Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

قسم V03/P072–V03/P074

وقال السدي: قوله: "والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"، أراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه . وقال جوبير عن الضحاك في قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} نزلت في المؤمنين، فقيل له: إن أناسا يقولون إنها نزلت في علي رضي الله عنه، فقال: هو من المؤمنين . {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} يعني: يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المهاجرين والأنصار، {فإن حزب الله} يعني: أنصار دين الله، {هم الغالبون} {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا} قال ابن عباس كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله عز وجل هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا"، بإظهار ذلك بألسنتهم قولا وهم مستبطنون الكفر، {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: اليهود، {والكفار} قرأ أهل البصرة والكسائي "الكفار"، بخفض الراء، [يعني: ومن الكفار] وقرأ الآخرون بالنصب، أي: لا تتخذوا الكفار، و {أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} قال الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، وصلوا لا صلوا، على طريق الاستهزاء، وضحكوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . وقال السدي: نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار [وهو وأهله نيام] فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله . وقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت -فيما أحدثت -الأنبياء قبلك، ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح [العنز] ؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونزل "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"، الآية . قوله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا} الآية. قرأ الكسائي: "هل تنقمون"، بإدغام اللام في التاء، وكذلك يدغم لام هل في التاء والثاء والنون، ووافقه حمزة في التاء والثاء وأبو عمرو في "هل ترى" في موضعين. قال ابن عباس: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع وغيرهما، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أومن "بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل" إلى قوله: "ونحن له مسلمون"، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فأنزل الله هذه الآية "قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا" أي: تكرهون منا، {إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون} أي: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي: إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال.

قسم V03/P074–V03/P076

{قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } ثم قال: {قل} يا محمد، {هل أنبئكم} أخبركم، {بشر من ذلك} الذي ذكرتم، يعني قولهم لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء، 109\أوإن لم يكن الابتداء شرا كقوله تعالى: "أفأنبأكم بشر من ذلكم النار" (الحج، 72) ، {مثوبة} ثوابا وجزاء، نصب على التفسير، {عند الله من لعنه الله} أي: هو من لعنه الله، {وغضب عليه} يعني: اليهود، {وجعل منهم القردة والخنازير} فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام. وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الممسوخين كلاهما من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير. {وعبد الطاغوت} أي: جعل منهم من عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سول له، وتصديقها قراءة ابن مسعود: ومن عبدوا الطاغوت، وقرأ حمزة "وعبد" بضم الباء "الطاغوت" بجر التاء، أراد العبد وهما لغتان عبد بجزم الباء وعبد بضم الباء، مثل سبع وسبع، وقيل: هو جمع العباد، وقرأ الحسن وعبد الطاغوت، على الواحد، {أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} أي: عن طريق الحق. {وإذا جاءوكم قالوا} يعني: هؤلاء المنافقين، وقيل: هم الذين قالوا: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره"، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: آمنا بك وصدقناك فيما قلت، وهم يسرون الكفر، {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} يعني: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، {والله أعلم بما كانوا يكتمون} {وترى كثيرا منهم} يعني: من اليهود {يسارعون في الإثم والعدوان} قيل: الإثم المعاصي والعدوان الظلم، وقيل: الإثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ما زادوا فيها، {وأكلهم السحت} الرشا، {لبئس ما كانوا يعملون} {لولا} هلا {ينهاهم الربانيون والأحبار} يعني: العلماء، قيل: الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، {عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين } {وقالت اليهود يد الله مغلولة} قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة، أي: محبوسة مقبوضة عن الرزق نسبوه إلى البخل، تعالى الله عن ذلك. قيل: إنما قال هذه المقالة فنحاص، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله أشركهم الله فيها. وقال الحسن: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما تبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل. والأول أولى لقوله: "ينفق كيف يشاء". {غلت أيديهم} أي: [أمسكت] أيديهم عن الخيرات. وقال الزجاج: أجابهم الله تعالى فقال: أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسكة. وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة لقوله تعالى: "إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل" (غافر، 71) . {ولعنوا} عذبوا، {بما قالوا} فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة بالنار، {بل يداه مبسوطتان} ويد الله صفة من [صفاته] كالسمع، والبصر والوجه، وقال جل ذكره: "لما خلقت بيدي" (ص، 75) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلتا يديه يمين" والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم.

