Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V06/P114–V06/P115

والباب في هذا أن ننظر ما يبقى في يد ورثة الزوج فخمساه هو الشيء الذي صحت المحاباة فيه وذلك لأنه بعد الجبر يعدل شيئين ونصفا والشيء هو خمسا شيئين ونصف وإن شئت أسقطت خمسة وأخذت نصف ما تبقى فصل القسم الثالث أن يخالعها في مرضها بأكثر من مهرها فمذهب أحمد أن لورثتها أن لا يعطوه أكثر من ميراثه منها يكون له الأقل من العوض أو ميراثه منها وبهذا قال أبو حنيفة إن خالعها بعد دخوله بها ومات قبل انقضاء عدتها لأنها متهمة في أنها قصدت إيصال أكثر من ميراثه إليه وعند مالك إن زاد على مهر المثل فالزيادة مردودة وعن مالك إن خلع المريضة باطل وقال الشافعي الزيادة على مهر المثل محاباة تعتبر من الثلث وقال أبو حنيفة إن خالعها قبل دخوله بها أو مات بعد انقضاء عدتها فالعوض من الثلث ومثال ذلك امرأة اختلعت من زوجها بثلاثين لا مال لها سواها وصداق مثلها اثنا عشر فله خمسة عشر سواء قل صداقها أو كثر لأنها قدر ميراثه وعند الشافعي له ثمانية عشر اثنا عشر لأنها قدر صداقها وثلث باقي المال بالمحاباة وهو ستة وإن كان صداقها ستة فله أربعة عشر لأن ثلث الباقي ثمانية مريض تزوج امرأة على مائة لا يملك غيرها ومهر مثلها عشرة ثم مرضت فاختلعت منه بمائة ولا مال لها سواها فلها مهر مثلها ولها شيء بالمحاباة والباقي له ثم رجع إليه نصف مالها بالمحاباة وهو خمسة ونصف شيء صار مع ورثته خمسة وتسعون إلا نصف شيء يعدل شيئين فبعد الجبر يخرج الشيء ثمانية وثلاثين فقد صح لها بالصداق والمحاباة ثمانية وأربعون وبقي مع ورثته اثنان وخمسون فرجع إليهم بالخلع أربعة وعشرون فصار معهم ستة وسبعون وبقي للمرأة أربعة وعشرون وعند الشافعي يرجع إليهم صداق المثل وثلث شيء بالمحاباة فصار بأيديهم مائة إلا ثلثي شيء يعدل شيئين فالشيء ثلاثة أثمانها وهو سبعة وثلاثون ونصف فصار لها ذلك ومهر المثل رجع إليه مهر المثل وثلث الباقي اثنا عشر ونصف فيصير بأيدي ورثته خمسة وسبعون وهو مثلا محاباتها وعند أبي حنيفة يرجع إليهم ثلث العشر وثلث الشيء فصار معهم ثلاثة وتسعون وثلث إلا ثلثي شيء فالشيء ثلاثة أثمانها وهو خمسة وثلاثون مع العشرة صار لها خمسة وأربعون رجع إلى الزوج ثلثها صار لورثتها لاثون ولورثته سبعون هذا إذا ماتت بعد انقضاء عدتها وإن تركت المرأة مائة أخرى فعلى قولنا يبقى مع ورثة الزوج مائة وخمسة وأربعون إلا نصف شيء يعدل شيئين فالشيء خمسا ذلك وهو ثمانية وخمسون وهو الذي صحت المحاباة فيه فلها ذلك وعشرة بالمثل صار لها مائة وثمانية وستون رجع إلى الزوج نصفها أربعة وثمانون وكان الباقي معه اثنان وثلاثون صار له مائة وستة عشر ولورثتها أربعة وثلاثون فصل في الهبة

قسم V06/P115–V06/P117

رجل وهب أخاه مائة لا يملك غيرها فقبضها ثم مات وخلف بنتا فقد صحت الهبة في شيء والباقي للواهب ورجع إليه بالميراث نصف الشيء الذي جازت الهبة فيه صار معه مائة إلا نصف شيء يعدل شيئين فالشيء خمسا ذلك أربعون رجع إلى الواهب نصفها عشرون صار معه ثلاثون وبقي لورثة أخي الواهب عشرون وطريقها بالباب أن تأخذ عددا لثلثه نصف وهو ستة فتأخذ ثلثه اثنين وتلقي نصفه سهما يبقى سهم فهو للموهوب له ويبقى للواهب أربعة فتقسم المائة سهم على خمسة والسهم الذي أسقطته لا يذكر لأنه يرجع على جميع السهام الباقية بالسوية فيجب اطراحه كالسهام الفاضلة عن الفروض في مسألة الرد وشبه هذه المسألة من مسائل الرد أم وأختان فللأختين أربعة وللأم سهم يسقط ذكر السهم السادس ولو كان ترك اثنتين ضربت ثلاثة في ثلاثة صارت تسعة وأسقطت منها سهما يبقى سهمان فهي التي تبقى لورثة الموهوب له ويبقى ستة للواهب وهي مثلا ما جازت الهبة فيه وإن خلف امرأة وبنتا فمسألتها من ثمانية تضربها في ثلاثة تكن أربعة وعشرين تسقط منها الثلاثة التي ورثها الواهب يبقى أحد وعشرون فهي المال وتأخذ ثلث الأربعة والعشرين وهي ثمانية تلقي منها الثلاثة يبقى خمسة فهي الباقية لورثة الموهوب له والباقي للواهب فتقسم المائة على هذه السهام فصل فإن وهب مريض مريضا مائة لا يملك سواها ثم عاد الموهوب له فوهبها للأول ولا يملك سواها فبالباب نضرب ثلاثة في ثلاثة ونسقط منها سهما يبقى ثمانية فاقسم المائة عليها لكل سهم خمسة وعشرون ثم خذ ثلثها ثلاثة أسقط منها سهما يبقى سهمان فهو للموهوب الأول وذلك هو الربع وبالجبر قد صحت الهبة في شيء ثم صحت الهبة الثانية في ثلثه بقي للموهوب الأول ثلثا شيء والواهب مائة إلا ثلثي شيء يعدل شيئين أجبر وقابل يخرج الشيء سبعة وثلاثين ونصفا رجع إلى الواهب ثلثها اثنا عشر ونصف وبقي للموهوب له خمسة وعشرون فإن خلف الواهب مائة أخرى فقد بقي مع الواهب مائتان إلا ثلثي شيء تعدل شيئين فالشيء ثلاثة أثمانها وذلك خمسة وسبعون رجع إلى الواهب ثلثها بقي مع ورثته خمسون فصل فإن وهب رجل رجلا جارية فقبضها الموهوب له ووطئها ومهرها ثلث قيمتها ثم مات الواهب ولا شيء له سواها وقيمتها ثلاثون ومهرها عشرة فقد صحت الهبة في شيء وسقط عنه من مهرها ثلث شيء وبقي للواهب أربعون إلا شيئا وثلثا يعدل شيئين أجبر وقابل يخرج الشيء خمس ذلك وعشرة وهو اثنا عشر وذلك خمسا الجارية فقد صحت الهبة فيه ويبقى للواهب ثلاثة أخماسها وله على الموهوب له ثلاثة أخماس مهرها ستة ولو وطئها أجنبي فكذلك ويكون عليه مهرها ثلاثة أخماسه للواهب وخمساه للموهوب له إلا أن نفوذ الهبة فيما زاد على الثلث منهما موقوف على حصول المهر من الواطىء فإن لم يحصل منه شيء لم تزد الهبة على ثلثها وكلما حصل منه شيء نفذت الهبة في الزيادة بقدر ثلثه وإن وطئها الواهب فعليه من عقرها بقدر ما جازت الهبة فيه وهو ثلث شيء يبقى معه ثلاثون إلا شيئا يعدل شيئين فالشيء تسعة وهو خمس الجارية وعشرها وسبعة أعشارها لورثة الواطىء وعليهم عقر الذي جازت الهبة فيه فإن أخذ من الجارية بقدرها صار له خمساها فصل وإن وهب مريض رجلا عبدا لا يملك غيره فقتل العبد الواهب قيل للموهوب له إما أن تفديه وإما أن تسلمه فإن اختار تسليمه سلمه كله نصفه بالجناية ونصفه لانتقاص الهبة فيه وذلك لأن العبد كله قد صار إلى ورثة الواهب وهو مثلا نصفه فتبين أن الهبة جازت في نصفه وإن اختار فداءه روايتان إحداهما يفديه بأقل الأمرين من قيمة نصيبه منه أو أرش جنايته

قسم V06/P117–V06/P118

والأخرى يفديه بقدر ذلك من أرض جنايته بالغة ما بلغت فإن كانت قيمته دية فإنك تقول صحت الهبة في شيء وتدفع إليهم نصف العبد وقيمة نصفه وذلك يعدل شيئين فتبين أن الشيء نصف العبد وإن كانت قيمته ديتين واختار دفعه فإن الهبة تجوز في شيء وتدفع إليهم نصفه يبقى معهم عبد إلا نصف شيء يعدل شيئين فالشيء خمساه ويرد إليهم ثلاثة أخماسه لانتقاص الهبة وخمسا من أجل جنايته فيصير لهم أربعة أخماسه وذلك مثلا ما جازت الهبة فيه وإن اختار لفداءه فداه بخمسي الدية ويبقى لهم ثلاثة أخماسه وخمسا الدية وهي بمنزلة خمس منه ويبقى له خمساه وإن كانت قيمته نصف الدية أو أقل وقلنا نفديه بأرش جنايته نفذت الهبة في جميعه لأن أرشها أكثر من مثلي قيمته أو مثليها وإن كان قيمته ثلاثة أخماس الدية فاختار فداءه بالدية فقد صحت الهبة في شيء ويفديه بشيء وثلثين فصار مع الورثة عبد وثلثا شيء يعدل شيئين فالشيء ثلاثة أرباع فتصح الهبة في ثلاثة أرباع العبد ويرجع إلى الواهب ربعه مائة وخمسون وثلاثة أرباع الدية سبعمائة وخمسون صار الجميع تسعمائة وهو مثلا ما صحت الهبة فيه فإن ترك الواهب مائة دينار فاضممهما إلى قيمة العبد فإن اختار دفع العبد دفع ثلثه وربعه وذلك قدر نصف جميع المال بالجناية وباقيه لانتقاص الهبة فيصير العبد والمائة وذلك مثلا ما جازت الهبة فيه وإن اختار الفداء فقد علمت أنه يفدي ثلاثة أرباعه إذا لم يترك شيئا فزد على ذلك ثلاثة أرباع المائة يصير ذلك سبعة أثمان العبد ففيه بسبعة أثمان الدية فصل مريض أعتق عبدا لا مال له سواه قيمته مائة فقطع أصبع سيده خطأ فإنه يعتق نصفه وعليه نصف قيمته ويصير للسيد نصفه ونصف قيمته وذلك مثلا ما عتق منه وأوجبنا نصف قيمته عليه لأن عليه من أرش جنايته بقدر ما عتق منه وحسابها أن تقول عتق منه شيء وعليه شيء للسيد فصار مع السيد عبد إلا شيئا وشيء يعدل شيئين فأسقط شيئا بشيء بقي ما معه من العبد يعدل شيئا مثل ما عتق منه ولو كانت قيمة العبد مائتين عتق خمساه لأنه يعتق منه شيء وعليه نصف شيء للسيد فصار للسيد نصف الشيء وبقية العبد يعدل شيئين فيكون بقية العبد يعدل شيئا ونصفا وهو ثلاثة أخماسه والشيء الذي عتق خمساه وإن كانت قيمته خمسين أو أقل عتق كله لأنه يلزمه مائة وهي مثلاه أو أكثر وإن كانت قيمته ستين قلنا عتق منه شيء وعليه شيء وثلثا شيء للسيد مع بقية العبد يعدل شيئين فبقية العبد إذا ثلث شيء فيعتق منه ثلاثة أرباعه وعلى هذا القياس إلا أن ما زاد في العتق على الثلث ينبغي أن يقف على أداء ما يقابله من القيمة كما إذا دبر عبدا وله دين في ذمة غريم له فكلما اقتضى من القيمة شيئا عتق من الموقوف بقدر ثلثه فصل فإن أعتق عبدين دفعة واحدة قيمة أحدهما مائة والآخر مائة وخمسون فجنى الأدنى على الأرفع جناية نقصته ثلث قيمته وأرشها كذلك في حياة سيدهما ثم مات أقرعنا بين العبدين فإن وقعت على الجاني عتق منه أربعة أخماسه وعليه أربعة أخماس أرش جنايته وبقي لورثة سيده خمسة وأرش جنايته والعبد الآخر وذلك مائة وستون وهو مثلا ما عتق منه

