Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

قسم V03/P184–V03/P186

{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } قوله عز وجل: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} أي: كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل [قرية] أكابرها، أي: عظماءها، جمع أكبر، مثل أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصة نوح عليه السلام: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) (الشعراء، 111) ، وجعل فساقهم أكابرهم، {ليمكروا فيها} وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون لكل من يقدم: إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب. {وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأن وبال مكرهم يعود عليهم {وما يشعرون} أنه كذلك. قوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} يعني: مثل ما أوتي رسل الله من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز وجل: {وإذا جاءتهم} حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: يعني أبا جهل، {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. ثم قال الله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع، يعني: الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة. {سيصيب الذين أجرموا صغار} ذل وهوان {عند الله} أي: من عند الله، {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} 124\أقيل: صغار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة. {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } قوله عز وجل: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} أي: يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر، فقال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح"، قيل: فهل لذلك [أمارة؟] قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت" . قوله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا} قرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان، والباقون بالتشديد، وهما لغتان مثل: هين وهين ولين ولين، {حرجا} قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها، وهما لغتان أيضا مثل: الدنف والدنف، وقال سيبويه الحرج بالفتح: المصدر [كالطلب، ومعناه ذا حرج] وبالكسر الاسم، وهو أشد الضيق، يعني: يجعل قلبه ضيقا حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ. وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، فسأل أعرابيا من كنانة: ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.

قسم V03/P186–V03/P188

{كأنما يصعد في السماء} قرأ ابن كثير: " يصعد "، بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم " يصاعد " بالألف، أي يتصاعد، وقرأ الآخرون {يصعد} بتشديد الصاد والعين، أي: يتصعد، يعني: يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء، وأصل الصعود المشقة، ومنه قوله تعالى (سأرهقه صعودا) أي: عقبة شاقة، {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} قال ابن عباس: الرجس هو الشيطان، أي: يسلط عليه، وقال الكلبي: هو المأثم، وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وقال عطاء: الرجس العذاب مثل الرجس. وقيل: هو النجس. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: " [اللهم إني] أعوذ بك من الرجس +والنجس" . وقال الزجاج: الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. {وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } قوله عز وجل: {وهذا صراط ربك مستقيما} [أي: هذا الذي بينا، وقيل هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيما] لا عوج فيه وهو الإسلام. {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} {لهم دار السلام عند ربهم} يعني: الجنة: قال أكثر المفسرين: السلام هو الله وداره الجنة، وقيل: السلام هو السلامة، [أي: لهم دار السلامة] من الآفات، وهي الجنة. وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سلم من البلايا والرزايا. وقيل: سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، يقال في الابتداء: (ادخلوها بسلام آمنين) (الحجر، 46) ، (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) (الرعد، 23) ، وقال: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) (الواقعة، 26) ، وقال: (تحيتهم فيها سلام) (إبراهيم، 23) (سلام قولا من رب رحيم) (يس، 58) . {وهو وليهم بما كانوا يعملون} قال [الحسين] بن الفضل: يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء. قوله عز وجل: {ويوم يحشرهم} قرأ حفص: {يحشرهم} بالياء، {جميعا} يعني: الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول: {يا معشر الجن} والمراد بالجن: الشياطين، {قد استكثرتم من الإنس} أي: استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء أي: أضللتم كثيرا، {وقال أولياؤهم من الإنس} يعني: أولياء الشياطين الذي أطاعوهم من الإنس، {ربنا استمتع بعضنا ببعض} قال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر وخاف على نفسه من الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم. وأما استمتاع الجن بالإنس: هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن، حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم، وهذا كقوله تعالى (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) (الجن، 6) . وقيل: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم [لبعض] . {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعني: القيامة والبعث، {قال} الله تعالى {النار مثواكم} مقامكم، {خالدين فيها إلا ما شاء الله} اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) (هود، 107) . قيل: أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: هم خالدون في النار إلا هذا المقدار. وقيل: الاستثناء يرجع إلى العذاب، وهو قوله {النار مثواكم} أي: خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب. وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، و"ما" بمعنى "من" على هذا التأويل، {إن ربك حكيم عليم} قيل: عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر والتقوى.

قسم V03/P188–V03/P190

{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [قيل: أي] كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضا، أي: نسلط بعضهم على بعض، فنأخذ من الظالم بالظالم، كما جاء: "من أعان ظالما سلطه الله عليه" . وقال قتادة: نجعل بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي المؤمن [أين كان] والكافر ولي الكافر حيث كان. وروي عن معمر عن قتادة: نتبع بعضهم بعضا في النار، من الموالاة، وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن، ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، أي: نكل بعضهم إلى بعض، كقوله تعالى: (نوله ما تولى) (النساء، 115) ، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها هو: أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم. قوله عز وجل: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} اختلفوا في أن الجن هل أرسل إليهم منهم [رسول] ؟ فسئل الضحاك عنه، فقال: بلى ألم تسمع الله يقول {ألم يأتكم رسل منكم} يعني: بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن. قال الكلبي: كانت الرسل من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الجن وإلى الإنس جميعا. قال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن، ثم قرأ (ولوا إلى قومهم منذرين) (الأحقاف، 29) ، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا، وليس للجن رسل، فعلى هذا قوله "رسل منكم" ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس، كما قال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) (الرحمن، 22) 124/ب وإنما يخرج من الملح دون العذب، قال: (وجعل القمر فيهن نورا) (نوح، 16) ، وإنما هو في سماء واحدة. {يقصون عليكم} أي: يقرؤن عليكم، {آياتي} كتبي {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} وهو يوم القيامة، {قالوا شهدنا على أنفسنا} أنهم قد بلغوا، قال مقاتل: وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. قال الله عز وجل: {وغرتهم الحياة الدنيا} حتى لم يؤمنوا، {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } {ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين } {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، [أي: لم يكن مهلكهم بظلم] أي: بشرك من أشرك، {وأهلها غافلون} لم ينذروا حتى يبعث إليهم رسلا ينذرونهم. وقال الكلبي: لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل. وقيل: معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ظلمهم، وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته، يكون ذلك بعد إنذار الرسل. {ولكل درجات مما عملوا} يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا، {وما ربك بغافل عما يعملون} قرأ ابن عامر تعملون بالتاء والباقون بالياء. {وربك الغني} عن خلقه، {ذو الرحمة} قال ابن عباس: [ذو الرحمة] بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو التجاوز، {إن يشأ يذهبكم} يهلككم، وعيد لأهل مكة، {ويستخلف} [يخلق] وينشئ، {من بعدكم ما يشاء} خلقا غيركم أمثل وأطوع، {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي: آبائهم الماضين قرنا بعد قرن. {إن ما توعدون} أي: ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، {لآت} كائن، {وما أنتم بمعجزين} أي: بفائتين، يعني: يدرككم الموت حيث ما كنتم.

