Qur'an&Sunnah

İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye

قسم V01/P137–V01/P140

أخرج به معي، إن ابن أخي قد بلغ، وهو غريب في غير قومه، ونحن أهل بيت شرف في قومنا، نلي كثيرا من أمورهم، وقومه وبلده وعشيرته خير له من الإقامة في غيرهم، أو كما قال. وقال شيبة لعمه المطلب- فيما يزعمون-: لست بمفارقها إلا أن تأذن لي، فأذنت له، ودفعته إليه، فاحتمله فدخل به مكة مردفه معه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطلب ابتاعه، فبها سمي شيبة عبد المطلب. فقال المطلب: ويحكم! إنما هو ابن أخي هاشم، قدمت به من المدينة. (موت المطلب وما قيل في رثائه من الشعر) : ثم هلك المطلب بردمان من أرض اليمن، فقال رجل من العرب يبكيه: قد ظمئ الحجيج بعد المطلب ... بعد الجفان والشراب المنثعب ليت قريشا بعده على نصب وقال مطرود بن كعب الخزاعي، يبكي المطلب وبني عبد مناف جميعا حين أتاه نعي نوفل بن عبد مناف، وكان نوفل آخرهم هلكا: يا ليلة هيجت ليلاتي ... إحدى ليالي القسيات وما أقاسي من هموم وما ... عالجت من رزء المنيات إذا تذكرت أخي نوفلا ... ذكرني بالأوليات ذكرني بالأزر الحمر و ... الأردية الصفر القشيبات أربعة كلهم سيد ... أبناء سادات لسادات ميت بردمان وميت بسلمان ... وميت عند غزات وميت أسكن لحدا لدى ... المحجوب شرقي البنيات أخلصهم عبد مناف فهم ... من لوم من لام بمنجاة إن المغيرات وأبناءها ... من خير أحياء وأموات وكان اسم عبد مناف المغيرة، وكان أول بني عبد مناف هلكا هاشم، بغزة من أرض الشام، ثم عبد شمس بمكة، ثم المطلب بردمان من أرض اليمن ثم نوفلا بسلمان من ناحية العراق. فقيل لمطرود- فيما يزعمون-: لقد قلت فأحسنت، ولو كان أفحل مما قلت كان أحسن، فقال: أنظرني ليالي، فمكث أياما، ثم قال: يا عين جوى وأذري الدمع وانهمري ... وابكي على السر من كعب المغيرات يا عين واسحنفري بالدمع واحتفلي ... وابكي خبيئة نفسي في الملمات وابكي على كل فياض أخي ثقة ... ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات محض الضريبة عالي الهم مختلق ... جلد النحيزة ناء بالعظيمات صعب البديهة لا نكس ولا وكل ... ماضي العزيمة متلاف الكريمات صقر توسط من كعب إذا نسبوا ... بحبوحة المجد والشم الرفيعات ثم اندبي الفيض والفياض مطلبا ... واستخرطي بعد فيضات بجمات أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا ... يا لهف نفسي عليه بين أموات وابكي، لك الويل، إما كنت باكية ... لعبد شمس بشرقي البنيات وهاشم في ضريح وسط بلقعة ... تسفى الرياح عليه بين غزات ونوفل كان دون القوم خالصتي ... أمسى بسلمان في رمس بموماة لم ألق مثلهم عجما ولا عربا ... إذا استقلت بهم أدم المطيات أمست ديارهم منهم معطلة ... وقد يكونون زينا في السريات أفناهم الدهر أم كلت سيوفهم ... أم كل من عاش أزواد المنيات أصبحت أرضى من الأقوام بعدهم ... بسط الوجوه وإلقاء التحيات يا عين فابكي أبا الشعث الشجيات ... يبكينه حسرا مثل البليات يبكين أكرم من يمشي على قدم ... يعولنه بدموع بعد عبرات يبكين شخصا طويل الباع ذا فجر ... آبي الهضيمة فراج الجليلات يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه ... سمح السجية بسام العشيات يبكينه مستكينات على حزن ... يا طول ذلك من حزن وعولات يبكين لما جلاهن الزمان له ... خضر الخدود كأمثال الحميات محتزمات على أوساطهن لما ... جر الزمان من أحداث المصيبات أبيت ليلي أراعي النجم من ألم ... أبكي وتبكي معي شجوي بنياتي ما في القروم لهم عدل ولا خطر ... ولا لمن تركوا شروى بقبات أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم ... خير النفوس لدى جهاد الأليات كم وهبوا من طمر سابح أرن ... ومن طمرة نهب في طمرات ومن سيوف من الهندي مخلصة ... ومن رماح كأشطان الركيات ومن توابع مما يفضلون بها ... عند المسائل من بذل العطيات فلو حسبت وأحصى الحاسبون معي ... لم أقض أفعالهم تلك الهنيات هم المدلون إما معشر فخروا ... عند الفخار بأنساب نقيات

