف الذي على زيد فكل واحد منهما ضامن لنصفه وإن كانوا ثلاثة فكل واحد منهم ضامن ثلثه فإن قال واحد منهم أنا وهذان ضامنون لك الألف فسكت الآخران فعليه ثلث الألف ولا شيء عليهما وإن قال كل واحد منهم كل واحد منا ضامن لك الألف فهذا ضمان اشتراك وانفراد وله مطالبة كل واحد منهم بالألف كله إن شاء وإن أدى أحدهم الألف كله أو حصته لم يرجع إلا على المضمون عنه لأن كل واحد منهم ضامن أصلي وليس بضامن عن الضامن الآخر مسألة قال ( ومن كفل بنفس لزمه ما عليها إن لم يسلمها ) وجملة ذلك أن الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر أهل العلم هذا مذهب شريح ومالك والثوري والليث وأبي حنيفة وقال الشافعي في بعض أقواله الكفالة بالبدن ضعيفة واختلف أصحابه فمنهم من قال هي صحيحة قولا واحدا

قسم V04/P356–V04/P357

وإنما أراد أنها ضعيفة في القياس وإن كانت ثابتة بالإجماع والأثر ومنهم من قال فيها قولان أحدهما أنها غير صحيحة لأنها كفالة بعين فلم تصح كالكفالة بالوجه وبدن الشاهدين ولنا قول الله تعالى قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم يوسف 66 ولأن ما وجب تسليمه بعقد وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال إذا ثبت هذا فإنه متى تعذر على الكفيل إحضار المكفول به مع حياته و امتنع من إحضاره لزمه ما عليه وقال أكثرهم لا يغرم ولنا عموم قوله عليه السلام الزعيم غارم ولأنها أحد نوعي نوعي الكفالة فوجب بها الغرم كالكفالة بالمال فصل وإذا قال أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو ببدنه أو بوجهه كان كفيلا به وإن كفل برأسه أو كبده أو جزء لا تبقى الحياة بدونه أو بجزء شائع منه كثلثه أو ربعه صحت الكفالة لأنه لا يمكنه إحضار ذلك إلا بإحضاره كله وإن تكفل بعضو تبقى الحياة بعد زواله كيده ورجله ففيه وجهان أحدهما تصح الكفالة وهو قول أبي الخطاب واحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه لا يمكنه إحضار هذه الأعضاء على صفتها إلا بإحضار البدن كله فأشبه الكفالة بوجهه ورأسه ولأنه حكم يتعلق بالجملة فيثبت حكمه إذا أضيف إلى البعض كالطلاق والعتاق والثاني لا يصح لأنه يمكن إحضاره بدون الجملة مع بقائها وقال القاضي لا تصح الكفالة ببعض البدن ولا تصح إلا في جميعه لأن ما لا يسري لا يصح إذا خص به عضو كالبيع والإجارة فصل وتصح الكفالة ببدن كل ما يلزم حضوره في مجلس الحكم بدين لازم سواء كان الدين معلوما أو مجهولا وقال بعض أصحاب الشافعي لا تصح بمن عليه دين مجهول لأنه قد يتعذر إحضار المكفول به فيلزمه الدين ولا يمكن طلبه منه لجهله ولنا إن الكفالة بالبدن لا بالدين والبدن معلوم فلا تبطل الكفالة لاحتمال عارض ولأنا قد تبينا أن ضمان المجهول يصح وهو التزام المال ابتداء فالكفالة التي لا تتعلق بالمال ابتداء أولى وتصح الكفالة بالصبي والمجنون لأنهما قد يجب إحضارهما مجلس الحكم للشهادة عليهما بالإتلاف وإذن وليهما يقوم مقام إذنهما وتصح الكفالة ببدن المحبوس والغائب وقال أبو حنيفة لا تصح ولنا إن كل وثيقة صحت مع الحضور صحت مع الغيبة والحبس كالرهن والضمان ولأن الحبس لا يمنع من التسليم لكون المحبوس يمكن تسليمه بأمر الحاكم أو أمر من حبسه ثم يعيده إلى الحبس بالحقين جميعا والغائب يمضي إليه فيحضره إن كانت الغيبة غير منقطعة وهو أن يعلم خبره فإن لم يعلم خبره لزمه ما عليه قال القاضي وقال في موضع آخر لا يلزمه ما عليه حتى تمضي مدة يمكنه الرد فيها فلا يفعل فصل ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد سواء كان حقا لله تعالى كحد الزنا والسرقة أو لآدمي كحد القذف والقصاص وهذا قول أكثر أهل العلم منهم شريح والحسن وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي وبه قال الشافعي في حدود الله تعالى واختلق قوله في حدود الآدمي فقال في موضع لا كفالة في حدود الآدمي ولا لعان وقال في موضع تجوز الكفالة بمن عليه حق أو حد لأنه حق لآدمي فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين ولنا ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا كفالة في حد ولأنه حد فلم تصح الكفالة فيه كحدود الله تعالى ولأن الكفالة استيثاق والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات فلا يدخل فيها الاستيثاق ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به فلم تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا فصل ولا تجوز الكفالة بالمكاتب من أجل دين الكتابة لأن الحضور لا يلزمه فلا تجوز الكفالة به كدين الكتابة فصل وتصح الكفالة حالة ومؤجلة كما يصح الضمان حالا ومؤجلا وإذا أطلق كانت حالة

قسم V04/P357–V04/P358

لأن كل عقد يدخله الحلول اقتضى إطلاقه الحلول كالثمن والضمان فإذا تكفل حالا كان له مطالبته بإحضاره فإن أحضره وهناك يد حائلة ظالمة لم يبرأ منه ولم يلزم المكفول له تسلمه لأنه لا يحصل له غرضه وإن لم تكن يد حائلة لزمه قبوله فإن قبله برىء من الكفالة وقال ابن أبي موسى لا يبرأ حتى يقول قد برئت إليك منه أو قد سلمته إليك أو قد أخرجت نفسي من كفالته والصحيح الأول لأنه عقد على عمل فبرىء منه بالعمل المعقود عليه كالإجارة فإن امتنع من تسلمه برىء لأنه أحضر ما يجب تسليمه عند غريمه وطلب منه تسلمه على وجه لا ضرر في قبضه فبرىء منه كالمسلم فيه وقال بعض أصحابنا إذا امتنع من تسلمه أشهد امتناعه رجلين وبرىء لأنه فعل ما وقع العقد على فعله فبرىء منه وقال القاضي يرفعه إلى الحاكم فيسلمه إليه فإن لم يجد حاكما أشهد شاهدين على إحضاره وامتناع المكفول له من قبوله والأول أصح فإن مع وجود صاحب الحق لا يلزمه دفعه إلى نائبه كحاكم أو غيره وإن كانت الكفالة مؤجلة لم يلزم إحضاره قبل الأجل كالدين المؤجل فإذا حل الأجل فأحضره وسلمه برىء وأن كان غائبا أو مرتدا لحق بدار الحرب لم يؤخذ بالحق حتى يمضي زمن يمكن المضي إليه وإعادته وقال ابن شبرمة يحبس في الحال لأن الحق قد توجه عليه ولنا إن الحق يعتبر في وجوب أدائه إمكان التسليم وإن كان حالا كالدين فإذا مضت مدة يمكن أحضاره فيها ولم يحضره أو كانت الغيبة منقطعة لا يعلم خبره أو امتنع من إحضاره مع إمكانه أخذ بما عليه وقال أصحاب الشافعي إن كانت الغيبة منقطعة لا يعلم مكانه لم يطالب الكفيل بإحضاره ولم يلزمه شيء وإن امتنع من إحضاره مع إمكانه حبس وقد دللنا على وجوب الغرم فيما مضى وإن أحضر المكفول به قبل الأجل ولا ضرر في تسليمه لزمه وإن كان فيه ضرر مثل أن تكون حجة الغريم غائبة أو لم يكن يوم مجلس الحاكم أو الدين مؤجل عليه لا يمكن اقتضاؤه منه أو قد وعده بالإنظار في تلك المدة لم يلزمه قبوله كما نقول فيمن دفع الدين المؤجل قبل حلوله فصل وإذا عين في الكفالة تسليمه في مكان فأحضره في غيره لم يبرأ من الكفالة وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال القاضي إن أحضره بمكان آخر من البلد وسلمه برىء من الكفالة وقال بعض أصحابنا متى أحضره في أي مكان كان وفي ذلك الموضع سلطان برىء من الكفالة لكونه لا يمكنه الامتناع من مجلس الحاكم ويمكن إثبات الحجة فيه وقيل إن كان عليه ضرر في حضاره بمكان آخر لم يبرأ الكفيل بإحضاره فيه وإلا برىء كقولنا فيما إذا أحضره قبل الأجل ولأصحاب الشافعي اختلاف على نحو ما ذكرنا ولنا أنه سلم ما شرط تسليمه في مكان في غيره فلم يبرأ كما لو أحضر المسلم فيه في غير هذا الموضع الذي شرطه ولأنه قد سلم في موضع لا يقدر على إثبات الحجة فيه لغيبة شهوده أو غير ذلك وقد يهرب منه ولا يقدر على أمساكه ويفارق ما إذا أحضره قبل الأجل فإنه عجل الحق قبل أجله فزاده خيرا فإذا لم يكن فيه ضرر وجب قبوله وإن وقعت الكفالة مطلقة وجب تسليمه في مكان العقد كالسلم فإن سلمه في غيره فهو كتسليمه في غير المكان الذي عينه وإن كان المكفول به محبوسا عند غير الحاكم لم يلزمه تسليمه محبوسا لأن ذلك الحبس يمنعه استيفاء حقه وإن كان محبوسا عند الحاكم فسلمه إليه محبوسا لزمه تسليمه لأن حبس الحاكم لا يمنعه استيفاء حقه وإذ طالب الحاكم بإحضاره أحضره مجلسه وحكم بينهما ثم يرده إلى الحبس وإن توجع عليه حق للمكفول له حبسه بالحق الأول أو حق المكفول له فصل وإن كفل إلى أجل مجهول لم تصح الكفالة وبهذا قال الشافعي لأنه ليس له وقت يستحق مطالبته فيه وهكذا الضمان وإن جعله إلى الحصاد والجذاذ والعطاء خرج على الوجهين كالأجل في البيع والأولى صحتهما هنا