قسم V06/P118–V06/P119

وحسابها أن تقول عبد عتق منه شيء وعليه نصف شيء لأن جنايته بقدر نصف قيمته بقي للسيد نصف شيء وبقية العبدين تعدل شيئين فعلمت أن بقية العبدين شيء ونصف فإذا أضفت إلى ذلك الشيء الذي عتق صارا جميعا يعدلان شيئين ونصفا فالشيء الكامل خمساهما وذلك أربعة أخماس أحدهما وإن وقعت قرعة الحرية على المجني عليه عتق ثلثه وله ثلث أرش جنايته يتعلق برقبة الجاني وذلك تسع الدية لأن الجناية على من ثلثه حر تضمن بقدر ما فيه من الحرية والرق والواجب له من الأرش يستغرق قيمة الجاني فيستحقه بها ولا يبقى لسيده مال سواه فيعتق ثلثه ويرق ثلثاه وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما خمسون وقيمة الآخر ثلاثون فجنى الأدنى على الأرفع فنقصه حتى صارت قيمته أربعين أقرعنا بينهما فإن خرجت القرعة للأدنى عتق منه شيء وعليه ثلث شيء فبعد الجبر تبين أن العبدين شيئان وثلثان فالشيء ثلاثة أثمانها وقيمتهما سبعون فثلاثة أثمانها سبعة وعشرون وربع وهي من الأدنى نصفه وخمساه ونصف سدس عشره وإن وقعت على الآخر عتق ثلثه وحقه من الجناية أكثر من قيمة لاجاني فيأخذه بها أو يفديه المعتق وقد بقيت فروع كثيرة وفيما ذكرنا ما يستدل به على غيره إن شاء الله تعالى وكل موضع زاد العتق على ثلث العبدين من أجل وجوب الأرش للسيد تكون الزيادة موقوفة على أداء الأرش كما ذكرنا من قبل والله أعلم مسألة قال ( ومن جاوز العشر سنين فوصيته جائزة إذا وافق الحق ) هذا المنصوص عن أحمد فإنه قال في رواية صالح وحنبل تجوز وصيته إذا بلغ عشر سنين قال أبو بكر لا يختلف المذهب أن من له عشر سنين تصح وصيته ومن له دون السبع لا تصح وصيته وما بين السبع والعشر على روايتين وقال ابن أبي موسى لا تصح وصية الغلام لدون العشر ولا الجارية قولا واحدا وما زاد على العشر فتصح على المنصوص وفيه وجه آخر لا تصح حتى يبلغ وقال القاضي وأبو الخطاب تصح وصية الصبي إذا عقل وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أجاز وصية الصبي وهو قول عمر بن عبد العزيز وشريح وعطاء والزهري وإياس وعبد الله بن عتبة والشعبي والنخعي ومالك وإسحاق قال إسحاق إذا بلغ اثنتي عشرة وحكاه ابن المنذر عن أحمد وعن ابن عباس لا تصح وصيته حتى يبلغ وبه قال الحسن ومجاهد وأصحاب الرأي للشافعي قولان كالمذهبين واحتجوا بأنه تبرع بالمال فلا يصح من الصبي كالهبة والعتق ولأنه لا يقبل إقراره فلا تصح وصيته كالطفل ولنا ما روي أن صبيا من غسان له عشر سنين أوصى لأخوال له فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأجاز وصيته رواه سعيد وروى مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عمرو بن سليم أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب إن هاهنا غلاما يفاعا لم يحتلم وورثته بالشام وهو ذو مال وليس له ها هنا إلا ابنة عم له فقال عمر فليوص لها فأوصى لها بمال يقال له بئر جشم قال عمرو بن سليم فبعت ذلك المال بثلاثين ألفا وابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بن سليم قال أبو بكر وكان الغلام ابن عشرة أو اثنتي عشرة سنة وهذه قصة انتشرت فلم تنكر ولأنه تصرف تمحض نفعا للصبي فصح منه كالإسلام والصلاة وذلك لأن الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد غناه عن ملكه وماله فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه ولا أخراه بخلاف الهبة والعتق المنجز فإنه يفوت من ماله ما يحتاج إليه وإذا ردت رجعت إليه وهاهنا لا يرجع إليه بالرد والطفل لا عقل له ولا يصح إسلامه ولا عباداته وقوله إذا وافق الحق يعني إذا وصى بوصية يصح مثلها من البائع صحت منه وإلا فلا قال شريح وعبد الله بن عتبة وهما قاضيان من أصاب الحق أجزنا وصيته

قسم V06/P119–V06/P120

فصل فأما الطفل وهو من له دون السبع والمجنون والمبرسم فلا وصية لهم وهذا قول أكثر أهل العلم منهم حميد بن عبد الرحمن ومالك والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم وأصحاب الرأي ومن تبعهم ولا نعلم أحدا خالفهم إلا إياس بن معاوية قال في الصبي والمجنون إلا إذا وافقت وصيتهم الحق جازت وليس بصحيح فإنه لا حكم لكلامهما ولا تصح عبادتهما ولا شيء من تصرفاتهما فكذا الوصية بل أولى فإنه إذا لم يصح إسلامه وصلاته التي هي محض نفع لا ضرر فيها فلأن لا يصح بذله المال يتضرر به وارثه أولى ولأنها تصرف يفتقر إلى إيجاب وقبول فلا يصح منهما كالبيع والهبة فصل فأما المحجور عليه لسفه فإن وصيته تصح في قياس قول أحمد قال الخبري وهو قول الأكثرين وقال أبو الخطاب في وصيته وجهان ولنا إنه عاقل تصح وصيته كالصبي العاقل ولأن وصيته تمحضت نفعا له من غير ضرر فصحت كعباداته وأما الذي يجن أحيانا ويفيق أحيانا فإن وصى حال جنونه لم تصح وإن وصى في حال عقله صحت وصيته لأنه بمنزلة العقلاء في شهادته ووجوب العبادة عليه فكذلك في وصيته وتصرفاته ولا تصح وصية السكران وقال أبو بكر فيه قولان يعني وجهين ولنا إنه ليس بعاقل فلا تصح وصيته كالمجنون وأما إيقاع طلاقه فإنما أوقعه من أوقعه تغليظا عليه لارتكابه المعصية فلا يتعدى هذا إلى وصيته فإنه لا ضرر عليه فيها إنما الضرر على وارثه وأما الضعيف في عقله فإن منع ذلك رشده في ماله فهو كالسفيه وإلا فهو كالعاقل فصل وتصح وصية الأخرس إذا فهمت إشارته لأنها أقيمت مقام نطقه في طلاقه ولعانه وغيرهما فإن لم تفهم إشارته فلا حكم لها وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما فأما الناطق إذا اعتقل لسانه فعرضت عليه وصيته فأشار بها وفهمت إشارته لم تصح وصيته ذكره القاضي وابن عقيل وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وقال الشافعي وابن المنذر تصح وصيته لأنه غير قادر على الكلام أشبه الأخرس واحتج ابن المنذر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وهو قاعد فأشار إليهم فقعدوا رواه البخاري وخرجه ابن عقيل وجها إذا اتصل باعتقال لسانه الموت ولنا إنه غير مأيوس من نطقه فلم تصح وصيته بإشارته كالقادر على الكلام والخبر لا يلزم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الكلام ولا خلاف في أن إشارة القادر لا تصح بها وصية ولا إقرار ففارق الأخرس لأنه مأيوس من نطقه فصل وإن وصى عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد وصية ثم ماتوا على الرق فلا وصية لهم لأنه لا مال لهم وإن أعتقوهم ثم ماتوا ولم يغيروا وصيتهم صحت لأن لهم قولا صحيحا وأهلية تامة وإنما فارقوا الحر بأنهم لا مال لهم والوصية تصح مع عدم المال كما لو وصى الفقير الذي لا شيء له ثم استغنى وإن قال أحدهم متى عتقت ثم مت فثلثي لفلان وصية فعتق ومات صحت وصيته وبه قال أبو يوسف ومحمد وأبو ثور ولا أعلم عن غيرهم خلافهم فصل وتصح وصية المسلم للذمي والذمي للمسلم والذمي للذمي روي إجازة المسلم للذمي عن شريح والشعبي والثوري والشافعي رضي الله عنهم وإسحاق وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وقال محمد بن الحنفية وعطاء وقتادة في قوله تعالى إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا الأحزاب 6 هو وصية المسلم لليهودي والنصراني وقال سعيد حدثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة أن صفية بنت حيي باعت حجرتها من معاوية بمائة ألف وكان لها أخ يهودي فعرضت عليه أن يسلم فيرث فأبى فأوصت له بثلث المائة ألف ولأنه تصح له الهبة فصحت الوصية له كالمسلم وأنها صحت وصية المسلم للذمي فوصية الذمي للمسلم والذمي للذمي أولى ولا تصح إلا بما تصح به وصية المسلم للمسلم ولو أوصى لوارثه أو لأجنبي بأكثر من ثلثه وقف على إجازة الورثة كالمسلم سواء فصل وتصح الوصية للحربي في دار الحرب نص عليه أحمد وهو قول مالك وأكثر أصحاب الشافعي رضي الله عنه