قسم V01/P140–V01/P144

زين البيوت التي خلوا مساكنها ... فأصبحت منهم وحشا خليات أقول والعين لا ترقى مدامعها ... لا يبعد الله أصحاب الرزيات قال ابن هشام: الفجر: العطاء. قال أبو خراش الهذلي : عجف أضيافي جميل بن معمر ... بذي فجر تأوي إليه الأرامل قال ابن إسحاق: أبو الشعث الشجيات: هاشم بن عبد مناف. (ولاية عبد المطلب السقاية والرفادة) : قال: ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم. ذكر حفر زمزم وما جرى من الخلف فيها (الرؤيا التي أريها عبد المطلب في حفر زمزم) : ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحجر إذ أتي فأمر بحفر زمزم. قال ابن إسحاق: وكان أول ما ابتدئ به عبد المطلب من حفرها، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الله ابن زرير الغافقي: أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة . قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة . قال: وما برة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة . قال: فقلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل. (عبد المطلب وابنه الحارث وما كان بينهما وبين قريش عند حفرهما زمزم) : قال ابن إسحاق: فلما بين له شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها. فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هذيم ، قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام. فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر. قال: والأرض إذ ذاك مفاوز. قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام، فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا، قالوا: نعم ما أمرت به.. فقام كل واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا، لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا. حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها. فلما انبعثت به، انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر

قسم V01/P144–V01/P147

عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا. ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها. قال ابن إسحاق: فهذا الذي بلغني من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم، وقد سمعت من يحدث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم: ثم ادع بالماء الروى غير الكدر ... يسقي حجيج الله في كل مبر ليس يخاف منه شيء ما عمر فخرج عبد المطلب، حين قيل له ذلك، إلى قريش، فقال: تعلموا أني قد أمرت أن أحفر لكم زمزم، فقالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال: لا، قالوا: فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه، فأتي فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهي تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام حافل لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم. قال ابن هشام: هذا الكلام والكلام الذي قبله، من حديث علي (رضوان الله عليه) في حفر زمزم من قوله: «لا تنزف أبدا ولا تذم» إلى قوله: «عند قرية النمل» عندنا سجع وليس شعرا. قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين قيل له ذلك، قال: وأين هي؟ قيل له: عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب غدا. والله أعلم أي ذلك كان. فعدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين: إساف ونائلة، اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها. فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما، فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عني حتى أحفر، فو الله لأمضين لما أمرت به. فلما عرفوا أنه غير نازع ، خلوا بينه وبين الحفر، وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا، حتى بدا له الطي، فكبر وعرفوا أنه قد صدق. فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا، فقالت له قريش يا عبد المطلب، لنا معك في هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف ، بيني وبينكم: نضرب عليها بالقداح ، قالوا: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج له قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوا (القداح) صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل (وهبل: صنم في جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم، وهو الذي يعني أبو سفيان ابن حرب يوم أحد حين قال: أعل هبل: أي أظهر دينك) وقام عبد المطلب يدعو الله عز وجل، فضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف، والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب. فكان أول ذهب حليته الكعبة، فيما يزعمون. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج. ذكر بئار قبائل قريش بمكة (الطوي ومن حفرها) : قال ابن هشام: وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة، فيما حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق، قال: حفر عبد شمس بن عبد مناف الطوي ، وهي البئر التي بأعلى مكة عند البيضاء، دار محمد بن يوسف (الثقفي) .

قسم V01/P147–V01/P151

(بذر ومن حفرها) : وحفر هاشم بن عبد مناف بذر، وهي البئر التي عند المستنذر، خطم الخندمة [3] على فم شعب أبي طالب. وزعموا أنه قال حين حفرها: لأجعلنها بلاغا للناس [4] . قال ابن هشام: وقال الشاعر: سقى الله أمواها عرفت مكانها ... جرابا وملكوما وبذر والغمرا (سجلة ومن حفرها) : قال ابن إسحاق: وحفر سجلة ، وهي بئر المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف التي يسقون عليها اليوم. ويزعم بنو نوفل أن المطعم ابتاعها من أسد بن هاشم، ويزعم بنو هاشم أنه وهبها له حين ظهرت زمزم، فاستغنوا بها عن تلك الآبار. (الحفر ومن حفرها) : وحفر أمية بن عبد شمس الحفر لنفسه. (سقية ومن حفرها) : وحفرت بنو أسد بن عبد العزى سقية ، وهي بئر بني أسد. (أم أحراد ومن حفرها) : وحفرت بنو عبد الدار أم أحراد . (السنبلة ومن حفرها) : وحفرت بنو جمح السنبلة، وهي بئر خلف بن وهب. (الغمر ومن حفرها) : وحفرت بنو سهم الغمر، وهي بئر بني سهم (رم وخم والحفر وأصحابها) : وكانت آبار حفائر خارجا من مكة قديمة من عهد مرة بن كعب، وكلاب ابن مرة، وكبراء قريش الأوائل منها يشربون، وهي رم، ورم: بئر مرة ابن كعب بن لؤي: وخم، وخم بئر بني كلاب بن مرة، والحفر . قال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي: قال ابن هشام: وهو أبو أبي جهم بن حذيفة: وقدما غنينا قبل ذلك حقبة ... ولا نستقي إلا بخم أو الحفر قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له: سأذكرها إن شاء الله في موضعها. (فضل زمزم وما قيل فيها من شعر) : قال ابن إسحاق: فعفت زمزم على البئار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها، وعلى سائر العرب، فقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو يفخر على قريش بما ولوا عليهم من السقاية والرفادة، وما أقاموا للناس من ذلك، وبزمزم حين ظهرت لهم، وإنما كان بنو عبد مناف أهل بيت واحد، شرف بعضهم لبعض شرف، وفضل بعضهم لبعض فضل: ورثنا المجد من آبائنا ... فنمى بنا صعدا ألم نسق الحجيج وننحر ... الدلافة الرفدا ونلقى عند تصريف ... المنايا شددا رفدا فإن نهلك فلم نملك ... ومن ذا خالد أبدا وزمزم في أرومتنا ... ونفقأ عين من حسدا قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي: وساقي الحجيج ثم للخير هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الفهري طوى زمزما عند المقام فأصبحت ... سقايته فخرا على كل ذي فخر قال ابن هشام: يعني عبد المطلب بن هاشم. وهذان البيتان في قصيدة لحذيفة بن غانم سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب بن هاشم- فيما يزعمون والله أعلم- قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة. فلما توافى بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني. ففعلوا، ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وكان هبل على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة. (الضرب بالقداح عند العرب) :