قسم V04/P358–V04/P360

لأنه تبرع من غير عوض جعل له أجلا لا يمنع من حصول المقصود منه فصح كالنذر وهكذا كل كجهول لا يمنع مقصود الكفالة وقد روى مهنا عن أحمد في رجل كفل رجلا آخر فقال إن جثت به في وقت كذا وإلا فما عليه فقال لا أدري ولكن إن قال ساعة كذا لزمه فنص على تعيين الساعة وتوقف عن تعيين الوقت ولعله أراد وقتا متسعا أو وقت شيء يحدث مثل وقت الحصاد ونحوه فأما إن قال وقت طلوع الشمس ونحو ذلك صح وإن قال إلى الغد أو شهر كذا تعلق بأوله على ما ذكرنا في السلم فصل وإذا تكفل برجل إلى أجل إن جاء به فيه وإلا لزمه ما عليه صح وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف وقال محمد بن الحسن والشافعي لا تصح الكفالة ولا يلزمه ما عليه لأن هذا تعليق الضمان بخطر فلم يصح كما لو علقه بقدوم زيد ولنا إن هذا موجب الكفالة ومقتضاها فصح اشتراطه كما لو قال إن جئت به في وقت كان وإلا فلك حبسي ومبنى الخلاف ههنا على الخلاف في أن هذا مقتضى الكفالة وقد دللنا عليه وأما إن قال إن جئت به وقت كذا وإلا فأنا كفيل ببدن فلان أو فأنا ضامن لك ما لك على فلان أوقال إذ جاء زيد فأنا ضامن لك ما عليه أو إذا قدم الحاج فأنا كفيل بفلان أو قال أما كفيل بفلان شهرا فقال القاضي لا تصح الكفالة وهو مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن لأن ذلك خطر فلم يجز تعليق الضمان والكفالة به كمجيء المطر وهبوب الريح ولأنه إثبات حق لآدمي معين فلم يجز تعليقه على شرط ولا توقيته كالهبة وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب تصح وهو قول أبو حنيفة وأبي يوسف لأنه أضاف الضمان إلى سبب الوجود فيجب أن يصح كضمان الدرك والأول أقيس فإن قال كفلت بفلان إن جئت به في وقت كذا وإلا فأنا كفيل بفلان أو ضامن المال الذي على فلان لم يصح فيهما عند القاضي لأن الأول مؤقت والثاني معلق على شرط وقال أبو الخطاب يصح فيهما فإما إن قال كفلت بأحد هذين الرجلين يصح في قولهم جميعا لأنه غير معلوم في الحال ولا في المآل فصل فإن قال كفلت ببدن فلان على أن يبرأ فلان الكفيل أو على أن تبرئه من الكفالة لم يصح لأنه شرط شرطا لا يلزم الوفاء به فيكون فاسدا وتفسد الكفالة به ويحتمل أن تصح الكفالة لأنه شرط تحويل الوثيقة التي على الكفيل إليه فعلى هذا لا تلزمه الكفالة إلا أن يبرىء المكفول له الكفيل الأول لأنه إنما كفل بهذا الشرط فلا تثبت كفالته بدون شرطه وإن قال كفلت لك بهذا الغريم على أن تبرئني من الكفالة بفلان أو ضمنت لك هذا الدين بشرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر أو على أن تبرئني من الكفالة بفلان خرج فيه الوجهان والأولى أنه لا يصح لأنه شرط فسخ عقد في عقد فلم يصح كالبيع بشرط فسخ بيع آخر وكذلك لو شرط في الكفالة أو الضمان أن يتكفل المكفول له أو المكفول به بآخر أو يضمن دينا عليه أو يبيعه شيئا عينه أو يؤجره داره لم يكن يصح لما ذكرنا فصل ولو تكفل اثنان بواحد صح وأيهم قضى الدين برىء الآخران ولما ذكرنا في الضمان وإن سلم المكفول به نفسه برىء كفيلاه لأنه أتى بما يلزم الكفيلين وهو إحضار نفسه فبرئت ذمتهما كما لو قضى الدين وإن أحضر أحد الكفيلين لم يبرأ الآخر لأن إحدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء فلم تنحل الأخرى كما لو أبرأ أحدهما أو انفك أحد الرهنين من غير قضاء الحق وفارق ما إذا سلم المكفول به نفسه لأنه أصل لهما فإذا برىء الأصل مما تكفل به عنه برىء فرعاه وكل واحد من الكفيلين ليس بفرع للآخر فلم يبرأ ببراءته ولذلك لو أبرىء المكفول به برىء كفيلاه ولو أبرىء أحد الكفيلين برىء وحده دون صاحبه