قسم V06/P120–V06/P121

وقال بعضهم لا تصح وهو قول أبي حنيفة لأن الله تعالى قال لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إلى قوله إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين الممتحنة 8 9 فيدل ذلك على أن من قاتلنا لا يحل بره ولنا إنه تصح هبته فصحت الوصية له كالذمي وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عمر حلة من حرير فقال يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت فقال إني لم أعطكها لتلبسها فكساها عمر أخا مشركا له بمكة وعن أسماء بنت أبي بكر قالت أتتني أمي وهي راغبة تعني الإسلام فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أتتني أمي وهي راغبة أفأصلها قال نعم وهذان فيهما صلة أهل الحرب وبرهم والآية حجة لنا فيمن لم يقاتل فأما المقاتل فإنه نهى عن توليه لا عن بره والوصية له وإن احتج بالمفهوم فهو لا يراه حجة ثم قد حصل الإجماع على جواز الهبة والوصية في معناها فأما المرتد فقال أبو الخطاب تصح الوصية له كما تصح هبته وقال ابن أبي موسى لا تصح لأن ملكه غير مستقر ولا يرث ولا يورث فهو كالميت ولأن ملكه يزول عن ماله بردته في قول أبي بكر وجماعة فلا يثبت له الملك بالوصية فصل ولا تصح الوصية لكافر بمصحف ولا عبد مسلم لأنه لا يجوز هبتهما له ولا بيعهما منه وإن أوصى له بعبد كافر فأسلم قبل موت الموصي بطلت الوصية وإن أسلم بعد الموت وقبل القبول بطلت عند من يرى أن الملك لا يثبت إلا بالقبول لأنه لا يجوز أن يبتدىء الملك على مسلم ومن قال يثبت الملك بالموت قبل القبول قال الوصية صحيحة لأننا نتبين أن الملك يثبت بالموت لأنه أسلم بعد أن ملكه ويحتمل أن لا يصح أيضا لأنه يأتي بسبب لولاه لم يثبت الملك فمنع منه كابتداء الملك فصل ولا تصح الوصية بمعصية وفعل محرم مسلما كان الموصي أو ذميا فلو وصى ببناء كنيسة أو بيت نار أو عمارتهما أو الإنفاق عليهما كان باطلا وبهذا قال الشافعي رضي الله عنه وأبو ثور وقال أصحاب الرأي يصح فأجاز أبو حنيفة الوصية بأرضه تبنى كنيسة وخالفه صاحباه وأجاز أصحاب الرأي أن يوصي بشراء خمر أو خنازير ويتصدق بها على أهل الذمة وهذه وصايا باطلة وأفعال محرمة لأنها معصية فلم تصح الوصية بها كما لو وصى بعبده أو أمته للفجور وإن وصى لكتب التوراة والإنجيل لم تصح لأنها كتب منسوخة وفيها تبديل والاشتغال بها غير جائز وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر شيئا مكتوبا من التوراة وذكر القاضي أنه لو أوصى لحصر البيع وقناديلها وما شاكل ذلك ولم يقصد إعظامها بذلك صحت الوصية لأن الوصية لأهل الذمة فإن النفع يعود إليهم والوصية لهم صحيحة والصحيح أن هذا مما لا تصح الوصية به لأن ذلك إنما هو إعانة لهم على معصيتهم وتعظيم لكنائسهم ونقل عن أحمد كلام يدل لصحة الوصية من الذمي بخدمة الكنيسة والأول أولى وأصح وإن وصى ببناء بيت يسكنه المجتازون من أهل الذمة وأهل الحرب صح لأن بناء مساكنهم ليس بمعصية مسألة قال ( ومن أوصى لأهل قرية لم يعط من فيها من الكفار إلا أن يذكرهم ) يعني به المسلم إذا أوصى لأهل قريته أو لقرابته بلفظ عام يدخل فيه مسلمون وكفار فهي للمسلمين خاصة ولا شيء للكفار وقال الشافعي رضي الله عنه يدخل فيه الكفار لأن اللفظ يتناولهم بعمومه ولأن الكافر لو أوصى لأهل قريته أو قرابته دخل فيه المسلم والكافر فكذلك المسلم

قسم V06/P121–V06/P123

ولنا إن الله تعالى قال يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين النساء 11 فلم يدخل فيه الكفار إذا كان الميت مسلما وإذا لم يدخلوا في وصية الله تعالى مع عموم اللفظ فكذلك في وصية المسلم ولأن ظاهر حاله أنه لا يريد الكفار لما بينه وبينهم من عداوة الدين وعدم الوصلة المانع من الميراث ووجوب النفقة على فقيرهم ولذلك خرجوا من عموم اللفظ في الأولاد والإخوة والأزواج وسائر الألفاظ العامة في الميراث فكذا هاهنا لأن الوصية أجريت مجرى الميراث وإن صرح بهم دخلوا في الوصية لأن صريح المقال لا يعارض بقرينة الحال وإن وصى لهم أهل القرية كلهم كفار أو أوصى لقرابته وكلهم كفار دخلوا في الوصية لأنه لا يمكن تخصيصهم إذ في إخراجهم رفع اللفظ بالكلية وإن كان فيها مسلم واحد والباقي كفار دخلوا في الوصية لأن إخراجهم بالتخصيص هاهنا بعيد وفيه مخالفة الظاهر من وجهين أحدهما مخالفة لفظ العموم والثاني حمل اللفظ الدال على الجمع على المفردة وإن كان أكثر أهلها كفارا فظاهر كلام الخرقي أنه للمسلمين لأنه أمكن حمل اللفظ عليهم وصرفه إليهم والتخصيص يصح وإن كان بإخراج الأكثر ويحتمل أن يدخل الكفار في الوصية لأن التخصيص في مثل هذا بعيد فإن تخصيص الصورة النادرة قريب وتخصيص الأكثر بعيد يحتاج فيه إلى دليل قوي والحكم في سائر ألفاظ العموم مثل أن يوصي لإخوته أو عمومته أو بني عمه أو لليتامى أو للمساكين كالحكم فيما إذا أوصى لأهل قريته فأما إن أوصى بذلك كافر فإن وصيته تتناول أهل دينه لأن لفظه يتناولهم وقرينة حاله إرادتهم فأشبه وصية المسلم التي يدخل فيها أهل دينه وهل يدخل في وصيته المسلمون نظرنا فإن وجدت قرينة دالة على دخولهم مثل أن لا يكون في القرية إلا مسلمون دخلوا في الوصية وكذلك إن لم يكن فيها إلا كافر واحد وسائر أهلها مسلمون وإن انتفت القرائن ففي دخولهم وجهان أحدهما لا يدخلون كما لم يدخل الكفار في وصية المسلم والثاني يدخلون لأن عموم اللفظ يتناولهم وهم أحق بوصيته من غيرهم فلا يصرف اللفظ عن مقتضاه ومن هو أحق بحكمه إلى غيره وإن كان في القرية كافر من غير أهل دين الموصي لم يدخل في وصيته لأن قرينة حال الموصي تخرجه ولم يوجد فيه ما وجد في المسلم من الأولوية فبقي خارجا بحاله ويحتمل أن لا يخرج بناء على توريث الكفار بعضهم من بعض على اختلاف دينهم مسألة قال ( ومن أوصى بكل ماله ولا عصبة له ولا مولى له فجائز وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى لا يجوز إلا الثلث ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن لم يخلف من وراثة عصبة ولا ذا فرض فروي عنه أن وصيته جائزة بكل ماله ثبت هذا عن ابن مسعود وبه قال عبيدة السلماني ومسروق وإسحاق وأهل العراق والرواية الأخرى لا يجوز إلا الثلث وبه قال مالك والأوزاعي وابن شبرمة والشافعي والعنبري لأن له من يعقل عنه فلم تنفذ وصيته في أكثر من ثلثه كما لو ترك وارثا ولنا إن المنع من الزيادة على الثلث إنما كان لتعلق حق الورثة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وهاهنا لا وارث له يتعلق حق بماله فأشبه حال الصحة ولأنه لم يتعلق بماله حق وارث ولا غريم أشبه حال الصحة أو أشبه الثلث فصل وإن خلف ذا فرض لا يرث المال كله كبنت أو أم لم يكن له الوصية بأكثر من الثلث لأن سعدا قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا يرثني إلا ابنتي

قسم V06/P123–V06/P124

فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من الزيادة على الثلث ولأنها تستحق جميع المال بالفرض فأشبهت العصبة وإن كان لها زوج أو للرجل امرأة فكذلك لأن الوصية تنقص حقه لأنه إنما يستحق فرضه بعد الوصية لقوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء 11 فأما ذو الأرحام فظاهر كلام الخرقي أنه لا يمنع الوصية بجميع المال لقوله ولا عصبة له ولا مولى له وذلك لأن ذا الرحم إرثه كالفضلة والصلة ولذلك لا يصرف إليه شيء إلا عند عدم الرد والمولى لا تجب نفقته ويحتمل أن لا تنفذ وصيته بأكثر من ثلثه لأن له وارثا فيدخل في معنى قوله عليه السلام إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ولأنهم ورثة يستحقون ماله بعد موته وصلته لهم في حياته فأشبهوا ذوي الفروض والعصبات وتقديم غيرهم عليهم لا يمنع مساواتهم لهم في مسألتنا كذوي الفروض الذين يحجب بعضهم بعضا والعصبات فصل فإن خلف ذا فرض لا يرث المال كله وقال أوصيت لفلان بثلثي على أنه لا ينقص ذا الفرض شيئا من فرضه أو خلف امرأة وقال أوصيت لك بما فضل من المال عن فرضها صح في المسألة الأولى لأن ذا الفرض يرث المال كله لولا الوصية فلا فرق في الوصية بين أن يجعلها من رأس المال أو من الزائد على الفرض وأما المسألة الثانية فتنبني على الوصية بجميع المال فإن قلنا تصح ثم صحت هاهنا لأن الباقي عن فرض الزوجة مال لا وارث له فصحت الوصية به كما لو لم تكن زوجة وإن قلنا لا تصح ثم فهاهنا مثله لأن بيت المال جعل كوارث فصار كأنه ذو ورثة يستغرقون المال إذا عين الوصية من نصيب العصبة منهم فعلى هذا يعطى الموصى له الثلث من رأس المال ويسقط تخصيصه مسألة قال ( ومن أوصى لعبده بثلث ماله فإن كان العبد يخرج من الثلث عتق وما فضل من الثلث بعد عتقه فهو له وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث إلا أن يجيز الورثة ) وجملة ذلك أنه إذا أوصى لعبده بجزء شائع من ماله كثلث أو ربع أو سدس صحت الوصية فإن خرج العبد من الوصية عتق واستحق باقيها وإن لم يخرج عتق منه بقدر الوصية وبهذا قال الحسن وابن سيرين وأبو حنيفة إلا أنهم قالوا إن لم يخرج من الثلث سعى في قيمة باقيه وقال الشافعي رضي الله عنه الوصية باطلة إلا أن يوصي بعتقه لأنه أوصى بمال يصير للورثة فلم يصح كما لو أوصى له بمعين ولنا إن الجزء الشائع يتناول نفسه أو بعضه لأنه من جملة الثلث الشائع والوصية له بنفسه تصح ويعتق وما فضل يستحقه لأنه يصير حرا فيملك الوصية فيصير كأنه قال اعتقوا عبدي من ثلثي وأعطوه فأفضل منه وفارق ما إذا أوصى بمعين لأنه لا يتناول شيئا منه فصل فإن أوصى له بمعين من ماله كثوب أو دار أو بمائة درهم فالوصية باطلة في قول الأكثرين وبه يقول الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى عن أحمد أنها تصح وهو قول مالك وأبي ثور وقال الحسن وابن سيرين إن شاء الورثة أجازوا وإن شاؤوا ردوا ولنا إن العبد يصير ملكا للورثة فما وصى به له فهو لهم فكأنه أوصى لورثته بما يرثونه فلا فائدة فيه وفارق ما إذا أوصى له بمشاع لما ذكرناه فصل وإن أوصى له برقبته فهو تدبير يعتق إن حمله الثلث وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال أبو ثور الوصية باطلة لأنه لا يملك رقبته

