İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إنه عقد على فعل في عين فينفسخ بتلفها كما لو ماتت الدابة المستأجرة ولأن ما يستوفيه من اللبن إنما يتقدر بحاجة الصبي وحاجات الصبيان تختلف ولا تنضبط فلم يجز أن يقوم غيره مقامه كما لو أراد إبداله في حياته ولأنه لا يجوز إبداله في حياته فلم يجز بعد موته كالمرضعة بخلاف راكب الدابة وإن وجد أحد هذه الأمور قبل مضي شيء من المدة فعليها أجر رضاع مثله وعن مالك كقولنا وعنه لا يرجع بشيء وعن الشافعي كقولنا وعنه يرجع بالمهر ولنا إنه عوض معين تلف قبل قبضه فوجبت قيمته أو مثلها كما لو خالعها على قفير فهلك قبل قبضه فصل وإن خالعها على كفالة ولده عشر سنين صح وإن لم يذكر مدة الرضاع منها ولا قدر الطعام والأدم ويرجع عند الإطلاق إلى نفقة مثله وقال الشافعي لا يصح حتى يذكر مدة الرضاع وقدر الطعام وجنسه وقدر الأدم وجنسه ويكون المبلغ معلوما مضبوطا بالصفة كالمسلم فيه وما يحل منه كل يوم ومبنى الخلاف على اشتراط الطعام للأجير مطلقا وقد ذكرناه في الأجارة ودللنا عليه بقصة موسى عليه السلام وقول النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله أخي موسى آجر نفسه بطعام بطنه وعفة فرجة ولأن نفقة الزوجة مستحقة بطريق المعاوضة وهي غير مقدرة كذا ها هنا وللوالد أن يأخذ منها ما يستحقه من مؤونة الصبي وما يحتاج إليه لأنه بدل ثبت له في ذمتها فله أو يستوفيه بنفسه وبغيره فإن أحب أنفقه بعينه وإن أحب أخذه لنفسه وأنفق عليه غيره وإن أذن لها في إنفاقه على الصبي جاز فإن مات الصبي بعد انقضاء مدة الرضاع فلأبيه أن يأخذ ما بقي من المؤونة وهل يستحقه دفعة أو يوما بيوم فيه وجهان أحدهما يستحقه دفعة واحدة ذكره القاضي في الجامع واحتج بقول أحمد إذا خالعها على رضاع ولده فمات في أثناء الحولين قال يرجع عليها ببقية ذلك ولم يعتبر الأجل ولأنه إنما فرق لحاجة الولد إليه متفرقا إذا زالت الحاجة إلى التفريق استحق جملة واحدة والثاني لا يستحقه إلا يوما بيوم ذكره القاضي في المجرد وهو الصحيح لأنه ثبت منجما فلا يستحقه معجلا كما لو أسلم إليه في خبز يأخذه منه كل يوم أرطالا معلومة فمات المستحق له لأن الحق لا يحل بموت المستوفي كما لو مات وكيل صاحب الحق وإن وقع الخلاف في استحقاقه بموت من هو عليه ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان كهذين وإن ماتت المرأة خرج في استحقاقه في الحال وجهان كهذين بناء على أن الدين هل يحل بموت من هو عليه أم لا فصل والعوض في الخلع كالعوض في الصداق والبيع إن كان مكيلا أو موزونا لم يدخل في ضمان الزوج ولم يملك التصرف فيه إلا بقبضه وإن كان غيرهما دخل في ضمانه بمجرد الخلع وصح تصرفه فيه قال أحمد في امرأة قالت لزوجها اجعل أمري بيدي ولك هذا العبد ففعل ثم خيرت فاختارت نفسها بعدما مات العبد جائز وليس عليها شيء قال ولو أعتقت العبد ثم اختارت نفسها لم يصح عتقها له لأن ملكها زال عنه بجعلها له عوضا في الخلع ولم يضمنها إياه إذا تلف لأنه عوض معين غير مكيل ولا موزون قد حل في ضمان الزوج بمجرد العقد ويخرج فيه وجه أنه لا يدخل في ضمانه ولا يصح تصرفه فيه حتى يقبضه كما ذكرنا في عوض البيع وفي الصداق وأما المكيل والموزون فلا يصح تصرفه فيه ولا يدخل في ضمانه حتى يقبضه فإن تلف قبل قبضه فالواجب مثله لأنه من ذوات الأمثال وقد ذكر القاضي في الصداق أنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه وإن كان مكيلا أو موزونا لأنه لا ينفسخ سببه بتلفه فهاهنا مثله مسألة قال ( وإن خالعها على غير عوض كان خلعا ولا شيء له ) اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة فروى عنه ابنه عبد الله قال قلت لأبي رجل علقت به امرأته تقول اخلعني قال قد خلعتك
قال يتزوج بها ويجدد نكاحا جديدا وتكون عنده على ثنتين فظاهر هذا صحة الخلع بغير عوض وهو قول مالك لأنه قطع للنكاح فصح من غير عوض كالطلاق ولأن الأصل في مشرعية الخلع أن توجد من المرأة رغبة عن زوجها وحاجة إلى فراقه فتسأله فراقها فإذا أجابها حصل المقصود من الخلع فصح كما لو كان بعوض قال أبو بكر لا خلاف عن أبي عبد الله أن الخلع ما كان من قبل النساء فإذا كان من قبل الرجال فلا نزاع في أنه طلاق تملك به الرجعة ولا يكون فسخا والرواية الثانية لا يكون خلع إلا بعوض روى عنه مهنا إذا قال لها اخلعي نفسك فقالت خلعت نفسي لم يكن خلفا إلا على شيء إلا أن يكون نوى الطلاق فيكون ما نوى فعلى هذه الرواية لا يصح الخلع إلا بعوض فإن تلفظ به بغير عوض ونوى الطلاق كان طلاقا رجعيا لأنه يصلح كناية عن الطلاق وإن لم ينو به الطلاق لم يكن شيئا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأن الخلع إن كان فسخا فلا يملك الزوج فسخ النكاح إلا بعيبها وكذلك لو قال فسخت النكاح ولم ينو به الطلاق لم يقع شيء بخلاف ما إذا دخله العوض فإنه يصير معاوضة فلا يجتمع له العوض والمعوض وإن قلنا الخلع طلاق فليس بصريح فيه اتفاقا وإنما هو كناية والكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية أو بذل للعوض فيقوم مقام النية وما وجد واحد منهما ثم إن وقع الطلاق فإذا لم يكن بعوض لم يقتض البينونة إلا أن تكمل الثلاث فصل إذا قالت بعني عبدك هذا وطلقني بألف ففعل صح وكان بيعا وخلعا بعوض واحد لأنهما عقدان يصح إفراد كل واحد منهما بعوض فصح جمعهما كبيع ثوبين وقد نص أحمد على الجمع بين بيع وصرف أنه يصح وهو نظير لهذا وذكر أصحابنا فيه وجها آخر أنه لا يصح لأن أحكام العقدين تختلف والأول أصح لما ذكرنا وللشافعي فيه قولان أيضا فعلى قولنا يتقسط الألف على الصداق المسمى وقيمة العبد فيكون عوض الخلع ما يخص المسمى وعوض العبد ما يخص قيمته حتى لو ردته بعيب رجعت بذلك وإن وجدته حرا أو مغصوبا رجعت به لأنه عوضه فإن كان مكان العبد شقص مشفوع ففيه الشفعة ويأخذ الشفيع بحصة قيمته من الألف لأنها عوضه فصل وإن خالعها على نصف دار صح ولا شفعة فيه لأنه عوض عما لا قيمة له ويتخرج أن فيه شفعة لأن له عوضا وهل يأخذه الشفيع بقيمته أو بمثل المهر على وجهين فأما إن خالعها ودفع إليها ألفا بنصف دارها صح ولا شفعة أيضا وقال أبو يوسف ومحمد تجب الشفعة فيما قابل الألف لأنه عوض مال ولنا إن إيجاب الشفعة تقويم للبضع في حق غير الزوج والبضع لا يتقوم في حق غيره ولأن الزوج ملك الشقص صفقة واحدة من شخص واحد فلا يجوز للشفيع أخذ بعضه كما لو اشتراه بثمن واحد مسألة قال ( ولو خالعها على ثوب فخرج معيبا فهو مخير بين أن يأخذ أرش العيب أو قيمة الثوب ويرده ) وجملة ذلك أن الخلع يستحق فيه رد عوضه بالعيب أو أخذ الأرش لأنه عوض في معاوضة فيستحق فيه ذلك كالبيع والصداق ولا يخلو إما أن يكون على معين مثل أن تقول اخلعني على هذا الثوب فيقول خلعتك ثم تجد به عيبا لم يكن علم به فهو مخير بين رده وأخذ قيمته وبين أخذ أرشه وإن قال إن أعطيتني هذا الثوب فأنت طالق فأعطته إياه طلقت وملكه
قال أصحابنا والحكم فيه كما لو خالعها عليه وهذا مذهب الشافعي إلا أنه لا يجعل له المطالبة بالأرش مع إمكان رده وهذا الأصل ذكرناه في البيع وله أيضا قول إنه إذا رده رجع بمهر المثل وهذا الأصل ذكر في الصداق وإن خالعها على ثوب موصوف في الذمة واستقصى صفات السلم صح وعليها أن تعطيه إياه سليما لأن إطلاق ذلك يقتضي السلامة كما في البيع والصداقة فإن دفعته إليه معيبا أو ناقصا عن الصفات المذكورة فله الخيار بين إمساكه أو رده والمطالبة بثوب سليم على تلك الصفة لأنه إنما وجب في الذمة سليما تام الصفات فيرجع بما وجب له لأنها ما أعطته الذي وجب له عليها وإن قال إن أعطيتني ثوبا صفته كذا وكذا فأعطته ثوبا على تلك الصفات طلقت وملكه وإن أعطته ناقصا صفة لم يقع الطلاق ولم يمكله لأنه ما وجد الشرط فإن كان على الصفة لكن به عيب وقع الطلاق لوجود شرطه قال القاضي ويتخير بين إمساكه ورده والرجوع بقيمته وهذا قول الشافعي إلا أن له قولا إنه يرجع بمهر المثل على ما ذكرنا وعلى ما قلنا نحن فيما تقدم أنه إذا قال إذا أعطيتني ثوبا أو عبدا أو هذا الثوب أو هذا العبد فأعطته إياه معيبا طلقت وليس له شيء سواه وقد نص أحمد على من قال إن أعطيتني هذا الألف فأنت طالق فأعطته إياه فوجده معيبا فليس له البدل وقال أيضا إذا قال إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فإذا أعطته عبدا فهي طالق