Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

قسم V07/P375–V07/P377

{هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم } قوله عز وجل: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم} ، ذكرنا عددهم في سورة هود {المكرمين} ، [قيل: سماهم مكرمين] لأنهم كانوا ملائكة كراما عند الله، وقد قال الله تعالى في وصفهم: "بل عباد مكرمون" (الأنبياء -26) وقيل: لأنهم كانوا ضيف إبراهيم وكان إبراهيم أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم 140/أبتعجيل قراهم، والقيام بنفسه عليهم بطلاقة الوجه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: خدمته إياهم بنفسه. وروي عن ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين. وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" . {إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون} ، أي: غرباء لا نعرفكم، قال ابن عباس: قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم. وقيل: إنما أنكر أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. {فراغ} ، فعدل ومال، {إلى أهله فجاء بعجل سمين} ، مشوي. {فقربه إليهم} ، ليأكلوا فلم يأكلوا، {قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة} ، أي: صيحة، قيل: لم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان، وإنما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي، أي أخذت تولول كما قال: "قالت يا ويلتي"، (هود-72) ، {فصكت وجهها} ، قال ابن عباس: لطمت وجهها. وقال الآخرون: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا، كعادة النساء إذا أنكرن شيئا، وأصل الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض. {وقالت عجوز عقيم} ، مجازه: أتلد عجوز عقيم؟ وكانت سارة لم تلد قبل ذلك. {قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم } {قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم } {قالوا كذلك قال ربك} ، أي كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلاما، {إنه هو الحكيم العليم} . {قال} [يعني إبراهيم] {فما خطبكم أيها المرسلون} . {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} ، يعني: قوم لوط. {لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة} ، معلمة، {عند ربك للمسرفين} ، قال ابن عباس: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها. {فأخرجنا من كان فيها} ، أي: في قرى قوم لوط، {من المؤمنين} ، وذلك قوله: "فأسر بأهلك بقطع من الليل" (هود-81) . {فما وجدنا فيها غير بيت} ، أي غير أهل بيت، {من المسلمين} ، يعني لوطا وابنتيه، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. {وتركنا فيها} ، أي في مدينة قوم لوط، {آية} ، عبرة، {للذين يخافون العذاب الأليم} ، أي: علامة للخائفين تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم. {وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين } {وفي موسى} ، أي: وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة. وقيل: هو معطوف على قوله: "وفي الأرض آيات للموقنين"، [وفي موسى] {إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين} ، بحجة ظاهرة.

قسم V07/P377–V07/P379

{فتولى} ، فأعرض وأدبر عن الإيمان، {بركنه} ، أي بجمعه وجنوده الذين كانوا يتقوى بهم، كالركن الذي يقوى به البنيان، نظيره: "أو آوي إلى ركن شديد" (هود-80) ، {وقال ساحر أو مجنون} ، قال أبو عبيدة: "أو" بمعنى الواو. {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} ، أغرقناهم فيه، {وهو مليم} أي: آت بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسول. {وفي عاد} ، أي: وفي إهلاك عاد أيضا آية، {إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} ، وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا. {ما تذر من شيء أتت عليه} ، من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم، {إلا جعلته كالرميم} ، كالشيء الهالك البالي، وهو نبات الأرض إذا يبس وديس. قال مجاهد: كالتبن اليابس. قال قتادة: كرميم الشجر. قال أبو العالية: كالتراب المدقوق. وقيل: أصله من العظم البالي. {وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين} ، يعني وقت فناء آجالهم، وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا ثلاثة أيام. {فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة} ، يعني بعد مضي الأيام الثلاثة، وهي الموت في قول ابن عباس، قال مقاتل: يعني العذاب، و"الصاعقة": كل عذاب مهلك، وقرأ الكسائي: "الصعقة"، وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة، {وهم ينظرون} ، يرون ذلك عيانا. {فما استطاعوا من قيام} ، فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض. قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة، {وما كانوا منتصرين} ، ممتنعين منا. قال قتادة: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من الله. {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين } {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } {وقوم نوح} ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: "وقوم" بجر الميم، أي: وفي قوم نوح، وقرأ الآخرون بنصبها بالحمل على المعنى، وهو أن قوله: "فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم"، معناه: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح. {من قبل} ، أي: من قبل هؤلاء، وهم عاد وثمود وقوم فرعون. {إنهم كانوا قوما فاسقين} . {والسماء بنيناها بأيد} ، بقوة وقدرة، {وإنا لموسعون} ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قادرون. وعنه أيضا: لموسعون الرزق على خلقنا. وقيل: ذو سعة. قال الضحاك: أغنياء، دليله: قوله عز وجل: "على الموسع قدره" (البقرة -236) ، قال الحسن: مطيقون. {والأرض فرشناها} ، بسطناها ومهدناها لكم، {فنعم الماهدون} ، الباسطون نحن: قال ابن عباس: نعم ما وطأت لعبادي. {ومن كل شيء خلقنا زوجين} ، صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والحق والباطل، والحلو والمر. {لعلكم تذكرون} ، فتعلمون أن خالق الأزواج فرد. {ففروا إلى الله} ، فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه، بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله، {إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين} . {كذلك} ، أي: كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك، {ما أتى الذين من قبلهم} من قبل كفار مكة، {من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} . 140/ب {أتواصوا به بل هم قوم طاغون فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } قال الله تعالى: {أتواصوا به} ، أي: أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضا بالتكذيب وتواطؤا عليه؟ والألف فيه للتوبيخ، {بل هم قوم طاغون} ، قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك، {فتول عنهم} ، فأعرض عنهم، {فما أنت بملوم} ، لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به.