قسم V06/P124–V06/P125

ولنا إنه أوصى له بمن لا يملكه على الدوام فصح كما لو وصى بأبيه ولأن معنى الوصية له برقبته عتقه لعلمه بأنه لا يملك رقبته فصارت الوصية به كناية عن إعتاقه بعد موته وإن أوصى له ببعض رقبته فهو تدبير لذلك الجزء وهل يعتقه جميعه إذا حمله الثلث على روايتين ذكرهما الخرقي فيما إذا دبر بعض عبده وهو مالك لكله وقال أصحاب الرأي يسعى في قيمة باقية وهذا شيء يأتي في باب العتق إن شاء الله تعالى فصل وإن أوصى لمكاتبه أو مكاتب وارثه أو مكاتب أجنبي صح سواء أوصى له بجزء شائع أو معين لأن ورثته لا يستحقون المكاتب ولا يملكون ماله وإن أوصى لأم ولده صحت الوصية لأنها حرة حين لزوم الوصية وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف أربعة آلاف رواه سعيد وروي ذلك عن عمران بن الحصين وبه قال ميمون بن مهران والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والشافعي وإسحاق وإن وصى لمدبره صح لأنه يصير حرا حين لزوم الوصية فصحت الوصية له كأم الولد وإن لم يخرج من الثلث هو والوصية جميعا قدم عتقه على الوصية لأنه أنفع وقال القاضي يعتق بعضه ويملك من الوصية بقدر ما عتق منه ولنا إنه وصى لعبده وصية صحيحة فيقدم عتقه على ما يحصل له من المال كما لو وصى لعبده القن بمشاع من ماله فصل وإن أوصى لعبد غيره صح وتكون الوصية والقبول في ذلك إلى العبد لأن العقد مضاف إليه فأشبه ما لو وهبه شيئا فإذا قبل ثبت لسيده لأنه من كسب عبده وكسب العبد لسيده ولا تفتقر في القبول إلى إذن السيد لأنه كسب فصح من غير إذن سيده كالاحتطاب وهذا قول أهل العراق والشافعي ولأصحابه وجه أن القبول يفتقر إلى إذن السيد لأنه تصرف من العبد فأشبه بيعه وشراءه ولنا إنه تحصيل مال بغير عوض فلم يفتقر إلى إذنه كقبول الهبة وتحصيل المباح وإن وصى لعبد وارثه فهي كالوصية لوارثه يقف على إجازة الورثة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وقال مالك إن كان يسيرا جاز لأن العبد يملك وإنما لسيده أخذه من يده فإذا وصى له بشيء يسير علم أنه قصد بذلك العبد دون سيده ولنا إنها وصية لعبد وارثه فأشبهت الوصية بالكثير وما ذكروه من ملك العبد ممنوع ولا اعتبار به فإنه مع هذا القصد يستحق سيده أخذه فهو كالكثير فصل وإذ أوصى بعتق أمته على أن لا تتزوج ثم مات فقالت لا أتزوج عتقت فإن تزوجت بعد ذلك لم يبطل عتقها وهذا مذهب الأوزاعي والليث وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وذلك لأن العتق إذا وقع لا يمكن رفعه وإن أوصى لأم ولده بألف على أن لا تتزوج أو على أن تثبت مع ولده ففعلت وأخذت الألف ثم تزوجت وتركت ولده ففيها وجهان أحدهما تبطل وصيتها لأنه فات الشرط ففاتت الوصية وفارق العتق فإنه لا يمكن رفعه والثاني لا تبطل وصيتها وهو قول أصحاب الرأي لأن وصيتها صحت فلم تبطل بمخالفة ما شرط عليها كالأولى فصل واختلف أصحابنا في الوصية للقاتل على ثلاثة أوجه فقال ابن حامد تجوز الوصية له واحتج بقول أحمد فيمن جرح رجلا خطأ فعفا المجروح فقال أحمد يعتبر من ثلثه قال وهذه وصية لقاتل وهذا قول مالك وأبي ثور وابن المنذر وأظهر قولي الشافعي رضي الله عنه لأن الهبة له تصح فصحت الوصية له كالذمي وقال أبو بكر لا تصح الوصية له فإن أحمد قد نص على أن المدبر إذا قتل سيده بطل تدبيره والتدبير وصية وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي لأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية فالوصية أولى ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث فيمنعها ما يمنعه

قسم V06/P125–V06/P127

وقال أبو الخطاب إن وصى له بعد جرحه صح وإن وصى له قبله ثم طرأ القتل على الوصية أبطلها جمعا بين نصي أحمد في الموضعين وهو قول الحسن بن صالح وهذا قول حسن لأن الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها ولم يطرأ عليها ما يبطلها بخلاف ما إذا تقدمت فإن القتل طرأ عليها فأبطلها لأنه يبطل ما هو آكد منها ويحققه أن القتل إنما منع الميراث لكونه بالقتل استعجل الميراث الذي انعقد سببه فعورض بنقيض قصده وهو منع الميراث دفعا لمفسدة قتل الموروثين ولذلك بطل التدبير بالقتل الطارىء عليه أيضا وهذا المعنى متحقق في القتل الطارىء على الوصية فإنه ربما استعجلها بقتله وفارق القتل قبل الوصية فإنه لم ييقصد به استعجال مال لعدم انعقاد سببه والموصي راض بالوصية له بعد صدور ما صدر منه في حقه ولا فرق بين العمد والخطأ في هذا كما لا يفترق الحال بذلك في الميراث وعلى هذا متى دبر عبده بعد جرحه إياه صح تدبيره مسألة قال ( وإذا قال أحد عبدي حر أقرع بينهما فمن تقع عليه القرعة فهو حر إذا خرج من الثلث ) وجملة ذلك إنه إذا أعتق عبدا غير معين فإنه يقرع بينهما فيخرج الحر بالقرعة وقال أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنه له تعيين أحدهما بغير قرعة لأنه عتق مستحق في غير معين فكان التعيين إلى المعتق كالعتق في الكفارة وكما لو قال لورثته أعتقوا عني عبدا ولنا أنه عتق استحقه واحد من جماعة معينين فكان إخراجه بالقرعة كما لو أعتقهما فلم يخرج من ثلثه إلا أحدهما ودليل الحكم في الأصل حديث عمران بن حصين فأما العتق في الكفارة فإنه لم يستحقه أحد إنما استحق على المكفر التكفير وأما إذا قال أعتقوا عني عبدا فإن لم يضفه إلى عبيده ولا إلى جماعة سواهم فهو كالمعتق في الكفارة وإن قال أعتقوا أحد عبيدي احتمل أن نقول بإخراجه بالقرعة كمسألتنا واحتمل أن يرجع فيه إلى اختيار الورثة وأصل الوجهين ما لو وصى لرجل بعبد من عبيده هل يعطى أحدهم بالقرعة أو يرجع إلى اختيار الورثة وسيأتي الكلام عليها والفرق بين مسألتنا وبين هذه المسألة على هذا الوجه أنه جعل الأمر إلى الورثة حيث أمرهم بالإعتاق فكانت الخيرة إليهم وفي مسألتنا لم يجعل لهم من الأمر شيئا فلا يكون لهم خيرة فصل ونقل صالح عن أبيه فيمن له غلامان اسمهما واحد فقال فلان حر بعد موتي وله مائتا درهم ولم يعينه يقرع بينهما فيعتق من خرجت له القرعة وليس له من المائتين شيء ووجه ذلك والله أعلم أن الوصية بالمائتين وقعت لغير معين ولا تصح الوصية إلا المعين وقال القاضي يجب أن تصح هذه الوصية لأنها مستحقها حر في حال استحقاقها ونقل عن أحمد فيمن قال أعتقوا رقبة عني فلا يعتق عنه إلا مسلم وذلك لأن المطلق في كلام الآدمي يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ولما أمر الله تعالى بتحرير رقبة لم يتناول إلا المسلم فكذلك الآدمي مسألة قال ( وإذا أوصى أن يشتري عبد زيد بخمسمائة فيعتق فلم يبعه سيده فالخمسمائة للورثة وإن اشتروه بأقل فما فضل فهو للورثة ) أما إذا تعذر شراؤه إما لامتناع سيده من بيعه أو من بيعه بالخمسمائة وإما لموته أو لعجز الثلث عن ثمنه فالثمن للورثة لأن الوصية بطلت لتعذر العمل بها فأشبه ما لو وصى لرجل فمات قبل موت الموصي أو بعده ولم يدع وارثا ولا يلزمهم شراء عبد آخر لأن الوصية لمعين فلا تصرف إلى غيره وأما إن اشتروه بأقل فالباقي للورثة وقال الثوري يدفع جميع الثمن إلى سيد العبد لأنه قصد إرفاقه بالثمن محاباته ومحاباته به فأشبه ما لو قال بيعوه عبدي بخمسمائة وقيمته أكثر منها وكما لو أوصى أن يحج عنه فلان حجة بخمسمائة وقال إسحاق يجعل بقية الثمن في العتق كما لو أوصى أن يحج عنه بخمسمائة رد ما فضل في الحج