قسم V04/P360–V04/P361

فصل ولو تكفل واحد لاثنين فأبرأه أحدهما أو أحضره عند أحدهما لم يبرأ من الآخر لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين فقد التزم إحضاره عند كل واحد منهما فإذا أحضره عند واحد برىء منه وبقي حق لآخر كما لو كان في عقدين وكما لو ضمن دينا لرجلين فوفى أحدهما حقه فصل وتفتقر صحة الكفالة إلى رضى الكفيل لأنه لا يلزمه الحق ابتداء برضاه ولا يعتبر رضى المكفول له لأنها وثيقة له لا قبض فيها فصحت من غير رضاه فيها كالشهادة ولأنها التزام حق له من غير عوض فلم يعتبر رضاه فيها كالنذر فأما رضاء المكفول به ففيه وجهان أحدهما لا يعتبر كالضمان والثاني يعتبر وهو مذهب الشافعي لأن مقصودها إحضاره وإن تكفل بغير إذنه لم يلزمه الحضور معه ولأنه جعل لنفسه حقا عليه وهو الحضور معه من غير رضاه فلم يجز كما لو لزمه الدين وفارق الضمان فإن الضامن يقضي الحق ولا يحتاج إلى المضمون عنه وعلى كلا الوجهين متى كانت الكفالة بإذنه فأراد الكفيل إحضاره لزمه الحضور معه لأنه شغل ذمته من أجله بإذنه فكان عليه تخليصها كما لو استعار عبده فرهنه بإذنه كان عليه تخليصه إذا طلبه سيده وإن كانت الكفالة بغير إذنه نظرنا فإن طلبه المكفول له منه لزمه أن يحضر معه لأن حضوره حق للمكفول له وقد استناب الكفيل في طلبه وإن لم يطلبه المكفول له لم يلزمه أن يحضر معه لأنه لم يشغل ذمته وإنما الكفيل شغلها باختيار نفسه فلم يجز أن يثبت له بذلك حق على غيره وإن قال المكفول له أحضر كفيلك كان توكيلا في إحضاره ولزمه أن يحضر معه كما لو وكل أجنبيا وأن قال أخرج من كفالتك احتمل أن يكون توكيلا في إحضاره كاللفظ الأول ويحتمل أن تكون مطالبة بالدين الذي عليه فلا يكون توكيلا فلا يلزمه الحضور معه فصل وإذا قال رجل لآخر اضمن عن فلان أو اكفل بفلان ففعل كان الضمان والكفالة لازمين للمباشر دون الآمر لأنه كفل باختيار نفسه وإنما الأمر إرشاد وحث على فعل خير فلم يلزمه به بشيء مسألة قال ( فإن مات برىء المتكفل ) وجملته أنه إذا مات المكفول به سقطت الكفالة ولم يلزم الكفيل شيء وبهذا قال شريح والشعبي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والشافعي وقال الحكم ومالك والليث يجب على الكفيل غرم ما عليه وحكي ذلك عن ابن شريح لأن الكفيل وثيقة بحق فإذا تعذرت من جهة ما عليه الدين استوفى من الوثيقة كالرهن ولأنه تعذر إحضاره فلزم كفيله ما عليه كما لو غاب ولنا إن الحضور سقط عن المكفول به فبرىء الكفيل كما لو برىء من الدين ولأن ما التزمه من أجله سقط عن الأصل فبرىء الفرع كالضامن إذا قضى المضمون عنه الدين أو أبرىء منه وفارق ما إذا غاب فإن الحضور لم يسقط عنه ويفارق الرهن فإنه علق به المال فاستوفى منه فصل إذا قال الكفيل قد برىء المكفول به من الدين وسقطت الكفالة أو قال لم يكن عليه دين حين كفلته فأنكر المكفول له فالقول قوله لأن الأصل صحة الكفالة وبقاء الدين وعليه اليمين فإن نكل قضي عليه ويحتمل أن لا يستحلف فيما إذا ادعى الكفيل أنه تكفل بمن لا دين عليه لأن الكفيل مكذب لنفسه فيما ادعاه فإن من كفل بشخص معترف بدينه في الظاهر والأول أولى لأن ما ادعاه محتمل فصل وإذا قال المكفول له للكفيل أبرأتك من الكفالة برىء لأنه حقه فيسقط بإسقاطه الدين وإن قال قد برئت إلي منه أو قد رددته إلي برىء أيضا لأنه معترف بوفاء الحق فهو كما لو اعترف بذلك في الضمان وكذلك إذا قال برئت من الدين الذي كفلت به ويبرأ الكفيل في هذه المواضع دون المكفول به

قسم V04/P361–V04/P363

ولا يكون إقرارا بقبض الحق وهذا قول محمد بن الحسن وقيل يكون إقراره فيما إذا قال برئت من الدين الذي كفلت به والأول أصح أن يمكن براءته بدون قبض الحق بإبراء المستحق أو موت المكفول به فإما إن قال للمكفول به أبرأتك عما لي قبلك من الحق أو برئت من الدين الذي قبلك فإنه يبرأ من الحق وتزول الكفالة لأنه لفظ يقتضي العموم في كل ما قبله وإن قال برئت من الدين الذي كفل به فلان برىء وبرىء كفيله فصل وإن كان لذمي على ذمي خمر فكفل به ذمي آخر ثم أسلم المكفول له أو المكفول عنه برىء الكفيل والمكفول عنه وقال أبو حنيفة إذا أسلم المكفول عنه لم يبرأ واحد منهما ويلزمهما قيمة الخمر لأنه كان واجبا ولم يوجد إسقاط ولا استيفاء ولا وجد من المكفول له ما يسقط حقه فبقي بحاله ولنا إن المكفول به مسلم فلم يجب عليه الخمر كما لو كان مسلما قبل الكفالة وإذا برىء المكفول به برىء كفيله كما لو أدى الدين أو أبرأه منه ولأنه لو أسلم المكفول له برئا جميعا وكذلك إذا أسلم المكفول به وإن أسلم الكفيل وحده برىء من الكفالة لأنه لا يجوز وجوب الخمر عليه وهو مسلم فصل فإذا قال أعط فلانا ألفا ففعل لم يرجع على الآمر ولم يكن له ذلك كفالة ولا ضمانا إلا أن يقول أعطه عني وقال أبو حنيفة يرجع عليه إذا كان خليطا له لأن العادة أن يستقرض من خليطه ولنا إنه لم يقل أعطه عني فلم يلزمه الضمان كما لو لم يكن خليطا ولا يلزم إذا كان له عليه مافقال أعطه فلانا حيث يلزمه لأنه لا يلزمه لأجل هذا القول بل لأن عليه حقا يلزمه أداؤه فصل إذا كانت السفينة في البحر وفيها متاع فخيف غرقها فألقى بعض من فيها متاعه في البحر لتخف ولم يرجع به على أحد سواء ألقاه محتسبا بالرجوع أو متبرعا لأنه أتلف مال نفسه باختياره من غير ضمان فإن قال له بعضهم ألق متاعك فألقاه فكذلك لأنه لا يكرهه على إلقائه ولا ضمن له وإن قال ألقه وعلي ضمانه فألقاه فعلى القائل ضمانه ذكره أبو بكر لأن ضمان ما لم يجب صحيح وإن قال ألقه وأنا وركبان السفينة ضمناه له ففعل فقال أبو بكر يضمنه القائل وحده إلا أن يتطوع بقيتهم قال القاضي إن كان ضمان اشتراك فليس عليه إلا ضمان حصته لأنه لم يضمن الجميع إنما ضمن حصته وأخبر عن سائر ركبان السفينة بضمان سائره فلزمته حصته ولم يقبل قوله في حق الباقين وإن كان ضمان اشتراك وانفراد بأن يقول كل واحد منا ضامن لك متاعك أو قيمته لزم القائل ضمان الجميع وسواء قال هذا والباقون يسمعون فسكتوا أو قالوا لا نفعل أو لم يسمعوا لأن سكوتهم لا يلزمهم به حق فصل قال مهنا سألت أحمد عن رجل له على رجل ألف درهم فأقام بها كفيلين كل واحد منهما كفيل ضامن فأيهما شاء أخذه بحقه فأحال رب المال عليه رجلا بحقه فقال يبرأ الكفيلان قلت فإن مات الذي أحاله عليه بالحق ولم يترك شيئا قال لا شيء له ويذهب الألف انتهى الجزء الرابع من كتاب المغني لابن قدامة ويليه الجزء الخامس وأوله كتاب الشركة كتاب الشركة الشركة هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى فهم شركاء في الثلث النساء 12 وقال الله تعالى وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما ص 24 والخلطاء هم الشركاء ومن السنة ما روي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان نسيئة فردوه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما رواه أبو داود