ويملكه وهذا يدل على أن كل موضع قال إن أعطيتني كذا فأعطته إياه فليس له غيره وذلك لأن الإنسان لا يلزمه في ذمته شيء إلا بإلزام ولم يرد الشرع بإلزامها هذا ولا هي التزمته له وإنما علق طلاقها على شرط وهو عطيتها له ذلك فلا يلزمها شيء سواه ولأنها لم تدخل معه في معاوضة وإنما حققت شرط الطلاق فأشبه ما لو قال إن دخلت فأنت طالق فدخلت أو ما لو قال إن أعطيت أباك عبدا فأنت طالق فأعطته آياه فصل إذا قال إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق فأعطته ألفا أو أكثر طلقت لوجود الصفة وإن أعطته دون ذلك لم تطلق لعدمها وإن أعطته ألفا وازنة تنقص في العدد طلقت وإن أعطته ألفا عددا تنقص في الوزن لم تطلق لأن إطلاق الدرهم ينصرف إلى الوازن من دراهم الإسلام وهي ما كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل ويحتمل أن الدراهم متى كانت تنفق برؤوسها من غير وزن طلقت لأنها يقع عليها اسم الدراهم ويحصل منها مقصودها ولا تطلق إذا أعطته وازنة تنقص في العدد لذلك وإن أعطته ألفا رديئة كنحاس فيها أو رصاص أو نحوه لم تطلق لأن إطلاق الألف يتناول ألفا من الفضة وليس في هذه ألف من الفضة وإن زادت على الألف بحيث يكون فيها ألف فضة طلقت لأنها قد أعطته ألفا فضة وإن أعطته سبيكة تبلغ ألفا لم تطلق لأنها لا تسمى دراهم فلم توجد الصفة بخلاف المغشوشة فإنها تسمى دراهم وإن أعطته ألفا رديء الجنس لخشونة أو سواد أو كانت وحشة السكة طلقت لأن الصفة وجدت قال القاضي وله ردها وأخذ بدلها وهذا قد ذكرناه في المسألة التي قبلها فصل وإن قال إن أعطيتني ثوبا مرويا فأنت طالق فأعطته هرويا لم تطلق لأن الصفة التي علق الطلاق عليها لم توجد وإن أعطته مرويا طلقت وإن خالعها على ما مروي فأعطته هرويا فالخلع واقع ويطالبها بما خالعها عليه وإن خالعها على ثوب بعينه على أنه مروي فبان هرويا فالخلع صحيح لأن جنسهما واحد وإنما ذلك اختلاف صفة فجرى مجرى العيب في العوض وهو مخير بين إمساكه ولا شيء له غيره وبين رده وأخذ قيمته لو كان مرويا لأن مخالفة الصفة بمنزلة العيب في جواز الرد
وقال أبو الخطاب وعندي لا يستحق شيئا سواه لأن الخلع على عينه وقد أخذه وإن خالعها على ثوب على أنه قطن فبان كتانا لزم رده ولم يكن له إمساكه لأنه جنس آخر واختلاف الأجناس كاختلاف الأعيان بخلاف ما لو خالعها على مروي فخرج هرويا فإن الجنس واحد فصل وكل موضع علق طلاقها على عطيتها إياه فمتى أعطته على صفة يمكنه القبض وقع الطلاق سواء قبضه منها أو لم يقبضه لأن العطية وجدت فإنه يقال أعطته فلم يأخذ ولأنه علق اليمين على فعل من جهتها والذي من جهتها في العطية البذل على وجه يمكنه قبضه فإن هرب الزوج أو غاب قبل عطيتها أو قالت يضمنه لك زيد أو أجعله قصاصا مما لي عليك أو أعطته به رهنا أو أحالته به لم يقع الطلاق لأن العطية ما وجدت ولا يقع الطلاق بدون شرطه وكذلك كل موضع تعذر العطية فيه لا يقع الطلاق سواء كان التعذر من جهته أو من جهتها أو من جهة غيرهما لانتفاء الشرط ولو قالت طلقني بألف فطلقها استحق الألف وبانت وإن لم يقبض نص عليه أحمد قال أحمد ولو قالت لا أعطيك شيئا يأخذها بالألف يعني ويقع الطلاق لأن هذا ليس بتعليق على شرط بخلاف الأول فصل وتعليق الطلاق على شرط العطية أو الضمان أو التمليك لازم من جهة الزوج لزوما لا سبيل إلى دفعه فإن الغالب فيها حكم التعليق المحض بدليل صحة تعليقه على الشروط ويقع الطلاق بوجود الشرط سواء كانت العطية على الفور أو التراخي وقال الشافعي إن قال متى أعطيتني أو متى ما أعطيتني أو أي حين أو أي زمان أعطيتني ألفا فأنت طالق فذلك على التراخي وإن قال إن أعطيتني أو إذا أعطيتني ألفا فأنت طالق فذلك على الفور فإن أعطته جوابا لكلامه وقع الطلاق وإن تأخر العطاء لم يقع الطلاق لأن قبول المعاوضات على الفور فإذا لم يوجد منه تصريح بخلافه وجب حمل ذلك على المعاوضات بخلاف متى وأي فإن فيهما تصريحا بالتراضي ونصا فيه وإن صارا معاوضة فإن تعليقه بالصفة جائز أما إن وإذا فإنهما يحتملان الفور والتراخي فإذا تعلق بهما العوض حملا على الفور ولنا إنه علق الطلاق بشرط الإعطاء فكان على التراخي كسائر التعليق أو نقول علق الطلاق بحرف مقتضاه التراخي فكان على التراخي كما لو خلا عن العوض والدليل على أن مقتضاه التراخي أنه يقتضيه إذا خلا عن العوض ومقتضيات الألفاظ لا تختلف بالعوض وعدمه وهذه المعاوضة معدول بها عن سائر المعاوضات بدليل جواز تعليقها على الشروط ويكون على التراخي فيما إذا علقها بمتى أو بأي فكذلك في مسألتنا ولا يصح قياس ما نحن فيه على غيره من المعاوضات لما ذكرنا من الفرق ثم يبطل قياسهم بقول السيد لعبده إن أعطيتني ألفا فأنت حر فإنه كمسألتنا وهو على التراخي على أننا قد ذكرنا أن حكم اللفظ حكم الشرط المطلق فصل إذا قال لامرأته أنت طالق بألف إن شئت لم تطلق حتى تشاء فإذا شاءت وقع الطلاق بائنا ويستحق الألف سواء سألته الطلاق فقالت طلقني بألف فأجابها أو قال ذلك لها ابتداء لأنه علق طلاقها على شرط فلم يوجد قبل وجوده وتعتبر مشيئتها بالقول فإنها وإن كان محلها القلب فلا يعرف ما في القلب إلا بالنطق فيعلق الحكم به ويكون ذلك على التراخي فمتى شاءت طلقت نص عليه أحمد ومذهب الشافعي كذلك إلا في أنه على الفور عنده ولو أنه قال لامرأته أمرك بيدك إن ضمنت لي ألفا فقياس قول أحمد أنه على التراخي لأنه نص على أن أمرك بيدك على التراخي ونص على أنه إذا قال لها أنت طالق إن شئت أن لها المشيئة بعد مجلسها ومذهب الشافعي أنه على الفور لما تقدم
ولنا إنه لو قال لعبده إن ضمنت لي ألفا فأنت حر كان على التراخي ولو قال له أنت حر على ألف إن شئت كان على التراخي والطلاق نظير العتق فعلى هذا متى ضمنت له ألفا كان أمرها بيدها وله الرجوع فيما جعل إليها لأن أمرك بيدك توكيل منه لها فله الرجوع فيه كما يرجع في الوكالة وكذلك لو قال لزوجته طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفا فمتى ضمنت له ألفا وطلقت نفسها وقع ما لم يرجع وإن ضمنت الألف ولم تطلق أو طلقت ولم تضمن لم يقع الطلاق مسألة قال ( وإذا خالعها على عبد فخرج حرا أو استحق فله عليها قيمته ) وجملة ذلك أن الرجل إذا خالع امرأته على عوض يظنه مالا فبان غير مال مثل أن يخالعها على عبد تعينه فيبين حرا أو مغصوبا أو على خل فيبين خمرا فإن الخلع صحيح في قول أكثر أهل العلم لأن الخلع معاوضة بالبضع فلا يفسد بفساد العوض كالنكاح ولكنه يرجع عليها بقيمته لو كان عبدا وبهذا قال أبو ثور وصاحبا أبي حنيفة وإن خالعها على هذا الدن الخل فبان خمرا رجع عليها بمثله خلا لأن الخلع من ذوات الأمثال وقد دخل على أن هذا المعين خل فكان له مثله كما لو كان خلا فتلف قبل قبضه وقد قيل يرجع بقيمة مثله خلا لأن الخمر ليس من ذوات الأمثال والصحيح الأول لأنه إنما وجب عليها مثله لو كان خلا كما توجب قيمة الحر بتقدير كونه عبدا فإن الحر لا قيمة له وقال أبو حنيفة في المسألة كلها يرجع بالمسمى وقال الشافعي يرجع بمهر المثل لأنه عقد على البضع بعوض فاسد فأشبه النكاح بخمر واحتج أبو حنيفة بأن خروج البضع لا قيمة له فإذا غرته رجع عليها بما أخذت ولنا إنها عين يجب تسليمها مع سلامتها وبقاء سبب الاستحقاق فوجب بدلها مقدرا بقيمتها أو مثلها كالمغصوب والمستعار وإذا خالعها على عبد فخرج مغصوبا أو أم ولد فإن أبا حنيفة يسلمه ويوافقنا فيه فصل وإن خالعها على محرم يعلمان تحريمه كالحر والخمر والخنزير والميتة فهو كالخلع بغير عوض سواء لا يستحق شيئا وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي له عليها مهر المثل لأنه معاوضة بالبضع فإذا كان العوض محرما وجب مهر المثل كالنكاح ولنا إن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم على ما أسلفنا فإذا رضي بغير عوض لم يكن له شيء كما لو طلقها أو علق طلاقها على فعل شيء ففعلته وفارق النكاح فإن دخول البضع في ملك الزوج متقوم ولا يلزم إذا خالعها على عبد فبان حرا لأنه لم يرض بغير عوض متقوم فيرجع بحكم الغرو وهاهنا رضي بما لا قيمة له إذا تقرر هذا فإن كان الخلع بلفظ الطلاق فهو طلاق رجعي لأنه خلا عن عوض وإن كان بلفظ الخلع وكنايات الخلع ونوى به الطلاق فكذلك لأن الكنايات مع النية كالصريح وإن كان بلفظ الخلع ولم ينو الطلاق انبنى على أصل وهو أنه هل يصح الخلع بغير عوض وفيه روايتان فإن قلنا يصح صح هاهنا وإن قلنا لا يصح لم يصح ولم يقع شيئا وإن قال إن أعطيتني خمرا أو ميتة فأنت طالق فأعطته ذلك طلقت ولا شيء عليها وعند الشافعي عليها مهر المثل كقوله في التي قبلها فصل فإن قال إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فأعطته مدبرا أو معتقا نصفه وقع الطلاق بهما لأنهما كالقن في التمليك وإن أعطته حرا أو مغصوبا أو مرهونا لم تطلق لأن العطية إنما تتناول ما يصح تمليكه وما لا يصح تمليكه لا تكون معطية له وإن قال إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق فأعطته إياه فإذا هو حر أو مغصوب لم تطلق أيضا لما ذكره أبو بكر وأومأ إليه أحمد وذكر القاضي وجها آخر أنه يقع الطلاق قال وأومأ إليه أحمد في موضع آخر لأنه إذا عينه فقد قطع اجتهادها فيه فإذا أعطته إياه وجدت الصفة فوقع الطلاق بخلاف غير المعين ولأصحاب الشافعي أيضا وجهان