قسم V01/P151–V01/P153

وكان عند هبل قداح سبعة، كل قدح منها فيه (كتاب. قدح فيه) (العقل) [2] إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة ، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله، وقدح فيه «نعم» للأمر إذا أرادوه يضرب به في القداح، فإن خرج قدح «نعم» عملوا به، وقدح فيه «لا» إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإن خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه «منكم» ، وقدح فيه «ملصق» ، وقدح فيه «من غيركم» ، وقدح فيه «المياه» إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب فإن خرج عليه «منكم» كان منهم وسيطا ، وإن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، وإن خرج عليه «ملصق» كان على منزلته فيهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء، مما سوى هذا مما يعملون به «نعم» عملوا به، وإن خرج «لا» أخروه عامه ذلك حتى يأتوه به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح . (عبد المطلب وأولاده بين يدي صاحب القداح) : فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه، كان هو والزبير وأبو طالب لفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. قال ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم . (خروج القدح على عبد الله وشروع أبيه في ذبحه، ومنع قريش له) : قال ابن إسحاق: وكان عبد الله- فيما يزعمون- أحب ولد عبد المطلب إليه، فكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى ، وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه. لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا! وقال له المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم بن يقظة، وكان عبد الله ابن أخت القوم: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. (عرافة الحجاز وما أشارت به أم عبد المطلب) : فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجودها- فيما يزعمون- بخيبر. فركبوا حتى جاءوها، فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به ونذره فيه، فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله. فرجعوا من عندها، فلما خرجوا عنها، قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها، فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل، وكانت كذلك . قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح ، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم. (نجاة عبد الله من الذبح) :

قسم V01/P153–V01/P156

فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك من الأمر، قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، وعبد المطلب قائم عند هبل يدعو الله عز وجل، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب يدعو الله عز وجل، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل ثلاثين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل أربعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل خمسين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله؛ فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل ستين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل سبعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل ثمانين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل تسعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل مائة، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فضربوا، فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فضربوا، فخرج القدح على الإبل، فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع. قال ابن هشام: ويقال: إنسان ولا سبع. قال ابن هشام: وبين أضعاف هذا الحديث رجز لم يصح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر. ذكر المرأة المتعرضة لنكاح عبد الله بن عبد المطلب (رفض عبد الله طلب المرأة التي عرضت نفسها عليه) : قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد الله، فمر به- فيما يزعمون- على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الآن، قال: أنا مع أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه. (زواج عبد الله من آمنة بنت وهب) : فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا. (أمهات آمنة بنت وهب) : وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وبرة: لأم حبيب بنت أسد بن عبد العزى ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وأم حبيب لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. (ما جرى بين عبد الله والمرأة المتعرضة له بعد بنائه بآمنة) : فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه، فوقع عليها، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من عندها، فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس؟ قالت له:

قسم V01/P156–V01/P159

فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس (لي) بك اليوم حاجة. وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل- وكان قد تنصر واتبع الكتب: أنه سيكون في هذه الأمة نبي. قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار أنه حدث: أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من أثر الطين، فخرج من عندها فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك الطين، ثم خرج عامدا إلى آمنة، فمر بها، فدعته إلى نفسها، فأبى عليها، وعمد إلى آمنة، فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم مر بامرأته تلك، فقال لها: هل لك؟ قالت: لا، مررت بي وبين عينيك غرة بيضاء، فدعوتك فأبيت علي، ودخلت على آمنة فذهبت بها. قال ابن إسحاق: فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث: أنه مر بها وبين عينيه غرة مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن تكون تلك بي، فأبى علي، ودخل على آمنة، فأصابها، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط قومه نسبا، وأعظمهم شرفا من قبل أبيه وأمه، صلى الله عليه وسلم. ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعمون- فيما يتحدث الناس والله أعلم- أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث: أنها أتيت، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى، من أرض الشام. (موت عبد الله) : ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب ، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هلك، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به . ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاعته (رأى ابن إسحاق مولده صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، عام الفيل (رواية قيس بن مخرمة عن مولده صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة، قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، فنحن لدان . (رواية حسان بن ثابت، عن مولده صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري. قال: حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت، قال: والله إني لغلام يفعة، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب: يا معشر يهود، حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلك مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به. قال محمد بن إسحاق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فقلت: ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ فقال: ابن ستين (سنة) ، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين. (إعلام أمه جده بولادته صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام، فأته فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت به أن تسميه. (فرح جده به صلى الله عليه وسلم، والتماسه له المراضع) :

