Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V05/P141–V05/P143

وكان له قيمة بعد الكشط فللغاصب قلعه كما يملك قلع غراسه سواء بذل له المالك قيمته أو لم يبذل وإن لم يكن له قيمة وإن طالبه المالك بحله لزمه ذلك إذا كان فيه غرض وإن لم يكن فيه غرض فعلى وجهين وإن جعله آجرا أو فخارا لزمه رده ولا أجر له لعمله وليس له كسره ولا للمالك إجباره عليه لأن ذلك سفه لا يفيد وإتلاف للمال وإضاعة له وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال فصل وإن غصب أرضا فحفر فيها بئرا فطالبه المالك بطمها لزمه ذلك لأنه يضر بالأرض ولأن التراب ملكه نقله من موضعه فلزمه رده كتراب الأرض وكذلك إن حفر فيها نهرا أو حفر بئرا في ملك رجل بغير إذنه وإن أراد الغاصب طمها فمنعه المالك نظرنا فإن كان له غرض في طمها بأن يسقط عنه ضمان ما يقع فيها أو يكون قد نقل ترابها إلى ملك نفسه أو ملك غيره أو طريق يحتاج إلى تفريغه فله الرد لما فيه من الغرض وبهذا قال الشافعي وإن لم يكن له غرض في طم البئر مثل أن يكون قد وضع التراب فيملك المغصوب منه مما حفر وأذن فيه لم يكن له طمها في أحد الوجهين لأنه إتلاف لا نفع فيه فلم يكن له فعله كما لو غصب نقرة فطبعها دراهم ثم أراد جعلها نقرة وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وبعض الشافعية وقال بعضهم له طمها وهو الوجه الثاني لنا لأنه لا يبرأ من الضمان بإبراء المالك لأنه إبراء مما لا يجب بعد وهو أيضا إبراء من حق غيره وهو الواقع فيها ولنا أن الضمان إنما لزمه لوجود التعدي فإذا رضي صاحب الأرض زال التعدي فزال الضمان وليس هذا إبراء مما لم يجب وإنما هو إسقاط التعدي برضائه به وهكذا ينبغي أن يكون إذا لم يتلفظ بالإبراء ولكن منعه من طمها لأنه يتضمن رضاه بذلك الفصل الثالث أن على الغاصب أجر الأرض منذ غصبها إلى وقت تسليمها وهكذا كل ما له أجر فعلى الغاصب أجر مثله سواء استوفى المنافع أو تركها حتى ذهبت لأنها تلفت في يده العادية فكان عليه عوضها كالأعيان وإن غصب أرضا فبناها دارا فإن كانت آلات بنائها من مال الغاصب فعليه أجر الأرض دون بنائها لأنه إنما غصب الأرض والبناء له فلم يلزمه أجر ماله وإن بناها بتراب منها والات للمغصوب منه فعليه أجرها مبنية لأن الدار كلها ملك للمغصوب منه وإنما للغاصب فيها أثر الفعل فلا يكون في مقابلته أجر لأنه وقع عدوانا وإن غصب دارا فنقضها ولم يبنها فعليه أجر دار إلى حين نقضها وأجرها مهدومة من حين نقضها إلى حين ردها لأن البناء انهدم وتلف فلم يجب أجره مع تلفها وإن نقضها ثم بناها بآلة من عنده فالحكم فيها كذلك وإن بناها بآلتها أو آلة من ترابها أو ملك المغصوب منه فعليه أجرها عرصة منذ نقضها إلى أن بناها وأجرها دارا فيما قبل ذلك وبعده لأن البناء للمالك وحكمها في نقض بنائها الذي بناه الغاصب حكم ما لو غصبها عرصة فبناها وإن كان الغاصب باعها فبناها المشتري أو نقضها ثم بناها فالحكم لا يختلف لكن للمالك مطالبة من شاء منهما والرجوع عليه فإن رجع على الغاصب رجع الغاصب على المشتري بقيمة ما تلف من الأعيان لأن المشتري دخل على أنه مضمون عليه بالعوض فاستقر ضمانه عليه وإن رجع المالك على المشتري رجع المشتري على الغاصب بنقص التالف ولم يرجع بقيمة ما تلف وهل يرجع كل واحد منهما على صاحبه بالأجر على روايتين وليس له مطالبة المشتري بشيء من الأجر ألا بأجر مدة مقامها في يديه لأن يده إنما ثبتت عليها حينئذ

قسم V05/P143–V05/P144

الفصل الرابع أن على الغاصب ضمان نقص الأرض إن كان نقصها الغرس أو نقصت بغيره وهكذا كل عين مغصوبة على الغاصب ضمان نفصها إذا كانت نقصا مستقرا كثوب تخرق وإناء تكسر وطعام سوس وبناء خرب ونحوه فإنه يردها وأرش النقص لأنه نقص حصل في يد الغاصب فوجب ضمانه كالقفيز من الطعام والذراع من الثوب وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا شق رجل لرجل ثوبا شقا قليلا أخذ أرشه وإن كان كثيرا فصاحبه بالخيار بين تسليمه وأخذ قيمته وبين إمساكه وأخذ أرشه وقد روي عن أحمد كلام يحتمل هذا فإنه قال في رواية موسى بن سعيد في الثوب إن شاء شق الثوب وإن شاء مثله يعني والله أعلم إن شاء أخذ أرش الشق ووجهه أن هذه جناية أتلفت معظم منفعته فكانت له المطالبة بقيمته كما لو قتل شاة له وحكى أصحاب مالك عنه أنه إذا جنى على علين فأتلف غرض صاحبها فيها كان المجني عليه بالخيار إن شاء رجع بما نقصت وإن شاء سلمها وأخذ قيمتها ولعل ما يحكى عنه من قطع ذنب حمار القاضي ينبني على ذلك لأنه أتلف غرضه به فإنه لا يركبه في العادة وحجتهم أنه أتلف المنفعة المقصودة من السلعة فلزمته قيمتها كما لو أتلف جميعها ولنا إنها جناية على مال أرشها دون قيمته فلم يملك المطالبة قيمته كما لو كان الشق يسيرا ولأنها جناية تنقص بها القيمة فأشبه ما لو لم يتلف غرض صاحبها وفي الشاة تلف جميعها لأن الاعتبار في الإتلاف بالمجني عليه لا بغرض صاحبه لأن هذا إن لم يصح لهذا صلح لغيره فصل وقدر الأرش قدر نقص القيمة في جميع الأعيان وبهذا قال الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أن عين الدابة تضمن بربع قيمتها فإنه قال في رواية أبي الحارث في رجل فقأ عين دابة لرجل عليه ربع قيمتها قيل له فقأ العينين فقال إذا كانت واحدة فقال عمر ربع القمية وأما العينان فما سمعت فيهما شيئا قيل له فإن كان بعيرا أو بقرة أو شاة فقال هذا غير الدابة هذا ينتفع بلحمه ننظر ما نقصها وهذا يدل على أن أحمد إنما أوجب مقدرا في العين الواحدة من الدابة وهي الفرس والبغل والحمار خاصة للأثر الوارد فيه وما عدا هذا يرجع إلى القياس واحتج أصحابنا لهذه الرواية بما روى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عين الدابة بربع قيمتها وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى شريح لما كتب إليه يسأله عن عين الدابة إنا كنا ننزلها منزلة الآدمي إلا أنه أجمع رأينا أن قيمتها ربع الثمن وهذا إجماع يقدم على القياس وذكر هذين أبو الخطاب في رؤوس المسائل وقال أبو حنيفة إذا قلع عين بهيمة تنتفع بها من وجهين كالدابة والبعير والبقرة وجب نصف قيمتها وفي إحداهما ربع قيمتها لقول عمر رضي الله عنه أجمع رأينا على أن قيمتها ربع الثمن وروي عن أحمد في العبد أنه يضمن في الغصب بما يضمن به الجناية ففي يده نصف قيمته وفي موضحته نصف عشر قيمته وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لأنه ضمان لأبعاض العبد فكان مقدرا من قيمته كأرش الجناية ولنا إنه ضمان مال من غير حناية فكان الواجب ما نقص كالثوب وذلك لأن القصد بالضمان جبر حق المالك بإيجاب قدر المفوت عليه وقدر النقص هو الجابر ولأنه لو فات الجميع لوجبت قيمته فإذا فات منه شيء وجب قدره من القيمة كغير الحيوان وأما حديث زيد بن ثابت فلا أصل له ولو كان صحيحا لما احتج أحمد وغيره بحديث عمر وتركوه فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يحتج به وأما قول عمر فمحمول على ذلك كان قدر نقصها كما روي عنه أنه قضى في العين القائمة بخمسين دينارا ولو كان تقديرا لوجب في العين نصف القيمة كعين الآدمي وأما ضمان الجناية على أطراف العبد فمعدول به عن القياس للإلحاق بالجناية على الحر والواجب ها هنا ضمان اليد ولا تثبت اليد على الحر