كذلك وعلى قولهم يقع الطلاق هل يرجع بقيمته أو بمهر المثل على وجهين ولنا إن العطية إنما معناها المتبادر إلى الفهم منها عند إطلاقها التمكن من تلمكه بدليل غير المعين ولأن العطية هاهنا التمليك بدليل حصول الملك بها فيما إذا كان العبد مملوكا لها وانتفاء الطلاق فيما إذا كان غير معين مسألة قال ( وإذا قالت له طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة لم يكن له شيء ولزمها تطليقة ) أما وقوع الطلاق بها فلا خلاف فيه وأما الألف فلا يستحق منه شيئا وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي له ثلث الألف لأنها استدعت منه فعلا بعوض فإذا فعل بعضه استحق بقسطه من العوض كما لو قال من رد عبيدي فله ألف فرد ثلثهم استحق ثلث الألف وكذلك في بناء الحائط وخياطة الثوب ولنا إنها بذلت العوض في مقابلة شيء لم يجبها إليه فلم يستحق شيئا كما لو قال في المسابقة من سبق إلى خمس إصابات فله ألف فسبق إلى بعضها أو قالت بعني عبديك بألف فقال بعتك أحدهما بخمسمائة وكما لو قالت طلقني ثلاثا على ألف فطلقها واحدة فإن أبا حنيفة وافقنا في هذه الصورة على أنه لا يستحق شيئا فإن قيل الفرق بينهما أن الباء للعوض دون الشرط وعلى للشرط فكأنها شرطت في استحقاقه الألف أن يطلقها ثلاثا قلنا لا نسلم أن على للشرط فإنها ليست مذكورة في حروفه وإنما معناها ومعنى الباء واحد وقد سوي بينهما فيما إذا قالت طلقني وضرتي بألف أو على ألف ومقتضى اللفظ لا يختلف بكون المطلقة واحدة أو اثنتين فصل فإن قالت طلقني ثلاثا ولك ألف فهي كالتي قبلها إن طلقها أقل من ثلاث وقع الطلاق ولا شيء له وإن طلقها ثلاثا استحق الألف ومذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد فيها كمذهبهم في التي قبلها وقال أبو حنيفة لا يستحق شيئا وإن طلقها ثلاثا لأنه لم يعلم الطلاق بالعوض ولنا إنها استدعت منه الطلاق بالعوض فأشبه ما لو قال رد عبدي ولك ألف فرده وقوله لم يعلق الطلاق بالعوض غير مسلم فإن معنى الكلام ولك ألف عوضا عن طلاقي فإن قرينة الحال دالة عليه وإن قالت طلقني وضرتي بألف أو على ألف علينا فطلقها وحدها طلقت وعليها قسطها من الألف لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين وخلعه للمرأتين بعوض عليهما خلعان فجاز أن ينعقد أحدهما صحيحا موجبا للعوض دون الآخر وإن كان العوض منها وحدها فلا شيء له في قياس المذهب لأن العقد لا يتعدد بتعدد العوض ولذلك لو اشترى منه عبدين بثمن واحد كان عقدا واحدا بخلاف ما إذا كان العاقد من أحد الطرفين اثنين فإنه يكون عقدين فصل وإن قالت طلقني ثلاثا بألف ولم يبق من طلاقها إلا واحدة فطلقها واحدة أو ثلاثا بانت بثلاث قال أصحابنا ويستحق الألف علمت أو لم تعلم وهو منصوص الشافعي وقال المزني لا يستحق إلا ثلث الألف إنما طلقها ثلث ما طلبت منه فلا يستحق إلا ثلث الألف كما لو كان طلاقها ثلاثا وقال ابن شريح إن علمت أنه لم ينو من طلاقها إلا طلقة استحق الألف وإن لم تعلم كقول المزني لأنها إن كانت عالمة كان معنى كلامها كمل لي الثلاث وقد فعل ذلك ووجه قول أصحابنا أن هذه الواحدة كملت الثلاث وحصلت ما يحصل بالثلاث من البينونة وتحريم العقد فوجب بها العوض كما لو طلقها ثلاثا فصل فإن لم يبق من طلاقها إلا واحدة فقالت طلقني بألف واحدة أبين بها واثنتين في نكاح آخر فقال أبو بكر قياس قول أحمد أنه إذا طلقها واحدة استحق العوض فإن تزوج بها بعد ذلك ولم يطلقها رجعت عليه بالعوض لأنها بذلت العوض في مقابلة ثلاث فإذا لم يوقع الثلاث لم يستحق العوض كما لو كانت ذات طلقات ثلاث فقالت طلقني ثلاثا فلم يطلقها إلا واحدة ومقتضى هذا أنه إذا ينكحها نكاحا آخر أنها ترجع عليه بالعوض
وإنما يفوت نكاحه إياها بموت أحدهما وإن نكحها نكاحا آخر وطلقها اثنتين لم ترجع عليه بشيء وإن لم يطلقها إلا واحدة رجعت عليه بالعوض كله وقال القاضي الصحيح في المذهب أن هذا لا يصح في الطلقتين الآخرتين لأنه سلف في طلاق ولا يصح السلم في الطلاق لأنه معاوضة على الطلاق قبل النكاح والطلاق قبل النكاح لا يصح فالمعاوضة عليه أولى فإذا بطل فيهما انبنى ذلك على تفريق الصفقة فإن قلنا تفرق فله ثلث الألف وإن قلنا لا تفرق فسد العوض في الجميع ويرجع بالمسمى في عقد النكاح فصل وإن قالت طلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا استحق الألف وقال محمد بن الحسن قياس قولأبي حنيفة أنه لا يستحق شيئا لأن الثلاث مخالفة للواحدة لأن تحريمها لا يرتفع إلا بزوج وإصابة وقد لا تريد ذلك ولا تبذل العوض فيه فلم يكن ذلك إيقاعا لما استدعته بل هو إيقاع مبتدأ فلم يستحق به عوضا ولنا إنه أوقع ما استدعته وزيادة لأن الثلاث واحدة واثنتان وكذلك لو قال طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة وقع فيستحق العوض بالواحدة وما حصل من الزيادة التي لم تبذل العوض فيها لا يستحق بها شيئا فإن قال لها أنت طالق بألف وطالق وطالق وقعت الأولى بائنة ولم تقع الثانية ولا الثالثة لأنهما جاءا بعد بينونتها وهذا مذهب الشافعي وإن قال لها أنت طالق وطالق وطالق بألف وقع الثلاث وإن قال أنت طالق وطالق وطالق ولم يقل بألف قيل له أيتهن أوقعت بالألف فإن قال الأولى بانت بها ولم يقع ما بعدها وإن قال الثانية بانت بها وقعت بها طلقتان ولم تقع الثالثة وإن قال الثالثة وقع الكل وإن قال نويت أن الألف في مقابلة الكل بانت بالأولى وحدها ولم يقع بها ما بعدها لأن الأولى حصل في مقابلتها عوض وهو قسطها من الألف فبانت بها وله ثلث الألف لأنه رضي بأن يوقعها بذلك مثل أن تقول طلقني بألف فيقول أنت طالق بخمسمائة هكذا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي ويحتمل أن يستحق الألف لأنه أتى بما بذلت العوض فيه بنية العوض فلم يسقط بعضه بنيته كما لو قالت رد عبدي بألف فرده ينوي خمسمائة وإن لم ينو شيئا استحق الألف بالأولى ولم يقع بها ما بعدها ويحتمل أن تقع الثلاث لأن الواو للجمع ولا تقتضي ترتيبا فهو كقوله أنت طالق ثلاثا بألف وكذلك لو قال لغير مدخول بها أو قال أنت طالق وطالق وطالق بألف طلقت ثلاثا
فصل وإذا قالت طلقني بألف أو على أن لك ألفا وإن طلقتني فلك علي ألف فقال أنت طالق استحق الألف وإن لم يذكره لأن قوله جواب لما استدعته منه والسؤال معاد في الجواب فأشبه ما لو قالت بعني عبدك بألف فقال بعتكه وإن قالت اخلعني بألف فقال أنت طالق فإن قلنا الخلع طلقة بائنة وقع واستحق العوض لأنه أجابها إلى ما بذلت العوض فيه وإن قلنا هو فسخ احتمل أن يستحق العوض أيضا لأن الطلاق يتضمن ما طلبته وهو بينونتها وفيه زيادة نقصان العدد فأشبه ما لو قالت طلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا احتمل أن لا يستحق شيئا لأنها استدعت منه فسخا فلم يجبها إليه وأوقع طلاقا ما طلبته ولا بذلت فيه عوضا فعلى هذا يحتمل أن يقع الطلاق رجعيا لأنه أوقعه مبتدئا به غير مبذول فيه عوض فأشبه ما لو طلقها ابتداء ويحتمل أن لا يقع لأنه أوقعه بعوض فإذا العوض لم يقع لأنه كالشرط فيه فأشبه ما لو قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق وإن قالت طلقني بألف فقال خلعتك فإن قلنا هو طلاق استحق الألف لأنه طلقها وإن نوى به الطلاق فكذلك لأنه كناية فيه وإن لم ينو الطلاق وقلنا ليس بطلاق لم يستحق عوضا لأنه ما أجابها إلى ما بذلت العوض فيه ولايتضمنه لأنها سألته طلاقا ينقص به عدد طلاقه فلم يجبها إليه