قسم V06/P127–V06/P128

ولنا أنه أمر بشرائه بخمسمائة فكان ما فضل من الثمن راجعا إليه كما لو وكل في شرائه في حياته وفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه رجل بخمسمائة لأن القصد ثم إرفاق الذي يحج بالفضلة وفي مسألتنا المقصود العتق ويفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه بخمسمائة لغير معين لأن الوصية ثم للحج مطلقا فصرف جميعها فيه وهاهنا لمعين فلا تتعداه وقوله إنه قصد إرفاق زيد بالثمن ومحاباته به فنقول الصحيح أنه إن كانت ثم قرينة تدل على ذلك إما لكون البائع صديقا له أو ذا حاجة أو من أهل الفضل الذين يقصدون بهذا أو عين هذا الثمن وهو يعلم حصول العبد بدونه لقلة قيمته فإنه يدفع جميع الثمن إلى زيد كما لو صرح بذلك فقال وادفعوا إليه جميعها وإن بذله بدونها وإن انعدمت هذه القرائن فالظاهر أنه إنما قصد العتق وقد حصل فكان الفاضل عائدا إليه كما لو أمره بالشراء في حياته فصل وإن وصى أن يشتري عبد بألف فيعتق عنه فلم يخرج من ثلثه اشترى عبد بما يخرج من الثلث وبه قال الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة تبطل الوصية لأنه أمر بشراء عبد بألف فلا يجوز للمأمور الشراء بدونه كالوكيل ولنا إنها وصية يجب تنفيذها إذا احتملها الثلث فإذا لم يحتملها وجب تنفيذها فيما حمله كما لو وصى بعتق عبده يحمله الثلث وفارق الوكالة فإنه لو وكله في إعتاق ع بد لم يملك إعتاق بعضه ولو أوصى بإعتاق عبد لأعتق منه ما يحتمله الثلث فأما إن حمله الثلث فاشتراه وأعتقه ثم ظهر على الميت دين يستغرق المال فالوصية باطلة ويرد العبد إلى الرق إن كان اشتراه بعين المال لأننا تبينا أن الشراء باطل بكونه اشترى بمال مستحق للغرماء بغير إذنهم وإن كان الشراء في الذمة صح الشراء ونفذ العتق وعلى المشتري غرامة ثمنه ولا يرجع به على أحد لأن البائع ما غره إنما غره الموصي ولا تركة له فيرجع عليها وهذا مذهب الشافعي ويحتمل أن يشارك الغرماء في التركة ويضرب معهم بقدر دينه لأن الدين لزمه بتغرير الموصي فيرجع به عليه فإذا كان ميتا لزمه في تركته كأرش جنايته فصل وإن وصى بشراء عبد وأطلق أو وصى ببيع عبده وأطلق فالوصية باطلة لأن الوصية لا بد لها من مستحق ولا مستحق هاهنا وإن وصى ببيعه بشرط العتق صحت الوصية وبيع كذلك لأن في البيع هاهنا نفعا للعبد بالعتق فإن لم يوجد من يشتريه كذلك بطلت الوصية لتعذرها كما لو وصى بشراء عبد ليعتق فلم يبعه سيده وإن وصى ببيعه لرجل بعينه بثمن معلوم بيع به لأنه قد قصد إرفاقه بذلك وإن لم يسم ثمنا بيع بقيمته وتصح الوصية لكونه قصد إيصال العبد بعينه إلى رجل بعينه فيحتمل أن يتعلق الغرض بإرفاق العبد بإيصاله إلى من هو معروف بحسن الملكة وإعتاق الرقاب ويحتمل أنه يريد إرفاق المشتري لمعنى يحصل له من العبد فإن تعذر بيعه لذلك الرجل أو أبى أن يشتريه بالثمن أو بقيمته إن لم يعين الثمن بطلت الوصية لما ذكرنا مسألة قال ( وإذا أوصى لرجل بعبد لا يملك غيره وقيمته مائة ولآخر بثلث ماله وملكه غير العبد مائتا درهم فأجاز الورثة ذلك فلمن أوصى له بالثلث ثلث المائتين وربع العبد ولمن أوصى له بالعبد ثلاثة أرباعه وإن لم يجز الورثة ذلك فلمن أوصى له بالثلث سدس المائتين وسدس العبد لأن وصيته في الجميع ولمن أوصى له بالعبد نصفه لأن وصيته في العبد )

قسم V06/P128–V06/P129

وجملته أنه إذا أوصى لرجل بمعين من ماله ولآخر بجزء مشاع منه كثلث المال وربعه فأجيز لهما انفرد صاحب المشاع بوصيته من غير المعين ثم شارك صاحب المعين فيه فيقتسمانه بينهما على قدر حقيهما فيه ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر ماله في الوصية كمسائل العول وكما لو أوصى لرجل بماله ولآخر بجزء منه فأما في حال الرد فإن كانت وصيتهما لا تجاوز الثلث مثل أن يوصي لرجل بسدس ماله ولآخر بمعين قيمته سدس المال فهي كحال الإجازة سواء إذ لا أثر للرد وإن جاوزت ثلثه رددنا وصيتهما إلى الثلث وقسمناه بينهما على قدر وصيتهما إلا أن صاحب المعين يأخذ نصيبه من المعين والآخر يأخذ حقه من جميع المال هذا هو قول الخرقي وسائر الأصحاب ويقوى عندي أنهما في حال الرد يقتسمان الثلث على حسب مالهما في الإجازة وهذا قول ابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة ومالك في الرد يأخذ صاحب المعين نصيبه منه ويضم الآخر سهامه إلى سهام الورثة ويقتسمون الباقي على خمسة في مثل مسألة الخرقي لأن له السدس وللورثة أربعة أسداس وهو مثل قول الخرقي إلا أن الخرقي يعطيه السدس من جميع المال وعندهما أنه يأخذ خمس المائتين وعشر العبد واتفقوا على أن كل واحد من الوصيين يرجع إلى نصف وصيته لأن كل واحد منهما قد أوصى له بثلث المال وقد رجعت الوصيتان إلى الثلث وهو نصف الوصيتين فيرجع كل واحد إلى نصف وصيته ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر ماله في الوصية وفي قول الخرقي رحمة الله عليه يأخذ كل واحد منهما نصف وصيته من المحل الذي وصى له منه وصاحب الثلث يأخذ سدس الجميع لأنه وصى له بثلث الجميع وأما على قولنا فإن وصية صاحب العبد دون وصية صاحب الثلث لأنه وصى له بشيء أشرك معه غيره فيه كله وصاحب الثلث أفرده بشيء لم يشاركه فيه غيره فوجب أن يقسم بينهما الثلث حالة الرد على حسب مالهما في حال الإجازة كما في سائر الوصايا ففي مسألتنا هذه لصاحب الثلث ثلث المائتين ستة وستون وثلثان لا يزاحمه الآخر فيها ويشتركان في العبد لهذا ثلثه وللآخر جميعه فابسطه من جنس الكسر وهو الثلث يصير العبد ثلاثة واضمم إليها الثلث الذي للآخر يصير أربعة ثم اقسم العبد على أربعة أسهم يصير الثلث ربعا كما في مسائل العول وفي حال الرد ترد وصيتهما إلى ثلث المال وهو نصف وصيتهما فيرجع كل واحد إلى نصف وصيته فيرجع صاحب الثلث إلى سدس الجميع ويرجع صاحب العبد إلى نصفه وفي قولنا يضرب مخرج الثلث في محرج الربع يكن اثنا عشر ثم في ثلاثة تكن ستة وثلاثين فلصاحب الثلث ثلث المائتين وهو ثمانية من أربعين وربع العبد وهو ثلاثة أسهم صار له أحد عشر ولصاحب العبد ثلاثة أرباعه وذلك تسعة أسهم فيضمها إلى سهام صاحب الثلث صار الجميع عشرين سهما ففي حال الرد تجعل الثلث عشرين سهما والمال كله ستون فلصاحب العبد تسعة من العبد وهو ربعه وخمسه ولصاحب الثلث ثمانية من الأربعين وهي خمسها وثلاثة من العبد وذلك عشره ونصف عشره وإن كانت وصية صاحب المشاع بالنصف فله في حال الإجازة مائة وثلث العبد ولصاحب العبد ثلثاه وفي الرد لصاحب المشاع خمس المائتين وخمس العبد ولصاحب العبد خمساه وعلى الوجه الآخر لصاحب المشاع ربع المائتين وسدس العبد ولصاحب العبد ثلثه وطريقها أن تنسب الثلث إلى ما حصل لهما في الإجازة ثم تعطي كل واحد مما حصل له في الإجازة مثل تلك النسبة وعلى الوجه الأول تنسب الثلث إلى وصيتهما ثم تعطي كل واحد في الرد مثل الخارج بالنسبة وبيانه في هذه المسألة أن نسبة الثلث إلى وصيتهما بالخمسين لأن النصف والثلث خمسة من ستة فالثلث خمساها فلصاحب العبد خمسا العبد لأنه وصيته ولصاحب النصف الخمس لأنه خمسا وصيته

قسم V06/P129–V06/P130

وعلى الوجه الآخر قد حصل لهما في الإجازة الثلثان ونسبة الثلث إليهما بالنصف فلكل واحد منهما مما حصل له في الإجازة نصفه وقد كان لصاحب المشاع من المائتين نصفها فله ربعها وكان له من العبد ثلثه فصار له سدسه وكان لصاحب العبد ثلثاه فصار له ثلثه وإن كانت المسألة بحالها وملكه غير العبد ثلاثمائة ففي الإجازة لصاحب المشاع مائة وخمسون وثلث العبد ولصاحب العبد ثلثاه وفي الرد لصاحب المشاع تسعا المال كله ولصاحب العبد أربعة أتساعه على الوجه الأول وعلى الوجه الثاني لصاحب العبد أربعة وسدسه وللآخر ثمنه ونصف سدسه ومن المال ثمانون وهي ربعها وسدس عشرها وإن وصى لرجل بجميع ماله ولآخر بالعبد ففي الإجازة لصاحب العبد نصفه والباقي كله للآخر وفي الرد يقسم الثلث بينهما على خمسة لصاحب العبد خمسه وهو ربع العبد وسدس عشره وللآخر أربعة أخماسه فله من العبد مثل ما حصل لصاحبه ومن كل مائة مثل ذلك وهو ثمانون دينارا ولو خلف عبدا قيمته مائة ومائتين ووصى لرجل بمائة وبالعبد كله ووصى بالعبد لآخر ففي حال الإجازة يقسم العبد بينهما نصفين وينفرد صاحب الثلث بثلث الباقي وفي الرد للموصى له بالعبد ثلثه وللآخر ثلثه وثلث المائة وعلى الوجه الآخر لصاحب العبد ربعه وللآخر ربعه ونصف المائة يرجع كل واحد منهما إلى نصف وصيته فإن لم تزد الوصيتان على الثلث كرجل خلف خمسمائة وعبدا قيمته مائة ووصى لرجل بسدس ماله ولآخر بالعبد فلا أثر للرد هاهنا ويأخذ صاحب المشاع سدس المال وسبع العبد والآخر ستة أسباعه وإن وصى لصاحب المشاع بخمس المال فله مائة وسدس العبد ولصاحب العبد خمسة أسداسه ولا أثر للرد أيضا لأن الوصيتين لم يخرج بهما من المال أكثر من ثلثه مسألة قال ( ومن أوصى لقرابته فهو للذكر والأنثى بالسوية ولا يجاوز بها أربعة آباء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز بني هاشم بسهم ذي القربى ) وجملته أن الرجل إذا أوصى لقرابته أو لقرابة فلان كانت الوصية لأولاده وأولاد أبيه وأولاد جده وأولاد جد أبيه ويستوي فيه الذكر والأنثى ولا يعطى من هو أبعد منهم شيئا فلو وصى لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أولاده وأولاد عبد المطلب وأولاد هاشم ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا لأن الله تعالى لما قال ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى الحشر 7 يعني قرباء النبي صلى الله عليه وسلم أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين ذكرناهم ولم يعط من هو أبعد منهم كبني عبد شمس ونوفل شيئا إلا أنه أعطى بني المطلب وعلل عطيتهم بأنهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام ولم يعط قرابة أمه وهم بنو زهرة شيئا ولم يعط منهم إلا مسلما فحمل مطلق كلام الموصي على ما حمل عليه المطلق من كلام الله تعالى وفسر بما فسر به ويسوي بين قريبهم وبعيدهم وذكرهم وأنثاهم لأن الوصية لهم سواء ويدخل في الوصية الكبير والصغير والغني والفقير ولا يدخل الكفار لأنهم لم يدخلوا في المستحق من قربى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نقل عبد الله وصالح عن أبيهما رواية أخرى أنه يصرف إلى قرابة أمه إن كان يصلهم في حياته كأخواله وخالاته وأخواته من أمه وإن كان لا يصلهم لم يعطوا شيئا لأن عطيته لهم في حياته قرينة دالة على صلته لهم بعد مماته وإلا فلا وعنه رواية أخرى أنه يجاوز بها أربعة آباء ذكرها ابن أبي موسى في الإرشاد وهذه الرواية تدل على أن لفظه لا يتقيد بالقيد الذي ذكرناه فعلى هذا يعطى كل من يعرف بقرابته من قبل أبيه وأمه الذين ينسبون إلى الأب الأدنى الذي ينسب إليه وهذا مذهب الشافعي لأنهم قرابة فيتناولهم الاسم ويدخلون في عمومه وإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم لبعض قرابته تخصيص لا يمنع من العموم في غير ذلك الموضع

