إن الغاية الأساسية من خلق الجن والإنس، كما يوضح القرآن الكريم، هي العبادة. يقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56). وقد فُسِّرَت العبادة هنا بمعناها الواسع الذي يشمل الإقرار لله بالربوبية والألوهية، والخضوع لأوامره ونواهيه، وتوحيده سبحانه. (الكشيري في تفسير قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، في تفسير الكشيري المذكور في الكردي، الجامع لأحكام القرآن، المجلد 17، الصفحة 54).
وقد أوضح الإمام فخر الدين الرازي أن هذه العبادة هي المقصود الأجل، وأن سائر المقاصد بالنسبة إليها كالعدم. فالخسر الحقيقي هو الحرمان من خدمة الله تعالى، أما ما عدا ذلك من أمور الدنيا أو حتى دخول الجنة والنار، فهو بالنسبة لحرمان العبادة كالعدم. (الرازي، مفاتيح الغيب، المجلد 32، الصفحة 82).
الحياة الدنيا، في منظور القرآن، توصف بأنها لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر. فهي زائلة وفانية، أشبه بمثال الزرع الذي ينبت بماء المطر فيعجب الزراع، ثم يهيج ويصفر ويصبح هشيمًا. (الأنعام: 32، الحديد: 20). لذلك، فإن الغاية ليست الانغماس في هذه الزينة الفانية، بل الاستعداد للدار الآخرة التي هي دار البقاء. (الأنعام: 32، الحديد: 20، الكهف: 46).
ويؤكد القرآن على أن الإيمان والعمل الصالح هما السبيل للنجاة من الخسران المبين الذي يعم أغلب الناس. فالذين يؤمنون ويعملون الصالحات ويتواصون بالحق والصبر هم المستثنون من الخسران. (العصر: 1-3).
وقد وردت تفسيرات مختلفة لمفهوم "الباقيات الصالحات" التي هي خير عند الله ثوابًا وأملاً، ومنها أنها الصلوات الخمس، أو كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى ثوابه للآخرة، أو كلمات مثل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. (الكردي، الجامع لأحكام القرآن، المجلد 10، الصفحة 412؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المجلد 5، الصفحة 160).
في الختام، يمكن القول إن الغاية من الحياة في الإسلام هي تحقيق عبادة الله تعالى في هذه الدنيا الفانية، والاستعداد للآخرة الباقية من خلال الإيمان والعمل الصالح، مع إدراك حقيقة الدنيا وأنها متاع قليل وغرور.