وإذا لم يجب العوض لم يصح الخلع لأنه إنما خالعها معتقدا لحصول العوض فإذا لم يحصل لم يصح ويحتمل أن يكون كالخلع بغير عوض وفيه من الخلاف ما فيه فصل ولو قالت له طلقني عشرا بألف فطلقها واحدة أو اثنتين فلا شيء له لأنه لم يجبها إلى ما سألت فلم يستحق عليها ما بذلت وإن طلقها ثلاثا استحق الألف على قياس قول أصحابنا فيما إذا قالت طلقني ثلاثا بألف ولم يبق من طلاقها إلا واحدة استحق الألف لأنه قد حصل بذلك جميع المقصود فصل ولو لم يبق من طلاقها إلا واحدة فقالت طلقني ثلاثا بألف فقال أنت طالق طلقتين الأولى بألف والثانية بغير شيء وقعت الأولى واستحق الألف ولم تقع الثانية وإن قال الأولى بغير شيء وقعت وحدها ولم يستحق شيئا لأنه لم يجعل لها عوضا وكملت الثلاث وإن قال إحداهما بألف لزمها الألف لأنها طلبت منه طلقة بألف فأجابها إليها وزادها أخرى فصل وإن قالت طلقني بألف إلى شهر أو أعطته ألفا على أن يطلقها إلى شهر فقال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق صح ذلك واستحق العوض ووقع الطلاق عند رأس الشهر بائنا لأنه بعوض وإن طلقها قبل مجيء الشهر طلقت ولا شيء له ذكره أبو بكر وقال روى ذلك من أحمد علي بن سعيد وذلك لأنه إذا طلقها قبل رأس الشهر فقد اختار إيقاع الطلاق من غير عوض وقال الشافعي إذا أخذ منها ألفا على أن يطلقها إلى شهر فطلقها بألف بانت وعليها مهر المثل لأن هذا سلف في طلاق فلم يصح لأن الطلاق لا يثبت في الذمة ولأنه عقد تعلق بعين فلايجوز شرط تأخير التسليم فيه ولنا إنها جعلت له عوضا صحيحا على طلاقها فإذا طلقها استحقه كما لو لم يقل إلى شهر لأنها جعلت له عوضا صحيحا على طلاقها فلم يستحق أكثر منه كالأصل وإن قلنا لك ألف على أن تطلقني أي وقت شئت من الآن إلى شهر صح في قياس المسألة التي قبلها وقال القاضي لا يصح لأن زمن الطلاق مجهول فإذا طلقها فله مهر المثل وهذا مذهب الشافعي لأنه طلقها على عوض لم يصح لفساده
ولنا ما تقدم في التي قبلها ولا تضر الجهالة في وقت الطلاق لأنه مما يصح تعليقه على الشرط فصح بذل العوض فيه مجهول الوقت كالجعالة ولأنه لو قال متى أعطيتني ألفا فأنت طالق صح وزمنه مجهول أكثر من الجهالة هاهنا فإن الجهالة هاهنا في شهر واحد وثم في العمر كله وقول القاضي له مهر المثل مخالف لقياس المذهب فإنه ذكر في المواضع التي فسد فيها العوض أن له المسمى فكذلك يجب أن يكون هاهنا أن حكمنا بفساده والله أعلم فصل إذا قال لها أنت طالق وعليك ألف وقعت طلقة رجعية ولا شيء عليها لأنه لم يجعل له العوض في مقابلتها ولا شرطا فيها وإنما عطف ذلك على طلاقها فأشبه ما لو قال أنت طالق وعليك الحج فإن أعطته المرأة عن ذلك عوضا لم يكن له عوضا لأنه لم يقابله شيء وكان ذلك هبة مبتدأة يعتبر فيه شرائط الهبة وإن قالت المرأة ضمنت لك ألفا لم يصح لأن الضمان إنما يكون عن غير الضامن لحق واجب أو مآله إلى الوجوب وليس هاهنا شيء من ذلك وذكر القاضي أنه يصح لأن ضمان ما لم يجب يصح ولم أعرف لذلك وجها إلا أن يكون أراد أنها إذا قالت له قبل طلاقها ضمنت لك ألفا على أن تطلقني فقال أنت طالق وعليك ألف فإنه يستحق الألف وكذلك إذا قالت طلقني طلقة بألف فقال أنت طالق وعليك ألف وقع الطلاق وعليها ألف لأن قوله أنت طالق يكفي في صحة الخلع واستحقاق العوض وما وصل به تأكيد فإن اختلف فقال أنت استدعيت مني الطلاق بألف فأنكرته فالقول قولها لأن الأصل عدمه فإذا حلت برئت من العوض وبانت لأن قوله مقبول في بينونتها لأنها حقه غير مقبول في العوض لأنه عليها وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وإن قال ما استدعيت مني الطلاق وإنما أنا ابتدأت فلي عليك الرجعة وادعت أن ذلك كان جوابا لاستدعائها فالقول قول الزوج لأن الأصل معه ولا يلزمها الألف لأنه لا يدعيه وإن قال أنت طالق على الألف فالمنصوص عن أحمد أن الطلاق يقع رجعيا كقوله أنت طالق وعليك ألف فإنه قال في رواية مهنا في الرجل يقول لامرأته أنت طالق على ألف درهم فلم تقل هي شيئا فهي طالق بملك الرجعة ثانيا وقال القاضي في المجرد ذلك للشرط تقديره إن ضمنت لي ألفا فأنت طالق فإن ضمنت له ألفا وقع الطلاق بائنا وإلا لم يقع وكذلك الحكم إذا قال أنت طالق على أن عليك فقياس قول أحمد الطلاق يقع رجعيا ولا شيء له وعلى قول القاضي إن قبلت ذلك لزمها الألف وكان خلعا وإلا لم يقع الطلاق وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو أيضا ظاهر كلام الخرقي لأنه استعمل على بمعنى الشرط في مواضع من كتابه منها قوله وإذا أنكحها على أن لا يتزوج عليها فلها فراقه إن تزوج عليها وذلك أن على تستعمل بمعنى الشرط بدليل قول الله تعالى في قصة شعيب إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج القصص 27 وقال فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا الكهف وقال موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا الكهف 66 ولو قال في النكاح زوجتك ابنتي على صداق كذا صح وإذا أوقعه بعوض لم يقع بدونه وجرى مجرى قوله أنت طالق إن أعطيتني ألفا أو ضمنت لي ألفا ووجه الأولى أنه أوقع الطلاق غير معلق بشرط وجعل عليها عوضا لم تبذله فوقع رجعيا من غير عوض كما لو قال أنت طالق وعليك ألف ولأن على ليس للشرط ولا للمعاوضة ولذلك لا يصح أن يقول بعتك ثوبي على دينار
فصل وإذا قال أنت طالق ثلاثا بألف فقالت قبلت واحدة منها بألف وقع الثلاث واستحق الألف لأن إيقاع الطلاق إليه وإنما علقه بعوض يجري مجرى الشرط من جهتها وقد وجد الشرط فيقع الطلاق وإن قالت قبلت بألفين وقع ولم يلزمها الألف الزائد لأن القبول لما أوجبه دون ما لم يوجبه وإن قالت قبلت بخمسمائة لم يقع لأن الشرط لم يوجد وإن قالت قبلت واحدة من الثلاث بثلث الألف لم يقع لأنه لم يرض بانقطاع رجعته عنها إلا بألف وإن قال أنت طالق طلقتين إحداهما بألف وقعت بها واحدة لأنها بغير عوض ووقعت الأخرى على قبولها لأنها بعوض مسألة قال ( وإن خالعته الأمة بغير إذن سيدها على شيء معلوم كان الخلع واقعا ويتبعها إذا عتقت بمثله إن كان له مثل وإلا فقيمته ) في هذه المسألة ثلاثة فصول أحدها أن الخلع مع الأمة صحيح سواء كان بإذن سيدها أو بغير إذنه لأن الخلع يصح مع الأجبني فمع الزوجة أولى ويكون طلاقها على عوض بائنا والخلع معها كالخلع مع الحرة سواء الفصل الثاني أن الخلع إذا كان بغير إذن سيدها على شيء في ذمتها فإنه يتبعها إذا عتقت لأنه رضي بذمتها ولو كان عل عين فالذي ذكر الخرقي أنه يثبت في ذمتها مثله أو قيمته إن لم يكن مثليا لأنها لا تملك العين وما في يده من شيء فهو لسيدها فيلزمها بذله كما لو خالعها على عبد فخرج حرا أو مستحقا وقياس المذهب أنه لا شيء له لأنه إذا خالعها على عين وهو يعلم أنها أمة فقد علم أنها لا تملك العين فيكون راضيا بغير عوض فلا يكون له شيء كما لو قال خالعتك على هذا المغصوب أو هذا الحر وكذلك ذكر القاضي في المجرد قال هو كالخلع على المنصوب لأنها لا تملكها وهذا قول مالك وقال الشافعي يرجع عليها بمهر المثل كقوله في الخلع على الحر والمغصوب ويمكن حمل كلام الخرقي على أنها ذكرت لزوجها أن سيدها أذن لها في هذا الخلع بهذه العين ولم تكن صادقة أو جهل أنها لا تملك العين أو يكون اختاره فيما إذا خالعها على مغصوب أنه يرجع عليها بقيمته ويكون الرجوع عليها في حال عتقها لأنه الوقت الذي تملك فيه فهي كالمعسر يرجع عليه في حال يساره ويرجع بقيمته أو مثله لأنه مستحق تعذر تسليمه مع بقاء سبب الاستحقاق فوجب الرجوع بمثله أو قيمته كالمغصوب الفصل الثالث إذا كان الخلع بإذن السيد تعلق العوض بذمته هذا قياس المذهب كما لو أذن لعبده في الاستدانة ويحتمل أن يتعلق برقبة الأمة وإن خالعها على معين بإذن السيد فيه ملكه وإن أذن في قدر المال فخالعت بأكثر منه فالزيادة في ذمتها وإن أطلق الإذن اقتضى الخلع بالمسمى لها فإن خالعت به أو بما دونه لزم السيد وإن كان بأكثر منه تعلقت الزيادة بذمتها كما لو عين لها قدرا فخالعت بأكثر منه وإن كانت مأذونا لها في التجارة سلمت العوض مما في يدها فصل والحكم في المكاتبة كالحكم في الأمة القن سواء لأنها لا تملك التصرف فيما في يدها بتبرع وما لا حظ فيه وبذل المال في الخلع لا فائدة فيه من حيث تحصيل المال بل فيه ضرر بسقوط نفقتها وبعض مهرها إن كانت غير مدخول بها وإذا كان الخلع بغير إذن السيد فالعوض في ذمتها يتبعها به بعد العتق وإن كان بإذن السيد سلمه مما في يدها وإن لم يكن في يدها شيء فهو على سيدها فصل ويصح خلع المحجور عليها لفلس وبذلها للعوض صحيح لأن لها ذمة يصح تصرفها فيها ويرجع عليها بالعوض إذا أيسرت وفك الحجر عنها وليس له مطالبتها في حال حجرها كما لو استدانت منه أو باعها شيئا في ذمتها فصل فأما المحجور عليها لسفه أو صغر أو جنون فلايصح بذلك العوض منها في الخلع لأنه تصرف في المال وليس هي من أهله وسواء أذن فيه الولي أو لم يأذن لأنه ليس له الإذن في التبرعات وهذا كالتبرع