قسم V04/P363–V05/P003

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا وأجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة وإنما اختلفوا في أنواع منها نبينها إن شاء الله تعالى والشركة على ضربين شركة أملاك وشركة عقود وهذا الباب لشركة العقود وهي أنواع خمسة شركة العنان والأبدان والوجوه والمضاربة والمفاوضة ولا يصح شيء منها إلا من جائز التصرف لأنه عقد على التصرف في المال فلم يصح من غير جائز التصرف في المال كالبيع فصل قال أحمد يشارك اليهودي والنصراني ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه ويكون هو الذي يليه لأنه يعمل بالربا وبهذا قال الحسن و الثوري وكره الشافعي مشاركتهم مطلقا لأنه روي عن عبدالله بن عباس أنه قال أكره أن يشارك المسلم اليهودي ولا يعرف له مخالف في الصحابة ولأن مال اليهودي والنصراني ليس بطيب فإنهم يبيعون الخمر ويتعاملون بالربا فكرهت معاملتهم ولنا ما روى الخلال بإسناده عن عطاء قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم ولأن العلة في كراهة ما خلوا به معاملتهم بالربا وبيع الخمر والخنزير وهذا منتف فيما حضره المسلم أو وليه وقول ابن عباس محمول على هذا فإنه علل بكونهم يربون كذلك رواه الأثرم عن أبي حمزة عن ابن عباس أنه قال لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا لأنهم يربون وأن الربا لا تحل وهو قول واحد من الصحابة لم يثبت انتشاره بينهم وهم لا يحتجون به وقولهم أن أموالهم غير طيبة لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاملهم ورهن درعه عند يهودي على شعير أخذه لأهله وأرسل إلى آخر يطلب منه ثوبين إلى الميسرة وأضافه يهودي بخبز وأهالة سنخة ولا يأكل النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس بطيب وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لاعتقادهم حله ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولوهم بيعها وخذوا أثمانها فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فأنه يقع فاسدا وعليه الضمان لأن عقد الوكيل يقع للموكل والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا وما خفي أمره فلم يعلم فالأصل إباحته وحله فأما المجوسي فإن أحمد كره مشاركته ومعاملته قال ما أحب مخالطته ومعاملته لأنه يستحل ما لا يستحل هذا قال حنبل قال عمي لا تشاركه ولا تضاربه وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب لترك معاملته والكراهة لمشاركته وإن فعل صح لأن تصرفه صحيح مسألة قال ( وشركة الأبدان جائزة ) معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم فيما رزق الله تعالى فهو بينهم فإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الجبال والمعادن والتلصص على دار الحرب فهذا جائز نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فقال لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم وليس لهم مال مثل الصيادين والنقالين والحمالين قد أشرك النبي صلى الله عليه وسلم بين عمار وسعد وابن مسعود فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء وفسر أحمد صفة الشركة في الغنيمة فقال يشتركان فيما يصيبان من سلب المقتول لأن القاتل يختص به من دون الغانمين وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة يصح في الصناعة ولا يصح في اكتساب المباح كالاحتشاش والاغتنام لأن الشركة مقتضاها الوكالة ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء لأن من أخذها ملكها وقال الشافعي شركة الأبدان كلها فاسدة لأنها شركة على غير مال فلم تصح كما لو اختلفت الصناعات ولنا ما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن أبي عبيدة بن عبدالله عن عبدالله قال اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجىء أنا وعمار بشيء وجاء سعد بأسيرين ومثل هذا لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقرهم عليه وقال أحمد أشرك بينهم النبي صلى الله عليه وسلم

قسم V05/P003–V05/P004

فإن قيل فالمغانم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها وقال بعض الشافعية غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له أن يدفعها إلى من شاء فيحتمل أن يكون فعل ذلك لهذا قلنا أما الأول فالجواب عنه أن غنائم بدر كانت لمن أخذها من قبل أن يشرك الله تعالى بينهم ولهذا نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أخذ شيئا فهو له فكان ذلك من قبيل المباحات من سبق إلى أخذ شيء فهو له ويجوز أن يكون شرك بينهم فيما يصيبونه من الأسلاب والنفل إلا أن الأول أصح لقوله جاء سعد بأسيرين ولم أجىء أنا وعمار بشيء وأما الثاني فإن الله تعالى إنما جعل الغنيمة لنبيه عليه السلام بعد أن غنموا واختلفوا في الغنائم فأنزل الله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الأنفال 1 والشركة كانت قبل ذلك ويدل على صحة هذا أنها لو كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخل إما أن يكون قد أباحهم أخذها فصارت كالمباحات أو لم يبحها لهم فكيف يشتركون في شيء لغيرهم وفي هذا الخبر حجة على أبي حنيفة أيضا لأنهم اشتركوا في مباح وفيما ليس بصناعة وهو يمنع ذلك ولأن العمل أحد جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال وعلى أبي حنيفة أنهما اشتركا في مكسب مباح فصح كما لو اشتركا في الخياطة والقصارة ولا نسلم أن الوكالة لا تصح في المباحات فإنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة فكذلك يصح بغير عوض إذا تبرع أحدهما بذلك كالتوكيل في بيع ماله فصل وتصح شركة الأبدان مع اتفاق الصنائع فأما مع اختلافها فقال أبو الخطاب لا تصح وهو قول مالك لأن مقتضاها أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم صاحبه ويطالب به كل واحد منهما فأذا تقبل أحدهما شيئا مع اختلاف صنائعهما لم يمكن الآخر أن يقوم به فكيف يلزمه عمله أما كيف يطالب بما لا قدرة له عليه وقال القاضي تصح الشركة لأنهما اشتركا في مكسب مباح فصح كما لو اتفقت الصنائع ولأن الصنائع المتفقة قد يكون أحد الرجلين أحذق فيها من الآخر فربما يتقبل أحدهما ما لا يمكن الآخر عمله ولم يمنع ذلك صحتها فكذلك إذا اختلفت الصناعتان وقولهم يلزم كل واحد منهما ما يتقبله صاحبه قال القاضي يحتمل أن لا يلزمه ذلك لأنهما كالوكيلين بدليل صحتهما في المباح ولا ضمان فيها وإن قلنا يلزمه أمكنه تحصيل ذلك بالأجرة أو بمن يتبرع له بعمله ويدل على صحة هذا أنه لو قال أحدهما أنا أتقبل وأنت تعمل صحت الشركة وعمل كل واحد منهما غير عمل صاحبه فصل وإذا قال أحدهما أنا أتقبل وأنت تعمل والأجرة بين وبينك صحت الشركة وقال زفر لا تصح ولا يستحق الهامل المسمى وإنما له أجرة المثل ولنا إن الضمان يستحق به الربح بدليل شركة الأبدان وتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضارب فينزل بمنزلة المضاربة فصل والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه من مساواة أو تفاضل لأن العمل يستحق به الربح ويجوز تفاضلهما في العمل فجاز تفاضلهما في الربح الحاصل به ولكل واحد منهما المطالبة بالأجرة وللمستأجر دفعها إلى كل واحد منهما وإلى أيهما دفعها برىء منها

قسم V05/P004–V05/P006

وإن تلفت في يد أحدهما من غير تفريط فهي من ضمانهما معا لأنهما كالوكيلين في المطالبة وما يتقبله كل واحد منهما من الأعمال فهو من ضمانهما يطالب به كل واحد منهما ويلزمه عمله لأن هذه الشركة لا تنعقد إلا على الضمان ولا شيء فيها تنعقد عليه الشركة حال الضمان فكأن الشركة تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه وقال القاضي يحتمل أن لا يلزم أحدهما ما لزم الآخر لما ذكرنا من قبل وما يتلف بتعدي أخدهما أو تفريطه أو تحت يده على وجه يوجب الضمان عليه فذلك عليه وحده وإن قرأ أحدهما بما في يده قبل عليه وعلى شريكه لأن اليد له فيقبل إقراره بما فيها ولا يقبل إقراره ما في يد شريكه ولا بدين عليه لأنه لا بد له على ذلك فصل وإن عمل أحدهما دون صاحبه فالكسب بينهما قال ابن عقيل نص عليه أحمد في رواية إسحاق بن هانىء وقد سئل عن الرجلين يشتركان في عمل الأبدان فيأتي أحدهما بشيء ولا يأتي الآخر بشيء قال نعم هذا بمنزلة حديق سعد وابن مسعود يعني حيث اشتركوا فجاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران ولأن العمل مضمون عليهما معا وبضمانهما له وجب الأجرة فيكون لهما كما كان الضمان عليهما ويكون العامل عونا لصاحبه في حصته ولا يمنع ذلك استحقاقه كمن استأجر رجلا ليقصر له ثوبا فاستعان القصار بإنسان فقصر معه كانت الأجرة للقصار المستأجر كذا ها هنا وسواء ترك العمل لمرض أو غيره فإن طالب أحدهما الآخر إن يعمل معه أو يقيم مقامه من يعمل فله ذلك فإن امتنع فللآخر الفسخ ويحتمل أنه متى ترك العمل من غير عذر أن لا يشارك صاحبه في أجرة ما عمله دونه لأنه إنما شاركه ليعملا جميعا فإذا ترك أحدهما العمل فما وفى بما شرط على نفسه فلم يستحق ما جعل له في مقابلته وإنما احتمل ذلك فيما إذا ترك أحدهما العمل للعذر لأنه لا يمكن التحرز منه فصل فإن اشترك رجلان لكل واحد منهما دابة على أن يؤجراهما فما رزقهما الله من شيء فهو بينهما صح فإذا تقبلا حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم في ذمتهما ثم حملاه على البهيمين أو غيرهما صح والأجرة بينهما على ما شرطاه لأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتهما ولهما أن يحملاه بأي ظهر كان والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه وإن أجراهما أعيانهما على حمل شيء بأجرة معلومة لم تصح الشركة ولكل واحد منهما أجر دابته لأنه لم يجد ضمان الحمل في ذممهما وإن استحق المشتري منفعة البهيمة التي استأجرها ولهذا تنفسخ الإجارة بموت الدابة التي اكتراها ولأن الشركة إما أن تنعقد على الضمان في ذممهما أو على عملهما وليس هذا بواحد منهما فإنه لم يثبت في ذممهما الضمان ولا عملا بأبدانهما ما يجب الأجر في مقابلته ولأن الشركة تتضمن الوكالة والوكالة على هذا الوجه لا تصح ولهذا لو قال أجر عبدك وتكون أجرته بيني وبينك لم تصح كما لو قال بع عبدك وثمنه بيننا لم تصح ويحتمل أن تصح الشركة كما لو اشتركا فيما يكتسبان المباح بأبدانهما فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل والنقل كان له أجر مثله لأنها منافع وفاها بشبهة عقد فصل فإن كان لقصار أداة ولآخر بيت فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما جاز والأجرة على ما شرطاه لأن الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء لأنهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء الذي تقبلا حمله وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والآلة وإن كانت لأحدهما آلة وليس للآخر شيء أو لأحدهما بيت وليس للآخر شيء فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز لما ذكرنا فصل وإن دفع رجل دابته إلى أخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثا أو كيفما شرطا صح