قسم V07/P379–V07/P381

قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم، فأنزل الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} ، فطابت أنفسهم . قال مقاتل: معناه عظ بالقرآن كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من [سبق] في علم الله أن يؤمن منهم. وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، قال الكلبي والضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين، يدل عليه قراءة ابن عباس: "وما خلقت الجن والإنس -من المؤمنين -إلا ليعبدون"، ثم قال في أخرى: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس"، (الأعراف-79) . وقال بعضهم: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: هو على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة. وقال علي بن أبي طالب: "إلا ليعبدون" أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله عز وجل: "وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا". (التوبة-31) . وقال مجاهد: إلا ليعرفوني. وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده، دليله: قوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" (الزخرف-87) . وقيل: معناه إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه. وقيل: "إلا ليعبدون" إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله عز وجل: "فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين". (العنكبوت-65) . {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون } {ما أريد منهم من رزق} ، أي: أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم، {وما أريد أن يطعمون} ، أي: أن يطعموا أحدا من خلقي، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. كما جاء في الحديث يقول الله تعالى: "استطعمتك فلم تطعمني" أي: لم تطعم عبدي، ثم بين أن الرازق هو لا غيره فقال: {إن الله هو الرزاق} ، يعني: لجميع خلقه، {ذو القوة المتين} ، وهو القوي المقتدر المبالغ في القوة والقدرة. {فإن للذين ظلموا} ، كفروا من أهل مكة، {ذنوبا} ، نصيبا من العذاب {مثل ذنوب أصحابهم} ، مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود، وأصل "الذنوب" في اللغة: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ثم استعمل في الحظ والنصيب، {فلا يستعجلون} ، بالعذاب يعني أنهم أخروا إلى يوم القيامة. يدل عليه قوله عز وجل: {فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون} . يعني: يوم القيامة، وقيل: يوم بدر. سورة الطور مكية بسم الله الرحمن الرحيم {والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع } {والطور} أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام بالأرض المقدسة، أقسم الله تعالى به. {وكتاب مسطور} مكتوب. {في رق منشور} "والرق": ما يكتب فيه، وهو أديم الصحف، و"المنشور": المبسوط، واختلفوا في هذا الكتاب، قال الكلبي: هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: دواوين الحفظة تخرج إليهم يوم القيامة منشورة، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. دليله قوله عز وجل: "ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا"، (الإسراء-13) . {والبيت المعمور} بكثرة الغاشية والأهل، وهو بيت في السماء حذاء العرش بحيال الكعبة يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا .

قسم V07/P381–V07/P387

{والسقف المرفوع} يعني: السماء، نظيره قوله عز وجل: "وجعلنا السماء سقفا محفوظا". (الأنبياء-32) {والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع } {والبحر المسجور} قال محمد بن كعب القرظي والضحاك: يعني الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور، وهو قول ابن عباس، وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم، كما قال الله تعالى: "وإذا البحار سجرت"، (التكوير-6) وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا، فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا" . وقال مجاهد والكلبي: "المسجور": المملوء، يقال: سجرت الإناء إذا ملأته. وقال الحسن، وقتادة، وأبو العالية: هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب وقال الربيع بن أنس: المختلط العذب بالمالح. وروى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي أنه قال في البحر المسجور: هو بحر تحت العرش، غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين، فيه ماء غليظ يقال له: بحر الحيوان. يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا فينبتون في قبورهم . هذا قول مقاتل: أقسم الله بهذه الأشياء. {إن عذاب ربك لواقع} نازل كائن. {ما له من دافع} مانع قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب، وصوته يخرج من المسجد 141/أفسمعته يقرأ "والطور" إلى قوله "إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع"، فكأنما صدع قلبي حين سمعته، ولم يكن أسلم يومئذ، قال: فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب . {يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون } {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } ثم بين أنه متى يقع فقال: {يوم تمور السماء مورا} أي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال قتادة: تتحرك. قال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض. وقيل: تضطرب، و"المور" يجمع هذه المعاني، فهو في اللغة: الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب. {وتسير الجبال سيرا} فتزول عن أماكنها وتصير هباء منثورا. {فويل} فشدة عذاب، {يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون} يخوضون في الباطل يلعبون غافلين لاهين. {يوم يدعون} يدفعون، {إلى نار جهنم دعا} دفعا بعنف وجفوة، وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون بهم إلى النار دفعا على وجوههم، وزجا في أقفيتهم حتى يردوا النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} في الدنيا. {أفسحر هذا} وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر، فوبخوا به، وقيل لهم: {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} . {اصلوها} قاسوا شدتها، {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} الصبر والجزع، {إنما تجزون ما كنتم تعملون} . {إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين} معجبين بذلك ناعمين {بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} ويقال لهم: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين } {كلوا واشربوا هنيئا} مأمون العاقبة من التخمة والسقم، {بما كنتم تعملون} . {متكئين على سرر مصفوفة} موضوعة بعضها إلى جنب بعض، {وزوجناهم بحور عين} . {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} قرأ أبو عمرو: "وأتبعناهم"، بقطع الألف على التعظيم، "ذرياتهم"، بالألف وكسر التاء فيهما لقوله: "ألحقنا بهم" "وما ألتناهم"، ليكون الكلام على نسق واحد. وقرأ الآخرون: "واتبعتهم" بوصل الألف وتشديد التاء بعدها وسكون التاء الأخيرة.