قسم V06/P130–V06/P132

وقد قال أبو حنيفة قرابته كل ذي رحم محرم فيعطى من أدناهم اثنان فصاعدا فإذا كان له عمان وخالان فالوصية لعميه وإن كان له عم وخالان فلعمه النصف ولخاليه النصف وقال قتادة للأعمام الثلثان وللأخوال الثلث وبه قال الحسن قال ويزاد الأقرب بعض الزيادة وقال مالك يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد ولنا إن هذا الاسم له عرف في الشرع وهو ما ذكرناه فيجب حمله عليه وتقديمه على العرف اللغوي كالوضوء والصلاة والصوم والحج ولا وجه لتخصيصه بذي الرحم المحرم فإن اسم القرابة يقع على غيرهم عرفا وشرعا وقد تحرم على الرجل ربيبته وأمهات نسائه وحلائل آبائه وأبنائه ولا قرابة لهم وتحل له ابنة عمه وعمته وابنة خاله وخالته وهن من أقاربه وما ذكره من التفصيل لا يقتضيه اللفظ ولا يدل عليه دليل فالمصير إليه تحكم فأما إن كان في لفظه ما يدل على إرادة قرابة أمه كقوله وتفضل قرابتي من جهة أبي على قرابتي من جهة أمي أو قوله إلا ابن خالتي فلانا أو نحو ذلك أو قرينة تخرج بعضهم عمل بما دلت عليه القرينة لأنها تصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره فصل فإن وصى لأقرب أقاربه أو أقرب الناس إليه أو أقربهم به رحما لم يدفع إلى الأبعد مع وجود الأقرب فيقدم الأب على كل من أدلى به من الأجداد والإخوة والأعمام والابن مقدم عليهم وعلى كل من أدلى به ويستوي الأب والابن لأن كل واحد منهما يدلي بنفسه من غير واسطة ويحتمل أن يقدم الابن لأنه يسقط تعصيب الأب والأول أولى لأن إسقاط تعصيبه لا يمنع مساواته في القرب ولا كونه أقرب منه بدليل أن ابن الابن يسقط تعصيبه مع بعده ويقدم الابن على الجد والأب على ابن الابن وقال أصحاب الشافعي رضي الله عنه يقدم ابن الابن على الأب في أحد الوجهين لأنه يسقط تعصيبه ولنا إن الأب يدلي بنفسه ويلي ابنه من غير حاجز ولا يسقط ميراثه بحال بخلاف ابن الابن والأب والأم سواء وكذلك الابن والبنت والجد أبو الأب وأبو الأم وأم الأب وأم الأم كلهم سواء ثم من بعد الأولاد أولاد البنين وإن سفلوا الأقرب فالأقرب الذكور والإناث وفي أولاده البنات وجهان بناء على دخولهم في الوقف ثم من بعد الولد الأجداد الأقرب منهم فالأقرب لأنهم العمود الثاني ثم الإخوة والأخوات لأنهم ولد الأب أو من ولد الأم ثم ولدهم وإن سفلوا ولا شيء لولد الأخوات إذا قلنا لا يدخل ولد البنات وإذا تساوت درجتهم فأولاهم ولد الأبوين ويسوى بين ولد الأب وولد الأم لأنهما على درجة واحدة وكذلك ولداهما والأخ للأب أولى من ابن الأخ من الأبوين كما في الميراث ثم بعدهم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا يستوي العم من الأب والعم من الأم وكذلك أبناؤهما وعلى هذا الترتيب ذكره القاضي وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه إلا أنه يرى دخول ولد البنات والأخوات والأخوال والخالات وهذا القول إنما يخرج في مذهب أحمد على الرواية الثالثة التي تجعل القرابة فيها كل من يقع عليهم اسم القرابة فأما على الرواية التي اختارها الخرقي وأن القرابة اسم لمن كان من أولاد الآباء فلا يدخل فيه الأم ولا أقاربها لأن من لم يكن من القرابة لم يكن أقرب القرابة فعلى هذا تتناول الوصية من كان أقرب من أولاد الموصي وأولاد آبائه إلى أربعة آباء ولا يعدوهم ذلك وإن وصى لجماعة من أقرب الناس إليه أعطى لثلاثة من أقرب الناس إليه وإن وجد أكثر من ثلاثة في درجة واحدة كالإخوة فالوصية لجميعهم لأن بعضهم ليس بأولى من بعض والاسم يشملهم وإن لم يوجد ثلاثة في درجة واحدة كملت من الثانية وإن كانت في الدرجة الثانية جماعة سوي بينهم لما ذكرنا في الدرجة الأولى وإن لم يكمل من الثانية فمن الثالثة فإذا وجد ابن وأخ وعم فالوصية بينهم أثلاثا وكذلك إن كان ابن وأخوان وإن كان ابن وثلاثة إخوة دخل جميعهم في الوصية وينبغي أن يكون للابن ثلث الوصية ولهم ثلثاها فإن كان الابن وارثا سقط حقه من الوصية إن لم يجز له والباقي للإخوة وإن وصى لعصبته فهو لمن يرثه بالتعصيب في الجملة سواء كانوا ممن يرث في الحال أو لم يكن ويسوى بين قريبهم وبعيدهم لشمول اللفظ لهم ولا خلاف في أنهم لا يكونون من جهة الأم بحال

قسم V06/P132–V06/P133

مسألة قال ( وإن قال لأهل بيتي أعطي من قبل أبيه وأمه ) يعني تعطى أمه وأقاربها الأخوال والخالات وآباء أمه وأولادهم وكل من يعرف بقرابته والمنصوص عن أحمد فيما وقفنا عليه التسوية بين هذا اللفظ ولفظ القرابة فإنه قال في رواية عبد الله إذا أوصى بثلث ماله لأهل بيته هو بمثابة قوله لقرابتي وحكاه ابن المنذر عن أحمد وقال أحمد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لي ولا لأهل بيتي فجعل سهم ذي القربى لهم عوضا عن الصدقة التي حرمت عليهم فكان ذوو القربى الذين سماهم الله تعالى هم أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة وذكر حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أذكركم الله في أهل بيتي قال قلنا من أهل بيته نساؤه قال لا أصله وعشيرته الذين حرمت عليهم الصدقة آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس وقال القاضي قال ثعلب أهل البيت عند العرب آباء الرجل وأولادهم كالأجداد والأعمام وأولادهم ويستوي فيه الذكور والإناث وذكر القاضي أن أولاد الرجل لا يدخلون في اسم القرابة ولا أهل بيته وليس هذا بشيء فإن ولد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته وأقاربه الذين حرموا الصدقة وأعطوا من سهم ذي القربى وهم من أقرب أقاربه فكيف لا يكونون من أقاربه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وولديها وزوجها اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ولو وقف على أقارب رجل أو أوصى لأقاربه دخل فيه ولده بغير خلاف علمته والخرقي عدهم في القرابة بقوله لا يجاوز بها أربعة آباء لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز بني هاشم بسهم ذي القربى فجعل هاشما الأب الرابع ولا يكون رابعا إلا أن يعد النبي صلى الله عليه وسلم أبا لأن هاشما إنما هو رابع النبي صلى الله عليه وسلم فصل وإن وصى لآله فهو مثل قرابته فإن في بعض ألفاظ زيد بن أرقم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أصله وعشيرته الذين حرموا الصدقة بعده آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل والأصل في آهل أهل فقلبت الهاء همزة كما قالوا أهرقت الماء وأرقته ومدت لئلا تجتمع همزتان وإن وصى لعترته فقد توقف أحمد في ذلك وهو في عرف الناس عشيرته الأدنون وولده الذكور والإناث وإن سفلوا فتصرف الوصية إليهم وبذلك فسره ابن قتيبة قال ويدل على ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه نحن عترة النبي صلى الله عليه وسلم وبيضته التي تفقأت عنه وقال ثعلب وابن الأعرابي العترة الأولاد وأولاد الأولاد ولم يدخلا في ذلك العشيرة والأول أصح وأشهر في عرف الناس مع أنه قد دل على صحته قول أبي بكر رضي الله عنه في محفل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره أحد وهم أهل اللسان فلا يعول على ما خالفه وإن وصى لقومه أو لنسبائه فقال أبو بكر هذا بمثابة أهل بيته وقال القاضي إذا قال لرحمي أو لأرحامي أو لأنسابي أو لمناسبي صرف إلى قرابته من قبل أبيه وأمه ويتعدى ولد الأب الخامس فعلى هذا يصرف إلى كل من يرث بفرض أو تعصيب أو بالرحم في حال من الأحوال وقول أبي بكر في المناسبين أولى من قول القاضي لأن ذلك في العرف يطلق على من كان من العشيرة التي ينتسبان إليها وإذا كان كل واحد منهما ينتسب إلى قبيلة غير قبيلة صاحبه فليس بمناسب له فصل فإن وصى لمواليه وله موال من فوق وهم معتقوه فالوصية لهم لأن الاسم يتناولهم وقد تعينوا بوجودهم دون غيرهم وإن لم يكن له إلا موال من أسفل فهو لهم كذلك وإن اجتمعوا فالوصية لهم جميعا يستوون فيها لأن الاسم يشمل جميعهم وقال أصحاب الرأي الوصية باطلة لأنها لغير معين وقال أبو ثور يقرع بينهما لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر وقال ابن القاسم هي للمولى من أسفل ولأصحاب الشافعي أربعة أوجه كقولنا وقول أصحاب الرأي