قسم V01/P159–V01/P163

فيزعمون أن عبد المطلب أخذه، فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله، ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها . والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء. قال ابن هشام: المراضع. وفى كتاب الله تبارك وتعالى في قصة موسى عليه السلام: وحرمنا عليه المراضع 28: 12 . (نسب حليمة، ونسب أبيها) : قال ابن إسحاق: فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، يقال لها: حليمة ابنة أبي ذؤيب. وأبو ذؤيب: عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية [4] بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. (نسب أبيه صلى الله عليه وسلم في الرضاع) : واسم أبيه الذي أرضعه صلى الله عليه وسلم: الحارث بن عبد العزى بن رفاعة ابن ملان بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن . قال ابن هشام: ويقال: هلال بن ناصرة. (إخوته صلى الله عليه وسلم من الرضاع) : قال ابن إسحاق: وإخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة بنت الحارث، وهي الشيماء ، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به. وهم لحليمة بنت أبي ذؤيب، عبد الله بن الحارث، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويذكرون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذا كان عندهم . (حديث حليمة عما رأته من الخير بعد تسلمها له صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: وحدثني جهم بن أبي جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. أو عمن حدثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية. أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته، تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء، لم تبق لنا شيئا. قالت: فخرجت على أتان لي قمراء ، معنا شارف لنا، والله ما نبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغديه- قال ابن هشام: ويقال: يغذيه- ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا ، حتى قدمنا مكة نلتمس [9] الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت : فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته، رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي ، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت (أنا) [5] أتاني، وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر عليها

قسم V01/P163–V01/P166

شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا بنة أبي ذؤيب، ويحك! اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأنا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا . قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته. فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وبأ مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا. (حديث الملكين اللذين شقا بطنه صلى الله عليه وسلم) : قالت: فرجعنا به، فو الله إنه بعد مقدمنا (به) بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتد ، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقا بطنه، فهما يسوطانه . قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدنا قائما منتقعا وجهه. قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بني، قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني وشقا بطني، فالتمسا (فيه) شيئا لا أدري ما هو. قالت: فرجعنا (به) إلى خبائنا. (رجوع حليمة به صلى الله عليه وسلم إلى أمه) : قالت: وقال لي أبوه يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه، وعلى مكثه عندك؟ قالت: فقلت : قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي، وتخوفت الأحداث، عليه، فأديته إليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك، فاصدقيني خبرك. قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها. قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قالت: قلت نعم، قالت: كلا، والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبني لشأنا، أفلا أخبرك خبره، قالت: (قلت) بلى، قالت: رأيت حين حملت به، أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخف (علي) ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة. (تعريفه صلى الله عليه وسلم بنفسه، وقد سئل عن ذلك) : قال ابن إسحاق وحدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي: أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى (أخي) عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجنا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ، ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فو الله لو وزنته بأمته لوزنها . (هو والأنبياء قبله رعوا الغنم) : قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا» . (اعتزازه صلى الله عليه وسلم بقرشيته، واسترضاعه في بني سعد) :

قسم V01/P166–V01/P168

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: أنا أعربكم، أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد بن بكر. (افتقدته حليمة صلى الله عليه وسلم حين رجوعها به، ووجده ورقة بن نوفل) : قال ابن إسحاق: وزعم الناس فيما يتحدثون، والله أعلم: أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس وهي مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب، فقالت له: إني قد قدمت بمحمد هذه الليلة. فلما كنت بأعلى مكة أضلنى، فو الله ما أدري أين هو، فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، فيزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل بن أسد، ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه آمنة. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه، أن نفرا من الحبشة نصارى، رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره، فزعم الذي حدثني أنها لم تكد تنفلت به منهم. وفاة آمنة وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بعدها (وفاة آمنة) : قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب. وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، توفيت أمه آمنة بنت وهب. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالأبواء، بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار، تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة . (سبب خؤولة بني عدي بن النجار لرسول الله صلى الله عليه وسلم) : قال ابن هشام: أم عبد المطلب بن هاشم: سلمى بنت عمرو النجارية. فهذه الخؤولة التي ذكرها ابن إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم. (إكرام عبد المطلب له صلى الله عليه وسلم وهو صغير) : قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب ابن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فو الله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على الفراش ، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع. وفاة عبد المطلب. وما رثي به من الشعر (وفاة عبد المطلب، وما قيل فيه من الشعر) : فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم. وذلك بعد الفيل بثماني سنين: قال ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس، عن بعض أهله: أن عبد المطلب توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثماني سنين . قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن سعيد بن المسيب: أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته، وكن ست نسوة: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة، وأروى، فقال لهن: ابكين علي حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت. قال ابن هشام: ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه.