قسم V03/P190–V03/P193

{قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } {قل} يا محمد {يا قوم اعملوا على مكانتكم} قرأ أبو بكر عن عاصم {مكانتكم} بالجمع حيث كان أي: على تمكنكم، قال عطاء: على حالاتكم التي أنتم عليها. قال الزجاج: اعملوا على ما أنتم عليه. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت عليه، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول: قل لهم اعملوا على ما أنتم عاملون، {إني عامل} ما أمرني به ربي عز وجل، {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} أي: الجنة، قرأ حمزة والكسائي: يكون بالياء هنا وفي القصص، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة، {إنه لا يفلح الظالمون} قال ابن عباس: معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك. قال الضحاك: لا يفوز. قوله عز وجل: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} الآية، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من [نصيب] الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله، فذلك قوله تعالى {وجعلوا لله مما ذرأ} خلق {من الحرث والأنعام نصيبا} وفيه اختصار مجازه: وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا. {فقالوا هذا لله بزعمهم} قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي، والباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة، {وهذا لشركائنا} يعني: الأوثان، {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} ومعناه: ما قلنا أنهم [كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه لله، ولا] يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان. وقال قتادة كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزءوا لله وأكلوا منه ووفروا ما جزءوا لشركائهم ولم يأكلوا منه [شيئا] {ساء ما يحكمون} أي: بئس ما [يصنعون] . {وكذلك زين لكثير من المشركين} أي: كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين، {قتل أولادهم شركاؤهم} قال مجاهد شركاؤهم، أي: شياطينهم زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة، سميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها. وقال الكلبي: شركاؤهم: سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد، فكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله. وقرأ ابن عامر: "زين" بضم الزاي وكسر الياء، "قتل" رفع "أولادهم" نصب، "شركائهم" بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به، وهم الأولاد، كما قال الشاعر: فزججته متمكنا زج القلوص أبي مزاده أي: زج أبي مزادة القلوص، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء، وإن لم يتولوا ذلك لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه، فكأنهم فعلوه. قوله عز وجل {ليردوهم} ليهلكوهم، {وليلبسوا عليهم} ليخلطوا عليهم، {دينهم} قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشيطان، {ولو شاء الله ما فعلوه} أي: لو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد، {فذرهم} يا محمد، {وما يفترون} يختلقون من الكذب، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد.

قسم V03/P193–V03/P194

{وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم } {وقالوا} يعني: المشركين، {هذه أنعام وحرث حجر} أي حرام، يعني: ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره. وقال مجاهد: يعني بالأنعام: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يعنون الرجال دون النساء، {وأنعام حرمت ظهورها} يعني: الحوامي كانوا لا يركبونها، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} أي: يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله، وقال أبو وائل: معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبر بذكر الله تعالى عن فعل الخير. {افتراء عليه} يعني: أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه {سيجزيهم بما كانوا يفترون} {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} أي: نسائنا. قال ابن عباس وقتادة والشعبي: أراد أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء جميعا، وأدخل الهاء في ال " خالصة " للتأكيد كالخاصة والعامة، كقولهم: نسابة وعلامة، وقال الفراء: أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنثت بتأنيثها. وقال الكسائي: خالص وخالصة واحد، مثل وعظ وموعظة. {وإن يكن ميتة} قرأ ابن عامر [وأبو جعفر] " تكن " بالتاء {ميتة} رفع، ذكر الفعل بعلامة التأنيث، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة. وقرأ أبو بكر عن عاصم " تكن " بالتاء 125\أ {ميتة} نصب، أي: وإن تكن الأجنة ميتة، وقرأ ابن كثير: {وإن يكن} بالياء {ميتة} رفع، لأن المراد بالميتة الميت، أي: وإن يقع ما في البطون ميتا، وقرأ الآخرون {وإن يكن} بالياء {ميتة} نصب، رده إلى {ما} أي: وإن يكن ما في البطون ميتة، [يدل عليه أنه قال] {فهم فيه شركاء} ولم يقل فيها، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء، {سيجزيهم وصفهم} أي: بوصفهم، أو على وصفهم الكذب على الله تعالى {إنه حكيم عليم} {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} قرأ ابن عامر وابن كثير " قتلوا " بتشديد التاء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. {سفها} جهلا. {بغير علم} نزلت في ربيعة ومضر وبعض العرب من غيرهم، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك . {وحرموا ما رزقهم الله} يعني: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، {افتراء على الله} حيث قالوا: إن الله أمرهم بها، {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ} ابتدع. {جنات} بساتين، {معروشات وغير معروشات} أي: +مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات، وقال ابن عباس: معروشات: ما انبسط على وجه الأرض وانتشر مما يعرش، مثل: الكرم والقرع والبطيخ وغيرها، وغير معروشات. ما قام على ساق وبسق، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار. وقال الضحاك: كلاهما، الكرم خاصة، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش. {والنخل والزرع} أي: وأنشأ النخل والزرع، {مختلفا أكله} ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والرديء، {والزيتون والرمان متشابها} في المنظر، {وغير متشابه} في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، {كلوا من ثمره إذا أثمر} هذا أمر إباحة. {وآتوا حقه يوم حصاده} قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم {حصاده} بفتح الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد، كالصرام والصرام والجزاز والجزاز. واختلفوا في هذا الحق: فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب: إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر.