قسم V03/P076–V03/P078

وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: "أمروها كما جاءت بلا كيف". {ينفق} يرزق، {كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} أي: كلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغيانا وكفرا، [كلما نزلت آية] {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} يعني: بين اليهود والنصارى، قاله الحسن ومجاهد: وقيل بين طوائف اليهود جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين {إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} يعني: اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين. وقيل: كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأوقدوا نار المحاربة أطفأها الله، فردهم وقهرهم ونصر نبيه ودينه، هذا معنى قول الحسن، وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود فلا تلقى اليهود في البلد إلا وجدتهم من أذل الناس، {ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين} {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين } {ولو أن أهل الكتاب آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم، {واتقوا} الكفر، {لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما، {وما أنزل إليهم من ربهم} يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل، {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} قيل: من فوقهم هو المطر، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض. وقال الفراء أراد به التوسعة في الرزق كما يقال فلان في الخير من قرنه إلى قدمه، ونظيره قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" (الأعراف، 96) . {منهم أمة مقتصدة} يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، مقتصدة أي عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. {وكثير منهم} كعب بن الأشرف وأصحابه، {ساء ما يعملون} بئس شيئا عملهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: عملوا القبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} الآية، روي عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله فقد كذب، وهو يقول: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" الآية . روى الحسن: أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعا وعرف أن من الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية . وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، فقالوا أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به، فيقولون له: تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: "يا أهل الكتاب لستم على شيء" الآية. وقيل: بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود. وقيل: نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها. وقيل: في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه، كما قال الله تعالى: "فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت" (محمد، 20) وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: "ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم" الآية (النساء، 70) ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.

قسم V03/P078–V03/P080

قوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} قرأ أهل المدينة (رسالاته) ، على الجمع والباقون رسالته على التوحيد. ومعنى الآية: إن لم تبلغ الجميع وتركت بعضه، فما بلغت شيئا، أي: جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك 109/ب في ترك تبليغ الكل، كقوله: "ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا" (النساء، 150-151) ، أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض. وقيل: بلغ ما أنزل إليك أي: أظهر تبليغه، كقوله: "فاصدع بما تؤمر" (الحجر، 94) وإن لم تفعل: فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهرا محتسبا صابرا، غير خائف، فإن أخفيت منه شيئا لخوف يلحقك فما بلغت رسالته. {والله يعصمك من الناس} يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟ قيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك. وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقيل: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم. {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أنا سنان بن أبي سنان الدولي وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معه وأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي، فقال: "إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله "ثلاثا"، ولم يعاقبه وجلس. . وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأعرابي سل سيفه وقال: من يمنعك مني يا محمد قال: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر أنا يحيى بن سعيد أنا عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، فنام النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {والله يعصمك من الناس} فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم: "أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله سبحانه وتعالى" . {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } {وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون } قوله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم}

قسم V03/P080–V03/P082

أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما، {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس} فلا تحزن، {على القوم الكافرين} {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} وكان حقه: {والصائبين} وقد ذكرنا في سورة البقرة وجه ارتفاعه . وقال سيبويه: فيه تقديم وتأخير تقديره: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله إلى آخر الآية، والصابئون كذلك، وقوله: {إن الذين آمنوا} أي: باللسان، وقوله: {من آمن بالله} أي: بالقلب، وقيل: الذين آمنوا على حقيقة الإيمان {من آمن بالله} أي: ثبت على الإيمان، {واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قوله تعالى: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} في التوحيد والنبوة، {وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا} عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما، {وفريقا يقتلون} يحيى وزكريا. {وحسبوا} ظنوا {ألا تكون فتنة} أي: عذاب وقتل، وقيل: ابتلاء واختبار، أي: ظنوا أن لا يبتلوا ولا يعذبهم الله، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي " تكون " برفع النون على معنى أنها لا تكون، ونصبها الآخرون كما لو لم يكن قبله لا {فعموا} عن الحق فلم يبصروه، {وصموا} عنه فلم يسمعوه، يعني عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه، {ثم تاب الله عليهم} ببعث عيسى عليه السلام، {ثم عموا وصموا كثير منهم} بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، {والله بصير بما يعملون} {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وهم الملكانية واليعقوبية منهم، {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} يعني: المرقوسية، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"؟ (المائدة، 116) ، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" (المجادلة، 7) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" . ثم قال ردا عليهم: {وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن} [ليصيبن] {الذين كفروا منهم عذاب أليم} خص الذين كفروا لعلمه أن بعضهم يؤمنون. {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} ؟ قال الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام كقوله تعالى: "فهل أنتم منتهون" (المائدة، 91) ، أي: انتهوا، والمعنى: أن الله [يأمركم] بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم، {والله غفور رحيم} قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت} [مضت] {من قبله الرسل} أي: ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، {وأمه صديقة} أي: كثيرة الصدق. وقيل: سميت صديقة لأنها صدقت بآيات الله، كما قال عز وجل في وصفها: "وصدقت بكلمات ربها" (التحريم، 12) ، {كانا يأكلان الطعام} أي: كانا يعيشان بالطعام والغذاء كسائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام؟ وقيل: هذا كناية عن الحدث، وذلك أن من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط، ومن هذه صفته كيف يكون إلها؟ ثم قال: {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} أي يصرفون عن الحق.