قسم V01/P168–V01/P172

(رثاء صفية لأبيها عبد المطلب) : فقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أباها. أرقت لصوت نائحة بليل ... على رجل بقارعة الصعيد ففاضت عند ذلكم دموعي ... على خدي كمنحدر الفريد على رجل كريم غير وغل ... له الفضل المبين على العبيد على الفياض شيبة ذي المعالي ... أبيك الخير وارث كل جود صدوق في المواطن غير نكس ... ولا شخت المقام ولا سنيد طويل الباع أروع شيظمي ... مطاع في عشيرته حميد رفيع البيت أبلج ذي فضول ... وغيث الناس في الزمن الحرود كريم الجد ليس بذي وصوم ... يروق على المسود والمسود عظيم الحلم من نفر كرام ... خضارمة ملاوثة أسود فلو خلد امرؤ لقديم مجد ... ولكن لا سبيل إلى الخلود لكان مخلدا أخرى الليالي ... لفضل المجد والحسب التليد (رثاء برة لأبيها عبد المطلب) : وقالت برة بنت عبد المطلب تبكي أباها: أعيني جودا بدمع درر ... على طيب الخم والمعتصر على ماجد الجد وارى الزناد ... جميل المحيا عظيم الخطر على شيبة الحمد ذي المكرمات ... وذي المجد والعز والمفتخر وذي الحلم والفصل في النائبات ... كثير المكارم جم الفجر له فضل مجد على قومه ... منير يلوح كضوء القمر أتته المنايا فلم تشوه ... بصرف الليالي وريب القدر (رثاء عاتكة لأبيها عبد المطلب) : وقالت عاتكة بنت عبد المطلب تبكي أباها: أعيني جودا ولا تبخلا ... بدمعكما بعد نوم النيام أعيني واسحنفرا واسكبا ... وشوبا بكاء كما بالتدام أعيني واستخرطا واسجما ... على رجل غير نكس كهام على الجحفل الغمر في النائبات ... كريم المساعي وفي الذمام على شيبة الحمد وارى الزناد ... وذي مصدق بعد ثبت المقام وسيف لدى الحرب صمصامة ... ومردى المخاصم عند الخصام وسهل الخليفة طلق اليدين ... وفي عدملي صميم لهام تبنك في باذخ بيته ... رفيع الذؤابة صعب المرام (رثاء أم حكيم لأبيها عبد المطلب) : وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب تبكي أباها: ألا يا عين جودي واستهلي ... وبكي ذا الندى والمكرمات ألا يا عين ويحك أسعفيني ... بدمع من دموع هاطلات وبكي خير من ركب المطايا ... أباك الخير تيار الفرات طويل الباع شيبة ذا المعالي ... كريم الخيم محمود الهبات وصولا للقرابة هبرزيا ... وغيثا في السنين الممحلات وليثا حين تشتجر العوالي ... تروق له عيون الناظرات عقيل بني كنانة والمرجى ... إذا ما الدهر أقبل بالهنات ومفزعها إذا ما هاج هيج ... بداهية وخصم المعضلات فبكيه ولا تسمي بحزن ... وبكي، ما بقيت، الباكيات (رثاء أميمة لأبيها عبد المطلب) : وقالت أميمة بنت عبد المطلب تبكي أباها: ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقد ... وساقي الحجيج والمحامي عن المجد ومن يؤلف الضيف الغريب بيوته ... إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد كسبت وليدا خير ما يكسب الفتى ... فلم تنفك تزداد يا شيبة الحمد أبو الحارث الفياض خلى مكانه ... فلا تبعدن فكل حي إلى بعد فإني لباك ما بقيت وموجع ... وكان له أهلا لما كان من وجدي سقاك ولي الناس في القبر ممطرا ... فسوف أبكيه وإن كان في اللحد فقد كان زينا للعشيرة كلها ... وكان حميدا حيث ما كان من حمد (رثاء أروى لأبيها عبد المطلب) : وقالت أروى بنت عبد المطلب تبكي أباها: بكت عيني وحق لها البكاء ... على سمح سجيته الحياء على سهل الخليقة أبطحي ... كريم الخيم نيته العلاء على الفياض شيبة ذي المعالي ... أبيك الخير ليس له كفاء طويل الباع أملس شيظمي ... أغر كأن غرته ضياء أقب الكشح أروع ذي فضول ... له المجد المقدم والسناء أبي الضيم أبلج هبرزي ... قديم المجد ليس له خفا ومعقل مالك وربيع فهر ... وفاصلها إذا التمس القضاء وكان هو الفتى كرما وجودا ... وبأسا حين تنسكب الدماء إذا هاب الكماة الموت حتى ... كأن قلوب أكثرهم هواء مضى قدما بذي ربد خشيب ... عليه حين تبصره البهاء