قسم V03/P194–V03/P196

وقال علي بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم: هو حق في المال سوى الزكاة، أمر بإتيانه، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. قال إبراهيم: هو الضغث. وقال الربيع: لقاط السنبل. وقال مجاهد: كانوا [يعلقون] العذق عند الصرام فيأكل منه من مر. وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه. وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقا يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام فصار منسوخا بإيجاب العشر. وقال مقسم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن. {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} قيل: أراد بالإسراف إعطاء الكل. قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قال السدي: لا تسرفوا أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. قال الزجاج: على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، لأنه قد جاء في الخبر "ابدأ بمن تعول" . وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا: لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. وقال مقاتل: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام. وقال الزهري: لا تنفقوا في المعصية، وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل، وقال: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. وروى ابن وهب عن أبي زيد. قال: الخطاب للسلاطين، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم. {ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } قوله عز وجل: {ومن الأنعام} أي: وأنشأ من الأنعام، {حمولة} وهي كل ما يحمل عليها من الإبل، {وفرشا} وهي الصغار من الإبل التي لا تحمل. {كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان} لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم الحرث والأنعام، {إنه لكم عدو مبين} ثم بين الحمولة والفرش فقال: {ثمانية أزواج} نصبها على البدل من الحمولة والفرش، أي: وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف، {من الضأن اثنين} أي: الذكر والأنثى، [فالذكر زوج والأنثى] زوج، والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخر، والضأن النعاج، وهي ذوات الصوف من الغنم، والواحد ضائن والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن، {ومن المعز اثنين} قرأ ابن كثير وابن عامر وأهل البصرة "من المعز" بفتح العين، والباقون بسكونها، والمعز والمعزى جمع لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، وجمع الماعز معير، وجميع الماعزة مواعز، {قل} يا محمد {آلذكرين حرم} الله عليكم، يعني ذكر الضأن والمعز، {أم الأنثيين} يعني أنثى الضأن والمعز، {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} منهما، فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، {نبئوني} أخبروني {بعلم} قال الزجاج: فسروا ما حرمتم بعلم، {إن كنتم صادقين} أن الله تعالى حرم ذلك. {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم }

قسم V03/P196–V03/P198

{ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} وذلك أنهم كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان خطيبهم مالك بن عوف أبو الأحوض الجشمي، فقال: يا محمد [بلغنا] أنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم؟ من قبل الذكر أم من قبل الأنثى"؟ فسكت مالك بن عوف وتحير فلم يتكلم. فلو قال جاء التحريم بسبب الذكور وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يحرم الكل، لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فأما تخصيص التحريم بالولد الخامس أو السابع أو البعض دون البعض 125/ب فمن أين؟. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك: "يا مالك: ما لك لا تتكلم؟ قال له مالك: بل تكلم وأسمع منك". {أم كنتم شهداء} حضورا {إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} قيل: أراد به: عمرو بن لحي ومن جاء بعده على طريقته، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل، فقال: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} وروي أنهم قالوا: فما المحرم إذا فنزل: {قل} يا محمد {لا أجد في ما أوحي إلي محرما} أي: شيئا محرما، {على طاعم يطعمه} آكل يأكله، {إلا أن يكون ميتة} قرأ ابن عامر وأبو جعفر "تكون" بالتاء، {ميتة} رفع أي: إلا أن تقع ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة " تكون " بالتاء، {ميتة} نصب على تقدير اسم مؤنث، أي: إلا أن تكون النفس، أو: الجثة ميتة، وقرأ الباقون "يكون" بالياء "ميتة" نصب، يعني إلا أن يكون [المطعوم] ميتة، {أو دما مسفوحا} أي: مهراقا سائلا قال ابن عباس: يريد ما خرج من الحيوان، وهن أحياء وما خرج من الأرواح وما يخرج من الأدواج عند الذبح، ولا يدخل فيه الكبد والطحال، لأنهما جامدان، وقد جاء الشرع بإباحتهما، ولا ما اختلط باللحم من الدم، لأنه غير سائل. قال عمران بن حدير: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم، وعن القدر يرى فيها حمرة الدم؟ فقال: لا بأس به، إنما نهى عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم: لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح الذي تعمد ذلك، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود. {أو لحم خنزير فإنه رجس} حرام، {أو فسقا أهل لغير الله به} وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى. فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء. يروى ذلك عن عائشة وابن عباس قالوا: ويدخل في الميتة: المنخنقة والموقوذة، وما ذكر في أول سورة المائدة . وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، والمحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا . ذلك معنى قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما"، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها. منها: ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ثنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج، قال ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي أنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" .

قسم V03/P198–V03/P200

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا أبو مصعب عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" . والأصل عند الشافعي: أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل، فإن كان مما أمر الشرع بقتله -كما قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" أو نهى عن قتله، كما روي أنه نهى عن قتل النحلة والنملة -فهو حرام، وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال، وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله: (قل أحل لكم الطيبات) ، فثبت أن ما استطابوه فهو حلال. {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} أباح أكل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان. {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } قوله عز وجل: {وعلى الذين هادوا} يعني اليهود، {حرمنا كل ذي ظفر} وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل: البعير والنعامة والإوز والبط، قال القتيبي: هو كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من [الدواب] وحكاه عن بعض المفسرين، وقال: سمي الحافر ظفرا على الاستعارة. {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} يعني شحوم الجوف، وهي الثروب، وشحم الكليتين، {إلا ما حملت ظهورهما} أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، {أو الحوايا} وهي المباعر، واحدتها: حاوية وحوية، أي: ما حملته الحوايا من الشحم. {أو ما اختلط بعظم} يعني: شحم الألية، هذا كله داخل في الاستثناء، والتحريم مختص بالثرب وشحم الكلية. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة أنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله عند ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم شحومهما جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" . {ذلك جزيناهم} أي: ذلك التحريم عقوبة لهم {ببغيهم} أي: بظلمهم من قتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلال أموال الناس بالباطل، {وإنا لصادقون} في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم. {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة} بتأخير العذاب عنكم، {ولا يرد بأسه} [عذابه] {عن القوم المجرمين} إذا جاء وقته. {سيقول الذين أشركوا} لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله [قالوا] {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} من قبل، {ولا حرمنا من شيء} من البحائر والسوائب وغيرهما، أرادوا أن يجعلوا قوله: {لو شاء الله ما أشركنا} حجة لهم على إقامتهم على الشرك، وقالوا إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك، فقال الله تعالى تكذيبا لهم: {كذلك كذب الذين من قبلهم} من كفار الأمم الخالية، {حتى ذاقوا بأسنا} عذابنا.