قسم V07/P387–V07/P389

ثم اختلفوا في "ذريتهم": قرأ أهل المدينة الأولى بغير ألف وضم التاء، والثانية بالألف وكسر التاء، وقرأ أهل الشام ويعقوب كلاهما بالألف وكسر التاء في الثانية، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما ورفع التاء في الأولى ونصبها في الثانية. واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان، يعني: أولادهم الصغار والكبار، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم، والصغار بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين {ألحقنا بهم ذريتهم} المؤمنين [في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم] تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم. وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. وقال آخرون: معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم. وهو قول الضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخبر الله عز وجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه، من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئا، فذلك قوله: {وما ألتناهم} قرأ ابن كثير بكسر اللام، والباقون بفتحها أي ما نقصناهم يعني الآباء {من عملهم من شيء} . أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله الحديثي، حدثنا سعيد بن محمد بن إسحاق الصيرفي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا قيس بن الربيع، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه"، ثم قرأ: "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم"، إلى آخر الآية . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال: سألت خديجة رضي الله تعالى عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هما في النار"، فلما رأى الكراهة في وجهها، قال: "لو رأيت مكانهما لأبغضتهما"، قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: "في الجنة" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم" . {كل امرئ بما كسب رهين} قال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنا، لقوله عز وجل: "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين"، ثم ذكر ما يزيدهم من الخير والنعمة فقال: {وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } {وأمددناهم بفاكهة} زيادة على ما كان لهم، {ولحم مما يشتهون} من أنواع اللحمان. {يتنازعون} يتعاطون ويتناولون، {فيها كأسا لا لغو فيها} وهو الباطل، وروي ذلك عن قتادة، وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا رفث فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. وقال القتيبي: لا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا، {ولا تأثيم} أي لا يكون منهم ما يؤثمهم. قال الزجاج: لا يجري بينهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر. 141/ب وقيل: لا يأثمون في شربها. {ويطوف عليهم} بالخدمة، {غلمان لهم كأنهم} في الحسن والبياض والصفاء، {لؤلؤ مكنون} مخزون مصون لم تمسه الأيدي. قال سعيد بن جبير: يعني في الصدف.

قسم V07/P389–V07/P391

قال عبد الله بن عمر: وما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه . وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال: قالوا يا رسول الله: الخادم كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدوم؟ . وعن قتادة أيضا قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ قال: "فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" . {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} يسأل بعضهم بعضا في الجنة. قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا. {قالوا إنا كنا قبل في أهلنا} في الدنيا {مشفقين} خائفين من العذاب. {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } {أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون } {فمن الله علينا} بالمغفرة، {ووقانا عذاب السموم} قال الكلبي: عذاب النار. وقال الحسن: "السموم" اسم من أسماء جهنم. {إنا كنا من قبل} في الدنيا، {ندعوه} نخلص له العبادة، {إنه} قرأ أهل المدينة [والكسائي] "أنه" بفتح الألف، أي: لأنه أو بأنه، وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف، {هو البر} قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: الصادق فيما وعد {الرحيم} . {فذكر} يا محمد بالقرآن أهل مكة، {فما أنت بنعمة ربك} برحمته وعصمته، {بكاهن} تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي، {ولا مجنون} نزلت في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر. {أم يقولون} بل يقولون، يعني: هؤلاء المقتسمين الخراصين، {شاعر} أي: هو شاعر، {نتربص به ريب المنون} حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء، ويتفرق أصحابه وإن أباه مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، و"المنون" يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى الموت، سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل. {قل تربصوا} انتظروا بي الموت، {فإني معكم من المتربصين} [من المنتظرين] حتى يأتي أمر الله فيكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف. {أم تأمرهم أحلامهم} عقولهم، {بهذا} وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تتميز لهم معرفة الحق من الباطل، {أم هم} بل هم {قوم طاغون} . {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون } {أم يقولون تقوله} أي: يخلق القرآن من تلقاء نفسه، "والتقول"، تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، ليس الأمر كما زعموا، {بل لا يؤمنون} بالقرآن استكبارا. ثم ألزمهم الحجة فقال: {فليأتوا بحديث مثله} ،أي: مثل القرآن ونظمه وحسن بيانه، {إن كانوا صادقين} أن محمدا يقوله من قبل نفسه. {أم خلقوا من غير شيء} قال ابن عباس: من غير رب، ومعناه: أخلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق؟ وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، {أم هم الخالقون} لأنفسهم وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به، ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي. وقال الزجاج: معناه: أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟ وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون، فهو كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء أي: لغير شيء، أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر؟ {أم خلقوا السماوات والأرض} فيكونوا هم الخالقين، ليس الأمر كذلك، {بل لا يوقنون} .