وفارق الأمة فإنها أهل التصرف ولهذا تصح منها الهبة وغيرها من التصرفات بإذنه ويفارق المفلسة لأنها من أهل التصرف فإن خالع المحجور عليها بلفظ يكون طلاقا فهو طلاق رجعي ولا يستحق عوضا وإن لم يكن اللفظ مما يقع به الطلاق كان كالخلع بغير عوض ويحتمل أن لا يقع الخلع هاهنا لأنه إنما رضي به بعوض ولم يحصل له ولا أمكن الرجوع ببذله قال أصحابنا وليس لولي هؤلاء المخالعة بشيء من مالهن لأنه إنما يملك التصرف بما لها فيه الحظ وهذا لا حظ فيه بل فيه إسقاط نفقتها ومسكنها وبذل ما لها ويحتمل أن يملك ذلك إذا رأى الحظ فيه ويمكن أن يكون الحظ لها فيه بتخليصها ممن يتلف مالها وتخاف منه على نفسها وعقلها ولذلك لم يعد بذل المال في الخلع تبذيرا ولا سفها فيجوز له بذل مالها لتحصيل حظها وحفظ نفسها ومالها كما يجوز بذله في مداواتها وفكها من الأسر وهذا مذهب مالك والأب وغيره من أوليائها في هذا سواء وإن خالعها بشيء من ماله جاز لأنه يجوز من الأجنبي فمن الولي أولى فصل إذا قال الأب طلق ابنتي وأنت بريء من صداقها فطلقها وقع الطلاق رجعيا ولم يبرأ من شيء ولم يرجع على الأب ولم يضمن له لأنه أبرأه مما ليس له الإبراء منه فأشبه الأجنبي قال القاضي وقد قال أحمد إنه يرجع على الأب قال وهذا محمول على أن الزوج كان جاهلا بأن إبراء الأب لا يصح فكان له الرجوع عليه لأنه غره فرجع عليه كما لو غره فزوجه معيبة وإن علم أن إبراء الأب لا يصح لم يرجع بشيء ويقع الطلاق رجعيا لأنه خلا عن العوض وفي الموضع الذي يرجع عليه يقع الطلاق بائنا لأنه بعوض فإن قال الزوج هي طالق إن أبرأتني من صداقها فقال قد أبرأتك لم يقع الطلاق لأنه لا يبرأ وروي عن أحمد أن الطلاق واقع فيحتمل أنه أوقعه إذا قصد الزوج تعليق الطلاق على مجرد التلفظ بالإبراء دون حقيقة البراءة وإن قال الزوج هي طالق إن برئت من صداقها لم يقع لأنه علقه على شرط ولم يوجد وإن قال الأب طلقها على ألف من مالها وعلى الدرك فطلقها طلقت بائنا لأنه بعوض وهو ما لزم الأب من ضمان الدرك ولا يملك الألف لأنه ليس له بذلها فصل وإن قال لامرأتيه أنتما طالقتان بألف إن شئتما فقالتا قد شئنا وقع الطلاق بهما بائنا ولزمهما العوض بينهما على قدر مهريهما وإن شاءت إحداهما دون الأخرى لم يطلق واحدة منهما لأنه جعل ما شئتما صفة في طلاق كل واحدة منهما ويخالف هذا ما لو قال أنتما طالقتان بألف فقبلت إحداهما دون الأخرى لزمه الطلاق بعوضه لأنه لم يجعل في طلاقها شرطا وهاهنا علق طلاق كل واحدة منهما بمشيئتهما جميعا فيتعلق الحكم بقولهما قد شئنا لفظا لأنه ما في القلب لا سبيل إلى معرفته فلو قال الزوج ما شئتما وإنما قلتما ذلك بألسنتكما أو قالتا ما شئنا بقلوبنا لم يقبل
فإذا ثبت هذا فإن العوض يتقسط عليهما على قدر مهر كل واحدة منهما في الصحيح من المذهب وهو قول ابن حامد ومذهب أهل الرأي وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر يلزم كل واحدة منهما مهر مثل وعلى قول أبي بكر من أصحابنا يكون ذلك عليهما نصفين وأصل هذا في النكاح إذا تزوج اثنتين بصداق واحد وقد ذكرناه في موضعه فإن كانت إحداهما رشيدة والأخرى محجورا عليها لسفه فقالتا قد شئنا وقع الطلاق عليهما ووجب على الرشيدة قسطها من العوض ووقع طلاقها بائنا ولا شيء على المحجور عليها ويكون طلاقها رجعيا لأن لها مشيئة ولكن الحجر مع صحة تصرفها ونفوذه ولهذا يرجع إلى مشيئة المحجور عليه في النكاح وفيها تأكله وكذلك إن كانت غير بالغة إلا أنها مميزة فإن لها مشيئة صحيحة ولهذا يخير الغلام بين أبويه إذا بلغ سبعا وإن كانت إحداهما مجنونة أو صغيرة غير مميزة لم تصح المشيئة منهما ولم يقع الطلاق وفي كل موضع حكمنا بوقوع الطلاق فإن الرشيدة يلزمها قسطها من العوض وهو قسط مهرها من العوض في أحد الوجهين وفي الآخر نصفه وإن قالت له امرأتاه طلقنا بألف بيننا نصفين فطلقهما فعلى كل واحدة منهما نصفه وجها واحدا وإن طلق إحداهما وحدها فعليها نصف الألف وإن قالتا طلقنا بألف فطلقهما فالألف عليهما على قدر صداقيهما في أصح الوجهين وإن طلق إحداهما فعليها حصتها منه وإن كانت إحداهما غير رشيدة فطلقهما فعلى الرشيدة حصتها من الألف ويقع طلاقها بائنا وتطلق الأخرى طلاقا رجعيا ولا شء عليها فصل ويصح الخلع مع الأجنبي بغير إذن المرأة مثل أن يقول الأجنبي للزوج طلق امرأتك بألف على وهذا قول أكثر أهل العلم وقال أبو ثور لا يصح لأنه سفه فإنه يبذل عوضا في مقابلة ما لا منفعة له فيه فإن الملك لا يحصل له فأشبه ما لو قال بع عبدك لزيد بألف علي ولنا إنه بذل مال في مقابلة إسقاط حق عن غيره فصح كم لو أعتق عبدك وعلي ثمنه ولأنه لو قال الق متاعك في البحر وعلي ثمنه صح ولزمه ذلك مع أنه لا يسقط حقا عن أحد فهاهنا أولى ولأنه حق على المرأة يجوز أن يسقط عنها بعوض فجاز لغيرها كالدين وفارق البيعف إنه تمليك فلا يجوز بغير رضاء من يثبت له الملك وإن قال طلق امرأتك بمهرها وأنا ضامن له صح ويرجع عليه بمهرها فصل وإن قالت له امرأته طلقني وضرتي بألف فطلقهما وقع الطلاق بهما بائنا واستحق الألف على باذلته لأن الخلع مع الأجنبي جائز وإن طلق إحداهما فقال القاضي تطلق طلاقا بائنا ولزم الباذلة بحصتها من الألف وهذا مذهب الشافعي إلا أن بعضهم قال يلزمها مهر مثل المطلقة وقياس قول أصحابنا فيما إذا قالت طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة لم يلزمها شيء ووقعت بها التطليقة أن لا يلزم الباذلة هاهنا شيء لأنه لم يجبها إلى ما سألت فلم يجب عليها ما بذلت لأنه قد يكون غرضها في بينونتهما جميعا منه فإذا طلق إحداهما لم يحصل غرضها فلا يلزمها عوضها فصل وإن قالت طلقني بألف على أن تطلق ضرتي أو على أن لا تطلق ضرتي فالخلع صحيح والشرط والبذل لازم وقال الشافعي الشرط والعوض باطلان ويرجع لي مهر المثل لأن الشرط سلف فيالطلاق والعوض بعضه في مقابلة الشرط الباطل فيكون الباقي مجهولا وقال أبو حنيفة الشرط باطل والعوض صحيح لأن العقد يستقل بذلك العوض ولنا إنها بذلت عوضا في طلاقها وطلاق ضرتها فصح كما لو قالت طلقني وضرتي بألف فإن لم يف لها بشرطها فعليها الأقل من المسمى أو الألف الذي شرطته ويحتمل أن لا يستحق شيئا من العوض لأنها إنما بذلته بشرط لم يوجد فلا يستحقه كما لو طلقها بغير عوض مسألة قال ( وما خالع العبد به زوجته من شيء جاز وهو لسيده ) وجملة ذلك أن كل زوج صح طلاقه صح خلعه
لأنه إذا ملك الطلاق وهو مجرد إسقاط من غير تحصيل شيء فلأن يملكه محصلا للعوض أولى والعبد يملك الطلاق فملك الخلع وكذلك المكاتب والسفيه وفي الصبي المميز وجهان بناء على صحة طلاقه ومن لا يصح طلاقه كالطفل والمجنون لا يصح خلعه لأنه ليس من أهل التصرف فلا حكم لكلامه ومتى خالع العبد كان العوض لسيده لأنه من أكسابه واكتسابه لسيده وسائر من ذكرنا العوص لهم ويجب تسليم العوض إلى سيد العبد وولي المحجور عليه لأن العوض في خلع العبد ملك لسيده فلم يجز تسليمه إلى غيره إلا بإذنه وولي المحجور عليه هو الذي يقبض حقوقه وأمواله وهذا من حقوقه وأما المكاتب فيدفع العوض إليه لأنه هو الذي يتصرف لنفسه وقال القاضي يصح قبض العبد والمحجور عليه للعوض لأن من صح خلعه صح قبضه للعوض كالمحجور عليه لفلس واحتج بقول أحمد ما ملكه العبد من خلع فهو لسيده وإن استهلكه لم يرجع على الواهب والمختلعة بشيء والمحجور عليه في معنى العبد والأولى أن لا يجوز لأن العوض في الخلع لسيد العبد فلا يجوز دفعه إلى غير من هو له بغير إذن مالكه والعوض في خلع المحجور عليه ملك له إلا أنه لا يجوز تسليمه إليه لأن الحجر أفاد منعه من التصرف وكلام أحمد يحمل على ما إذا أتلفه العبد قبل تسليمه إليه وعلى عدم الرجوع عليها لا يلزم منه جواز الدفع إليه فإنه لو رجع عليها لرجعت على العبد