قسم V03/P200–V03/P202

ويستدل أهل القدر بهذه الآية، يقولون: إنهم لما قالوا: لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله ورد عليهم، فقال: "كذلك كذب الذين من قبلهم". قلنا: التكذيب ليس في قولهم "لو شاء الله ما أشركنا" بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف (الآية 28) : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) . والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: "لو شاء الله ما أشركنا"، قوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} بالتشديد 126\أولو كان ذلك خبرا من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} لقال كذب الذين [من قبلهم] بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب. وقال الحسن بن الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله عز وجل، ومعرفة منهم به لما عابهم بذلك، لأن الله تعالى قال: {ولو شاء الله ما أشركوا} وقال: (وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) (الأنعام، 111) ، والمؤمنون يقولون ذلك، ولكنهم قالوه تكذيبا وتخرصا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون، نظيره قوله عز وجل: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) (الزخرف، 20) ، قال الله تعالى: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) (الأنعام، 116) . وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، ورد عليهم في هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته، فإنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد. {قل هل عندكم من علم} أي: كتاب وحجة من الله، {فتخرجوه لنا} حتى يظهر ما تدعون على الله تعالى من الشرك أو تحريم ما حرمتم، {إن تتبعون} ما تتبعون فيما أنتم عليه، {إلا الظن} من غير علم ويقين، {وإن أنتم إلا تخرصون} تكذبون. {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } {قل فلله الحجة البالغة} التامة على خلقه بالكتاب [والرسول] والبيان، {فلو شاء لهداكم أجمعين} فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه. {قل هلم} يقال للواحد والاثنين والجمع، {شهداءكم الذين يشهدون} أي: ائتوا بشهدائكم الذين يشهدون، {أن الله حرم هذا} هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به، {فإن شهدوا} كاذبين، {فلا تشهد} أنت، {معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} أي: يشركون. قوله عز وجل: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} وذلك أنهم سألوا وقالوا: أي شيء الذي حرم الله تعالى؟ فقال عز وجل: "قل تعالوا أتل" أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون. فإن قيل: ما معنى قوله "حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا" والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟ .

قسم V03/P202–V03/P204

قيل: موضع " أن " رفع، معناه هو أن لا تشركوا، وقيل: محله نصب، واختلفوا في وجه انتصابه، قيل: معناه حرم عليكم أن تشركوا به، و"لا" صلة كقوله تعالى: (ما منعك أن لا تسجد) (الأعراف، 12) ، أي: منعك أن تسجد. وقيل: تم الكلام عند قوله "حرم ربكم" ثم قال: عليكم أن لا تشركوا به شيئا على الإغراء. قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، أي: أتل عليكم تحريم الشرك، وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا. {وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} فقر، {نحن نرزقكم وإياهم} أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم، {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [ما ظهر يعني: العلانية، وما بطن] يعني: السر. وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر. وقال الضحاك: ما ظهر: الخمر، وما بطن: الزنا. {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} حرم الله تعالى قتل المؤمن والمعاهد إلا بالحق، إلا بما يبيح قتله من ردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ثنا حاجب بن أحمد الطوسي ثنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" . {ذلكم} الذي ذكرت {وصاكم به} أمركم به، {لعلكم تعقلون} {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} يعني: بما فيه صلاحه وتثميره. وقال مجاهد: هو التجارة فيه. وقال الضحاك: هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا، {حتى يبلغ أشده} قال الشعبي ومالك: الأشد: الحلم، حتى يكتب له الحسنات [وتكتب عليه] السيئات. قال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته. وقال الكلبي: الأشد ما بين الثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة. وقيل: إلى أربعين سنة. وقيل: إلى ستين سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال مجاهد: الأشد ثلاث وثلاثون سنة. والأشد جمع شد، مثل قد وأقد، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه. وقيل بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ. وتقدير الآية: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا. {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} بالعدل، {لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: طاقتها في إيفاء الكيل والميزان، أي: لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه، ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه، حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه. {وإذا قلتم فاعدلوا} فاصدقوا في الحكم والشهادة، {ولو كان ذا قربى} أي: ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة، {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} تتعظون، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون [خفيفة] الذال، كل القرآن، والآخرون بتشديدها. قال ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } {وأن هذا} أي: هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين {صراطي} طريقي وديني،