قسم V05/P144–V05/P145

فوجب البقاء فيه على موجب الأصل وإلحاقه بسائر الأموال المغصوبة وقول أبي حنيفة إن هذا في بهيمة الأنعام والدابة لا يصح لأن هذا القول مبني على قول عمر وقول عمر إنما هو في الدابة والدابة في العرف ما يعد للركوب دون بهيمة الأنعام فصل وإن غصب عبدا فجنى عليه جناية مقدرة الدية فعلى قولنا ضمان الغصب ضمان الجناية الواجب أرش الجناية كما لو جنى عليه من غير غصب فنقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر وإن قلنا ضمان الغصب غير ضمان الجناية وهو الصحيح فعليه أكثر الأمرين من أرش النقص أو دية ذلك العضو لأن ضمان كل واحد منهما وجب فوجب أكثرهما ودخل الآخر فيه فإن الجناية واليد وجدا جميعا فإن غصب عبدا يساوي ألفا فزادت قيمته فصار يساوي ألفين ثم قطع يده فنقص ألفا لزمه ألف ورد العبد لأن سبب زيادة السوق مع تلف العين مضمونة ويد العبد كنصفه فكأنه بقطع يده فوت نصفه وإن نقص ألفا وخمسمائة وقلنا الواجب ما نقص فعليه ألف وخمسمائة ويرد العبد وإن قلنا ضمان الجناية فعليه ألف ورد العبد فحسب وإن نقص خمسمائة فعليه رد العبد وهل يلزمه ألف أو خمسمائة على وجهين فصل وإن غصب عبدا فقطع آخر يده فللمالك تضمين أيهما شاء لأن الجاني قطع يده والغاصب حصل النقص في يده فإن ضمن الجاني فله تضمينه نصف قيمته لا غير و لا يرجع على أحد لأنه لم يضمنه أكثر مما وجب عليه ويضمن الغاصب ما زاد على نصف القيمة إن نقص أكثر من النصف ولا يرجع على أحد وإن قلنا إن ضمان الغصب ضمان الجناية أو لم ينقص أكثر من نصف قيمته لم يضمن الغاصب ها هنا شيئا وإن اختار تضمين الغاصب وقلنا إن ضمان الغاصب كضمان الجناية ضمنه نصف القيمة ورجع بها الغاصب على الجاني لأن التلف حصل بفعله فاستقر الضمان عليه وإن قلنا إن ضمان الغصب بما نقص فلرب العبد تضمينه بأكثر الأمرين لأن ما وجد في يده فهو في حكم الموجود منه ثم يرجع الغاصب على الجاني بنصف القيمة لأنها أرش جناية فلا يجب عليه أكثر منها فصل وإن غصب عبدا فقطع أذنيه أو يديه أو ذكره أو أنفه أو لسانه أو خصييه لزمته قيمته كلها ورد العبد نص عليه أحمد وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة والثوري يخير المالك بين أن يصبر ولا شيء له وبين أخذ قيمته ويملكه الجاني لأنه ضمان مال فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه له كسائر الأموال ولنا إن المتلف البعض فلا يقف ضمانه على زوال الملك عن جملته كقطع ذكر الدبر وكقطع إحدى يديه أو أذنيه ولأن المضمون هو المفوت فلا يزول الملك عن غيره بضمانه كما لو قطع تسع أصابع وبهذا ينفصل عما ذكروه فإن الضمان في مقابلة المتلف لا في مقابلة الجملة فأما إن ذهبت هذه الأعضاء بغير جناية فهل يضمنها ضمان الإتلاف أو بما نقص على روايتين سبق ذكرهما فصل وإن جنى العبد المغصوب فجنايته مضمونة على الغاصب لأنه نقص في العبد الجاني لكون أرش الجناية يتعلق برقبته فكان مضمونا على الغاصب كسائر نقصه وسواء في ذلك ما يوجب القصاص أو المال ولا يلزمه أكثر من النقص الذي لحق العبد وإن جنى على سيده فجنايته مضمونة على الغاصب أيضا لأنها من جملة جناياته فكان مضمونا على الغاصب كالجناية على الأجنبي فصل إذا نقصت عين المغصوب دون قيمته فذلك على ثلاثة أقسام أحدها أن يكون الذاهب جزءا مقدر البدل كعبد خصاه وزيت أغلاه ونقرة ضربها دراهم فنقصت عينها دون قيمتها فإنه يجب ضمان النقص فيمضن نقص العبد بقيمته ونقص الزيت والنقرة بمثلهما مع رد الباقي منهما لأن الناقص من العين له بدل مقدر فلزمه ما تقدر به كما لو أذهب الجميع

قسم V05/P145–V05/P146

الثاني أن لا يكون مقدرا مثل ان غصب عبدا ذا سمن مفرط فخف جسمه ولم تنقص قيمته فلا شيء فيه سوى رده لأن الشرع إنما أوجب في هذا نقص من القيمة ولم يقدر بدله ولم تنقص القيمة فلم يجب شيء بخلاف الصورة الأولى فإن الذاهب مقدر البدل فلم يسقط بدله الثالث أن يكون النقص في مقدر البدل لكن الذاهب منه أجزاء غير مقصودة كعصير أغلاه فذهبت مائيته وانعقدت أجزاؤه فنقصت عينه دون قيمته ففيه وجهان أحدهما لا شيء عليه سوى رده لأن النار إنما أذهبت مائيته التي يقصد ذهابها ولهذا تزداد حلاوته وتكثر قيمته فلم يجب ضمانها كسمن العبد الذي ينقص قيمته والثاني يجب ضمانه لأنه مقدر البدل فأشبه الزيت إذا أغلاه وأن نقصت العين والقيمة جميعا وجب في الزيت وشبهه ضمان النقصين جميعا لأن كل واحد منهما مضمون منفردا فكذلك إذا اجتمعا وذلك مثل أن يكون رطل زيت قيمته درهم فأغلاه فنقص ثلثه فصار قيمة الباقي نصف درهم فعليه ثلث رطل وسدس درهم وإن كانت قيمة الباقي ثلثي درهم فليس عليه أكثر من ثلث رطل لأن قيمة الباقي لم تنقص وإن خصي العبد فنقصت قيمته فليس عليه أكثر من ضمان خصييه لأن ذلك بمنزلة ما لو فقأ عينيه وهل يجب في العصير ما نقص من القيمة أو يكون كالزيت على وجهين فصل وإن غصب عبدا فسمن سمنا نقصت به قيمته أو كان شابا فصار شيخا أو كانت الجارية ناهدا فسقط ثدياها وجب أرش النقص لا نعلم فيه خلافا فإن كان العبد أمرد فنبتت لحيته فنقصت قيمته وجب ضمان نقصه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب ضمانه لأن الفائت لا يقصد قصدا صحيحا فأشبه الصناعة المحرمة ولنا إنه نقص في القيمة بتغير صفته فيضمنه كبقية الصور فصل وإن نقص المغصوب نقصا غير مستقر كطعام ابتل وخيف فساده أو عفن وخشي تلفه فعليه نقصه وهذا منصوص الشافعي وله قول آخر إنه لا يضمن نقصه وقال القاضي لا يلزمه بدل لأنه لا يعلم قدر نقصه وكلما نقص شيئا ضمنه لأنه يستند إلى السبب الموجود في يد الغاصب فكان كالموجود في يده وقال أبو الخطاب يتخير صاحبه بين أخذ بدله وبين تركه حتى يستقر فساده ويأخذ أرش نقصه وقال أبو حنيفة يتخير بين إمساكه ولا شيء له أو تسليمه إلى الغاصب ويأخذ من قيمته لأنه لو ضمن النقص لحصل له مثل كيله وزيادة وهذا لا يجوز كما لو باع قفيزا جيدا بقفيز رديء ودرهم ولنا إن عين ماله باقية وإنما حدث فيه نقص فوجب فيه ما نقص كما لو باع عبدا فمرض وقد وافق بعض أصحاب الشافعي على هذا في العفن وقال لا يضمن ما نقص قولا واحدا ولا يضمن ما تولد منه لأنه ليس من فعله وهذا الفرق لا يصح لأن البلل قد يكون من غير فعله أيضا وقد يكون العفن بسبب منه ثم إن ما وجد في يد الغاصب فهو مضمون عليه لوجوده في يده فلا فرق وقول أبي حنيفة لايصح لأن هذا الطعام عين ماله وليس ببدل عنه وقول أبي الخطاب لا بأس به مسألة قال ( وإن كان زرعها فأدركها ربها والزرع قائم كان الزرع لصاحب الأرض وعليه النفقة وإن سحقت بعد أخذ الغاصب الزرع فعليه أجرة الأرض )

قسم V05/P146–V05/P147

قوله فأدركها ربها يعني استرجعها من الغاصب أو قدر على أخذها منه وهو معنى قوله استحقت يعني أخذها مستحقها فمتى كان هذا بعد حصاد الغاصب الزرع فإنه للغاصب لا نعلم فيه خلافا وذلك لأنه نماء ماله وعليه الأجرة إلى وقت التسليم وضمان النقص ولو لم يزرعها فنقصت لترك الزراعة كأراضي البصرة أو نقصت لغير ذلك ضمن نقصها أيضا لما قدمنا في المسألة التي قبل هذه فأما إن أخذها صاحبها والزرع قائم فيها لم يملك إجبار الغاصب على قلعه وخير المالك بين أن يقر الزرع في الأرض إلى الحصاد ويأخذ من الغاصب أجر الأرض وأرض نقصها وبين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له وبهذا قال أبو عبيد وقال أكثر الفقهاء يملك إجبار الغاصب على قلعه والحكم فيه كالغرس سواء لقوله عليه السلام ليس لعرق ظالم حق ولأنه زرع في أرض غيره ظلما أشبه الغراس ولنا ما روى رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من زرع في أرض بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن فيه دليل على أن الغاصب لا يجبر على قلعه لأنه ملك للمغصوب منه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زرعا في أرض طهير فأعجبه فقال ما أحسن زرع طهير فقال إنه ليس لطهير ولكنه لفلان قال فخذوا زرعكم وردوا عليه نفقته قال رافع فأخذنا زرعنا ورددنا عليه نفقته ولأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان فلم يجز إتلافه كما لو غصب سفينة فحمل فيها ماله وأدخلها البحر أو غصب لوحا فرقع به سفينة فإنه لا يجبر على رد المغصوب في اللجة وينتظر حتى ترسي صيانة للمال عن التلف كذا ها هنا ولأنه زرع حصل في ملك غيره فلم يجبر على قلعه على وجه يضر به كما لو كانت الأرض مستعارة أو مشفوعة وفارق الشجر والنخل لأنه مدته تتطاول ولا يعلم متى ينقلع من الأرض فانتظاره يؤدي إلى ترك رد الأصل بالكلية وحديثهم ورد في الغرس وحديثنا في الزرع فيجمع بين الحديثين ويعمل بكل واحد منهما في موضعه وذلك أولى من إبطال أحدهما إذا ثبت هذا فمتى رضي المالك بترك الزرع للغاصب ويأخذ منه أجر الأرض فله ذلك لأنه شغل المغصوب بماله فملك صاحبه أخذ أجره كما لو ترك في الدار طعاما أو أحجارا يحتاج في نقله إلى مدة وإن أحب أخذ الزرع فله ذلك كما يستحق الشفيع أخذ شجر المشتري بقيمته وفيما يرد على الغاصب روايتان إحداهما فيه الزرع لأنه بدل عن الزرع فيقدر بقيمته كما لو أتلفه ولأن الزرع للغاصب إلى حين انتزاع المالك له منه بدليل أنه لو أخذه قبل انتزاع المالك له كان ملكا ولو لم يكن ملكا له لما ملكه بأخذه فيكون أخذ المالك له تملكا إلا أن يعوضه فيجب أن يكون بقيمته لما لو أخذ الشقص والمشفوع ويجب على الغاصب أجر الأرض إلى حين تسليم الزرع لأن الزرع كان محكوما له به وقد شغل به أرض غيره والرواية الثانية أنه يرد على الغاصب ما أنفق من البذرة ومؤنة الزرع في الحرث والسقي وغيره وهذا الذي ذكره القاضي وهذا ظاهر كلام الخرقي وظاهر الحديث لقوله عليه السلام عليه نفقته وقيمة الشيء لا تسمى نفقة له والحديث مبني على هذه المسألة فإن أحمد إنما ذهب إلى هذا الحكم استحسانا على خلاف القياس فإن القياس أن الزرع لصاحب البدرة لأنه نماء عين ماله فأشبه ما لو غصب دجاجة فحضنت بيضا له أو طعاما فعلفه دواب له كان الماء له وقد صرح به أحمد فقال هذا شيء لا يوافق القياس استحسن أن يدفع إليه نفقته للأثر ولذلك جعلناه للغاصب إذا استحقت الأرض بعد أخذ الغاصب له وإذا كان العمل بالحديث فيجب أن يتبع مدلوله