قسم V03/P082–V03/P084

{ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم } {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} أي: لا تتجاوزوا الحد، والغلو والتقصير كل واحد منهما مذموم في الدين، وقوله: {غير الحق} أي: في دينكم المخالف للحق، وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه، {ولا تتبعوا أهواء قوم} والأهواء جمع الهوى وهو ما تدعو إليه شهوة النفس {قد ضلوا من قبل} يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم 110\أ {وأضلوا كثيرا} يعني: من اتبعهم [على أهوائهم] {وضلوا عن سواء السبيل} عن قصد الطريق، أي: بالإضلال، فالضلال الأول من الضلالة، والثاني بإضلال من اتبعهم. قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} يعني: أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، وقال داود عليه السلام: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة، {وعيسى ابن مريم} أي: على لسان عيسى عليه السلام، يعني: كفار أصحاب المائدة، لما لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير، {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} [أي: لا ينهى بعضهم بعضا] {لبئس ما كانوا يفعلون} أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا الحسن محمد بن الحسين أنا أحمد بن محمد بن إسحاق أنا أبو يعلى الموصلي أنا وهب بن بقية أنا خالد -يعني ابن عبد الله الواسطي -عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، وجعل منهم القردة والخنازير، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم" . {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون } قوله تعالى: {ترى كثيرا منهم} قيل: من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه، {يتولون الذين كفروا} مشركي مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: منهم يعني من المنافقين يتولون اليهود، {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة، {أن سخط الله عليهم} غضب الله عليهم، {وفي العذاب هم خالدون} {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} محمد صلى الله عليه وسلم، {وما أنزل إليه} يعني القرآن، {ما اتخذوهم} يعني الكفار، {أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} أي خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى.

قسم V03/P084–V03/P085

قوله عز وجل: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} يعني: مشركي العرب، {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم، لا ولاء، ولا كرامة لهم، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه، [وقيل: نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى، لأن اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود] . قال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: "إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا" وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولهم قيصر وكسرى، فخرج إليهم سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، [وعبد الرحمن بن عوف] وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي [حثمة] وحاطب بن عمرو و [سهل] بن بيضاء رضي الله عنهم، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان. فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردوهم إليهم، فعصمه الله، وذكرت القصة في سورة آل عمران. فلما انصرفا خائبين، أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا أمره، وذلك في سنة ستة من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان -وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها، -ويبعث إليه من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال لها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك، فأذنت لخالد بن سعيد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي رحمه الله فأنفذ إليها النجاشي أربعمائة دينار على يد أبرهة، فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا فردته وقالت: أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئا، وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدقت محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنت به، وحاجتي منك أن تقرئيه منك السلام، قالت نعم: وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكر. قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه وكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما السلام، وأنزل الله عز وجل: "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة" يعني: أبا سفيان مودة، يعني: بتزويج أم حبيبة، ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة، قال: ذلك الفحل لا يقرع أنفه .

قسم V03/P085–V03/P087

وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنه أزهى بن أصحمة بن أبجر في ستين رجلا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسملت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله، فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من [أهل] الشام، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقال: آمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} 110/ب يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون، وكانوا أصحاب الصوامع. وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام. [وقال عطاء: كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميون من أهل الشام] . وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوه وآمنوا به فأثنى الله عز وجل بذلك عليهم . {ذلك بأن منهم قسيسين} أي علماء، قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم، {ورهبانا} الرهبان العباد أصحاب الصوامع، واحدهم راهب، مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحدا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، {وأنهم لا يستكبرون} لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق. {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم، {ترى أعينهم تفيض} تسيل، {من الدمع مما عرفوا من الحق} قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: يريد النجاشي ولأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص، فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة. {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، دليله قوله تعالى: "لتكونوا شهداء على الناس" (البقرة، 143) . {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} وذلك أن اليهود عيروهم وقالوا لهم: لم آمنتم؟ فأجابوهم بهذا، {ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} أي: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه ( {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء، 105) . {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } {فأثابهم الله} أعطاهم الله، {بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله: {وذلك جزاء المحسنين} يعني: الموحدين المؤمنين، وقوله من قبل: "ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق" يدل على أن الإخلاص والمعرفة بالقلب مع القول يكون إيمانا.

