Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
< > مقدمة <
> بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما قال الشيخ الفقيه الإمام العالم العامل العلامة المحدث أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي رضي الله عنه : الحمد لله المبتديء بحمد نفسه قبل أن يحمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرب الصمد الواحد الحي القيوم الذي لا يموت ذو الجلال والإكرام والمواهب العظام والمتكلم بالقرآن والخالق للإنسان والمنعم عليه بالإيمان والمرسل رسوله بالبيان محمدا صلى الله عليه وسلم ما اختلف الملوان وتعاقب الجديدان أرسله بكتابه المبين الفارق بين الشك واليقين الذي أعجزت الفصحاء معارضته وأعيت الألباء مناقضته وأخرست البلغاء مشاكلته فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا جعل أمثاله عبرا لمن تدبرها وأوامره هدى لمن استبصرها وشرح فيه واجبات الأحكام وفرق فيه بين الحلال والحرام وكرر فيه المواعظ والقصص للافهام وضرب فيه الأمثال وقص فيه غيب الأخبار فقال تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء خاطب به أولياءه ففهموا وبين لهم فيه مراده فعلموا فقرءة القرآن حملة سر الله المكنون وحفظة علمه المخزون وخلفاء أنبيائه وأمناؤه وهم أهله وخاصته وخيرته وأصفياؤه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله أهلين منا ( قالوا : يا رسول الله من هم قال : ( هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ( أخرجه ابن ماجه في سننه وأبو بكر البزار في مسنده فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه ويتذكر ما شرح له فيه ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحييه فإنه قد حمل أعباء الرسل وصار شهيدا في القيامة على من خالف من أهل الملل قال الله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ألا وأن الحجة على من علمه فأغفله أو كد منها على من قصر عنه وجهله ومن أوتى علم القرآن فلم ينتفع وزجرته نواهيه فلم يرتدع وارتكب من المآثم قبيحا ومن الجرائم فضوحا كان القرآن حجة عليه وخصما لديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القرآن حجة لك أو عليك ( خرجه مسلم فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته ويتدبر حقائق عبارته ويتفهم عجائبه ويتبين غرائبه قال الله تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وقال الله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته ويتدبره حق تدبره ويقوم بقسطه ويوفي بشرطه ولا يلتمس الهدى في غيره وهدانا لأعلامه الظاهرة وأحكامه القاطعة الباهرة وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة ثم جعل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ما كان منه مجملا وتفسير ما كان منه مشكلا وتحقيق ما كان منه محتملا ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الإختصاص به ومنزلة التفويض إليه قال الله تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباط ما نبه على معانيه وأشار إلى أصوله ليتوصلوا بالاجتهاد فيه إلى علم المراد فيمتازوا بذلك عن غيرهم ويختصوا بثواب اجتهادهم قال الله تعالى : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات فصار الكتاب أصلا والسنة له بيانا واستنباط العلماء له إيضاحا وتبيانا فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه وآذاننا موارد سنن نبيه وهممنا مصروفة إلى تعلمهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما طالبين بذلك رضا رب العالمين ومتدرجين به إلى علم الملة والدين ( وبعد ) فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع الذي استقل به السنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض رأيت أن أشتغل به مدى عمري واستفرغ فيه منتي بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات جامعا بين معانيهما ومبينا ما أشكل منهما بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف وعملته تذكرة لنفسي وذخيرة ليوم رمسي وعملا صالحا بعد موتي قال الله تعالى : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر وقال تعالى : علمت نفس ما قدمت وأخرت وقال رسول الله صلى وسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا في ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ( وشرطي في هذا الكتاب : إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها فإنه يقال : من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله وكثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث فبقي من لا خبرة له بذلك حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم ومعرفة ذلك على جسيم فلا يقبل منه الإحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرجه من الأئمة الأعلام والثقات المشاهير من علماء الإسلام ونحن نشير إلى جمل من ذلك في هذا الكتاب والله الموفق للصواب وأضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا مالابد منه ولا غنى عنه للتبيين واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام بمسائل تسفر عن معناها وترشد للطالب إلى مقتضاها فضمنت كل آية لتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل نبين فيها ماتحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير الغريب والحكم فإن لم لتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل هكذا إلى آخر الكتاب وسميته ب ( الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان ) جعله الله خالصا لوجهه وأن ينفعني به ووالدي ومن أراده بمنه إنه سميع الدعاء قريب مجيب آمين <
> باب ذكر جمل من فضائل القرآن والترغيب فيه وفضل طالبه وقارئه ومستعمله والعامل به <
> اعلم أن هذا الباب واسع كبير ألف فيه العلماء كتبا كثيرة نذكر من ذلك نكتا تدل على فضله وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه وعملوا به فأول ذلك ان يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين غير مخلوق كلام من ليس كمثله شيء وصفة من ليس له شبيه ولا ند فهو من نور ذاته جل وعز وأن القراءة أصوات القراء ونغماتهم وهي أكسابهم التي يؤمرون بها في حال إيجابا في بعض العبادات وندبا في كثير من الأوقات ويزجرون عنها إذا اجتنبوا ويثابون عليها ويعاقبون على تركها وهذا مما اجمع عليه المسلمون أهل الحق ونطقت به الآنار ودل عليها المستفيض من الأخبار ولايتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من أكساب العباد على ما يأتي بيانه ولولا أنه سبحانه جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله ليتدبروه وليعتبروا به وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته وأداء حقوقه وفرائضه لضعفت ولاندكت بثقله أو لتضعضعت له وأنى تطيقه وهو يقول تعالى جده وقوله الحق : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله فأين قوة القلوب من قوة الجبال ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم فضلا منه ورحمة أما ما جاء من الآثار في هذا الباب فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن وذكرى عن مسألتي أن أعطيته أفضل ما أعطى السائلين قال : وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ( قال : هذا حديث حسن غريب وروى أبو محمد الدارمي السمرقندي في مسنده عن عبدالله قال : السبع الطول مثل التوراة والمئون مثل الإنجيل والمثاني مثل الزبور وسائر القرآن بعد فضل وأسند عن الحارث عن علي رضي الله عنه وخرجه الترمذي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ستكون فتن كقطع الليل المظلم قلت يا رسول الله وما المخرج منها قال : كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن آبتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا من علم علمه سبق ومن قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور ( الحارث رماه الشعبي بالكذب وليس بشيء ولم يبن من الحارث كذب وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله له على غيره ومن ها هنا والله أعلم كذبه الشعبي لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر وإلى أنه أول من أسلم قال أبو عمر بن عبد البر : وأظن الشعبي عوقب لقوله في الحارث الهمداني : حثني الحارث وكان أحد الكذابين وأسند أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم إن هذا حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة من تمسك به ونجاة من اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشرة حسنات أما إني لا أقول آلم حرف ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله ( وقال أبو عبيدة في غريبه عن عبدالله قال : إن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن قال : وتأويل الحديث أنه مثل شبه القرآن بصنيع صنعه الله عز وجل للناس لهم فيه خير ومنافع ثم دعاهم إليه يقال : مأدبة ومأدبة فمن قال : مأدبة أراد الصنيع يصنعه الأنسان فيدعو إليه الناس ومن قال : مأدبة فإنه يذهب به إلى الأدب يجعله مفعلة من الأدب ويحتج بحديث الآخر : ( إن هذا القرآن مأدبة الله عز وجل فتعلموا من مأدبته ( وكان الأحمر يجعلهما لغتين بمعنى واحد ولم أسمع أحد يقول هذا غيره قال والتفسير الأول أعجب إلي وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ( وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر ( وفي رواية : ( مثل الفاجر ( بدل ( المنافق ( وقال البخاري : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة ( وذكر الحديث وذكر أبو بكر الأنباري : وقد أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا هشيم ح وأنبأنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب : أن أبا عبدالرحمن السلمى كان إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له : ياهذا اتق الله فما أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي عملت وروى الدارمي عن وهب الذماري قال : من آتاه الله القرآن فقام به آناه الليل وآناء النهار وعمل بما فيه ومات على الطاعة بعثه الله يوم القيامة مع السفرة والأحكام قال سعيد : السفرة الملائكة والأحكام الأنبياء وروى مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ( التتعتع : التردد في الكلام عيا وصعوبة وإنما كان له أجران من حيث التلاوة ومن حيث المشقة ودرجات الماهر فوق ذلك كله لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه ثم ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة والله أعلم وروى الترمذي عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ( قال : حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقد روي موقوفا وروى مسلم عن عقبة بن عامر قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال : ( أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم ( فقلنا : يا رسول الله كلنا نحب ذلك قال : ( أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل ( وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ( وروى أبو داود والنسائي والدارمي والترمذي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ( قال الترمذي : حديث حسن غريب وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجيء القرآن يوم القيامة فيقول يا رب حلة فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال له اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة ( قال : حديث صحيح وروى أبو داود عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ( وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه ( وأسند أبو بكر الأنباري عن أبي أمامة الحمصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أعطي ثلث القرآن فقد أعطي ثلث النبوة ومن أعطي ثلثي القرآن فقد أعطي ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله فقد أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق فيقرأ آية ويصعد درجة حتى ينجز ما معه من القرآن ثم يقال له اقبض فيقبض ثم يقال له أتدري ما في يديك فإذا في يده اليمنى الخلد وفي اليسرى النعيم ( حدثنا إدريس بن خلف حدثنا إسماعيل بن عياش عن تمام عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أخذ ثلث القرآن وعمل به فقد أخذ أمر ثلث النبوة ومن أخذ نصف القرآن وعمل به فقد أخذ أمر نصف النبوة ومن أخذ القرآن كله فقد أخذ النبوة كلها ( قال : وحدثنا محمد بن يحيى المروزي أنبأنا محمد وهو ابن سعدان حدثنا الحسين بن محمد عن حفص عن كثير بن زاذان عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ القرآن وتلاه وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كل قد وجبت له النار ( وقالت أم الدرداء : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت لها : ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأه ممن دخل الجنة فقالت عائشة رضي الله عنها : إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن ذكره أبو محمد مكي وقال ابن عباس : من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك بأن الله تبارك وتعالى يقول : فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس : فضمن الله لمن اتبع القرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ذكره مكي أيضا وقال الليث : يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقول الله جل ذكره : وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون و لعل من الله واجبة وفي مسند أبي داود الطيالسي وهو أول مسند ألف في الإسلام عن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين ( والآثار في معنى هذا الباب كثيرة وفيما ذكرنا كفاية والله الموفق للهداية <
> باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى وما يكره منها ويحرم واختلاف الناس في ذلك <
> روى البخاري عن قتادة قال : سألت أنسا عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان يمد مدا [ إذا ] قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم وروى الترمذي عن أم سلمة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول : الحمد لله رب العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم ثم يقف وكان يقرؤها ملك يوم الدين قال : حديث غريب وأخرجه أبو داود بنحوه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أحسن الناس صوتا من إذا قرأ رأيته يخشى الله تعالى ( وروي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له : اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء فقال : يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه وروي عن قيس بن عباد أنه قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الذكر وممن روى عنه كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم وكرهه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كلهم كره رفع الصوت بالقرآن والتطريب فيه روى عن سعيد بن المسيب أنه سمع عمر بن عبدالعزيز يؤم الناس فطرب في قراءته فأرسل إليه سعيد يقول : أصلحك الله إن الأئمة لا تقرأ هكذا فترك عمر التطريب بعد وروي عن القاسم بن محمد : أن رجلا قرأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فطرب فأنكر ذلك القاسم وقال يقول الله عز وجل : وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الآية وروي عن مالك أنه سئل عن النبر في قراءة القرآن في الصلاة فأنكر ذلك وكرهه كراهة شديدة وأنكر رفع الصوت به وروى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة فقال لا يعجبني وقال : إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتطريب به وذلك لأنه إذا حسن الصوت به كان أوقع في النفوس وأسمع في القلوب واحتجوا بقوله عليه السلام : ( زينوا القرآن بأصواتكم ( رواه البراء بن عازب أخرجه أبو داود والنسائي وبقوله عليه السلام : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( أخرجه مسلم وبقول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم : لو أعلم أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا وبما رواه عبدالله بن مغفل قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وابن المبارك والنضر بن شميل وهو اختيار أبي جعفر الطبري وأبي الحسن بن بطال والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم قلت : القول الأول أصح لما ذكرناه ويأتي وأما ما احتجوا به من الحديث الأول فليس على ظاهره وإنما هو باب المقلوب أي زينوا أصواتكم بالقرآن قال الخطابي : وكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث : زينوا أصواتكم بالقرآن وقالوا هو من باب المقلوب كما قالوا : عرضت الحوض على الناقة وإنما هو عرضت الناقة على الحوض قال : ورواه معمر عن منصور عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن وهو الصحيح قال الخطابي : ورواه طلحة عن عبدالرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( زينوا القرآن بأصواتكم ( أي الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم واتخذوه شعارا وزينة وقيل : معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( زينوا أصواتكم بالقرآن ( وروي عن عمر أنه قال : ( حسنوا أصواتكم بالقرآن ( قلت : وإلى هذا المعنى يرجع قوله عليه السلام : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن كذلك تأوله عبدالله بن أبي مليكة قال عبدالجبار ابن الورد : سمعت ابن أبي مليكة يقول : قال عبدالله بن أبي يزيد : مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة فسمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سقول : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( قال فقلت لابن أبي ملكية : يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال : يحسنه ما استطاع ذكره أبو داود وإليه يرجع أيضا قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لو علمت أنك تستمع لقرائتي لحسنت صوتي بالقرآن وزينته ورتلته وهذا يدل ( على ) أنه كان يهذ في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه والتحبير : التزيين والتحسين فلو علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه لمد في قرائته ورتلها كما كان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك زيادة في حسن صورته بالقراءة ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزينه وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه وقد قيل : إن الأمر بالتزيين اكتساب القرءات وتزينها بأصواتنا وتقدير ذلك أي زينوا القراءة بأصواتكم فيكون القرآن بمعنى القراءة كما قال تعالى : وقرآن الفجر أي قراءة الفجر وقوله : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي قراءته وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : إن البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام ويوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا أي قراءة وقال الشاعر في عثمان رضي الله عنه : ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة فيكمون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها على ما نبينه فيمتنع وقد قيل : إن معنى يتغنى به يستغنى به من الإستغناء الذي هو ضد الإفتقار لا من الغناء يقال : تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت وفي الصحاح : تغنى الرجل بمعنى استغنى وأغناه الله وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض قال المغيرة بن حبناء التميمي : كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ورواه سفيان عن سعد بن أبي وقاص وقد روي عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهوية أي يستغني به عما سواه من الأحاديث وإلى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن اسماعيل لإتباعه الترجمة بقوله تعالى : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم والمراد الإستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم قاله أهل التأويل وقيل : إن معنى يتغنى به يتحزن به أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قرائته وتلاوته وليس من الغنية لأنه لو كان من الغنية لقال : يتغانى به ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة من العلماء : منهم الأمام أبو محمد ابن حبان البستي واحتجوا بما رواه مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء الأزيز ( بزايين ) : صوت الرعد وغليان القدر قالوا : ففي هذا الخبر بيان واضح على أن المراد بالحديث التحزن وعضدوا هذا بما رواه عن الأئمة عن عبدالله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اقرأ علي ( فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فنظرت اليه فإذا عيناه تدمعان فهذه أربع تأويلات ليس فيها مايدل على القراءة بالألحان والترجيع فيها وقال أبو سعيد بن الأعرابي في قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( قال : كانت العرب تولع بالغناء والنشيد في أكثر أقوالها فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هجيراهم مكان الغناء فقال : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( التأويل الخامس ما تأوله من استدل به على الترجيع والتطريب فذكر عمر بن شبة قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله : ( يتغنى ( يستغنى فقال : لم يصنع ابن عيينة شيئا وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغناء لقال : من لم يستغن ولكن لما قال ( يتغن ( علمنا انه أراد التغني قال الطبري : المعروف عندنا في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع قال الشاعر : تغن بالشعر مهما كنت قائله إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال : وأما ادعام الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ولا نعلم أحد من أهل العلم قاله وأما احتجاجه بقول الأعشى : وكنت امرا زمنا بالعراق عفيف المناخ طويل التغن وزعم أنه الاستغناء فأنه غلط منه وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة من قول العرب : غني فلان بمكان كذا اي أقام ومنه قوله تعالى : كأن لم يغنوا فيها وأما استشهاده بقوله : ونحن إذا متنا أشد تغانيا فإنه إغفال منه وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه كما يقال : تضارب الرجلان إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه ومن قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد فغير جائز أن يقال : تغانى زيد وتضارب عمرو وكذلك غير جائز أن يقال : تغنى بمعنى استغنى قلت : ما ادعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى فقد ذكره الجوهري كما ذكرنا وذكره الهروي أيضا وأما قوله : إن صيغة فاعل إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في مواضع كثيرة منها قول ابن عمر : وأنا يومئذ قد نازهت الاحتلام وتقول العرب : طارقت النعل وعاقبت اللص وداويت العليل وهو كثير فيكون تغانى منها وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسلام : ( يتغن ( الغناء والاستغناء فليس حمله على أحدهما بأولى من الاخر بل حمله على الإستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره لأنه مروي عن صحابي كبير كما ذكر سفيان وقد قال ابن وهب في حق سفيان : ما رأيت أعلم بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة ومعلوم أنه رأى الشافعي وعاصره وتأويل سادس وهو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ( قال الطبري : ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى قلنا قوله : يجهر به لا يخلو أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة أو غيره فإن كان الأول وفيه بعد فهو دليل على عدم التطريب والترجيع لأنه لم يقل : يطرب به وإنما قال : يجهر به أي يسمع نفسه ومن يليه بدليل قوله عليه السلام للذي سمعه وقد رفع صوته بالتهليل : ( أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لستم تدعون اصم ولا غائبا ( الحديث وسيأتي وكذلك إن كان من صحابي أو غيره فلا حجة فيه على ما راموه وقد اختار هذا التأويل بعض علمائنا فقال : وهذا أشبه لأن العرب تسمي كل رفع صوته ووالي به غانيا وفعله ذلك غناء وإن لم يلحنه بتلحين الغناء قال : وعلى هذا فسره الصحابي وهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال وقد احتج أبو الحسن بن بطال لمذهب الشافعي فقال : وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : ( تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من المخاض من العقل ( قال علماؤنا : وهذا الحديث وإن صح سنده فيرده ما يعلم على القطع والبتات من أن قراءة القرآن بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ جيلا فجيلاإلى العصر الكريم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها تلحين ولا تطريب مع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفي المد والإدغام والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بمدود فترجع الالف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبهة الواحدة شبهات فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها نبرات وهمزات والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لاغير إما ممدودة وإما مقصورة فإن قيل : فقد روى عبدالله بن مغفل قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته وذكره البخاري وقال في صفة الترجيع : آء آء آء ثلاث مرات قلنا : ذلك محمول على إشباع المد في موضعه ويحتمل أن يكون حكاية صوته عند هز الراحلة كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب وإذا احتمل هذا فلا حجة فيه وقد خرج أبو محمد عبدالغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة عن عبدالرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال : كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم المد ليس فيها ترجيع وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الأذان سهل سمح فإذا كان أذانك سمحاسهلاوإلا فلا تؤذن ( أخرجه الدارقطني في سننه فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع ذلك في الأذان فأحرى ألا يجوزه في القرآن الذي حفظه الرحمن فقال وقوله الحق : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قلت : وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق كما يفعل القرآء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز ضل سعيهم وخاب عملهم فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه جهلا بدينهم ومروقا عن سنة نبيهم ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم ونزوعا إلى مازين لهم الشيطان من أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فهم في غيهم يترددون وبكتاب الله يتلاعبون فإنا لله وإنا إليه راجعون لكن قد اخبر الصادق أن ذلك يكون فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم ذكر الإمام الحافظ أبو الحسين رزين وأبو عبدالله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ( اللحون : جمع لحن وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء قال علماؤنا : ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والترجيع في القراءة : ترديد الحروف كقراءة النصارى والترتيل في القراءة هو التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل وهو المشبه بنور الأقحوان وهو المطلوب في قراءة القرآن قال الله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله عليه وسلم وصلاته فقالت : ما لكم وصلاته ( كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ) ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب
باب تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره قال الله تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وقال تعالى : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا روى مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه منأصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ( وقال الترمذي في هذا الحديث : ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال : ( يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ( أبو هريرة أسمه عبد لله وقيل : عبدالرحمن وقال : كنيت أبا هريرة لأني حملت هرة في كمي فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما هذه ( قلت : هرة فقال : ( يا أبا هريرة ( قال ابن عبدالبر : وهذا الحديث فيمن لم يرد بعمله وعلمه وجه الله تعالى وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من طلب العلم لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ( وخرج ابن المبارك في رقائقه عن العباس بن عبدالمطلب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي بأقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا من أقرأ منا من أعلم منا ( ثم التفت إلى أصحابه فقال : ( هل ترون في أولئكم من خير ( قالوا : لا قال : ( أولئك منكم وألئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار ( وروي أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ( يعني ريحها قال الترمذي : حديث حسن وروي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تعوذوا بالله من جب الحزن ( قالوا : يا رسول الله وما جب الحزن قال : ( واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كل يوم مائة مرة ( قيل : يا رسول الله ومن يدخله قال : ( القراء المراءون بأعمالهم ( قال : هذا حديث غريب وفي كتاب أسد بن موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في جهنم لواديا إن جهنم لتتعوذ من شر ذلك الوادي كل يوم سبع مرات وإن في ذلك الوادي لجبا إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذان بالله من شر ذلك الجب وإن في الجب لحية وإن جهنم والوادي والجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية سبع مرات أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن الذين يعصون الله ( فيجب على حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمل لله فإن كان تقدم له شيء مما يكره فليبادر التوبة والإنابة وليبتدئ الإخلاص في الطلب وعمله فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيره كما أن له من الأجر ما ليس لغيره روى الترمذي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنزل الله في بعض الكتب أو أوحى إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس مسوك الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران ( وخرج الطبري في كتاب آداب النفوس : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا المحاربي عن عمرو بن عامر البجلي عن ابن صدقة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو من حدثه قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : ( لاتخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر ( قالوا : يا رسول الله وكيف يخادع الله قال : ( تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره واتقوا الرياء فإنه الشرك وإن المرائي يدعى يوم القيامة على رءوس الأشهاد بأربعة أسماء ينسب إليها يا كافر يا خاسر ياغادر يا فاجر ضل عملك وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع ( وروى علقمة عن عبدالله بن مسعود قال : كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصفير ويهرم الكبير وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غير منها شيء قيل : قد غيرت السنة قيل : متى ذلك يا أبا عبدالرحمن قال : إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم وكثر أمراؤكم وقل أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين وقال سفيان بن عيينة : بلغنا عن ابن عباس أنه قال : لو أن حملة القرآن أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس وروي عن أبي جعفر محمد بن علي في قول الله تعالى : فكبكبوا فيها هم الغاوون قال : قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى <
> باب ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه <
> فأول ذلك أن يخلص في طلبه لله جل وعز كما ذكرنا وأن يأخذ نفسه بقراءة القرآن في ليله ونهاره في الصلاة أو في غير الصلاة لئلا ينساه روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه ( وينبغي له أن يكون لله حامدا ولنعمه شاكرا وله ذاكرا وعليه متوكلا وبه مستعينا وإليه راغبا وبه معتصما وللموت ذاكرا وله مستعدا وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه راجيا عفو ربه ويكون الخوف في صحته أغلب عليه إذ لا يعلم بما يختم له ويكون الرجاء عند حضور أجله أقوى في نفسه لحسن الظن بالله قل رسول الله صلى عليه وسلم : ( لا يؤتمن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن ( اي أنه يرحمه ويغفر له وينبغي له أن يكون عالما بأهل زمانه متحفظا من سلطانه ساعيا في خلاص نفسه ونجاة مهجته مقدما بين يديه ما يقدر عليه من عرض دنياه مجاهدا لنفسه في ذلك ما استطاع وينبغي له أن يكون أهم أموره عنده الورع في دينه واستعمال تقوى الله ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه وقال ابن مسعود : ينبغي لقاريء القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مستيقضون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخضوعه إذا الناس يختالون وبحزنه إذا الناس يفرحون وقال عبدالله بن عمرو : لا ينبغي لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض ولا يجهل مع من يجهل ولكن بعفو ويصفح لحق القرآن لأن في جوفه كلام الله تعالى وينبغي له أن يأخذ نفسه بالتصاون عن طرق الشبهات ويقل الضحك والكلام في مجالس القرآن وغيرها بما لا فائدة فيه ويأخذ نفسه بالحلم والوقار وينبغي له أن يتواضع للفقراء ويتجنب التكبر والإعجاب ويتجافى عن الدنيا وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة ويترك الجدال والمراء ويأخذ نفسه بالرفق والأدب وينبغي له أن يكون ممن يؤمن شره ويرجى خيره ويسلم من ضره وألا يسمع ممن نم عنده ويصاحب من يعاونه على الخير ويدله على الصدق ومكارم الأخلاق ويزينه ولا يشينه وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو فما أقبح لحامل القرآن ان يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو فكيف يعمل بما لا يفهم معناه وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلو ولا يدريه فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا وينبغي لهو أن يعرف المكي من المدني ليفرق بذلك بين ماخاطب الله به عباده في أول الإسلام وما ندبهم إليه في آخر الإسلام وما افترض الله في أول الإسلام وما زاد عليه من الفرائض في آخره فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن ولا يمكن أن ينسخ المكي المدني لأن المنسوخ هو المتقدم في النزول قبل الناسخ له ومن كماله أن يعرف الإعراب والغريب فدلك مما يسهل عليه معرفة ما يقرأ ويزيل عنه الشك فيما يتلو وقد قال أبو جعفر الطبري سمعت الجرمي يقول : أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه قال محمد بن يزيد : وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث إذ كان كتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفسير ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبها يصل الطالب إلى مراد الله عز وجل في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا وقد قال الضحاك في قوله تعالى : ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب قال : حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها وذكر ابن أبي الحواري قال : أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول فقال بعض القوم : إن كان خارجا لشيء فسيخرج لتلاوة القرآن فأمرنا قارئا فقرأ فاطلع علينا من كوة فقلنا ك السلام عليك ورحمة الله فقال : وعليكم السلام فقلنا : كيف أنت يا أبا علي وكيف حالك فقال : أنا من الله في عافية ومنكم في أذى وإن ما أنتم فيه حدث في الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون ما هكذا كنا نطلب العلم ولكنا كنا نأتي المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلا للجلوس معهم فنجلس ونسترق السمع فإذا مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه وأنتم تطلبون العلم بالجهل وقد ضيعتم كتاب الله ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون قال : قلنا قد تعلمنا القرآن قال : إن في تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم قلنا : كيف يا أبا علي قال : لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه من متشابهه وناسخه من منسوخه إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ثم قال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم يأيها الناس قد جائتكمموعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قلت : فإذا حصلت هذه المراتب لقاريء القرآن كان ماهرا بالقرآن وعالما بالفرقان وهو قريب على من قربه عليه ولا ينتفع بشيء مما ذكرنا حتى يخلص النية فيه لله جل ذكره عند طلبه أو بعد طلبه كما تقدم فقد يبتديء الطالب للعلم يريد به المباهاة والشرف في الدنيا فلا يزال به فهم العلم حتى يتبين أنه على خطأ في اعتقاده فيتوب من ذلك ويخلص النية لله تعالى فينتفع بذلك ويحسن حاله قال الحسن : كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة وقاله سفيان الثوري وقال حبيب بن أبي ثابت : طلبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد <
> باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه وثواب من قرأ القرآن معربا <
> قال أبو بكر بن الأنباري : جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم من تفضيل إعراب القرآن والحض على تعليمه وذم اللحن وكراهيته ما وجب به على قراء القرآن أن يأخذوا أنفسهم يالاجتهاد في تعلمه من ذلك ما حدثنا يحيى بن سليمان الضبي قال حدثنا محمد يعني ابن سعيد قال حدثنا أبو معاوية عن عبدالله بن سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه ( حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم بن الهيثم قال حدثنا آدم يعني ابن أبي إياس قال حدنا أبو الطيب المرزوي قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة ( وروى جويبر عن الضحاك قال قال عبدالله بن مسعود : جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات وأعربوه فإنه عربي والله يحب أن يعرب به وعن مجاهد عن ابن عمر قال : أعربوا القرآن وعن محمد بن عبدالرحمن بن زيد قال قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما : لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه وعن الشعبي قال قال عمر رحمه الله : من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله أجر شهيد وقال مكحول : بلغني أن من قرأ بإعراب كان له من الأجر ضعفان ممن قرأ بغير إعراب وروى ابن جريج عن عطاء عن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي ( وروى سفيان عن أبي حمزة قال : قيل للحسن في قوم يتعلمون العربية قال : أحسنوا يتعلمون لغة نبيهم صلى الله عليه وسلم وقيل للحسن : إن لنا إماما يلحن قال : أخروه وعن ابن أبي ملكية قال : قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : من يقرئني مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : فأقرأه رجل براءة فقال : إن الله بريء من المشركين ورسوله بالجر فقال الأعرابي : أو قد برئ الله من رسوله فإن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال : يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن فسألت من يقرئني فأقرأني هذا سورة براءة فقال : إن الله بريء من المشركين ورسوله فقلت : أو قد بريء الله من رسوله إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه فقال عمر : ليس هكذا يا أعرابي قال : فكيف هي يا أمير المؤمنين قال : إن الله بريء من المشركين ورسوله فقال الأعرابي : وأنا والله أبرأ مما بريء الله ورسوله منه فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا يقريء الناس إلا عالم باللغة وأمر أبا الأسود فوضع النحو وعن علي بن الجعد قال سمعت شعبة يقول : مثل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية مثل الحمار عليه مخلاة لا علف فيها وقال حماد بن سلمة : من طلب الحديث ولم يتعلم النحو أو قال العربية فهو كمثل الحمار تعلق عليه مخلاة ليس فيها شعير قال ابن عطية : إعراب القرآن أصل في الشريعة لأن بذلك تقوم معانيه التي هي في الشرع قال ابن الأنباري : وجاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم رضوان الله عليهم من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما بين صحة مذهب النحويين في ذلك وأوضح فساد مذهب من أنكر ذلك عليهم من ذلك ما حدثنا عبيد بن