قسم V05/P147–V05/P148

فصل فإن كان الزرع مما يبقى أصوله في الأرض ويجز مرة بعد أخرى كالرطبة والنعناع احتمل أن يكون حكمه ما ذكرنا لدخوله في عموم الزرع لأنه ليس له فرع قوي فأشبه الحنطة والشعير واحتمل أن يكون حكمه حكم الغرس لبقاء أصوله وتكرر أخذ ولأن القياس يقتضي أن يثبت لكل زرع مثل حكم الغرس وإنما ترك فيما تقل مدته للأثر ففيما عداه يبقى على قضية القياس فصل وإن غصب أرضا فغرسها فأثمرت فأدركها بعد أخذ الغاصب ثمرتها فهي له وإن أدركها والثمرة فكذلك لأنها ثمرة شجره فكانت له كما لو كانت في أرضه ولأنها نماء أصل محكوم به للغاصب فكان له كأغصانها وورقها ولبن الشاة وولدها وقال القاضي هي لمالك الأرض إن أدركها في الغراس لأن أحمد قال في رواية علي بن سعيد إذا غصب أرضا فغرسها فالنماء لمالك الأرض قال القاضي وعليه من النفقة ما أنفقه الغارس من مؤنة الثمرة لأن الثمرة معنى الزرع فكان لصاحب الأرض إذا أدركه قائما فيها كالزرع والأول أصح لأن أحمد قد صرح بأن أخذ رب الأرض الزرع شيء لا يوافق القياس وإنما صار إليه للأثر فيختص الحكم به ولا يعدى إلى غيره ولأن الثمرة تفارق الزرع من وجهين أحدهما أن الزرع نماء الأرض فكان لصاحبها والثمرة نماء الشجر فكان لصاحبه الثاني أنه يرد عوض الزرع الذي أخذه مثل البذر الذي نبت منه الزرع مع ما أنفق عليه ولا يمكنه مثل ذلك في الثمر فصل وإن غصب شجرا فأثمر فالثمر لصاحب الشجر بغير خلاف نعلمه لأنه نماء ملكه ولأن الشجر عين ملكه نمى وزاد فأشبه ما لو طالت أغصانه وعليه رد الثمر إن كان باقيا وإن كان تالفا فعليه بدله وإن كان رطبا فصار تمرا أو عنبا فصار زبيبا فعليه رده وأرش نقصه إن نقص وليس له شيء بعمله فيه وليس للشجر أجرة لأن أجرتها لا تجوز في العقود فكذلك في الغصب ولأن نفع الشجر تربية الثمر وإخراجه وقد عادت هذه المنافع إلى المالك ولو كانت ماشية فعليه ضمان ولدها إن ولدت عنده ويضمن لبنها بمثله لأنه من ذوات الأمثال ويضمن أو بارها وإشعارها بمثله كالقطن فصل وإذا غصب أرضا فحكمها في جواز دخول غيره إليها حكمها قبل الغصب فإن كان محوطة كالدار والبستان المحوط لم يجز لغير مالكها دخولها لأن ملك مالكها لم يزل عنها فلم يجز دخولها بغير إذنه كما لو كانت في يده قال أحمد في الضيعة تصير غيضة فيها سمك لا يصيد فيها أحد إلا بإذنهم وإن كانت صحراء جاز الدخول فيها ورعي حشيشها

قسم V05/P148–V05/P149

قال أحمد لا بأس برعي الكلأ في الأرض المغصوبة وذلك لأن الكلأ لا يملك بملك الأرض ويتخرج في كل واحدة من الصورتين مثل حكم الأخرى قياسا لها عليها ونقل عنه المروذي في رجل والداه في دار طوابيقها غصب لا يدخل على والديه وذلك لأن دخوله عليهما تصرف في الطوابيق المغصوبة ونقل عنه الفضل بن عبد الصمد في رجل له إخوة في أرض غصب يزورهم ويراودهم على الخروج فإن أجابوه وإلا لم يقم معهم ولا يدع زيارتهم يعني يزورهم بحيث يأتي باب دارهم ويتعرف أخبارهم ويسلم عليهم ويكلمهم ولا يدخل إليهم ونقل المروذي عنه أكره المشي على العبارة التي يجري فيها الماء وذلك لأن العبارة وضعت لعبور الماء لا للمشي عليها وربما كان المشي عليها يضر بها وقال أحمد لا يدفن في الأرض الغصوبة لما في ذلك من التصرف في أرضهم بغير إذنهم وقال أحمد فيمن ابتاع طعاما من موضع غصب ثم علم رجع إلى الموضع الذي أخذه منه فرده وروي عنه أنه قال يطرحه يعني على من ابتاعه منه وذلك لأن قعوده فيه حرام منهي عنه فكان البيع فيه محرما ولأن الشراء ممن يقعد في الموضع المحرم يحملهم على القعود والبيع فيه وترك الشراء منهم يمنع القعود وقال لا يبتاع من الخانات التي في الطرق إلا أن لا يجد غيره كأنه بمنزلة المضطر وقال في السلطان إذا بنى دارا وجمع الناس إليها أكره الشراء منها وهذا إن شاء الله تعالى على سبيل الورع لما فيه من الإعانة على الفعل المحرم والظاهر صحة البيع لأنه إذا صحت الصلاة في الدار المغصوبة في رواية وهي عبادة فما ليس بعبادة أولى وقال فيمن غصب ضيعة وغصبت من الغاصب فأراد الثاني ردها جمع بينهما يعني بين مالكها والغاصب الأول وإن مات بعضهم جمع ورثته إنما قال هذا احتياطا خوف التبعة من الغاصب الأول لأنه ربما طالب بها وادعاها ملكا باليد وإلا فالواجب ردها على مالكها وقد صرح بهذا في رواية عبدالله في رجل استودع رجلا ألفا فجاء رجل إلى المستودع فقال إن فلانا غصبني الألف الذي استودعكه وصح ذلك عند المستودع فإن لم يخف التبعة وهو أن يرجعوا به عليه دفعه إليه مسألة قال ( ومن غصب عبدا أو أمة وقيمته مائة فزاد في بدنه أو بتعلم حتى صارت قيمته مائتين ثم نقص بنقصان بدنه أو نسيان ما علم حتى صارت قيمته مائة أخذه السيد وأخذ من الغاصب مائة ) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب عليه عوض الزيادة إلا أن يطالب بردها زائدة فلا يردها لأنه رد العين كما أخذها فلم يضمن نقص قيمتها كنقص سعرها ولنا إنها زيادة في نفس المغصوب فلزم الغاصب ضمانها كما لو طالبه بردها فلم يفعل وفارق زيادة السعر فإنها لو كانت موجودة حال الغصب لم يضمنها والصناعة إن لم تكن من عين المغصوب فهي صفة فيه ولذلك يضمنها إذا طولب برد العين وهي موجودة فلم يردها وأجريناها هي والتعلم مجرى السمن الذي هو عين لأنها صفة تتبع العين وأجرينا الزيادة الحادثة في يد الغاصب مجرى الزيادة الموجودة حال الغصب لأنها زيادة في العين المملوكة للمغصوب منه فتكون مملوكة له أيضا لأنها تابعة للعين فأما إن غصب العين سمينة أو ذات صناعة أو تعلم القرآن ونحوه فهزلت ونسيت فنقصت قيمتها فعليه ضمان نقصها لا نعلم فيه خلافا لأنها نقصت عن حال غصبها نقصا أثر في قيمتها فوجب ضمانها كما لو أذهب عضوا من أعضائها

قسم V05/P149–V05/P150

فصل إذا غصبها وقيمتها مائة فسمنت فبلغت قيمتها ألفا ثم تعلمت صناعة فبلغت ألفين ثم هزلت ونسيت فعادت قيمتها إلى مائة ردها ورد ألفا وتسعمائة وإن بلغت بالسمن ألفا ثم هزلت فبلغت مائة ثم تعلمت فبلغت ألفا ثم نسيت فعادت إلى مائة ردها ورد ألفا وثمانمائة لأنها نقصت بالهزال تسعمائة وبالنسيان تسعمائة وإن سمنت فبلغت ألفا ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت فعادت إلى ألف ردها وتسعمائة لأن زوال الزيادة الأولى أوجب الضمان ثم حدثت زيادة أخرى من وجه آخر على ملك المغصوب منه فلا ينجبر ملك الإنسان بملكه وأما إذا بلغت بالسمن ألفا ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم سمنت فعادت إلى ألف ففيه وجهان أحدهما يردها زائدة ويضمن نقص الزيادة الأولى كما لو كانا من جنسين فإن ملك الإنسان لا ينجبر بملكه لأن الزيادة الثانية غير الأولى فعلى هذا إن هزلت مرة ثانية فعادت إلى مائة ضمن النقصين بألف وثمانمائة والوجه الثاني أنه إذا ردها سمينة فلا شيء عليه لأنه عاد ما ذهب فأشبه ما لو مرضت فنقصت ثم عوفيت أو نسيت صناعة ثم تعلمتها أو أبق العبد ثم عاد وفارق ما إذا زادت من جهة أخرى فإنه لم يعد ما ذهب وهذا الوجه أقيس لما ذكرنا من شواهد فعلى هذا لو سمنت بعد الهزال ولم تبلغ قيمتها إلى ما بلغت في السمن الأول أو زادت عليه ضمن أكثر الزيادتين وتدخل الأخرى فيها وعلى الوجه الأول ويضمنهما جميعا فأما إن زادت بالتعليم أو الصناعة ثم نسيت ثم تعلمت ما نسيته فعادت القيمة الأولى لم يضمن النقص الأول لأن العلم الثاني هو الأول فقد عاد ما ذهب وإن تعلمت علما آخر أو صناعة أخرى فهو كعود السمن فيه وجهان ذكر هذا القاضي وهو مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب متى زادت ثم نقصت ثم زادت مثل الزيادة الأولى ففي ذلك وجهان سواء كانا من جنسين كالسمن مرتين أو من جنسين كالسمن والتعليم والأول أولى فصل وإن مرض المغصوب ثم برأ أو ابيضت عينه ثم ذهب بياضها أو غصب جارية حسناء فسمنت سمنا نقصها ثم خف سمنها فعاد حسنها وقيمتها ردها ولا ضمان عليه لأنه لم يذهب ما له قيمة والعيب الذي أوجب الضمان زال في يديه وكذلك لو حملت فنقصت ثم وضعت فزال نقصها لم يضمن شيئا فإن رد المغصوب ناقصا بمرض أو عيب أو سمن مفرط أو حمل فعليه أأرش نقصه فإن زال عيبه في يدي مالكه لم يلزمه رد ما أخذ من أرشه لأنه استقر ضمانه برد المغصوب وكذلك إن أخذ المغصوب دون أرشه ثم زال العيب قبل أخذ أرشه لم يسقط ضمانه لذلك فصل زوائد الغصب في يد الغاصب مضمونة ضمان الغصب مثل السمن وتعلم الصناعة وغيرها وثمرة الشجرة وولد الحيوان متى تلف شيء منه في يد الغاصب ضمنه سواء تلف منفردا أو تلف مع أصله وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب ضمان زوائد الغصب إلا أن يطالب بها فيمتنع من أدائها لأنها غير مغصوبة فلا يجب ضمانها كالوديعة ودليل عدم الغصب أنه فعل محرم وثبوت يده على هذه الزوائد ليس من فعله لأنه انبنى على وجود الزوائد في يده ووجودها ليس بفعل محرم منه ولنا إنه مال المغصوب منه حصل في يده بالغصب فيضمنه بالتلف كالأصل وقولهم إن إثبات يده ليس من فعله لا يصح لأنه بإمساك الأم تسبب إلى إثبات يده على هذه الزوائد وإثبات يده على الأم محظور فصل وليس على الغاصب ضمان نقص القيمة الحاصل بتغير الأسعار نص عليه أحمد وهو قول جمهور العلماء وحكي عن أبي ثور أنه يضمنه لأنه إذا تلفت العين فيلزمه إذا ردها كالسمن ولنا إنه رد العين بحالها لم ينقص منها عين ولا صفة فلم يلزمه شيء كما لو لم تنقص ولا نسلم أنه يضمنها مع تلف العين