قسم V05/P006–V05/P007

نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا وكره ذلك الحسن والنخعي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لا يصح والربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله لأن هذا ليس من أقصام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض ولأن المضاربة تكون بالتجارة في الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها وقال القاضي يتخرج أن لا يصح بناء على أن المضاربة بالعروض لا تصح فعلى هذا إن كان أجر الدابة بعينها فالأجر لمالكها وإن تقبل حمل شيء فجاز أو حمل عليها شيئا مباحا فباعه فالأجرة والثمن له وعليه أجرة مثلها لمالكها ولنا إنها عين تنمي بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة وقولهم إنه ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعروض فاسد فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال وهذا بخلافه وذكر القاضي في موضع آخر فيمن استأجر دابة ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى أو ثلثه جاز ولا أرى لهذا وجها فإن الإجارة يشترط لصحتها العلم بالعوض وتقدير المدة أو العمل ولم يوجد ولأن هذا عقد غير منصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص فهو كسائر العقود الفاسدة إلا أن يريد بالإجارة المعاملة على الوجه الذي تقدم وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة فقال لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر وهذا يدل على أنه قد صار في هذا ومثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة ولا إلى الإجارة ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة أرجو أن لا يكون به بأس قال إسحاق بن إبراهيم قال أبو عبدالله إذا كان على النصف والربع فهو جائز وبه قال الأوزاعي ونقل أحمد بن سعيد عن أحمد فيمن دفع عبده إلى رجل ليكسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قمصانا يبيعها وله نصف ربحها بحق عمله جاز نص عليه في رواية حرب وإن دفع غزلا إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه جاز نص عليه ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئا من ذلك لأنه عوض محمول مجهول وعمل مجهول وقد ذكرنا وجه جوازه وإن جعل له مع ذلك دراهم معلومة لم يجز نص عليه وعنه الجواز والصحيح الأول وقال أبو بكر هذا قول قديم وما روي غير هذا فعليه المعتمد قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين قال أكرهه لأن هذا شيء لا يعرف والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائوزا لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطء خيبر على الشطر قيل لأبي عبد الله فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما قال فليجعل له ثلثا وعشري ثلث ونصف عشر وما أشبهه وروى الأثرم عن ابن سيرين والنخعي والزهري وأيوب ويعلى بن حكيم أنهم أجازوا ذلك وقال ابن المنذر كره هذا كله الحسن وقال أبو ثور وأصحاب الرأي هذا كله فاسد واختاره ابن المنذر وابن عقيل وقالوا لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر مثلها وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على ما شرطاه لأنها عين تنمي بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض

قسم V05/P007–V05/P008

فصل قال ابن عقيل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان وهو إن يعطى الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها وعلة المنع أنه جعل له بعض معموله أجرا لعمله فيصير الطحن مستحقا له عليه وهذا الحديث لا نعرفه ولا يثبت عندنا صحته وقياس قول أحمد جوازه لما ذكرناه عنه من المسائل فصل فإن كان لرجل دابة ولآخر إكاف وجوالقات فاشتركا على أن يؤجراهما والأجرة بينهما نصفان فهو فاسد لأن هذه أعيان لا يصح الاشتراك فيها كذلك في منافعها إذ تقديره أجر دابتك لتكون أجرتها بيننا وأؤجر جوالقاتي لتكون أجرتها بيننا وتكون الأجرة كلها لصاحب البهيمة لأنه مالك الأصل وللآخر أجر مثله على صاحب البهيمة لأنه استوفى منافع ملكه بعقد هذا إذا أجر الدابة بما عليها من الإكاف والجوالقات في عقد واحد فأما لو أجر كل واحد منهما ملكه منفردا فلكل واحد منهما أجر ملكه وهكذا لو قال رجل لصاحبه أجر عبدى والأجر بيننا كان الأجر لصاحبه وللآخر أجر مثله وكذلك في جميع الأعيان فصل فإن اشترك ثلاث من أحدهم دابة ومن آخر راوية ومن الآخر العمل على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قولأحمد فإنه قد نص في الدابة يدفعها إلى لآخر يعمل عليها على أن لهما الأجرة على الصحة وهذا مثله لأنه دفع دابته إلى آخر يعمل عليها والراوية عين تنمي بالعمل عليها فهي كالبهيمة فعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه وهذا قول الشافعي ولأنهما وكلاء العامل في كسب مباح بآلة دفعاها إليه فأشبه ما لو دفع إليه أرضه ليزرعها وهكذا لو اشترك أربعة من أحدهم دكان ومن آخر رحى ومن آخر بغل ومن أخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بينهم صح وكان بينهم على ما شرطوه وقال القاضي العقد فاسد في المسألتين جميعا وهو ظاهر قول الشافعي لأن هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة لكونهما لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض ولأن من شروطهما عود رأس المال سليما يمعنى أنه يستحق شيء من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله والراوية ها هنا تخلق وتنقص ولا إجارة لأنها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم فتكون فاسدة فعلى هذا يكون الأجر كله في المسألة الأولى للسقاء لأنه لما غرف الماء في الإناء ملكه فإذا باعه فثمنه له لأنه عوض ملكه وعليه لصاحبيه أجر المثل لأنه استعمل ملكهما بعوض لم يسلم لهما فكان لهما أجر المثل كسائر الإجارات الفاسدة وأما في المسألة الثانية فإنهم إذا طحنوا لرجل طعاما بأجرة نظرت في عقد الإجارة فإن كان من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فالأجر كله له وعليه لأصحابه أجر المثل وإن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كل واحد منهم منفردا أو استأجر من جميعهم فقال استأجرتكم لتطحنوا لي هذا الطعام بكذا فالأجر بينهم أرباعا لأن كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه بربع الأجر ويرجع كل واحد منهم على أصحابه بربع أجر مثله وإن قال استأجرت هذا الدكان والبغل والرحى وهذا الرجل بكذا وكذا لطحن كذا وكذا من الطعام صح والأجر بينهم على قدر أجر مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته في أحد الوجهين وفي الآخر يكون بينهم أرباعا بناء على ما إذا تزوج أربعا بمهر واحد أو كاتب أربعة أعبد بعوض واحد هل يكون العوض أرباعا أو على قدر قيمتهم على وجهين مسألة قال ( وإن اشترك بدنان بمال أحدهما أو بدنان بمال غيرهما أو بدن ومال أو مالان وبدن صاحب أحدهما أو بدنان بماليهما تساوى المال أو اختلف فكل ذلك جائز ) ذكر أصحابنا للشركة الجائزة أربعا وقد ذكرنا نوعا منها وهو شركة الأبدان وبقي ثلاثة أنواع ذكرها الخرقي في خمسة أقسام ثلاثة منها المضاربة وهي إذا اشترك بدنان بمال أحدهما أو بدن ومال أو مالان وبدن صاحب أحدهما وقسم منها شركة الوجوه وهو إذا اشترك بدنان بمال غيرهما