قسم V03/P087–V03/P089

قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} الآية قال أهل التفسير: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوما ووصف القيامة، فرق له الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن رضي الله عنهم، وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبوا مذاكيرهم، ويصوموا الدهر، ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية، واسمها الخولاء، وكانت عطارة: أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان بشيء فقد صدقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا) ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير، فقال صلى الله عليه وسلم: (إني لم أؤمر بذلك) ، ثم قال: (إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، ثم جمع الناس وخطبهم فقال: (ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات [النساء] ؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع) ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد حدثني ابن أنعم عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من خصى ولا اختصى، خصاء أمتي الصيام) ، فقال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة، فقال: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) ، فقال: يا رسول الله ائذن لنا في الترهب، فقال: (إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة) . وروي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت وأخذتني شهوة، فحرمت اللحم، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} يعني: اللذات التي تشتهيها النفوس، مما أحل لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، {ولا تعتدوا} أي: ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل: هو جب المذاكير {إن الله لا يحب المعتدين} {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} قال عبد الله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي.

قسم V03/P089–V03/P091

{واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا أحمد بن إبراهيم الدورقي وسلمة بن شبيب ومحمود بن غيلان قالوا: أخبرنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل) . (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) قوله عز وجل: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) ، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه، فأنزل الله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} قرأ حمزة والكسائي [وأبو بكر] (عقدتم) بالتحفيف، وقرأ ابن عامر (عاقدتم) بالألف وقرأ الآخرون (عقدتم) بالتشديد، أي: وكدتم، والمراد من الآية قصدتم وتعمدتم، {فكفارته} أي: كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم، {إطعام عشرة مساكين} واختلفوا في قدره: فذهب قوم إلى أنه يطعم كل مسكين مدا من الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم وسليمان بن اليسار وعطاء والحسن. وقال أهل العراق: عليه لكل مسكين مدان، 11\أوهو نصف صاع، يروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما. وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من غيرها فصاع، وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم. ولو غداهم وعشاهم لا يجوز، وجوز أبو حنيفة، ويروى ذلك عن علي رضي الله عنه. ولا تجوز الدراهم والدنانير ولا الخبز ولا الدقيق، بل يجب إخراج الحب إليهم، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك. ولو صرف الكل إلى مسكين واحد [لا يجوز] وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام، ولا يجوز أن يصرف إلا إلى مسلم حر محتاج، فإن صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجوز، وجوز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة، واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز. قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} أي: من خير قوت عيالكم، وقال عبيدة السلماني: الأوسط الخبز والخل، والأعلى الخبز واللحم، والأدنى الخبز البحت والكل [يجزئ] . قوله تعالى: {أو كسوتهم} كل من لزمته كفارة اليمين فهو فيها مخير إن شاء أطعم عشرة من المساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، فإن اختار الكسوة، فاختلفوا في قدرها: فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة، إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو كساء ونحوها، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاووس، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وقال مالك: يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته، فيكسو الرجال ثوبا واحدا والنساء ثوبين درعا وخمارا. وقال سعيد بن المسيب لكل مسكين ثوبان.