قسم V05/P150–V05/P151

وإن سلمنا فلأنه وجبت قيمة العين أكثر ما كانت قيمتها فدخلت في التقويم بخلاف ما إذا ردها فإن القيمة لا تجب ويخالف السمن فإنه من عين المغصوب والعلم بالصناعة صفة فيها وها هنا لم تذهب عين ولا صفة ولأنه لا حق للمغصوب منه في القيمة مع بقاء العين وإنما حقه في العين وهي باقية كلها كما كانت ولأن الغاصب يضمن ما غصب والقيمة لا تدخل في الغصب بخلاف زيادة العين فإنها مغصوبة وقد ذهبت فصل ولو غصب شيئا فشقه نصفين وكان ثوبا ينقصه القطع رده وأرش نقصه فإن تلف أحد النصفين رد الباقي وقيمة التالف وأرش النقص وإن لم ينقصه القطع رد الباقي وقيمة التالف لا غير وإن كانا باقيين ردهما ولا شيء عليه سوى ذلك وإن غصب شيئين ينقصهما التفريق كزوجي خف ومصراعي باب فتلف أحدهما رد الباقي وقيمة التالف وأرش نقصهما فإذا كانت قيمتهما ستة دراهم فتلف أحدهما فصارت قيمة الباقي درهمين رد الباقي وأربعة دراهم وفيه وجه آخر لا يلزمه إلا قيمة التالف مع وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه لم يتلف غيره ولأن نقص الباقي نقص قيمة فلا يضمنه كالنقص بتغير الأسعار والصحيح الأول لأنه نقص حصل بجنايته فلزمه ضمانه كشق الثوب الذي ينقصه الشق إذا اتلف أحد شقيه فخلاف نقص السعر فإنه لم يذهب من المغصوب عين ولا معنى وها هنا فوت معنى وهو إمكان الانتفاع به وهذا هو الواجب لنقص قيمته وهو حاصل من جهة الغاصب فينبغي أن يضمنه كما لو فوت بصره أو سمعه أو عقله أو فك تركيب باب ونحوه فصل وإن غصب ثوبا فلبسه فأبلاه فنقص نصف قيمته ثم غلت الثياب فعادت بذلك قيمته كما كانت لزمه رده وأرش نقصه فلو غصب ثوبا قيمته عشرة فنقصه لبسه حتى صارت قيمته خمسة ثم زادت قيمته فصارت عشرة رده ورد خمسة لأن ما تلف قبل غلاء الثوب ثبتت قيمته في الذمة خمسة فلا يعتبر ذلك بغلاء الثوب ولا رخصه وكذلك لو رخصت الثياب فصارت قيمتها ثلاثة لم يلزم الغاصب إلا خمسة مع رد الثوب ولو تلف الثوب كله وقيمته عشرة ثم غلت الثياب فصارت قيمة الثوب عشرين لم يضمن إلا عشرة لأنها ثبتت في الذمة عشرة فلا تزداد بغلاء الثياب ولا تنقص برخصها فصل وإن غصب ثوبا أو زولبا فذهب بعض أجزائه كخمل المنشفة وزئبرة الثوب فعليه أرش نقصه وإن أقام عنده قام مدة لمثلها أجرة لزمه أجره سواء استعمله أو تركه وإن اجتمعا مثل أن أقام عنده مدة فذهب بعض أجزائه فعليه ضمانهما معا الأجر وأرش النقص سواء كان ذهاب الأجزاء بالاستعمال أو بغيره وقال بعض أصحاب الشافعي إن نقص بغير الاستعمال كثوب ينقصه النشر فنقص بنشره وبقي عنده مدة ضمن الأجر والنقص وإن كان النقص من جهة الاستعمال كثوب لبسه وأبلاه ففيه وجهان أحدهما يضمنهما معا والثاني يجب أكثر الأمرين من الأجر وأرش النقص لأن ما نقص من الأجزاء في مقابلة الأجر ولذلك لا يضمن المستأجر تلك الأجزاء ويتخرج لنا مثل ذلك

قسم V05/P151–V05/P152

ولنا إن كل واحد منهما ينفرد بالإيجاب عن صاحبه فإذا اجتمعا وجبا كما لو أقام في يده مدة ثم تلف والأجرة تجب في مقابلة ما يفوت من المنافع لا في مقابلة الأجزاء ولذلك يجب الأجر وإن لم تفت الأجزاء وإن لم يكن للمغصوب أجر كثوب غير مخيط فلا أجر على الغاصب وعليه ضمان نقصه لا غير فصل إذا نقص المغصوب عند الغاصب ثم باعه فتلف عند المشتري فله أن يضمن من شاء منهما فإن ضمن الغاصب ضمنه قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف لأنه في ضمانه من حين غصبه إلى يوم تلف وإن ضمن المشتري ضمنه قيمته أكثر ما كانت من حين قبضه إلى حين تلفه لأن ما قبل القبض لم يدخل في ضمانه وإن كان له أجرة فله الرجوع على الغاصب بجميعها وإن شاء رجع على المشتري بأجر مقامه في يده والباقي على الغاصب والكلام في رجوع كل واحد منهما على صاحبه نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى فصل وإذا غصب حنطة فطحنها أو شاة فذبحها وشواها أو حديدا فعمله سكاكين وأواني أو خشبة فنجرها بابا أو تابوتا أو ثوبا فقطعه وخاطه لم يزل ملك صاحبه عنه ويأخذه وأرش نقصه إن نقص ولا شيء للغاصب في زيادته في الصحيح من المذهب وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة في هذه المسائل كلها ينقطع حق صاحبها عنها ألا أن الغاصب لا يجوز له التصرف فيها إلا بالصدقة إلا أن يدفع قيمتها فيملكها ويتصرف فيها كيف شاء وروى محمد بن الحكم عن أحمد ما يدل على أن الغاصب يملكها بالقيمة إلا أنه قول قديم رجع عنه فإن محمدا مات قبل أبي عبدالله بنحو من عشرين سنة واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قوما من الأنصار في دارهم فقدموا إليه شاة مشوية فتناول منها لقمة فجعل يلوكها ولا يسيغها فقال إن هذه الشاة لتخبرني أنها أخذت بغير وجه حق فقالوا نعم يا رسول الله طلبنا في السوق فلم نجد فأخذنا شاة لبعض الأنصار جيراننا ونحن نرضيهم من ثمنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أطعموها الأسرى رواه أبو داود بنحو من هذا وهذا يدل على أن حق أصحابها انقطع عنها ولولا ذلك لأمر بردها عليهم ولنا إن عين مال المغصوب منه قائمة فلزم ردها إليه كما لو ذبح الشاة ولم يشوها ولأنه لو فعله بملكه لم يزل عنه فإذا فعله بملك غيره لم يزل عنه كما لو ذبح الشاة أو ضرب النقرة دراهم ولأنه لا يزيل الملك إذا كان بغير فعل آدمي فلم يزله إذا فعله آدمي كالذي ذكرناه فأما الخبر فليس بمعروف كما رووه وليس في رواية أبي داود ونحن نرضيهم عنها فإذا ثبت هذا فإنه لا شيء للغاصب بعمله سواء زادت العين أو لم تزد وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب أن الغاصب يشارك المالك بالزيادة لأنها حصلت بمنافعه ومنافعه أجريت مجرى الأعيان فأشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه والمذهب الأول ذكره أبو بكر والقاضي لأن الغاصب عمل في ملك غيره بغير إذنه فلم يستحق لذلك عوضا كما لو أغلى زيتا فزادت قيمته أو بنى حائطا لغيره أو زرع حنطة إنسان في أرضه وسائر عمل الغاصب فأما صبغ الثوب فإن الصبغ عين مال لا يزول ملك صاحبه عنه بجعله في ملك غيره وهذا حجة عليه لأنه إذا لم يزل ملكه عن صبغه بجعله في ملك غيره وجعله كالصفة فلأن لا يزول ملك غيره بعمله فيه أولى فإن احتج بأن من زرع في أرض غيره يرد عليه نفقته قلنا الزرع ملك للغاصب لأنه عين ماله ونفقته عليه تزداد به قيمته فإذا أخذه مالك الأرض احتسب له بما أنفق على ملكه