قسم V03/P204–V03/P205

{مستقيما} مستويا قويما، {فاتبعوه} قرأ حمزة والكسائي "وإن" بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون: بفتح الألف، قال الفراء: والمعنى وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر ويعقوب: بسكون النون. {ولا تتبعوا السبل} أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل، وقيل: الأهواء والبدع، {فتفرق} فتميل، {بكم} وتشتت، {عن سبيله} عن طريقه ودينه الذي ارتضى، وبه أوصى، {ذلكم} الذي ذكرت، {وصاكم به لعلكم تتقون} أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المعروف 126/ب بأبي بكر بن أبي الهيثم أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي ثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: "هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ" "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" الآية. قوله عز وجل: {ثم آتينا موسى الكتاب} فإن قيل: لم قال: "ثم آتينا" وحرف "ثم" للتعقيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن؟ قيل: معناه ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب، فدخل "ثم" لتأخير الخبر لا لتأخير النزول. {تماما على الذي أحسن} اختلفوا فيه، قيل: تماما على المحسنين من قومه، فتكون "الذي" بمعنى من، أي: على من أحسن من قومه، وكان بينهم محسن ومسيء، يدل عليه قراءة ابن مسعود: "على الذين أحسنوا" وقال أبو عبيدة: معناه على كل من أحسن، أي: أتممنا فضيلة موسى بالكتاب على المحسنين، يعني: أظهرنا فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون، وقيل: "الذي أحسن" هو موسى، و"الذي" بمعنى ما، أي: على ما أحسن موسى، تقديره: آتيناه الكتاب، يعني التوراة، إتماما عليه للنعمة، لإحسانه في الطاعة والعبادة، وتبليغ الرسالة وأداء الأمر. وقيل: الإحسان بمعنى العلم، وأحسن بمعنى علم، ومعناه: تماما على الذي أحسن موسى من العلم والحكمة، أي آتيناه الكتاب زيادة على ذلك. وقيل: معناه تماما مني على إحساني إلى موسى. {وتفصيلا} بيانا {لكل شيء} يحتاج إليه من شرائع الدين، {وهدى ورحمة} هذا في صفة التوراة، {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب. {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } {وهذا} يعني: القرآن، {كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} واعملوا بما فيه، {واتقوا} وأطيعوا، {لعلكم ترحمون} {أن تقولوا} يعني: لئلا تقولوا، كقوله تعالى: "يبين الله لكم أن تضلوا" (النساء، 176) ، أي: لئلا تضلا وقيل: معناه أنزلناه كراهة {أن تقولوا} قال الكسائي: معناه اتقوا أن تقولوا يا أهل مكة، {إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} يعني: اليهود والنصارى، {وإن كنا} وقد كنا، {عن دراستهم} قراءتهم، {لغافلين} لا نعلم ما هي، معناه أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا إن الكتاب أنزل على من قبلنا بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيه وغفلنا عن دراسته، فتجعلونه عذرا لأنفسكم. {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} وقد كان جماعة من الكفار قالوا ذلك لو أنا أنزل علينا ما أنزل على اليهود والنصارى لكنا خيرا منهم، قال الله تعالى: {فقد جاءكم بينة من ربكم} حجة واضحة بلغة تعرفونها، {وهدى} بيان {ورحمة} ونعمة لمن اتبعه، {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف} أعرض، {عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب} شدة العذاب {بما كانوا يصدفون} [يعرضون] .

قسم V03/P205–V03/P208

{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون } قوله تعالى: {هل ينظرون} أي: هل ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن، {إلا أن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم، وقيل: بالعذاب، قرأ حمزة والكسائي "يأتيهم" بالياء هاهنا وفي النحل، والباقون بالتاء، {أو يأتي ربك} بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، {أو يأتي بعض آيات ربك} يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا . {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} أي: لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، {أو كسبت في إيمانها خيرا} يريد: لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق {قل انتظروا} يا أهل مكة، {إنا منتظرون} بكم العذاب. أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا" . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدا الله بسطان لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب بالليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا النضر بن شميل أنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" . أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا أحمد بن عبد الله أنا حماد بن زيد أنا عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله"، وذلك قول الله تعالى: "يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" . وروى أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها". . {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } قوله عز وجل: {إن الذين فرقوا دينهم} قرأ حمزة والكسائي: " فارقوا "، بالألف هاهنا وفي سورة الروم، أي: خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون: "فرقوا" مشددا، أي: جعلوا دين الله وهو واحد -دين إبراهيم عليه السلام الحنيفية -أديانا مختلفة، فتهود قوم وتنصر قوم، يدل عليه قوله عز وجل: {وكانوا شيعا} أي: صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي. وقيل: هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قسم V03/P208–V03/P210

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "يا عائشة 127\أإن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة" . حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن زياد الحنفي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأنصاري أنا أبو عبد الله محمد بن عقيل بن الأزهري بن عقيل الفقيه البلخي أنا الرمادي أحمد بن منصور أنا الضحاك بن مخلد أنا ثور بن يزيد نا خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا: فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإن من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" . وروي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدة"، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" . قال عبد الله بن مسعود: "فإن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها" . ورواه جابر مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله عز وجل: {لست منهم في شيء} قبل: لست من قتالهم في شيء، نسختها آية القتال وهذا على قول من يقول: المراد في الآية اليهود والنصارى، ومن قال: أراد بالآية أهل الأهواء قال: المراد من قوله: "لست منهم في شيء" أي أنت منهم بريء وهم منك برآء، تقول العرب: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي: كل واحد منا بريء من صاحبه، {إنما أمرهم إلى الله} يعني: في الجزاء والمكافآت، {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} إذا وردوا للقيامة. {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } قوله عز وجل: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} أي: له عشر حسنات أمثالها، وقرأ يعقوب "عشر" منون، "أمثالها" بالرفع، {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان ثنا محمد بن يوسف القطان ثنا محمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله عز وجل" . وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ثنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع ثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تبارك وتعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة بمثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة" . قال ابن عمر: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات تضاعف سبعمائة ضعف.