قسم V07/P391–V07/P394

{أم عندهم خزائن ربك} قال عكرمة: يعني النبوة. قال مقاتل: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ قال الكلبي: خزائن المطر والرزق، {أم هم المسيطرون} المسلطون الجبارون، قال عطاء: أرباب قاهرون فلا يكونوا تحت أمر ونهي، يفعلون ما شاؤوا. ويجوز بالسين والصاد جميعا، قرأ ابن عامر بالسين هاهنا وقوله: "بمسيطر"، وقرأ حمزة بإشمام الزاي فيهما، وقرأ ابن كثير هاهنا بالسين و"بمصيطر" بالصاد، وقرأ الآخرون بالصاد فيهما. {أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم له البنات ولكم البنون أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } {أم لهم سلم} مرقى ومصعد إلى السماء، {يستمعون فيه} أي يستمعون عليه الوحي، كقوله: "ولأصلبنكم في جذوع النخل" (طه-71) أي: عليها، معناه: ألهم سلم يرتقون به إلى السماء، فيستمعون الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق بالوحي، فهم مستمسكون به كذلك؟ {فليأت مستمعهم} إن ادعوا ذلك، {بسلطان مبين} حجة بينة. {أم له البنات ولكم البنون} هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون، كقوله: "فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون" (الصافات-149) . {أم تسألهم أجرا} جعلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه من الدين، {فهم من مغرم مثقلون} أثقلهم ذلك المغرم الذي تسألهم، فمنعهم من ذلك عن الإسلام. {أم عندهم الغيب} أي: علم ما غاب عنهم، حتى علموا أن ما يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث باطل. وقال قتادة: هذا جواب لقولهم: "نتربص به ريب المنون"، يقول: أعندهم علم الغيب حتى علموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم يموت قبلهم؟ {فهم يكتبون} أي: يحكمون، والكتاب: الحكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين تخاصما إليه: "أقضي بينكما بكتاب الله" أي بحكم الله. وقال ابن عباس: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به؟ {أم يريدون كيدا} مكرا بك ليهلكوك؟ {فالذين كفروا هم المكيدون} أي: هم المجزيون بكيدهم، يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم، ويحيق مكرهم بهم، وذلك أنهم مكروا به في دار الندوة فقتلوا ببدر. {أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم } {أم لهم إله غير الله} 142/أيرزقهم وينصرهم؟ {سبحان الله عما يشركون} قال الخليل: ما في هذه السورة من ذكر "أم" كله استفهام وليس بعطف. {وإن يروا كسفا} قطعة، {من السماء ساقطا} هذا جواب لقولهم: "فأسقط علينا كسفا من السماء"، يقول: لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، {يقولوا} -لمعاندتهم-هذا، {سحاب مركوم} بعضه على بعض يسقينا. {فذرهم حتى يلاقوا} يعاينوا، {يومهم الذي فيه يصعقون} أي: يموتون، حتى يعاينوا الموت، قرأ ابن عامر وعاصم يصعقون بضم الياء، أي: يهلكون. {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون} أي: لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع. {وإن للذين ظلموا} [كفروا] {عذابا دون ذلك} أي: عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر، وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين. وقال البراء بن عازب: هو عذاب القبر. {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن العذاب نازل بهم. {واصبر لحكم ربك} إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم، {فإنك بأعيننا} أي بمرأى منا، قال ابن عباس: نرى ما يعمل بك. وقال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك. {وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال سعيد بن جبير وعطاء: أي: قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيرا ازددت فيه إحسانا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له .

قسم V07/P394–V07/P397

أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البرونجردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي، حدثنا أحمد بن عبد الله القرشي، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلسا وكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كان كفارة لما بينهما" . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه صل لله حين تقوم من مقامك . وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" . أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قال: حدثنا أبو معاوية عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" . وقال الكلبي: هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة. أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا محمد بن نافع، حدثنا زيد بن حباب، أخبرني معاوية بن صالح، أخبرنا أزهر بن سعيد الحرازي عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت: كان إذا قام كبر الله عشرا، وحمد الله عشرا، وسبح الله عشرا، وهلل عشرا، واستغفر عشرا، وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة" . {ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم } {ومن الليل فسبحه} أي: صل له، قال مقاتل: يعني صلاة المغرب والعشاء. {وإدبار النجوم} يعني الركعتين قبل صلاة الفجر، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: هو فريضة صلاة الصبح. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور . سورة النجم مكية بسم الله الرحمن الرحيم {والنجم إذا هوى } {والنجم إذا هوى} قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي: يعني الثريا إذا سقطت وغابت، وهويه مغيبه والعرب تسمي الثريا نجما. وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع" وأراد بالنجم الثريا. وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب لفظه واحد ومعناه الجمع، سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن والقرن والنبت: إذا طلع. وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه الرجوم من النجوم يعني ما ترمى به الشياطين عند استراقهم السمع. وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: المراد بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في عشرين سنة، وسمي التفريق: تنجيما، والمفرق: منجما، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول الكلبي. "الهوي": النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: "النجم" هو النبت الذي لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: "والنجم والشجر يسجدان" (الرحمن-6) ، وهويه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إذ نزل من السماء ليلة المعراج، و"الهوي": النزول، يقال: هوى يهوي هويا [إذا نزل] مثل مضى يمضي مضيا.

قسم V07/P397–V07/P401

{ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى } وجواب القسم: قوله: {ما ضل صاحبكم} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى {وما غوى.} {وما ينطق عن الهوى} أي: بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول القرآن من تلقاء نفسه. {إن هو} ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن {إلا وحي يوحى} أي: وحي من الله يوحى إليه. 142/ب {علمه شديد القوى} جبريل، والقوى جمع القوة. {ذو مرة} قوة وشدة في خلقه يعني جبريل. قال ابن عباس: ذو مرة يعني: ذو منظر حسن. وقال مقاتل: ذو خلق طويل حسن. {فاستوى} يعني: جبريل. {وهو} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون استوى هو وفلان، وقلما يقولون: استوى وفلان نظير هذا قوله: "أئذا كنا ترابا وآباؤنا" (النمل-67) عطف الآباء على المكنى في "كنا" من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج {بالأفق الأعلى} وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: "فاستوى" يعني جبريل، وهو كناية عن جبريل أيضا أي: قام في صورته التي خلقه الله، وهو بالأفق الأعلى، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على الصورة التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، وهو قوله: "ثم دنا فتدلى" وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } قوله عز وجل: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} اختلفوا في معناه: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة فأين قوله: "ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"؟ قالت: "ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسد الأفق" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن الشيباني قال: سألت زرا عن قوله: "فكان قاب قوسين أو أدنى"، قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن مسعود-أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح . فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض "فتدلى" فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان منه "قاب قوسين أو أدنى"، بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة، قيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ثم تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو . وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى، فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى. وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس: ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى . وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس، "والتدلي" هو النزول إلى الشيء حتى يقرب منه. وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه . وقال الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى.