قسم V05/P152–V05/P154

وفي مسألتنا عمله في ملك المغصوب منه بغير إذنه فكان لاغيا على أننا نقول إنما تجب قيمة الزرع على إحدى الروايتين فأما إن نقصت العين دون القيمة رد الموجود وقيمة النقص وإن نقصت العين والقيمة صمنهما معا كالزيت إذا غلاه وهكذا القول في كل ما تصرف فيه مثل نقرة ضربها دراهم أو حليا أو طينا جعله لبنا أو غزلا نسجه أو ثوبا قصره وإن جعل فيه شيئا من عين ماله مثل أن سمر الرفوف بمسامير من عنده فله قلعها ويضمن ما نقصت الرفوف وإن كانت المسامير من الخشب المغصوبة أو مال المغصوب منه فلا شيء للغاصب وليس له قلعها إلا أن يأمره المالك بذلك فيلزمه وإن كانت المسامير للغاصب فوهبها للمالك فهل يجبر على قبول الهبة على وجهين وإن كان استأجر الغاصب على عمل شيء من هذا الذي ذكرناه فالأجر عليه والحكم في زيادته ونقصه كما لو ولي ذلك بنفسه إلا أن للمالك أن يضمن النقص من شاء منهما فلو استأجر قصابا فذبح شاة فللمالك أخذها وأرش نقصها ويغرم من شاء منهما فإن غرم الغاصب لم يرجع على أحد إذا لم يعلم القصاب الحال وإن ضمن القصاب رجع على الغاصب لأنه غره وإن علم القصاب أنها مغصوبة فغرمه لم يرجع على أحد لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه عالما بالحال وإن ضمن الغاصب رجع على القصاب لأن التلف حصل منه فاستقر الضمان عليه وإن استعار من ذبح له فهو كما لو استأجره فصل وإن غصب حبا فزرعه فصار زرعا أو نوى فصار شجرا أو بيضا فحصنه فصار فرخا فهو للمغصوب منه لأنه عين ماله نمى فأشبه ما تقدم ويتخرج أن يملكه الغاصب بناء على الرواية المذكورة في الفصل السابق وإن غصب دجاجة فباضت عنده ثم حضنت بيضها فصار فراخا فهم لمالكها ولا شيء للغاصب في علفها قال أحمد في طيرة جاءت إلى دار قوم فأفرخت عندهم يرد فروخها إلى أصحاب الطيرة ولا شيء للغاصب فيما عمل وإن غصب شاة فأنزى عليها فحلا فالولد لصاحب الشاة لأنه من نمائها وإن غصب فحلا فأنزاه على شاته فالولد لصاحب الشاة لأنه يتبع الأم ولا أجرة له لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل وإن نقصه الضراب ضر نقصه فصل وإن غصب دنانير أو دراهم من رجل وخلطها بمثلها لآخر فلم يتميزا صارا شريكين وقال أبو حنيفة يملكها الغاصب وعليه غرامة مثلها لهما وإن خلطها بمثلها من ماله ملكها لأنه تعذر تسليمها بعينها فأشبه ما لو تلفت ولنا إنه فعل في المغصوب على وجه التعدي لم يذهب بماليته فلم يزل ملك صاحبه عنه كذبح الشاة فصل وإن غصب عبدا فصاد صيدا أو كسب شيئا فهو لسيده وإن غصب جارحا كالفهد والبازي فصاد به فالصيد لمالكه لأنه من كسب ماله فأشبه صيد العبد ويحتمل أنه للغاصب لأنه الصائد والجارحة آلة له ولهذا يكتفي بتسميته عند إرساله الجارح وإن غصب قوسا أو سهما أو شبكة فصاد به ففيه وجهان أحدهما أنه لصاحب القوس والسهم والشبكة لأنه حاصل به فأشبه نماء ملكه وكسب عبده والثاني للغاصب لأن الصيد حصل بفعله وهذه آلات فأشبه ما لو ذبح بسكين غيره فإن قلنا هو للغاصب فعليه أجر ذلك كله مدة مقامه في يديه إن كان له أجر وإن قلنا هو للمالك لم يكن له أجر في مدة اصطياده في أحد الوجهين لأن الأجر في مقابلة منافعه ومنافعه في هذه المدة عائدة إلى مالكه فلم يستحق عوضها على غيره كما لو زرع أرض إنسان فأخذ المالك الزرع بنفقته والثاني عليه أجر مثله لأنه استوفى منافعه أشبه ما لو لم يصد شيئا مسألة قال ( ومن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وأخذها سيدها وأولادها ومهر مثلها ) وجملة ذلك أن الغاصب إذا وطىء الجارية المغصوبة فهو زان لأنها ليست زوجة له ولا ملك يمين فإن كان عالما بالتحريم فعليه حد الزنا لأنه لا ملك له ولا شبهة ملك وعليه مهر مثلها سواء كانت مكرهة أو مطاوعة

قسم V05/P154–V05/P155

وقال الشافعي لا مهر للمطاوعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي ولنا إن هذا حق للسيد فلا يسقط بمطاوعتها كما لو أذنت في قطع يدها ولأنه حق يجب للسيد مع إكراهها فيجب مع مطاوعتها كأجر منافعها والخبر محمول على الحرة ويجب أرش بكارتها لأنه بدل جزء منها ويحتمل أن لا يجب لأن مهر البكر يدخل فيه أرش البكارة ولهذا يزيد على مهر الثيب عادة لأجل ما يتضمنه من تفويت البكارة وإن حملت فالولد مملوك لسيدها لأنه من نمائها وأجزائها ولا يلحق نسبه بالواطىء لأنه من زنا فإن وضعته حيا وجب رده معها وإن أسقطته ميتا لم يضمن لأننا لا نعلم حياته قبل هذا ( وهذا قول القاضي وهو الظاهر من مذهب الشافعي عند أصحابه وقال القاضي أو بالحسين يجب ضمانه بقيمته لو كان حيا نص عليه الشافعي لأنه يضمنه لو سقط بضربته وما ضمن بالإتلاف ضمنه الغاصب بالتلف في يده كأجر العين والأولى إن شاء الله تعالى أن يضمنه بعشر قيمة أمه لأنه الذي يضمنه به بالجناية فيضمنه به في التلف كالأجزاء وإن وضعته حيا ) حصل مضمونا في يد الغاصب كالأم فإن مات بعد ذلك ضمنه بقميته وإن نقصت الأم بالولادة ضمن نقصها ولم ينجبر بالولد وبهذا قال الشافعي وقالأو حنيفة ينجبر نقصها بولدها ولنا إن ولدها ملك للمغصوب منه فلا ينجبر به نقص حصل بجناية الغاصب كالنقص الحاصل بغير الولادة وإن ضرب الغاصب بطنها فألقت الجنين ميتا فعليه عشر قيمة أمه وإن ضرب بطنها أجنبي ففيه مثل ذلك وللمالك تضمين أيهما شاء فإن ضمن الغاصب رجع على الضارب وإن ضمن الضارب لم يرجع على أحد لأن الإتلاف وجد منه فاستقر الضمان عليه وإن ماتت الجارية فعليه قيمتها أكثر ما كانت ويدخل في ذلك أرش بكارتها ونقص ولادتها ولا يدخل فيه ضمان ولدها ولا مهر مثلها وسواء في هذه الأحكام كلها حالة الإكراه أو المطاوعة لأنها حقوق لسيدها فلا تسقط بماوعتها وأما حقوق الله تعالى كالحد عليها والتعزير في موضع يجب فإن كانت مطاوعة على الوطء عالمة بالتحريم فعليها الحد إذا كانت من أهله والإثم وإلا فلا فصل وإن كان الغاصب جاهلا بتحريم ذلك لقرب عهده بالإسلام أو ناشئا ببادية بعيدة يخفى عليه مثل هذا فاعتقد حل وطئها أو اعتقد أنها جاريته فأخذها ثم تبين أنها غيرها فلا حد عليه لأن الحد يدرأ بالشبهات وعليه المهر وأرش البكارة وإن حملت فالولد حر لاعتقاده أنها ملكه ويلحقه بالنسب لموضع الشبهة وإن وضعته ميتا لم يضمنه لأنه لم يعلم حياته ولأنه لم يحل بينه وبينه وإنما وجب تقويمه لأجل الحيلولة وإن وضعته حيا فعليه قيمته يوم انفصاله لأنه فوت عليه رقه باعتقاده ولا يمكن تقويمه حملا فقوم عليه أول حال انفصاله لأنه أول حال إمكان تقويمه ولأن ذلك وقت الحيلولة بينه وبين سيده وإن ضرب الغاصب بطنها فألقت جنينا ميتا فعليه غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه لا يرث الضارب منها شيئا لأنه أتلف جنينا حرا وعليه للسيد عشر قيمة أمه لأن الإسقاط لما اعتقب الضرب فالظاهر حصوله به وضمانه للسيد ضمان المماليك ولهذا لو وضعته حيا قومناه ممولكا وإن كان الضارب أجنبيا فعليه غرة دية الجنين الحر لأنه محكوم بحريته وتكون موروثة عنه وعلى الغاصب للسيد عشر قيمة أمه لأنه يضمنه ضمان المماليك وقد فوت رقه على السيد وحصل التلف في يديه والحكم في المهر والأرش والأجر ونقص الولادة وقيمتها على ما مضى إذا كانا عالمين لأن هذه حقوق الآدميين فلا تسقط بالجهل والخطأ كالدية مسألة قال ( وإن كان الغاصب باعها فوطئها المشتري وأولدها وهو لا يعلم ردت الجارية إلى سيدها ومهر مثلها وفدى أولاده بمثلهم وهم أحرار ورجع بذلك كله على الغاصب )

قسم V05/P155–V05/P156

وجملة ذلك أن الغاصب إذا باع الجارية فبيعه فاسد لأنه يبيع غيره بغير إذنه وفيه رواية أخرى أنه يصح ويقف على إجازة المالك وقد ذكرنا ذلك في البيع وفيه رواية ثالثة أن البيع يصح وينفذ لأن الغصب في الظاهر تتطاول مدته فلو لم يصح تصرف الغاصب أفضى إلى الضرر بالمالك والمشتري لأن المالك لا يملك ثمنها والمشتري لا يملكها والتفريع على الرواية الأولى والحكم في وطء المشتري كالحكم في وطء الغاصب إلا أن المشتري إذا ادعى الجهالة قبل منه بخلاف الغاصب فإنه لا يقبل منه إلا بشرط ذكرناه ويجب رد الجارية إلى سيدها وللمالك مطالبة أيهما شاء بردها لأن الغاصب أخذها بغير حق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤديه وللمشتري أخذ مال غيره بغير حق أيضا فيدخل في عموم الخبر ولأن مال غيره في يده وهذا لا خلاف فيه بحمد الله تعالى ويلزم المشتري المهر لأنه وطىء جارية غيره بغير نكاح وعليه أرش البكارة ونقص الولادة وإن ولدت منه فالولد حر لاعتقاده أنه يطأ مملوكته فمنع ذلك انخلاق الولد رقيقا ويلحقه نسبه وعليه فداؤهم لأنه فوت رقهم على سيدهم باعتقاده حل الوطء هذا الصحيح في المذهب وعليه الأصحاب وقد نقل ابن منصور عنأحمد أن المشتري لا يلزمه فداء أولاده وليس للسيد بدلهم لأنهم كانوا في حال العلوق أحرارا ولم يكن لهم قمية حينئذ قال الخلال أحسبه قولا لأبي عبدالله أول والذي أذهب إليه أنه يفديهم وقد نقله ابن منصور أيضا وجعفر بن محمد وهو قول أبي حنيفة والشافعي ويفديهم ببدلهم يوم الوضع ويهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجب يوم المطالبة لأن ولد المغصوبة لا يضمنه عنده إلا بالمنع وقبل المطالبة لم يحصل منع فلم يجب وقد ذكرنا فيما مضى أنه يحدث مضمونا فيقوم يوم وضعه لأنه أول حال أمكن تقويمه واختلف أصحابنا فيما بفديهم به فنقل الخرقي ها هنا أنه يفديهم بمثلهم والظاهر أنه أراد بمثلهم في السن والصفات والجنس والذكورية والأنوثية وقد نص عليه أحمد وقال أبو بكر عبد العزيز يفديهم بمثلهم في القيمة وعن أحمد رواية ثالثة أنه يفديهم بقيمتهم وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو أصح إن شاء الله تعالى لأن الحيوان ليس بمثلي فيضمن بقيمته كسائر المتقومات ولأنه لو أتلفه ضمنه بقيمته وقد ذكرنا وجه هذه الأقوال في غير هذا الموضع وقول الخرقي رجع بذلك كله على الغاصب يعني بالمهر وما فدى به الأولاد لأن المشتري دخل على أن يسلم له الأولاد وأن يتمكن من الوطء بغير عوض فإذا لم يسلم له فذلك فقد غره البائع فرجع به عليه فأما الجارية إذا ردها لم يرجع ببدلها لأنها ملك المغصوب منه رجعت إليه لكنه يرجع على الغاصب بالثمن الذي أخذه منه وإن كانت قد أقامت عنده مدة لمثلها أجر في تلك المدة فعليه أجرها وإن اغتصبها بكرا فعليه أرش بكارتها وأن نقصتها الولادة أو غيرها فعليه أرش نقصها وإن تلفت في يده فعليه قيمتها وكل ضمان يجب على المشتري فللمغصوب منه أن يرجع به على من شاء منهما لأن يد الغاصب سبب يد المشتري وما وجب على الغاصب من أجر المدة التي كانت في يده أو نقص حدث عنده فإنه يرجع به على الغاصب وحده لأن ذلك كان قبل يد المشتري فإذا طالب المالك المشتري بما وجب في يده وأخذه منه فأراد المشتري الرجوع به على الغاصب نظرت فإن كان المشتري حين الشراء علم أنها غير مغصوبة لم يرجع بشيء لأن موجب الضمان وجد في يده من غير تغرير وإن لم يلعم فذلك على ثلاثة أضرب ضرب لا يرجع به وهو قيمتها إن تلفت في يده وأرش بكارتها وبدل جزء من أجزائها لأنه دخل مع البائع على أنه يكون ضامنا لذلك بالثمن فإذا ضمنه لم يرجع به وضرب يرجع به وهو بدل الولد إذا ولدت منه