قسم V03/P210–V03/P213

قوله عز وجل: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما} قرأ أهل الكوفة والشام "قيما" بكسر القاف وفتح الياء خفيفة، وقرأ الآخرون بفتح القاف وكسر الياء مشددا ومعناهما واحد وهو القويم المستقيم، وانتصابه على معنى هداني دينا قيما، {ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} {قل إن صلاتي ونسكي} قيل: أراد بالنسك الذبيحة في الحج والعمرة، وقال مقاتل: نسكي: حجي، وقيل: ديني، {ومحياي ومماتي} أي: حياتي ووفاتي، {لله رب العالمين} أي: هو يحييني ويميتني، وقيل: محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله رب العالمين، وقيل: طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله رب العالمين. قرأ أهل المدينة: "ومحياي" بسكون الياء و"مماتي" بفتحها، وقراءة العامة "محياي" بفتح الياء لئلا يجتمع ساكنان. قوله تعالى: {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} قال قتادة: وأنا أول المسلمين من هذه الأمة. {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } {قل أغير الله أبغي ربا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: سيدا وإلها {وهو رب كل شيء} وذلك أن الكفار كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى ديننا. قال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم، فقال الله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} لا تجني كل نفس إلا ما كان من إثمه على الجاني، {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل نفس حمل أخرى، أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} يعني: أهلك أهل القرون الماضية وأورثكم الأرض يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعدهم، فجعلكم خلائف منهم فيها تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم، والخلائف جمع خليفة كالوصائف جمع وصيفة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة لأنه يخلفه. {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} أي: خالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة والفضل، {ليبلوكم في ما آتاكم} ليختبركم فيما رزقكم، يعني: يبتلي الغني والفقير والشريف والوضيع والحر والعبد، ليظهر منكم ما يكون عليه من الثواب والعقاب، {إن ربك سريع العقاب} لأن ما هو آت فهو سريع قريب، قيل: هو الهلاك في الدنيا، {وإنه لغفور رحيم} قال عطاء: سريع العقاب لأعدائه غفور لأوليائه رحيم بهم. سورة الأعراف {المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } سورة الأعراف مكية كلها إلا خمس آيات، أولها "واسألهم عن القرية التي كانت" 128/أ {المص} {كتاب} أي: هذا كتاب، {أنزل إليك} وهو القرآن، {فلا يكن في صدرك حرج منه} قال مجاهد: شك، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة. وقال أبو العالية: حرج أي ضيق، معناه لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به، {لتنذر به} أي: كتاب أنزل إليك لتنذر به، {وذكرى للمؤمنين} أي: عظة لهم، وهو رفع، مردود على الكتاب. {اتبعوا} أي: وقل لهم اتبعوا: {ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى، {قليلا ما تذكرون} تتعظون، وقرأ ابن عامر: " يتذكرون " بالياء والتاء. {وكم من قرية أهلكناها} بالعذاب، {وكم} للتكثير و"رب" للتقليل، {فجاءها بأسنا}

قسم V03/P213–V03/P215

عذابنا، {بياتا} ليلا {أو هم قائلون} من القيلولة، تقديره: فجاءها بأسنا ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون، أي نائمون ظهيرة، والقيلولة الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. ومعنى الآية: أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له إما ليلا أو نهارا. قال الزجاج: و"أو" لتصريف العذاب، مرة ليلا ومرة نهارا، وقيل: معناه من أهل القرى من أهلكناهم ليلا ومنهم من أهلكناهم نهارا. فإن قيل: ما معنى أهلكناها فجاءها بأسنا؟ فكيف يكون مجيء البأس بعد الهلاك؟ قيل: معنى قوله: "أهلكنا" أي: حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. وقيل: فجاءها بأسنا هو بيان قوله "أهلكناها" مثل قول القائل: أعطيتني فأحسنت إلي، لا فرق بينه وبين قوله: أحسنت إلي فأعطيتني، فيكون أحدهما بدلا من الآخر. {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } {فما كان دعواهم} أي: قولهم ودعاؤهم وتضرعهم، والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أي في دعائهم، {إذ جاءهم بأسنا} عذابنا، {إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} معناه لم يقدروا على رد العذاب، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف. {فلنسألن الذين أرسل إليهم} يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، يعني: لنسألهم عما عملوا فيما بلغتهم الرسل، {ولنسألن المرسلين} عن الإبلاغ. {فلنقصن عليهم بعلم} أي: لنخبرنهم عن علم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينطق عليهم كتاب أعمالهم، كقوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) . (الجاثية، 29) ، {وما كنا غائبين} عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا. قوله عز وجل: {والوزن يومئذ الحق} يعني: يوم السؤال، قال مجاهد: معناه والقضاء يومئذ العدل. وقال الأكثرون: أراد به وزن الأعمال بالميزان، وذاك أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب. واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال: وروينا: "أن رجلا ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، فيخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" . وقيل: توزن الأشخاص، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" . وقيل: توزن الأعمال، روي ذلك عن ابن عباس، فيؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، والحكمة في وزن الأعمال امتحان الله عباده بالإيمان في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى، {فمن ثقلت موازينه} قال مجاهد: حسناته، {فأولئك هم المفلحون} {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} يجحدون، قال أبو بكر رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا.