عبدالواحد بن شريك البزاز قال حدثنا ابن أبي مريم قال : أنبأنا ابن فروخ قال أخبرني أسامة قال أخبرني عكرمة ابن عباس قال : إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب وحدثنا إدريس بن عبدالكريم قال حدثنا خلف قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد بن جدعان قال سمعت سعيد بن جبير ويوسف بن مهران يقولان : سمعنا ابن عباس يسأل عن الشيء بالقرآن فيقول فيه هكذا وهكذا أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا وعن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن قول الله جل وعز : وثيابك فطهر قال : لا تلبس ثيابك على غدر وتمثل بقول غيلان الثقفي : فإني بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من سوءة أتقنع وسال رجل عكرمة عن الزنيم قال : هو ولد الزنى وتمثل ببيت شعر : زنيم ليس يعرف من أبوه بغي الإم ذو حسب لئيم وعنه أيضا الزنيم : الدعي الفاحش اللئيم ثم قال : زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارع وعنه في قوله تعالى : ذواتا أفنان قال : ذواتا ظل وأغصان الم تسمع إلى قول الشاعر : ما هاج شوقك من هديل حمامة تدعو على فنن الغصون حماما تدعو أبا فرخين صادف طائرا ذا مخلبين من الصقور قطاما وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : فإذا هم بالساهرة قال : الأرض قاله ابن عباس وقال أمية بن أبي الصلت : عندهم لحم بحر ولحم ساهرة قال ابن الأنباري : والرواة يروون هذا البيت : وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهم مقيم وقال نافع بن الأزرق لابن عباس : أخبرني عن قول الله جل وعز : لا تأخذه سنة ولا نوم ما السنة قال : النعاس قال زهير بن أبي سلمى : لا سنة في طوال الليل تأخذه ولا ينام ولا في أمره فند <
> باب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله < > قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وأما ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين فمن ذلك : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر جابر بن عبدالله ووصفه بالعلم فقال له رجل : جعلت فداءك تصف جابرا بالعلم وأنت أنت فقال : إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقال مجاهد : أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل وقال الحسن : والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيما أنزلت وما يعني بها وقال الشعبي : رحل المسروق إلى البصرة في تفسير آية فقيل له : إن الذي يفسرها رحل إلى الشام فتجهز ورحل إلى الشام حتى على تفسيرها وقال عكرمة في قوله عز وجل : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله طلبت أسم هذا الرجل ( الذي خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ) أربع عشرة سنة حتى وجدته وقال ابن عبدالبر : هو ضمرة بن حبيب وسيأتي وقال ابن عباس : مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنعني إلا مهابته فسألته فقال : هي حفصة وعائشة وقال إياس بن معاوية : مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب ومثل الذي يعرف صالتفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب باب ما جاء في حامل القرآن ومن هو وفيمن عاداه قال أبو عمر : روى من وجوه فيها لين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة : الإمام المقسط وذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه ( وقال أبو عمر : وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( القرآن أفضل من كل شيء فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن استخف بالقرآن استخف بحق الله تعالى حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله المعظمون كلام الله الملبسون نور الله فمن والأهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد استخف بحق الله تعالى ( < > باب ما يلزم قاريء القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته <
> قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله في نوادر الأصول : فمن حرمة القرآن ألا يمسه إلا طاهرا ومن حرمته أن لا يقرأه وهو على طهارة ومن حرمته أن يستاك ويتخلل فيطيب فاه إذ هو طريقه قال يزيد بن أبي مالك : إن أفواهكم طرق من طرق القرآن فطهروها ونظفوها ما استطعتم ومن حرمته أن يتلبس كما يتلبس للدخول على الأمير لأنه مناج ومن حرمته أن يستقبل القبلة لقراءته وكان أبو العالية إذا قرأ اعتم ولبس وارتدى واستقبل القبلة ومن حرمته أن يتمضمض كلما تنخع روى شعبة بن أبي حمزة عن ابن عباس : أنه كان يكون بين يديه تور إذا تنخع مضمض ثم أخذ في الذكر وكان كلما تنخع مضمض ومن حرمته إذا تثاءب أن يمسك على القراءة لأنه إذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج والتثاؤب من الشيطان قال مجاهد : إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما حتى يذهب تثاؤبك وقاله عكرمة يريد أن في ذلك الفعل إجلالا للقرآن ومن حرمته أن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إن كان ابتدأ قراءته من أول السورة أو من حيث بلغ ومن حرمته إذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة ومن حرمته أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء ومن حرمته أن يقرأه على تؤدة وترسيل وترتيل ومن حرمته أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به ومن حرمته أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه ومن حرمته أن يقف على أمثاله فيمتثلها ومن حرمته أن يلتمس غرائبه ومن حرمته أن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماما فإن له بكل حرف عشر حسنات ومن حرمته إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى الله عليه وسلم ويشهد على ذلك أنه حق فيقول : صدقت ربنا وبلغت رسلك ونحن على ذلك من الشاهدين اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط ثم يدعو بدعوات ومن حرمته إذا قرأه ألا يلتقط الآي من كل سورة فيقرأها فإنه روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه مر ببلال وهو يقرأ من كل سورة شيئا فأمره أن يقرأ السورة كلها أو كما قال عليه السلام ومن حرمته إذا وضع المصحف ألا يتركه منشورا وألا يضع فوقه شيئا من الكتب حتى يكون أبدا عاليا لسائر الكتب علما كان أو غيره ومن حرمته أن يضعه في حجره إذا قرأ أو على شيء بين يديه ولا يضعه بالأرض ومن حرمته ألا يمحوه من اللوح بالبصاق ولكن يغسله بالماء ومن حرمته إذا غسله بالماء أن يتوفى النجاسات من المواضع والمواقع التي توطأ فإن لتلك الغسالة حرمة وكان من قبلنا من السلف منهم من يستشفي بغسالته ومن حرمته ألا يتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب فإن ذلك جفاء عظيم ولكن يمحوها بالماء ومن حرمته ألا يخلى يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة وكان أبو موسى يقول : إني لأستحي ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة ومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما منه فإن العين تؤدي إلى النفس وبين النفس والصدر حجاب والقرآن في الصدر فإدا قرأه عن ظهر قلب فإنما يسمع أذنه فتؤدي إلى النفس فإذا نظر في الخط كانت العين والأذن قد اشتركتا في الإداء وذلك اؤفر للأداء وكان قد أخذت العين حظها كالأذن روى زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطوا أعينكم حظها من العبادة ( قالوا : يا رسول الله وما حظها من العبادة قال : ( النظر في المصحف والتفكير فيه والاعتبار عند عجائبه ( وروى مكحول عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن نظرا ( ومن حرمته ألا يتأوله عندما يعرض له شيء من أمر الدنيا حدثنا عمرو بن زياد الحنظلي قال حدثنا هشيم بن بشير عن المغيرة عن إبراهيم قال : كان يكره أن يتأول شيء من القرآن عندما يعرض له شيء من أمر الدنيا والتأويل مثل قولك للرجل إذا جاءك : جئت على قدر يا موسى ومثل قوله تعالى : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية هذا عند حضور الطعام وأشباه هذا ومن حرمته الإيقال : سورة كذا كقولك : سورة النحل وسورة البقرة وسورة النساء ولكن يقال : السورة التي يذكر فيها كذا قلت : هذا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم : ( الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه ( خرجه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعود ومن حرمته ألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان يلتمس بذلك أحدهم أن يرى الحذق من نفسه والمهارة فإن تلك مخالفة ومن حرمته ألا يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين المبتدعين والمتنطعين في إبراز الكلام من تلك الأفواه المنتنة تكلفا فإن ذلك محدث ألقاه إليهم الشيطان فقبلوه عنه ومن حرمته ألا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل الفسق ولا بترجيع النصارى ولا نوح الرهبانية فإن ذلك كله زيغ وقد تقدم ومن حرمته أن يجلل تخطيطه إذا خطه وعن أبي حكيمة أنه كان يكتب المصاحف بالكوفة فمر علي رضي الله عنه فنظر إلى كتابته فقال له : أجل قلمك فأخذت القلم فقططته من طرفه قطا ثم كتبت وعلي رضي الله عنه قائم ينظر إلى كتابتي فقال : هكذا نوره كما نوره الله عز وجل ومن حرمته ألا يجهر بعض على بعض في القراءة فيفسد عليه حتى يبغض إليه ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة ومن حرمته ألا يماري ولا يجادل فيه في القراءات ولا يقول لصاحبه : ليس هكذا هو ولعله أن تكون تلك القراءة صحيحة جائزة من القرآن فيكون قد جحد كتاب الله ومن حرمته ألا يقرأ في الأسواق ولا في مواطن اللغط واللغو ومجمع السفهاء ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بانهم إذا مروا باللغو مروا كراما هذا لمروره بنفسه فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوة بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء ومن حرمته ألا يتوسد المصحف ولا يعتمد عليه ولا يرمي به إلى صاحبه إذا أراد أن يناوله ومن حرمته ألا يصغر المصحف روى الأعمش عن إبراهيم عن علي رضي الله عنه قال : لا يصغر المصحف قلت : وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى مصحفا صغيرا في يد رجل فقال : من كتبه قال : أ نا فضربه بالدرة وقال : عظموا القرآن وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقال : مسيجد أو مصيحف ومن حرمته ألا يخلط فيه ما ليس منه ومن حرمته ألا يحلى بالذهب ولا يكتب بالذهب فتخلط به زينة الدنيا وروى مغيرة عن إبراهيم : أنه كان يكره أن يحلى المصحف أو يكتب بالذهب أو يعلم عند رءوس الآي أو يصغر وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم ( وقال ابن عباس وقد رأى مصحفا زين بفضة : تغرون به السارق وزينته في جوفه ومن حرمته ألا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل به في المساجد المحدثة حدثنا محمد بن علي الشقيقي عن أبيه عن عبدالله بن المبارك عن سفيان عن محمد بن الزبير قال : سمعت عمر بن عبدالعزيز يحدث قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب في أرض فقال لشاب من هذيل : ( ماهذا ( قال : من كتاب الله كتبه يهودي فقال : ( لعن الله من فعل هذا لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه ( قال محمد بن الزبير : رأى عمر بن عبدالعزيز ابنا له يكتب القرآن على حائط فضربه ومن حرمته أنه إذا اغتسل بكتابته مستشفيا من سقم ألا يصبه على كناسة ولا في موضع نجاسة ولا على موضع يوطأ ولكن ناحية من الأرض في بقعة لا يطؤه الناس أو يحفر حفيرة في موضع طاهر حتى ينصب من جسده في تلك الحفيرة ثم يكبسها أو في نهر كبير يختلط بمائه فيجري ومن حرمته أن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات لئلا يكون في هيئة المهجور وروى ابن عباس قال جاء رجل فقال : يا رسول الله أي العمل أفضل قال : ( عليك بالحال المرتحل ( قال : وما الحال المرتحل قال : ( صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ثم يضرب في أوله كلما حل ارتحل ( قلت : ويستحب له إذا ختم القرآن أن يجمع أهله ذكر أبو بكر الأنباري أنبأنا إدريس حدثنا خلف حدثنا وكيع عن مسعر عن قتادة : أن أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا وأخبرنا إدريس حدثنا خلف حدثنا جرير عن منصور عن الحكم قال : كان مجاهد وعبدة بن قتادة بن أبي لبابة وقوم يعرضون المصاحف فإذا أرادوا أن يختموا وجهوا إلينا : أحضرونا فإن الرحمة تنزل عند ختم القرآن وأخبرنا إدريس حدثنا خلف حدثنا هشيم عن العوام عن إبراهيم التيمي قال : من ختم القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يسمى ومن ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح قال : فكانوا يستحبون أن يختموا أول الليل وأول النهار ومن حرمته ألا يكتب التعاويذ منه ثم يدخل به في الخلاء إلا أن يكون في غلاف من أدم أو فضة أو غيره فيكون كأنه في صدرك ومن حرمته إذا كتبه وشربه سمى الله على كل نفس وعظم النية فيه فإن الله يؤتيه على قدر نيته روى ليث عن مجاهد قال : لا بأس أن تكتب القرآن ثم تسقيه المريض وعن أبي جعفر قال : من وجد في قلبه قساوة فليكتب ي س في جام بزعفران ثم يشربه قلت : ومن حرمته ألا يقال : سورة صغيرة وكره أبو العالية أن يقال : سورة صغيرة أو كبيرة وقال لمن سمعه قالها : أنت أصغر منها وأما القرآن فكله عظيم ذكره مكي رحمه الله قلت : وقد روي أبو داود ما يعارض هذا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال : ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم بها الناس في الصلاة <
> باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك ومراتب المفسرين <
> روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر من كتاب الله إلا آيابعدد علمه إياهن جبريل قال ابن عطية : ومعنى هذا الحديث في مغيبات القرآن وتفسير مجمله ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوفيق من الله تعالى ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به كوقت قيام الساعة ونحوها مما يستقري من ألفاظه كعدد النفخات في الصور وكرتبة خلق السموات والأرض روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا الحديث علي إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ( وروي أيضا عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ( قال : هذا حديث غريب وأخرجه أبو داود وتكلم في أحد رواته وزاد رزين : ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد : فسر حديث ابن عباس تفسيرين : أحدهما من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله والجواب الآخر وهو أثبت القولين وأصحهما معنى : من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار ومعنى يتبوأ : ينزل ويحل قال الشاعر : وبوئت في صميم معشرها فتم في قومها مبوؤها وقال في حديث جندب : فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث على أن الرأي معنى به الهوى من قال في القرآن قولايوافق هواه لم يأخذه عن أئمة السلف فأصاب فقد أخطأ لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه وقال ابن عطية : ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله عز وجل فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه قلت : هذا صحيح هو الذي اختاره غير واحد من العلماء فإن من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطيء وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح وقال بعض العلماء : إن التفسير موقوف على السماع لقوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وهذا فاسد لأن النهي عن تفسير القرآن لا يخلو : إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الإستنباط أو المراد به أمر آخر وباطل أن يكون المراد به ألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة رضي الله عنهم قد قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس وقال : ( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل ( فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك وهذا بين لا إشكال فيه وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة النساء إن شاء الله تعالى وإنما النهي يحمل على أحد وجهين : أحدهما أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل في طبعه وهواه فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه وتاره يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتمله فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويرجح دلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسر برأيه أي رأيه حمله على ذلك التفسير ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله تعالى : اذهب إلى فرعون إنه طغى ويشير إلى قلبه ويوميء إلى أنه المراد بفرعون وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع لأنه قياس في اللغة وذلك غير جائز وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاأنها غير مرادة فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي الوجه الثاني أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي والنقل والسماع لابد له منه في ظاهر التفسير أولا ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل احكام الظاهر ألا ترى أن قوله تعالى : وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلوا بها معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة ولا يدري بماذا ظلموا وأنهم ظلموا غيرهم وأنفسهم فهذا من الحذف والإضمار وأمثال هذا في القرآن كثير وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي اليه والله أعلم قال ابن عطية : وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون القرآن ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم قال أبو بكر الأنباري : وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن فبعض يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله عز وجل فيحجم عن القول وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماما يبني على مذهبه ويقتفي طريقه فلعل متأخرا أن يفسر حرفا برأيه ويخطيء فيه ويقول : إمامي في تفسير القرآن بالرأي فلان الإمام من السلف وعن ابن أبي ملكية قال : سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير حرف من القرآن فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى قال ابن عطية وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرون القرآن وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ويتلوه عبدالله بن عباس وهو تجرد للأمر وكمله وتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي وقال ابن عباس : ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب وكان علي رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويحض على الأخذ عنه وكان ابن عباس يقول : نعم ترجمان القرآن عبدالله بن عباس وقال عنه على رضي الله عنه : ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ويتلوه عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمرو بن العاص وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن مقدم لشهودهم التنزيل ونزوله بلغتهم وعن عامر بن واثلة قال : شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخطب فسمعته يقول في خطبته : سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به سلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل نزلت أم في جبل فقام إليه ابن الكواء فقال : يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا وذكر الحديث وعن المنهال بن عمرو قال قال عبدالله بن مسعود : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه المطي لأتيته فقال له رجل : أما لقيت علي بن أبي طالب فقال : بلى قد لقيته وعن مسروق قال : وجدت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل الإخاذ يروي الواحد والإخاذ يروي الإثنين والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم وإن عبدالله بن مسعود من تلك الآخاذ ذكر هذه المناقب أبو بكر الأنباري في كتاب الرد وقال : الإخاذ عند العرب : الموضع الذي يحبس الماء كالغدير قال أبو بكر : حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد حدثنا أحمد بن عبدالله بن يونس حدثنا سلام عن زيد العمى عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرحم أمتي بها أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي وأفرضهم زيد وأقرؤهم لكتاب الله عز وجل أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وأبو هريرة وعاء من العلم وسلمان بحر من علم لا يدرك وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أو قال البطحاء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ( قال ابن عطية : ومن المبرزين في التابعين الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وعلقمة قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية ويتلوهم عكرمة والضحاك وإن كان لم يلق ابن عباس وإنما أخذ عن ابن جبير وأما السدي فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبي صالح لأنه كان يراهما مقصرين في النظر قلت : وقال يحيى بن معين : الكلبي ليس بشيء وعن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان قال قال الكلبي قال أبو صالح : كل ما حدثتك كذب وقال حبيب بن أبي ثابت : كنا نسميه الدروغ زن يعني أبا صالح مولى أم هانيء والدروغ زن : هو الكتاب بلغة الفرس ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف كما قال صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ( خرجه أبو عمرو وغيره قال الخطيب أبو بكر أحمد بن علي البغدادي : وهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم أعلام الدين وأئمة المسلمين لحفظهم الشريعة من التحريف والانتحال للباطل ورد تأويل الأبله الجاهل وأنه يجب الرجوع إليهم والمعول في أمر الدين عليهم رضي الله عنهم قال ابن عطية : وألف الناس فيه كعبدالرزاق والمفضل وعلي بن أبي طلحة والبخاري وغيرهم ثم إن محمد بن جرير رحمه الله جمع على الناس أشتات التفسير وقرب البعيد منها وشفي في الإسناد ومن المبرزين من المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيرا ما استدرك الناس عليهما وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو العباس المهدوي متقن التأليف وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله ونضر وجوههم <
> باب تبيين الكتاب بالسنة وما جاء في ذلك <
> قال الله تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وقال تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وقال تعالى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وفرض طاعته في غير آية من كتابه وقرنها بطاعته عز وجل وقال تعالى : وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ذكر ابن عبدالبر في كتاب العلم له عن عبدالرحمن بن يزيد : أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهى المحرم فقال : ايتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي قال : فقرأ عليه وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وعن هشام بن حجير قال : كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر فقال ابن عباس : اتركهما فقال : إنما نهي عنهما أن تتخذا سنة فقال ابن عباس : قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب عليهما أم تؤجر لأن الله تعالى قال : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه ( قال الخطابي : قوله ( أوتيت الكتاب ومثله معه ( يحتمل وجهين من التأويل : أحدهما أن معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ماأعطي من الظاهر المتلو والثاني أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى وأوتي من البيان مثله أي أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص ويزيد عليه ويشرع ما في الكتاب فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن وقوله : ( يوشك رجل شعبان ( الحديث يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له في القرآن ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد تضمنت بيان الكتاب قال : فتحيروا وضلوا قال والأريكة : السرير ويقال : إنه لا يسمى أريكة حتى يكون في حجلة قال : وإنما أراد بالأريكة أصحاب الترفة والدعة الذين لزموا البيوت لم يطلبوا العلم من مظانه وقوله : ( إلا أن يستغنى عنها صاحبها ( معناه أن يتركها صاحبها لمن أخذها استغناء عنها كقوله : فكفروا وتولوا واستغنى الله معناه تركهم الله استغن عنهم وقوله : ( فله أن يعقبهم بمثل قراه ( هذا هو حال المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف التلف على نفسه فله أن يأخذ من ما لهم بقدر قراه عوض ما حرموه من قراه و ( يعقبهم ( يروى مشددا ومخففا من المعاقبة ومنه قوله تعالى : وإن عاقبتم أي كانت الغلبة لكم فغنمتم منهم وكذلك لهذا أن يغنم من أموالهم بقدر قراه قال : وفي الحديث دلالة على أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب فإنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه قال : فأما ما رواه بعضهم أنه قال : إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإن لم يوافقه فردوه فإنه حديث باطل لا أصل له ثم البيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين : بيان لمجمل في الكتاب كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها وكبيانه لمقدار الزكاة ووقتها وما الذي تؤخذ منه من الأموال وبيانه لمناسك الحج قال صلى الله عليه وسلم إذ حج بالن اس : ( خذوا عني مناسككم ) وقال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ( أخرجه البخاري وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل : إنك رجل أحمق أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ثم قال : أتجد هذا في كتاب الله مفسرا إن كتاب الله تعالى أبهم هذا وإن السنة تفسر هذا وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك وروى سعيد بن منصور : حدثنا عيسى ابن يونس عن الأوزاعي عن مكحول قال : القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن وبه عن الاوزاعي قال قال يحيى بن أبي كثير : السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة قال الفضل بن زياد : سمعت أبا عبدالله يعني أحمد بن حنبل وسئل عن هذا الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب فقال : ما أجسر على هذا ان أقوله ولكني أقول : إن السنة تفسرالكتاب وتبينه وبيان آخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع والقضاء باليمين مع الشاهد وغير ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى <
> باب كيفية التعلم والفقه لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما جاء أنه سهل على من تقدم العمل به دون حفظه < > ذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل فيعلمنا القرآن والعمل جميعا وذكر عبدالرزاق عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها وفي موطإ مالك : أنه بلغه أن عبدالله ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ في كتابه المسمى أسماء من روي عن مالك : عن مرداس بن محمد أبي بلال الأشعري قال : حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال : تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزورا وذكر أبو بكر الأنباري : حدثني محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا عبيدالله بن موسى عن زياد بن أبي مسلم أبي عمرو عن زياد بن مخراق قال قال عبدالله بن مسعود : إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه عن مجاهد عن ابن عمر قال : كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها ورزقوا العمل بالقرآن وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به حدثني حسن بن عبدالوهاب أبو محمد بن أبي العنبر حدثنا أبو بكر بن حماد المقريء قال : سمعت خلف بن هشام البزاز يقول : ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا وذلك إنا روينا أن عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة فلما حفظها نحر جزورا شكرا لله وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القرآن لا يسقط منه حرفا فما أحسب القرآن إلا عارية في أيدينا وقال أهل العلم بالحديث : لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون معرفته وفهمه فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل وليكن تحفظه للحديث على التدريج قليلا قليلا مع الليالي والأيام وممن ورد عنه ذلك من حفاظ الحديث شعبة وابن علية ومعمر قال معمر : سمعت الزهري يقول : من طلب العلم جملة فاته جملة وإنما يدرك العلم حديثا وحديثين والله أعلم وقال معاذ بن جبل : اعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا وقال ابن عبدالبر : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول معاذ من رواية عباد بن عبدالصمد وفيه زيادة : أن العلماء همتهم الدراية وأن السفهاء همتهم الرواية وروي موقوفا وهو أولى من رواية من رواه مرفوعا وعباد بن عبدالصمد ليس ممن يحتج به ولقد احسن القائل في نظمه في فضل العلم وشرف الكتاب العزيز والسنة الغراء : إن العلوم إن جلت محاسنها فتاجها ما به الإيمان قد وجبا هو الكتاب العزيز الله يحفظه وبعد ذلك علم فرج الكربا فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه نور النبوة سن الشرع والأدبا وبعد هذا علوم لا إنتهاء لها فاختر لنفسك يامن آثرالطلبا والعلم كنز تجده في معادنه يأيها الطالب ابحث وانظرالكتبا واتل بفهم كتاب الله فيه أتت كل العلوم تدبره تر العجبا واقرأ هديت حديث المصطفى وسلن مولاك ما تشتهي يقضي لك الأربا من ذاق طعما لعلم الدين سر به إذا تزيد منه قال واطربا <
> باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه <
> ( روى مسلم عن أبي بن كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال : ( أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ( ثم أتاه الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال : ( أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ( ثم جاءه الثالثة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال : ( أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ( ثم جاء الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا وروى الترمذي عنه قال : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال : ( يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتاباقط فقال لي يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ( قال هذا : حديث صحيح وثبت في الأمهات : البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود والنسائي وغيرها من المصنفات والمسندات قصة عمر مع هشام بن حكيم وسيأتي بكماله في آخر الباب مبينا إن شاء الله تعالى وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن السبتي نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال : الأول وهو الذي أكثر أهل العلم كسفيان بن عيينة وعبدالله بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم : أن المراد سبعة أوجه في المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم قال الطحاوي : وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ على حرف فقال ميكائيل : استزده فقال : اقرأ على حرفين فقال ميكائيل : استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال : اقرأ فكل شاف كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب واسرع وعجل وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عم مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ للذين آمنوا انظرونا : للذين آمنوا امهلونا للذين آمنوا اخرونا للذين آمنوا ارقبونا وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ كلما أضاء لهم مشوا فيه : مروا فيه سعوا فيه وفي البخاري ومسلم قال الزهري : إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في في حلال ولا حرام قال الطحال : إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات ولو رام ذلك لم يتهيأ إلا بمشقة عظيمة فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها قال ابن عبدالبر : فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد روى أبو داود عن أبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأبي إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي قل على حرفين لي على حرفين أو ثلاثة فقال الملك الذي معي قل على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال ليس منها إلا شاف كاف إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ( وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر من كلام ابن مسعود نحوه قال القاضي ابن الطيب : وإذا ثبتت هذه الرواية يريد حديث أبي حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسما لله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف القول الثاني قال قوم : هي سبع لغات في القرآن في لغات العرب كلها يمنها ونزارها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهل شيئا منها وكان قد أوتي جوامع الكلم وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوزان وبعضه بلغة اليمن قال الخطابي : على أن في القرآن ما قد قريء بسبعة أوجه وهو قوله : وعبد الطاغوت وقوله : أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وذكر وجوها كأنه يذهب إلى أن بعضه أنزل على سبعة أحرف لا كله وإلى هذا القول بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف على سبعة لغات ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام واختاره ابن عطية قال أبو عبيد : وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض وذكر حديث ابن شهاب عن أنس أن عثمان قال لهم حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف : مااختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه نزل بلغتهم ذكره البخاري وذكر حديث ابن عباس قال : نزل القرآن بلغة الكعبيين كعب قريش وكعب خزاعة قيل : وكيف ذلك قال : لأن الدار واحدة قال أبو عبيد : يعني أن خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم قال القاضي ابن الطيب رضي الله عنه : معنى قول عثمان فإنه نزل بلسان قريش يريد معظمه وأكثره ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط إذ فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش وقد قال الله تعالى : إنا جعلناه قرآنا عربيا ولم يقل قريشيا وهذا يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب وليس لأحد أن يقول : إنه أراد قريشا من العرب دون غيرها كما أنه ليس له أن يقول : أراد لغة عدنان دون قحطان أو ربيعة دون مضر لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا وقال ابن عبدالبر : قول من قال إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب والله أعلم لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات من تحقيق الهمزات ونحوها وقريش لا تهمز وقال ابن عطية : معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( أي فيه عبادة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش ومرة هذيل ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ ألا ترى أن فطر معناه عند غير قريش : أبتداء [ [ خلق الشيء وعمله ] ] فجائت في القرآن فلم تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها قال ابن عباس : ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى فاطر السموات والأرض وقال أيضا : ما كنت أدري معنى قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك أي أحاكمك وكذلك قال عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى أو يأخذهم على تخوف أي على تنقص لهم وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة : والنخل باسقات ذكره مسلم في باب [ القراءة في صلاة الفجر ] إلى غير ذلك من الأمثلة القول الثالث : أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مضر قاله قوم واحتجوا بقول عثمان : نزل القرآن بلغة مضر وقالوا : جائز أن يكون منها لقريش ومنها لكنانة ومنها لأسد ومنها لهذيل ومنها لتيم ومنها لضبة ومنها لقيس قالوا : هذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب وقد كان ابن مسعود يحب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر وأنكر آخرون أن تكون كلها من مضر وقالوا : في مضر شواذ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها مثل كشكشة قيس وتمتمة تميم فأما كشكشة قيس فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في جعل ربك تحتك سريا : جعل ربش تحتش سريا وأما تمتمة تميم فيقولون في الناس : النات وفي أكياس : أكيات قالوا : وهذه لغات يرغب عن القرآن بها ولا يحفظ عن السلف فيها شيء وقال آخرون : أما إبدال الهمزة عينا وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض فمشهور عن الفصحاء وقد قرأ به الجلة واحتجوا بقراءة ابن مسعود : ليسجننه عتى حين ذكرها أبو داود وبقول ذي الرمة : فعيناك عيناها وجيدك جيدها ولونك إلا عنها غير طائل يريد إلا أنها القول الرابع : ما حكاه صاحب الدلائل عن بعض العلماء وحكى نحوه القاضي ابن الطيب قال : تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا : منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل : هن أطهر لكم وأطهر ويضيق صدري ويضيق ومنها ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب مثل : ربنا باعد بين أسفارنا وباعد ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف مثل قوله : ننشزها وننشرها ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه : كالعهن المنفوش وكالصوف المنفوش ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل : وطلح منضود وطلع منضود ومنها بالتقديم والتأخير كقوله : وجاءت سكرة الموت بالحق وجاءت [ [ سكرة ] ] الحق بالموت ومنها بالزيادة والنقصان مثل قوله : تسع وتسعون نعجة اثنى وقوله : وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين وقوله : فإن الله من بعد إكراهن لهن غفور رحيم القول الخامس : أن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى وهي أمر ونهي ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال قال ابن عطية : وهذا ضعيف لأن هذا لا يسمى أحرفا وأيضا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حرام ولا في تغيير شيء من المعاني وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة ومنه قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك وقد قيل : إن المراد بقوله عليه السلام ( انزل القرآن على سبعة أحرف ( القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة لأنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بشيء لظهور بطلانه على ما يأتي [ فصل ] قال كثير من علمائنا كالداودي وابن صفرة وغيرهما : هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف ذكره ابن النحاس وغيره وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روي وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى فالتزمه طريقة ورواه وأقرأ به واشتهر عنه وعرف به ونسب إليه فقيل : حرف نافع وحرف ابن كثير ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر ولا أنكره بل سوغه وحوزه وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختياران أو أكثر وكل صحيح وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة مما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا في ذلك مصنفات فاستمر الاجماع على الصواب وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب وعلى هذا الأئمة المتقدمون والفضلاء المحققون كالقاضي أبي بكر بن الطيب والطبري وغيرهما قال ابن عطية : ومضت الأعصار والأمصار على قراءات السبعة وبها يصلى لأنها ثبتت بالإجماع وأما شاذ القراءات فلا يصلي به لأنه لم يجمع الناس عليه أما أن المروي منه عن الصحابة رضي الله عنهم وعن علماء التابعين فلا يعتقد فيه إلا أنهم رووه وأما ما يؤثر على أبي السمال ومن قارنه فإنه لا يوثق به قال غيره : أما شاذ القراءة عن المصاحف المتواترة فليست بقرآن ولا يعمل بها على أنها منه وأحسن محاملها أن تكون بيان تأويل مذهب من نسبت إليه كقراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات فأما لو صرح الراوي بسماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلف العلماء بذلك على قولين : النفي والإثبات وجه النفي أن الراوي لم يروه في معرض الخبر بل في معرض القرآن ولم يثبت فلا يثبت والوجه الثاني أنه وإن لم يثبت كونه قرآنا فقد ثبت كونه سنة وذلك يوجب العمل كسائر أخبار الآحاد <