قسم V05/P156–V05/P157

لأنه دخل معه في العقد على أن لا يكون الولد مضمونا عليه ولم يحصل من جهته إتلاف وإنما الشرع أتلفه بحكم بيع الغاصب منه وكذا نقص الولادة وضرب اختلف فيه وهو مهر مثلها وأجر نفعها فهل يرجع به على الغاصب فيه روايتان إحداهما يرجع به وهو قول الخرقي لأنه دخل في العقد على أن يتلفه بغير عوض فإذا غرم عوضه رجع به كبدل الولد ونقص الولادة وهذا أحد قولي الشافعي والثانية لا يرجع به وهو اختيار أبي بكر وقول أبي حنيفة لأنه غرم ما استوفى بدله فلا يرجع به كقيمة الجارية وبدل أجزائها وهذا القول الثاني للشافعي وإن رجع بذلك كله على الغاصب فكل ما لو رجع به على المشتري لا يرجع به على الغاصب إذا رجع به على الغاصب رجع به على المشتري وكل ما لو رجع به على المشتري رجع به المشتري على الغاصب إذا غرمه الغاصب لم يرجع به على المشرتي ومتى ردها حاملا فماتت من الوضع فإنها مضمونة على الواطىء لأن التلف بسبب من جهته فصل ومن استكره امرأة على الزنا فعليه الحدود لأنها معذورة وعليه مهرها حرة كانت أو أمة فإن كانت حرة كان المهر لها وإن كانت أمة كان لسيدها وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب المهر لأنه وطء يتعلق به وجوب الحد فلم يجب به المهر كما لو طاوعته ولنا إنه وطء في غير ملك سقط فيه الحد من الموطوءة فإذا كان الواطىء من أهل الضمان في حقها وجب عليه مهرها كما لو وطئها بشبهة وأما المطاوعة فإن كانت أمة وجب عليه مهرها لأنه حق لسيدها فلا يسقط برضاها وإن كانت حرة لم يجب لها المهر لأن رضاها اقترن بالسبب الموجب فلم يوجب كما لو أذنته في قطع يدها أو إتلاف جزء منها وروي عن أحمد رواية أخرى أن الثيب لا مهر لها وإن أكرهت نقلها ابن منصور وهو اختيار أبي بكر والصحيح الأول لأنها مكرهة على الوطء الحرام فوجب لها المهر كالبكر ويجب أرش البكارة مع المهر كما لو قدمنا فصل إذا أجر الغاصب المغصوب فالإجارة باطلة على إحدى الروايات كالبيع ولمالكه تضمين أيهما شاء أجر مثلها فإن ضمن المستأجر لم يرجع بذلك لأنه دخل في العقد على أنه يضمن المنفعة إلا أن يزيد أجر المثل على المسمى في العقد فيرجع بالزيادة ويسقط عنه المسمى في العقد وإن كان دفعه إلى الغاصب رجع به وإن تلفت العين في يد المستأجر فلمالكها تغريم من شاء منهما قيمتها فإن غرم المتسأجر فله الرجوع بذلك على الغاصب لأنه دخل معه على أنه لايضمن العين ولم يحصل له بدل في مقابلة ما غرم هذا إذا لم يعلم بالغصب وإن علم لم يرجع على أحد لأنه دخل على بصيرة وحصل التلف في يده فاستقر الضمان عليه فإن غرم الغاصب الأجر والقيمة رجع بالأجر على المستأجر على كل حال ويرجع بالقيمة إن كان المتسأجر عالما بالغصب وإلا فلا وهذا قول الشافعي ومحمد بن الحسن في الفصل كله وحكي عن أبي حنيفة أن الأجر للغاصب دون صاحب الدار وهذا فاسد لأن الأجر عوض المنافع المملوكة لرب الدار فلم يملكها الغاصب كعوض الأجزاء فصل وإن أودع المغصوب أو وكل رجلا في بيعه ودفعه إليه فتلف في يده فللمالك تضمين أيهما شاء أما الغاصب فلأنه حال بين المالك وبين ملكه وأثبت اليد العادية عليه والمستودع والوكيل لإثباتهما أيديهما على ملك معصوم بغير حق فإن غرم الغاصب وكانا غير عالمين بالغصب استقر الضمان عليه ولم يرجع على أحد وإن غرمهما رجعا على الغاصب بما غرما من القيمة والأجر لأنهما دخلا على أن لا يضمنا شيئا من ذلك ولم يحصل لهما بدل عما ضمنا وإن علما أنها مغصوبة استقر الضمان لأن التلف حصل تحت أيديهما من غير تغرير بهما فاستقر الضمان عليهما

قسم V05/P157–V05/P159

فإن غرما شيئا لم يرجعا به وإن غرم الغاصب رجع علهما لأن التلف حصل في أيديهما وإن جرحها الغاصب ثم أودعها أو ردها إلى مالكها فتلفت بالجرح استقر الضمان على الغاصب بكل حال لأنه هو المتلف فكان الضمان عليه كما لو باشرها بالإتلاف في يده فصل وإن أعار العين المغصوبة فتلفت عند المستعير فللمالك تضمين أيهما شاء أجرها وقيمتها فإن غرم المستعير مع علمه بالغصب لم يرجع على أحد وإن غرم الغاصب رجع المستعير وإن لم يكن علم بالغصب فغرمه لم يرجع بقيمة العين لأنه قبضها على أن تكون مضمونة عليه وهل يرجع بما غرم من الأجر فيه جهان أحدهما يرجع لأنه دخل على أن المنافع له غير مضونة عليه والثاني لا يرجع لأنه انتفع بها فقد استوفى بدل ما غرم وكذلك الحكم فيما تلف من الأجزاء بالاستعمال وإذا كانت العين وقت القبض أكثر قيمة من يوم التلف فضمن الأكثر فينبغي أن يرجع بما بين القيمتين لأنه دخل على أنه لايضمنه ولم يستوف بدله فإن ردها المستعير على الغصب فللمالك أن يضمنه أيضا لأنه فوت الملك على مالكه بتسلمه إلى غير مستحقه ويستقر الضمان على الغاصب إن حصل التلف في يديه وكذلك الحكم في المودع وغيره فصل وإن وهب المغصوب لعالم بالغصب استقر الضمان على المتهب فمهما غرم من قيمة العين أو أجزائها لم يرجع به على أحد لأن التلف حصل في يديه ولم يغره أحد وكذلك أجر مدة مقامه في يديه وأرش نقصه إن حصل وإن لم يعلم فلصاحبها تضمين أيهما شاء فإن ضمن المتهب رجع على الواهب بقيمة العين والأجزاء لأنه غره وقالأبو حنيفة أيهما ضمن لم يرجع على الآخر ولنا أن المتهب دخل على أن تسلم له العين فجيب أن يرجع بما غرم من قيمتها كقيمة الأولاد فإنه وافقنا على الرجوع بضمانه فأما الأجرة والمهر وأرش البكارة فهل يرجع به المتهب على الواهب فيه وجهان وإن ضمنه الواهب فهل يرجع به على المتهب فيه وجهان فصل وتصرفات الغاصب كتصرفات الفضولي على ما ذكرنا من الروايتين أحدهما بطلانها والثانية صحتها ووقوفها على إجازة المالك وذكر أبو الخطاب أن في تصرفات الغاصب الحكمية رواية أنها تقع صحيحة وسواء في ذلك العبادات كالطهارة والصلاة والزكاة والحج أو العقود والإجارة والنكاح وهذا ينبغي أن يتقيد في العقود بما لم يبطله المالك فأما ما اختار المالك إبطاله وأخذ المعقود عليه فلم نعلم فيه خلافا وأما ما لم يدركه المالك فوجه التصحيح فيه أن الغاصب تطول مدته وتكثر تصرفاته ففي القضاء ببطلانها ضرر كثير وربما عاد الضرر على المالك فإن الحكم بصحتها يقتضي كون الربح للمالك والعوض بنمائه زيادته له والحكم ببطلانه يمنع ذلك فصل وإذا غصب أثمانا فاتجر بها أو عروضا فباعها واتجر بثمنها فقال أصحابنا الربح للمالك والسلع المشتراة له وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب إن كان الشراء بعين المال فالربح للمالك قال الشريف وعن أحمد أنه يتصدق به وإن اشتراه في ذمته ثم نقد الأثمان فقال أبو الخطاب يحتمل أن يكون الربح للغاصب وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه اشترى لنفسه في ذمته فكان الشراء له والربح له وعليه بدل المغصوب وهذا قياس قول الخرقي ويحتمل أن يكون الربح للمغصوب منه لأنه نماء ملكه فكان له كما لو اشترى له بعين المال وهذا هو ظاهر المذهب وإن حصل خسران فهو على الغاصب لأنه نقص حصل في المغصوب وإن دفع المال إلى من يضارب به فالحكم في الربح على ما ذكرناه وليس على المالك من أجر العامل شيء لأنه لم يأذن له في العمل في ماله وأما الغاصب فإن كان المضارب عالما بالغصب فلا أجر له لأنه متعد بالعمل ولم يغره أحد وإن لم يعلم بالغصب فعلى الغاصب أجر مثله لأنه استعمله عملا بعوض لم يحصل له فلزمه أجره كالعقد الفاسد مسألة قال ( ومن غصب شيئا ولم يقدر على رده لزمت الغاصب القيمة فإن قدر عليه رده وأخذ القيمة )