قسم V03/P091–V03/P092

قوله عز وجل: {أو تحرير رقبة} وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة، وكذلك جميع الكفارات مثل كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان يجب فيها إعتاق رقبة مؤمنة، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه والثوري رضي الله عنه إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها إلا في كفارة القتل، لأن الله تعالى قيد الرقبة فيها بالإيمان، قلنا: المطلق يحمل على المقيد [كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع فقال: "وأشهدوا ذوي عدل منكم"، (الطلاق، 2) ، وأطلق في موضع، فقال: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم" (البقرة، 282) ، ثم العدالة شرط في جميعها حملا للمطلق على المقيد] كذلك هاهنا، ولا يجوز إعتاق المرتد بالاتفاق عن الكفارة. ويشترط أن يكون سليم الرق حتى لو أعتق عن كفارته مكاتبا أو أم ولد أو عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة، يعتق ولكن لا يجوز عن الكفارة، وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدى شيئا من النجوم، وعتق القريب عن الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل ضررا بينا حتى لا يجوز مقطوع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق، ويجوز الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب لا تضر بالعمل ضررا بينا. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه كل عيب يفوت جنسا من المنفعة [على الكمال] يمنع الجواز، حتى جوز مقطوع إحدى اليدين، ولم يجوز مقطوع الأذنين. قوله عز وجل: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، يجب عليه صوم ثلاثة أيام، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله وحاجته ما يطعم أو يكسو أو يعتق فإنه يصوم ثلاثة أيام. وقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له الصيام، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير. واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم: فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه التتابع بل إن شاء تابع وإن شاء فرق، والتتابع أفضل وهو أحد قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياسا على كفارة القتل والظهار، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه صيام ثلاثة أيام متتابعات. {ذلك} أي: ذلك الذي ذكرت، {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وحنثتم، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث. واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث: فذهب قوم إلى جوازه، لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير" . وهو قول عمر [وابن عمر] وابن عباس وعائشة وبه قال الحسن وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي، إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني، إنما يجوز بالإطعام أو الكسوة أو العتق كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه. قوله عز وجل {واحفظوا أيمانكم} قيل: أراد به ترك الحلف، أي: لا تحلفوا، وقيل: وهو الأصح، أراد به: إذا حلفتم فلا تحنثوا، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث هذا إذا لم تكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه، فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مندوب، فالأفضل أن يحنث نفسه ويكفر، لما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حجاج بن منهال أنا جرير بن حازم عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير" .

قسم V03/P092–V03/P095

قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} أي: القمار {والأنصاب} يعني: الأوثان، سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد، ونصب بضم النون مخففا ومثقلا {والأزلام} يعني: الأقداح التي كانوا يستقسمون بها واحدها زلم {رجس} خبيث مستقذر، {من عمل الشيطان} من تزيينه، {فاجتنبوه} رد الكناية إلى الرجس، {لعلكم تفلحون} {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} أما العدواة في الخمر فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا، كما فعل الأنصاري الذي شج سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل أما العداوة في الميسر، قال قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على [حرفائه] . {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر أو القمار ألهاه ذلك عن ذكر الله، وشوش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف، تقدم رجل ليصلي بهم صلاة المغرب 111/ب بعدما شربوا فقرأ "قل يا أيها الكافرون": أعبد ما تعبدون، بحذف لا {فهل أنتم منتهون} أي: انتهوا، استفهام ومعناه أمر، كقوله تعالى: "فهل أنتم شاكرون"؟ (سورة الأنبياء، 80) . {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} المحارم والمناهي، {فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} وفي وعيد شارب الخمر أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ثنا أبو الحسن محمد بن محمود المحمودي أنا أبو العباس الماسرجسي بنيسابور أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا صالح بن قدامة حدثنا أخي عبد الملك بن قدامة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر حرام، وإن ختما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا إلا سقاه الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟ " قال: "عرق أهل النار" . وأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة" . وأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أحمد بن أبي أخبرنا أبو العباس الأصم أنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من أهل مصر عن عبد الله بن عمر أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها" . {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } قوله عز وجل: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} سبب نزول هذه الآية أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لما نزل تحريم الخمر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين

قسم V03/P095–V03/P096

ماتوا وهم يشربون الخمر [ويأكلون] من مال الميسر؟ فأنزل الله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} وشربوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر، {إذا ما اتقوا} الشرك، {وآمنوا} وصدقوا، {وعملوا الصالحات ثم اتقوا} الخمر والميسر بعد تحريمهما، {وآمنوا ثم اتقوا} ما حرم الله عليهم أكله وشربه، {وأحسنوا والله يحب المحسنين} وقيل: معنى الأول إذ ما اتقوا الشرك، وآمنوا وصدقوا ثم اتقوا، أي: داوموا على ذلك التقوى، {وآمنوا} ازدادوا إيمانا، ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا، وقيل: أي: اتقوا بالإحسان، وكل محسن متق، {والله يحب المحسنين} قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} الآية، نزلت عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهموا بأخذها فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله} ليختبركم الله، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي، وإلا فلا حاجة له إلى البلوى بشيء من الصيد، وإنما بعض، فقال {بشيء} لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة. {تناله أيديكم} يعني: الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد، {ورماحكم} يعني: الكبار من الصيد، {ليعلم الله} ليرى الله، لأنه قد علمه، {من يخافه بالغيب} أي: يخاف الله ولم يره، كقوله تعالى: "الذين يخشون ربهم بالغيب" (الأنبياء، 49) أي: يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام {فمن اعتدى بعد ذلك} أي: صاد بعد تحريمه، {فله عذاب أليم} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: [يوجع] ظهره وبطنه جلدا، ويسلب ثيابه. (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ) قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أي: محرمون بالحج والعمرة، وهو جمع حرام، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، وقد يكون [من] دخول الحرم، يقال: أحرم الرجل إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم. نزلت في رجل يقال له أبو اليسر شد على حمار وحش وهو محرم فقتله. قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} اختلفوا في هذا العمد فقال قوم: هو العمد بقتل الصيد مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة، وهو قول مجاهد والحسن. وقال آخرون: هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرا لإحرامه فعليه الكفارة. واختلفوا فيما لو قتله خطأ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة، قال الزهري: على المتعمد بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة، وقال سعيد بن [جبير] لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد. قوله عز وجل: {فجزاء مثل} قرأ أهل الكوفة ويعقوب " فجزاء " منون، {مثل} رفع على البدل من الجزاء، وقرأ الآخرون بالإضافة {فجزاء مثل} {ما قتل من النعم} معناه أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم، وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة. {يحكم به ذوا عدل منكم} أي: يحكم بالجزاء رجلان عدلان، وينبغي أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم فيحكمان به، وممن ذهب إلى إيجاب المثل من النعم عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، حكموا في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل من النعم، يحكم حاكم في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة [وهي لا تساوي بقرة] وفي الضبع بكبش وهي لا تساوي كبشا، فدل على أنهم نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبها من حيث الخلقة [لا من حيث القيمة] وتجب في الحمام شاة، وهو كل ما عب وهدر من الطير، كالفاختة والقمري.

قسم V03/P096–V03/P098

وروي عن عمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قضوا في حمام مكة بشاة، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة . قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} أي: يهدي تلك الكفارة إلى الكعبة، فيذبحها بمكة ويتصدق بلحمها على مساكين الحرم، {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} قال الفراء رحمه الله: العدل بالكسر: المثل من جنسه، والعدل بالفتح: المثل من غير جنسه، وأراد به: أنه في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح المثل من النعم، فيتصدق بلحمه على المساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل دراهم، والدراهم طعاما، فيتصدق بالطعام على المساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد من الطعام يوما وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين. وقال مالك: إن لم يخرج المثل يقوم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق به، أو يصوم. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يجب المثل من النعم، بل يقوم الصيد فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما. وقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب والآية حجة لمن ذهب إلى التخيير. قوله 112\أتعالى: {ليذوق وبال أمره} أي: جزاء معصيته، {عفا الله عما سلف} يعني: قبل التحريم، ونزول الآية، قال السدي: عفا الله عما سلف في الجاهلية، {ومن عاد فينتقم الله منه} في الآخرة. {والله عزيز ذو انتقام} وإذا تكرر من المحرم قتل الصيد فيتعدد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قتل المحرم صيدا متعمدا يسأل هل قتلت قبله شيئا من الصيد؟ فإن قال نعم لم يحكم عليه، وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، وإن قال لم أقتل قبله شيئا حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا، وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وج وهو واد بالطائف . واختلفوا في المحرم هل يجوز له أكل لحم الصيد أو لا؟ فذهب قوم إلى أنه لا يحل له بحال، ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول طاووس وبه قال سفيان الثوري، واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي، قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" . وذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله إذا لم يصطد بنفسه ولا اصطيد لأجله أو بإشارته، وهو قول عمر وعثمان وأبي هريرة، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وإنما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة لأنه ظن أنه صيد من أجله.