وتعلق حقها برقبته وهي ملك للسيد فلا فائدة في الرجوع عليها بما يرجع به على ماله وإن أسلمت العوض إلى المحجور عليه لم تبرأ فإن أخذه الولي منه برئت وإن أتلفه أو تلف كان لوليه الرجوع عليها به فصل وقد توقف أحمد في طلاق الأب زوجة ابنه الصغير وخلعه إياها وسأله أبو الصقر على ذلك فقال قد اختلف فيه وكأنه رآه قال أبو بكر لم يبلغني في هذه المسألة إلا ما رواه أبو الصقر فيخرج على قولين إحداهما يملك ذلك وهو قول عطاء وقتادة لأن ابن عمر طلق على ابن له معتوه رواه الإمام أحمد وعن عبد الله بن عمرو أن المعتوه إذا عبث بأهله طلق عليه وليه قال عمرو بن شعيب وجدنا ذلك في كتاب عبد الله بن عمرو لأنه يصح أن يزوجه فصح أن يطلق عليه إذا لم يكن متهما كالحاكم يفسخ للإعسار ويزوج الصغير والقول الآخر لا يملك ذلك وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الطلاق لمن أخذ بالساق رواه ابن ماجة وعن عمر أنه قال إنما الطلاق بيد الذي يحل له الفرج ولأنه إسقاط لحقه فلم يملكه كالإبراء من الدين وإسقاط القصاص ولأن طريقه الشهوة فلم يدخل في الولاية والقول في زوجة عبده الصغير كالقول في زوجة ابنه الصغير لأنه في معناه مسألة قال ( وإذا خالعت المرأة في مرض موتها بأكثر من ميراثه منها فالخلع واقع وللورثة أن يرجعوا عليه بالزيادة ) وجملة الأمر أن المخالعة في المرض صحيحة سواء كان المريض الزوج أو الزوجة أو هما جميعا لأنه معاوضة فصح في المرض كالبيع ولا نعلم في هذا خلافا ثم إذا خالعته المريضة بميراثه منها فما دونه صح ولا رجوع وإن خالعته بزيادة بطلت الزيادة وهذا قول الثوري وإسحاق وقال أبو حنيفة له العوض كله فإن حابته فمن الثلث لأنه ليس بوارث لها فصحت محاباتها له من الثلث كالأجنبي وعن مالك كالمذهبين وعنه يعتبر بخلع مثلها وقال الشافعي إن خالعت بمهر مثلها جاز وإن زاد فالزيادة من الثلث
ولنا على أنه لا يعتبر مهر المثل أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم بما قدمنا واعتبار مهر المثل تقويم له وعلى إبطال الزيادة أنها متهمة في أنها قصدت الخلع لتوصل إليه شيئا من مالها بغير عوض على وجه لم تكن قادرة عليه وهو وارث لها فبطل كمالو أوصت له أو أقرت له وأما قدر الميراث فلا تهمة فيه فإنها لو لم تخالعه لورث ميراثه وإن صحت من مرضها ذلك صح الخلع وله جميع ما خالعها به لأنا تبينا أنه ليس بمرض الموت والخلع في غير مرض الموت كالخلع في الصحة مسألة قال ( ولو خالعها في مرض موته وأوصى لها بأكثر مما كانت ترث فللورثة أن لا يعطوها أكثر من ميراثها ) أما خلعه لزوجته فلا إشكال في صحته سواء كان بمهر مثلها أو أكثر أو أقل ولا يعتبر من الثلث لأنه لو طلق بغير عوض لصح فلأن يصح بعوض أولى ولأن الورثة لا يفوتهم بخلعه شيء فإنه لو مات ولو امرأة لبانت بموته ولم تنتقل إلى ورثته فأما إن أوصى لها بمثل ميراثها أو أقل صح لأنه لا تهمة في أنه أبانها ليعطيها ذلك فإنه لو لم يبنها لأخذته بميراثها وإن أوصى لها بزيادة عليه فللورثة منعها ذلك لأنه اتهم في أنه قصد إيصال ذلك إليها لأنه لم يكن له سبيل إلى إيصاله إليها وهي في حباله فطلقها ليوصل ذلك إليها فمنع منه كما لو أوصى لوارث فصل وإذا خالع امرأته على نفقة عدتها فحكي عن أحمد وأبي حنيفة أنه يجوز ذلك وهذا إنما يخرج على أصلي أحمد إذا كانت حاملا أما غير الحامل فلا نفقة لها عليه فلا تصح عوضا وقال الشافعي لا تصح النفقة عوضا فإن خالعها به وجب مهر المثل لأن النفقة لم تجب فلا يصح الخلع كما لو خالعها على عوض ما يتلفه عليها ولنا إنها إحدى النفقتين فصحت المخالعة عليها كنفقة الصبي فيما إذا خالعته على كفالة ولده وقتا معلوما وقولهم إنها لم تجب ممنوع فإنه قد قيل إن النفقة تجب بالعقد ثم إنها إن لم تجب فقد وجد سبب وجوبها كنفقة الصبي بخلاف عوض ما يتلفه مسألة قال ( ولو خالعته بمحرم وهما كافران فقبضه ثم أسلما أو أحدهما لا يرجع عليها بشيء ) وجملة ذلك أن الخلع من الكفار جائز سواء كانوا أهل الذمة أو أهل حرب لأن كل من ملك الطلاق ملك المعاوضة عليه كالمسلم فإن خالعها بعوض صحيح ثم أسلما وترافعا إلى الحاكم أمضى ذلك عليهما كالمسلمين وإن كان بمحرم كخمر وخنزير فقبضه ثم أسلما وترافعا إلينا أو أسلم أحدهما أمضى عليهما ولم يعوض له ولم يرده ولا يبقى له عليها شيء كما لو أصدقها خمرا ثم أسلما أوتبايعا خمرا أو تقابضا ثم أسلما وإن كان إسلامهما أو ترافعهما قبل القبض لم يمضه الحاكم ولم يأمر بإقباضه لأن الخمر والخنزير لا يجوز أن يكون عوضا لمسلم أو من مسلم فلا يأمر الحاكم بإقباضه قال القاضي في الجامع ولا شيء له لأنه رضي منها بما ليس بمال كالمسلمين إذا تخالعا بخمر وقال في المجرد يجب مهر المثل وهو مذهب الشافعي لأن العوض فاسد فيرجع إلى قيمة المتلف وهو مهر المثل وكلام الخرقي يدل بمفهومه على أنه يجب له شيء لأن تخصيصه حالة القبض بنفي الرجوع يدل على الرجوع مع عدم القبض والفرق بينه وبين المسلم أن المسلم لا يعتقد الخمر والخنزير مالا فإذا رضي به عوضا فقد رضي بالخلع بغير مال فلم يكن له شيء والمشرك يعتقده مالا فلم يرض بالخلع بغير عوض فيكون العوض واجبا كما لو خالعها على حر يظنه عبدا أو خمرا يظنه خلا
إذا ثبت أنه يجب له العوض فذكر القاضي أنه مهر المثل كما لو تزوجها على خمر ثم أسلما وعلى ما عللنا به يقتضي وجوب قيمة ما سمى لها على تقدير كونه مالا فإنه رضي بمالية ذلك فيكون له قدره من المال كما لو خالعها على خمر يظنه خلا وإن حصل القبض في بعضه دون بعض سقط ما قبض وفيما لم يقبض الوجوه الثلاثة والأصل فيه قول الله تعالى وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين البقرة 278 فصل ويصح التوكيل في الخلع من كل واحد من الزوجين ومن أحدهما منفردا وكل من صح أن يتصرف بالخلع لنفسه جاز توكيله ووكالته حرا كان أو عبدا ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا محجورا عليه أو رشيدا لأن كل واحد منهم يجوز أن يوجب الخلع فصح أن يكون وكيلا وموكلا فيه كالحر الرشيد وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه خلافا ويكون توكيل المرأة في ثلاثة أشياء استدعاء الخلع أو الطلاق وتقدير العوض وتسليمه وتوكيل الرجل في ثلاثة أشياء شرط العوض وقبضه وإيقاع الطلاق أو الخلع ويجوز التوكيل مع تقدير العوض ومن غير تقدير لأنه عقد معاوضة فصح كذلك كالبيع والنكاح والمستحب التقدير لأنه أسلم من الغرر وأسهل على الوكيل لاستغنائه عن الاجتهاد فإن وكل الزوج لم يخل من حالين أحدهما أن يقدر له العوض فخالع به أو بما زاد صح ولزم المسمى لأنه فعل ما أمر به وإن خالع بأقل منه ففيه وجهان أحدهما لا يصح الخلع وهذا اختيار ابن حامد ومذهب الشافعي لأنه خالف موكله فلم يصح تصرفه كما لو وكله في خلع امرأة فخالع أخرى ولأنه لم يأذن له في الخلع بهذا العوض فلم يصح منه كالأجنبي والثاني يصح ويرجع على الوكيل بالنقص وهذا قول أبي بكر لأن المخالفة في قدر العوض لا تبطل الخلع كحالة الإطلاق والأول أولى وأما إن خالف في الجنس مثل أن يأمره بالخلع على دراهم فخالع على عبد أو بالعكس أو يأمره بالخلع حالا فخالع بعوض نسيئة فالقياس أنه لا يصح لأنه مخالف لموكله في جنس العوض فلم يصح تصرفه كالوكيل في البيع ولأن ما خالع به لا يملكه الموكل لكونه لم يأذن فيه ولا الوكيل لأنه لم يوجد السبب بالنسبة إليه وفارق المخالفة في القدر لأنه أمكن جبره بالرجوع بالنقص على الوكيل وقال القاضي القياس أن يلزم الوكيل القدر الذي أذن فيه ويكون له ما خالع قياسا على المخالفة في القدر وهذا يبطل بالوكيل في البيع ولأن هذا خلع لم يأذن فيه الزوج فلم يصح كما لو لم يوكله في شيء ولأنه يفضي إلى أن يملك عوضا ما ملكته إياه المرأة ولا قصد هو تملكه وتنخلع المرأة من زوجها بغير عوض لزمها له بغير إذنه وأما المخالفة في القدر فلا يلزم فيها ذلك مع أن الصحيح أنه لا يصح الخلع فيها أيضا لما قدمناه والحال الثاني إذا أطلق الوكالة فإنه يقتضي الخلع بمهرها المسمى حالا من جنس نقد البلد فإن خالع بذلك فما زاد صح لأنه زاده خيرا وإن خالع بدونه ففيه الوجهان المذكوران فيما إذا قدر له العوض فخالع بدونه وذكر القاضي احتمالين آخرين أحدهما أن يسقط المسمى ويجب مهر المثل لأنه خالع بما لم يؤذن له فيه