قسم V05/P159–V05/P160

وجملته أن من غصب شيئا يعجز عن رده كعبد أبق أو دابة شردت فللمغصوب منه المطالبة ببدله فإذا أخذه ملكه ولم يملك الغاصب العين المغصوبة بل متى قدر عليها لزمه ردها ويسترد قيمتها التي أداها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يخير المالك بين الصبر إلى إمكان ردها فيستردها وبين تضمينه إياها فيزول ملكه عنها وتصير ملكا للغاصب لا يلزمه ردها إلا أن يكون دفع دون قيمتها بقوله مع يمينه لأن المالك ملك البدل فلا يبقى ملكه على المبدل كالبيع ولأنه تضمين فيما ينقل الملك فيه فنقله كما لو خلط زيته بزيته ولنا إن المغصوب لا يصح تملكه بالبيع فلا يصح بالتضمين كالتلف ولأنه غرم ما تعذر عليه رده بخروجه عن يده فلا يملكه بذلك كما لو كان المغصوب مدبرا وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل لأنه ملك القيمة لأجل الحيلولة لا على سبيل العوض ولهذا إذا رد المغصوب إليه رد القيمة عليه ولا يشبه الزيت لأنه يجوز بيعه ولأن حق صاحبه انقطع عنه لتعذر رده أبدا إذا ثبت هذا فإنه متى قدر على المغصوب رده ونماءه المنفصل والمتصل وأجر مثله إلى حين دفع بدله وهل يلزمه أجره من حين دفع بدله إلى رده فيه وجهان أصحهما لا يلزمه لأنه استحق الانتفاع ببدله الذي أقيم مقامه فلم يستحق الانتفاع به وبما قام مقامه كسائر ما عداه والثاني له أجر لأن العين باقية على ملكه والمنفعة له ويجب على المالك رد ما أخذه بدلا عنه إلى الغاصب لأنه أخذه بالحيلولة وقد زالت فيجب رد ما أخذ من أجلها إن كان باقيا بعينه ورد زيادته المتصلة كالسمن ونحوه لأنها تتبع في الفسوخ وهذا فسخ ولا يلزم رد زيادته المنفصلة لأنها وجدت في ملكه ولا تتبع في الفسوخ فأشبهت زيادة المبيع المردود بعيب وإن كان البدل تالفا رد مثله أو قيمته إن لم يكن من ذوات الأمثال فصل وإن غصب عصيرا فصار خمرا فعليه مثل العصير لأنه تلف في يديه فإن صار خلا وجب رده وما نقص من قمية العصير ويسترجع ما أداه من بدله وقال بعض أصحاب الشافعي يرد الخل ولا يسترجع القيمة لأن العصير تلف بتخمره فوجب ضمانه وإن عاد خلا كما لو هزلت الجارية السمينة ثم عاد سمنها فإنه يردها وأرش نقصها ولنا إن الخل عين العصير تغيرت صفته وقد رده فكان له استرجاع ما أداه بدلا عنه كما لو غصبه فغصبه منه غاصب ثم رده عليه وكما لو غصب حملا فصار كبشا وأما السمن الأول فلنا فيه منع وإن سلمناه فالثاني غير الأول بخلاف مسألتنا فصل وإذا غصب شيئا ببلد فلقيه ببلد آخر فطالبه به نظرت فإن كان أثمانا لزمه دفعها إليه لأن الأثمان قيم الأشياء فلا يضر اختلاف قيمتها وإن كانت غيرها وكانت من المثليات وقيمته في البلدين واحدة أو كانت قيمته في بلد الغصب أكثر لزمه أداء مثله لأنه لا ضرر عليه وكذلك إن كانت قيمته مختلفة إلا أنه لا مؤنة لحمله فله المطالبة بمثله لأنه أمكنه رد المثل من غير ضرر يلحقه وإن كان لحمله مؤنة وقيمته في البلد الذي غصبه فيه أقل فليس عليه رده ولا رد مثله لأننا لا نكلفه مؤنة النقل إلى بلد لا يستحق تسليمه فيه وللمغصوب منه الخيرة بين الصبر إلى أن يستوفيه في بلده وبين المطالبة في الحال بقيمته في البلد الذي غصبه فيه لأنه تعذر رده ورد مثله وإن كان من المتقومات فله المطالبة بقيمته في البلد الذي غصبه فيه ومتى قدر على رد العين المغصوبة ردها واسترجع بدلها على ما ذكرناه في المسألة قبل هذا مسألة قال ( ولو غصبها حاملا فولدت في يده ثم مات الولد أخذها سيدها وقيمة ولدها أكثر ما كانت قيمته )

قسم V05/P160–V05/P161

الكلام في هذه المسألة في أمرين أحدهما أنه إذاغصب حاملا من الحيوان أمة أو غيرها فالولد مضمون كذلك لو غصب حائلا فحملت عنده وولدت ضمن ولدها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب ضمان الولد في الصورتين لأنه ليس بمغصوب إذ الغصب فعل محظور ولم يوجد فإن الموجود ثبوت اليد عليه وليس ذلك من فعله لأنه انبنى على وجود الولد ولا صنع له فيه ولنا إن ما ضمن خارج الوعاء ضمن ما فيه كالدرة في الصدفة والجوز واللوز ولأنه مغصوب فيضمن كالأم فإن الولد إما أن يكون مودوعا في الأم كالدرة في الحقة وإما أن يكون كأجزائها وفي كلا الموضعين الاستيلاء على الظرف والاستيلاء على الجملة استيلاء على الجزء المظروف فإن أسقطته ميتا لم يضمنه لأنه لا تعلم حياته ولكن يجب ما نقصت الأم عن كونها حاملا وأما إذا حدث الحمل فقد سبق الكلام فيه والأمر الثاني أنه يلزمه رد الموجود من المغصوب وقيمة التالف فإن كانت قيمة التالف لا تختلف من حين الغصب إلى حين الرد ردها وإن كانت تختلف نظرنا فإن كان اختلافهما لمعنى فيه من كبر وصغر وسمن وهزال وتعلم ونسيان ونحو ذلك من المعاني التي تزيد بها القيمة وتنقص فالواجب القيمة أكثر ما كانت لأنها مغصوبة في الحال التي زادت فيها والزيادة لمالكها مضمونة على الغاصب على ما قررناه فيما مضى فإن كانت زائدة حين تلفها لزمته قيمتها حينئذ لأنه كان يلزمه ردها زائدة فلزمته قيمتها كذلك وإن كانت زائدة قبل تلفها ثم نقصت عند تلفها لزمه قيمتها حين كانت زائدة لأنه لو ردها ناقصة للزمه أرش نقصها وهو بدل الزيادة فإذا ضمن الزيادة مع ردها ضمنها عند تلفها فإن كان اختلافها لتغير الأسعار لم يضمن الزيادة لأن نقصان القيمة لذلك لا يضمن مع رد العين فلا يضمن عند تلفها وحمل القاضي قول الخرقي على ما إذا اختلفت القيمة لتغير الأسعار وهو مذهب الشافعي لأن أكثر القيمتين فيه للمغصوب منه فإذا تعذر ردها ضمنها كقيمة يوم التلف وإنما سقطت القيمة مع رد العين والمذهب الأول لما ذكرنا وتفارق هذه الزيادة المعاني لأن تلك تضمن مع رد العين فكذلك مع تلفها وهذه لا تضمن مع رد العين فكذلك مع تلفها وقولهم إنها سقطت برد العين لا يصح لأنها لو وجبت لما سقطت بالرد كزيادة السمن والتعلم قال القاضي ولم أجد عن أحمد رواية بأنها تضمن بأكثر القيمتين لتغير الأسعار فعلى هذا تضمن بقيمتها يوم التلف رواه الجماعة عن أحمد وعنه أنها تضمن بقيمتها يوم الغصب وهو قول أبي حنيفة ومالك لأنه الوقت الذي أزال يده عنه فيلزمه القيمة حينئذ كما لو أتلفه ولنا إن القيمة إنما ثبت في الذمة حين التلف لأن قبل ذلك كان الواجب رد العين دون قيمتها فاعتبرت تلك الحالة كما لو لم تختلف قيمته وما ذكروه لا يصح لأن إمساك المغصوب غصب فإنه فعل يجب عليه تركه في كل حال وما روي عن أحمد من اعتبار القيمة بيوم الغصب فقال الخلال جبن أحمد عنه كأنه رجع إلى قوله الأول فصل وإن كان المغصوب من المثليات فتلف وجب مثله فإن فقد المثل وجبت قيمته يوم انقطاع المثل وقال القاضي تجب قيمته يوم قبض البدل لأن الواجب المثل إلى حين قبض البدل بدليل أنه لو وجد المثل بعد فقده لكان الواجب هو دون القيمة وقالأبو حنيفة ومالك وأكثر أصحاب الشافعي تجب قيمته يوم المحاكمة لأن القيمة لم تنتقل إلى ذمته إلا حين حكم بها الحاكم