قسم V03/P215–V03/P217

فإن قيل: قد قال: "من ثقلت موازينه" ذكر بلفظ الجمع، والميزان واحد؟ قيل: يجوز أن يكون لفظه جمعا ومعناه واحد كقوله: "يا أيها الرسل"، وقيل: لكل عبد ميزان، وقيل: الأصل ميزان واحد عظيم، ولكل عبد فيه ميزان معلق به، وقيل جمعه: لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان، ولا يتم الوزن إلا باجتماعها. قوله تعالى: {ولقد مكناكم في الأرض} أي: مكناكم والمراد من التمكين التمليك والقدرة، {وجعلنا لكم فيها معايش} أي: أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من التجارات والمكاسب والمآكل والمشارب والمعايش جمع المعيشة، {قليلا ما تشكرون} فيما صنعت إليكم. قوله عز وجل: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال ابن عباس: خلقناكم، أي: أصولكم وآباءكم ثم صورناكم في أرحام أمهاتكم. وقال قتادة والضحاك والسدي: أما "خلقناكم" فآدم، وأما "صورناكم" فذريته. وقال مجاهد في خلقناكم: آدم، ثم صورناكم في ظهر آدم بلفظ الجمع، لأنه أبو البشر ففي خلقه خلق من يخرج من صلبه، وقيل: خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم يوم الميثاق حين أخرجكم كالذر. وقال عكرمة: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء. وقال يمان: خلق الإنسان في الرحم ثم صوره وشق سمعه وبصره وأصابعه. وقيل: الكل آدم خلقه وصوره و"ثم" بمعنى الواو. {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فإن قيل: الأمر بسجود الملائكة كان قبل خلق بني آدم، فما وجه قوله "ثم قلنا" وثم للترتيب وللتراخي؟ قيل: على قول من يصرف الخلق والتصوير إلى آدم وحده يستقيم هذا الكلام، أما على قول من يصرفه إلى الذرية: فعنه أجوبة: أحدها "ثم" بمعنى الواو، أي: وقلنا للملائكة، فلا تكون للترتيب والتعقيب. وقيل: أراد "ثم" أخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد خلقناكم، يعني: آدم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ثم صورناكم. قوله تعالى: {فسجدوا} يعني الملائكة، {إلا إبليس لم يكن من الساجدين} لآدم. {قال} الله تعالى يا إبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} أي: وما منعك أن تسجد و"لا" زائدة كقوله تعالى: "وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون" 128/ب (الأنبياء، 95) . {قال} إبليس مجيبا {أنا خير منه} لأنك {خلقتني من نار وخلقته من طين} والنار خير وأنور من الطين. قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس. قال ابن سيرين: ما عبدت الشمس إلا بالقياس. قال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لمن جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها: أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ولأن التراب سبب الحياة، فإن حياة الأشجار والنبات به، والنار سبب الهلاك. {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } قوله تعالى: {قال فاهبط منها} أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض وكان له ملك الأرض فأخرجه منها إلى جزائر البحر وعرشه في البحر الأخضر، فلا يدخل الأرض إلا خائفا على هيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار يروع فيها حتى يخرج منها. قوله تعالى: {فما يكون لك أن تتكبر} بمخالفة الأمر، {فيها} أي: في الجنة، فلا ينبغي أن يسكن في الجنة ولا السماء متكبر مخالف لأمر الله تعال: {فاخرج إنك من الصاغرين} من الأذلاء، والصغار: الذل والمهانة. {قال} إبليس عند ذلك، {أنظرني} أخرني وأمهلني فلا تمتني، {إلى يوم يبعثون} من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت.

قسم V03/P217–V03/P218

{قال} الله تعالى، {إنك من المنظرين} المؤخرين، وبين مدة النظر والمهلة في موضع آخر فقال: (إلى يوم الوقت المعلوم) ، (الحجر، 38) ، وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم. {قال فبما أغويتني} اختلفوا في "ما" قيل: هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني؟ ثم ابتدأ فقال: {لأقعدن لهم} وقيل: "ما" الجزاء، أي: لأجل أنك أغويتني لأحقدن لهم. وقيل: هو "ما" المصدرية موضع القسم تقديره: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم، كقوله "بما غفر لي ربي" (يس، 27) ، يعني: لغفران ربي. والمعنى بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في. وقال ابن الأنباري: أي فيما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء، أغويتني: أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني، وقيل: خيبتني، {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي: لأجلسن لبني آدم على طريقك القويم وهو الإسلام. {ثم لآتينهم من بين أيديهم} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من بين أيديهم أي من قبل الآخرة فأشككهم فيها، {ومن خلفهم} أرغبهم في دنياهم، {وعن أيمانهم} أشبه عليهم أمر دينهم. {وعن شمائلهم} أشهي لهم المعاصي، وروى عطية عن ابن عباس: {من بين أيديهم} من قبل دنياهم، يعني أزينها في قلوبهم، {ومن خلفهم} من قبل الآخرة فأقول: لا بعث، ولا نشور، ولا جنة، ولا نار، {وعن أيمانهم} من قبل حسناتهم، {وعن شمائلهم} من قبل سيئاتهم. وقال الحكم: من بين أيديهم: من قبل الدنيا يزينها لهم، ومن خلفهم: من قبل الآخرة يثبطهم عنها، وعن أيمانهم: من قبل الحق يصدهم عنه، وعن شمائلهم: من قبل الباطل يزينه لهم. وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم: من أمور الدنيا يزينها لهم ويدعوهم إليها، وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم: زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون. وقال ابن جريج: معنى قوله حيث لا يبصرون أي لا يخطئون وحيث لا يبصرون أي لا يعلمون أنهم يخطئون. {ولا تجد أكثرهم شاكرين} مؤمنين، فإن قيل: كيف علم الخبيث ذلك؟ قيل: قاله ظنا فأصاب، قال الله تعالى "ولقد صدق عليهم إبليس ظنه" (سبأ، 20) . {قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } {قال} الله تعالى لإبليس، {اخرج منها مذءوما مدحورا} أي: معيبا، والذيم والذأم أشد العيب، يقال: ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم وذامه يذيمه ذاما فهو مذيم، مثل سار يسير سيرا، والمدحور: المبعد المطرود، يقال: دحره يدحره دحرا إذا أبعده وطرده. قال ابن عباس: مذءوما أي ممقوتا. وقال قتادة: مذءوما مدحورا: أي لعينا منفيا. وقال الكلبي: مذءوما، مدحورا: مقصيا من الجنة ومن كل خير. {لمن تبعك منهم} من بني آدم، {لأملأن جهنم} اللام لام القسم، {منكم أجمعين} أي: منك ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم أجمعين.