قسم V07/P401–V07/P403

ومعنى قوله: "قاب قوسين" أي قدر قوسين، و"القاب" و"القيب" و"القاد" و"القيد": عبارة عن المقدار، و"القوس": ما يرمى به في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس، وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال عبد الله بن مسعود: "قاب قوسين" أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن جبير وشقيق بن سلمة، و"القوس": الذراع يقاس بها كل شيء، "أو أدنى": بل أقرب. {فأوحى إلى عبده ما أوحى } {فأوحى} أي: أوحى الله {إلى عبده} محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد: معناه: أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل . قال سعيد بن جبير: أوحى إليه: "ألم يجدك يتيما فآوى" (الضحى-6) إلى قوله تعالى: "ورفعنا لك ذكرك"، (الشرح-4) وقيل: أوحى إليه: إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك . {ما كذب الفؤاد ما رأى } {ما كذب الفؤاد ما رأى} قرأ أبو جعفر "ما كذب الفؤاد" بتشديد الذال أي: ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأى بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل، وهو قول ابن مسعود وعائشة. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص هو ابن غياث عن الشيباني عن زر عن عبد الله قال: "ما كذب الفؤاد ما رأى" قال: رأى جبريل له ستمائة جناح . وقال آخرون: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن حجاج، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس: "ما كذب الفؤاد ما رأى". "ولقد رآه نزلة أخرى" قال: رآه بفؤاده مرتين . وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه 143/أوهو قول أنس والحسن وعكرمة، قالوا: رأى محمد ربه ، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بالرؤية . وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، وتحمل الآية على رؤيته جبريل عليه السلام: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"، (الأنعام-103) "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب" (الشورى-51) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا" (لقمان-34) ومن حدثك أنه كتم شيئا فقد كذب، ثم قرأت: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" (المائدة-67) الآية، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين .

قسم V07/P403–V07/P405

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن [شقيق] عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه" . {أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } {أفتمارونه على ما يرى} قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: "أفتمرونه" بفتح التاء [وسكون الميم] بلا ألف، أي: أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته، وقرأ الآخرون: "أفتمارونه" بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه على ما يرى وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه. {ولقد رآه نزلة أخرى} يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء. {عند سدرة المنتهى} وعلى قول ابن عباس معنى: "نزلة أخرى" هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه في بعضها، وروينا عنه: "أنه رأى ربه بفؤاده مرتين" وعنه: "أنه رأى بعينه" قوله: "عند سدرة المنتهى" روينا عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال تعالى: "عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى"، قال: فراش من ذهب . وروينا في حديث المعراج: "ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام فسلمت عليه، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" . "والسدرة" شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم الخلق. قال هلال بن [يساف] : سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا المسوحي، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة المنتهى، قال: "يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة عام ويستظل في الفنن منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال" . وقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، وهي طوبى التي ذكرها الله تعالى في سورة الرعد. {عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى } {عندها جنة المأوى} قال عطاء عن ابن عباس: جنة يأوي إليها جبريل والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: يأوي إليها أرواح الشهداء. {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال ابن مسعود: فراش من ذهب. وروينا في حديث المعراج عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشى من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة" .

قسم V07/P405–V07/P407

وقال مقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان وقال السدي: من الطيور. وروي عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو غيره قال: غشيها نور الخلائق وغشيتها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة. قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل . وعن الحسن قال: غشيها نور رب العزة فاستنارت. ويروى في الحديث: "رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى" . {ما زاغ البصر وما طغى} أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا. {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} يعني: الآيات العظام. وقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره وعوده، دليله قوله: "لنريه من آياتنا"، (الإسراء-1) وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح . وأخبرنا عبد الواحد المليحي، 143/ب أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة [عن عبد الله] "لقد رأى من آيات ربه الكبرى"؟ قال: رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء . {أفرأيتم اللات والعزى } قوله عز وجل: {أفرأيتم اللات والعزى} هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزى. وقيل: العزى: تأنيث الأعز، أما "اللات" قال قتادة: كانت بالطائف، وقال ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده . وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: "اللات" بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه . وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها الأقط، ويجمع رسلها ثم يتخذ منها حيسا فيطعم منه الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات . وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات. وأما "العزى": قال مجاهد: هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد بن الوليد يضربها بالفأس ويقول: يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها. ويقال: إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قلعت، فعاودها فعاد إليها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة، فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدا" .

قسم V07/P407–V07/P409

وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى بطن نخلة، وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرا من الصفا وحجرا من المروة ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذه من المروة، فقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة، فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة، حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها. وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف. {ومناة الثالثة الأخرى } {ومناة} قرأ ابن كثير بالمد والهمزة، وقرأ العامة بالقصر غير مهموز، لأن العرب سمت زيد مناة وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد. قال قتادة: هي لخزاعة كانت بقديد، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت حذو قديد. قال ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب. قال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة. وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها . واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة: فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء. وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء، وما كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء. وأما قوله: {الثالثة الأخرى} [فالثالثة] نعت لمناة، أي: الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى، إنما الأخرى هاهنا نعت للثانية. قال الخليل: فالياء لوفاق رؤوس الآي، كقوله: "مآرب أخرى" (طه-18) ولم يقل: أخر. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. ومعنى الآية: "أفرأيتم": أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله، قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك. {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } فقال الله تعالى منكرا عليهم: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} قال ابن عباس وقتادة: أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. قال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. وقال الحسن: غير معتدلة. قرأ ابن كثير: "ضئزى" بالهمز، وقرأ الآخرون بغير همز. قال الكسائي: يقال منه ضاز يضيز ضيزا، وضاز يضوز ضوزا، وضاز يضاز ضازا إذا ظلم ونقص، وتقدير ضيزى من الكلام فعلى بضم الفاء، لأنها صفة والصفات لا تكون إلا على فعلى بضم الفاء، نحو حبلى وأنثى وبشرى، أو فعلى بفتح الفاء، نحو غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء، مثل: ذكرى وشعرى، وكسر الضاد هاهنا لئلا تنقلب الياء واوا وهي من بنات الياء كما قالوا في جمع أبيض بيض، والأصل بوض مثل حمر وصفر، فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى. {إن هي} ما هذه الأصنام {إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} حجة بما تقولون إنها آلهة. ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: {إن يتبعون إلا الظن} في قولهم إنها آلهة {وما تهوى الأنفس} وما زين لهم الشيطان {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة، فإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار. {أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى }

قسم V07/P409–V07/P411

{إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } {أم للإنسان ما تمنى} أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام؟ {فلله الآخرة والأولى} ليس كما ظن الكافر وتمنى، بل لله الآخرة والأولى، لا يملك أحد فيهما شيئا إلا بإذنه. {وكم من ملك في السماوات} يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله {لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله} في الشفاعة {لمن يشاء ويرضى} أي: من أهل التوحيد. قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. وجمع الكناية في قوله: "شفاعتهم" والملك واحد؛ لأن المراد من قوله: "وكم من ملك" 144/أالكثرة، فهو كقوله: "فما منكم من أحد عنه حاجزين" (الحاقة-47) . {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} أي: بتسمية الأنثى حين قالوا: إنهم بنات الله. {وما لهم به من علم} قال مقاتل: [معناه] ما يستيقنون أنهم [بنات الله] {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} "والحق" بمعنى العلم، أي: لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: "الحق" بمعنى العذاب، [أي: أظنهم لا ينقذهم من العذاب شيء] . {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا} يعني القرآن. وقيل: الإيمان {ولم يرد إلا الحياة الدنيا.} . ثم صغر رأيهم فقال: {ذلك مبلغهم من العلم} أي: ذلك نهاية علمهم وقدر عقولهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم، فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن. {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي: هو عالم بالفريقين فيجازيهم. {ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } {ولله ما في السموات وما في الأرض} وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا} فاللام في قوله: "ليجزي" متعلق بمعنى الآية الأولى؛ لأنه إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه، الذين أساؤوا وأشركوا: بما عملوا من الشرك {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} وحدوا ربهم: "بالحسنى" بالجنة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك، ولذلك قال: "ولله ما في السموات وما في الأرض". ثم وصفهم فقال: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: هذا استثناء صحيح، واللمم من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة [ومجاهد، والحسن] ، ورواية عطاء عن ابن عباس . قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك . وقال السدي قال أبو صالح: سئلت عن قول الله تعالى: "إلا اللمم"، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم . وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله: "إلا اللمم"، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما" . وأصل "اللمم والإلمام": ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون إعادة، ولا إقامة. وقال آخرون: هذا استثناء منقطع، مجازه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم .

قسم V07/P411–V07/P414

وقال بعضهم: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، ورواية طاووس عن ابن عباس . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمود بن غيلان، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه" . ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد: "العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد [زناها] البطش، والرجل زناها الخطى" . وقال الكلبي: "اللمم" على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر هو: الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه . وقال سعيد بن المسيب: هو ما لم على القلب أي خطر . وقال الحسين بن الفضل: "اللمم" النظرة من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب . {إن ربك واسع المغفرة} قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب، تم الكلام هاهنا، ثم قال: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} أي خلق أباكم آدم من التراب {وإذ أنتم أجنة} جمع جنين، سمي جنينا لاجتنانه في البطن {في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم} قال ابن عباس: لا تمدحوها. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، لا تبرؤوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها . قال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية {هو أعلم بمن اتقى} أي: بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى. {أفرأيت الذي تولى } قوله عز وجل: {أفرأيت الذي تولى} نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن الذي عاتبه إن هو [وافقه] أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله عز وجل "أفرأيت الذي تولى" أدبر عن الإيمان. {وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى } {وأعطى} صاحبه {قليلا وأكدى} بخل بالباقي. وقال مقاتل: "أعطى" يعني الوليد "قليلا" من الخير بلسانه، ثم "أكدى": يعني قطعه وأمسك ولم يقم على العطية. وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور . وقال محمد بن كعب 144/ب القرظي نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق ، فذلك قوله: "وأعطى قليلا وأكدى" أي لم يؤمن به، ومعنى "أكدى": يعني قطع، وأصله من الكدية، وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر، تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل، إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل. {أعنده علم الغيب فهو يرى} ما غاب عنه ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه. {أم لم ينبأ} لم يخبر {بما في صحف موسى} يعني: أسفار التوراة. {وإبراهيم} في صحف إبراهيم عليه السلام {الذي وفى} تمم وأكمل ما أمر به. قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه قال مجاهد: وفى بما فرض عليه . قال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ابنه .

قسم V07/P414–V07/P417

وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: وفى سهام الإسلام. وهو قوله: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، (البقرة-124) والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفى ميثاق المناسك. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، حدثنا إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إبراهيم الذي وفى [صلى] أربع ركعات أول النهار" . أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو جعفر الشيباني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" . {ألا تزر وازرة وزر أخرى } ثم بين ما في صحفهما فقال: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة بأنه يحمل عنه الإثم. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله: "ألا تزر وازرة وزر أخرى". {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} أي: عمل، كقوله: "إن سعيكم لشتى"، (الليل-4) وهذا أيضا في صحف إبراهيم وموسى. وقال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله: "ألحقنا بهم ذريتهم"، (الطور-21) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لما روي أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" . وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم" . وقال الربيع بن أنس: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" يعني الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له . وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير ويروى أن عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه، فلما مات أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفنه فيه، فلم يبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها . {وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى } {وأن سعيه سوف يرى} في ميزانه يوم القيامة، [مأخوذة] من: أريته الشيء. {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} الأكمل والأتم أي: يجزى الإنسان بسعيه، يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه، قال الشاعر: إن أجز علقمة بن سعد سعيه لم أجزه ببلاء يوم واحد فجمع بين اللغتين. {وأن إلى ربك المنتهى} أي: منتهى الخلق ومصيرهم إليه، وهو مجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن محمد الشيباني أخبرنا محمد بن سليمان بن الفتح الحنبلي، حدثنا علي بن محمد المصري، أخبرنا أبو إسحاق ابن منصور الصعدي ، أخبرنا العباس بن زفر، عن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "وأن إلى ربك المنتهى"، قال: "لا فكرة في الرب" ، وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" فإنه لا تحيط به الفكرة. {وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا } {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى }

قسم V07/P417–V07/P419

{وأنه هو أضحك وأبكى} فهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. قال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس، هو ابن الربيع الأسدي، حدثنا سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وكان أصحابه يجلسون ويتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا -يعني النبي صلى الله عليه وسلم -. وقال معمر عن قتادة: سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل . {وأنه هو أمات وأحيا} أي: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة. {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} من كل حيوان. {من نطفة إذا تمنى} أي: تصب في الرحم، يقال: منى الرجل وأمنى. قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح. وقال آخرون: تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته. {وأن عليه النشأة الأخرى} أي: الخلق الثاني للبعث يوم القيامة. {وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى وأنه أهلك عادا الأولى } {وأنه هو أغنى وأقنى} قال أبو صالح: أغنى الناس بالأموال وأقنى أي: أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية. قال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والبقر والغنم. وقال قتادة والحسن: 145/أ "أقنى": أخدم. وقال ابن عباس: "أغنى وأقنى": أعطى فأرضى. قال مجاهد ومقاتل: "أقنى": أرضى بما أعطى وقنع. وقال ابن زيد: "أغنى": أكثر "وأقنى": أقل وقرأ: "يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"، (الإسراء-30) وقال الأخفش: "أقنى": أفقر. وقال ابن كيسان: أولد. {وأنه هو رب الشعرى} وهو كوكب خلف الجوزاء وهما شعريان، يقال لإحداهما العبور وللأخرى الغميصاء، سميت بذلك لأنها أخفى من الأخرى، والمجرة بينهما. وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، وأول من سن لهم ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها، وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا والشعرى طولا فهي مخالفة لها، فعبدتها خزاعة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف العرب في الدين سموه ابن أبي كبشة لخلافه إياهم، كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى . {وأنه أهلك عادا الأولى} قرأ أهل المدينة والبصرة بلام مشددة بعد الدال، ويهمز واوه قالون عن نافع، والعرب تفعل ذلك فتقول: قم لان عنا، تريد: قم الآن، ويكون الوقف عند "عادا"، والابتداء "أولى"، بهمزة واحدة مفتوحة بعدها لام مضمومة، [ويجوز الابتداء: لولى] بحذف الهمزة المفتوحة. وقرأ الآخرون: "عادا الأولى"، وهم قوم هود أهلكوا بريح صرصر، فكان لهم عقب، فكانوا عادا الأخرى. {وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون } {وثمود} قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة {فما أبقى} منهم أحدا. {وقوم نوح من قبل} أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود {إنهم كانوا هم أظلم وأطغى} لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب. {والمؤتفكة} قرى قوم لوط {أهوى} أسقط أي: أهواها جبريل بعدما رفعها إلى السماء. {فغشاها} ألبسها الله {ما غشى} يعني: الحجارة المنضودة المسومة. {فبأي آلاء ربك} نعم ربك أيها الإنسان، وقيل: أراد الوليد بن المغيرة {تتمارى} تشك وتجادل، وقال ابن عباس: تكذب. {هذا نذير} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم {من النذر الأولى} أي: رسول من الرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال قتادة: يقول: أنذر محمد كما أنذر الرسل من قبله. {أزفت الآزفة} دنت القيامة واقتربت الساعة.

قسم V07/P419–V07/P425

{ليس لها من دون الله كاشفة} أي: مظهرة مقيمة كقوله تعالى: "لا يجليها لوقتها إلا هو"، (الأعراف-187) والهاء فيه للمبالغة أو على تقدير: نفس كاشفة. ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرا كالخافية والعافية، والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف أي: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره. وقيل: معناه: ليس لها راد يعني: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يردها عنهم أحد، وهذا قول عطاء وقتادة والضحاك. {أفمن هذا الحديث} يعني القرآن {تعجبون وتضحكون} يعني: استهزاء {ولا تبكون} مما فيه من الوعيد. {وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا } {وأنتم سامدون} لاهون غافلون، و"السمود": الغفلة عن الشيء واللهو، يقال: دع عنك سمودك أي لهوك، هذا رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا . وقال الضحاك: أشرون بطرون. وقال مجاهد: غضاب مبرطمون. فقيل له: ما البرطمة؟ قال: الإعراض . {فاسجدوا لله واعبدوا} أي: واعبدوه. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة: النجم، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف . وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم بن أبي إياس، أخبرنا ابن أبي ذئب، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم "والنجم" فلم يسجد فيها . قلت : فهذا دليل على أن سجود التلاوة غير واجب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. وهو قول الشافعي وأحمد. وذهب قوم إلى أن وجوب سجود التلاوة على القارئ والمستمع جميعا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. سورة القمر مكية بسم الله الرحمن الرحيم {اقتربت الساعة وانشق القمر } {اقتربت الساعة} دنت القيامة {وانشق القمر} . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما . وقال شيبان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، 145/ب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا" . وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك. وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: [انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم] فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: "اقتربت الساعة وانشق القمر" . {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر }

قسم V07/P425–V07/P427

{وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} أي: ذاهب وسوف يذهب ويبطل من قولهم: مر الشيء واستمر إذا ذهب، مثل قولهم: قر واستقر، قال هذا قول مجاهد وقتادة. وقال أبو العالية [والضحاك] : "مستمر" أي: قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: مر الحبل إذا صلب واشتد وأمررته إذا أحكمت فتله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم. {وكذبوا واتبعوا أهواءهم} أي: كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عز وجل واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل. {وكل أمر مستقر} قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، [والشر مستقر بأهل الشر] . وقيل: كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار. وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: كل ما قدر كائن واقع لا محالة. وقرأ أبو جعفر "مستقر" بكسر الراء، ولا وجه له. {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر } {خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر } {ولقد جاءهم} يعني: أهل مكة {من الأنباء} أخبار الأمم المكذبة في القرآن {ما فيه مزدجر} [متناهى] ، مصدر بمعنى الازدجار، أي نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالا. {حكمة بالغة} يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية {فما تغن النذر} يجوز أن تكون "ما" نفيا على معنى: فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهاما والمعنى: فأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: "وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" (يونس -101) و"النذر": جمع نذير. {فتول عنهم} أعرض عنهم نسختها آية القتال. قيل: ها هنا وقف تام. وقيل: {فتول عنهم يوم يدعو الداعي} أي: إلى يوم الداعي، قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس {إلى شيء نكر} [منكر] فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما، قرأ ابن كثير: "نكر" بسكون الكاف، والآخرون بضمها. {خشعا أبصارهم} قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي: "خاشعا" على الواحد، وقرأ الآخرون: "خشعا" -بضم الخاء وتشديد الشين -على الجمع. ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجال حسن أوجههم، وحسنة أوجههم، وحسان أوجههم، قال الشاعر: ورجال حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد. وفي قراءة عبد الله: "خاشعة أبصارهم" أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. {يخرجون من الأجداث} من القبور {كأنهم جراد منتشر} منبث حيارى، وذكر المنتشر على لفظ الجراد، نظيرها: "كالفراش المبثوث"، (القارعة -4) وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها، كالجراد لا جهة لها، تكون مختلطة بعضها في بعض. {مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر } {مهطعين} مسرعين مقبلين {إلى الداعي} إلى صوت إسرافيل {يقول الكافرون هذا يوم عسر} يوم صعب شديد. قوله عز وجل: {كذبت قبلهم} أي: قبل أهل مكة {قوم نوح فكذبوا عبدنا} نوحا {وقالوا مجنون وازدجر} أي: زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا: "لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين" (الشعراء -116) وقال مجاهد: معنى: ازدجر أي: استطير جنونا. {فدعا} نوح {ربه} وقال {أني مغلوب} مقهور {فانتصر} فانتقم لي منهم. {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} منصب انصبابا شديدا، لم ينقطع أربعين يوما، وقال يمان: قد طبق ما بين السماء والأرض.

قسم V07/P427–V07/P429

{وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء} يعني ماء السماء وماء الأرض، وإنما قال: "فالتقى الماء" والالتقاء لا يكون من واحد، إنما يكون بين اثنين فصاعدا؛ لأن الماء يكون جمعا وواحدا. وقرأ عاصم الجحدري: فالتقى الماآن. {على أمر قد قدر} أي: قضي عليهم في أم الكتاب. وقال مقاتل: قدر الله أن يكون الماآن سواء فكانا على ما قدر. {وحملناه} يعني: نوحا {على ذات ألواح ودسر} أي سفينة ذات ألواح، ذكر النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة العريضة {ودسر} أي: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دسار ودسير، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير. وقال الحسن: الدسر صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجؤها، أي تدفع. وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. وقيل: أضلاعها. وقال الضحاك: الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها. {تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } {تجري بأعيننا} أي: بمرأى منا. وقال مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قولهم للمودع: عين الله عليك. وقال سفيان: بأمرنا {جزاء لمن كان كفر} [قال مقاتل بن حيان] : يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لمن كان كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، وقيل: "من" بمعنى ما أي: جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لما [صنع] بنوح وأصحابه. وقرأ مجاهد: "جزاء لمن كان كفر" بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق جزاء / لمن كان كفر بالله وكذب رسوله. 146/أ {ولقد تركناها} يعني: [الفعلة التي] فعلنا {آية} يعتبر بها. وقيل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله [بباقر دي] من أرض الجزيرة. عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة {فهل من مدكر} أي: متذكر متعظ معتبر خائف مثل عقوبتهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود عن قوله: "فهل من مدكر" أو مذكر؟ قال: سمعت عبد الله يقرؤها "فهل من مدكر"، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها: "فهل من مدكر" دالا. {فكيف كان عذابي ونذر} أي: إنذاري. قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، تقول العرب: أنذرت إنذارا ونذرا، كقولهم أنفقت إنفاقا ونفقة، وأيقنت إيقانا ويقينا، أقيم الاسم مقام المصدر. {ولقد يسرنا} سهلنا {القرآن للذكر} ليتذكر ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن "فهل من مدكر"، متعظ بمواعظه. {كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر } {كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} شديدة الهبوب {في يوم نحس مستمر} شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يبق منهم أحدا إلا أهلكه. قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر. {تنزع الناس} تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم. وروي أنها كانت تنزع الناس من قبورهم {كأنهم أعجاز نخل} قال ابن عباس: أصولها، وقال الضحاك: أوراك نخل. {منقعر} [منقطع] من مكانه ساقط على الأرض. وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد وإنما قال: "أعجاز نخل" وهي أصولها التي قطعت فروعها؛ لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقي أجسادهم بلا رؤوس. {فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت ثمود بالنذر} بالإنذار الذي جاءهم به صالح.

الأسئلة