قسم V05/P008–V05/P009

فقال القاضي معنى هذا القسم أن يدفع واحد ماله إلى اثنين مضاربة فيكون المضاربان شريكين في الربح بمال غيرهما لأنهما إذا أخذ المال بجاههما فلا يكونان مشتركين بمال غيرهما وهذا محتمل والذي قلنا له وجه لكونهما اشتركا فيما يأخذان من مال غيرهما واخترنا هذا التفسير لأن كلام الخرقي بهذا التقدير يكون جامعا لأنواع الشركة الصحيحة وعلى تفسير القاضي يكون مخلا بنوع منها وهي شركة الوجوه ويكون هذا المذكور نوعا من المضاربة ولأن الخرقي ذكر الشركة بين اثنين وهو صحيح على تفسيرنا وعلى تفسيرالقاضي تكون الشركة بين ثلاثة وهو خلاف ظاهر قول الخرقي والقسم الخامس إذا اشترك بدنان بماليهما وهذه شركة العنان وهي شركة متفق عليها فأما شركة الوجوه فهو أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجار بهم من غير أن يكون لهما رأس مال على أن ما اشتريا بينهما نصفين أو أثلاثا أو أرباعا أو نحو ذلك ويبيعان ذلك فما قسم الله تعالى فهو بينهما فهي جائزة سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه أو قدره أو وقته أو ذكر صنف المال أو لم يعين شيئا من ذلك بل قال ما اشتريت من شيء فهو بيننا وقال أحمد في رواية ابن منصور في رجلين اشتركا بغير رؤوس أموالهما على أن ما يشتريه كل واحد منهما بينهما فهو جائز وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسين وابن المنذر وقالأبو حنيفة لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفا من الثياب وقال مالك والشافعي يشترط ذكر شرائط الوكالة لأن شرائط الوكالة معتبرة في ذلك من تعين الجنس وغيره من شرائط الوكالة ولنا إنهما اشتركا في الابتياع وأذن كل واحد منهما للآخر فيه فصح وكان ما يتبايعانه بينهما كما لو ذكر شرائط الوكالة وقولهم إن الوكالة لا تصح حتى يذكر قدر الثمن والنوع ممنوع على رواية لنا وإن سلمنا ذلك فإنما يعتبر في الوكالة المفردة أما الوكالة الداخلة في ضمن الشركة فلا يعتبر فيها ذلك بدليل المضاربة وشركة العنان فإن في ضمنها توكيلا ولا يعتبر فيها شيء من هذا كذا ها هنا فعلى هذا إذا قال لرجل ما اشتريت اليوم من شيء فهو بيني وبينك نصفان أو أطلق الوقت فقال نعم أو قال ما اشتريت أنا من شيء فهو بيني وبينك نصفان جاز وكانت شركة صحيحة لأنه أذن له في التجارة على أن يكون المبيع بينهما وهذا معنى الشركة ويكون توكيلا له في شراء نصف المتاع بنصف الثمن فيستحق الربع في مقابلة ملكه الحاصل في المبيع سواء خص ذلك بنوع من المتاع أو أطلق وكذلك إذا قالا ما اشتريناه أو ما اشتراه أحدنا من تجارة فهو بيننا فهو شركة صحيحة وهما في تصرفاتهما وما يجب لهما وعليهما وفي إقرارهما وخصومتهما وغير ذلك بمنزلة شريكي العنان على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وأيهما عزل صاحبه عن التصرف انعزل لأنه وكيله وسميت هذه شركة الوجوه لأنهما يشتركان فيما يشتريان بجاههما والجاه والوجه واحد يقال فلان وجيه إذا كان ذا جاه قال الله تعالى في موسى عليه السلام عند الله وجيها الأحزاب 69 وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام قال يا رب إن كان قد خلق جاهي عندك فأسألك بحق النبي الأمي الذي تبعثه في آخر الزمان فأوحى الله تعالى إليه ما خلق جاهك عندي وإنك عندي لوجيه فصل القسم الثاني أن يشترك بدنان بماليهما وهذا النوع الثالث من أنواع الشركة وهي شركة العنان ومعناها أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما وهي جائزة بالإجماع ذكره ابن المنذر وإنما اختلف في بعض شروطها واختلف في علة تسميتها شركة العنان فقيل سميت بذلك لأنهما يتساويان في المال والتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فإن عنانيهما يكونان سواء وقال الفراء هي مشتقة من عن الشيء إذا عرض يقال عنت لي حاجة إذا عرضت فسميت الشركة بذلك لأن كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه وقبل هي مشتقة من المعانتة وهي المعارضة

قسم V05/P009–V05/P011

يقال عانت فلانا إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وفعاله وهذا يرجع إلى قول الفراء فصل ولا خلاف في أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير فإنها قيام الأموال وأثمان البياعات والناس يشتركون بها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمننا من غير نكير فأما العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب وحكاه عن ابن المنذر وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها له أو أثمانها لا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله وهذه لا مثل لها فيرجع إليه وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته لأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فشاركه الآخر في العين المملوكة له ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن مكانه وصار للبائع وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان ولا يجوز ذلك وعن أحمد رواية أخرى أن الشركة والمضاربة تجوز بالعروض وتجعل قيمتها وقت العقد رأس المال قال أحمد إذا اشتركا في العروض يقسم الربح على ما اشترطا وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع قال جائز فظاهر هذا صحة الشركة بها اختار هذا أبو بكر وأبو الخطاب وهو قول مالك وابن أبي ليلى وبه قال في المضاربة طاوس والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعا وكون ربح المالين بينهما وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها وقال الشافعي إن كانت العروض من ذوات الأمثال كالحبوب والأدهان جاز الشركة بها في أحد الوجهين لأنها من ذوات الأمثال أشبهت العقود ويرجع عند المفاصلة بمثلها وإن لم تكن من ذوات الأمثال لم يجز وجها واحدا لأنه لا يمكن الرجوع بمثلها ولنا إنه نوع شركة فاستوى فيها ماله مثل العروض وما لا مثل له كالمضاربة وقد سلم أن المضاربة لا تجوز بشيء من العروض ولأنها ليست بعقد فلم تصح الشركة بها كالذي لا مثل له فصل والحكم في النقرة كالحكم في العروض لأن قيمتها تزيد وتنقص وهي كالعروض وكذلك الحكم في المغشوش من الأثمان قل الغش أو كثر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان الغش أقل من النصف جاز وإن كثر لم يجز لأن الاعتبار بالغالب في كثير من الأصول ولنا إنها مغشوشة فأشبه ما لو كان الغش أكثر ولأن قيمتها تزيد وتنقص أشبهت بالعروض وقولهم الاعتبار بالغالب ليس بصحيح فإن الفضة إذا كانت أقل لم يسقط حكمها في الزكاة وكذلك الذهب اللهم إلا أن يكون الغش قليلا جدا لمصلحة النقد كيسير الفضة في الدينار مثل الحبة ونحوها فلا اعتبار به لأنه لا يمكن التحرز منه ولا يؤثر في الربا ولا في غيره فصل ولا تصح الشركة بالفلوس وبخذا قال أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم صاحب مالك ويتخرج الجواز إذا كانت نافقة فإن أحمد قال لا أرى السلم في الفلوس لأنه يشبه التصرف وهذا قول محمد بن الحسن وأبي ثور لأنها ثمن فجازت الشركة بها كالدراهم والدنانير ويحتمل جواز الشركة بها على كل حال نافقة كانت أو غير نافقة بناء على جواز الشركة بالعروض ووجه الأول أنها تنفق مرة وتكسد أخرى فأشبهت العروض فإذا قلنا بصحة الشركة فيها فإنها إن كانت نافقة كان رأس المال مثلها وإن كانت كاسدة كانت قيمتها كالعروض