قسم V03/P218–V03/P221

{فوسوس لهما الشيطان} أي: إليهما، والوسوسة: حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} أي: أظهر لهما ما غطي وستر عنهما من عوراتهما، قيل: اللام فيه لام العاقبة وذلك أن إبليس لم يوسوس بهذا ولكن كان عاقبة أمرهم ذلك، وهو ظهور عورتهما، كقوله تعالى: "فالتقطته آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا" (القصص، 8) ، ثم بين الوسوسة فقال: {وقال} يعني: إبليس لآدم وحواء {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} يعني: لئلا تكونا، كراهية أن تكونا ملكين من الملائكة يعلمان الخير والشر، {أو تكونا من الخالدين} من الباقين الذين لا يموتون كما قال في موضع آخر: "هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" (طه، 120) . {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} أي: وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد، قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا، فلما حلف ظن آدم أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فاغتر به. {فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } {فدلاهما بغرور} أي: خدعهما، يقال: ما زال فلان يدلي لفلان بغرور، يعني: ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف باطل من القول. وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل، والتدلية: إرسال الدلو في البئر، يقال: تدلى بنفسه ودلى غيره، قال الأزهري: أصله: تدلية العطشان البئر ليروى من الماء ولا يجد الماء 128/ب فيكون مدلى بغرور، والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغش. {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} قال الكلبي: فلما أكلا منها، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة، والعقوبة أن "بدت" ظهرت لهما "سوآتهما" عوراتهما، وتهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه، وكانا لا يريان ذلك. قال وهب: كان لباسهما من النور. وقال قتادة: كان ظفرا ألبسهما الله من الظفر لباسا فلما وقعا في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا، {وطفقا} أقبلا وجعلا {يخصفان} يرقعان ويلزقان ويصلان، {عليهما من ورق الجنة} وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب. قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما، وروي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس، فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته، وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة، فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن استحييتك" . {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} يعني: الأكل منها، {وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} أي: بين العداوة، قال محمد بن قيس: ناداه ربه يا آدم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: رب أطعمتني حواء، قال لحواء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، قال للحية: لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، فقال الله تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة فتدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على بطنك ووجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور . {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون }

قسم V03/P221–V03/P222

{قال فيها تحيون} يعني في الأرض تعيشون، {وفيها تموتون ومنها تخرجون} أي: من الأرض تخرجون من قبوركم للبعث، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: {تخرجون} بفتح التاء هاهنا وفي الزخرف، وافق يعقوب هاهنا وزاد حمزة والكسائي: "وكذلك تخرجون" في أول الروم، والباقون بضم التاء وفتح الراء فيهن. {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم} أي: خلقنا لكم {لباسا} وقيل: إنما قال: "أنزلنا" لأن اللباس إنما يكون من نبات الأرض، والنبات يكون بما ينزل من السماء، فمعنى قوله: {أنزلنا} أي: أنزلنا أسبابه. وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى بركات السماء كما قال تعالى: "وأنزلنا الحديد" (سورة الحديد، 25) ، وإنما يستخرج الحديد من الأرض. وسبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة. وقال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فأمر الله سبحانه بالستر فقال: {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} يستر عوراتكم، واحدتها سوأة، سميت بها لأنه يسوء صاحبها انكشافها، فلا تطوفوا عراة، {وريشا} يعني: مالا في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: يقال: تريش الرجل إذا تمول، وقيل: الريش الجمال، أي: ما يتجملون به من الثياب، وقيل: هو اللباس. {ولباس التقوى ذلك خير} قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي " ولباس " بنصب السين عطفا على قوله {لباسا} وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره {خير} وجعلوا {ذلك} صلة في الكلام، ولذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب {ولباس التقوى ذلك خير} واختلفوا في {ولباس التقوى} قال قتادة والسدي: لباس التقوى هو الإيمان. وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى. وقال عطية عن ابن عباس: هو العمل الصالح. وعن عثمان بن عفان، أنه قال: السمت الحسن. وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله، وقال الكلبي: هو العفاف. والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس للتجمل. وقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخبارا أن ستر العورة خير من التعري في الطواف. وقال زيد بن علي: لباس التقوى الآلات التي يتقى بها في الحرب كالدرع والمغفر والساعد والساقين. وقيل: لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع. {ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون } {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} لا يضلنكم الشيطان، {كما أخرج أبويكم} أي: كما فتن أبويكم آدم وحواء فأخرجهما، {من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} ليرى كل واحد سوأة الآخر، {إنه يراكم} يعني أن الشيطان يراكم يا بني آدم، {هو وقبيله} جنوده. قال ابن عباس: هو وولده. وقال قتادة: قبيله: الجن والشياطين، {من حيث لا ترونهم} قال مالك بن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلا من عصم الله، {إنا جعلنا الشياطين أولياء} قرناء وأعوانا، {للذين لا يؤمنون} وقال الزجاج: سلطانهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: (أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) [مريم-83] . {وإذا فعلوا فاحشة} قال ابن عباس ومجاهد: هي طوافهم بالبيت عراة. وقال عطاء: الشرك والفاحشة، اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح. {قالوا وجدنا عليها آباءنا} وفيه إضمار معناه: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا. قيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: {والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}

قسم V03/P222–V03/P224

{قل أمر ربي بالقسط} قال ابن عباس: بلا إله إلا الله، وقال الضحاك: بالتوحيد. وقال مجاهد والسدي: بالعدل. {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} قال مجاهد والسدي: يعني وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي. وقيل: معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا، {وادعوه} واعبدوه، {مخلصين له الدين} الطاعة والعبادة، {كما بدأكم تعودون} قال ابن عباس: إن الله تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا 129/أكما قال: "هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن" (التغابن، 2) ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا. قال مجاهد: يبعثون على ما ماتوا عليه. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي حدثنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنبأنا محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث كل عبد على ما مات عليه، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره" . وقال أبو العالية: عادوا على عمله فيهم. قال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون. قال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها وإن عمل أهل السعادة، كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ابتداء خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاء، وكما أن السحرة كانت تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنبأنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد يعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم" . وقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم وخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى: "كما بدأنا أول خلق نعيده" (الأنبياء، 104) ، قال قتادة: بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون، نظيره قوله تعالى: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم" (طه، 55) . {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } قوله عز وجل: {فريقا هدى} أي هداهم الله، {وفريقا حق} وجب {عليهم الضلالة} أي: بالإرادة السابقة، {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء. قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال أهل التفسير: كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله عز وجل: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد"، يعني الثياب. قال مجاهد: ما يواري عورتك ولو عباءة. قال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة. {وكلوا واشربوا} قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله، فأنزل الله عز وجل: "وكلوا" يعني اللحم والدسم "واشربوا" اللبن {ولا تسرفوا} بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم والدسم، {إنه لا يحب المسرفين} الذين يفعلون ذلك. قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. قال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا".

الأسئلة