قسم V03/P098–V03/P100

والدليل على جوازه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله التيمي عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالى" . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" قال أبو عيسى: المطلب لا نعرف له سماعا من جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وإذا أتلف المحرم شيئا من الصيد لا مثل له من النعم مثل بيض أو طائر دون الحمام ففيه قيمة يصرفها إلى الطعام، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما، واختلفوا في الجراد فرخص فيه قوم للمحرم وقالوا هو من صيد البحر، روي ذلك عن كعب الأحبار، والأكثرون على أنها لا تحل، فإن أصابها فعليه صدقة، قال عمر: في الجراد تمرة، وروي عنه وعن ابن عباس: قبضة من طعام. {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون } قوله عز وجل: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة} والمراد بالبحر جميع المياه، قال عمر رضي الله عنه: "صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به" . وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة: طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا. وقال قوم: هو المالح منه وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب وقتادة والنخعي. وقال مجاهد: صيده: طريه، وطعامه: مالحه، متاعا لكم أي: منفعة لكم، وللسيارة يعني: المارة. وجملة حيوانات الماء على قسمين: سمك وغيره، أما السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان [ودمان: الميتتان] الحوت والجراد، والدمان: [الكبد والطحال] ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع على حجر أو انحسار الماء عنه ونحو ذلك. أما غير السمك فقسمان: قسم يعيش في البر كالضغدع والسرطان، فلا يحل أكله، وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح، فاختلف القول فيه، فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك، وهو معنى قول أبي حنيفة رضي الله عنه وذهب قوم إلى أن [ميت الماء كلها حلال] لأن كلها سمك، وإن اختلفت صورها، [كالجريث] يقال له حية الماء، وهو على شكل الحية وأكله مباح بالاتفاق، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وبه قال شريح والحسن وعطاء، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي. وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل، فميتته من حيوانات البحر حلال، مثل بقر الماء ونحوه، وما لا يؤكل نظيره في البر لا يحل ميتته من حيوانات البحر، مثل كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها. وقال الأوزاعي كل شيء عيشه في الماء فهو حلال، قيل: فالتمساح؟ قال نعم. وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، وقال سفيان الثوري: أرجو أن لا يكون بالسرطان بأسا.

قسم V03/P100–V03/P103

وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر، وكذلك الحديث. أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن صفوان بن [سلمان] عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب في البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" . أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عمر أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول: غزوت جيش الخبط وأمر أبو عبيدة، فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه، فمر الراكب تحته. وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: قال أبو عبيدة: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله إليكم، أطعمونا إن كان معكم" فأتاه بعضهم بشيء منه فأكلوه . قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون} 112/ب صيد البحر حلال للمحرم، كما هو حلال لغير المحرم، أما صيد البر فحرام على المحرم وفي الحرم، والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، أما ما لا يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام، وللمحرم أخذه وقتله، ولا جزاء على من قتله إلا المتولد بين ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل، كالمتولد بين الذئب والظبي لا يحل أكله ويجب بقتله الجزاء على المحرم، لأن فيه جزاء من الصيد. أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" . وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقتل المحرم السبع العادي" وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور" . وقال سفيان بن عيينة: الكلب العقور كل سبع يعقر، ومثله عن مالك، وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل ما لا يؤكل لحمه، من الفهد والنمر والخنزير ونحوها إلا الأعيان المذكورة في الخبر، وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه الكفارة، وقاس الشافعي رحمه الله عليها جميع ما لا يؤكل لحمه لأن الحديث يشتمل على أعيان بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة [الهوام] وإنما هي حيوان مستخبث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل فاعتبره ورتب الحكم عليه. {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } قوله عز وجل: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} قال مجاهد: سميت كعبة لتربيعها، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة، قال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البناء، وقيل: سميت كعبة لارتفاعها من الأرض، وأصلها من الخروج والارتفاع، وسمي الكعب عكبا لنتوئه، وخروجه من جانبي