قسم V05/P011–V05/P012

فصل ولا يجوز أن يكون رأس المال الشركة مجهولا ولا جزافا لأنه لا بد من الرجوع به عند المفاصلة ولا يمكن مع الجهل والجزاف ولا يجوز بمال غائب ولا دين لأنه لا يمكن التصرف فيه في الحال وهو مقصود الشركة فصل ولا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس بل يجوز أن يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير نص عليه أحمد وبه قال الحسن وابن سيرين وقال الشافعي لا تصح الشركة إلا أن يتفقا في مال واحد بناء على أن خلط المالين شرط ولا يمكن إلا في المال الواحد ونحن لا نشترط ذلك ولأنهما من جنس الأثمان فصحت الشركة فيهما كالجنس الواحد ومتى تفاضلا يرجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه ثم اقتسما الفضل نص عليه أحمد فقال يرجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه وقال كذا يقول محمد والحسن وقال القاضي إذا أرادا المفاصلة قوما المتاع بنقد البلد وقوم مال الآخر به ويكون التقويم حين صرفا الثمن فيه ولنا إن هذه شركة صحيحة رأس المال فيها الأثمان فيكون الرجوع بجنس رأس المال كما لو كان الجنس واحدا فصل ولا يشترط تساوي المالين في القدر وبه قال الحسن والشعبي والنخعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وقال بعض أصحاب الشافعي يشترط ذلك ولنا إنهما مالان من جنس الأثمان فجاز عقد الشركة عليهما كما لو تساويا فصل ولا يشترط اختلاط المالين إذا عيناهما وأحضراهما وبهذا قال أبو حنيفة ومالك إلا أن مالكا شرط أن تكون أيديهما عليه بأن يجعلاه في حانوت لهما أو في يد وكيلهما وقال الشافعي لا يصح حتى يخلطا المالين لأنهما إذا لم يخلطاهما فمال كل واحد منهما يتلف منه دون صاحبه أو يزيد له دون صاحبه فلم تنعقد الشركة كما لو كان من المكيل ولنا إنه عقد يقصد به الربح فلم يشترط فيه خلط المال كالمضاربة ولأنه عقد على التصرف فلم يكن لمن شرطه أن تكون أيديهما عليه كالوكالة وقولهم إنه يتلف من مال صاحبه أو يزيد على ملك صاحبه ممنوع بل ما يتلف من مالهما وزيادته لهما لأن الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهما في نصف مال صاحبه فيكون تلفه منها وزيادته لها وقال أبو حنيفة متى تلف أحد المالين فهو من ضمان صاحبه ولنا إن الوضعية والضمان أحد موجبي الشركة فتعلق بالشريكين كالربح وكما لو اختلطا فصل ومتى وقعت الشركة فاسدة فإنهما يقتسمان الربح على قدر رأس أموالهما ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجر علمه نص عليه أحمد المضاربة واختاره القاضي وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لأن المسمى يسقط في العقد الفاسد كالبيع الفاسد إذا تلف المبيع في يد المشتري إلا أت يكون مال كل واحد منهما مميزا وربحه معلوما فيكون له ربح ماله ولو ربح في جزء منه ربحا متميزا وباقيه مختلط كان له ما تميز من ربح ماله وله بحصته باقي ماله من الربح واختار الشريف أبو جعفر أنهما يقتسمان الربح على ما شرطاه ولا يستحق أحدهما على الآخر أجر عمله وأجراها مجرى الصحيحة في جميع أحكامها قال لأن أحمد قال إذا اشتركا في العروض قسم الربح على ما اشترطاه واحتج بأنه عقد يصح مع الجهالة فيثبت المسمى في فاسده كالنكاح والمذهب الأول قاله القاضي وكلام أحمد محمول على الراواية الأخرى في تصحيح المضاربة بالعروض لأن الأصل كون ربح مال كل واحد لمالكه لأنه نماؤه وإنما ترك ذلك بالعقد الصحيح فإذا لم يكن العقد صحيحا بقي الحكم على مقتضى الأصل كما أن البيع إذا كان فاسدا لم ينقل ملك كل واحد من المتبايعين عن ماله فصل وشركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة لأن كل واحد منهما يدفع المال إلى صاحبه أمنه وبإذنه له في التصرف وكله ومن شرط صحتها أن يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فإن أذن له مطلقا في جميع التجارات تصرف فيها وإن عين له جنسا أو نوعا أو بلدا تصرف فيه دون غيره لأنه تصرف بالإذن فوقف عليه كالوكيل ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة وكيف رأى المصلحة

قسم V05/P012–V05/P013

لأن هذا عادة التجار وله أن يقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويخاصم في الدين ويطالب به ويحيل ويحتال ويرد بالعيب فيما وليه هو وفيما ولي صاحبه وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر لأن المنافع أجريب مجرى الأعيان فصار كالشراء والبيع والمطالبة بالأجر لهما وعليهما لأن حقوق العقد لا تختص العاقد فصل وليس به أن يكاتب الرقيق ولا يعتق على مال ولا غيره ولا يزوج الرقيق لأن الشركة تنعقد على التجارة وليست هذه الأنواع تجارة سيما تزويج العبد فإنه محض ضرر وليس له أن يقرض ولا يحابي لأنه تبرع وليس له التبرع أن يشارك بمال الشركة ولا يدفعه مضاربة لأن ذلك يثبت في المال حقوقا ويستحق ربحه لغيره وليس ذلك له وليس له أن يخلط مال الشركة بماله ولا مال غيرهه لأنه يتضمن إيجاب حقوق في المال وليس هو من التجارة المأذون فيها ولا يأخد بالمال سفتجة ولا يعطي به سفتجة لأن في ذلك خطرا لم يؤذن فيه وليس له أن يستدين على مال الشركة فإن فعل فذلك له وله ربحه وعليه وضيعته قال أحمد في رواية صالح فيمن استدان في المال بوجهه ألفا فهو له وربحه له والوضيعة عليه وقال القاضي إذا استقرض شيئا لزمهما وربحه لهما لأنه تمليك مال بمال فهو كالصراف ونص أحمد يخالف هذا ولأنه أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه فلم يجز كما لو ضم إليها ألفا من ماله ويفارق الصرف لأنه بيع وإبدال عين بعين فهو كبيع الثياب والدراهم وليس له أن يقر على مال الشركة فإن فعل لزم في حقه دون صاحبه سواء أقر بعين أو دين لأن شريكه إنما أذن في التجارة وليس الإقرار داخلا فيها وإن أقر بعيب في عين باعها قبل إقراره وكذلك يقبل إقرار الوكيل على موكله بالعيب نص عليه أحمد وكذلك إن أقر ببقية ثمن المبيع أو بجميعه أو بأجر للمنادي أو الحمال وأشباه هذا ينبغي أن يقبل لأنه هذا من توابع التجارة فكان له ذلك كتسليم المبيع وأداء ثمنه وإن ردت السلعة عليه بعيب فله أن يقبلها وله أن يعطي أرش العيب أو يحط من ثمنه أو يؤخر ثمنه لأجل العيب لأن ذلك قد يكون أحذ من الرد وإن حط من الثمن ابتداء أو أسقط دينا لهما عن غريمهما لزم في حقه وبطل في حق شريكه لأنه تبرع والتبرع يجوز في حق نفسه دون شريكه وإن كان لهما دين حال فأخر أحدهما حصته من الدين جاز وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز ولنا إنه أسقط حقه من المطالبة فصح أن ينفرد أحدهما به كالإبراء فصل وهل لأحدهما أن يبيع نساء يخرج على روايتين بناء على الوكيل والمضارب وسنذكر ذلك وإن اشترى نساء بنقد عنده مثله أو نفذ من غير جنسه أو اشترى بشيء من ذوات الأمثال وعنده مثله جاز لأنه إذا اشترى بجنس ما عنده فهو يؤدي مما في يديه فلا يفضي إلى الزيادة في الشركة وإن لم يكن في يده نقد ولا مثل جنس ما اشترى به أو كان عنده فاستدان عرضا فالشراء له خاصة وربحه له وضمانه عليه لأنه استدانه على مال الشركة وليس له ذلك على ما أسلفناه والأولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه من أداء الثمن منه ببيعه أنه يجوز لأنه أمكنه أداء الثمن من مال الشركة فأشبه ما لو كان عنده نقد ولأن هذا عادة التجار ولا يمكن التحرز منه وهل له أن يبضع أو يودع على روايتين أحداهما له ذلك لأنه عادة التحار وقد تدعو الحاجة إلى الإيداع والثانية لا يجوز لأنه ليس من الشركة وفيه غرر والصحيح أن الإيداع يجوز عند الحاجة إليه لأنه من ضرورة الشركة أشبه دفع المتاع إلى الحمال وفي التوكيل فيما يتولى مثله بنفسه وجهان بناء على الوكيل وقيل يجوز للشريك التوكيل بخلاف الوكيل لأنه لو جاز للوكيل التوكيل لاستفاد بحكم العقد مثل العقد والشريك يتسفيد بعقد الشركة ما هو أخص منه ودونه