قسم V01/P172–V01/P177

قال ابن إسحاق: فزعم لي محمد بن سعيد بن المسيب أنه أشار برأسه وقد أصمت [11] : أن هكذا فابكينني. (نسب المسيب) : قال ابن هشام: [و] المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. (رثاء حذيفة لعبد المطلب) : قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي يبكي عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويذكر فضله وفضل قصي على قريش، وفضل ولده من بعده عليهم، وذلك أنه أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكة، فوقف بها فمر به أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب فافتكه: أعيني جودا بالدموع على الصدر ... ولا تسأما أسقيتما سبل القطر وجودا بدمع واسفحا كل شارق ... بكاء امرئ لم يشوه نائب الدهر (وسحا وجما واسجما ما بقيتما ... على ذي حياء من قريش وذي ستر) على رجل جلد القوى ذي حفيظة ... جميل المحيا غير نكس ولا هذر على الماجد البهلول ذي الباع والندى ... ربيع لؤي في المحوط وفي العسر على خير حاف من معد وناعل ... كريم المسمى طيب الخيم والنجر وخيرهم أصلا وفرعا ومعدنا ... وأحظاهم بالمكرمات وبالذكر وأولاهم بالمجد والحلم والنهى ... وبالفضل عند المجحفات من الغبر على شيبة الحمد الذي كان وجهه ... يضيء سواد الليل كالقمر البدر وساقي الحجيج ثم للخير هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الفهري طوى زمزما عند المقام فأصبحت ... سقايته فخرا على كل ذي فخر ليبك عليه كل عان بكربة ... وآل قصي من مقل وذي وفر بنوه سراة كهلهم وشبابهم ... تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر قصي الذي عادى كنانة كلها ... ورابط بيت الله في العسر واليسر فإن تك غالته المنايا وصرفها ... فقد عاش ميمون النقيبة والأمر وأبقى رجالا سادة غير عزل ... مصاليت أمثال الردينية السمر أبو عتبة الملقى إلي حباؤه ... أغر هجان اللون من نفر غر وحمزة مثل البدر يهتز للندى ... نقي الثياب والذمام من الغدر وعبد مناف ماجد ذو حفيظة ... وصول لذي القربى رحيم بذي الصهر كهولهم خير الكهول ونسلهم ... كتسل الملوك لا تبور ولا تحرى متى ما تلاقي منهم الدهر ناشئا ... تجده بإجريا أوائله بجرى هم ملئوا البطحاء مجدا وعزة ... إذا استبق الخيرات في سالف العصر وفيهم بناة للعلا وعمارة ... وعبد مناف جدهم جابر الكسر بإنكاح عوف بنته ليجيرنا ... من أعدائنا إذ أسلمتنا بنو فهر فسرنا تهامي البلاد ونجدها ... بأمنه حتى خاضت العير في البحر وهم حضروا والناس باد فريقهم ... وليس بها إلا شيوخ بني عمرو بنوها ديارا جمة وطووا بها ... بئارا تسح الماء من ثبج بحر لكي يشرب الحجاج منها وغيرهم ... إذا ابتدروها صبح تابعة النحر ثلاثة أيام تظل ركابهم ... مخيسة بين الأخاشب والحجر وقدما غنينا قبل ذلك حقبة ... ولا نستقي إلا بخم أو الحفر وهم يغفرون الذنب ينقم دونه ... ويعفون عن قول السفاهة والهجر وهم جمعوا حلف الأحابيش كلها ... وهم نكلوا عنا غواة بني بكر فخارج، إما أهلكن فلا تزل ... لهم شاكرا حتى تغيب في القبر ولا تنس ما أسدى ابن لبنى فإنه ... قد أسدى يدا محقوقة منك بالشكر وأنت ابن لبنى من قصي إذا انتموا ... بحيث انتهى قصد الفؤاد من الصدر وأنت تناولت العلا فجمعتها ... إلى محتد للمجد ذي ثبج جسر سبقت وفت القوم بذلا ونائلا ... وسدت وليدا كل ذي سودد غمر وأمك سر من خزاعة جوهر ... إذا حصل الأنساب يوما ذوو الخبر إلى سبأ الأبطال تنمى وتنتمي ... فأكرم بها منسوبة في ذرا الزهر أبو شمر منهم وعمرو بن مالك ... وذو جدن من قومها وأبو الجبر وأسعد قاد الناس عشرين حجة ... يؤيد في تلك المواطن بالنصر قال ابن هشام: «أمك سر من خزاعة» ، يعني أبا لهب، أمه لبنى بنت هاجر الخزاعي. وقوله: «بإجريا أوائله» عن غير ابن إسحاق.

قسم V01/P177–V01/P180

(رثاء مطرود لعبد المطلب وبني عبد مناف) : قال ابن إسحاق: وقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكي عبد المطلب وبني عبد مناف: يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا سألت عن آل عبد مناف هبلتك أمك لو حللت بدارهم ... ضمنوك من جرم ومن إقراف (الخالطين غنيهم بفقيرهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي) المنعمين إذا النجوم تغيرت ... والظاعنين لرحلة الإيلاف والمطعمين إذا الرياح تناوحت ... حتى تغيب الشمس في الرجاف إما هلكت أبا الفعال فما جرى ... من فوق مثلك عقد ذات نطاف إلا أبيك أخي المكارم وحده ... والفيض مطلب أبي الأضياف (ولاية العباس على سقاية زمزم) : قال ابن إسحاق : فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولي زمزم والسقاية عليها بعده العباس ابن عبد المطلب، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهي بيده. فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم له على ما مضى من ولايته، فهي إلى آل العباس، بولاية العباس إياها، إلى (هذا) اليوم. كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب- فيما يزعمون- يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا طالب أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم. قال ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم. (ولاية أبي طالب لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده، فكان إليه ومعه. (نبوءة رجل من لهب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه: أن رجلا من لهب- قال ابن هشام: ولهب: من أزدشنوءة- كان عائفا ، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم. قال: فأتى به أبو طالب وهو غلام، مع من يأتيه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم شغله عنه شيء، فلما فرغ قال: الغلام علي به، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه، فجعل يقول: ويلكم، ردوا علي الغلام الذي رأيت آنفا، فو الله ليكونن له شأن. قال: فانطلق أبو طالب. قصة بحيرى (نزول أبي طالب ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببحيرى) : قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل، وأجمع المسير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما يزعمون- فرق له (أبو طالب) وقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني، ولا أفارقه أبدا، أو كما قال. فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام،

قسم V01/P180–V01/P182

وبهما راهب يقال له بحيرى في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر. فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام. فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في صومعته، في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم. قال: ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت [2] أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ، ثم أرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم: فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم، فما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا، فتخلف في رحالهم، فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال: فقال رجل من قريش مع القوم، واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال (له) : يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما . فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (له) : لا تسألني باللات والعزى، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. قال ابن هشام: وكان مثل أثر المحجم . قال ابن إسحاق: فلما فرغ، أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده. (رجوع أبي طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان من زرير وصاحبيه) :