والثاني أن يتخير الزوج بين قبول العوض ناقصا ولا رجعة له وبين رده وله الرجعة وإن خالع بغير نقد البلد فحكمه حكم ما لو عين له عوضا فخالع بغير جنسه وإن خالع الوكيل بما ليس بمال كالخمر والخنزير لم يصح الخلع ولم يقع الطلاق لأنه غير مأذون له فيه إنما أذن له في الخلع وهو إبانة المرأة بعوض وما أتى به وإنما أتي بطلاق غير مأذون له فيه ذكره القاضي في المجرد وهو مذهب الشافعي وسواء عين له العوض أو أطلق وذكر في الجامع أن الخلع يصح ويرجع على الوكيل بالمسمى ولا شيء على المرأة هذا إذا قلنا الخلع بلا عوض يصح وإن قلنا لا يصح لم يصح إلا أن يكون بلفظ الطلاق فيقع طلقة رجعية واحتج بأن وكيل الزوجة لو خالع بذلك صح فكذلك وكيل الزوج وهذا القياس غير صحيح فإن وكيل الزوج يوقع الطلاق فلا يصح أن يوقعه على غير ما أذن له فيه ووكيل الزوجة لا يوقع وإنما يقبل ولأن وكيل الزوج إذا خالع على محرم فوت على موكله العوض ووكيل الزوجة يخلصها منه فلا يلزم من الصحة في موصع يخلص موكله من وجوب العوض عليه الصحة في موضع يفوته عليه ألا ترى أن وكيل الزوجة لو صالح بدون العوض الذي قدرته له صح ولزمها ولو خالع وكيل الزوج بدون العوض الذي قدره له لم يلزمه وأما وكيل الزوجة فله حالان أحدهما أن تقدر له العوض فمتى خالع به فما دون صح ولزمها ذلك لأنه زادها خيرا وإن خالع بأكثر منه صح ولم تلزمها الزيادة لأنه لم تأذن فيها ولزم الوكيل لأنه التزمه للزوج فلزمه الضمان كالمضارب إذا اشترى من يعتق علي رب المال وقال القاضي في المجرد عليها مهر مثلها ولا شيء على وكيلها لأنه لا يقبل العقد لنفسه إنما يقبله لغيره ولعل هذا مذهب الشافعي والأولى أنه لا يلزمها أكثر مما بذلته لأنها ما التزمت أكثر منه ولا وجد منها تغرير للزوج ولا ينبغي أن يجب للزوج أيضا أكثر مما بذل له الوكيل لأنه رضي بذلك عوضا وهو عوض صحيح معلوم فلم يكن له أكثر منه كما لو بذلته المرأة الثاني أن يطلق الوكالة فيقتضي خلعها بمهرها من جنس نقد البلد فإن خالعها بذلك فما دون صح ولزمها وإن خالعها بأكثر منه فهو كما لو خالعها بأكثر مما قدرت له على ما مضى من القول فيه فصل إذا اختلفا في الخلع فادعاه الزوج وأنكرته المرأة بانت بإقراره ولم يستحق عليها عوضا لأنها منكرة وعليها اليمين وإن ادعته المرأة وأنكره الزوج فالقول قوله لذلك ولا يستحق عليها عوضا لأنه لا يدعيه فإن اتفقا على الخلع واختلفا في قدر العوض أو جنسه أو حلوله أو تأجيله أو صفته فالقول قول المرأة حكاه أبو بكر نصا عن أحمد وهو قول مالك وأبي حنيفة وذكر القاضي رواية أخرى عن أحمد أن القول قول الزوج لأن البضع يخرج من ملكه فكان القول قوله في عوضه كالسيد مع مكاتبته وقال الشافعي يتحالفان لأنه اختلاف في عوض العقد فيتحالفان فيه كالمتبايعين إذا اختلفا في الثمن
ولنا إنه أحد نوعي الخلع فكان القول قول المرأة كالطلاق على مال إذا اختلفا في قدره ولأن المرأة منكرة للزيادة في القدر أو الصفة فكان القول قولها لقول النبي صلى الله عليه وسلم اليمين على المدعى عليه وأما التحالف في البيع فيحتاج إليه لفسخ العقد والخلع في نفسه فسخ فلا يفسخ وإن قال خالعتك بألف فقالت إنما خالعت غيري بألف في ذمته بانت والقول قولها في نفي العوض عنها لأنها منكرة له وإن قالت نعم ولكن ضمنها لك أبي أو غيره لزمها الألف لإقرارها به والضمان لا يبرىء ذمتها وكذلك إن قالت خالعتك على ألف يزنه لك أبي لأنها اعترفت بالألف وادعت على أبيها دعوى فقبل قولها على نفسها دون غيرها وإن قال سألتني طلقة بألف فقالت بل سألتك ثلاثا بألف فطلقتني واحدة بانت بإقراره والقول قولها في سقوط العوض وعند أكثر الفقهاء يلزمها ثلث الألف بناء على أصلهم فيما إذا قالت طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة أنه يلزمها ثلث الألف وإن خالعها على ألف فادعى أنها دنانير وقالت بل هي دراهم فالقول قولها لما ذكرنا في أول الفصل ولو قال أحدهما كانت دراهم قراضة وقال الآخر مطلقة فالقول قولها إلا على الرواية التي حكاها القاضي فإن القول قول الزوج في هاتين المسألتين وإن اتفقا على الإطلاق لزم الألف من غالب نقد البلد وإن اتفقا على أنهما أرادا دراهم لزمها ما اتفقت إرادتهما عليه وإن اختلفا في الإرادة كان حكمها حكم المطلقة يرجع إلى غالب نقد البلد وقال القاضي إذا اختلفا في الإرادة وجب المهر المسمى في العقد لأن اختلافهما يجعل البلد مجهولا فيجب المسمى في النكاح والأول أصح لأنهما لو أطلقا لصحت التسمية ووجب الألف من غالب نقد البلد ولم يكن إطلاقهما جهالة تمنع صحة العوض فكذلك إذا اختلفا ولأنه يجيز العوض المجهول إذا لم تكن جهالته تزيد على جهالة مهر المثل كعبد مطلق وبعير وفرس والجهالة هاهنا أقل فالصحة أولى فصل إذا علق طلاق امرأته بصفة ثم أبانها بخلع أو طلاق ثم عاد فتزوجها ووجدت الصفة طلقت ومثاله إذا قال إن كلمت أباك فأنت طالق ثم أبانها بخلع ثم تزوجها فكلمت أباها فإنها تطلق نص عليه أحمد فأما إن وجدت الصفة في حال البينونة ثم تزوجها ثم وجدت مرة أخرى فظاهر المذهب أنها تطلق وعن أحمد ما يدل على أنها لا تطلق نص عليه في العتق في رجل قال لعبده أنت حر إن دخلت الدار فباعه ثم رجع يعني فاشتراه فإن رجع وقد دخل الدار لم يعتق وإن لم يكن دخل فلا يدخل إذا رجع إليه فإن دخل عتق فإذا نص في العتق على أن الصفة لا تعود وجب أن يكون في الطلاق مثله بل أولى لأن العتق يتشوف الشرع إليه ولذلك قال الخرقي وإذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لم تطلق إن تزوجها ولو قال إن ملكت فلانا فهو حر فملكه صار حرا وهذا اختيار أبي الحسن التميمي وأكثر أهل العلم يرون أن الصفة لا تعود إذا أبانها بطلاق ثلاث وإن لم توجد الصفة في حال البينونة هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد أقوال الشافعي قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار فطلقها ثلاثا ثم نكحت غيره ثم نكحها الحالف ثم دخلت الدار أنه لا يقع عليها الطلاق وهذا على مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي لأن إطلاق الملك يقتضي ذلك فإن أبانها دون الثلاث فوجدت الصفة ثم تزوجها انحلت يمينه في قولهم وإن لم توجد الصفة في البينونة ثم نكحها لم تنحل في قول مالك وأصحاب الرأي وأحد أقوال الشافعي وله قول آخر لا تعود الصفة بحال وهو اختيار المزني وأبي إسحاق لأن الإيقاع وجد قبل النكاح فلم يقع كما لو علقه بالصفة قبل أن يتزوج بها فإنه لا خلاف في أنه لو قال لأجنبية أنت طالق إذا دخلت الدار ثم تزوجها ودخلت الدار لم تطلق وهذا في معناه
فأما إذا وجدت الصفة في حال البينونة انحلت اليمين لأن الشرط وجد في وقت لا يمكن وقوع الطلاق فيه فسقطت اليمين وإذا انحلت مرة لم يمكن عودها إلا بعقد جديد ولنا إنا عقد الصفة ووقوعها وجدا في النكاح فيقع كما لو لم يتخلله بينونة أو كما لو بانت بما دون الثلاث عند مالك وأبي حنيفة ولم تفعل الصفة وقولهم إن هذا طلاق قبل نكاح قلنا يبطل بما إذا لم يكمل الثلاث وقولهم تنحل الصفة بفعلها قلنا إنما تنحل بفعلها على وجه يحنث به وذلك لأن اليمين حل وعقد ثم ثبت أن عقدها يفتقر إلى الملك فكذلك حلها والحنث لا يحصل بفعل الصفة حال بينونتها فلا تنحل اليمين وأما العتق ففيه روايتان إحداهما أن العتق كالنكاح في أن الصفة لا تنحل بوجودها بعد بيعه فيكون كمسألتنا والثانية تنحل لأن الملك الثاني لا يبنى على الأول في شيء من أحكامه وفارق النكاح فإنه يبنى على الأول في بعض أحكامه وهو عدد الطلاق فجاز أن يبنى عليه في عود الصفة ولأن هذا يفعل حيلة على إبطال الطلاق المعلق والحيل خداع لا تحل ما حرم الله فإن ابن ماجة وابن بطة رويا بإسنادهما عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته قد طلقتك قدر راجعتك قد طلقتك وفي لفظ رواه ابن بطة خلعتك وراجعتك طلقتك راجعتك وروي بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل فصل فإن كانت الصفة لا تعود بعد النكاح الثاني مثل أن قال إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق ثلاثا ثم أبانها فأكلته ثم نكحها لم يحنث لأن حنثه بوجود الصفة في النكاح الثاني وما وجدت ولا يمكن إيقاع الطلاق بأكلها له حال البينونة لأن الطلاق لا يلحق البائن والله أعلم كتاب الطلاق الطلاق حل قيد النكاح وهو مشروع والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان البقرة 229 وقال تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1 وأما السنة فما روى ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء متفق عليه في آي وأخبار سوى هذين كثير وأجمع الناس على جواز الطلاق والعبرة دالة على جوازه فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وضررا مجردا بإلزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه فصل والطلاق على خمسة أضرب ( واجب ) وهو طلاق المولى بعد التربص إذا أبى الفيئة ( وطلاق ) الحكمين في الشقاق إذ رأيا ذلك ( ومكروه ) وهو الطلاق من غير حاجة إليه وقال القاضي فيه روايتان إحداهما أنه محرم لأنه ضرر بنفسه وزوجته وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه فكان حراما كإتلاف المال لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار والثانية أنه مباح لقول النبي صلى الله عليه وسلم أبغض الحلال إلى الله الطلاق وفي لفط ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق رواه أبو داود وإنما يكون مبغوضا من غير حاجة إليه وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حلالا ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها فيكون مكروها
والثالث مباح وهو عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة وسوء عشرتها والتضرر بها من غير حصول الغرض بها والرابع مندوب إليه وهو عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها مثل الصلاة ونحوها ولا يمكنه إجبارها عليها أو تكون له امرأة غير عفيفة قال أحمد لا ينبغي له إمساكها وذلك لأن فيه نقصا لدينه ولا يأمن إفسادها لفراشه وإلحاقها به ولدا ليس هو منه ولا بأس بعضلها في هذه الحال والتضييق عليها لتفتدي منه قال الله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب ومن المندوب إليه الطلاق في حال الشقاق وفي الحال التي تخرج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر ( وأما المحظور ) فالطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه أجمع العلماء في جميع الأمصار وكل الأعصار على تحريمه ويسمى طلاق البدعة لأن المطلق خالف السنة وترك أمر الله تعالى ورسوله قال الله تعالى فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1 وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء وفي لفظ رواه الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين آخرتين عند القرأين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء ولأنه إذا طلق في الحيض طول العدة عليها فإن الحيضة التي طلق فيها لا تحسب من عدتها ولا الطهر الذي بعدها عند من يجعل الإقراء الحيض وإذا طلق في طهر أصابها فيه لم يأمن أن تكون حاملا فيندم وتكون مرتابة لا تدري أتعتد بالحمل أو الإقراء مسألة قال ( وطلاق السنة أن يطلقها ظاهرا من غير جماع واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ) معنى طلاق السنة الطلاق الذي وافق أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في الآية والخبرين المذكورين وهو الطلاق في طهر لم يصبها فيه ثم يتركها حتى تنقضي عدتها ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه ثم تركها حتى تنقضي عدتها أنه مصيب للسنة مطلق للعدة التي أمر الله بها قاله ابن عبد البر وابن المنذر وقال ابن مسعود طلاق السنة أن يطلقها من غير جماع وقال في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1 قال طاهرا من غير جماع ونحوه عن ابن عباس وفي حديث ابن عمر الذي رويناه ( ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ) فأما قوله ثم يدعها حتى تنقضي عدتها فمعناه أنه لا يتبعها طلاقا آخر قبل قضاء عدتها ولو طلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار كان حكم ذلك حكم جمع الثلاث في طهر واحد قال أحمد طلاق السنة واحدة ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض وكذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وقال أبو حنيفة والثوري السنة أن يطلقها ثلاثا في كل قرء طلقة وهو قول سائر الكوفيين واحتجوا بحديث ابن عمر حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم راجعها ثم أمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر قالوا وإنما أمره بإمساكها في هذا الطهر لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل فإذا مضى ومضت الحيضة التي بعده أمره بطلاقها وقول في حديثه الآخر والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء وروى النسائي بإسناده عنعبد الله قال طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ثم تعتد بعد ذلك بحيضة
ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا يطلق أحد للسنة فيندم رواه الأثرم وهذا إنما يحصل في حق من لم يطلق ثلاثا وقال ابن سيرين إن عليا كرم الله وجهه قال لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق ما يتبع رجل نفسه امرأة أبدا يطلقها تطليقة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثة فمتى شاء راجعها رواه النجاد بإسناده وروى ابن عبد البر بإسناده عن ابن مسعود أنه قال طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إن شاء فأما حديث ابن عمر الأول فلا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه جمع الثلاث وأما حديثه الآخر فيحتمل أن يكون ذلك بعد ارتجاعها ومتى ارتجع بعد الطلقة ثم طلقها كان للسنة على كل حال حتى قد قال أبو حنيفة لو أمسكها بيده لشهوة ثم والى بين الثلاث كان مصيبا للسنة لأنه يكون مرتجعا لها والمعنى فيه أنه إذا ارتجعها سقط حكم الطلقة الأولى فصارت كأنها لم توجد ولا غنى به عن الطلقة الأخرى إذا احتاج إلى فراق امرأته بخلاف ما إذا لم يرتجعها فإنه مستغن عنها لإفضائها إلى مقصوده من إبانتها فافترقا ولأن ما ذكروه أرداف طلاق من غير ارتجاع فلم يكن للسنة كجمع الثلاث في طهر واحد وتحريم المرأة لا يزول إلا بزوج وإصابة من غير حاجة فلم يكن للسنة كجمع الثلاث فصل فإن طلق للبدعة وهو أن يطلقها حائضا أو في طهر أصابها فيه أثم ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر وابن عبد البر لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة قالوا لا يقع طلاقه لأن الله تعالى أمر به في قبل العدة فإذا طلق في غيره لم يقع كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمره موكله بإيقاعه في غيره ولنا حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها وفي رواية الدارقطني قال فقلت يا رسول الله أفرأيت لو أني طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها قال لا كانت تبين منك وتكون معصية وقال نافع وكان عبد الله طلقها تطليقة فحسبت من طلاقه وراجعها كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رواية يونس بن جبير عن ابن عمر قال قلت لابن عمر أفتعتد عليه أو تحتسب عليه قال نعم أرأيت إن عجز واستحق وكلها أحاديث صحاح ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق فوقع كطلاق الحامل ولأنه ليس يقر به فيعتبر لوقوعه موافقة السنة بل هي إزالة عصمة وقطع ملك فإيقاعه في زمن البدعة أولى تغليظا عليه وعقوبة له أما غير الزوج فلا يملك الطلاق والزوج يملكه بملكه محله فصل ويستحب أن يراجعها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمراجعتها وأقل أحوال الأمر الاستحباب ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أن الرجعة تجب واختارها وهو قول مالك وداود لظاهر الأمر في الوجوب ولأن الرجعة تجري مجرى استبقاء النكاح واستبقاؤه هاهنا واجب بدليل تحريم الطلاق ولأن الرجعة إمساك للزوجة بدليل قوله تعالى فأمسكوهن بمعروف البقرة 231 فوجب ذلك كإمساكها قبل الطلاق وقال مالك وداود يجبر على رجعتها قال أصحاب مالك يجبر على رجعتها ما دامت في العدة إلا أشهب قال ما لم تطهر ثم تحيض لأنه لا يجب عليه إمساكها في تلك الحال فلا يجب عليه رجعتها فيه ولنا إنه طلاق لا يرتفع بالرجعة فلم تجب عليه الرجعة فيه كالطلاق في طهر مسها فيه فإنهم أجمعوا على أن الرجعة لا تجب حكاه ابن عبد البر عن جميع العلماء وما ذكروه من المعنى ينتقض بهذه الصورة وأما الأمر بالرجعة فمحمول على الاستحباب لما ذكرنا