قسم V03/P103–V03/P104

القدم، ومن قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها: تكعبت. وسمي البيت الحرام: لأن الله تعالى حرمه وعظم حرمته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" {قياما للناس} قرأ ابن عامر (قيما) بلا ألف والآخرون: "قياما" بالألف، أي: قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم، أما الدين لأن به يقوم الحج والمناسك، وأما الدنيا فيما يجبى إليه من الثمرات، وكانوا يأمنون فيه من النهار والغارة فلا يتعرض لهم أحد في الحرم، قال الله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت-67) {والشهر الحرام} أراد به الأشهر الحرم وهي ذو العقده وذو الحجة والمحرم ورجب، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياما للناس يأمنون فيها القتال، {والهدي والقلائد} أراد أنهم كانوا يؤمنون بتقليد الهدي، فذلك القوام فيه. {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} فإن قيل: أي اتصال لهذا الكلام بما قبله؟ قيل: أراد أن الله عز وجل جعل الكعبة قياما للناس لأنه يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض، وقال الزجاج: قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب والكشف عن الأسرار، مثل قوله (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين) ، ومثل إخباره بتحريفهم الكتب ونحو ذلك، فقوله {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} راجع إليه. {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون } {ما على الرسول إلا البلاغ} [التبليغ] {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} {قل لا يستوي الخبيث والطيب} أي الحلال والحرام، {ولو أعجبك} سرك {كثرة الخبيث} نزلت في شريح بن [ضبيعة] البكري، وحجاج بن بكر بن وائل {فاتقوا الله} ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين، وقد مضت القصة في أول السورة، {يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حفص بن عمر أنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب فصعد المنبر فقال: "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم"، فجعلت أنظر يمينا وشمالا فإذا كان رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال "حذافة": ثم أنشأ عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إني صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط"، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} . قال يونس عن ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن تكون أمك قد فارقت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته . وروي عن عمر قال: يا رسول الله إنا حديثو عهد بجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه وتعالى عنك، فسكن غضبه.

قسم V03/P104–V03/P107

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا الفضل بن سهل أخبرنا أبو النضر أنا أبو خيثمة أنا أبو جويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} حتى فرغ من الآية كلها . وروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت: (ولله على الناس حج البيت) قال رجل: يا رسول الله أفي كل عام فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} أي: إن تظهر لكم تسؤكم، أي: إن أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام فيسوءه، ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح. وقال مجاهد نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا تراه ذكرها بعد ذلك؟ {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} 113\أمعناه صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو حكم، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة ومست جاحتكم إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تبد لكم، {عفا الله عنها والله غفور حليم} {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } {قد سألها قوم من قبلكم} كما سألت ثمود صالحا الناقة وسأل قوم عيسى المائدة، {ثم أصبحوا بها كافرين} فأهلكوا، قال أبو ثعلبة الخشني: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها . (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ) قوله عز وجل: {ما جعل الله من بحيرة} أي: ما أنزل الله ولا أمر به، {ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} قال ابن عباس في بيان هذه [الأوضاع] البحيرة هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها، ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا إلا خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوها وحرم على النساء لبنها ومنافعها، وكانت منافعها خاصة للرجال، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء. وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة. وقال أبو عبيد: السائبة البعير الذي يسيب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال إن شفاني الله تعالى أو شفي مريضي أو عاد غائبي، فناقتي هذه سائبة، ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة. وقال علقمة: هو العبد يسيب على أن لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث. وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق" . والسائبة فاعلة بمعنى المفعولة، وهي المسيبة، كقوله تعالى {ماء دافق} أي: مدفوق و {عيشة راضية}

قسم V03/P107–V03/P109

وأما الوصيلة: فمن الغنم كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإذا كان السابع ذكرا ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا. وأما الحام: فهو الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال أبو هريرة: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب" . روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن جون الخزاعي: "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة [بن خندق] يجر قصبه في النار فما رأيت رجل أشبه برجل منك به ولا به منك" وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام، "فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه"، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال: "لا إنك مؤمن وهو كافر" . قوله عز وجل: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في قولهم الله أمرنا بها {وأكثرهم لا يعقلون} {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام، {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} من الدين، قال الله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وتضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه" . وفي رواية "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله سبحانه وتعالى عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله عز وجل خياركم فلا يستجاب [لكم] " . قال أبو عبيد: خاف الصديق أن يتأول الناس الآية على غير متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر] فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به، وقد صولحوا عليه، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم.

قسم V03/P109–V03/P110

وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن قد نزل منه آي: قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي: قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه آي: يقع تأويلهن يوم القيامة، ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا أبو جعفر أحمد بن محمد العنزي أخبرنا عيسى بن نصر أنا عبد الله بن المبارك أنا عتبة بن أبي حكيم حدثني عمرو 113/ب بن جارية اللخمي أنا أبو أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله عز وجل {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك نفسك ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله" قال ابن المبارك: وزادني غيره قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم" . وقيل: نزلت في أهل الأهواء، قال أبو جعفر الرازي: دخل على صفوان بن محرز شاب من أهل الأهواء فذكر شيئا من أمره، فقال صفوان ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أولياءه: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قوله عز وجل: {إلى الله مرجعكم جميعا} الضال والمهتدي، {فينبئكم بما كنتم تعملون} {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين }

الأسئلة