قسم V06/P133–V06/P134

والثالث هي للموالي من فوق لأنهم أقوى بدليل أنهم عصبة ويرثونه بخلاف عتقائه والرابع يقف الأمر حتى يصطلحوا ولنا إن الاسم يتناول الجميع حقيقة وعرفا فدخلوا في الوصية كما لو وصى لإخوته وقولهم غير معين غير صحيح فإن من التعميم يحصل التعيين ولذلك لو حلف لا كلمت موالي حنث بكلام أيهم كان وقولهم إن المولى من فوق أقوى قلنا مع شمول الاسم لهم يدخل فيه الأقوى والأضعف كإخوته ولا شيء لابن العم ولا للناصر ولا لغير من ذكرنا لأن الاسم إن لم يتناولهم حقيقة لم يتناولهم عرفا والأسماء العرفية تقدم على الحقيقة ولا يستحق مولى ابنه مع وجود مواليه وقال زفر يستحق ولا يصح لأن مولى ابنه ليس بمولى له حقيقة إذا كان له مولى سواه فإن لم يكن له مولى فقال الشريف أبو جعفر يكون لموالي أبيه وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء له لأنه ليس بمولى له واحتج الشريف بأن الاسم يتناول موالي أبيه مجازا فإذا تعذرت الحقيقة وجب صرف الاسم إلى مجازه والعمل به تصحيحا لكلام المكلف عند إمكان تصحيحه ولأن الظاهر إرادته المجاز لكونه محملا صحيحا وإرادة الصحيح أغلب من إرادة الفاسد فإن كان له موالي وموالي أب حين الوصية ثم انقرض مواليه قبل الموت لم يكن لموالي الأب شيء على مقتضى ما ذكرناه لأن الوصية كانت لغيرهم فلا تعود إليهم إلا بعقد ولم يوجد ولا يشبه هذا قوله أوصيت لأقرب الناس إلي وله ابن وابن ابن فمات الابن حيث يستحق ابن الابن وإن كان لا يستحق مع حياة الابن شيئا لأن الوصية هاهنا لموصوف بصفة وجدت في ابن الابن كوجودها في الابن حقيقة وفي المولى يقع الاسم على مولى نفسه حقيقة وعلى مولى أبيه مجازا فمع وجودهم جميعا لا يحمل اللفظ إلا على الحقيقة وهذه الصفة توجد في مولى أبيه قال الشريف ويدخل في الوصية للموالي مدبره وأم ولده لأن الوصية إنما تستحق بعد الموت وهم حينئذ موال في الحقيقة فصل وإن وصى لجيرانه فهم أهل أربعين دارا من كل جانب نص عليه أحمد وبه قال الأوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة الجار الملاصق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجار أحق بصقبه يعني الشفعة وإنما تثبت للملاصق ولأن الجار مشتق من المجاورة وقال قتادة الجار الدار والداران وروي عن علي رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد قال من سمع النداء وقال سعيد بن عمرو بن جعدة من سمع الإقامة وقال أبو يوسف الجيران أهل المحلة في مسجدين صغيرين متقاربين فالجميع جيران وإن كانا عظيمين فكل أهل مسجد جيران وأما الأمصار التي فيها القبائل فالجوار على الأفخاذ ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وهذا نص لا يجوز العدول عنه إن صح وإن لم يثبت الخبر فالجار هو المقارب ويرجع في ذلك إلى العرف فصل وإن وصى لأهل دربه أو سكته فهم أهل المحلة الذين طريقهم في دربه فصل وإن وصى لأصناف الزكاة المذكورين في القرآن فهم الذين يستحقون من الزكاة وينبغي أن يجعل لكم صنف ثمن الوصية كما لو وصى لثمان قبائل والفرق بين هذا وبين الزكاة حيث يجوز الاقتصار على صنف واحد أن آية الزكاة أريد بها بيان من يجوز الدفع إليه والوصية أريد بها بيان من يجب الدفع إليه ويجوز الاقتصار من كل صنف على واحد لأنه لا يمكن استيعابهم وحكي هذا عن أصحاب الرأي وعن محمد بن الحسن أنه قال لا يجوز الدفع إلى أقل من اثنين

قسم V06/P134–V06/P135

وحكى أبو الخطاب رواية ثانية عن أحمد أنه لا يجوز الدفع إلى أقل من ثلاثة من كل صنف وهو مذهب الشافعي وأصل هذا الاختلاف في الزكاة وقد ذكرناه ولا يجوز الصرف إلا إلى المستحق من أهل بلده وإن وصى للفقراء وحدهم دخل فيه المساكين وإن أوصى للمساكين دخل فيه الفقراء لأنهم صنف واحد فيما عدا الزكاة إلا أن يذكر الصنفين جميعا فيدل ذلك على أنه أراد المغايرة بينهما ويستحب تعميم من أمكن منهم والدفع إليهم على قدر الحاجة والبداية بأقارب الموصي على ما ذكرنا في باب الزكاة فصل وإن أوصى بشيء لزيد وللمساكين فلزيد نصف الوصية وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد وعن محمد لزيد ثلثه وللمساكين ثلثاه لأن أقل الجمع اثنان وقال الشافعي يكون كأحدهم إن عمهم أعطاه كواحد منهم وإن قسم على ثلاثة منهم جعله كأحدهم وحكى أصحابه وجهين آخرين أحدهما كمذهبنا والثاني له ربع الوصية لأن أقل الجمع ثلاثة فإذا انضم إليهم صاروا أربعة ولنا إنه جعل الوصية لجهتين فوجب أن يقسم بينهم كما لو قال لزيد وعمرو ولأنه لو وصى لقريش وتميم لم يشرك بينهم على قدر عددهم ولا على قدر من يعطي منهم بل يقسم بينهم نصفين كذلك هاهنا وإن كان زيد مسكينا لم يدفع إليه من سهم المساكين شيء وبه قال الحسن وإسحاق لأن عطفهم عليه يدل على المغايرة بينهما إذ الظاهر المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ولأن تجويز ذلك يفضي إلى تجويز دفع الجميع إليه ولفظه يقتضي خلاف ذلك فأما إن كانت الوصية لقوم يمكن استيعابهم وحصرهم مثل أن يقول هذا لزيد وإخوته فيحتمل أنه يكون كأحدهم لأنه شرك بينه وبينهم على وجه لا يجوز الإخلال ببعضهم فتساووا فيه كما لو قال هذا لكم ويحتمل أن يكون كالتي قبلها فصل وإن قال اشتروا بثلثي رقابا فأعتقوهم لم يجز صرفه إلى المكاتبين لأنه وصى بالشراء لا بالدفع إليهم فإن اتسع الثلث لثلاثة لم يجز أن يشتري أقل منها لأنها أقل الجمع وإن قدرت على أن تشتري أكثر من ثلاثة بثمن ثلاثة غالية كان أولى وأفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق أمرأ مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ولأنه يفرج عنه نفس زائدة فكان أفضل من عدم ذلك وإن أمكن شراء ثلاثة رخيصة وحصة من الرابعة بثمن ثلاثة غالية فالثلاثة أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الرقاب قال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها والقصد من العتق تكميل الأحكام من الولاية والجمعة والحج والجهاد وسائر الأحكام التي تختلف بالرق والحرية ولا يحصل ذلك إلا بإعتاق جميعه وهذا التفضيل والله أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم للغالية إنما يكون مع التساوي في المصلحة فأما إن ترجح بعضهم بدين وعفة وصلاح ومصلحة له في العتق بأن يكون مضرورا بالرق فله صلاح في العتق وغيره له مصلحة في الرق ولا مصلحة له في العتق وربما تضرر به من فوات نفقته وكفالته ومصالحه وعجزه بعد العتق عن الكسب وخروجه عن الصيانة والحفظ فإن إعتاق من كثرت المصلحة في إعتاقه أفضل وأولى وإن قلت قيمته ولا يسوغ إعتاق من في إعتاقه مفسدة لأن مقصود الموصي تحصيل الثواب والأجر ولا أجر في إعتاق هذا ولا يجوز أن يعتق إلا رقبة مسلمة لأن الله تعالى لما قال فتحرير رقبة لم يتناول إلا المسلمة ومطلق كلام الآدمي محمول على مطلق كلام الله تعالى ولا يجوز إعتاق معيبة عيبا يمنع الإجزاء في الكفارة لما ذكرنا والله أعلم فصل ونقل المروذي عن أحمد فيمن أوصى بثلثه في أبواب البر يجزأ ثلاثة أجزاء جزء في الجهاد وجزء يتصدق به في قرابته وجزء في الحج وقال في رواية أبي داود الغزو يبدأ به وحكي عنه أنه جعل جزءا في فداء الأسرى وهذا والله أعلم ليس على سبيل اللزوم والتحديد بل يجوز صرفه في جهات البر كلها لأن اللفظ للعموم فيجب حمله على عمومه

قسم V06/P135–V06/P137

ولا يجوز تخصيص العموم بغير دليل وربما كان غير هذه الجهات أحوج من بعضها وأحق وقد تدعو الحاجة إلى تكفين ميت وإصلاح طريق وفك أسير وإعتاق رقبة وقضاء دين وإغاثة ملهوف أكثر من دعائها إلى حج من لا يجب عليه الحج فيكلف وجوب ما لم يكن عليه واجبا وتعبا كان الله قد أراحه منه من غير مصلحة تعود على أحد من خلق الله فتقديم هذا على ما مصلحته ظاهرة والحاجة إليه داعية بغير دليل تحكم لا معنى له وإذا قال ضع ثلثي حيث يريك الله فله صرفه في أي جهة من جهات القرب رأى وضعه فيها عملا بمقتضى وصيته وذكر القاضي أنه يجب صرفه إلى الفقراء والمساكين والأفضل صرفه إلى فقراء أقاربه فإن لم يجد فإلى محارمه من الرضاع فإن لم يكن فإلى جيرانه وقال أصحاب الشافعي يجب ذلك لأنه رده إلى اجتهاده فيما فيه الحظ وهذا أحظ ولنا أنه قد يرى غير هذا أهم منه وأصلح فلا يجوز تقييده بالتحكم ونقل أبو داود عن أحمد أنه سئل عن رجل أوصى بثلثه في المساكين وله أقارب محاويج لم يوص لهم بشيء ولم يرثوا فإنه يبدأ بهم فإنهم أحق قال وسئل عن النصراني يوصي بثلثه للفقراء من المسلمين أيعطي إخوته وهم فقراء قال نعم هم أحق يعطون خمسون درهما لا يزادون على ذلك يعني لا يزاد كل واحد منهم على ذلك لأنه القدر الذي يحصل به الغنى مسألة قال ( وإذا وصى أن يحج عنه بخمسمائة فما فضل رد في الحج ) وجملته أنه إذا أوصى أن يحج عنه بقدر من المال وجب صرف جميع ذلك في الحج إذا حمله الثلث لأنه وصى بجميعه في جهة قربة فوجب صرفه فيها كما لو وصى به في سبيل الله وليس للولي أن يصرف إلى م نيحج أكثر من نفقة المثل لأنه أطلق التصرف في المعاوضة فاقتضى ذلك عوض المثل كالوكيل في البيع ثم لا يخلو إما أن يكون بقدر نفقة المثل لحجة واحدة فيصرف فيها أو ناقصا عنها فيحج به من حيث يبلغ في ظاهر منصوص أحمد فإنه قال في رواية حنبل في رجل أوصى أن يحج عنه ولا تبلغ النفقة فقال يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من أهل مدينته وهذا قول العنبري وقال القاضي يعان به في الحج وهو قول سوار القاضي حكاه عنه العنبري وعن أحمد أنه مخير في ذلك قال في رواية أبي داود في امرأة أوصت بحج لا يجب عليها أرى أن يؤخذ ثلث مالها فيعان به في الحج أو يحج من حيث يبلغ الحال الثالث أن يفضل عن الحجة فيدفع في حجة ثانية ثم في ثالثة إلى أن ينفد أو يبقى مالا يبلغ حجة فيحج عنه من حيث يبلغ على ما ذكرنا من الخلاف فيه ولا يستنيب في الحج مع الإمكان إلا من بلد المحجوج عنه لأنه نائب عن الميت وقائم مقامه فينوب عنه من موضع لو حج المنوب عنه لحج منه فإن كان الموصى به لا يحمله الثلث لم يخل من أن يكون الحج فرضا أو تطوعا فإن كان فرضا أخذ أكثر الأمرين من الثلث أو القدر الكافي لحج الفرض فإن كان الثلث أكثر أخذ ثم يصرف منه في الفرض قدر ما يكفيه ثم يحج بالباقي تطوعا حتى ينفد كما ذكرنا من قبل وإن كان الثلث أقل تمم قدر ما يكفي الحج من رأس المال وبهذا قال عطاء وطاوس والحسن وسعيد بن المسيب والزهري والشافعي وإسحاق قال سعيد بن المسيب والحسن كل واجب من رأس المال وقال ابن سيرين والنخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة وداود بن أبي هند إن وصى بالحج فمن ثلثه وإلا فليس على ورثته شيء فعلى قولهم إن لم يف الثلث بالموصى به وإلا لم يزد على الثلث لأن الحج عبادة فلا تلزم الوارث كالصلاة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه قال نعم