قسم V05/P161–V05/P162

ولنا إن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل فاعتبرت القيمة حنيئذ كتلف المتقوم ودليل وجوبها حينئذ أنه يستحق طلبها واستيفاءها ويجب على الغاصب أداؤها ولا ينفي وجوب المثل لأنه معجوز عنه والتكليف يستدعي الوسع ولأنه لا يستحق طلب المثل ولا استيفاءه ولا يجب على الآخر أداؤه فلم يكن واجبا كحالة المحاكمة وأما إذا قدر على المثل بعد فقده فإنه يعود وجوبه لأنه الأصل قدر عليه قبل أداء البدل فأشبه القدرة على الماء بعد التيمم ولهذا لو قدر عليه بعد المحاكمة وقبل الاستيفاء لاستحق المالك طلبه وأخذه وقد روي عن أحمد في رجل أخذ من رجل أرطالا من كذا وكذا أعطاه على السعر يوم أخذخ لا يوم يحاسبه وكذلك روي عنه في حوائج البقال عليه القيمة يوم الأخذ وهذا يدل على أن القيمة تعتبر يوم الغصب وقد ذكرنا ذلك في الفصل قبل هذا ويمكن التفريق بين هذا وبين الغصب من قبل أن ما أخذه ها هنا بإذن مالكه ملكه وحل له التصرف فيه فتثبت قيمته يوم ملكه ولم يتغير ما ثبت في ذمته بتغير قيمة ما أخذه لأنه ملكه والمغصوب ملك للمغصوب منه والواجب رده لا قيمته وإنما تثبت قيمته في الذمة يوم تلفه أو انقطاع مثله فاعتبرت القيمة حينئذ وتغيرت بتغيره قبل ذلك فأما إن كان المغصوب باقيا وتعذر رده فأوجبنا رد قيمته فإنه يطالبه بقيمته يوم قبضها لأن القيمة لم تثبت في الذمة قبل ذلك ولهذا يتخير بين أخذها والمطالبة بها وبين الصبر إلى وقت إمكان الرد ومطالبة الغاصب بالسعي في رده وإنما يأخذ القيمة لأجل الحيلولة بينه وبينه فيعتبر ما يقوم مقامه ولأن ملكه لم يزل عنه بخلاف غيره مسألة قال ( وإذا كان للمغصوب أجرة فعلى الغاصب رده وأجر مثله مدة مقامه في يديه ) هذه المسألة تشتمل على حكمين أحدهما وجوب رد المغصوب والثاني رد أجرته أما الأول فإن المغصوب متى كان باقيا وجب رده لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليد أخذت حتى ترده رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال الحديث حسن وروى عبدالله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبا جادا ومن أخذ عصا أخيه فليردها رواه أبو داود يعني أنه يقصد المزح مع صاحبه بأخذ متاعه وهو جاد في إدخال الغم والغيظ عليه ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق فلزمه إعادتها وأجمع العلماء على وجوب المغصوب إذا كان باقيا بحاله لم يتغير ولم يشتغل بغيره فإن غصب شيئا فبعده لزم رده وإن غرم عليه أضعاف قيمته لأنه جنى بتبعيده فكان ضرر ذلك عليه فإن قال الغاصب خذ مني أجر رده وتسلمه مني ها هنا أو بذل له أكثر من قيمته ولا يسترده لم يلزم المالك قبول ذلك لأنها معاوضة فلا يجبر عليها كالبيع وإن قال المالك دعه لي في مكانه الذي نقلته إليه لم يملك الغاصب رده لأنه أسقط عنه حقا فسقط وإن لم يقبله كما لو أبرأه من دينه وإن قال رده لي إلى بعض الطريق لزمه ذلك لأنه يلزمه جميع المسافة فلزمه بعضها المطلوب وسقط عنه ما أسقطه وإن طلب منه حمله إلى مكان آخر في غير طريق الرد لم يلزم الغاصب ذلك سواء كان أقرب من المكان الذي يلزمه رده أليه أو لم يكن لأنه معاوضة وإن قال دعه في مكانه وأعطني أجر رده لم يجبر على إجابته لذلك ومهما اتفقا عليه من ذلك جاز لأن الحق لهما لايخرج عنهما فصل وإن غصب شيئا فشغله بملكه كخيط خاط به ثوبا أو نحوه أو حجرا بنى عليه نظرنا فإن بلي الخيط أو انكسر الحجر أو كان مكانه خشبة فتلفت لم يؤخذ برده ووجبت قيمته لأنه صار هالكا فوجبت قيمته وإن كان باقيا بحاله لزمه رده وإن انتقض البناء وتفصل الثوب وبهذا قال مالك والشافعي

قسم V05/P162–V05/P163

وقال أبو حنيفة لا يجب رد الخشبة والحجر لأنه صار تابعا لملكه يستضر بقلعه فلم يلزم رده كما لو غصب خيطا فخاط به جرح عبده ولنا إنه مغصوب أمكن رده ويجوز له فوجب كما لو بعد العين ولا يشبه الخيط الذي يخاف على العبد من قلعه لأنه يجوز له رده لما في ضمنه من تلف الآدمي ولأن حاجته إلى ذلك تبيح أخذه ابتداء بخلاف البناء وإن خاط بالخيط جرح حيوان فذلك على أقسام ثلاثة أحدها أن يخيط به جرح حيوان لا حرمة له كالمرتد والخنزير والكلب العقور فيجب نزعه ورده لأنه لا يضمن تفويت ذي حرمة فأشبه ما لو خاط به ثوبا والثاني أن يخيط به جرح حيوان محترم لا يحل أكله كالآدمي فإن خيف من نزعه الهلاك أو إبطاء برئه فلا يجب نزعه لأن الحيوان آكد حرمة من عين المال ولهذا يجوز له مال غيره ليحفظ حياته وإتلاف المال لتبقيته وهو ما يأكله وكذلك الدواب التي لا يؤكل لحمها كالبغل والحمار الأهلي الثالث أن يخيط به جرح حيوان مأكول فإن كان ملكا لغير الغاصب وخيف تلفه بقلعه لم يقلع لأن فيه إضرارا بصاحبه ولا يزال الضرر بالضرر ولا يجب إتلاف مال من لم يجن صيانة لمال آخر وإن كان الحيوان للغاصب فقال القاضي لا يجب رده لأنه يمكن ذبح الحيوان والانتفاع بلحمه وذلك جائز وإن حصل فيه نقص على الغاصب فليس ذلك بمانع من وجوب رد المغصوب كنقص البناء لرد الحجر المغصوب وقال أبو الخطاب فيه وجهان أحدهما هذا والثاني لا يجب قلعه لأن للحيوان حرمة في نفسه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير أكله ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ويحتمل أن يفرق بين ما يعد للأكل من الحيوان كبهيمة الأنعام والدجاج وأكثر الطير وبين ما لا يعد له كالخيل والطير المقصود صوته فالأول يجب ذبحه إذا توقف رد المغصوب عليه والثاني لا يجب لأن ذبحه إتلاف له فجرى مجرى ما لا يؤكل لحمه ومتى أمكن رد الخيط من غير تلف الحيوان أو تلف بعض أعضائه أو ضرر كثير وجب رده فصل وإن غصب فصيلا فأدخله داره فكبر ولم يخرج من الباب أو خشبة وأدخلها داره ثم بنى الباب ضيقا لا يخرج منه ألا بنقضه وجب نقضه ورد الفصيل والخشبة كما ينقض البناء لرد الساجة فإن كان حصوله في الدار بغير تفريط من صاحب الدار نقض الباب وضمانه على صاحب الفصيل لأنه لتخليص ماله من غير تفريط من صاحب الدار وأما الخشبة فإن كان كسرها أكثر ضررا من نقض الباب فهي كالفصيل وإن كان أقل كسرت ويحتمل في الفصيل مثل هذا فإنه متى كان ذبحه أقل ضررا ذبح وأخرج لحمه لأنه في معنى الخشبة وإن كان حصوله في الدار بعدوان من صاحبه كرجل غصب دارا فأدخلها فصيلا أو خشبة أو تعدى على إنسان فأدخل داره فرسا ونحوها كسرت الخشبة وذبح الحيوان وإن زاد ضرره على نقض البناء لأن سبب هذا الضرر عدوانه فيجعل عليه دون غيره ولو باع دارا فيها خوابي لا تخرج إلا بنقض الباب أو خزائن أو حيوان وكان نقض الباب أقل ضررا من بقاء ذلك في الدار أو تفصيله أو ذبح الحيوان نقض وكان إصلاحه على البائع لأنه لتخليص ماله وإن كان أكثر ضررا لم ينقض لأنه لا فائدة فيه ويصطلحان على ذلك إما بأن يشتريه مشتري الدار أو غير ذلك

قسم V05/P163–V05/P164

فصل وإن غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة فقال أصحابنا حكمها حكم الخيط الذي خاط به جرحها ويحتمل أن الجوهرة متى كانت أكثر من قيمة الحيوان ذبح الحيوان وردت إلى مالكها وضمان الحيوان على الغاصب إلا أن يكون الحيوان آدميا وفارق الخيط لأنه في الغالب أقل قيمة من الحيوان والجوهرة أكثر قيمة ففي ذبح الحيوان رعاية حق المالك برد عين ماله إليه ورعاية حق الغاصب بتقليل الضمان عليه وإن ابتلعت شاة رجل جوهرة آخر غير مغصوبة ولم يمكن إخراجها إلا بذبح الشاة ذبحت إذا كان ضرر ذبحها أقل وكان ضمان نقصها على صاحب الجوهرة لأنه لتخليص ماله إلا أن يكون التفريط من صاحب الشاة بكون يده عليها فلا شيء لصاحب الجوهرة لأن التفريط من صاحب الشاة فالضرر عليه وإن أدخلت رأسها في قمقم فلم يمكن إخراجها إلا بذبحها وكان الضرر في ذبحها أقل ذبحت وإن كان الضرر في كسر القمقم أقل كسر القمقم وإن كان التفريط من صاحب الشاة فالضمان عليه وإن كان التفريط من صاحب القمقم بأن وضعه في الطريق فالضمان عليه وإن لم يكن منهما تفريط فالضمان على صاحب الشاة إن كسر القمقم لأنه كسر لتخليص شاته وإن ذبحت الشاة فالضمان على صاحب القمقم لأنه لتخليص قمقمه فإن قال من عليه الضمان منهما أنا أتلف مالي ولا أغرم شيئا للآخر فله ذلك لأن إتلاف مال الآخر إنما كان لحقه وسلامة ماله وتخليصه فإذا رضي بتلفه لم يجز إتلاف غيره وإن قال لا أتلف مالي ولا أغرم شيئا لم نمكنه من إتلاف مال صاحبه لكن صاحب القمقم لا يجبر على شيء لأن القمقم لا حرمة له فلا يجبر صابحه على تخليصه وأما صاحب الشاة فلا يحل له تركها لما فيه من تعذيب الحيوان فيقال له إما أن تذبح الشاة لتريحها من العذاب وإما أن تغرم القمقم لصاحبه إذا كان كسره أقل ضررا ويخلصها لأن ذلك من ضرورة إبقائها أو تخليصها من العذاب فلزمه كعلفها وإن كان الحيوان غير مأكول احتمل أن يكون حكمه حكم المأكول فيما ذكرنا واحتمل أن يكسر القمقم وهو قول أصحابنا لأنه لا تقع في ذبحه ولا هو مشروع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير أكله ويحتمل أن يجري مجرى المأكول في أنه متى كان قتله أقل ضررا وكانت الجناية من صاحبه قتل لأن حرمته معارضة لحرمة الآدمي الذي يتلف ماله والنهي عن ذبحه معارض بالنهي عن إضاعة المال وفي كسر القمقم مع كثرة قيمته إضاعة للمال والله أعلم فصل وإن غصب دينارا فوقع في محبرته أو أخذ دينار غيره فسها فوقع في محبرته كسرت ورد الدينار كما ينقض البناء لرد الساجة وكذلك إن كان درهما أو أقل منه وإن وقع من غير فعله كسرت لرد الدينار إن أحب صاحبه والضمان عليه لأنه لتخليص ماله وإن غصب دينارا فوقع في محبرة آخر بفعل الغاصب أو غير فعله كسرت لرده وعلى الغاصب ضمان المحبرة لأنه السبب في كسرها وإن كان كسرها أكثر ضررا من تبقية الواقع فيها ضمنه الغاصب ولم تكسر وإن رمى إنسان ديناره في محبرة عدوانا فأبى صاحب المحبرة كسرها لم يجبر عليه لأن صاحبه تعدى برميه فيها فلم يجبر صاحبها على إتلاف ماله لإزالة ضرر عدوانه عن نفسه وعلى الغاصب نقص المحبرة بوقوع الدينار فيها ويحتمل أن يجبر على كسرها لرد عين مال الغاصب ويضمن الغاصب قيمتها كما لو غرس في أرض غيره ملك حفر الأرض بغير إذن المالك لأخذ غرسه ويضمن نقصها بالحفر وعلى كلا الوجهين لو كسرها الغاصب قهرا لم يلزمه أكثر من قيمتها

الأسئلة