قسم V01/P182–V01/P185

فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام، فزعموا فيما روى الناس: أن زريرا وتماما ودريسا، وهم نفر من أهل الكتاب، قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رآه بحيرى في ذلك السفر، الذي كان فيه مع عمه أبي طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرى، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم، وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه: فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا، وأفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزها وتكرما، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة. (حديثه صلى الله عليه وسلم عن عصمة الله له في طفولته) : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما ذكر لي- يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته، أنه قال: لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك، قال: فأخذته وشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي . حرب الفجار (سببها) : قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، فيما حدثني أبو عبيدة النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء، هاجت حرب الفجار بين قريش، ومن معهم من كنانة، وبين قيس عيلان. وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أجار لطيمة للنعمان ابن المنذر ، فقال له البراض بن قيس، أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة: أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم، وعلى الخلق (كله) . فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته، حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية، غفل عروة، فوثب عليه البراض فقتله فى الشهر الحرام، فلذلك سمي الفجار. وقال البراض في ذلك: وداهية تهم الناس قبلي ... شددت لها بني بكر ضلوعي هدمت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضروع رفعت له بذى طلال كفي ... فخر يميد كالجذع الصريع وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب: أبلغ، إن عرضت، بني كلاب ... وعامر والخطوب لها موالي وبلغ، إن عرضت، بني نمير ... وأخوال القتيل بني هلال بأن الوافد الرحال أمسى ... مقيما عند تيمن ذى طلال وهذه الأبيات فى أبيات له فيما ذكر ابن هشام. (نشوب الحرب بين قريش وهوازن) : قال ابن هشام: فأتى آت قريشا، فقال: إن البراض قد قتل عروة، وهم في الشهر الحرام بعكاظ، فارتحلوا وهوازن لا تشعر (بهم) ، ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم، فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، ودخلوا الحرم، فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما، والقوم متساندون [2] على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم. (حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير فيها وعمره) : وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت أنبل على أعمامي: أي أرد عليهم [3] نبل عدوهم إذا رموهم بها. (سبب تسميتها بذلك) : قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة. وإنما سمي يوم الفجار، بما استحل هذان الحيان، كنانة وقيس عيلان، فيه من المحارم بينهم.

قسم V01/P185–V01/P189

(قواد قريش وهوازن فيها ونتيجتها) : وكان قائد قريش وكنانة حرب (بن) أمية بن عبد شمس، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس. قال ابن هشام: وحديث الفجار أطول مما ذكرت، وإنما منعني من استقصائه قطعه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حديث تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها (سنه صلى الله عليه وسلم عند تزوجه من خديجة) : قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة [1] ، تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فيما حدثني غير واحد من أهل العلم عن أبي عمرو المدني. (خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الشام في تجارة خديجة، وما كان من بحيرى) : قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال. تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه، بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها، من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة، فقال له: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي . (رغبة خديجة في الزواج منه) : ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة. فكان ميسرة- فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس- وهو يسير على بعيره. فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به، فأضعف أو قريبا . وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه. وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامته، فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها به بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له- فيما يزعمون- يا بن عم. إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك [2] في قومك وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها. وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه. (نسب خديجة) : وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وأمها: فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر. وأم فاطمة: هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمرو بن منفذ بن عمرو ابن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر. وأم هالة: قلابة بنت سعيد ابن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. (زواجه صلى الله عليه وسلم من خديجة) : فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لا عمامة فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب، رحمه الله، حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه، فتزوجها. قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت، رضي الله عنها. (أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة) :

قسم V01/P189–V01/P193

قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم القاسم، وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم، والطاهر ، والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، عليهم السلام. قال ابن هشام: أكبر بنيه القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر، وأكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قال ابن إسحاق: فأما القاسم، والطيب، والطاهر فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم، (أم إبراهيم) : قال ابن هشام: وأما إبراهيم فأمه مارية (القبطية) . حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة، قال: أم إبراهيم: مارية سرية النبي صلى الله عليه وسلم التي أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصنا . (حديث خديجة مع ورقة وصدق نبوءة ورقة فيه صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى، وكان ابن عمها، وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس- ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب، وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه، فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة، إن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه، أو كما قال. (قال) : فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى؟ فقال ورقة في ذلك: لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا مما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود فينا ... ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتني إذا ما كان ذاكم ... شهدت فكنت أولهم ولوجا ولوجا في الذي كرهوا قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا رجى بالذي كرهوا جميعا ... إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفالة غير كفر ... بمن يختار من سمك البروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة حروجا حديث بنيان الكعبة وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش في وضع الحجر (سبب بنيان قريش للكعبة) : قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة ، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها ، وذلك أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة. قال ابن هشام: فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتتشرق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها، وكانوا يهابونها. فبينا هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية. (ما حدث لأبي وهب عند بناء قريش الكعبة) :

قسم V01/P193–V01/P195

فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم- قال ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس . والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو ابن هصيص بن كعب بن لؤي: أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو يطوف بالبيت، فسأل عنه، فقيل: هذا ابن لجعدة بن هبيرة، فقال عبد الله بن صفوان: عند ذلك جد هذا، يعني أبا وهب، الذي أخذ حجرا من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. (قرابة أبي وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شريفا، وله يقول شاعر من العرب: ولو بأبي وهب أنخت مطيتي ... غدت من نداه رحلها غير خائب بأبيض من فرعي لؤي بن غالب ... إذا حصلت أنسابها في الذوائب أبي لأخذ الضيم يرتاح للندى ... توسط جداه فروع الأطايب عظيم رماد القدر يملا جفانه ... من الخبز يعلوهن مثل السبائب (تجزئة الكعبة بين قريش، ونصيب كل فريق منها) : ثم إن قريشا جزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم، وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن العزى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي، وهو الحطيم . (الوليد بن المغيرة وهدم الكعبة، وما وجدوه تحت الهدم) : ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها، وهو يقول: اللهم لم ترع- قال ابن هشام: ويقال: لم نزغ- اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء، فقد رضي الله صنعنا، فهدمنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم عليه السلام، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها بعضا. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلا من قريش، ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس. قال ابن إسحاق: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة ، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها ، مبارك لأهلها في الماء واللبن. قال ابن هشام: أخشباها: جبلاها. قال ابن إسحاق: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها . قال ابن إسحاق: وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا حجرا في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، إن كان ما ذكر حقا، مكتوبا فيه:

قسم V01/P195–V01/P199

من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة. تعملون السيئات، وتجزون الحسنات! أجل، كما لا يجتنى من الشوك العنب. (اختلاف قريش فيمن يضع الحجر ولعقة الدم) : قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن ، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتحالفوا، وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي ابن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، وتشاوروا وتناصفوا. (إشارة أبي أمية بتحكيم أول داخل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم) : فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا. فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم: هلم إلي ثوبا، فأتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا: حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثم بنى عليه. (شعر الزبير في الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها) : وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين. فلما فرغوا من البنيان، وبنوها على ما أرادوا، قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها: عجبت لما تصوبت العقاب ... إلى الثعبان وهي لها اضطراب وقد كانت يكون لها كشيش ... وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدت ... تهيبنا البناء وقد تهاب فلما أن خشينا الرجز جاءت ... عقاب تتلئب لها انصباب فضمتها إليها ثم خلت ... لنا البنيان ليس له حجاب فقمنا حاشدين إلى بناء ... لنا منه القواعد والتراب غداة نرفع التأسيس منه ... وليس على مسوينا ثياب أعز به المليك بني لؤي ... فليس لأصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدي ... ومرة قد تقدمها كلاب فبوأنا المليك بذاك عزا ... وعند الله يلتمس الثواب قال ابن هشام: ويروى: وليس على مساوينا ثياب (ارتفاع الكعبة وأول من كساها الديباج) : وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعا، وكانت تكسى القباطي ، ثم كسيت البرود ، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف . حديث الحمس (الحمس عند قريش) : قال ابن إسحاق: وقد كانت قريش- لا أدري أقبل الفيل أم بعده- ابتدعت رأي [4] الحمس رأيا رأوه وأداروه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطان مكة وساكنها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس، والحمس أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم، بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. (القبائل التي دانت مع قريش بالحمس) : وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك.

قسم V01/P199–V01/P202

قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة النحوي: أن بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك، وأنشدني لعمرو بن معديكرب أعباس لو كانت شيارا جيادنا ... بتثليث ما ناصيت بعدي الأحامسا قال ابن هشام: تثليث: موضع من بلادهم. والشيار: (السمان) الحسان. يعني بالأحامس: بني عامر بن صعصعة. وبعباس: عباس بن مرداس السلمي، وكان أغار على بني زبيد بتثليث. وهذا البيت من قصيدة لعمرو. وأنشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة: أجذم إليك إنها بنو عبس ... المعشر الجلة في القوم الحمس لأن بني عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بني عامر بن صعصعة. (يوم جبلة) : ويوم جبلة: يوم كان بين بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وبين بني عامر بن صعصعة ، فكان الظفر فيه لبني عامر بن صعصعة على بني حنظلة، وقتل يومئذ لقيط بن زرارة بن عدس ، وأسر حاجب بن زرارة بن عدس وانهزم عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة. ففيه يقول جرير للفرزدق: كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا ... وعمرو بن عمرو إذ دعوا يا لدارم وهذا البيت في قصيدة له. (يوم ذي نجب) : ثم التقوا يوم ذي نجب ، فكان الظفر لحنظلة على بني عامر، وقتل يومئذ حسان بن معاوية الكندي، وهو ابن كبشة. وأسر يزيد بن الصعق الكلابي وانهزم الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، أبو عامر بن الطفيل. ففيه يقول الفرزدق: ومنهن إذ نجى طفيل بن مالك ... على قرزل رجلا ركوض الهزائم ونحن ضربنا هامة ابن خويلد ... نزيد على أم الفراخ الجواثم وهذان البيتان في قصيدة له. فقال جرير: ونحن خضبنا لابن كبشة تاجه ... ولاقى امرأ في ضمة الخيل مصقعا وهذا البيت في قصيدة له. وحديث يوم جبلة ويوم ذي نجب أطول مما ذكرنا. وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت في حديث يوم الفجار. (ما زادته العرب في الحمس) : قال ابن إسحاق: ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ، ولا يسلئوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما، ثم رفعوا في ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة، ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها هو، ولا أحد غيره أبدا. (اللقى عند الحمس وشعر فيه) : فكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى . فحملوا على ذلك العرب، فدانت به. ووقفوا على عرفات، وأفاضوا منها، وطافوا بالبيت عراة: أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا عليها، ثم تطوف فيه. فقالت امرأة من العرب، وهي كذلك تطوف بالبيت: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها، فلم ينتفع بها هو ولا غيره. فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه، وهو يحبه : كفى جزنا كرى عليها كأنها ... لقى بين أيدي الطائفين حريم يقول: لا تمس. (حكم الإسلام في الطواف، وإبطال عادات الحمس فيه) : فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه حين أحكم له دينه، وشرع له سنن حجه: «ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله، إن الله غفور رحيم» 2: 199 يعني قريشا. والناس: العرب. فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.

الأسئلة