قسم V06/P137–V06/P138

قال فدين الله أحق أن يقضى والدين من رأس المال فما هو أحق منه أولى ولأنه واجب فكان من رأس المال كدين الآدمي وإن كان تطوعا أخذ الثلث لا غير إذا لم يجز الورثة ويحج به على ما ذكرنا فيما مضى فصل وإذا أوصى بحج واجب أو غيره من الواجبات كقضاء دين وزكاة وإخراج كفارة لم يخل من أربعة أحوال أحدها أو يوصي بذلك من صلب ماله فهذا تأكيد لما وجب بالشرع ويحج عنه من بلده وإن لم يف ماله بذلك أخذ ماله كله يدفع في الواجب كما لو لم يوص الثاني أن يوصي بأداء الواجب من ثلث ماله فيصح أيضا فإن لم تكن له وصية غير هذه لم تفد شيئا ويؤدى من المال كله كما لو لم يوص وإن كان قد أوصى بتبرع لجهة أخرى قدم الواجب وإن فضل من الثلث شيء فهو للتبرع وإن لم يفضل شيء سقطت وإن لم يف الثلث بالواجب أتم من رأس المال هكذا ذكر القاضي وقال أبو الخطاب يزاحم بالواجب أصحاب الوصايا فيحتمل أنه أراد مثل ما ذكر القاضي ويحتمل أنه أراد أن الثلث يقسم بين الوصايا كلها الواجب والتبرع بالحصص فما حصل للواجب أتم من رأس المال فيدخله الدور وتعمل بالجبر فتقول في رجل أوصى بحجة واجبة كفايتها عشرة من ثلثه ووصى بصدقة تطوع عشرة ومات فلم يخلف إلا ثلاثين فأعزل تتمة الواجب من المال وهي شيء مجهول وخذ ثلث الباقي عشرة إلا ثلث شيء واقسمه بين الوصيين لكل واحد خمسة إلا سدس شيء اضمم الشيء الذي عزلته إلى ما حصل للحجة فصار شيئا وخمسة إلا سدس شيء يعدل عشرة وخذ من الشيء سدسه فأجبر به بعض الخمسة يبقى خمسة أسداس شيء يعدل خمسه فالشيء إذا ستة ومتى أخذت ستة من ثلاثين بقي أربعة وعشرون ثلثها ثمانية لصاحب الصدقة نصفها أربعة وللواجب أربعة مع الستة صار الجميع عشرة فإن كان عليه أيضا دين خمسة عزلت تتمة الحج شيئا وتتمة الدين نصف شيء بقي ثلث المال عشرة إلا نصف شيء واقسمه بين الوصايا فيحصل للحج أربعة إلا خمس شيء اضمم إليها تتمته يصر شيئا وأربعة إلا خمس شيء يعدل عشرة وبعد الجبر يصير أربعة أخماس شيء تعدل ستة فرد على الستة ربعها تصر سبعة ونصفا يعدل شيئا فالشيء سبعة ونصف ونصف الشيء ثلاثة ونصف وربع وبقية المال ثمانية عشر وثلاثة أرباع ثلثها ستة وربع للدين خمسها واحد وربع إذا ضممت إليه تتمته كمل خمسة وللحج اثنان ونصف تكمل به تتمة وللصدقة اثنان ونصف وفي عملها طريق آخر وهو أن يقسم الثلث بكماله بين الوصايا بالقسط ثم ما بقي من الواجب أخذه من الورثة وصاحب التبرع بالقسط ففي المسألة الأولى يحصل للواجب خمسة يبقى له خمسة يأخذ من صاحب التبرع دينارا ومن الورثة أربعة وفي المسألة الثانية حصل للحج أربعة وبقي له ستة وحصل للدين ديناران وبقي له ثلاثة فيأخذان ما بقي لهما من الورثة ثلاثة ومن صاحب التبرع ثلاثة فيأخذ صاحب الحجة من الورثة أربعة ومن صاحب التبرع دينارين ويأخذ صاحب الدين دينارين من الورثة ودينارا من صاحب التبرع الثالث أن يوصي بالواجب ويطلق فهو من رأس المال فيبدأ بإخراجه قبل التبرعات والميراث فإن كان ثم وصية تبرع فلصاحبها ثلث الباقي وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وذهب بعضهم إلى أن الواجب من الثلث كالقسم الذي قبله لأنه إنما يملك الوصية بالثلث ولنا إن الحج كان واجبا من رأس المال وليس في وصيته ما يقتضي تغييره فيبقى على ما كان عليه كما لو لم يوص به وقولهم لا تملك الوصية إلا بالثلث قلنا في التبرع فأما في الواجبات فلا تنحصر في الثلث ولا تتقيد به القسم الرابع أن يوصي بالواجب ويقرن الوصية بالتبرع مثل أن يقول حجوا عني وأدوا ديني وتصدقوا عني ففيه وجهان

قسم V06/P138–V06/P139

أصحهما أن الواجب من رأس المال لأن الاقتران في اللفظ لا يدل على الاقتران في الحكم ولا في كيفيته ولذلك قال الله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده الأنعام 141 والأكل غير واجب والإيتاء واجب ولأته هاهنا قد عطف غير الواجب عليه فكما لم يستويا في الوجوب لا يلزم استواؤهما في محل الإخراج والثاني أنه من الثلث لأنه قرن به ما مخرجه من الثلث مسألة قال ( وإن قال حجة بخمسمائة فما فضل فهو لمن يحج ) وجملته أنه إذا أوصى أن يحج عنه بقدر من المال حجة واحدة وكان فيه فضل عن قدر ما يحج به فهو لمن يحج لأنه قصد إرفاقه بذلك فكأنه صرح فإن قال حجوا عني حجة واحدة بخمسمائة وما فضل منها فهو لمن يحج ثم إن عين من يحج عنه فقال يحج عني فلان بخمسمائة صرف ذلك إليه وإن لم يعين أحدا فللوصي صرفها إلى من شاء لأنه فوض إليه الاجتهاد إلا أنه لا يملك صرفها إلى وارث إذا كان فيها فضل إلا بإذن الورثة وإن لم يكن فيها فضل جاز لأنها لا محاباة فيها ثم ينظر فإن كان الحج للموصى به تطوعا فجميع القدر الموصى به من الثلث وإن كان واجبا فالزائد عن نفقة المثل يعتبر من الثلث وإن لم يف الموصى به بالحج الواجب أتم من رأس المال وإن كان تطوعا فإنه يحج به من حيث يبلغ على ما مضى فصل وإن عين رجلا أن يحج فأبى أن يحج بطل التعيين ويحج عنه بأقل ما يمكن إنسان ثقة سواه ويصرف الباقي إلى الورثة ولو قال المعني اصرفوا الحجة إلى من يحج وادفعوا الفضل إلي لأنه موصى به لي لم يصرف إليه شيء لأنه إنما أوصى له بالزيادة بشرط أن يحج فإذا لم يفعل لم يوجد الشرط ولم يستحق شيئا مسألة قال ( وإن قال حجوا عني حجة فما فضل رد إلى الورثة ) أما إذا أوصى بحجة ولم يذكر قدرا من المال فإنه لا يدفع إلى من يحج إلا قدر نفقة المثل لما ذكرناه وإن فضل عن ذلك فهو للورثة وهذا ينبني على أن الحج لا يجوز الاستئجار عليه إنما ينوب عنه فيه نائب فما ينفق عليه فيما يحتاج إليه فهو من مال الموصي وما بقي رده على ورثته وإن تلف المال في الطريق فهو من مال الموصي وليس على النائب إتمام المضي إلى الحج عنه وعلى الرواية الأخرى يجوز الاستئجار عليه فلا يستأجر إلا ثقة بأقل ما يمكن وما فضل فهو لمن يحج لأنه ملك ما أعطى بعد الإجارة وإن تلف المال في الطريق بعد قبض الأجير له فهو من ماله ويلزمه بإتمام الحج وإن قال حجوا عني ولم يقل حجة واحدة لم يحج عنه إلا حجة واحدة لأنه أقل ما يقع عليه الاسم فإن عين مع هذا من يحج عنه فقال يحج عني فلان فإنه يدفع إليه قدر نفقته من بلده إذا خرج من الثلث فإن أبى الحج إلا بزيادة تصرف إليه فينبغي أن يصرف إليه أقل قدر يمكن أن يحج به غيره وإن أبى الحج وكان واجبا استنيب غيره بأقل ما يمكن استنابته به وإن كان تطوعا احتمل بطلان الوصية لأنه عين لها جهة فإذا لم تقبلها بطلت الوصية كما لو قال بيعوا عبدي لفلان بمائة فأبى شراءه ويحتمل أن لا تبطل ويستناب غيره لأنه قصد القربة والتعيين فإذا بطل التعيين لم تبطل القربة كما لو قال بيعوا عبدي لفلان وتصدقوا بثمنه فلم يقبل فلان فإنه يباع لغيره ويتصدق به فصل وإذا أوصى لرجل أن يخرج عنه حجة لم يكن للوصي الحج بنفسه نص عليه أحمد كما لو قال تصدق علي لم يجز أن يتصدق عن نفسه وإن قال حج عني بما شئت صح وله ما شاء إلا أن لا يجيز الورثة فله الثلث

الأسئلة

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) · 80 · Qur'an & Sunnah