قسم V05/P013–V05/P014

لأن التوكيل أخص من عقد الشركة فإن كل أحدهما ملك الآخر عزله لأن لكل واحد منهما التصرف في حق صاحبه بالتوكيل فكذلك بالعزل وهل لأحدهما أن يرهن بالدين الذي عليهما أو يرهن بالدين الذي لهما على وجهين أصحهما أن له ذلك عند الحاجة لأن الرهن يراد للإيفاء والارتهان يراد للاستيفاء وهو يملك الإيفاء والاستيفاء فملك ما يراد لهما والثاني ليس له ذلك لأن فيه خطرا ولا فرق بين أن يكون ممن ولي العقد أو من غيره لكون القبض من حقوق العقد وحقوق العقد لا تختص العاقد فكذلك ما يراد له وهل له السفر بالمال فيه وجهان نذكرهما في المضاربة فأما الإقالة فالأولى أنه يملكها لأنها إن كانت بيعا فهو يملك البيع وإن كانت فسخا فهو يملك الفسخ بالرد بالعيب إذا رأى المصلحة فيه فكذلك الفسخ بالإقالة إذا كان الحظ فيه فإنه قد يشتري ما يرى أنه قد غبن فيه ويحتمل أن لا يملكها إذا قلنا هو فسخ لأن الفسخ ليس من التجارة وإن قال له اعمل برأيك جاز له أن يعمل كل ما يقع في التجارة من الإبضاع والمضاربة بالمال والمشاركة به وخلطه بماله والسفر به والإيداع والبيع نساء والرهن والارتهان والإقالة ونحو ذلك لأنه فرض إليه الرأي في التصرف الذي تقتضيه الشركة فجاز له كل ما هو من التجارة فأما ما كان بغير عوض كالهبة والحطيطة لغير فائدة والقرض والعتق ومكاتبة الرقيق وتزويجهم ونحوه فليس له فعله لأنه إنما فوض إليه العمل برأيه في التجارة وليس هذا منها فصل وإن أخذ أحدهما مالا مضاربة فربحه له ووضيعته عليه دون صاحبه لأنه يستحق ذلك في مقابلة عمله وليس ذلك من المال الذي اشتركا فيه وقد قال أصحابنا في المضاربة إذا ضارب لرجل آخر رد ما حصل من الربح في شركة الأول إذا كان فيه ضرر على الأول فيجيء ها هنا مثله فصل والشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكين وجنونه والحجر عليه للسفه وبالفسخ من أحدهما لأنها عقد جائز فبطلت بذلك كالوكالة وإن عزل أحدهما صاحبه انعزل المعزل فلم يكن له أن يتصرف إلا في قدر نصيبه وللعازل التصرف في الجميع لأن المعزل لم يرجع عن إذنه هذا إذا كان المال ناضا وإن كان عرضا فذكر القاضي إن ظاهر كلام أحمد إنه لا ينعزل بالعزل وله التصرف حتى ينض بالمال كالمضارب إذا عزله رب المال وينبغي أن يكون له التصرف بالبيع دون المعاوضة بسلعة أخرى أو التصرف بغير ما ينض به المال وذكر أبو الخطاب إنه يعزل مطلقا وهو مذهب الشافعي لأنه عقد جائز فأشبه الوكالة فعلى هذا إن اتفقا على البيع أو القسمة فعلا وإن طلب أحدهما القسمة والآخر البيع أجيب طالب القسمة دون طالب البيع فإن قيل أليس أذا فسخ رب المال المضاربة فطلب العامل البيع أجيب إليه فالجواب أن حق العامل في الربح ولا يظهر الربح إلا بالبيع فاستحقه العامل لوقوف حصول حقه عليه وفي مسألتنا ما يحصل من الربح يستدركه كل واحد منهما في نصيبه من المتاع فلم يجبر على البيع فصل فإن مات أحد الشريكين وله وارث رشيد فله أن يقيم عى الشركة ويأذن له الشريك في التصرف وله المطالبة بالقسمة فإن كان موليا عليه قام وليه مقامه في ذلك إلا أنه لا يفعل إلا ما فيه المصلحة للمولى عليه فإن كان الميت قد وصى بمال الشركة أو ببعضه لمعين فالموصى له كالوارث فيما ذكرنا وإن وصى به لغير معين كالفقراء لم يجز للوصي الإذن في التصرف لأنه قد وجب دفعه إليهم فيعزل نصيبهم ويفرقه بينهم وإن كان على الميت دين تعلق بتركته فليس للوارث إمضاء الشركة حتى يقضي دينه فإن قضاه من غير مال الشركة فله الإتمام وإن قضاه منه بطلت الشركة في قدر ما قضى فصل القسم الثالث أم يشترك بدن ومال وهذه المضاربة تسمى قراضا أيضا ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه

قسم V05/P014–V05/P016

فأهل العراق يسمونه مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر فيها للتجارة قال الله تعالى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله المزمل 20 ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح لهم ويسميه أهل الحجاز القراض فقيل هو مشتق من القطع يقال قرض الفأر الثوب إذا قطعه فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل واقتطع له قطعة من الربح وقيل استقاقه من المساواة والموازنة ياقل تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره وها هنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة ذكره ابن المنذر وروي عن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل في في العراق وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنهم خرجا في جيش إلى العراق فتسلفا من أبي موسى مالا وابتاعا به متاعا وقدما به إلى المدينة فباعاه وربحا فيه فأراد عمر أنخد رأس المال والربح كله فقالا لو تلف كان ضمانه علينا فلم لا يكون ربحه لنا فقال رجل يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا قال قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح وهذا يدل على جواز القرض وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان قارضه وعن قتادة عن الحسن أن عليا قال إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على على ما شرطا وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما قارضا ولا مخالف لهما في الصخابة فحصل إجماعا ولأن بالناس حاجة إلى المضاربة فإن الدراهم والدنانير لا تنمى إلا بالتقليب والتجارة وليس كل من يملكها يحسن التجارة ولأن كل من يحسن التجارة له رأس مال فاحتيج إليها من الجانبين فشرعها الله تعالى لدفع الجاجتين إذا ثبت هذا فإنها تنعقد بلفظ المضاربة والقراض لأنهما لفظان موضوعان لما أو بما يؤدي معناها لأن المقصود المعنى فجاز بما ذلك عليه كلفظ التمليك في البيع فصل وحكمها حكم شركة العنان في أن كل ماجاز للشريك علمه جاز للمضارب عمله وما منع منه الشريك منع منه المضارب وما اختلف فيه ثم فها هنا مثله وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة وما لا يجوز ثم لا يجوزها هنا على ما فصلناه فصل القسم الرابع أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما فهذا يجمع شركة ومضاربة وهو صحيح فلو كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم لأحدهما ألف ولآخر ألفان فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف يتصرف فيها على أن يكون الربح بينهما نصفين صح ويكون لصاحب الألف ثلث الربح بحق ماله والباقي وهو ثلثا الربح بينهما لصاحب الألفين ثلاثة أرباعه وللعامل ربعه وذلك لأنه جعل له نصف الربح فجعلناه ستة أسهم منها ثلاثة للعامل حصة ماله وسهم يستحقه بعمله في مال شريكه وحصة مال شريكه أربعة أسهم للعامل سهم وهو الربع فإن قيل فكيف تجوز المضاربة ورأس المال مشاع قلنا إنما تمنع الإشاعة الجواز إذا كانت مع غير العامل لأنها تمنعه من التصرف بخلاف ما إذا كانت مع العامل فإنها لا تمنعه من التصرف فلا تمنع من صحة المضاربة فإن شرط للعامل ثلث الربح فقط فمال صاحبه بضاعة في يده وليست مضاربة لأن المضاربة إنما تحصل إذا كان الربح بينهما فأما إذا قال ربح مالك لك وربح مالي لي فقبل الآخر كان إبضاعا لا غير وبهذا كله قال الشافعي وقال مالك لا يجوز أن يضم إلى القراض شركة كما لا يجوز أن يضم إليه عقد إجارة ولنا إنهما لم يجعلا أحد العقدين شرطا للآخر فلم نمنع من جمعهما كما لو كان المال متميزا

الأسئلة